بَاب فِي الْأَدْوِيَةِ الْمَكْرُوهَةِ
حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، أَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ : أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ضِفْدَعٍ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ ، فَنَهَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِهَا حدثنا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ، نا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الدَّوَاءِ الْخَبِيثِ ( عَنْ ضِفْدِعٍ ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ ، وَرُوِيَ بِفَتْحِ الدَّالِ أَيْضًا ، قَالَهُ الْقَارِي ( يَجْعَلُهَا ) أَيْ : هُوَ وَغَيْرُهُ ( فِي دَوَاءٍ ) بِأَنْ يَجْعَلَهَا مُرَكَّبَةً مَعَ غَيْرِهَا مِنَ الْأَدْوِيَةِ ، وَالْمَعْنَى يَسْتَعْمِلُهَا لِأَجْلِ دَوَاءٍ وَشِفَاءِ دَاءٍ ( عَنْ قَتْلِهَا ) أَيْ : وَجَعَلَهَا فِي الدَّوَاءِ ؛ لِأَنَّ التَّدَاوِي بِهَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَتْلِ ، فَإِذَا حَرُمَ الْقَتْلُ حَرُمَ التَّدَاوِي بِهَا أَيْضًا ، وَذَلِكَ إِمَّا لِأَنَّهُ نَجَسٌ ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ مُسْتَقْذَرٌ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الضِّفْدِعَ مُحَرَّمُ الْأَكْلِ ، وَأَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِيمَا أُبِيحَ مِنْ دَوَابِّ الْمَاءِ ، وَكُلُّ مَنْهِيٍّ عَنْ قَتْلِهِ مِنَ الْحَيَوَانِ ، فَإِنَّمَا هُوَ لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ : إِمَّا لِحُرْمَةٍ فِي نَفْسِهِ ؛ كَالْآدَمِيِّ ، وَإِمَّا لِتَحْرِيمِ لَحْمِهِ ؛ كَالصُّرَدِ وَالْهُدْهُدِ وَنَحْوِهِمَا ، وَإِذَا كَانَ الضِّفْدِعُ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ كَالْآدَمِيِّ كَانَ النَّهْيُ فِيهِ مُنْصَرِفًا إِلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَبْحِ الْحَيَوَانِ إِلَّا لِمَأْكَلِهِ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ .
( عَنِ الدَّوَاءِ الْخَبِيثِ ) قِيلَ هُوَ النَّجَسُ أَوِ الْحَرَامُ ، أَوْ مَا يَتَنَفَّرُ عَنْهُ الطَّبْعُ ، وَقَدْ جَاءَ تَفْسِيرُهُ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ بِالسُّمِّ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الدَّوَاءُ الْخَبِيثُ قَدْ يَكُونُ خُبْثُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهَا خُبْثُ النَّجَاسَةِ : وَهُوَ أَنْ يَدْخُلَهُ الْمُحَرَّمُ ؛ كَالْخَمْرِ وَنَحْوِهَا مِنْ لُحُومِ الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْمَأْكُولَةِ اللَّحْمِ ، وَقَدْ يَصِفُ الْأَطِبَّاءُ بَعْضَ الْأَبْوَالِ وَعَذِرَةَ بَعْضِ الْحَيَوَانِ لِبَعْضِ الْعِلَلِ ، وَهِيَ كُلُّهَا خَبِيثَةٌ نَجِسَةٌ ، وَتَنَاوُلُهَا مُحَرَّمٌ ، إِلَّا مَا خَصَّتْهُ السُّنَّةُ مِنْ أَبْوَالِ الْإِبِلِ ، وَقَدْ رَخَّصَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِنَفَرِ عُرَيْنَةَ وَعُكْلٍ ، وَسَبِيلُ السُّنَنِ أَنَّ يُقَرَّ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهَا فِي مَوْضِعِهِ ، وَأَنْ لَا يُضْرَبَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ ، وَقَدْ يَكُونُ خُبْثُ الدَّوَاءِ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ الطَّعْمِ وَالْمَذَاقِ ، وَلَا يُنْكَرُ أَنْ يَكُونَ كَرِهَ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ عَلَى الطِّبَاعِ ، وَلِتكُرْهِ النَّفْسِ إِيَّاهُ ، وَالْغَالِبُ أَنَّ طُعُومَ الْأَدْوِيَةِ كَرِيهَةٌ ، وَلَكِنَّ بَعْضَهَا أَيْسَرُ احْتِمَالًا وَأَقَلُّ كَرَاهَةً . انْتَهَى .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَفِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ يَعْنِي السُّمَّ .