بَاب فِي الطِّيَرَةِ
حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الْعَسْقَلَانِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَا : نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا عَدْوَى ، وَلَا طِيَرَةَ ، وَلَا صَفَرَ ، وَلَا هَامَّةَ فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ : مَا بَالُ الْإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ ، فَيُخَالِطُهَا الْبَعِيرُ الْأَجْرَبُ فَيُجْرِبُهَا ؟ قَالَ : فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ قَالَ مَعْمَرٌ : قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَحَدَّثَنِي رَجُلٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ قَالَ : فَرَاجَعَهُ الرَّجُلُ فَقَالَ : أَلَيْسَ قَدْ حدثتنا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا عَدْوَى ، وَلَا صَفَرَ ، وَلَا هَامَةَ ؟ قَالَ : لَمْ أُحَدِّثْكُمُوهُ . قَالَ الزُّهْرِيُّ : قَالَ أَبُو سَلَمَةَ : قَدْ حَدَّثَ بِهِ ، وَمَا سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ نَسِيَ حَدِيثًا قَطُّ غَيْرَهُ . ( لَا عَدْوَى ) نَفْيٌ لِمَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مِنْ سِرَايَةِ الْمَرَضِ مِنْ صَاحِبِهِ إِلَى غَيْرِهِ ( وَلَا صَفَرَ ) نَفْيٌ لِمَا يَعْتَقِدُونَهُ مِنْ أَنَّهُ دَاءٌ بِالْبَاطِنِ يُعْدِي أَوْ حَيَّةٌ فِي الْبَطْنِ تُصِيبُ الْمَاشِيَةَ وَالنَّاسَ ، وَهِيَ تُعْدِي أَعْدَى مِنَ الْجَرَبِ ، أَوِ الْمُرَادُ الشَّهْرُ الْمَعْرُوفُ ، كَانُوا يَتَشَاءَمُونَ بِدُخُولِهِ ، أَوْ هُوَ دَاءٌ فِي الْبَطْنِ مِنَ الْجُوعِ أَوْ مِنِ اجْتِمَاعِ الْمَاءِ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ الِاسْتِسْقَاءُ ( وَلَا هَامَةَ ) بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ طَائِرٌ ، وَقِيلَ : هُوَ الْبُومَةُ .
قَالُوا : إِذَا سَقَطَتْ عَلَى دَارِ أَحَدِهِمْ وَقَعَتْ فِيهَا مُصِيبَةٌ وَقِيلَ : غَيْرُ ذَلِكَ ( مَا بَالُ الْإِبِلِ ) أَيْ : مَا شَأْنُ جَمَاعَةٍ مِنْهَا ( تَكُونُ فِي الرَّمْلِ ) هُوَ خَبَرُ تَكُونُ ( كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ ) فِي النَّشَاطِ وَالْقُوَّةِ وَالسَّلَامَةِ مِنَ الدَّاءِ ، وَالظِّبَاءُ بِكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ مَهْمُوزٌ مَمْدُودٌ ، وَفِي الرَّمْلِ خَبَرٌ ، وَكَأَنَّهَا الظِّبَاءُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي الْخَبَرِ وَهُوَ تَتْمِيمٌ لِمَعْنَى النَّقَاوَةِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ فِي التُّرَابِ رُبَّمَا يَلْصَقُ بِهَا شَيْءٌ مِنْهُ ( الْبَعِيرُ الْأَجْرَبُ ) أَيِ : الَّذِي فِيهِ جَرَبٌ وَحَكَّةٌ ( فَيُجْرِبُهَا ) مِنَ الْإِجْرَابِ أَيْ : يَجْعَلُهَا جَرِبَةً بِإِعْدَائِهَا . وَهَذَا الْجَوَابُ فِي غَايَةِ الْبَلَاغَةِ أَيْ : مِنْ أَيْنَ جَاءَ الْجَرَبُ لِلَّذِي أَعْدَى بِزَعْمِهِمْ ، فَإِنْ أَجَابُوا مِنْ بَعِيرٍ آخَرَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ أَوْ بِسَبَبٍ آخَرَ فَلْيُفْصِحُوا بِهِ . فَإِنْ أَجَابُوا بِأَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ فِي الْأَوَّلِ هُوَ الَّذِي فَعَلَهُ فِي الثَّانِي ثَبَتَ الْمُدَّعَى ، وَهُوَ أن الَّذِي فَعَلَ جَمِيعَ ذَلِكَ هُوَ الْقَادِرُ الْخَالِقُ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ وَلَا مُؤَثِّرَ سِوَاهُ ( لَا يُورِدَنَّ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَنُونِ التَّأْكِيدِ الثَّقِيلَةِ ( مُمْرِضٌ ) بِضَمِّ الْمِيمِ الْأَوْلَى وَسُكُونِ الثَّانِيَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا ضَادٌ مُعْجَمَةٌ الَّذِي لَهُ إِبِلٌ مَرْضَى ( عَلَى مُصِحٍّ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا حَاءٌ مُهْمَلَةٌ أَيْضًا مَنْ لَهُ إِبِلٌ صِحَاحٌ لَا يُورِدَنَّ إِبِلَهُ الْمَرِيضَةَ عَلَى إِبِلِ غَيْرِهِ الصَّحِيحَةِ .
وَجَمَعَ ابْنُ بَطَّالٍ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ لَا عَدْوَى فَقَالَ : لَا عَدْوَى إِعْلَامٌ بِأَنَّهَا لَا حَقِيقَةَ لَهَا ، وَأَمَّا النَّهْيُ فَلِئَلَّا يَتَوَهَّمَ الْمُصِحُّ أَنَّ مَرَضَهَا حَدَثَ مِنْ أَجْلِ وُرُودِ الْمَرِيضِ عَلَيْهَا ، فَيَكُونُ دَاخِلًا بِتَوَهُّمِهِ ذَلِكَ فِي تَصْحِيحِ مَا أَبْطَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ، ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ ( قَالَ ) الزُّهْرِيُّ ( فَرَاجَعَهُ الرَّجُلُ ) هَذِهِ الرِّوَايَةُ مُخْتَصَرَةٌ وَتُوَضِّحُهَا رِوَايَةُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا عَدْوَى وَيُحَدَّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ . قَالَ أَبُو سَلَمَةَ : كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُهُمَا كِلْتَيْهِمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ صَمَتَ أَبُو هُرَيْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ قَوْلِهِ : لَا عَدْوَى وَأَقَامَ عَلَى أَنْ لَا يُورِدَ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ . قَالَ : فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ذُبَابٍ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ أَبِي هُرَيْرَةَ : قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ تُحَدِّثُنَا مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثًا آخَرَ قَدْ سَكَتَّ عَنْهُ ، كُنْتَ تَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا عَدْوَى فَأَبَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنْ يَعْرِفَ ذَلِكَ وَقَالَ : لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ ، فَمَارَاهُ الْحَارِثُ فِي ذَلِكَ حَتَّى غَضِبَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَرَطَنَ بِالْحَبَشِيَّةِ ، فَقَالَ لِلْحَارِثِ : أَتَدْرِي مَاذا قُلْتُ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : إِنَى قُلْتُ : أَبَيْتُ ، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ : وَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا عَدْوَى فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَوْ نَسَخَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَ انْتَهَى .
( حَدِيثًا قَطُّ غَيْرَهُ ) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ حِفْظِهِ وَضَبْطِهِ وَإِتْقَانِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَنْسَ فِي الْعُمْرِ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : وَلَا يُؤَثِّرُ نِسْيَانُ أَبِي هُرَيْرَةَ لِحَدِيثِ لَا عَدْوَى بِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا أَنَّ نِسْيَانَ الرَّاوِي لِلْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّتِهِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ ، بَلْ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ ، وَالثَّانِي أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ ثَابِتٌ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ، ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، ، وَابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَهَى . وَنَقَلَ الْقَسْطَلَّانِيُّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ لَعَلَّ هَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي سَمِعَهَا قَبْلَ بَسْطِ رِدَائِهِ ثُمَّ ضَمِّهُ إِلَيْهِ عِنْدَ فَرَاغِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَقَالَتِهِ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا .