حدثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، قَالَا : نا اللَّيْثُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ : أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ عَائِشَةَ تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا ، وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا ، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ : ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ ، فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ ، وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ لِأَهْلِهَا فَأَبَوْا ، وَقَالُوا : إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ ، وَيَكُونُ لَنَا وَلَاؤُكِ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ؟ مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ ، وَإِنْ شَرَطَهُ مِائَةَ مَرَّةٍ ، شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ ( فِي كِتَابَتِهَا ) أَيْ : فِي مَالِ كِتَابَتِهَا ( إِلَى أَهْلِكَ ) أَيْ : سَادَاتِكَ ( وَيَكُونَ ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى الْمَنْصُوبِ السَّابِقِ ( وَلَاؤُكَ لي ) أَيْ : وَلَاءُ الْعِتْقِ لِي وَهُوَ إِذَا مَاتَ الْمُعْتَقُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَرِثَهُ مُعْتِقُهُ بِكَسْرِ التَّاءِ أَوْ وَرَثَةُ مُعْتِقِهُ ، وَالْوَلَاءُ كَالنَّسَبِ فَلَا يَزُولُ بِالْإِزَالَةِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ . قَالَ مَالِكٌ : إِذَا كَاتَبَ الْمُكَاتَبُ فَعُتِقَ فَإِنَّمَا يَرِثُهُ أَوْلَى النَّاسِ مِمَّنْ كَاتَبَهُ مِنَ الرِّجَالِ يَوْمَ تُوُفِّيَ الْمُكَاتَبُ مِنْ وَلَدٍ أَوْ عَصَبَةٍ انْتَهَى ( فَعَلْتُ ) وَهَذَا جَوَابُ الشَّرْطِ . وَظَاهِرُهُ أَنَّ عَائِشَةَ طَلَبَتْ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهَا إِذَا أَدَّتْ جَمِيعَ مَالِ الْكِتَابَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا ، وَكَيْفَ تَطْلُبُ وَلَاءَ مَنْ أَعْتَقَهُ غَيْرُهَا ، وَقَدْ أَزَالَ هَذَا الْإِشْكَالَ مَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ حَيْثُ قَالَ : أَنْ أَعُدَّهَا عَدَّةً وَاحِدَةً وَأُعْتِقَكِ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ فَتَبَيَّنَ أَنَّ غَرَضَهَا أَنْ تَشْتَرِيَهَا شِرَاءً صَحِيحًا ثُمَّ تُعْتِقُهَا إِذِ الْعِتْقُ فَرْعُ ثُبُوتِ الْمِلْكِ ( فَذَكَرَتْ ذَلِكَ ) الَّذِي قَالَتْهُ عَائِشَةُ ( فَأَبَوْا ) أَيِ : امْتَنَعُوا أَن يَكُونَ الْوَلَاءُ لِعَائِشَةَ ( إِنْ شَاءَتْ ) عَائِشَةُ ( أَنْ تَحْتَسِبَ ) الْأَجْرَ ( عَلَيْكِ ) عِنْدَ اللَّهِ ( وَيَكُونَ ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى أَنْ تَحْتَسِبَ ( لَنَا وَلَاؤُكِ ) لَا لَهَا ( فَذَكَرَتْ ) عَائِشَةُ ( ابْتَاعِي ) أَيِ : ابْتَاعِيهَا ( فَأَعْتِقِي ) أَيْ : فَأَعْتِقِيهَا بِهَمْزَةِ قَطْعٍ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ . قَالَ السِّنْدِيُّ : أَيْ : اشْتَرِي مَعَ ذَلِكَ الشَّرْطِ ، قَالُوا : إِنَّمَا كَانَ خُصُوصِيَّتُهُ لِيُظْهِرَ لَهُمْ إِبْطَالَ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ وَأَنَّهَا لَا تَنْفَعُ أَصْلًا انْتَهَى ( مَا بَالُ ) أَيْ : مَا حَالُ ( لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ) أَيْ : فِي حُكْمِ اللَّهِ الَّذِي كَتَبَهُ عَلَى عِبَادِهِ وَشَرَعَهُ لَهُمْ . قَالَ ابن خُزَيْمَةَ : أَيْ : لَيْسَ فِي حُكْمِ اللَّهِ جَوَازُهَا أَوْ وُجُوبُهَا لَا أَنَّ كُلَّ مَنْ شَرَطَ شَرْطًا لَمْ يَنْطِقْ بِهِ الْكِتَابُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُشْتَرَطُ فِي الْبَيْعِ الْكَفِيلُ فَلَا يَبْطُلُ الشَّرْطُ ، وَيُشْتَرَطُ فِي الثَّمَنِ شُرُوطٌ مِنْ أَوْصَافِهِ أَوْ نُجُومِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يَبْطُلُ ، فَالشُّرُوطُ الْمَشْرُوعَةُ صَحِيحَةٌ وَغَيْرُهَا بَاطِلٌ ( أَحَقُّ وَأَوْثَقُ ) لَيْسَ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ فِيهِمَا عَلَى بَابِهِ ، فَالْمُرَادُ أَنَّ شَرْطَ اللَّهِ هُوَ الْحَقُّ وَالْقَوِيُّ وَمَا سِوَاهُ بَاطِلٌ . قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ : وَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ بَيْعِ رَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ إِذَا رَضِيَ بِذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَعْجَزْ نَفْسُهُ وَاخْتَارَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْأَصَحِّ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ ، وَأَجَابُوا عَنْ قِصَّةِ بَرِيرَةَ بِأَنَّهَا عَجَزَتْ نَفْسُهَا ؛ لِأَنَّهَا اسْتَعَانَتْ بِعَائِشَةَ فِي ذَلِكَ . وَعُورِضَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي اسْتِعَانَتِهَا مَا يَسْتَلْزِمُ الْعَجْزَ وَلَا سِيَّمَا مَعَ الْقَوْلِ بِجَوَازِ كِتَابَةِ مَنْ لَا مَالَ عِنْدَهُ وَلَا حِرْفَةَ لَهُ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ حَدِيثِ بَرِيرَةَ أَنَّهَا عَجَزَتْ عَنْ أَدَاءِ النُّجُومِ وَلَا أَخْبَرَتْ بِأَنَّهَا قَدْ حَلَّ عَلَيْهَا شَيْءٌ ، وَلَمْ يَرِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ اسْتِفْصَالُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهَا عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى . لَكِنْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا رَضِيَ أَهْلُهَا بِالْبَيْعِ وَرَضِيَتِ الْمُكَاتَبَةُ بِالْبَيْعِ فَإِنَّ ذَلِكَ تَرْكٌ لِلْكِتَابَةِ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ .
المصدر: عون المعبود شرح سنن أبي داود
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-36/h/365689
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة