بَاب فِيمَنْ رَوَى أَنَّهُ لَا يُسْتَسْعَى
حدثنا الْقَعْنَبِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ أُقِيمَ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَدْلِ فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ ، وَأُعْتِقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ ، وَإِلَّا فَقَدْ أعَتَقَ مِنْهُ مَا أعَتَقَ ( أُقِيمَ عَلَيْهِ ) وَلَفْظُ الْمُوَطَّأِ قُوِّمَ عَلَيْهِ وَهَكَذَا عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ ( قِيمَةُ الْعَدْلِ ) بِأَنْ لَا يُزَادَ عَلَى قِيمَتِهِ وَلَا يُنْقَصَ عَنْهَا ( فَأَعْطَى ) بِصِيغَةِ الْمَعْرُوفِ ( شُرَكَاءَهُ ) بِالنَّصْبِ هَكَذَا رَوَاهُ الْأَكْثَرُ ، وَلِبَعْضِهِمْ فَأَعْطَى عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَرَفْعِ شُرَكَاؤُهُ قَالَهُ الْحَافِظُ ( حِصَصُهُمْ ) أَيْ : قِيمَةُ حِصَصِهِمْ فَإِنْ كَانَ الشَّرِيكُ وَاحِدًا أَعْطَاهُ جَمِيعَ الْبَاقِي اتِّفَاقًا ، فَلَوْ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ ثَلَاثَةٍ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمْ حِصَّتَهُ وَهِيَ الثُّلُثُ وَالثَّانِي حِصَّتَهُ وَهِيَ السُّدُسُ فَهَلْ يُقَوَّمُ عَلَيْهِمَا نَصِيبُ صَاحِبِ النِّصْفِ بِالسَّوِيَّةِ أَوْ عَلَى قَدْرِ الْحِصَصِ ؟ الْجُمْهُورُ عَلَى الثَّانِي ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ خِلَافٌ كَالْخِلَافِ فِي الشُّفْعَةِ إِذَا كَانَتْ لِاثْنَيْنِ هَلْ يَأْخُذَانِ بِالسَّوِيَّةِ أَوْ عَلَى قَدْرِ الْمِلْكِ ( وَأُعْتِقَ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ ( عَلَيْهِ الْعَبْدُ ) بَعْدَ إِعْطَاءِ الْقِيمَةِ عَلَى ظَاهِرِهِ ، فَلَوْ أَعْتَقَ الشَّرِيكُ قَبْلَ أَخْذِ الْقِيمَةِ نَفَذَ عِتْقُهُ ( وَإِلَّا ) أَيْ : وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ ( فَقَدْ أُعْتِقَ مِنْهُ مَا أُعْتِقَ ) بِضَمِّ الْهَمْزَتَيْنِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَيْ : وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا فَقَدْ أَعْتَقَ مِنْهُ حِصَّتَهُ وَهِيَ مَا أَعْتَقَ . قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ : احْتَجَّ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ عَبْدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ غَرِمَ نَصِيبَ صَاحِبِهِ وَعَتَقَ الْعَبْدُ مِنْ مَالِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ عَتَقَ مِنَ الْعَبْدِ مَا عَتَقَ وَلَا يُسْتَسْعَى . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ .
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ شَرِيكَهُ مُخَيَّرٌ إِمَّا أَنَّهُ يُعْتِقُ نَصِيبَهُ ، أَوْ يُسْتَسْعَى الْعَبْدُ وَالْوَلَاءُ فِي الْوَجْهَيْنِ لَهُمَا ، أَوْ يَضْمَنُ الْمُعْتِقُ قِيمَةَ نَصِيبِهِ لَوْ كَانَ مُوسِرًا ، أَوْ يَرْجِعُ بِالَّذِي ضُمِّنَ عَلَى الْعَبْدِ وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ . وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لَيْسَ لَهُ إِلَّا الضَّمَانُ مَعَ الْيَسَارِ أَوِ السِّعَايَةُ مَعَ الْإِعْسَارِ ، وَلَا يَرْجِعُ الْمُعْتِقُ عَلَى الْعَبْدِ بِشَيْءٍ وَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ فِي الْوَجْهَيْنِ . ثُمَّ قَالَ الْعَيْنِيُّ : وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ الْمُعْتِقَ إِذَا كَانَ مُوسِرًا قُوِّمَ عَلَيْهِ حِصَصُ شُرَكَائِهِ وَأُغْرِمَهَا لَهُمْ وَأُعْتِقَ كُلُّهُ بَعْدَ التَّقْوِيمِ لَا قَبْلَهُ ، وَإِنْ شَاءَ الشَّرِيكُ أَنْ يُعْتِقَ حِصَّتَهُ فَلَهُ ذَلِكَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُمْسِكَهُ رَقِيقًا وَلَا أَنْ يُكَاتِبَهُ وَلَا أَنْ يُدَبِّرَهُ وَلَا أَنْ يَبِيعَهُ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا ، فَقَدْ عَتَقَ مَا أَعْتَقَ ، وَالْبَاقِي رَقِيقٌ يَبِيعُهُ الَّذِي هُوَ لَهُ إِنْ شَاءَ أَوْ يُمْسِكُهُ رَقِيقًا أَوْ يُكَاتِبُهُ أَوْ يَهَبُهُ أَوْ يُدَبِّرُهُ ، وَسَوَاءٌ أَيْسَرَ الْمُعْتِقُ بَعْدَ عِتْقِهِ أَوْ لَمْ يُوسِرْ .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ أَنَّ الَّذِي أَعْتَقَ إِنْ كَانَ مُوسِرًا قُوِّمَ عَلَيْهِ حِصَّةُ مَنْ شَرَكَهُ وَهُوَ حُرٌّ كُلُّهُ حِينَ أَعْتَقَ الَّذِي أَعْتَقَ نَصِيبَهُ وَلَيْسَ لِمَنْ يُشْرِكُهُ أَنْ يُعْتِقَهُ وَلَا أَنْ يُمْسِكَهُ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا ، فَقَدْ عَتَقَ مَا عَتَقَ وَبَقِيَ سَائِرُهُ مَمْلُوكًا يَتَصَرَّفُ فِيهِ مَالِكُهُ كَيْفَ شَاءَ . وَاحْتَجَّ بِهِ أَيْضًا مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ عَلَى أَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَى الْمُوسِرِ خَاصَّةً دُونَ الْمُعْسِرِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَإِلَّا فَقَدْ أَعْتَقَ مِنْهُ مَا أَعْتَقَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .