حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عون المعبود شرح سنن أبي داود

أول كِتَاب الْحُرُوفِ وَالْقِرَاءَاتِ

حدثنا مُوسَى بْنُ إِسْماَعِيلَ ، نا حَمَّادٌ ، نا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ : نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَرَأَ عَلَيْنَا : سُورَةٌ أَنْـزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ : يَعْنِي مُخَفَّفَةً حَتَّى أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَاتِ . آخر كتاب الحروف والقراءات ( فَقَرَأَ عَلَيْنَا ) : أَيْ فِي سُورَةِ النُّورِ سُورَةٌ : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هَذِهِ سُورَةٌ أَنْـزَلْنَاهَا : صِفَةٌ لَهَا . وَقَرَأَ طَلْحَةُ بِالنَّصْبِ أَيِ اتْلُ سُورَةً وَفَرَضْنَاهَا : أَيْ وَفَرَضْنَا مَا فِيهَا مِنَ الْأَحْكَامِ وَأَلْزَمْنَاكُمُ الْعَمَلَ بِهَا ( يَعْنِي مُخَفَّفَةً ) : كَمَا هُوَ قِرَاءَةُ الْأَكْثَرِينَ .

قَالَ الْبَغَوِيُّ : قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عُمَرَ وَفَرَضْنَاهَا : بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ ، أَمَّا التَّشْدِيدُ فَمَعْنَاهُ فَصَّلْنَاهُ وَبَيَّنَّاهُ ، انْتَهَى ( حَتَّى أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَاتِ ) : الَّتِي بَعْدَ قَوْلِهِ - تَعَالَى - : وَفَرَضْنَاهَا وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ . فَائِدَةٌ : وَأَمَّا إِخْرَاجُ الضَّادِ مِنْ مَخْرَجِهَا فَعَسِيرٌ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْعَوَامُّ . وَفِي شَرْحِ الشَّاطِبِيَّةِ الْمَوْسُومِ بِكَنْزِ الْمَعَانِي شَرْحِ حِرْزِ الْأَمَانِيِّ لِلشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَعْرُوفِ بِشُعْلَةَ الْمَوْصِلِيِّ الْحَنْبَلِيِّ أَنَّ الضَّادَ وَالظَّاءَ وَالذَّالَ مُتَشَابِهَةٌ فِي السَّمْعِ ، وَالضَّادُ لَا تَفْتَرِقُ عَنِ الظَّاءِ إِلَّا بِاخْتِلَافِ الْمَخْرَجِ وَزِيَادَةِ الِاسْتِطَالَةِ فِي الضَّادِ وَلَوْلَاهُمَا لَكَانَتْ إِحْدَاهُمَا عَيْنَ الْأُخْرَى ، انْتَهَى .

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَزَرِيُّ فِي التَّمْهِيدِ فِي عِلْمِ التَّجْوِيدِ : وَالنَّاسُ يَتَفَاوَتُونَ فِي النُّطْقِ بِالضَّادِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ ظَاءً لِأَنَّ الضَّادَ يُشَارِكُ الظَّاءَ فِي صِفَاتِهَا كُلِّهَا وَيَزِيدُ عَلَى الظَّاءِ بِالِاسْتِطَالَةِ فَلَوْلَا الِاسْتِطَالَةُ وَاخْتِلَافُ الْمَخْرَجَيْنِ لَكَانَتْ ظَاؤُهُمْ أَكْثَرَ الشَّامِيِّينَ وَبَعْضِ أَهْلِ الشَّرْقِ . وَحَكَى ابْنُ جِنِّيٍّ فِي كِتَابِ التَّنْبِيهِ وَغَيْرِهِ : أَنَّ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَجْعَلُ الضَّادَ ظَاءً مُطْلَقًا فِي جَمِيعِ كَلَامِهِمْ ، وَهَذَا قَرِيبٌ ، وَفِيهِ تَوَسُّعٌ لِلْعَامَّةِ ، انْتَهَى . وَقَالَ فَخْرٌ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ : الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنَّ اشْتِبَاهَ الضَّادِ بِالظَّاءِ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُشَابَهَةَ حَاصِلَةٌ فِيهِمَا جِدًّا ، وَالتَّمَيُّزَ عَسِيرٌ ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ التَّكْلِيفُ بِالْفَرْقِ وَبَيَانُ الْمُشَابَهَةِ مِنْ وُجُوهٍ : الْأَوَّلُ أَنَّهُمَا مِنَ الْحُرُوفِ الْمَجْهُورَةِ ، وَالثَّانِي أَنَّهُمَا مِنَ الْحُرُوفِ الرَّخْوَةِ ، وَالثَّالِثُ أَنَّهُمَا مِنَ الْحُرُوفِ الْمُطْبَقَةِ ، وَالرَّابِعُ أَنَّ الظَّاءَ وَإِنْ كَانَ مَخْرُجُهُ مِنْ طَرْفِ اللِّسَانِ وَأَطْرَافِ الثَّنَايَا الْعُلْيَا وَمَخْرَجُ الضَّادِ مِنْ أَوَّلِ حَافَّةِ اللِّسَانِ وَمَا يَلِيهَا مِنَ الْأَضْرَاسِ إِلَّا أَنَّهُ حَصَلَ فِي الضَّادِ انْبِسَاطٌ لِأَجْلِ رَخَاوَتِهَا ، وَلِهَذَا السَّبَبِ يَقْرَبُ مَخْرَجُهُ الظَّاءَ ، وَالْخَامِسُ أَنَّ النُّطْقَ بِحَرْفِ الضَّادِ مَخْصُوصٌ بِالْعَرَبِ ، فثبَت بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُشَابَهَةَ بَيْنَ الضَّادِ وَالظَّاءِ شَدِيدَةٌ ، وَأَنَّ التَّمَيُّزَ عَسِيرٌ ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ : لَوْ كَانَ الْفَرْقُ مُعْتَبَرًا لَوَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي أَزْمِنَةِ الصَّحَابَةِ ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ دُخُولِ الْعَجَمِ ، فَلَمَّا لَمْ يُنْقَلْ وُقُوعُ السُّؤَالِ عَنْ هَذَا الْبَتَّةَ عَلِمْنَا أَنَّ التَّمْيِيزَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَرْفَيْنِ لَيْسَ فِي مَحَلِّ التَّكْلِيفِ ، انْتَهَى .

وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ : لَوْ قَرَأَ الضَّالِّينَ بِالظَّاءِ مَكَانَ الضَّادِ ، أَوْ بِالذَّالِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ ، وَلَوْ قَرَأَ الدَّالِّينَ بِالدَّالِ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ ، انْتَهَى . وَقَدْ طَالَ النِّزَاعُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا . فَقِيلَ : لَا يُقْرَأُ الضَّادُ مُشَابَهَةً بِالظَّاءِ ، وَمَنْ قَرَأَ هَكَذَا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ ، بَلْ يُقْرَأُ الضَّادُ مُشَابَهَةً بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ ، وَهَذَا كَلَامٌ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ .

وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ : مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إِخْرَاجِ الضَّادِ مِنْ مَخْرَجِهَا فَلَهُ أَنْ يَقْرَأَ الضَّادَ مُشَابَهَةً بِالظَّاءِ لِأَنَّ الضَّادَ تُشَارِكُ الظَّاءَ فِي صِفَاتِهَا كُلِّهَا وَيَزِيدُ عَلَيْهَا بِالِاسْتِطَالَةِ ، فَلَوْلَا اخْتِلَافُ الْمَخْرَجَيْنِ وَالِاسْتِطَالَةُ فِي الضَّادِ لَكَانَتْ ظَاءً ، وَلَا يُقْرَأُ الضَّادُ مُشَابَهَةً بِالدَّالِ أَبَدًا ، وَهَذَا قَوْلُ شَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ السَّيِّدِ نَذِيرٌ حُسَيْنُ الدَّهْلَوِيِّ ، وَشَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ الْقَاضِي بَشِيرِ الدِّينِ الْقَنُّوجِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - . وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ قِرَاءَةَ الدَّالِ مَكَانَ الضَّادِ تَبْطُلُ بِهَا الصَّلَاةُ قَطْعًا لِفَسَادِ الْمَعْنَى . وَأَمَّا قِرَاءَةُ الظَّاءِ مَكَانَ الضَّادِ لَا تَفْسُدُ بِهَا الصَّلَاةُ أَصْلًا لِمُشَارَكَةِ الظَّاءِ بِالضَّادِ ، وَأَمَّا مَنْ سَعَى وَاجْتَهَدَ فِي أَدَاءِ الضَّادِ مِنْ مَخْرَجِهَا وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ فَقَرَأَ بَيْنَ الدَّالِ وَالضَّادِ بِحَيْثُ لَمْ يَنْطِقْ بِالدَّالِ الْخَالِصِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ أَيْضًا .

وَهَذَا اخْتِيَارُ بَعْضِ شُيُوخِنَا الْمُحَقِّقِينَ ، وَهُوَ الصَّوَابُ عِنْدِي ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث