أول كتاب اللباس
حدثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ ، أَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ الْجُرَيْرِيِّ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا سَمَّاهُ بِاسْمِهِ إِمَّا قَمِيصًا أَوْ عِمَامَةً ، ثُمَّ يَقُولُ : اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ كَسَوْتَنِيهِ ، أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِهِ وَخَيْرِ مَا صُنِعَ لَهُ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ قَالَ أَبُو نَضْرَةَ : وَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا لَبِسَ أَحَدُهُمْ ثَوْبًا جَدِيدًا قِيلَ لَهُ : تُبْلي ، وَيُخْلِفُ اللَّهُ تَعَالَى . ( عَنِ الْجُرَيْرِيِّ ) : بِضَمِّ الْجِيمِ هُوَ سَعِيدُ بْنُ إِيَاسٍ الْبَصْرِيُّ ، ثِقَةٌ ، مِنَ الْخَامِسَةِ ، وَاخْتَلَطَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثِ سِنِينَ ( إِذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا ) : أَيْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا وَأَصْلُهُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ صَيَّرَ ثَوْبَهُ جَدِيدًا ، وَأَغْرَبَ مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ طَلَبَ ثَوْبًا جَدِيدًا ( سَمَّاهُ ) : أَيِ الثَّوْبَ الْمُرَادَ بِهِ الْجِنْسُ ( بِاسْمِهِ ) أَيِ الْمُتَعَارَفِ الْمُتَعَيَّنِ الْمُشَخَّصِ الْمَوْضُوعِ لَهُ ( إِمَّا قَمِيصًا أَوْ عِمَامَةً ) : أَيْ أَوْ غَيْرَهُمَا كَالْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ وَنَحْوهِمَا ، وَالْمَقْصُودُ التَّعْمِيمُ فَالتَّخْصِيصُ لِلتَّمْثِيلِ . وَصُورَةُ التَّسْمِيَةِ بِاسْمِهِ بِأَنْ يَقُولَ : رَزَقَنِي اللَّهُ ، أَوْ أَعْطَانِي ، أَوْ كَسَانِي هَذِهِ الْعِمَامَةَ أَوِ الْقَمِيصَ ، أَوْ يَقُولُ : هَذَا قَمِيصٌ أَوْ عِمَامَةٌ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ، وَالْفَائِدَةُ بِهِ أَتَمُّ وَأَكْثَرُ ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُظْهِرِ ، ، وَالثَّانِي مُخْتَارُ الطِّيبِيِّ ، فَتَدَبَّرْ ( أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِهِ ) وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ أَسْأَلُكَ خَيْرَهُ بِحَذْفِ كَلِمَةِ مِنْ وَهُوَ أَعُمُّ وَأَجْمَعُ ، وَلَفْظُ الْمُؤَلِّفِ أَنْسَبُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُطَابَقَةِ لِقَوْلِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ وَأَعُوذَ بِكَ مِنْ شَرِّهِ ( وَخَيْرِ مَا صُنِعَ لَهُ ) : هُوَ اسْتِعْمَالُهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَعِبَادَتِهِ لِيَكُونَ عَوْنًا لَهُ عَلَيْهَا ( وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ ) : هُوَ اسْتِعْمَالُهُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَمُخَالَفَةِ أَمْرِهِ .
وَقَالَ : الْقَارِيُّ نَاقِلًا عَنْ مَيْرَكَ : خَيْرُ الثَّوْبِ بَقَاؤُهُ وَنَقَاؤُهُ وَكَوْنُهُ مَلْبُوسًا لِلضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ ، وَخَيْرُ مَا صُنِعَ لَهُ هُوَ الضَّرُورَاتِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا يُصْنَعُ اللِّبَاسُ مِنَ الْحَرِّ ، وَالْبَرْدِ ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ ، وَالْمُرَادُ : سُؤَالُ الْخَيْرِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ ، وَأَنْ يَكُونَ مُبَلِّغًا إِلَى الْمَطْلُوبِ الَّذِي صُنِعَ لِأَجْلِهِ الثَّوْبُ مِنَ الْعَوْنِ عَلَى الْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ لِمَوْلَاهُ ، وَفِي الشَّرِّ عَكْسُ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ ، وَهُوَ كَوْنُهُ حَرَامًا وَنَجِسًا وَلَا يَبْقَى زَمَانًا طَوِيلًا ، أَوْ يَكُونُ سَبَبًا لِلْمَعَاصِي وَالشُّرُورِ وَالِافتِخارِ وَالْعُجْبِ وَالْغُرُورِ وَعَدَمِ الْقَنَاعَةِ بِثَوْبِ الدُّونِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ ، انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ حَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ لُبْسِ الثَّوْبِ الْجَدِيدِ ( قَالَ أَبُو نَضْرَةَ ) : هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ ( قِيلَ لَهُ : تُبْلِي ) : مِنَ الْإِبْلَاءِ بِمَعْنَى الْإِخْلَاقِ ، وَهَذَا دُعَاءُ للَّابِسِ بِأَنْ يُعَمِّرَ وَيَلْبَسَ ذَلِكَ الثَّوْبَ حَتَّى يَبْلَى وَيَصِيرَ خَلِقًا ( وَيُخْلِفُ اللَّهُ تَعَالَى ) : عَطْفٌ عَلَى تُبْلِي ، مِنْ أَخْلَفَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَيْ أَبْدَلَهُ بما ذَهَبَ عَنْهُ وَعَوَّضَهُ عَنْهُ ، وَالْمَقْصُودُ الدُّعَاءُ بِطُولِ الْحَيَاةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ الْمُسْنَدَ مِنْهُ فَقَطْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .