حدثنا مُسَدَّدٌ ، نا يَحْيَى ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أن : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ التَّرَجُّلِ إِلَّا غِبًّا ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ) : بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَفْتُوحَةِ ( نَهَى عَنِ التَّرَجُّلِ ) : أَيِ التَّمَشُّطِ ( إِلَّا غِبًّا ) : بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : يُقَالُ : غَبَّ الرَّجُلُ إِذَا جَاءَ زَائِرًا بَعْدَ أَيَّامٍ . وَقَالَ الْحَسَنُ : أَيْ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً ، انْتَهَى . وَفَسَّرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِأَنْ يُسَرِّحَهُ يَوْمًا وَيَدَعَهُ يَوْمًا ، وَتَبِعَهُ غَيْرُهُ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِهِ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ . وَأَصْلُ الْغِبِّ فِي إِيرَادِ الْإِبِلِ أَنْ تَرِدَ الْمَاءَ يَوْمًا وَتَدَعَهُ يَوْمًا . وَفِي الْقَامُوسِ : الْغِبُّ فِي الزِّيَارَةِ أَنْ تَكُونَ كُلَّ أُسْبُوعٍ وَمِنَ الْحِمَى مَا تَأْخُذُ يَوْمًا وَتَدَعُ يَوْمًا . وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ الِاشْتِغَالِ بِالتَّرْجِيلِ فِي كُلِّ يَوْمٍ ، لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ التَّرَفُّهِ ، وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْإِرْفَاهِ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ . وَقَالَ الْعَلْقَمِيُّ : قَالَ عَبْدُ الْغَافِرِ الْفَارِسِيُّ فِي مَجْمَعِ الْغَرَائِبِ : أَرَادَ الِامْتِشَاطَ وَتَعَهُّدَ الشَّعْرِ وَتَرْبِيَتَهِ كَأَنَّهُ كَرِهَ الْمُدَاوَمَةَ . وَقَالَ ابْنُ رَسْلَانَ : تَرْجِيلُ الشَّعْرِ مَشْطُهُ وَتَسْرِيحُهُ . وَفِيهِ النَّهْيُ عَنْ تَسْرِيحِ الشَّعْرِ وَدَهْنِهِ كُلَّ وَقْتٍ لِمَا يَحْصُلُ مِنْهُ الْفَسَادُ وَفِيهِ تَنْظِيفُ الشَّعْرِ مِنَ الْقَمْلِ وَالدَّرَنِ وَغَيْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ لِإِزَالَةِ التَّفَثِ وَلِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُكْثِرُ دَهْنَ رَأْسِهِ وَتَسْرِيحَ لِحْيَتِهِ ، ذَكَرَهُ فِي الشَّمَائِلِ . انْتَهَى . وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ : نَهَى عَنِ التَّرَجُّلِ أَيِ التَّمَشُّطِ أَيْ تَسْرِيحِ الشَّعْرِ فَيُكْرَهُ لِأَنَّهُ مِنْ زِيِّ الْعَجَمِ وَأَهْلِ الدُّنْيَا . وَقَوْلُهُ : إِلَّا غِبًّا أَيْ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ فَلَا يُكْرَهُ بَلْ يُسَنُّ ، فَالْمُرَادُ النَّهْيُ عَنِ الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِ وَالِاهْتِمَامِ بِهِ لِأَنَّهُ مُبَالَغَةٌ فِي التَّزْيِينِ وَأَمَّا خَبَرُ النَّسَائِيِّ ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ جُمَّةٌ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُحْسِنَ إِلَيْهَا ، وَأَنْ يَتَرَجَّلَ كُلَّ يَوْمٍ ، فَحُمِلَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُحْتَاجًا لِذَلِكَ لِغَزَارَةِ شَعْرِهِ ، أَوْ هُوَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ جُمَّةٌ ضَخْمَةٌ ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهُ أَنْ يُحْسِنَ إِلَيْهَا وَأَنْ يَتَرَجَّلَ كُلَّ يَوْمٍ ، وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ كُلُّهُمْ رِجَالُ الصَّحِيحِ . وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي جُمَّةٌ أَفَأُرَجِّلُهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ وَأَكْرِمْهَا ، فَكَانَ أَبَا قَتَادَةَ رُبَّمَا دَهَنَهَا فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ مِنْ أَجْلِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعَمْ وَأَكْرِمْهَا . انْتَهَى . وَسَيَجِيءُ الْجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ مُغَفَّلٍ ، وَأَبِي قَتَادَةَ مِنْ كَلَامِ الْمُنْذِرِيِّ أَيْضًا . وَقَالَ الْحَافِظُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ : وَلَا فَرْقَ فِي النَّهْيِ عَنِ التَّسْرِيحِ كُلَّ يَوْمٍ بَيْنَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَّهُ كَانَ يُسَرِّحُ لِحْيَتَهُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ بِإِسْنَادٍ ، وَلَمْ أَرَهُ إِلَّا فِي الْإِحْيَاءِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَا أَصْلَ لَهَا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ لَكِنِ الْكَرَاهَةُ فِيهَا أَخَفُّ ؛ لِأَنَّ بَابَ التَّزْيِينِ فِي حَقِّهِنَّ أَوْسَعُ مِنْهُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ ، وَمَعَ هَذَا فَتَرْكُ التَّرَفُّهِ وَالتَّنَعُّمِ لَهُنَّ أَوْلَى . كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنَاوِيِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مُرْسَلًا ، وَأَخْرَجَهُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَوْلِهُمَا ، وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيِّ : وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ ، وَأَحَادِيثُ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ فِيهَا نَظَرٌ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ ، وَفِي مَا قَالَهُ نَظَرٌ . وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، وَأَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : إِنَّ الْحَسَنَ سَمِعَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، وَقَدْ صَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَهُ عَنْهُ كَمَا ذَكَرْنَا ، غَيْرَ أَنَّ الْحَدِيثَ فِي إِسْنَادِهِ اضْطِرَابٌ
المصدر: عون المعبود شرح سنن أبي داود
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-36/h/366021
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة