أَوَّلُ كِتَابِ التَّرَجُّلِ
حدثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، نا يَزِيدُ المازني ، أَنَا الْجُرَيْرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ : أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحَلَ إِلَى فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ وَهُوَ بِمِصْرَ ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ فَقَالَ : أَمَا إِنِّي لَمْ آتِكَ زَائِرًا ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ أَنَا وَأَنْتَ حَدِيثًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَكَ مِنْهُ عِلْمٌ قَالَ : مَا هُوَ ؟ قَالَ : كَذَا وَكَذَا ، قَالَ : ومَا لِي أَرَاكَ شَعِثًا وَأَنْتَ أَمِيرُ الْأَرْضِ ؟ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْهَانَا عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْإِرْفَاهِ قَالَ : فَمَا لِي لَا أَرَى عَلَيْكَ حِذَاءً ؟ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا أَنْ نَحْتَفِيَ أَحْيَانًا ( مَا لِي أَرَاكَ ) : مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ تَعَجُّبِيَّةٌ أَيْ كَيْفَ الْحَالُ ( شَعِثًا ) : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ أَيْ مُتَفَرِّقَ الشَّعْرِ غَيْرَ مُتَرَجِّلٍ فِي شَعْرِكَ وَلَا مُتَمَشِّطٍ فِي لِحْيَتِكِ ( كَانَ يَنْهَانَا عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْإِرْفَاهِ ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الْمَصْدَرِ بِمَعْنَى التَّنَعُّمِ ، أَصْلُهُ مِنِ الرِّفْهِ وَهُوَ أَنْ تَرِدَ الْإِبِلُ الْمَاءَ مَتَى شَاءَتْ ، وَمِنْهُ أُخِذَتِ الرَّفَاهِيَةُ وَهِيَ السَّعَةُ وَالدَّعَةُ وَالتَّنَعُّمُ ، كَرِهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِفْرَاطَ فِي التَّنَعُّمِ مِنَ التَّدْهِينِ وَالتَّرْجِيلِ عَلَى مَا هُوَ عَادَةُ الْأَعَاجِمِ ، وَأَمَرَ بِالْقَصْدِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ فِي مَعْنَاهُ الطَّهَارَةُ وَالنَّظَافَةُ ، فَإِنَّ النَّظَافَةَ مِنَ الدِّينِ . قَالَ الْحَافِظُ : الْقَيْدُ بِالْكَثِيرِ فِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْوَسَطَ الْمُعْتَدِلَ مِنَ الْإِرْفَاهِ لَا يُذَمُّ ، وَبِذَلِكَ يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَخْبَارِ انْتَهَى . وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْإِرْفَاءُ بِالْهَمْزَةِ وَمَعْنَاهُ الِامْتِشَاطُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ .
قَالَ الْعَلْقَمِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ ، وَفِي أَبِي دَاوُدَ : كَانَ يَنْهَانَا عَنْ كَثِيرِ الْإِرْفَاهِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ الْمَقْصُورَةِ هَاءٌ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَفَى بَعْضِ نُسَخِ أَبِي دَاوُدَ الْمُعْتَمَدَةِ الْإِرْفَهُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّهَا وَسُكُونِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْفَاءِ ، لَكِنْ مَحْذُوفُ الْأَلِفِ اخْتِصَارًا انْتَهَى ( حِذَاءَ ) : بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمَدِّ النَّعْلُ ( أَنْ نَحْتَفِيَ ) أَنْ نَمْشِيَ حُفَاةً ( أَحْيَانًا ) : أَيْ حِينًا بَعْدَ حِينٍ وَهُوَ أَوْسَعُ مَعْنًى مِنْ غِبًّا . قَالَهُ الْقَارِيُّ ، وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .