حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عون المعبود شرح سنن أبي داود

بَاب فِي كَفِّ اللِّسَانِ

حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، قال نا لَيْثٌ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ زِيَادٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ تَسْتَنْظِفُ الْعَرَبَ قَتْلَاهَا فِي النَّارِ ، اللِّسَانُ فِيهَا أَشَدُّ مِنْ وقوعِ السَّيْفِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ الْأَعْجَمِ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ الطَّبَّاعِ ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ قَالَ زِيَادٌ : سِيْمِينُ كُوشَ ( تَسْتَنْظِفُ الْعَرَبَ ) : بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ ، أَيْ تَسْتَوْعِبُهُمْ هَلَاكًا مِنِ اسْتَنْظَفْتُ الشَّيْءَ أَخَذْتُهُ كُلَّهُ . كَذَا فِي النِّهَايَةِ . ( قَتْلَاهَا ) : جَمْعُ قَتِيلٍ بِمَعْنَى مَقْتُولٍ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ ( فِي النَّارِ ) : لِقِتَالِهِمْ عَلَى الدُّنْيَا وَاتِّبَاعِهِمُ الشَّيْطَانَ وَالْهَوَى ، أَيْ سَيَكُونُونَ فِي النَّارِ ، أَوْ هُمْ حِينَئِذٍ فِي النَّارِ ؛ لِأَنَّهُمْ يُبَاشِرُونَ مَا يُوجِبُ دُخُولَهُمْ فِيهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ١٣ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ ( اللِّسَانُ إِلَخْ ) : أَيْ وَقْعُهُ وَطَعْنُهُ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ .

وَقَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : الْقَوْلُ وَالتَّكَلُّمُ فِيهَا إِطْلَاقًا لِلْمَحَلِّ وَإِرَادَةَ الْحَالِّ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ بِالْكَذِبِ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْجَوْرِ وَنَقْلِ الْأَخْبَارِ إِلَيْهِمْ : فَرُبَّمَا يَنْشَأُ مِنْ ذَلِكَ الْغَضَبُ وَالْقَتْلُ وَالْجَلَاءُ وَالْمَفَاسِدُ الْعَظِيمَةُ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْشَأُ مِنْ وُقُوعِ الْفِتْنَةِ نَفْسِهَا . وَقَالَ السَّيِّدُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمِشْكَاةِ : أَيِ الطَّعْنُ فِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ وَمَدْحُ الْأُخْرَى ، مِمَّا يُثِيرُ الْفِتْنَةَ ، فَالْكَفُّ وَاجِبٌ انْتَهَى .

قَالَ الْقَارِيُّ نَقْلًا عَنِ الْمُظْهِرِ : يَحْتَمِلُ هَذَا احْتِمَالَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ مَنْ ذَكَرَ أَهْلَ تِلْكَ الْحَرْبِ بِسُوءٍ يَكُونُ كَمَنْ حَارَبَهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ ، وَغَيْبَةُ الْمُسْلِمِينَ ، إِثْمٌ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْفِتْنَةِ الْحَرْبُ الَّتِي وَقَعَتْ بَيْنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ ذَكَرَ أَحَدًا مِنْ هَذَيْنِ الصَّدْرَيْنِ وَأَصْحَابِهِمَا يَكُونُ مُبْتَدِعًا ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَالثَّانِي : أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّ مَنْ مَدَّ لِسَانَهُ فِيهِ بِشَتْمٍ أَوْ غَيْبَةٍ يَقْصِدونَهُ بِالضَّرْبِ وَالْقَتْلِ ، وَيَفْعَلُونَ بِهِ مَا يَفْعَلُونَ بِمَنْ حَارَبَهُمْ . قَالَ الْقَارِيُّ : فِي الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ وَرَدَ : اذْكُرُوا الْفَاجِرَ بِمَا فِيهِ يَحْذَرْهُ النَّاسُ ، وَلَا غَيْبَةَ لِفَاسِقٍ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ ، فَلَا يَصِحُّ هَذَا عَلَى إِطْلَاقِهِ ؛ وَلِذَا اسْتَدْرَكَ كَلَامَهُ بِقَوْلِهِ : وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ إِلَخْ .

قَالَ : وَحَاصِلُ الِاحْتِمَالِ الثَّانِي أَنَّ الطَّعْنَ فِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ ، وَمَدْحِ الْأُخْرَى حِينَئِذٍ مِمَّا يُثِيرُ الْفِتْنَةَ ، فَالْوَاجِبُ كَفُّ اللِّسَانِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى فِي غَايَةٍ مِنَ الظُّهُورِ . انْتَهَى . ( رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ الْأَعْجَمِ ) : أَيْ قَالَ الثَّوْرِيُّ عَنِ الْأَعْجَمِ مَكَانَ عَنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ زِيَادٌ وَالْأَعْجَمُ لَقَبُهُ .

( قَالَ زِيَادٌ سيمين كوش ) : أَيْ قَالَ عَبْدُ الْقُدُّوسِ فِي رِوَايَتِهِ زِيَادٌ سَيَمِينُ كوش مَكَانَ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ زِيَادٌ ، وسيمين كوش لَفْظٌ فَارِسِيٌّ مَعْنَاهُ أَبْيَضُ الْأُذُنِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَحَكَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ الْأَعْجَمُ يَعْنِي زِيَادًا ، وَحَكَى أَيْضًا زِيَادُ بْنُ سيمين كوش ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ : لَا نَعْرِفُ لِزِيَادِ بْنِ سيمين كوش غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ لَيْثٍ فَرَفَعَهُ ، وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ لَيْثٍ فَوَقَفَهُ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ أَنَّ حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ رَوَاهُ عَنْ لَيْثٍ وَرَفَعَهُ ، وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَقَوْلُهُ قَالَ : وَهَذَا أَصَحُّ مِنَ الْأَوَّلِ ، وَهَكَذَا قَالَ فِيهِ زِيَادُ بْنُ سيمين كوش ، وَقَالَ غَيْرُهُ : زِيَادُ سيمين كوش ، وَاسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ ، وَكَانَ مِنَ الْعُبَّادِ ، وَلَكِنَّهُ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ حَتَّى كَانَ لَا يَدْرِي مَا يُحَدِّثُ بِهِ ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَسَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ ، وَفِيهِ : مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ قِيلَ : هُوَ مِنَ الْإِشْرَافِ ، يُقَالُ : تَشَرَّفْتُ الشَّيْءَ وَاسْتَشْرَفْتُهُ أَيْ عَلَوْتُهُ ، يُرِيدُ مَنِ انْتَصَبَ لَهَا انْتَصَبَتْ لَهُ وَصَرَعَتْهُ .

وَقَالَ الْهَرَوِيُّ : أَشْرَفْتُهُ أَيْ عَلَوْتُهُ ، وَاسْتَشْرَفْتُ عَلَى الشَّيْءِ اطَّلَعْتُ عَلَيْهِ مِنْ فَوْقُ ، وَقِيلَ : هُوَ مِنَ الْمُخَاطَرَةِ وَالتَّغْرِيرِ وَالْإِشْفَاءِ عَلَى الْهَلَاكِ ، أَيْ مَنْ خَاطَرَ بِنَفْسِهِ فِيهَا أَهْلَكَتْهُ ، يُقَالُ : أَشْرَفَ الْمَرِيضُ إِذَا أَشْفَى عَلَى الْمَوْتِ . انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث