بَاب مَا يُرْجَى فِي الْقَتْلِ
حدثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قال نا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ ، نا الْمَسْعُودِيُّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ ، لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الْآخِرَةِ ، عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الْفِتَنُ وَالزَّلَازِلُ وَالْقَتْلُ آخر كتاب الفتن ( أُمَّتِي هَذِهِ ) : أَيِ الْمَوْجُودُونَ الْآنَ وَهُمْ قَرْنُهُ أَوْ أَعَمُّ ( أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ ) : أَيْ مَخْصُوصَةٌ بِمَزِيدِ الرَّحْمَةِ وَإِتْمَامِ النِّعْمَةِ ، أَوْ بِتَخْفِيفِ الْإِصْرِ وَالْأَثْقَالِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى الْأُمَمِ قَبْلَهَا مِنْ قَتْلِ النَّفْسِ فِي التَّوْبَةِ وَإِخْرَاجِ رُبْعِ الْمَالِ فِي الزَّكَاةِ وَقَرْضِ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ ( لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الْآخِرَةِ ) : أَيْ مَنْ عُذِّبَ مِنْهُمْ لَا يُعَذَّبُ مِثْلَ عَذَابِ الْكُفَّارِ ، قَالَ الْمُنَاوِيُّ : وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ لَا عَذَابَ عَلَيْهَا فِي عُمُومِ الْأَعْضَاءِ لِأَنَّ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ لَا يَمَسُّهَا النَّارُ فَتَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ . وَقَالَ صَاحِبُ فَتْحِ الْوَدُودِ : أَيْ إِنَّ الْغَالِبَ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ الْمَغْفِرَةِ . وَقَالَ الْقَارِيُّ فِي الْمِرْقَاةِ : بَلْ غَالِبُ عَذَابِهُمْ أَنَّهُمْ مَجْزِيُّونَ بِأَعْمَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا بِالْمِحَنِ وَالْأَمْرَاضِ وَأَنْوَاعِ الْبَلَايَا ، كَمَا حُقِّقَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ انْتَهَى ( عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الْفِتَنُ ) : أَيِ الْحُرُوبُ الْوَاقِعَةُ بَيْنَهُمْ ( وَالزَّلَازِلُ ) : أَيِ الشَّدَائِدُ وَالْأَهْوَالُ ( وَالْقَتْلُ ) : أَيْ قَتْلُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ، وَعَذَابُ الدُّنْيَا أَخَفُّ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ .
قَالَ الْمُنَاوِيُّ : لِأَنَّ شَأْنَ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ جَارٍ عَلَى مِنْهَاجِ الْعَدْلِ وَأَسَاسِ الرُّبُوبِيَّةِ ، وَشَأْنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَاشٍ عَلَى مَنْهَجِ الْفَضْلِ وَجُودِ الْإِلَهِيَّةِ . قَالَ الْقَارِيُّ : وَقِيلَ : الْحَدِيثُ خَاصٌّ بِجَمَاعَةٍ لَمْ تَأْتِ كَبِيرَةً ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ إِلَى جَمَاعَةٍ خَاصَّةٍ مِنَ الْأُمَّةِ ، وَهُمُ الْمُشَاهَدُونَ مِنِ الصَّحَابَةِ ، أَوِ الْمَشِيئَةِ مُقَدَّرَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَقَالَ الْمُظْهِرُ : هَذَا حَدِيثٌ مُشْكِلٌ ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَهُ أَنْ لَا يُعَذَّبَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَوَاءً فِيهِ مَنِ ارْتَكَبَ الْكَبَائِرَ وَغَيْرُهُ ، فَقَدْ وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ بِتَعْذِيبِ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُؤَوَّلَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأُمَّةِ هُنَا مَنِ اقْتَدَى بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَمَا يَنْبَغِي وَيَمْتَثِلُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ ، وَيَنْتَهِي عَمَّا نَهَاهُ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : الْحَدِيثُ وَارِدٌ فِي مَدْحِ أُمَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاخْتِصَاصِهِمْ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأُمَمِ بِعِنَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَحْمَتِهِ عَلَيْهِمْ ، وَأَنَّهُمْ إِنْ أُصِيبُوا بِمُصِيبَةٍ فِي الدُّنْيَا حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا أَنَّ اللَّهَ يُكَفِّرُ بِهَا فِي الْآخِرَةِ ذَنْبًا مِنْ ذُنُوبِهِمْ ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ لِسَائِرِ الْأُمَمِ ، وَيُؤَيِّدُهُ ذِكْرُ هَذِهِ وَتَعْقِيبُهَا بِقَوْلِهِ مَرْحُومَةٌ ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مَزِيَّةِ تَمْيِيزِهِمْ بِعِنَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَحْمَتِهِ ، وَالذَّهَابُ إِلَى الْمَفْهُومِ مَهْجُورٌ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ ، وَهَذِهِ الرَّحْمَةُ هِيَ الْمُشَارُ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ إِلَى قَوْلِهِ : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ انْتَهَى .
قَالَ الْقَارِيُّ : وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِمَّا لَا يَدْفَعُ الْإِشْكَالَ ، فَإِنَّهُ لَا شَكَّ عِنْدَ أَرْبَابِ الْحَالِ أَنَّ رَحْمَةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِنَّمَا هِيَ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ بِظَاهِرِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَا يُعَذَّبُ فِي الْآخِرَةِ ، وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْأَحَادِيثُ فِي أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ يُعَذَّبُونَ فِي النَّارِ ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ إِمَّا بِالشَّفَاعَةِ وَإِمَّا بِعَفْوِ الْمَلِكِ الْغَفَّارِ ، وَهَذَا مَنْطُوقُ الْحَدِيثِ وَمَعْنَاهُ الْمَأْخُوذُ مِنَ أَلْفَاظِهِ وَمَبْنَاهُ ، وَلَيْسَ بِمَفْهُومِهِ الْمُتَعَارَفِ الْمُخْتَلَفِ فِي اعْتِبَارِهِ حَتَّى يَصِحَّ قَوْلُهُ : إِنَّ هَذَا الْمَفْهُومَ مَهْجُورٌ ، بَلِ الْمُرَادُ بِمَفْهُومِهِ فِي كَلَامِ الْمُظْهِرِ الْمَعْلُومِ فِي الْعِبَارَةِ ، ثُمَّ قَوْلُ الطِّيبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ وَهِيَ كَفَّارَةُ الذُّنُوبِ بِالْبَلِيَّةِ لِسَائِرِ الْأُمَمِ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ مُثْبِتٍ ، وَلَا عِبْرَةٍ بِمَا فُهِمَ مِنَ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ : عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الْفِتَنُ إِلَى آخِرِهِ ، فَإِنَّهُ قَابِلٌ لِلتَّقْيِيدِ بِكَوْنِ وُقُوعِ عَذَابِهَا بِهَا غَالِبًا انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ الْمَسْعُودِيُّ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيُّ الْكُوفِيُّ ، اسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ . وَقَالَ الْعُقَيْلِيُّ : تَغَيَّرَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ فِي حَدِيثِهِ اضْطِرَابٌ .
وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ الْبُسْتِيُّ : اخْتَلَطَ حَدِيثُهُ فَلَمْ يَتَمَيَّزْ فَاسْتَحَقَّ التَّرْكَ . انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ ، وَصَحَّحَهُ وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ ، وَفِي مُقَدِّمَةِ الْفَتْحِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْكُوفِيُّ الْمَسْعُودِيُّ ، مَشْهُورٌ مِنْ كِبَارِ الْمُحَدِّثِينَ ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ .
وَقَالَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ : مَنْ سَمِعَ مِنْهُ بِالْكُوفَةِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى بَغْدَادَ فَسَمَاعُهُ صَحِيحٌ انْتَهَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .