بَاب مَا يُذْكَرُ مِنْ مَلَاحِمِ الرُّومِ
حدثنا النُّفَيْلِيُّ ، نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، نا الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ قَالَ : مَالَ مَكْحُولٌ وَابْنُ أَبِي زَكَرِيَّا إِلَى خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ وَمِلْتُ مَعَهُمْ ، فحدثَنا عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ الْهُدْنَةِ قَالَ : قَالَ جُبَيْرٌ : انْطَلِقْ بِنَا إِلَى ذِي مِخْبَرٍ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْنَاهُ ، فَسَأَلَهُ جُبَيْرٌ عَنْ الْهُدْنَةِ ، فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : سَتُصَالِحُونَ الرُّومَ صُلْحًا آمِنًا ، فَتَغْزُونَ أَنْتُمْ وَهُمْ عَدُوًّا مِنْ وَرَائِكُمْ ، فَتُنْصَرُونَ وَتَغْنَمُونَ وَتَسْلَمُونَ ، ثُمَّ تَرْجِعُونَ حَتَّى تَنْزِلُوا بِمَرْجٍ ذِي تُلُولٍ ، فَيَرْفَعُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ الصَّلِيبَ فَيَقُولُ : غَلَبَ الصَّلِيبُ ، فَيَغْضَبُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيَدُقُّهُ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَغْدِرُ الرُّومُ وَتَجْمَعُ لِلْمَلْحَمَةِ ( مَالَ مَكْحُولٌ وَابْنُ أَبِي زَكَرِيَّا إِلَى خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ) : أَيْ ذَهَبَا إِلَيْهِ ( وَمِلْتُ مَعَهُمْ ) : الظَّاهِرُ مَعَهُمَا كَمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ أَيْ ذَهَبْتُ أَنَا أَيْضًا مَعَهُمَا إليه ( فَحَدَّثَنَا ) : الضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ لِخَالِدٍ ( عَنِ الْهُدْنَةِ ) : بِضَمِّ هَاءٍ وَسُكُونِ دَالٍ مُهْمَلَةٍ ، الصُّلْحُ ( قَالَ ) : أَيْ خَالِدٌ ( إِلَى ذِي مِخْبَرٍ ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ، ابْنُ أَخي النَّجَاشِيِّ ، خَادِمُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، رَوَى عَنْهُ جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ وَغَيْرُهُ ، يُعَدُّ فِي الشَّامِيِّينَ ، ذَكَرَهُ مُؤَلِّفُ الْمِشْكَاةِ وَفِي التَّهْذِيبِ ، وَيُقَالُ : بِالْمِيمِ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ ، انْتَهَى . قُلْتُ : كَذَلِكَ فِي ابْنِ مَاجَهْ بِالْمِيمِ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَوْ قَالَ : ذِي مِخْمَرٍ الشَّكُّ مِنْ أَبِي دَاوُدَ يَعْنِي شَكَّ أَبُو دَاوُدَ الْمُؤَلِّفُ فِي أَنَّهُ قَالَ : ذِي مِخْبَرٍ بِالْمُوَحَّدَةِ أَوْ قَالَ : ذِي مِخْمَرٍ بِالْمِيمِ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ ( فَسَأَلَهُ جُبَيْرٌ عَنِ الْهُدْنَةِ ) : أَيِ الْهُدْنَةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ الرُّومِ ، كَمَا أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ : تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الْأَصْفَرِ هُدْنَةٌ فَيَغْدِرُونَ بِكَمْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فَاللَّامُ فِي الْهُدْنَةِ لِلْعَهْدِ ( ستصالحون ) الخطاب للمسلمين ( صلحا ) مفعول مطلق من غير بابه ، أو بحذف الزوائد ( آمِنًا ) : أَيْ ذَا أَمْنٍ ، فَالصِّيغَةُ لِلنِّسْبَةِ أَوْ جُعِلَ آمِنًا لِلنِّسْبَةِ الْمَجَازِيَّةِ ( فَتَغْزُونَ أَنْتُمْ ) : أَيْ فَتُقَاتِلُونَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ ( وَهُمْ ) أَيِ الرُّومُ الْمُصَالِحُونَ مَعَكُمْ ( عَدُوًّا مِنْ وَرَائِكُمْ ) : أَيْ مِنْ خَلْفِكُمْ . وَقَالَ السِّنْدِيُّ فِي حَاشِيَةِ ابْنِ مَاجَهْ : أَيْ عَدُوًّا آخَرِينَ بِالْمُشَارَكَةِ وَالِاجْتِمَاعِ بِسَبَبِ الصُّلْحِ الَّذِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ، أَوْ أَنْتُمْ تَغْزُونَ عَدُوَّكُمْ وَهُمْ يَغْزُونَ عَدُوَّهُمْ بِالِانْفِرَادِ ، انْتَهَى .
قُلْتُ : الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ ( فَتُنْصَرُونَ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( وَتَغْنَمُونَ ) : بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ أَيِ الْأَمْوَالَ ( وَتَسْلَمُونَ ) : مِنَ السَّلَامَةِ أَيْ تَسْلَمُونَ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجَرْحِ فِي الْقِتَالِ ( ثُمَّ تَرْجِعُونَ ) : أَيْ مِنْ عَدُوِّكُمْ ( حَتَّى تَنْزِلُوا ) : أَيْ أَنْتُمْ وَأَهْلُ الرُّومِ ( بِمَرْجٍ ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وَآخِرُهُ جِيمٌ ، أَيِ الْمَوْضِعُ الَّذِي تَرْعَى فِيهِ الدَّوَابُّ ، قَالَهُ السِّنْدِيُّ . وَفِي النِّهَايَةِ أَرْضٌ وَاسِعَةٌ ذَاتُ نَبَاتٍ كَثِيرة ( ذِي تُلُولٍ ) : بِضَمِّ التَّاءِ جَمْعُ تَلٍّ بِفَتْحِها ، وَهُوَ مَوْضِعٌ مُرْتَفِعٌ ، قَالَهُ الْقَارِيُّ . وَقَالَ السِّنْدِيُّ : كُلُّ مَا اجْتَمَعَ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ تُرَابٍ أَوْ رَمْلٍ ، انْتَهَى .
قُلْتُ : هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ فِي مَعْنَى التَّلِّ ( مِنْ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ ) : وَهُمُ الْأَرْوَامُ حِينَئِذٍ ، قَالَهُ الْقَارِيُّ ( الصَّلِيبُ ) : بِالنَّصْبِ مَفْعُولُ يَرْفَعُ ، وَهُوَ خَشَبَةٌ مُرَبَّعَةٌ يَدَّعُونَ أَنَّ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صُلِبَ عَلَى خَشَبَةٍ كَانَتْ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ ( فَيَقُولُ ) : أَيِ الرَّجُلُ مِنْهُمْ ( غَلَبَ الصَّلِيبُ ) : أَيْ دِينُ النَّصَارَى قَصْدًا لِإِبْطَالِ الصُّلْحِ أَوْ لِمُجَرَّدِ الِافْتِخَارِ وَإِيقَاعِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْغَيْظِ ( فَيَدُقُّهُ ) : أَيْ فَيَكْسِرُ الْمُسْلِمُ الصَّلِيبَ ( تَغْدِرُ الرُّومُ ) : بِكَسْرِ الدَّالِ أَيْ تَنْقُضُ الْعَهْدَ ( وَتَجْمَعُ ) : أَيْ رِجَالَهُمْ وَيَجْتَمِعُونَ ( لِلْمَلْحَمَةِ ) : أَيْ لِلْحَرْبِ .