بَاب فِي تَدَاعِي الْأُمَمِ عَلَى الْإِسْلَامِ
حدثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ ، نا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ ، نا ابْنُ جَابِرٍ ، حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ السَّلَامِ ، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا ، فَقَالَ قَائِلٌ : وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ، قَالَ : بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ ، فَقَالَ قَائِلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا الْوَهْنُ ؟ قَالَ : حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ( يُوشِكُ الْأُمَمُ ) : أَيْ يَقْرَبُ فِرَقُ الْكُفْرِ وَأُمَمُ الضَّلَالَةِ ( أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ ) : بِحَذْفِ إِحْدَى التَّائَيْنِ ، أَيْ تَتَدَاعَى بِأَنْ يَدْعُوَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِمُقَاتَلَتِكُمْ وَكَسْرِ شَوْكَتِكُمْ وَسَلْبِ مَا مَلَكْتُمُوهُ مِنَ الدِّيَارِ وَالْأَمْوَالِ ( كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ ) : ضُبِطَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ بِفَتْحَتَيْنِ بِوَزْنِ طَلَبَةٍ وَهُوَ جَمْعُ آكِلٍ ، وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ نَقْلًا عَنِ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ الْمَصَابِيحِ : وَيُرْوَى الْأَكَلَةُ بِفَتْحَتَيْنِ أَيْضًا جَمْعُ آكِلٍ ، انْتَهَى ، وَقَالَ فِيهِ قُبَيْلَ هَذَا : وَرِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ لَنَا الْآكِلَةُ بِوَزْنِ فَاعِلةٍ . وَقَالَ الْقَارِيُّ : فِي الْمِرْقَاةِ الْآكِلَةُ بِالْمَدِّ وَهِيَ الرِّوَايَةُ عَلَى نَعْتِ الْفِئَةِ وَالْجَمَاعَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ، كَذَا رُوِيَ لَنَا عَنْ كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَفْرَادِهِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - . وَلَوْ رَوَى الْأَكَلَةُ بِفَتْحَتَيْنِ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ آكِلٍ اسْمُ فَاعِلٍ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ ، انْتَهَى .
قُلْتُ : قَدْ رَوَى بِفَتْحَتَيْنِ أَيْضًا كَمَا عَرَفْتَ ، وَالْمَعْنَى كَمَا يَدْعُو أَكَلَةُ الطَّعَامِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ( إِلَى قَصْعَتِهَا ) : الضَّمِيرُ لِلْأَكَلَةِ أَيِ الَّتِي يَتَنَاوَلُونَ مِنْهَا بِلَا مَانِعَ وَلَا مُنَازِعَ فَيَأْكُلُونَهَا عَفْوًا صَفْوًا ، كَذَلِكَ يَأْخُذُونَ مَا فِي أَيْدِيكُمْ بِلَا تَعَبٍ يَنَالُهُمْ أَوْ ضَرَرٍ يَلْحَقُهُمْ أَوْ بَأْسٍ يَمْنَعُهُمْ قَالَهُ الْقَارِيُّ ، قَالَ فِي الْمَجْمَعِ : أَيْ يَقْرَبُ أَنَّ فِرَقَ الْكُفْرِ وَأُمَمَ الضَّلَالَةِ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ أَيْ يَدْعُو بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَى الِاجْتِمَاعِ لِقِتَالِكُمْ وَكَسْرِ شَوْكَتِكُمْ لِيَغْلِبُوا عَلَى مَا مَلَكْتُمُوهَا مِنَ الدِّيَارِ ، كَمَا أَنَّ الْفِئَةَ الْآكِلَةَ يَتَدَاعَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَى قَصْعَتِهِمُ الَّتِي يَتَنَاوَلُونَهَا مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ فَيَأْكُلُونَهَا صَفْوًا مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ ، انْتَهَى ( وَمِنْ قِلَّةٍ ) : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ، وَقَوْلُهُ : ( نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ صِفَةٌ لَهَا أَيْ أَنَّ ذَلِكَ التَّدَاعِيَ لِأَجْلِ قِلَّةٍ نَحْنُ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ ( كَثِيرٌ ) : أَيْ عَدَدًا وَقَلِيلٌ مَدَدًا ( وَلَكِنَّكُمْ غُثَّاءٌ كَغُثَّاءِ السَّيْلِ ) : بِالضَّمِّ وَالْمَدِّ وَبِالتَّشْدِيدِ أَيْضًا مَا يَحْمِلُهُ السَّيْلُ مِنْ زَبَدٍ وَوَسَخٍ ، شَبَّهَهُمْ بِهِ لِقِلَّةِ شَجَاعَتِهِمْ وَدَنَاءَةِ قَدْرِهِمْ ( وَلَيَنْزَعَنَّ ) : أَيْ لَيُخْرِجَنَّ ( الْمَهَابَةَ ) : أَيِ الْخَوْفَ وَالرُّعْبَ ( وَلَيَقْذِفَنَّ ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ أَيْ : وَلَيَرْمِيَنَّ اللَّهُ ( الْوَهْنَ ) : أَيِ الضَّعْفَ ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْوَهْنِ مَا يُوجِبُهُ ، وَلِذَلِكَ فَسَّرَهُ بِحُبِّ الدُّنْيَا وَكَرَاهَةِ الْمَوْتِ ، قَالَهُ الْقَارِيُّ ( وَمَا الْوَهْنُ ) : أَيْ مَا موجِبُهُ وَمَا سَبَبُهُ . قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : سُؤَالٌ عَنْ نَوْعِ الْوَهْنِ أَوْ كَأَنَّهُ أَرَادَ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ يَكُونُ ذَلِكَ الْوَهْنُ ( قَالَ : حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ) : وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ فَكَأَنَّهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ يَدْعُوهُمْ إِلَى إِعْطَاءِ الدَّنِيَّةِ فِي الدِّينِ مِنَ الْعَدُوِّ الْمُبِينِ ، وَنَسْأَلُ اللَّهُ الْعَافِيَةَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : أَبُو عَبْدِ السَّلَامِ هَذَا هُوَ صَالِحُ بْنُ رُسْتُمٍ الْهَاشِمِيُّ الدِّمَشْقِيُّ ، سُئِلَ عَنْهُ أَبُو حَاتِمٍ فَقَالَ : مَجْهُولٌ لَا نَعْرِفُهُ .