بَاب فِي خَبَرِ الْجَسَّاسَةِ
حدثنا النُّفَيْلِيُّ ، نا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، نا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَّرَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ : إِنَّهُ حَبَسَنِي حَدِيثٌ كَانَ يُحَدِّثُنِيهِ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ ، عَنْ رَجُلٍ كَانَ فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ ، فَإِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ تَجُرُّ شَعْرَهَا ، قَالَ : مَا أَنْتِ ؟ قَالَتْ : أَنَا الْجَسَّاسَةُ ، اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ الْقَصْرِ ، فَأَتَيْتُهُ فَإِذَا رَجُلٌ يَجُرُّ شَعْرَهُ مُسَلْسَلٌ فِي الْأَغْلَالِ ، يَنْزُو فِيمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، فَقُلْتُ : مَنْ أَنْتَ ؟ فقَالَ : أَنَا الدَّجَّالُ ، خَرَجَ نَبِيُّ الْأُمِّيِّينَ بَعْدُ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : أَطَاعُوهُ أَمْ عَصَوْهُ ؟ قُلْتُ : بَلْ أَطَاعُوهُ . قَالَ : ذَاكَ خَيْرٌ لَهُمْ .
( الْعِشَاءُ الْآخِرَةُ ) : أَيْ صَلَاةُ الْعِشَاءِ ( إِنَّهُ ) : أَيِ الشَّأْنَ ( حَبَسَنِي ) : أَيْ مَنَعَنِي مِنَ الْخُرُوجِ ( عَنْ رَجُلٍ ) : أَيْ عَنْ حَالِ رَجُلٍ وَهُوَ الدَّجَّالُ ( تَجُرُّ شَعْرَهَا ) : صِفَةٌ لِامْرَأَةٍ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ طُولِ شَعْرِهَا ( قَالَتْ ) : أَيْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ ( أَنَا الْجَسَّاسَةُ ) : وَفِي الْحَدِيثِ الْآتِي فَلَقِيَتْهُمْ دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرَةُ الشَّعْرِ قَالُوا : وَيْلَكِ مَا أَنْتِ ؟ قَالَتْ : أَنَا الْجَسَّاسَةُ . قِيلَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا يَحْتَمِلُ أَنَّ لِلدَّجَّالِ جَسَّاسَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا دَابَّةٌ وَالثَّانِيَةُ امْرَأَةٌ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْجَسَّاسَةَ كَانَتْ شَيْطَانَةً تَمَثَّلَتْ تَارَةً فِي صُورَةِ دَابَّةٍ وَأُخْرَى فِي صُورَةِ امْرَأَةٍ ، وَلِلشَّيْطَانِ التَّشَكُّلُ فِي أَيِّ تَشَكُّلٍ أَرَادَ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُسَمَّى الْمَرْأَةُ دَابَّةً مَجَازًا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَلَفْظُ مُسْلِمٍ فَلَقِيَتْهُمْ دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرُ الشَّعْرِ لَا يَدْرُونَ مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعْرِ قَالُوا : وَيْلَكَ مَا أَنْتِ ؟ قَالَتْ : أَنَا الْجَسَّاسَةُ انْطَلِقُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالْأَشْوَاقِ قَالَ : لَمَّا سَمَّتْ لَنَا رَجُلًا فَرِقْنَا مِنْهَا أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً ، وَسَيَجِيءُ هَذَا اللَّفْظُ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي ( مُسَلْسَلٌ ) : صِفَةٌ ثَانِيَةٌ لِرَجُلٍ أَيْ مُقَيَّدٌ بِالسَّلَاسِلِ ( فِي الْأَغْلَالِ ) : أَيْ مَعَهَا ( يَنْزُو ) : بِسُكُونِ النُّونِ وَضَمِّ الزَّايِ أَيْ يَثِبُ وُثُوبًا ( فِيمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ) : قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ يَنْزُو أَوْ بِمُسَلْسَلٍ انْتَهَى .
قَالَ الْقَارِيُّ : أَبْعَدَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمُسَلْسَلٍ ( خَرَجَ ) : بِحَذْفِ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَخَرَجَ بِذِكْرِهِ ( نَبِيُّ الْأُمِّيِّينَ ) : أَيِ الْعَرَبِ . قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ : أَرَادَ الدَّجَّالُ بِالْأُمِّيِّينَ الْعَرَبَ لِأَنَّهُمْ لَا يَكْتُبُونَ وَلَا يَقْرَءُونَ غَالِبًا ( بَعْدُ ) : مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ ( قَالَ ذَاكَ خَيْرٌ لَهُمْ ) قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : الْمُشَارُ إِلَيْهِ مَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ وَأَطَاعُوهُ . قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ : رَحِمَهُ اللَّهُ : هَذَا الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ عَرَفَ الْحَقَّ وَالْمَخْذُولُ مِنَ الْبُعْدِ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ لَمْ يُرَ لَهُ فِيهِ مُسَاهِمٌ فَمَا وَجْهُ قَوْلِهِ هَذَا ، قُلْنَا : يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْخَيْرَ فِي الدُّنْيَا أَيْ طَاعَتَهُمْ لَهُ خَيْرٌ لَهُمْ فَإِنَّهُمْ إِنْ خَالَفُوهُ اجْتَاحَهُمْ وَاسْتَأْصَلَهُمْ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الصِّرْفَةِ صَرَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الطَّعْنِ فِيهِ وَالتَّكَبُّرِ عَلَيْهِ وَتَفَوَّهَ بِمَا ذَكَرَ عَنْهُ كَالْمَغْلُوبِ عَلَيْهِ وَالْمَأْخُوذِ عَلَيْهِ فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِغَيْرِهِ تَأْيِيدًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْفَضْلُ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأَعْدَاءُ انْتَهَى .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ مَوْلَاهُ الْحَرَّانِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالطَّرَائِفِيِّ ، قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يَتْبَعُ طَرَائِفَ الْحَدِيثِ . قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ : كَذَّابٌ وَقَالَ أَبُو عَرُوبَةَ : عِنْدَهُ عَجَائِبٌ . وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ الْبُسْتِيُّ : لَا يَجُوزُ عِنْدِي الِاحْتِجَاجُ بِرِوَايَتِهِ كُلِّهَا عَلَى حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ .
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ : ثِقَةٌ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : صَدُوقٌ . وَأَنْكَرَ عَلَى الْبُخَارِيِّ إِدْخَالَ اسْمِهِ فِي كِتَابِ الضُّعَفَاءِ وَقَالَ : يُحَوَّلُ مِنْهُ انْتَهَى قُلْتُ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ لَيْسَ فِيهَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ .