بَاب مَا جَاءَ فِي الْمُحَارَبَةِ
بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمُحَارَبَةِ حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، نا حَمَّادٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ قَوْمًا مِنْ عُكْلٍ أَوْ قَالَ : مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلِقَاحٍ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَالِهَا ، فَانْطَلَقُوا فَلَمَّا صَحُّوا قَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرُهُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آثَارِهِمْ فَمَا ارْتَفَعَ النَّهَارُ حَتَّى جِيءَ بِهِمْ ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَقُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ ، وَسُمِرَ أَعْيُنُهُمْ ، وَأُلْقُوا فِي الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ : فَهَؤُلَاءِ قَوْمٌ سَرَقُوا ، وَقَتَلُوا ، وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ، وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ .
باب ما جاء في المحاربة ( أَنَّ قَوْمًا مِنْ عُكْلٍ ، أَوْ قَالَ : مِنْ عُرَيْنَةَ ) : قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ فِي شَرْحِ بَابِ أَبْوَالِ الْإِبِلِ وَالدَّوَابِّ مَا مُحَصَّلُهُ : إِنَّهُ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ ؛ فَفِي بَعْضِهَا مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ عَلَى الشَّكِّ : يُرِيدُ أَنَّهُ أَكْحَلَهُمْ بِمَسَامِيرَ مُحْمَاةٍ . قَالَ : وَالْمَشْهُورُ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ : سَمَلَ ، أَيْ : وَفَقَأَ أَعْيُنَهُمْ كَذَا فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ ( وَأُلْقُوا ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ رُمُوا ( فِي الْحَرَّةِ ) : هِيَ أَرْضٌ ذَاتُ حِجَارَةٍ سُودٍ مَعْرُوفَةٍ بِالْمَدِينَةِ ، وَإِنَّمَا أُلْقُوا فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ الْمَكَانِ الَّذِي فَعَلُوا فِيهِ مَا فَعَلُوا ( يَسْتَسْقُونَ ) : أَيْ يَطْلُبُونَ الْمَاءَ أَيْ مِنْ شِدَّةِ الْعَطَشِ النَّاشِئِ مِنْ حَرَارَةِ الشَّمْسِ ( فَلَا يُسْقَوْنَ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولُ ، أَيْ : فَلَا يُعْطَوْنَ الْمَاءَ . وَاسْتَشْكَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَدَمَ سَقْيِهِمُ الْمَاءَ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ فَاسْتَسْقَى لَا يُمْنَعُ ، وَأَجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ عَنْ أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا وَقَعَ مِنْهُ نَهْيٌ عَنْ سَقْيِهِمُ انْتَهَى .
قَالَ الْحَافِظُ : وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ وَسُكُوتُهُ كَافٍ فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ ، وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ الْمُحَارِبَ الْمُرْتَدَّ لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي سَقْيِ الْمَاءِ وَلَا غَيْرِهِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ لَيْسَ مَعَهُ مَاءٌ إِلَّا لِطَهَارَتِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْقِيَهُ لِلْمُرْتَدِّ وَيَتَيَمَّمَ ، بَلْ يَسْتَعْمِلَهُ وَلَوْ مَاتَ الْمُرْتَدُّ عَطَشًا . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِمْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِمُ الْمَوْتَ بِذَلِكَ . وَقِيلَ : إِنَّ الْحِكْمَةَ فِي تَعْطِيشِهِمْ لِكَوْنِهِمْ كَفَرُوا نِعْمَةَ سَقْيِ أَلْبَانِ الْإِبِلِ الَّتِي حَصَلَ لَهُمْ بِهَا الشِّفَاءُ مِنَ الْجُوعِ وَالْوَخَمِ ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا بِالْعَطَشِ عَلَى مَنْ عَطَّشَ آلَ بَيْتِهِ فِي قِصَّةٍ رَوَاهَا النَّسَائِيُّ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ مَنَعُوا إِرْسَالَ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنَ اللَّبَنِ الَّذِي كَانَ يُرَاحُ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ لِقَاحِهِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ سَعْدٍ .
انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ : وَقِيلَ فَعَلَ ذَلِكَ قِصَاصًا ؛ لِأَنَّهُمْ فَعَلُوا بِالرَّاعِي مِثْلَ ذَلِكَ ، وَقِيلَ : بَلْ لِشِدَّةِ جِنَايَتِهِمْ ، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ كَلَامُ أَبِي قَتَادَةَ . انْتَهَى .
( قَالَ أَبُو قِلَابَةَ ) : أَيْ رَاوِي الْحَدِيثِ : ( فَهَؤُلَاءِ قَوْمٌ سَرَقُوا ) : أَيْ : لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا اللِّقَاحَ مِنْ حِرْزِ مِثْلِهَا ، وَهَذَا قَالَهُ أَبُو قِلَابَةَ اسْتِنْبَاطًا كَذَا فِي الْفَتْحِ ، ( وَقَتَلُوا ) : أَيِ الرَّاعِيَ ( وَكَفَرُوا ) : قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : هُوَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ فِي الْمَغَازِي ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ ، عَنْ أَيُّوبَ فِي الْجِهَادِ فِي أَصْلِ الْحَدِيثِ ، وَلَيْسَ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي قِلَابَةَ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُهُمْ ، وَكَذَا قَوْلُهُ : وَحَارَبُوا ثَبَتَ عِنْدَ أَحْمَدَ فِي أَصْلِ الْحَدِيثِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ .