حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عون المعبود شرح سنن أبي داود

بَاب مَا جَاءَ فِي الْمُحَارَبَةِ

حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَا ، ح ، وَنا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ ، حدثنا الْوَلِيدُ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ يَحْيَى يَعْنِي ابْنَ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فِيهِ : فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَلَبِهِمْ قَافَةً ، فَأُتِيَ بِهِمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا الْآيَةَ . ( قَافَةٌ ) : جَمْعُ قَائِفٍ . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : وَعِنْدَهُ شَبَابٌ مِنَ الْأَنْصَارِ قَرِيبٌ مِنْ عِشْرِينَ ، فَأَرْسَلَهُمْ إِلَيْهِمْ ، وَبَعَثَ مَعَهُمْ قَائِفًا يَقْتَصُّ أَثَرَهُمْ .

قَالَ النَّوَوِيُّ : الْقَائِفُ هُوَ الَّذِي يَتَتَبَّعُ الْآثَارَ وَيُمَيِّزُهَا . وَقَالَ السُّيُوطِيُّ : هُوَ مَنْ يَتْبَعُ أَثَرًا وَيَطْلُبُ ضَالَّةً وَهَارِبًا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ : يُحَارِبُونَ اللَّهَ أَيْ يُحَارِبُونَ أَوْلِيَاءَهُ ، كَذَا قَرَّرَهُ الْجُمْهُورُ . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : - يُحَارِبُونَ رَسُولَ اللَّهِ ، وَمُحَارَبَةُ الْمُسْلِمِينَ فِي حُكْمِ مُحَارَبَتِهِ أَيِ الْمُرَادُ بِالْإِخْبَارِ بِأَنَّهُمْ يُحَارِبُونَ رَسُولَ اللَّهِ ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى تَعْظِيمًا وَتَفْخِيمًا لِمَنْ يُحَارَبُ ، وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا : مَصْدَرٌ وَاقِعٌ مَوْقِعَ الْحَالِ أَيْ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ، أَوْ مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ ، أَيْ : يُحَارِبُونَ وَيَسْعَوْنَ لِأَجْلِ الْفَسَادِ ، وَتَمَامُ الْآيَةِ مَعَ تَفْسِيرِهَا هَكَذَا : أَنْ يُقَتَّلُوا هَذَا خَبَرٌ لِقَوْلِهِ : جَزَاءُ الَّذِينَ أَيْ : قِصَاصًا مِنْ غَيْرِ صَلْبٍ ، إِنْ أَفْرَدُوا الْقَتْلَ أَوْ يُصَلَّبُوا : أَيْ مَعَ الْقَتْلِ إِنْ جَمَعُوا بَيْنَ الْقَتْلِ وَأَخْذِ الْمَالِ ، وَهَلْ يُقْتَلُ وَيُصَلَّبُ أَوْ يُصَلَّبُ حَيًّا وَيَنْزِلُ وَيُطْعَنُ حَتَّى يَمُوتَ خِلَافٌ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ إِنْ أَخَذُوا الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلُوا مِنْ خِلَافٍ ، حَالٌ مِنَ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ : أَيْ مُخْتَلِفَةً ، فَتُقَطَّعُ أَيْدِيهِمُ الْيُمْنَى وَأَرْجُلُهُمُ الْيُسْرَى ، أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِالنَّفْيِ فِي الْآيَةِ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : يُخْرَجُ مِنْ بَلَدِ الْجِنَايَةِ إِلَى بَلْدَةٍ أُخْرَى .

زَادَ مَالِكٌ : فَيُحْبَسُ فِيهَا ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : بَلْ يُحْبَسُ فِي بَلَدِهِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الِاسْتِمْرَارَ فِي الْبَلَدِ وَلَوْ كَانَ مَعَ الْحَبْسِ إِقَامَةٌ ، فَهُوَ ضِدُّ النَّفْيِ ؛ فَإِنَّ حَقِيقَةَ النَّفْيِ الْإِخْرَاجُ مِنَ الْبَلَدِ ، وَحُجَّتُهُ أَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْهُ اسْتِمْرَارُ الْمُحَارَبَةِ فِي الْبَلْدَةِ الْأُخْرَى ، فَانْفَصَلَ عَنْهُ مَالِكٌ بِأَنَّهُ يُحْبَسُ بِهَا . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَكْفِيهِ مُفَارَقَةُ الْوَطَنِ وَالْعَشِيرَةِ خِذْلَانًا وَذُلًّا ، ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ أَشْكَلَ هَذَا مَعَ حَدِيثِ عُبَادَةَ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي الدُّنْيَا كَانَ لَهُ كَفَّارَةً ، وَالْجَوَابُ أَنَّ حَدِيثَ عُبَادَةَ مَخْصُوصٌ بِالْمُسْلِمِينَ . كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي .

وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَكَذَا بَعْضُ الرِّوَايَاتِ الْآتِيَةِ فِي الْبَابِ تَدُلُّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْقَوْمِ الْمَذْكُورِينَ مِنْ عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَالضَّحَاكُ وَالزُّهْرِيُّ . وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي مَنْ خَرَجَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَسْعَى فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ وَيَقْطَعُ الطَّرِيقَ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْكُوفِيِّينَ . قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ .

قَالَ الْحَافِظُ : والْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ أَوَّلًا فِيهِمْ ، وَهِيَ تَتَنَاوَلُ بِعُمُومِهَا مَنْ حَارَبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ لَكِنَّ عُقُوبَةَ الْفَرِيقَيْنِ مُخْتَلِفَةٌ ، فَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا يُخَيَّرُ الْإِمَامُ فِيهِمْ إِذَا ظَفِرَ بِهِمْ ، وَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ فَعَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالْكُوفِيِّينَ يُنْظَرُ فِي الْجِنَايَةِ ، فَمَنْ قَتَلَ قُتِلَ ، وَمَنْ أَخَذَ الْمَالَ قُطِعَ ، وَمَنْ لَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا نُفِيَ ، وَجَعَلُوا : أَوْ لِلتَّنْوِيعِ . وَقَالَ مَالِكٌ : بَلْ هِيَ لِلتَّخْيِيرِ ، فَيَتَخَيَّرُ الْإِمَامُ فِي الْمُحَارِبِ الْمُسْلِمِ بَيْنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ ، وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ الْأَوَّلَ . انْتَهَى .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث