بَاب رَجْمِ مَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ
حدثنا أَبُو كَامِلٍ ، نا يَزِيدُ يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ ، ح ، ونا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا وَهَذَا لَفْظُهُ عَنْ دَاوُدَ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجْمِ مَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ خَرَجْنَا بِهِ إِلَى الْبَقِيعِ ، فَوَاللَّهِ مَا أَوْثَقْنَاهُ وَلَا حَفَرْنَا لَهُ وَلَكِنَّهُ قَامَ لَنَا ، قَالَ أَبُو كَامِلٍ : قَالَ : فَرَمَيْنَاهُ بِالْعِظَامِ وَالْمَدَرِ وَالْخَزَفِ فَاشْتَدَّ ، وَاشْتَدَدْنَا خَلْفَهُ ، حَتَّى أَتَى عَرْضَ الْحَرَّةِ فَانْتَصَبَ لَنَا فَرَمَيْنَاهُ بِجَلَامِيدِ الْحَرَّةِ حَتَّى سَكَتَ ، قَالَ : فَمَا اسْتَغْفَرَ لَهُ وَلَا سَبَّهُ ( إِلَى الْبَقِيعِ ) : أَيْ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ( مَا أَوْثَقْنَاهُ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ هَكَذَا الْحُكْمُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ ( وَلَا حَفَرْنَا لَهُ ) : وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِمُسْلِمٍ : فَلَمَّا كَانَ الرَّابِعَةُ حَفَرَ لَهُ حُفْرَةً ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَأَمَّا الْحَفْرُ لِلْمَرْجُومِ وَلِلْمَرْجُومَةِ فَفِيهِ مَذَاهِبُ لِلْعُلَمَاءِ ، قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ : لَا يُحْفَرُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو يُوسُفَ وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةٍ : يُحْفَرُ لَهُمَا ، وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ : يُحْفَرُ لِمَنْ يُرْجَمُ بِالْبَيِّنَةِ لَا لِمَنْ يُرْجَمُ بِالْإِقْرَارِ . وَأَمَّا أَصْحَابُنَا فَقَالُوا : لَا يُحْفَرُ لِلرَّجُلِ سَوَاءٌ ثَبَتَ زِنَاهُ بِالْبَيِّنَةِ أَمْ بِالْإِقْرَارِ ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ لِأَصْحَابِنَا : أَحَدُهَا يُسْتَحَبُّ الْحَفْرُ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا لِيَكُونَ أَسْتَرَ ، وَالثَّانِي لَا يُسْتَحَبُّ وَلَا يُكْرَهُ بَلْ هُوَ إِلَى خِيرَةِ الْإِمَامِ ، وَالثَّالِثُ وَهُوَ الْأَصَحُّ إِنْ ثَبَتَ زِنَاهَا بِالْبَيِّنَةِ اسْتُحِبَّ وَإِنْ ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ فَلَا لِيُمْكِنَهَا الْهَرَبُ إِنْ رَجَعَتْ .
فَالْقَائِلُ بِالْحَفْرِ لَهُمَا احْتَجَّ بِأَنَّهُ حَفَرَ لِلْغَامِدِيَّةِ وَلِمَاعِزٍ فِي رِوَايَةٍ ، وَأَجَابُوا عَنْ رِوَايَةِ وَلَا حَفَرْنَا لَهُ أَنَّ الْمُرَادَ حَفِيرَةٌ عَظِيمَةٌ . وَأَمَّا الْقَائِلُ بِعَدَمِ الْحَفْرِ فَاحْتَجَّ بِرِوَايَةِ وَلَا حَفَرْنَا لَهُ ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ مُنَابِذٌ لِحَدِيثِ الْغَامِدِيَّةِ وَلِرِوَايَةِ الْحَفْرِ لِمَاعِزٍ . وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِالتَّخْيِيرِ فَظَاهِرٌ .
وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فَيَحْمِلُ رِوَايَةَ الْحَفْرِ لِمَاعِزٍ عَلَى أَنَّهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، انْتَهَى ( وَالْمَدَرُ ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالدَّالِ هُوَ الطِّينُ الْمُجْتَمِعُ الصُّلْبُ ( وَالْخَزَفُ ) : بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالزَّايِ آخِرُهُ فَاءٌ وَهِيَ أَكْسَارُ الْأَوَانِي الْمَصْنُوعَةِ مِنَ الْمَدَرِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحِجَارَةَ لَا تَتَعَيَّنُ لِلرَّجْمِ وَعَلَيْهِ اتِّفَاقُ الْعُلَمَاءِ ( فَاشْتَدَّ ) : أَيْ عَدَا عَدْوًا شَدِيدًا ( عُرْضُ الْحَرَّةِ ) : بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ جَانِبُهَا ، وَالْحَرَّةُ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَهِيَ أَرْضٌ ذَاتُ حِجَارَةٍ سُودٍ ( فَانْتَصَبَ ) : أَيْ قَامَ ( بِجَلَامِيدِ الْحَرَّةِ ) : أَيِ الْحِجَارَةِ الْكِبَارِ وَاحِدُهَا جَلْمَدٌ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمِيمِ وَجُلْمُودٌ بِضَمِّ الْجِيمِ ( حَتَّى سَكَتَ ) : هُوَ بِالتَّاءِ فِي آخِرِهِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَاتِ . قَالَ الْقَاضِي : وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ سَكَنَ بِالنُّونِ وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ وَمَعْنَاهُمَا مَاتَ ، انْتَهَى ( فَمَا اسْتَغْفَرَ لَهُ وَلَا سَبَّهُ ) : أَمَّا عَدَمُ السَّبِّ فَلِأَنَّ الْحَدَّ كَفَّارَةٌ لَهُ مَطْهَرَةٌ لَهُ مِنْ مَعْصِيَةٍ ، وَأَمَّا عَدَمُ الِاسْتِغْفَارِ فَلِئَلَّا يَغْتَرَّ غَيْرُهُ فَيَقَعَ فِي الزِّنَا اتِّكَالًا عَلَى اسْتِغْفَارِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ النَّوَوِيُّ .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ بِمَعْنَاهُ .