باب إِذَا تَتَابَعَ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ
حدثنا مُوسَى بْنُ إِسْماَعِيلَ ، نا أَبَانُ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ذَكْوَانَ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا شَرِبُوا الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُمْ ، ثُمَّ إِنْ شَرِبُوا فَاجْلِدُوهُمْ ، ثُمَّ إِنْ شَرِبُوا فَاجْلِدُوهُمْ ، ثُمَّ إِنْ شَرِبُوا فَاقْتُلُوهُمْ ( ذَكْوَانُ ) بَدَلٌ مِنْ أَبِي صَالِحٍ وَهُوَ السَّمَّانُ الزَّيَّاتُ الْمَدَنِيُّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ ، وَكَانَ يَجْلِبُ الزَّيْتَ إِلَى الْكُوفَةِ ؛ قَالَهُ الْحَافِظُ . ( ثُمَّ إِنْ شَرِبُوا فَاقْتُلُوهُمْ ) ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ الْعِلَلِ : أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى تَرْكِهِ ؛ أَيْ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ ، وَقِيلَ : مُؤَوَّلُ بِالضَّرْبِ الشَّدِيدِ . وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ : قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ : مَعْنَاهُ إِذَا اسْتَحَلَّ وَلَمْ يَقْبَلِ التَّحْرِيمَ ، انْتَهَى .
وَبَسَطَ السُّيُوطِيُّ الْكَلَامَ فِي حَاشِيَةِ التِّرْمِذِيِّ وَقَصَدَ بِهِ إِثْبَاتَ أَنَّهُ يَنْبَغِي الْعَمَلُ بِهِ ؛ كَذَا قَالَ الْعَلَّامَةُ السِّنْدِيُّ فِي حَاشِيَةِ ابْنِ مَاجَهْ . قُلْتُ : قَالَ السُّيُوطِيُّ فِيهَا بَعْدَ الْإِشَارَةِ إِلَى عِدَّةِ أَحَادِيثَ هَكَذَا : فَهَذِهِ بِضْعَةُ عَشَرَ حَدِيثًا كُلُّهَا صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ فِي قَتْلِهِ بِالرَّابِعَةِ وَلَيْسَ لَهَا مُعَارِضٌ صَرِيحٌ ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ بِالنَّسْخِ لَا يُعَضِّدُهُ دَلِيلٌ . وَقَوْلُهُمْ إِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ بِالرَّابِعَةِ فَضَرَبَهُ وَلَمْ يَقْتُلْهُ لَا يَصْلُحُ لِرَدِّ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ لِوُجُوهٍ ؛ الْأَوَّلُ : أَنَّهُ مُرْسَلٌ إِذْ رَاوِيهِ قَبِيصَةُ وُلِدَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَكَانَ عُمْرُهُ عِنْدَ مَوْتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَنَتَيْنِ وَأَشْهُرًا فَلَمْ يُدْرِكْ شَيْئًا يَرْوِيهِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُتَّصِلًا صَحِيحًا لَكَانَتْ تِلْكَ الْأَحَادِيثُ مُقَدَّمَةً عَلَيْهِ لِأَنَّهَا أَصَحُّ وَأَكْثَرُ . الثَّالِثُ : أَنَّ هَذِهِ وَاقِعَةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ لَهَا . وَالرَّابِعُ : أَنَّ هَذَا فِعْلٌ ، وَالْقَوْلُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْقَوْلَ تَشْرِيعٌ عَامٌّ وَالْفِعْلُ قَدْ يَكُونُ خَاصًّا .
الْخَامِسُ : أَنَّ الصَّحَابَةَ خُصُّوا فِي تَرْكِ الْحُدُودِ بِمَا لَمْ يُخَصُّ بِهِ غَيْرُهُمْ ، فَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَا يُفَسَّقُونَ بِمَا يُفَسَّقُ بِهِ غَيْرُهُمْ خُصُوصِيَّةً لَهُمْ ، وَقَدْ وَرَدَ بِقِصَّةِ نُعْمَانَ لَمَّا قَالَ عُمَرُ : أَخْزَاهُ اللَّهُ ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ ! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَطْعَنْهُ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ . فَعَلِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَاطِنِهِ صِدْقَ مَحَبَّتِهِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فَأَكْرَمَهُ بِتَرْكِ الْقَتْلِ ، فَلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَخُصَّ مَنْ شَاءَ بِمَا شَاءَ مِنَ الْأَحْكَامِ ، فَلَا أَقْبَلُ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا بِنَصٍّ صَرِيحٍ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ لَا يُوجَدُ . وَقَدْ تَرَكَ عُمَرُ إِقَامَةَ حَدِّ الْخَمْرِ عَلَى فُلَانٍ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِمُ : اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ .
وَتَرَكَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ إِقَامَتَهُ عَلَى أَبِي مِحْجَنٍ لِحُسْنِ بَلَائِهِ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ ، فَالصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ جَمِيعًا جَدِيرُونَ بِالرُّخْصَةِ إِذَا بَدَتْ مِنْ أَحَدِهِمْ زَلَّةٌ . وَأَمَّا هَؤُلَاءِ الْمُدْمِنُونَ لِلْخَمْرِ الْفَسَقَةُ الْمَعْرُوفُونَ بِأَنْوَاعِ الْفَسَادِ وَظُلْمِ الْعِبَادِ وَتَرْكِ الصَّلَاةِ وَمُجَاوَزَةِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَإِطْلَاقِ أَنْفُسِهِمْ بِحَالِ سُكْرِهِمْ بِالْكُفْرِيَّاتِ وَمَا قَارَبَهَا فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ بِالرَّابِعَةِ لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا ارْتِيَابَ ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ لَا نَعْلَمُ خِلَافًا رَدَّهُ حَقٌّ بِأَنَّ الْخِلَافَ ثَابِتٌ مَحْكِيٌّ عَنْ طَائِفَةٍ ، فَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَالَ : ائْتُونِي بِرَجُلٍ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ الْخَمْرِ ، فَإِنْ لَمْ أَقْتُلْهُ فَأَنَا كَذَّابٌ . وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ : ائْتُونِي بِمَنْ شَرِبَ خَمْرًا فِي الرَّابِعَةِ وَلَكُمْ عَلَيَّ أَنْ أَقْتُلَهُ ؛ انْتَهَى كَلَامُ السُّيُوطِيِّ .
قَالَ الزَّيْلَعِيُّ : قَالَ التِّرْمِذِيُّ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ : حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَسَكَتَ عَنْهُ . وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ : هُوَ صَحِيحٌ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَعْنِي الْبُخَارِيَّ يَقُولُ : حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ثُمَّ نُسِخَ هَذَا .