باب فِي التَّعْزِيرِ
حدثنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، نا اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ( لَا يُجْلَدُ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْجَلْدِ أَيْ لَا يُجْلَدُ أَحَدٌ ( فَوْقَ عَشْرِ جَلْدَاتٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ) : الِاسْتِثْنَاءُ مُفْرَغٌ . قَالَ فِي الْفَتْحِ : ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِّ مَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ الشَّارِعِ عَدَدٌ مِنَ الْجَلْدِ أَوِ الضَّرْبِ مَخْصُوصٌ أَوْ عُقُوبَةٌ مَخْصُوصَةٌ ، وَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ أَصْلُ الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ وَشُرْبُ الْمُسْكِرِ وَالْحِرَابَةُ وَالْقَذْفُ بِالزِّنَا وَالْقَتْلُ وَالْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ وَالْأَطْرَافِ وَالْقَتْلُ فِي الِارْتِدَادِ ، وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَةِ الْأَخِيرَيْنِ حَدًّا ، وَاخْتُلِفَ فِي مَدْلُولِ هَذَا الْحَدِيثِ فَأَخَذَ بِظَاهِرِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ : تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْعَشَرَةِ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَبْلُغُ أَدْنَى الْحُدُودِ ، وَهَلْ الِاعْتِبَارُ بِحَدِّ الْحُرِّ أَوِ الْعَبْدِ قَوْلَانِ . وَقَالَ الْآخَرُونَ : هُوَ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ بَالِغًا مَا بَلَغَ ، وَأَجَابُوا عَنْ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ بِوُجُوهٍ مِنْهَا الطَّعْنُ فِيهِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى تَصْحِيحِهِ وَهُمَا الْعُمْدَةُ فِي التَّصْحِيحِ ، وَمِنْهَا أَنَّ عَمَلَ الصَّحَابَةِ بِخِلَافِهِ يَقْتَضِي نَسْخَهُ ، فَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنْ لَا تَبْلُغَ بِنَكَالٍ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ سَوْطًا .
وَعَنْ عُثْمَانَ ثَلَاثِينَ . وَضَرَبَ عُمَرُ أَكْثَرَ مِنَ الْحَدِّ أَوْ مِنْ مِائَةٍ وَأَقَرَّهُ الصَّحَابَةُ . وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ النَّسْخِ .
وَمِنْهَا حَمْلُهُ عَلَى وَاقِعَةِ عَيْنٍ بِذَنْبٍ مُعَيَّنٍ أَوْ رَجُلٍ مُعَيَّنٍ . قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ . قُلْتُ : وَمِنْ وُجُوهِ الْجَوَابِ قَصْرُهُ عَلَى الْجَلْدِ ، وَأَمَّا الضَّرْبُ بِالْعَصَا مَثَلًا وَبِالْيَدِ فَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ ، لَكِنْ لَا يُجَاوِزُ أَدْنَى الْحُدُودِ ، وَهَذَا رَأْيُ الْإِصْطَخْرِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ .
قَالَ الْحَافِظُ : كَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى الرِّوَايَةِ الْوَارِدَةِ بِلَفْظِ الضَّرْبِ انْتَهَى . وَلَيْسَ فِي أَيْدِي الَّذِينَ لَيْسُوا بِقَائِلِينَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ جَوَابٌ شَافٍ . قَالَ فِي النَّيْلِ : قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : عَنِ الصَّحَابَةِ آثَارٌ مُخْتَلِفَةٌ فِي مِقْدَارِ التَّعْزِيرِ ، وَأَحْسَنُ مَا يُصَارُ إِلَيْهِ فِي هَذَا مَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي بُرْدَةَ الْمَذْكُورَ .
قَالَ الْحَافِظُ : فَتَبَيَّنَ بِمَا نَقَلَهُ عن الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الصَّحَابَةِ أَنْ لَا اتِّفَاقَ عَلَى عَمَلٍ فِي ذَلِكَ ، فَكَيْفَ يُدَّعَى نَسْخُ الْحَدِيثِ الثَّابِتِ وَيُصَارُ إِلَى مَا يُخَالِفُهُ مِنْ غَيْرِ بُرْهَانٍ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .