حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عون المعبود شرح سنن أبي داود

بَاب الدَّلِيلِ عَلَى زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ

حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، نا الْأَعْمَشُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ خَالِصٌ ، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْهُنَّ كَانَ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا ، إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ ( أَرْبَعٌ ) : أَيْ خِصَالٌ أَرْبَعٌ أَوْ أَرْبَعٌ مِنَ الْخِصَالِ فَسَاغَ الِابْتِدَاءُ بِهِ ( مَنْ كُنَّ ) : أَيْ تِلْكَ الْأَرْبَعُ ( فِيهِ ) : الضَّمِيرُ لِمَنْ ( فَهُوَ مُنَافِقٌ خَالِصٌ ) : قَالَ الْعَلْقَمِيُّ : أَيْ فِي هَذِهِ الْخِصَالِ فَقَطْ لَا فِي غَيْرِهَا ، أَوْ شَدِيدُ الشَّبَهِ بِالْمُنَافِقِينَ ، وَوَصْفُهُ بِالْخُلُوصِ يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمُرَادَ بِالنِّفَاقِ الْعَمَلِيِّ دُونَ الْإِيمَانِيِّ أَو النِّفَاقُ الْعُرْفِيُّ لَا الشَّرْعِيُّ ، لِأَنَّ الْخُلُوصَ بِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْكُفْرَ الْمُلْقِي فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ( حَتَّى يَدَعَهَا ) : أَيْ إِلَى أَنْ يَتْرُكَهَا ( إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ) : أَيْ عَمْدًا بِغَيْرِ عُذْرٍ ( وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ) : أَيْ إِذَا وَعَدَ بِالْخَيْرِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَمْ يَفِ بِذَلِكَ ( وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ ) : أَيْ نَقَضَ الْعَهْدَ وَتَرَكَ الْوَفَاءَ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ . وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَعْدِ وَالْعَهْدِ فَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْوَعْدِ وَالْعَهْدِ صَرِيحًا . وَالظَّاهِرُ مِنْ صَنِيعِ إِمَامِ الْبُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا بَلْ هُمَا مُتَرَادِفَانِ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْ صَحِيحِهِ : بَابُ مَنْ أُمِرَ بِإِنْجَازِ الْوَعْدِ ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى مَضْمُونِ الْبَابِ بِأَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ : أَوَّلُهَا حَدِيثُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ فِي قِصَّةِ هِرَقْلَ ؛ أَوْرَدَ مِنْهُ طَرَفًا : وَهُوَ أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ : سَأَلْتُكَ مَاذَا يَأْمُرُكُمْ .

فَزَعَمْتَ أَنَّهُ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ الْحَدِيثَ . وَلَوْلَا أَنَّ الْوَعْدَ وَالْعَهْدَ مُتَّحِدَانِ لَمَا تَمَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ ، فَثَبَتَ مِنْ صَنِيعِهِ هَذَا أَنَّهُمَا مُتَّحِدَانِ . وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْحَافِظِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْفَتْحِ أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا ، فَإِنَّهُ قَالَ : إِنَّ مَعْنَاهُمَا قَدْ يَتَّحِدُ .

وَنَصُّهُ فِي شَرْحِ بَابِ عَلَامَاتِ الْمُنَافِقِ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَالنَّوَوِيُّ : حَصَلَ من مَجْمُوعِ الرِّوَايَتَيْنِ خَمْسُ خِصَالٍ لِأَنَّهُمَا تَوَارَدَتَا عَلَى الْكَذِبِ فِي الْحَدِيثِ وَالْخِيَانَةِ فِي الْأَمَانَةِ ، وَزَادَ الْأَوَّلُ : الْخُلْفَ فِي الْوَعْدِ وَالثَّانِي : الْغَدْرَ فِي الْمُعَاهَدَةِ وَالْفُجُورَ فِي الْخُصُومَةِ . قُلْتُ : وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الثَّانِي بَدَلُ الْغَدْرِ فِي الْمُعَاهَدَةِ الْخُلْفُ فِي الْوَعْدِ كَمَا فِي الْأَوَّلِ ، فَكَأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ تَصَرَّفَ فِي لَفْظِهِ لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا قَدْ يَتَّحِدُ إِلَخْ .

فَلَفْظُهُ قَدْ تَدُلُّ دِلَالَةً ظَاهِرَةً عَلَى أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا ، وَلَكِنْ لَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهُ أَيْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ هُوَ أَنَّ الْوَعْدَ أَعَمُّ مِنَ الْعَهْدِ مُطْلَقًا ، فَإِنَّ الْعَهْدَ هُوَ الْوَعْدُ الْمُوثَقُ فَأَيْنَمَا وُجِدَ الْعَهْدُ وُجِدَ الْوَعْدُ ، مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ . لِجَوَازِ أَنْ يُوجَدَ الْوَعْدُ مِنْ غَيْرِ تَوْثِيقٍ . وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ ، فَالْوَعْدُ أَعَمُّ مِنَ الْعَهْدِ ، بِأَنَّ الْعَهْدَ لَا يُطْلَقُ إِلَّا إِذَا كَانَ الْوَعْدُ مُوَثَّقًا وَالْوَعْدُ أَعمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُوَثَّقًا أَوْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ ، وَيَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ لَفْظُ الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْلَقَ عَلَى إِخْلَافِ الْوَعْدِ لَفْظَ الْإِخْلَافِ ، وَعَلَى إِخْلَافِ الْعَهْدِ لَفْظَ الْغَدْرِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْغَدْرَ أَشَدُّ مِنَ الْإِخْلَافِ ، فَعُلِمَ أَنَّ الْعَهْدَ أَشَدُّ وَأَوْثَقُ مِنَ الْوَعْدِ .

وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ الْآيَةَ . وَأَمَّا الْعَهْدُ أَعمُّ مِنَ الْوَعْدِ فَبِأَنَّ الْوَعْدَ لَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى مَا يَكُونُ لِشَخْصٍ آخَرَ ، وَالْعَهْدَ يُطْلَقُ عَلَى مَا يَكُونُ لِشَخْصٍ آخَرَ أَوْ لِنَفْسِهِ كَمَا لَا يَخْفَى . قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ فَهَاهُنَا عَهْدُهُمْ لَيْسَ إِلَّا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْإِيمَانِ ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ الْآيَةَ فَهَاهُنَا مُعَاهَدَةُ الْمُؤْمِنِينَ لَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بَلْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ .

وَأَمَّا الْوَعْدُ فَلَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إِلَّا لِرَجُلٍ آخَرَ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْقُرْآنِ : وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ الْآيَةَ . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ الْآيَةَ . وَقَالَ تَعَالَى : رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ الْآيَةَ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ وَكَلَامِ أَهْلِ الْعَرَبِ .

فَلَعَلَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ ثُمَّ الْحَافِظِ بِاتِّحَادِ الْوَعْدِ وَالْعَهْدِ اجْتِمَاعُهُمَا فِي مَادَّةِ الْوَعْدِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى الْوُثُوقِ وَغَيْرِ الْوُثُوقِ ، وَكَذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ لِرَجُلٍ آخَرَ أَوْ لِنَفْسِهِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . ( وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ ) : أَيْ شَتَمَ وَرَمَى بِالْأَشْيَاءِ الْقَبِيحَةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث