حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عون المعبود شرح سنن أبي داود

بَاب فِي الْقَدَرِ

حدثنا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ ، نا الْمُعْتَمِرُ قَالَ : سَمِعْتُ مَنْصُورَ بْنَ الْمُعْتَمِرِ يُحَدِّثُ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبٍ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَلَسَ وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِالْمِخْصَرَةِ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ : مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا قد كَتَبَ اللَّهُ مَكَانَهَا مِنْ النَّارِ أَوْ مِنْ الْجَنَّةِ إِلَّا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً قَالَ : فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَفَلَا نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا ، وَنَدَعُ الْعَمَلَ ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ لَيَكُونَنَّ إِلَى السَّعَادَةِ ، وَمَنْ كَانَ مِنْا من أَهْلِ الشِّقْوَةِ لَيَكُونَنَّ إِلَى الشِّقْوَةِ ، فقَالَ : اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِلسَّعَادَةِ ، وَأَمَّا أَهْلُ الشِّقْوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِلشِّقْوَةِ ثُمَّ قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ : صلى الله عليه وسلم ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ( بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ ) : هُوَ مَقْبَرَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَالْغَرْقَدُ نَوْعٌ مِنَ الشَّجَرِ ، وَكَانَ بِالْبَقِيعِ فَأُضِيفَ إِلَيْهِ ( وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ : هِيَ عَصًا أَوْ قَضِيبٌ يُمْسِكُهُ الرَّئِيسُ لِيَتَوَكَّأَ عَلَيْهِ وَيَدْفَعَ بِهِ عَنْهُ وَيُشِيرُ بِهِ لِمَا يُرِيدُ ؛ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُحْمَلُ تَحْتَ الْخَصْرِ غَالِبًا لِلِاتِّكَاءِ عَلَيْهَا قَالَهُ الْحَافِظُ ( فَجَعَلَ يَنْكُتُ ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْكَافِ وَآخِرُهُ تَاءٌ مُثَنَّاةٌ فَوْقَ أَيْ يَخُطُّ بِالْمِخْصَرَةِ خَطًّا يَسِيرًا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ، وَهَذَا فِعْلُ الْمُفَكِّرِ الْمَهْمُومِ ( مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ ) : أَيْ مَوْلُودَةٍ وَهُوَ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ : مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ ( أَوْ مِنَ الْجَنَّةِ ) : أَوْ لِلتَّنْوِيعِ ( إِلَّا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً ) : بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ إِلَّا قَدْ كَتَبَ اللَّهُ مَكَانَهَا .. . إِلَخْ ، وَالضَّمِيرُ فِي كُتِبَتْ لِلنَّفْسِ ( قَالَ ) : أَيْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( أَفَلَا نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا ) : أَيْ أَفَلَا نَعْتَمِدُ عَلَى الْمُقَدَّرِ لَنَا فِي الْأَزَلِ ( وَنَدَعُ الْعَمَلَ ) : أَيْ نَتْرُكُهُ ( فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ ) : أَيْ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى ( لَيَكُونَنَّ ) : أَيْ لَيَصِيرَنَّ ( إِلَى السَّعَادَةِ ) : أَيْ إِلَى عَمَلِ السَّعَادَةِ ( مِنْ أَهْلِ الشِّقْوَةِ ) : بِكَسْرِ الشِّينِ بِمَعْنَى الشَّقَاوَةِ ، وَهِيَ ضِدُّ السَّعَادَةِ ( اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ ) : أَيْ لِمَا خُلِقَ لَهُ ( فَيُيَسَّرُونَ لِلسَّعَادَةِ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ يُسَهَّلُونَ وَيُهَيَّئُونَ . وَحَاصِلُ السُّؤَالِ أَلَّا نَتْرُكَ مَشَقَّةَ الْعَمَلِ ؛ فَإِنَّا سَنُصَيَّرُ إِلَى مَا قُدِّرَ عَلَيْنَا .

وَحَاصِلُ الْجَوَابِ لَا مَشَقَّةَ ؛ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ، وَهُوَ يَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ . قَالَ الطِّيبِيُّ : الْجَوَابُ مِنَ الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ مَنَعَهُمْ عَنْ تَرْكِ الْعَمَلِ ، وَأَمَرَهُمْ بِالْتِزَامِ مَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ ، وَزَجَرَهُمْ عَنِ التَّصَرُّفِ فِي الْأُمُورِ الْمَغِيبَةِ ، فَلَا يَجْعَلُوا الْعِبَادَةَ وَتَرْكَهَا سَبَبًا مُسْتَقِلًّا لِدُخُولِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، بَلْ هِيَ عَلَامَاتٌ فَقَطْ . فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى : أَيْ حَقَّ اللَّهِ مِنَ الْمَالِ أَوِ الِامْتِثَالِ وَاتَّقَى : أَيْ خَافَ مُخَالَفَتَهُ أَوْ عُقُوبَتَهُ وَاجْتَنَبَ مَعْصِيَتَهُ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى : أَيْ بِكَلِمَةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَسَنُيَسِّرُهُ : أَيْ نُهَيِّئُهُ فِي الدُّنْيَا لِلْيُسْرَى : أَيْ لِلْخُلَّةِ الْيُسْرَى وَهُوَ الْعَمَلُ بِمَا يَرْضَاهُ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ : أَيْ بِالنَّفَقَةِ فِي الْخَيْرِ وَاسْتَغْنَى : أَيْ بِشَهَوَاتِ الدُّنْيَا عَنْ نَعِيمِ الْعُقْبَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى : أَيْ بِكَلِمَةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى : أَيْ لِلْخُلَّةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى الْعُسْرِ ، وَالشِّدَّةِ وَهِيَ خِلَافُ الْيُسْرَى .

وَفِي الْكَشَّافِ : سَمَّى طَرِيقَةَ الْخَيْرِ بِالْيُسْرَى لِأَنَّ عَاقِبَتَهُ الْيُسْرُ ، وَطَرِيقَةَ الشَّرِّ بِالْعُسْرَى لِأَنَّ عَاقِبَتَهُ الْعُسْرُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث