بَاب فِي الشَّفَاعَةِ
بَابٌ فِي الشَّفَاعَةِ حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، نا بَسْطَامُ بْنُ حُرَيْثٍ ، عَنْ أَشْعَثَ الْحُدَّانِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي بَاب فِي الشَّفَاعَةِ ( نَا بِسْطَامٌ ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ . ( الْحُدَّانِيِّ ) بِمُهْمَلَتَيْنِ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ مُشَدَّدَةٍ ، قَالَهُ الْحَافِظُ . ( شَفَاعَتِي ) قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ : لَعَلَّ هَذِهِ الْإِضَافَةَ بِمَعْنَى أَلْ الَّتِي لِلْعَهْدِ ، وَالتَّقْدِيرُ : الشَّفَاعَةُ الَّتِي أَعْطَانِيهَا اللَّهُ تَعَالَى ، وَوَعَدَنِي بِهَا لِأُمَّتِي ادَّخَرْتُهَا .
( لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي ) أَيِ الَّذِينَ اسْتَوْجَبُوا النَّارَ بِذُنُوبِهِمُ الْكَبَائِرِ فَلَا يَدْخُلُونَ بِهَا النَّارَ ، وَأُخْرِجُ بِهَا مَنْ أَدْخَلْتُهُ كَبَائِرُ ذُنُوبِهِ النَّارَ مِمَّنْ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ . كَذَا فِي السِّرَاجِ الْمُنِيرِ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ شَفَاعَتِي الَّتِي تُنْجِي الْهَالِكِينَ مُخْتَصَّةٌ بِأَهْلِ الْكَبَائِرِ .
قَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ جَوَازُ الشَّفَاعَةِ عَقْلًا ، وَوُجُوبُهَا سَمْعًا ؛ لِصَرِيحِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا ﴾وَقَدْ جَاءَتِ الْآثَارُ الَّتِي بَلَغَتْ بِمَجْمُوعِهَا التَّوَاتُرَ لِصِحَّةِ الشَّفَاعَةِ فِي الْآخِرَةِ ، وَأَجْمَعَ السَّلَفُ الصَّالِحُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَيْهَا ، وَمَنَعَتِ الْخَوَارِجُ وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْهَا وَتَعَلَّقُوا بِمَذَاهِبِهِمْ فِي تَخْلِيدِ الْمُذْنِبِينَ فِي النَّارِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾وَبِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْآيَتَيْنِ فِي الْكُفَّارِ ، وَالْمُرَادَ بِالظُّلْمِ الشِّرْكُ . وَأَمَّا تَأْوِيلُهُمْ أَحَادِيثَ الشَّفَاعَةِ بِكَوْنِهَا فِي زِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ فَبَاطِلٌ ، وَأَلْفَاظُ الْأَحَادِيثِ صَرِيحَةٌ فِي بُطْلَانِ مَذْهَبِهِمْ وَإِخْرَاجِ مَنِ اسْتَوْجَبَ النَّارَ . انْتَهَى .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الْكَبِيرِ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَوَقَعَ لَنَا مِنْ حَدِيثِ زِيَادٍ النُّمَيْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ ، وَزِيَادٍ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ ، وَالْمَشْهُورُ فِيهِ حَدِيثُ أَشْعَثَ عَنْ أَنَسٍ . وَأَشْعَثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرٍ الْحُدَّانِيُّ الْبَصْرِيُّ الْأَعْمَى وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : مَا بِهِ بَأْسٌ .
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : شَيْخٌ : . وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ : فِي حَدِيثِهِ وَهْمٌ ، وَهَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى حُدَّانَ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا دَالٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ مُشَدَّدَةٌ وَبَعْدَهَا أَلِفٌ وَنُونٌ بَطْنٌ مِنَ الْأَزْدِ .