بَاب فِي قِتَالِ الْخَوَارِجِ
حدثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ الْجُهَنِيُّ أَنَّهُ كَانَ فِي الْجَيْشِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عَلِيٍّ الَّذِينَ سَارُوا إِلَى الْخَوَارِجِ فَقَالَ عَلِيٌّ : أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي يقرؤون الْقُرْآنَ لَيْسَتْ قِرَاءَتُكُمْ إِلَى قِرَاءَتِهِمْ شَيْئًا ، وَلَا صَلَاتُكُمْ إِلَى صَلَاتِهِمْ شَيْئًا ، وَلَا صِيَامُكُمْ إِلَى صِيَامِهِمْ شَيْئًا ، يقرؤون الْقُرْآنَ يَحْسِبُونَ أَنَّهُ لَهُمْ وَهُوَ عَلَيْهِمْ ، لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ تَرَاقِيَهُمْ ، يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ ، لَوْ يَعْلَمُ الْجَيْشُ الَّذِينَ يُصِيبُونَهُمْ مَا قُضِيَ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَاتَكلُوا عَلى الْعَمَلِ ، وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِمْ رَجُلًا لَهُ عَضُدٌ وَلَيْسَتْ لَهُ ذِرَاعٌ ، عَلَى عَضُدِهِ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدْيِ عَلَيْهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ أَفَتَذْهَبُونَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَأَهْلِ الشَّامِ ، وَتَتْرُكُونَ هَؤُلَاءِ يَخْلُفُونَكُمْ إلى ذَرَارِيِّكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونُوا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ ، فَإِنَّهُمْ قَدْ سَفَكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ وَأَغَارُوا فِي سَرْحِ النَّاسِ ، فَسِيرُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ ، قَالَ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ : فَنَزَّلَنِي زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ مَنْزِلًا مَنْزِلًا حَتَّى مَرَّرِنَا عَلَى قَنْطَرَةٍ ، قَالَ : فَلَمَّا الْتَقَيْنَا وَعَلَى الْخَوَارِجِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ الرَّاسِبِيُّ فَقَالَ لَهُمْ : أَلْقُوا الرِّمَاحَ وَسُلُّوا السُّيُوفَ مِنْ جُفُونِهَا ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُنَاشِدُوكُمْ كَمَا نَاشَدُوكُمْ يَوْمَ حَرُورَاءَ . قَالَ : فَوَحَّشُوا بِرِمَاحِهِمْ وَاسْتَلُّوا السُّيُوفَ وَشَجَرَهُمْ النَّاسُ بِرِمَاحِهِمْ ، قَالَ : وَقَتَلُوا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِهِمْ ، قَالَ : وَمَا أُصِيبَ مِنْ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ إِلَّا رَجُلَانِ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : الْتَمِسُوا فِيهِمْ الْمُخْدَجَ . فَلَمْ يَجِدُوا قَالَ : فَقَامَ عَلِيٌّ بِنَفْسِهِ حَتَّى أَتَى نَاسًا قَدْ قُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، فَقَالَ : أَخْرِجُوهُمْ .
فَوَجَدُوهُ مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ ، فَكَبَّرَ وَقَالَ : صَدَقَ اللَّهُ وَبَلَّغَ رَسُولُهُ ، فَقَامَ إِلَيْهِ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، آللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَقَدْ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : إِي وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، حَتَّى اسْتَحْلَفَهُ ثَلَاثًا وَهُوَ يَحْلِفُ . ( يُصِيبُونَهُمْ ) أَيْ يَقْتُلُونَ ذَلِكَ الْخَوَارِجَ ( مَا ) مَصْدَرِيَّةٌ ( قُضِيَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( لَهُمْ ) أَيْ لِذَلِكَ الْجَيْشِ .
وَالْجُمْلَةُ مَفْعُولُ يَعْلَمُ ( عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ ) مِنَ الْبِشَارَةِ الْعُظْمَى لِقَاتِلِيهِمْ ( لَاتَّكَلُوا عَلَى الْعَمَلِ ) كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ . وَهَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، وَهُوَ افْتَعَلُوا مِنَ الْوَكَلِ ، يُقَالُ : اتَّكَلَ عَلَيْهِ إِذَا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ وَوَثِقَ بِهِ ، وَالْمَعْنَى : اعْتَمَدُوا عَلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ ، وَهُوَ قِتَالُهُمْ ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْأَجْرِ الْعَظِيمِ ، وَاكْتَفَوْا بِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ . وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْكِتَابِ : لَنَكَّلُوا عَنِ الْعَمَلِ مِنَ النَّكَلِ وَهُوَ التَّأَخُّرُ ، أَيْ تَأَخَّرُوا عَنِ الْعَمَلِ الْآخَرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
( لَهُ عَضُدٌ ) الْعَضُدُ : مَا بَيْنَ الْمِرْفَقِ إِلَى الْكَتِفِ ، كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ ( وَلَيْسَتْ لَهُ ذِرَاعٌ ) هِيَ مِنَ الْمِرْفَقِ إِلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ ، كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ ، وَكَأَنَّ هَذَا وَصْفُهُ مِنْ كَثْرَةِ لَحْمِهِ وَشَحْمِهِ ( عَلَى عَضُدِهِ ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : عَلَى رَأْسِ عَضُدِهِ ( مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدْيِ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَاللَّامِ أَيْ مِثْلُ رَأْسِهِ ( أَفَتَذْهَبُونَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَأَهْلِ الشَّامِ ؟ ) وَقِصَّتُهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَرِّخُ الثِّقَةُ ابْنُ سَعْدٍ وَنَقَلَ عَنْهُ السُّيُوطِيُّ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بُويِعَ بِالْخِلَافَةِ الْغَدَ مِنْ قَتْلِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِالْمَدِينَةِ ، فَبَايَعَهُ جَمِيعُ مَنْ كَانَ بِهَا مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَيُقَالُ : إِنَّ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ بَايَعَا كَارِهَيْنِ غَيْرَ طَائِعَيْنِ ، ثُمَّ خَرَجَا إِلَى مَكَّةَ ، وَعَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - بِهَا ، فَأَخَذَاهَا وَخَرَجَا بِهَا إِلَى الْبَصْرَةِ يُطَالِبُونَ بِدَمِ عُثْمَانَ ، وَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَخَرَجَ إِلَى الْعِرَاقِ ، فَلَقِيَ بِالْبَصْرَةِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَعَائِشَةَ وَمَنْ مَعَهُمْ ، وَهِيَ وَقْعَةُ الْجَمَلِ ، وَكَانَتْ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ ، وَقُتِلَ بِهَا طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَغَيْرُهُمَا ، وَبَلَغَتِ الْقَتْلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفًا . وَأَقَامَ عَلِيٌّ بِالْبَصْرَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْكُوفَةِ ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ بِالشَّامِ ، فَبَلَغَ عَلِيًّا فَسَارَ إِلَيْهِ ، فَالْتَقَوْا بِصِفِّينَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ ، وَدَامَ الْقَتْلُ بِهَا أَيَّامًا ، فَرَفَعَ أَهْلُ الشَّامِ الْمَصَاحِفَ يَدْعُونَ إِلَى مَا فِيهَا مَكِيدَةً مِنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، فَكَرِهَ النَّاسُ الْحَرْبَ وَتَدَاعَوْا إِلَى الصُّلْحِ وَحَكَّمُوا الْحَكَمَيْنِ ، فَحَكَّمَ عَلِيٌّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ ، وَحَكَّمَ مُعَاوِيَةُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ، وَكَتَبُوا بَيْنَهُمْ كِتَابًا عَلَى أَنْ يُوَافُوا رَأْسَ الْحَوْلِ بِأَذْرُحَ فَيَنْظُرُوا فِي أَمْرِ الْأُمَّةِ ، فَافْتَرَقَ النَّاسُ ، وَرَجَعَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الشَّامِ ، وَعَلِيٌّ إِلَى الْكُوفَةِ ، فَخَرَجَتْ عَلَيْهِ الْخَوَارِجُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ ، وَقَالُوا : لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ ، وَعَسْكَرُوا بِحَرُورَاءَ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ ابْنَ عَبَّاسٍ فَخَاصَمَهُمْ وَحَجَّهُمْ ، فَرَجَعَ مِنْهُمْ قَوْمٌ كَثِيرٌ ، وَثَبَتَ قَوْمٌ ، وَسَارُوا إِلَى النَّهْرَوَانِ فَعَرَضُوا لِلسَّبِيلِ ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ فَقَتَلَهُمْ بِالنَّهْرَوَانِ ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ ذَا الثُّدَيَّةِ وَذَلِكَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ . وَاجْتَمَعَ النَّاسُ بِأَذْرُحَ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ ، وَحَضَرَهَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَابْنُ عُمَر وَغَيْرُهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ ، فَقَدَّمَ عَمْرٌو أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ مَكِيدَةً مِنْهُ ، فَتَكَلَّمَ فَخَلَعَ عَلِيًّا ، وَتَكَلَّمَ عَمْرٌو فَأَقَرَّ مُعَاوِيَةَ ، وَبَايَعَ لَهُ فَتَفَرَّقَ النَّاسُ عَلَى هَذَا ، وَصَارَ عَلِيٌّ فِي خِلَافٍ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى صَارَ يَعَضُّ عَلَى إِصْبَعِهِ ، وَيَقُولُ : أُعْصَى وَيُطَاعُ مُعَاوِيَةُ ، وَانْتُدِبَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِنَ الْخَوَارِجِ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجِمٍ الْمُرَادِيُّ ، وَالْبَرْكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ ، وَعَمْرُو بْنُ بُكَيْرٍ التَّمِيمِيُّ ، فَاجْتَمَعُوا بِمَكَّةَ ، وَتَعَاهَدُوا وَتَعَاقَدُوا لَيَقْتُلُنَّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ : عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، وَمُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ، وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ، وَيُرِيحُوا الْعِبَادَ مِنْهُمْ ، فَقَالَ ابْنُ مُلْجِمٍ : أَنَا لَكُمْ بِعَلِيٍّ ، وَقَالَ الْبَرْكُ : أَنَا لَكُمْ بِمُعَاوِيَةَ ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ بُكَيْرٍ : أَنَا أَكْفِيكُمْ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ .
هَذَا كَلَامُ ابْنُ سَعْدٍ وَقَدْ أَحْسَنَ فِي تَلْخِيصِهِ هَذِهِ الْوَقَائِعَ ، وَلَمْ يُوَسِّعْ فِيهَا الْكَلَامَ كَمَا صَنَعَ غَيْرُهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِهَذَا الْمَقَامِ . قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا . قَالَهُ السُّيُوطِيُّ .
( وَتَتْرُكُونَ هَؤُلَاءِ ) الْخَوَارِجَ ( يَخْلُفُونَكُمْ إِلَى ذَرَارِيِّكُمْ ) جَمْعُ ذُرِّيَّةٍ ، أَيْ فَيَنْهَبُونَهَا وَيَقْتُلُونَهَا ( وَأَمْوَالِكُمْ ) أَيْ يَخْلُفُونَكُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ فَيُفْسِدُونَهَا ( إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونُوا هَؤُلَاءِ ) أَيْ الْمَذْكُورُونَ فِي الْحَدِيثِ ( الْقَوْمَ ) بِالْفَتْحِ خَبَرُ يَكُونُ ، أَيْ هَذَا الْقَوْمَ ( فِي سَرْحِ النَّاسِ ) أَيْ مَوَاشِيهِمُ السَّائِمَةِ ( فَسِيرُوا ) أَيْ إِلَيْهِمْ ( فَنَزَّلَنِي ) مِنَ التَّنْزِيلِ ( زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ مَنْزِلًا مَنْزِلًا ) هَكَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مَرَّتَيْنِ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مَرَّةً وَاحِدَةً . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : فَنَزَّلَنِي زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ مَنْزِلًا هَكَذَا فِي مُعْظَمِ نُسَخِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَفِي نَادِرٍ مِنْهَا : مَنْزِلًا مَنْزِلًا مَرَّتَيْنِ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْحَمِيدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ ، وَهُوَ وَجْهُ الْكَلَامِ أَيْ ذَكَرَ لِي مَرَاحِلَهُمْ بِالْجَيْشِ مَنْزِلًا مَنْزِلًا ( حَتَّى مَرَرْنَا ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : حَتَّى قَالَ : مَرَرْنَا بِزِيَادَةِ لَفْظِ : قَالَ ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ : مَرَّ بِنَا مَكَانَ : مَرَرْنَا ( عَلَى قَنْطَرَةٍ ) بِفَتْحِ الْقَافِ أَيْ حَتَّى بَلَغَ الْقَنْطَرَةَ الَّتِي كَانَ الْقِتَالُ عِنْدَهَا ، وَهِيَ قَنْطَرَةُ الدِّبْرِجَانِ كَذَا جَاءَ مُبَيَّنًا فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ ، وَهُنَاكَ خَطَبَهُمْ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَرَوَى لَهُمْ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ . ( قَالَ ) أَيْ زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ ( فَلَمَّا الْتَقَيْنَا ) أَيْ نَحْنُ وَالْخَوَارِجُ ( وَعَلَى الْخَوَارِجِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ) أَيْ كَانَ أَمِيرَهُمْ ( سُلُّوا ) بِضَمِّ السِّينِ ، أَمْرٌ مِنْ سَلَّ يَسُلُّ ( مِنْ جُفُونِهَا ) أَيْ مِنْ أَغْمِدَتِهَا ( فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُنَاشِدُوكُمْ ) أَيْ يَطْلُبُوكُمُ الصُّلْحَ بِالْإِيمَانِ لَوْ تُقَاتِلُونَ بِالرُّمْحِ مِنْ بَعِيدٍ ، فَأَلْقُوا الرِّمَاحَ وَادْخُلُوا فِيهِمْ بِالسُّيُوفِ حَتَّى لَا يَجِدُوا فُرْصَةً ، فَدَبَّرُوا تَدْبِيرًا قَادَهُمْ إِلَى التَّدْمِيرِ .
كَذَا فِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ . ( فَوَحَّشُوا بِرِمَاحِهِمْ ) أَيْ رَمَوْا بِهَا عَنْ بُعْدٍ ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ ، وَهُوَ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ أَيِ التَّوْحِيشِ ، قَالَهُ فِي الصُّرَاحِ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ : وَحَّشَ الرَّجُلُ إِذَا رَمَى بِثَوْبِهِ وَسِلَاحِهِ مَخَافَةَ أَنْ يُلْحَقَ .
قَالَ الشَّاعِرُ : فَذَرُوا السِّلَاحَ وَوَحِّشُوا بِالْأَبْرَقِ ( وَاسْتَلُّوا ) بِصِيغَةِ الْمَاضِي ( وَشَجَرَهُمُ النَّاسُ بِرِمَاحِهِمْ ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ : شَجَرَهُ بِالرُّمْحِ ، أَيْ : طَعَنَهُ ، وَشَجَرَ بَيْتَهُ أَيْ عَمَّدَهُ بِعَمُودٍ . انْتَهَى . وَفِي النِّهَايَةِ : وَفِي الْحَدِيثِ : شَجَرْنَاهُمْ بِالرِّمَاحِ أَيْ طَعَنَّاهُمُ ، انْتَهَى ، أَيْ مَدُّوهَا إِلَيْهِمْ وَطَاعَنُوهُمْ بِهَا ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ .
( وَقَتَلُوا بَعْضَهُمْ ) أَيْ بَعْضَ الْخَوَارِجِ ( وَمَا أُصِيبَ مِنَ النَّاسِ ) أَيِ الَّذِينَ مَعَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ( الْمُخْدَجَ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : يُقَالُ : أَخْدَجَتِ النَّاقَةُ إِذَا جَاءَتْ بِوَلَدِهَا نَاقِصَ الْخَلْقِ ، فَالْوَلَدُ مُخْدَجٌ ، وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي ذِي الثُّدَيَّةِ : مخدج الْيَدِ ، أَيْ نَاقِصُ الْيَدِ . انْتَهَى . ( حَتَّى أَتَى نَاسًا ) أَيْ مِنَ الْخَوَارِجِ ( فَوَجَدُوهُ ) أَيِ الْمُخْدَجَ الْخَارِجِيَّ ( فَكَبَّرَ ) عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ( وَقَالَ : صَدَقَ اللَّهُ وَبَلَّغَ رَسُولُهُ ) رِسَالَتَهُ ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فَالْتُمِسَ فَوُجِدَ فَأُتِيَ بِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَقَامَ إِلَيْهِ عَبِيدَةُ ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ اسْتَحْلَفَ عَلِيًّا ثَلَاثًا ، وَإِنَّمَا اسْتَحْلَفَهُ ؛ لِيُسْمِعَ الْحَاضِرِينَ وَيُؤَكِّدَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ وَيُظْهِرَ لَهُمُ الْمُعْجِزَةَ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيُظْهِرَ لهم أَنَّ عَلِيًّا وَأَصْحَابَهُ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ ، وَأَنَّهُمْ مُحِقُّونَ فِي قِتَالِهِمْ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ .
قَالَهُ النَّوَوِيُّ . ( السَّلْمَانِيُّ ) بِإِسْكَانِ اللَّامِ مَنْسُوبٌ إِلَى سَلْمَانَ جَدُّ قَبِيلَةٍ مَعْرُوفَةٍ وَهُمْ بَطْنٌ مِنْ مُرَادٍ أَسْلَمَ عَبِيدَةَ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسَنَتَيْنِ ، وَلَمْ يَرَهُ وَسَمِعَ عُمَرَ وَعَلِيًّا وَابْنَ مَسْعُودٍ وَغَيْرَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
انْتَهَى . أَيْ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ فِي بَابِ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ .