بَاب فِي الْحِلْمِ وَأَخْلَاقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
حدثنا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، نا أَبُو عَامِرٍ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ هِلَالٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يُحَدِّثُ قَالَ : قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَهُوَ يُحَدِّثُنَا : كَانَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْلِسُ مَعَنَا فِي المسجد يُحَدِّثُنَا فَإِذَا قَامَ قُمْنَا قِيَامًا ، حَتَّى نَرَاهُ قَدْ دَخَلَ بَعْضَ بُيُوتِ أَزْوَاجِهِ ، فَحدثنا يَوْمًا فَقُمْنَا حِينَ قَامَ ، فَنَظَرْنَا إِلَى أَعْرَابِيٍّ قَدْ أَدْرَكَهُ ، فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ فَحَمَّرَ رَقَبَتَهُ ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : وَكَانَ رِدَاءً خَشِنًا ، فَالْتَفَتَ فَقَالَ لَهُ الْأَعْرَابِيُّ : احْمِلْ لِي عَلَى بَعِيرَيَّ هَذَيْنِ ، فَإِنَّكَ لَا تَحْمِلُ لِي مِنْ مَالِكَ وَلَا مِنْ مَالِ أَبِيكَ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ، لَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ، لَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ، لَا أَحْمِلُ لَكَ حَتَّى تُقِيدَنِي مِنْ جَبْذَتِكَ الَّتِي جَبَذْتَنِي ؛ فَكُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ الْأَعْرَابِيُّ : وَاللَّهِ لَا أُقِيدُكَهَا . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
قَالَ : ثُمَّ دَعَا رَجُلًا ، فَقَالَ لَهُ : احْمِلْ لَهُ عَلَى بَعِيرَيْهِ هَذَيْنِ عَلَى بَعِيرٍ شَعِيرًا ، وَعَلَى الْآخَرِ تَمْرًا ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا فَقَالَ : انْصَرِفُوا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ ( فَإِذَا قَامَ قُمْنَا ) : أَيْ لِانْفِضَاضِ الْمَجْلِسِ لَا لِلتَّعْظِيمِ ؛ لِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا يَقُومُونَ لَهُ مُقْبِلًا ، فَكَيْفَ يَقُومُونَ لَهُ مُدْبِرًا ؟ ( قِيَامًا ) : أَيْ وُقُوفًا مُمْتَدًّا ( حَتَّى نَرَاهُ قَدْ دَخَلَ بَعْضَ بُيُوتِ أَزْوَاجِهِ ) : وَلَعَلَّهُمْ كَانُوا يَنْتَظِرُونَ رَجَاءَ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى أَحَدٍ مَعَهُمْ ، أَوْ يَعْرِضَ لَهُ رُجُوعٌ إِلَى الْجُلُوسِ مَعَهُمْ ، فَإِذَا أَيِسُوا تَفَرَّقُوا وَلَمْ يَقْعُدُوا ؛ لِعَدَمِ حَلَاوَةِ الْجُلُوسِ بَعْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( فَجَبَذَهُ ) : أَيْ جَذَبَهُ ( بِرِدَائِهِ ) : أَيْ رِدَائِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( فَحَمَّرَ ) : مِنَ التَّحْمِيرِ ، وَهَذَا مِنْ عَادَةِ جُفَاةِ الْعَرَبِ وَخُشُونَتِهِمْ وَعَدَمِ تَهْذِيبِ أَخْلَاقِهِمْ . وَقِيلَ : لَعَلَّهُ كَانَ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ وَلِهَذَا قَالَ مَا قَالَ ( فَالْتَفَتَ ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْأَعْرَابِيِّ : ( فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا ) : أَيْ لَا أَحْمِلُ لَكَ مِنْ مَالِي ( وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ) : أَيْ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ . قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ : وَهَذَا مِنْ حُسْنِ الْعِبَارَةِ ؛ لِأَنَّ حَذْفَ الْوَاوِ يُوهِمُ نَفْيَ الِاسْتِغْفَارِ ، وَقَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ : رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ دَخَلَ السُّوقَ فَقَالَ لِبَيَّاعٍ : أَتَبِيعُ هَذَا الثَّوْبَ ؟ فَقَالَ : لَا ، عَافَاكَ اللَّهُ .
قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ : لَوْ عَلِمْتُمْ ؛ قُلْ : لَا ، وَعَافَاكَ اللَّهُ . وَهَذَا مِنْ لَطَائِفِ النَّحْوِ ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ حَذْفِهَا يُوهِمُ كَوْنَهُ دُعَاءً عَلَيْهِ ، وَعِنْدَ ذِكْرِ الْوَاوِ لَا يَبْقَى ذَلِكَ الِاحْتِمَالُ . انْتَهَى .
( حَتَّى تُقِيدَنِي ) : مِنَ الْإِقَادَةِ ( فَكُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ الْأَعْرَابِيُّ : وَاللَّهِ لَا أَقِيدَكَهَا ) : أَيِ الْجَبْذَةَ ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ لِكَمَالِ كَرَمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يَعْفُو الْبَتَّةَ . وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ : وَلَا مِنْ مَالِ أَبِيكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ، لَا أَحْمِلُ لَكَ حَتَّى تُقِيدَنِي مِمَّا جَبَذْتَ بِرَقَبَتِي ، فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ : لَا وَاللَّهِ لَا أُقِيدُكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ : لَا وَاللَّهِ لَا أُقِيدُكَ . ( فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ) .
وَقَدْ ذَكَرَ النَّسَائِيُّ مَا حَذَفَهُ الْمُؤَلِّفُ ، فَفِيهِ : فَلَمَّا سَمِعْتُ قَوْلَ الْأَعْرَابِيِّ أَقْبَلْنَا إِلَيْهِ سِرَاعًا ، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : عَزَمْتُ عَلَى مَنْ سَمِعَ كَلَامِي أَنْ لَا يَبْرَحَ مَقَامَهُ حَتَّى آذَنَ لَهُ ، ( ثُمَّ دَعَا ) : أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِي الْحَدِيثِ بَيَانُ كَمَالِ خُلُقِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحِلْمِهِ وَصَفْحِهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : تَفَرَّدَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ هِلَالٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَقَالَ : ثِقَةٌ ، وَقَالَ مَرَّةً : لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ، قِيلَ : أَبُوهُ ؟ قَالَ : لَا أَعْرِفُهُ . وَسُئِلَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هِلَالٍ ، قَالَ : صَالِحٌ ، وَأَبُوهُ لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ .