بَاب مَا يَقُولُ إِذَا هَاجَتْ الرِّيحُ
حدثنا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، أَنَا عَمْرٌو أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ : مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطُّ مُسْتَجْمِعًا ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ ، إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ ، وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا الْغَيْمَ فَرِحُوا رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ ، وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عُرِفَتْ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةُ ، قالت : فَقَالَ : يَا عَائِشَةُ مَا يُؤَمِّنُنِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ ، قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ ، فَقَالُوا: هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ( مُسْتَجْمِعًا ) أَيْ مُبَالِغًا فِي الضَّحِكِ لَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا يُقَالُ اسْتَجْمَعَ السَّيْلُ اجْتَمَعَ مِنْ كُلِّ مَوْضِعٍ وَاسْتَجْمَعَتْ لِلْمَرْءِ أُمُورُهُ اجْتَمَعَ لَهُ مَا يُحِبُّهُ فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ ضَاحِكًا مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ ، أَيْ مَا رَأَيْتُهُ مُسْتَجْمِعًا مِنْ جِهَةِ الضَّحِكِ بِحَيْثُ يَضْحَكُ ضَحِكًا تَامًّا مُقْبِلًا بِكُلِّيَّتِهِ عَلَى الضَّحِكِ ، ( لَهَوَاتِهِ ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْهَاءِ جَمْعُ لَهَاةٍ وَهِيَ اللَّحْمَةُ الَّتِي بِأَعْلَى الْحَنْجَرَةِ مِنْ أَقْصَى الْفَمِ كَذَا فِي الْفَتْحِ وَفِي الْمِرْقَاةِ وَهِيَ لَحْمَةٌ مُشْرِفَةٌ عَلَى الْحَلْقِ ، وَقِيلَ هِيَ قَعْرُ الْفَمِ قَرِيبٌ مِنْ أَصْلِ اللِّسَانِ انْتَهَى . ( غَيْمًا ) أَيْ سَحَابًا ( عُرِفَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ، ( عُرِفَتْ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةُ ) بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ بِمَعْنَى الْكَرَاهَةِ مَا يُؤَمِّنُنِي بِنُونَيْنِ أَيْ مَا يَجْعَلُنِي آمِنًا وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يُؤْمِنِّي بِوَاوٍ سَاكِنَةٍ وَنُونٍ مُشَدَّدَةٍ وَهَكَذَا فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ ( قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ ) هُمْ عَادٌ قَوْمُ هُودٍ حَيْثُ أُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ ، ( وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ فَقَالُوا : هَذَا عَارِضٌ ) الْعَارِضُ السَّحَابُ الَّذِي يَعْتَرِضُ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ مُمْطِرُنَا أَيْ مُمْطِرٌ إِيَّانَا . قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ مَا مُحَصَّلُهُ إِنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ النَّكِرَةَ إِذَا أُعِيدَتْ نَكِرَةً كَانَتْ غَيْرَ الْأُولَى لَكِنَّ ظَاهِرَ آيَةِ الْبَابِ أَنَّ الْمُعَذَّبِينَ بِالرِّيحِ هُمُ الَّذِينَ قَالُوا : هَذَا عَارِضٌ ، وَالْجَوَابُ : أَنَّ الْقَاعِدَةَ الْمَذْكُورَةَ إِنَّمَا تَطَّرِدُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي السِّيَاقِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى الِاتِّحَادِ فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ فَلَا وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ الْمُغَايَرَةِ مُطْلَقًا فَلَعَلَّ عَادًا قَوْمَانِ قَوْمٌ بِالْأَحْقَافِ وَهُمْ أَصْحَابُ الْعَارِضِ وَقَوْمٌ غَيْرُهُمْ .
قَالَ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى ﴾فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ ثَمَّ عَادًا أُخْرَى انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ .