بَاب فِي الرَّجُلِ يُفَارِقُ الرَّجُلَ ثُمَّ يَلْقَاهُ أَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ
حدثنا عَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ ، نا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ ، نا حَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ ، فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَيَدْخُلُ عُمَرُ ( وَهُوَ فِي مَشْرُبَةٍ ) : بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا أَيْ غُرْفَةٍ ، لَهُ : أَيْ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم . قُلْتُ : ولَا يَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ بِالْبَابِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي تَوْجِيهِهِ بِأَنَّ الْمُؤَلِّفَ أَرَادَ بِهَذَا التَّبْوِيبِ بَيَانَ أَرْبَعة صُوَرٍ لِلتَّسْلِيمِ . الْأَوَّلُ : تَسْلِيمُ الرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ ، تَسْلِيمَ اللِّقَاءِ ، ثُمَّ مُفَارَقَتُهُ إِيَّاهُ ، ثُمَّ لِقَاؤُهُ ، فَمَاذَا يَفْعَلُ ؛ فَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى تَسْلِيمِ الرَّجُلِ كُلَّمَا لَقِيَهُ ، فَإِنْ حَالَتْ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ أَوْ جِدَارٌ أَوْ حَجَرٌ ثُمَّ لَقِيَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ .
وَالثَّانِي : تَسْلِيمُ الرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ تَسْلِيمَ اللِّقَاءِ ، ثُمَّ مُفَارَقَتُهُ إِيَّاهُ ، ثُمَّ مَجِيئُهُ عَلَى بَابِ بَيْتِهِ لِلِقَائِهِ ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ ثَانِيًا تَسْلِيمَ الِاسْتِئْذَانِ . وَالثَّالِثُ : تَسْلِيمُ الرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ تَسْلِيمَ الِاسْتِئْذَانِ ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ ، فَرَجَعَ ثُمَّ جَاءَهُ ثَانِيًا يَسْتَأْذِنُهُ ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ ثَانِيًا تَسْلِيمَ الِاسْتِئْذَانِ . وَالرَّابِعُ : تَسْلِيمُ الرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ تَسْلِيمَ الِاسْتِئْذَانِ ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَرَجَعَ ثُمَّ جَاءَهُ ثَانِيًا يَسْتَأْذِنُهُ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمَ الِاسْتِئْذَانِ ، فَأَذِنَ لَهُ ، فَدَخَلَ ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ تَسْلِيمَ اللِّقَاءِ ، فَعَلَى الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ اسْتَدَلَّ الْمُؤَلِّفُ بِحَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخْتَصَرٌ مِنَ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ ، وَفِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ مَا لَفْظُهُ : قَالَ عُمَرُ : فَصَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَشْرُبَةً لَهُ ، فَاعْتَزَلَ فِيهَا ، فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ ، فَإِذَا هِيَ تَبْكِي ، فَقُلْتُ : مَا يُبْكِيكِ أَلَمْ أَكُنْ حَذَّرْتُكِ هَذَا أَطَلَّقَكُنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ : لَا أَدْرِي هَا هُوَ ذَا مُعْتَزِلٌ فِي الْمَشْرُبَةِ ، فَخَرَجْتُ فَجِئْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ ، فَإِذَا حَوْلَهُ رَهْطٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ ، فَجَلَسْتُ مَعَهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ ، فَجِئْتُ الْمَشْرُبَةَ الَّتِي فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُلْتُ لِغُلَامٍ لَهُ أَسْوَدَ : اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ ، فَدَخَلَ الْغُلَامُ فَكَلَّمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : كَلَّمْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرْتُكَ لَهُ ، فَصَمَتَ فَانْصَرَفْتُ حَتَّى جَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ فَجِئْتُ فَقُلْتُ لِلْغُلَامِ : اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ . فَدَخَلَ ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ ، فَصَمَتَ ، فَرَجَعْتُ فَجَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ ، فَجِئْتُ الْغُلَامَ فَقُلْتُ : اسْتَأْذِنْ ، فَدَخَلَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ فَقَالَ : قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ ، فَلَمَّا وَلَّيْتُ مُنْصَرِفًا إِذَا الْغُلَامُ يَدْعُونِي ، فَقَالَ : قَدْ أَذِنَ لَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ ، فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ قَدْ أَثَّرَ الرِّمَالُ بِجَنْبِهِ مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ . الْحَدِيثَ بِطُولِهِ .
فَفِي هَذَا دَلَالَةٌ لِكُلٍّ مِنْ ثَلَاثة الصُّوَرِ الْبَاقِيَةِ . أَمَّا الثَّانِيَةُ فَلِأَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه صَلَّى صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَا يُظَنُّ بِعُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ تَرَكَ تَسْلِيمَ اللِّقَاءِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم : إِذَا لَقِيَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ . الْحَدِيثَ ، ثُمَّ فَارَقَهُ عُمَرُ رضي الله عنه إِلَى أَنْ جَاءَ الْمَشْرُبَةَ الَّتِي فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَأْذَنَهُ ، وَالِاسْتِئْذَانُ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ التَّسْلِيمِ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ مِنْ حَدِيثِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ ، عَلَى أَنَّهُ فِي قِصَّةِ الِاعْتِزَالِ أَيْضًا مُصَرَّحٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمَ الِاسْتِئْذَانِ ، ثُمَّ قَالَ : أَيَدْخُلُ عُمَرُ ؟ فَهَذَا التَّسْلِيمُ تَسْلِيمُ الِاسْتِئْذَانِ بَعْدَ تَسْلِيمِ اللِّقَاءِ وَقْتَ صَلَاةِ الصُّبْحِ .
وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَلِأَنَّ عُمَرَ سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمَ الِاسْتِئْذَانِ ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ ، فَرَجَعَ ، ثُمَّ جَاءَ وَاسْتَأْذَنَ ، فَكَيْفَ يَتْرُكُ عُمَرُ تَسْلِيمَ الِاسْتِئْذَانِ ثَانِيًا مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ ؟! وَأَمَّا الرَّابِعَةُ ؛ فَلِأَنَّ عُمَرَ سَلَّمَ عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم تَسْلِيمَ الِاسْتِئْذَانِ أَوَّلًا كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْمُؤَلِّفِ ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ ، فَرَجَعَ ، ثُمَّ جَاءَ ثَانِيًا وَاسْتَأْذَنَ ، فَكَيْفَ يَتْرُكُ عُمَرُ تَسْلِيمَ الِاسْتِئْذَانِ ، فَإِذَا أَذِنَ لَهُ دَخَلَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ تَسْلِيمَ اللِّقَاءِ ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ وَالتَّعَسُّفِ ، وَأَحْسَنُ مِنْهُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ عُمَرَ رضي الله عنه أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ ، فَاسْتَأْذَنَ بِوَاسِطَةِ غُلَامٍ لَهُ أَسْوَدَ ، فَقَالَ فِي اسْتِئْذَانِهِ : السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، أَيَدْخُلُ عُمَرُ ؟ وَقَدْ وَقَعَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ عُمَرَ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ ثَلَاثَ مِرَارٍ ، عَلَى مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ ، اخْتَصَرَ مِنْهُ الْمُؤَلِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ . وَقَدْ دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى طَرِيقِ اسْتِئْذَانِ عُمَرَ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَى آخِرِهِ ، وَهَذَا الطَّرِيقُ هُوَ الَّذِي عَلَّمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي بَابِ كَيْفَ الِاسْتِئْذَانُ ، مِنْ قَوْلِهِ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، أَأَدْخُلُ ؟ وَقَدْ وَرَدَ هَذَا الطَّرِيقُ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ ، ذَكَرَهَا الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ الْآيَةَ ، بَلْ قَدْ جَاءَ الِاكْتِفَاءُ فِي الِاسْتِئْذَانِ عَلَى مُجَرَّدِ السَّلَامِ - أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي ثَالِثِ أَبْوَابِ الِاسْتِئْذَانِ ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْمُطَابَقَةُ بَيْنَ تَرْجَمَةِ الْبَابِ وَبَيْنَ حَدِيثِ عُمَرَ رضي الله عنه إِذْ قَدْ وَقَعَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ عُمَرَ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الِاسْتِئْذَانَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّسْلِيمِ ، أَوْ هُوَ التَّسْلِيمُ ، وَأَيُّمَا كَانَ فَقَدْ سَلَّمَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُلِّ لِقَاءٍ بَعْدَ مُفَارَقَةٍ ، وَلَوْ بِوَاسِطَةٍ ، وَقَدْ قَرَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا فَارَقَ الرَّجُلَ ثُمَّ لَقِيَهُ سَلَّمَ ، وَهُوَ مَقْصُودُ التَّرْجَمَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ مُسْنَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ .