بَاب الرَّجُلِ يُنَادِي الرَّجُلَ فَيَقُولُ لَبَّيْكَ
بَابٌ الرَّجُلِ يُنَادِي الرَّجُلَ فَيَقُولُ لَبَّيْكَ حدثنا مُوسَى بْنُ إِسْماَعِيلَ ، نا حَمَّادٌ ، أَنَا يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي هَمَّامٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفِهْرِيَّ قَالَ : شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُنَيْنًا ، فَسِرْنَا فِي يَوْمٍ قَائِظٍ شَدِيدِ الْحَرِّ ، فَنَزَلْنَا تَحْتَ ظِلِّ الشَّجَر فَلَمَّا زَالَتْ الشَّمْسُ لَبِسْتُ لَأْمَتِي وَرَكِبْتُ فَرَسِي ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي فُسْطَاطِهِ ، فَقُلْتُ : السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، قَدْ حَانَ الرَّوَاحُ . فَقَالَ : أَجَلْ ثُمَّ قَالَ : يَا بِلَالُ ، فَثَارَ مِنْ تَحْتِ سَمُرَةٍ كَأَنَّ ظِلَّهُ ظِلُّ طَائِرٍ فَقَالَ : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ، وَأَنَا فِدَاؤُكَ . فَقَالَ : أَسْرِجْ لِي الْفَرَسَ فَأَخْرَجَ سَرْجًا دَفَّتَاهُ مِنْ لِيفٍ لَيْسَ فِيهما أَشَرٌ وَلَا بَطَرٌ ، فَرَكِبَ وَرَكِبْنَا وَسَاقَ الْحَدِيثَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفِهْرِيُّ لَيْسَ لَهُ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ ، وَهُوَ حَدِيثٌ نَبِيلٌ جَاءَ بِهِ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ بَاب الرَّجُلِ يُنَادِي الرَّجُلَ فَيَقُولُ لَبَّيْكَ ( شَدِيدِ الْحَرِّ ) تَفْسِيرٌ لِقَائِظٍ ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : قَاظَ يَوْمُنَا اشْتَدَّ حَرُّهُ ( لَبِسْتُ لَأْمَتِي ) اللَّأْمَةُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ الدِّرْعُ وَيُقَالُ لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ زره ( وَهُوَ فِي فُسْطَاطِهِ ) بِالضَّمِّ هُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْأَبْنِيَةِ فِي السَّفَرِ دُونَ السُّرَادِقِ كَذَا فِي الْمَجْمَعِ ( قَدْ حَانَ الرَّوَاحُ ) أَيْ جَاءَ وَقْتُ الرَّوَاحِ وَهُوَ السَّيْرُ فِي آخِرِ النَّهَارِ ( ثُمَّ قَالَ يَا بِلَالُ ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : يَا بِلَالُ قُمْ ، وَفِي بَعْضِهَا : قُمْ يَا بِلَالُ قُمْ ( فَثَارَ ) أَيْ وَثَبَ ( مِنْ تَحْتِ سَمُرَةٍ ) ، قَالَ فِي الصُّرَاحِ : سَمُرَةٌ بِالْفَتْحِ وَضَمِّ الْمِيمِ درخت طلح ، ( كَأَنَّ ظِلَّهُ ) أَيْ ظِلَّ شَجَر السَّمُرَةِ فِي الْقِلَّةِ ( ظِلُّ طَائِرٍ ) الْمَقْصُودُ أَنَّ ظِلَّ السَّمُرَةِ كَانَ قَلِيلًا غَايَةَ الْقِلَّةِ فَكَأَنَّهُ بِسَبَبِ الْقِلَّةِ ظِلُّ طَائِرٍ ( فَقَالَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : أَلَبَّ أَقَامَ كَلَبَّ ، وَمِنْهُ : لَبَّيْكَ أَيْ أَنَا مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِكَ إِلْبَابًا بَعْدَ إِلْبَابٍ وَإِجَابَةً بَعْدَ إِجَابَةٍ ، وَقَالَ فِيهِ فِي مَادَّةِ سَعِدَ : أَسْعَدَهُ أَعَانَهُ وَلَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ أَيْ إِسْعَادًا بَعْدَ إِسْعَادٍ ، انْتَهَى .
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : لَبَّيْكَ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ لَبَّ بِالْمَكَانِ ، وَأَلَبَّ إِذَا أَقَامَ بِهِ ، وَأَلَبَّ عَلَى كَذَا إِذَا لَمْ يُفَارِقْهُ ، وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ إِلَّا عَلَى لَفْظِ التَّثْنِيَةِ فِي مَعْنَى التَّكْرِيرِ أَيْ إِجَابَةً بَعْدَ إِجَابَةٍ ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ بِعَامِلٍ لَا يَظْهَرُ ، كَأَنَّكَ قُلْتَ أَلَبَّ إِلْبَابًا بَعْدَ إِلْبَابٍ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ اتِّجَاهِي وَقَصْدِي يَا رَبّ إِلَيْكَ مِنْ قَوْلِهِمْ دَارِي تُلِبُّ دَارَكَ أَيْ تُوَاجِهُهَا ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ إِخْلَاصِي لَكَ مِنْ قَوْلِهِمْ حَسَبٌ لَبَابٌ إِذَا كَانَ خَالِصًا مُخْلَصًا ، وَمِنْهُ : لُبُّ الطَّعَامِ وَلُبَابُهُ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ سَعْدَيْكَ أَيْ سَاعَدْتُ طَاعَتَكَ مُسَاعَدَةً بَعْدَ مُسَاعَدَةٍ وَإِسْعَادًا بَعْدَ إِسْعَادٍ ، وَلِهَذَا ثُنِّيَ ، وَهُوَ مِنَ الْمَصَادِرِ الْمَنْصُوبَةِ بِفِعْلٍ لَا يَظْهَرُ فِي الِاسْتِعْمَالِ ، قَالَ الْجَرْمِيُّ : لَمْ يُسْمَعْ سَعْدَيْكَ مُفْرَدًا انْتَهَى كَلَامُهُ . ( أَسْرِجْ لِي الْفَرَسَ ) أَيِ اشْدُدْ عَلَى الْفَرَسِ السَّرْجَ ، وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ زين قَالَ فِي الْقَامُوسِ : أَسْرَجْتُهَا شَدَدْتُ عَلَيْهَا السَّرْجَ ( دَفَّتَاهُ ) أَيْ : جَانِبَاهُ . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الدَّفُّ - بِالْفَتْحِ الْجَنْبُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَوْ صَفْحَتُهُ كَالدَّفَّةِ ( مِنْ لِيفٍ ) بِالْكَسْرِ هُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ بوست درخت خرما ( لَيْسَ فِيهِمَا ) أَيْ فِي الدَّفَّتَيْنِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لَيْسَ فِيهِ فَالضَّمِيرُ لِلسَّرْجِ ( أَشَرٌ وَلَا بَطَرٌ ) كِلَاهُمَا بِفَتْحَتَيْنِ ، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ ، وَهُوَ شِدَّةُ النَّشَاطِ وَقِلَّةُ احْتِمَالِ النِّعْمَةِ وَالطُّغْيَانُ بِالنِّعْمَةِ .
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ : أَشِرَ أَشَرًا فَهُوَ أَشِرٌ مِنْ بَابِ تَعِبَ بَطِرَ ، وَكَفَرَ النِّعْمَةَ فَلَمْ يَشْكُرْهَا وَبَطِرَ بَطَرًا فَهُوَ بَطِرٌ مِنْ بَابِ تَعِبَ بِمَعْنَى أَشِرَ أَشَرًا . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ الْفِهْرِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ ، قِيلَ : اسْمُهُ عَبْدٌ ، وَقِيلَ : يَزِيدُ بْنُ أُنَيْسٍ ، وَقِيلَ : كُرْزُ بْنُ ثَعْلَبَةَ ، وَقِيلَ : إِنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا أَبُو هَمَّامٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَسَارٍ .
انْتَهَى . ( قَالَ أَبُو دَاوُدَ ) مِنْ هَهُنَا إِلَى قَوْلِهِ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ لَمْ يُوجَدْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ ( حَدِيثٌ نَبِيلٌ ) بِالْإِضَافَةِ ، وَالنَّبِيلُ عَلَى وَزْنِ الْأَمِيرِ هُوَ الْمَاهِرُ فِي الْأُمُورِ ، وَهَذَا ثَنَاءٌ مِنَ الْمُؤَلِّفِ لِيَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ شَيْخٍ لِحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .