المؤلف: محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري أبو العلا
عدد الأحاديث: 3٬866
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ ، وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنُؤْمِنُ بِهِ ، وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا ، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهِ فَلَا مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مِحُمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ . أَمَّا بَعْدُ : فَيَقُولُ اَلْعَبْدُ الْضَّعِيفُ الرَّاجِي رَحْمَةَ رَبِّهِ الْكَرِيمِ مُحَمَّدُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ الْحَافِظِ عَبْدُ الرَّحِيمِ جَعَلَ اللَّهُ مَآلَهُمَا النَّعِيمَ الْمُقِيمَ : إِنِّي قَدْ فَرَغْتُ بِعَوْنِهِ تَعَالَى مِنْ تَحْرِيرِ الْمُقَدِّمَةِ الَّتِي كُنْتُ أَرَدْتُ إِيْرَادَهَا فِي أَوَّلِ شَرْحِي لِجَامِعِ التِّرْمِذِيِّ ، وَالْآنَ قَدْ حَانَ الشُّرُوعُ فِي تَحْرِيرِ الشَّرْحِ ، وَفَّقَنِي اللَّهُ تَعَالَى لِإِتْمَامِهِ ، وَأَعَانَنِي عَلَيْهِ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ وَسَمَّيْتُهُ تُحْفَةَ الْأَحْوَذِيِّ فِي شَرْحِ جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيِعُ الْعَلِيمُ ، وَانْفَعْ بِهِ كُلَّ مَنْ يَرُومُهُ مِنَ الطَّالِبِ الْمُبْتَدِي وَالرَّاغِبِ الْمُنْتَهِي ، وَاجْعَلْهُ لَنَا مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ ، وَمِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي لَا تَنْقَطِعُ بَعْدَ الْمَمَاتِ . اعْلَمْ زَادَكَ اللَّهُ عِلْمًا نَافِعًا أَنِّي رَأَيْتُ أَنَّ أَكْثَرَ شُرَّاحِ كُتُبِ الْحَدِيثِ قَدْ بَدَؤوا شُرُوحَهُمْ بِذِكْرِ أَسَانِيدِهِمْ إِلَى مُصَنِّفِيهَا ، وَحَكَى الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي عَنْ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ أَنَّ الْأَسَانِيدَ أَنْسَابُ الْكُتُبِ ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَبْدَأَ شَرْحِي بِذِكْرِ إِسْنَادِي إِلَى الْإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَأَقُولُ : إِنِّي قَرَأْتُ جَامِعَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ عَلَى شَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ السَّيِّدِ مُحَمَّد نَذِير حُسَيْن ، الْمُحَدِّثِ الدَّهْلَوِيِّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى سَنَةَ 1306 سِتٍ بَعْدَ أَلْفٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ ، فِي دِهْلِي ، فَأَجَازَنِي بِهِ ، وَبِجَمِيعِ مَا قَرَأْتُ عَلَيْهِ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهَا ، وَكَتَبَ لِيَ الْإِجَازَةَ بِخَطِّهِ الشَّرِيفِ ، وَهَذِهِ صُورُتُهَا . الْحَمْدُ لِلَّهِ ربِّ الْعَالَمِينَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ . أَمَّا بَعْدُ : فَيَقُولُ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ ، طَالِبُ الْحُسْنَيَيْنِ ، مُحَمَّد نَذِير حُسَيْن ، عَافَاهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدَّارَيْنِ : إِنَّ الْمَوْلَوِيَّ الذَّكِيَّ أَبَا الْعلى مُحَمَّد عَبْد الرَّحْمَنِ ابْنِ الْحَافِظِ الْحَاجِّ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْأَعْظَمِ كدهي الْمُبَارَكْفُورِيَّ ، قَدْ قَرَأَ عَلَيَّ صَحِيحَ الْبُخَارِيِّ وَصَحِيحَ مُسْلِمٍ وَجَامِعَ التِّرْمِذِيِّ وَسُنَنَ أَبِي دَاوُدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُ بِتَمَامِهِ وَكَمَالِهِ ، وَأَوَاخِرَ النَّسَائِيِّ ، وَأَوَائِلَ ابْنِ مَاجَهْ ، وَمِشْكَاةَ الْمَصَابِيحِ ، وَبُلُوغَ الْمَرَامِ ، وَتَفْسِيرَ الْجَلَالَيْنِ ، وَتَفْسِيرَ الْبَيْضَاوِيِّ ، وَأَوَائِلَ الْهِدَايَةِ وَأَكْثَرَ شَرْحِ نُخْبَةِ الْفِكَرِ ، وَسَمِعَ تَرْجَمَةَ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ إِلَّا سِتَّةَ أَجْزَاءٍ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِإِقْرَاءِ الْكُتُبِ الْمَذْكُورَةِ ، وَالْمُوَطَّأِ وَسُنَنِ الدَّارِمِيِّ وَالْمُنْتَقَى ، وَغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْفِقْهِ ، وَتَدْرِيسِهَا ، لِأَنَّهُ أَهْلُهَا بِالشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَإِنِّي حَصَّلْتُ الْقِرَاءَةَ وَالسَّمَاعَةَ وَالْإِجَازَةَ عَنِ الشَّيْخِ الْمُكَرَّمِ الْأَوْرَعِ الْبَارِعِ فِي الْآفَاقِ مُحَمَّد إِسْحَاق الْمُحَدِّثِ الدَّهْلَوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَهُوَ حَصَّلَ الْقِرَاءَةَ وَالسَّمَاعَةَ وَالْإِجَازَةَ عَنِ الشَّيْخِ الْأَجَلِّ مُسْنِدِ الْوَقْتِ الشَّاهِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمُحَدِّثِ الدَّهْلَوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَهُوَ حَصَّلَ الْقِرَاءَةَ وَالسَّمَاعَةَ وَالْإِجَازَةَ عَنِ الشَّيْخِ الْقَرْمِ الْمُعَظَّمِ بَقِيَّةِ السَّلَفِ وَحُجَّةِ الْخَلَفِ الشَّاهِ وَلِيِّ اللَّهِ الْمُحَدِّثِ الدَّهْلَوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَبَاقِي السَّنَدِ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ . وَأُوصِيهِ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ ، وَإِشَاعَةِ السُّنَّةِ السَّنِيَّةِ بِلَا خَوْفِ لَوْمَةِ لَائِمٍ حُرِّرَ سَنَةَ 1306 الْهِجْرِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ . قُلْتُ : بَاقِي السَّنَدِ هَكَذَا : قَالَ الشَّاهُ وَلِيُّ اللَّهِ - رحمه الله : قَرَأْتُ طَرَفًا مِنْ جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ عَلَى أَبِي الطَّاهِرِ يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْكُرْدِيَّ الْمَدَنِيَّ ، وَأَجَازَ لِسَائِرِهِ عَنْ أَبِيهِ يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ الْكُرْدِيِّ الْمَدَنِيِّ ، عَنِ الْمِزَاحِيِّ ، يَعْنِي السُّلْطَانَ بْنَ أَحْمَدَ ، عَنِ الشِّهَابِ أَحْمَدَ بْنِ الْخَلِيلِ السُّبْكِيِّ ، عَنِ النَّجْمِ الْغَيْطِيِّ ، عَنِ الزَّيْنِ زَكَرِيَّا ، عَنِ الْعِزِّ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ مُحَمَّدِ الْفُرَاتِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَسَنِ الْمَرَاغِيِّ ، عَنِ الْفَخْرِ بْنِ أَحْمَدَ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ طَبْرَزْدَ الْبَغْدَادِيِّ ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَهْلٍ الْكَرُوخِيِّ ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو عَامِرٍ مَحْمُودُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيِّ ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجَرَّاحِيِّ الْمَرْوَزِيِّ ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَحْبُوبٍ الْمَحْبُوبِيُّ الْمَرْوَزِيُّ ، أَخْبَرَنَا أَبُو عِيسَى محمد بن عيسى بْنُ سَوْرَةَ بْنِ مُوسَى التِّرْمِذِيُّ . قُلْتُ : وَإِنِّي قَرَأْتُ أَطْرَافًا مِنْ جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأُمَّهَاتِ السِّتِّ وَغَيْرِهَا عَلَى شَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ الشَّيْخِ حُسَيْنِ بْنِ مُحْسِنٍ الْأَنْصَارِيِّ الْخَزْرَجِيِّ الْيَمَانِيِّ ، فَأَجَازَنِي لِسَائِرِ مَا قَرَأْتُ عَلَيْهِ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ ، بَلْ لِجَمِيعِ مَا حَوَاهُ إِتْحَافُ الْأَكَابِرِ فِي إِسْنَادِ الدَّفَاتِرِ مِنَ الْكُتُبِ الْحَدِيثِيَّةِ وَغَيْرِهَا ، وَكَتَبَ لِيَ الْإِجَازَةَ وَهَذِهِ صُورَتُهَا : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي تَوَاتَرَ عَلَيْنَا فَضْلُهُ وَإِحْسَانُهُ ، الْمَوْصُولُ إِلَيْنَا بِرُّهُ وَامْتِنَانُهُ ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ صَحَّ سَنَدُ كَمَالَاتِهُ ، وَتَسَلْسَلَ إِلَيْنَا مَرْفُوعُ مَا وَصَلَ مِنْ هِبَاتِهِ ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ ، وَنَاصِرِيهِ وَأَحْزَابِهِ . وَبَعْدُ : فَإِنَّهُ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ فِي بَلْدَةِ آرَهْ بِالْمَوْلَوِيِّ مُحَمَّد عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُتَوَطِّنِ مُبَارَكْبُورَ مِنْ تَوَابِعِ أَعْظَمِ كَده ، وَقَرَأَ عَلَيَّ أَطْرَافًا مِنَ الْأُمَّهَاتِ السِّتِّ ، وَمِنْ المُوَطَّأِ للْإِمَامِ مَالِكٍ ، وَمِنْ مُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ ، وَمِنْ مُسْنَدِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ، وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَمِنَ الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ لِلْبُخَارِيِّ ، وَمِنْ مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الصَّغِيرِ ، وَمِنْ سُنَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَطَلَبَ مِنِّي الْإِجَازَةَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ ، وَوَصْلِ سَنَدِهِ بِسَنَدِ مُؤَلِّفِيهَا الْأَجِلَّاءِ الْقَادَةِ ، فَأَسْعَفْتُهُ بِمَطْلُوبِهِ ، تَحْقِيقًا لِظَنِّهِ وَمَرْغُوبِهِ ، وَإِنْ كُنْتُ لَسْتُ أَهْلًا لِذَلِكَ ، وَلَا مِمَّنْ يَخُوضُ فِي هَذِهِ الْمَسَالِكِ ، وَلَكِنْ تَشَبُّهًا بِالْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ السَّابِقِينَ الْكِرَامِ . وَإِذَا أَجَزْتُ مَعَ الْقُصُورِ فَإِنَّنِي أَرْجُو التَّشَبُّهَ بِالَّذِينَ أَجَازُوا السَّالِكِينَ إِلَى الْحَقِيقَةِ مَنْهَجًا سَبَقُوا إِلَى غُرَفِ الْجِنَانِ فَفَازُوا فَأَقُولُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقِ : إِنِّي قَدْ أَجَزْتُ الْمَوْلَوِيَّ مُحَمَّد عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْمَذْكُورَ أَنْ يَرْوِيَ عَنِّي هَذِهِ الْكُتُبَ الْمَذْكُورَةَ بِأَسَانِيدِهَا الْمُتَّصِلَةِ إِلَى مُؤَلِّفِيهَا ، الْمَذْكُورَةِ فِي ثَبَتِ شَيْخِ مَشَائخِنَا الْإِمَامِ الْحَافِظِ الرَّبَّانِيِّ ، الْقَاضِي مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّوْكَانِيِّ ، الْمُسَمَّى بِإِتْحَافِ الْأَكَابِرِ فِي إِسْنَادِ الدَّفَاتِرِ مَعَ بَيَانِ كُلِّ إِسْنَادٍ إِلَى مُؤَلِّفِهِ ، بَلْ أَجَزْتُهُ أَنْ يَرْوِيَ عَنِّي جَمِيعَ مَا حَوَاهُ إِتْحَافُ الْأَكَابِرِ مِنَ الْكُتُبِ الْحَدِيثِيَّةِ وَغَيْرِهَا ، كما أَجَازَنِي بِرِوَايَةِ جَمِيعِ مَا فِيهِ شَيْخَايَ : الشَّرِيفُ مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ الْحُسْنِيُّ الْحَازِمِيُّ ، وَشَيْخُنَا الْقَاضِي الْعَلَّامَةُ أَحْمَدُ ابْنُ الْإِمَامِ الْمُؤَلِّفِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الشَّوْكَانِيُّ ، كِلَاهُمَا عَنْ مُؤَلِّفِهِ الْإِمَامِ الْحَافِظِ الرَّبَّانِيِّ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّوْكَانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَأُوصِيهِ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ ، وَمُتَابَعَةِ السُّنَنِ ، وَأَنْ لَا يَنْسَانِي مِنْ صَالِحِ دَعَوَاتِهِ فِي كُلِّ حَالَاتِهِ ، وَمَشَائخِي وَوَالِدَيَّ وَأَوْلَادِي ، وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاهُ لِمَا يَرْضَاهُ ، وَسَلَكَ بِنَا وَبِهِ طَرِيقِ النَّجَاةِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَوَّلًا وَآخِرًا ، وَظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ . مُؤَرِّخُهُ يَوْمَ الْأَحَدِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ شَعْبَانَ أَحَدِ شُهُورِ أَلْفٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَأَرْبَعَةَ عَشْرَ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ ، عَلَى مُشَرِّفِهَا أَفْضَلِ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى التَّسْلِيمِ وَالتَّحِيَّةِ . أَمْلَاهُ الْمُجِيزُ بِلِسَانِهِ ، الْحَقِيرُ الْفَقِيرُ إِلَى إِحْسَانِ رَبِّهِ الْكَرِيمِ الْبَارِي ، حُسَيْنُ بْنُ مُحْسِنِ الْأَنْصَارِيِّ الْخَزْرَجِيِّ الْيَمَانِيِّ ، عَفَا اللَّهُ عَنْهُ . قُلْتُ : ثَبَتُ شَيْخِ شُيُوخِ مَشَائخِنَا الْقَاضِي الشَّوْكَانِيِّ الْمُسَمَّى بِإِتْحَافِ الْأَكَابِرِ عِنْدِي مَوْجُودٌ نَقَلْتُهُ مِنْ نُسْخَةٍ قَلَمِيَّةٍ صَحِيحَةٍ ، مَنْقُولَةٍ مِنْ خَطِّ تِلْمِيذِ الْمُصَنِّفِ وَالْمُجَازُ مِنْهُ الشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ أَبي الْفَضْلِ عَبْدُ الْحَقِّ الْمُحَمَّدِيُّ ، وَالْآنَ قَدْ طُبِعَ هَذَا الثَّبَتُ الْمُبَارَكُ وَشَاعَ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي الشَّوْكَانِيُّ مُصَنِّفُ هَذَا الثَّبَتِ أَسَانِيدَ جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ فِي فَصْلِ السِّينِ ، فَقَالَ : سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ أَرْوِيهَا بِالسَّمَاعِ لَجَمِيعُهَا مِنْ لَفْظِ شَيْخِنَا السَّيِّدِ الْعَلَّامَةِ عَبْدِ الْقَادِرِ بن أَحْمَدَ بِإِسْنَادِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي تَفْسِيرِ الثَّعْلَبِيِّ ، إِلَى الشِّمَاخِيِّ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّرَجِيِّ الْيَمَنِيِّ ، عْنَ زَاهِرِ بْنِ رُسْتُمٍ الْأَصْفَهَانِيِّ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي سَهْلٍ الْهَرَوِيِّ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الْقَاسِمِ الْأَزْدِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ مُحَمَّدٍّ الْمَرْوَزِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَحْبُوبٍ الْمَرْوَزِيِّ عَنِ الْمُؤَلِّفِ . ح . وَأَرْوِيهَا عَنْ شَيْخِنَا الْمَذْكُورِ بِإِسْنَادِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ إِلَى مُحَمَّدٍ الْبَابِلِيِّ ، عَنِ النُّورِ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى الزِّيَادِيِّ ، عَنِ الرَّمْلِيِّ ، بِإِسْنَادِهِ الْمُتَقَدِّمِ قَرِيبًا إِلَى ابْنِ طَبْرَزْدَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سَهْلٍ الْكَرُوخِيِّ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الْقَاسِمِ الْأَزْدِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْبُوبٍ الْمَرْوَزِيِّ ، عَنِ الْمُؤَلِّفِ . ح . وَأَرْوِيهَا عَنْ شَيْخِنَا الْمَذْكُورِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الطَّيِّبِ الْمَغْرِبِيِّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَرَاغِيِّ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعِجْلِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مُكْرِمٍ الطَّبَرِيِّ ، عَنْ جَدِّهِ الْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ ، عَنِ الزَّيْنِ الْمَرَاغِيِّ ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْحَجَّارِ ، عَنْ أَبِي النَّجَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ اللَّتِّيِّ ، عَنْ أَبِي الْوَقْتِ عَبْدِ الْأَوَّلِ بْنِ عِيسَى السَّجْزِيِّ ، عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْأَزْدِيِّ ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الجَرَّاحِيِّ ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيِّ ، عَنِ الْمُؤَلِّفِ . ح . وَأَرْوِيهَا عَنْ شَيْخِنَا السَّيِّدِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَامِرٍ بِإِسْنَادِهِ السَّابِقِ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ إِلَى الدَّيْبَعِ ، عَنِ السَّخَاوِيِّ ، عَنِ ابْنِ حَجَرٍ ، عَنِ الْبُرْهَانِ التَّنُّوخِيِّ ، عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ عَسَاكِرٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي عَامِرٍ مَحْمُودِ بْنِ الْقَاسِمِ الْأَزْدِيِّ ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيِّ عَنِ الْمُؤَلِّفِ . ح . وَأَرْوِيهَا عَنْ شَيْخِنَا السَّيِّد عَلِيٍّ الْمَذْكُورِ ، وَشَيْخِنَا الْحَسَنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَغْرِبِيِّ بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْمَرْحُومِيِّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ الذِّمَارِيِّ ، عَنِ الشِّهَابِ الْقَلْيُوبِيِّ ، عَنِ النُّورِ الزِّيَادِيِّ ، عَنِ الشَّمْسِ الرَّمْلِيِّ ، عَنْ زَكَرِيَّا الْأَنْصَارِيِّ ، عَنِ الشَّمْسِ الْقَايَانيِّ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي زُرْعَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الزَّيْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيِّ ، عَنْ عُمَرَ الْعِرَاقِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْبُخَارِيِّ ، عَنِ ابْنِ طَبْرَزْدَ بِإِسْنَادِهِ السَّابِقِ إِلَى الْمُؤَلِّفِ . ح . وَأَرْوِيهَا عَنْ شَيْخِنَا يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلَاءِ الدِّينِ الْمزْجَاجِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ عْنَ جَدِّهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْكُرْدِيِّ بِإِسْنَادِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ إِلَى ابْنِ طَبْرَزْدَ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ هَاهُنَا إِلَى الْمُؤَلِّفِ - رحمه الله انْتَهَى مَا فِي إِتْحَافِ الْأَكَابِرِ . قُلْتُ : قَدْ قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِيُّ فِي خُطْبَةِ هَذَا الثَّبَتِ : قَدِ اقْتَصَرْتُ فِي الْغَالِبِ عَلَى ذِكْرِ إِسْنَادٍ وَاحِدٍ ، وَأَحَلْتُ فِي أَسَانِيدِ الْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ طَلَبًا لِلِاخْتِصَارِ ، انْتَهَى . فَعَلَيْكَ أَنْ تَراجِعَ إِلَى إِتْحَافِ الْأَكَابِرِ لِتَقِفَ عَلَى مَا أَحَالَ عَلَيْهِ فِي أَسَانِيدِ جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ بَعْضِهَا عَلَى الْبَعْضِ ، وَأَنَا أَذْكُرُ هَاهُنَا إِسْنَادَهُ الْمُتَقَدِّمَ فِي تَفْسِيرِ الثَّعْلَبِيِّ إِلَى الشِّمَاخِيِّ . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : تَفْسِيرُ الْكَشْفِ وَالْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ : أَرْوِيهِ عَنْ شَيْخِي السَّيِّدِ عَبْدِ الْقَادِرِ بْنِ أَحْمَدَ ، عَنْ شَيْخِهِ السَّيِّدِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَحْيَى الْأَهْدَلِ ، عْنِ السَّيِّدِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَهْدَلِ ، عَنِ السَّيِّدِ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ الْأَهْدَلَ ، عَنِ السَّيِّدِ الْعَلَّامَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَطَّاحِ الْأَهْدَلِ ، عْنَ يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَطَّاحِ الْأَهْدَلِ ، عَنِ السَّيِّدِ طَاهِرِ بْنِ حُسَيْنٍ الْأَهْدَلِ ، عَنِ الْحَافِظِ الْدَيْبَعِ عَنْ زَيْنِ الدِّينِ الشَّرْجِيِّ ، عَنْ نَفِيسِ الدِّينِ الْعَلَوِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْخَيْرِ الشِّمَاخِيِّ إلخ . وَهَا أَنَا أَشْرَعُ فِي الْمَقْصُودِ ، مُتَوَكِّلًا عَلَى اللَّهِ الْمَلِكِ الْوَدُودِ ، وَمَا تَوْفِيقِيَ إِلَّا بِاللَّهِ ، وَهُوَ حَسْبِى وَنِعْمَ الْوَكِيلُ .
2048 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ، نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، نا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ خَيْرَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ اللَّدُودُ وَالسَّعُوطُ ، وَالْحِجَامَةُ وَالْمَشِيُّ ، وَخَيْرُ مَا اكْتَحَلْتُمْ بِهِ الْإِثْمِدُ ؛ فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ ، قال : وَكَانَ رسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ له مُكْحُلَةٌ يَكْتَحِلُ بِهَا عِنْدَ النَّوْمِ ، ثَلَاثًا فِي كُلِّ عَيْنٍ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ . وَهُوَ حَدِيثُ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ قَوْلُهُ : ( وَخَيْرَ مَا اكْتَحَلْتُمْ بِهِ ) بِالنَّصْبِ وَجُوِّزَ رَفْعُهُ ( الْإِثْمِدُ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ بَيْنَهُمَا ثَاءٌ مُثَلَّثَةٌ سَاكِنَةٌ ، وَحُكِيَ فِيهِ ضَمُّ الْهَمْزَةِ ؛ حَجَرٌ مَعْرُوفٌ أَسْوَدُ يَضْرِبُ إِلَى الْحُمْرَةِ يَكُونُ فِي بِلَادِ الْحِجَازِ ، وَأَجْوَدُهُ يُؤْتَى مِنْ أَصْبَهَانَ قَالَهُ الْحَافِظُ ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ : هُوَ الْحَجَرُ الْمَعْدِنِيُّ ، وَقِيلَ : هُوَ الْكُحْلُ الْأَصْفَهَانِيُّ يُنَشِّفُ الدَّمْعَةَ وَالْقُرُوحَ ، وَيَحْفَظُ صِحَّةَ الْعَيْنِ ، وَيُقَوِّي غُصْنَهَا ، لَا سِيَّمَا لِلشُّيُوخِ وَالصِّبْيَانِ . ( فَإِنَّهُ ) أَيِ الْإِثْمِدُ أَوِ الِاكْتِحَالُ بِهِ ( يَجْلُو الْبَصَرَ ) مِنَ الْجَلَاءِ ، أَيْ : يُحَسِّنُ النَّظَرَ ، وَيَزِيدُ نُورَ الْعَيْنِ ، وَيُنَظِّفُ الْبَاصِرَةَ لِدَفْعِ الرَّدِيَّةِ النَّازِلَةِ إِلَيْهَا مِنَ الرَّأْسِ ( يُنْبِتُ ) مِنَ الْإِنْبَاتِ ( الشَّعْرَ ) بِفَتْحِ الشِّينِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْهُدْبُ ، وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ شره ، وَهُوَ الَّذِي يَنْبُتُ عَلَى أَشْفَارِ الْعَيْنِ . ( مُكْحُلَةٌ ) بِضَمَّتَيْنِ بَيْنَهُمَا سَاكِنَةٌ : اسْمُ آلَةِ الْكُحْلِ ، وَهُوَ الْمِيلُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ ، وَالْمُرَادُ مِنْهَا هَاهُنَا مَا فِيهِ الْكُحْلُ ( يَكْتَحِلُ بِهَا ) كَذَا فِي النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ بِهَا ، وَفِي جَمِيعِ رِوَايَاتِ الشَّمَائِلِ : مِنْهَا فَالْبَاءُ بِمَعْنَى مِنْ كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ الْحِجَامَةِ .
بَاب مَا جَاءَ فِي السَّعُوطِ وَغَيْرِهِ 2047 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَدُّوَيْهِ ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمَّادٍ ، نا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ خَيْرَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ السَّعُوطُ وَاللَّدُودُ ، وَالْحِجَامَةُ وَالْمَشِيُّ ، فَلَمَّا اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَدَّهُ أَصْحَابُهُ ، فَلَمَّا فَرَغُوا قَالَ : لُدُّوهُمْ ، قَالَ : فَلُدُّوا كُلُّهُمْ غَيْرَ الْعَبَّاسِ . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّعُوطِ ) بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ، مَا يُجْعَلُ فِي الْأَنْفِ مِمَّا يُتَدَاوَى بِهِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَدُّوَيْهِ ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مَدُّوَيْهِ - بِمِيمٍ وَتَثْقِيلٍ - الْقُرَشِيُّ ( نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمَّادِ ) بْنِ شُعَيْبٍ الشُّعَيْثِيُّ أَبُو سَلَمَةَ الْعَنْبَرِيُّ الْبَصْرِيُّ ، صَدُوقٌ رُبَّمَا أَخْطَأَ ، مِنْ صِغَارِ التَّاسِعَةِ ( نا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ ) النَّاجِي أَبُو سَلَمَةَ الْبَصْرِيُّ الْقَاضِي ، صَدُوقٌ ، رُمِيَ بِالْقَدَرِ ، وَكَانَ يُدَلِّسُ ، وَتَغَيَّرَ بِآخِرِهِ مِنَ السَّادِسَةِ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ خَيْرَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ السَّعُوطُ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : اسْتَعَطَ ، أَيِ : اسْتَعْمَلَ السَّعُوطَ ، هُوَ أَنْ يَسْتَلْقِيَ عَلَى ظَهْرِهِ ، وَيُجْعَلَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مَا يَرْفَعُهُمَا لِيَنْحَدِرَ رَأْسه ، وَيُقْطَرَ فِي أَنْفِهِ مَاءٌ أَوْ دُهْنٌ فِيهِ دَوَاءٌ مُفْرَدٌ أَوْ مُرَكَّبٌ ؛ لِيَتَمَكَّنَ بِذَلِكَ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى دِمَاغِهِ ؛ لِاسْتِخْرَاجِ مَا فِيهِ مِنَ الدَّاءِ بِالْعُطَاسِ ، انْتَهَى . ( وَاللَّدُودُ ) بِفَتْحِ اللَّامِ هُوَ : الدَّوَاءُ الَّذِي يُصَبُّ فِي أَحَدِ جَانِبَيْ فَمِ الْمَرِيضِ وَيُسْقَاهُ ، أَوْ يُدْخَلَ هُنَاكَ بِأُصْبُعٍ وَغَيْرِهَا وَيُحَنَّكَ بِهِ ، قَالهَ النَّوَوِيُّ . ( والْحِجَامَةُ ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ بِمَعْنَى الِاحْتِجَامِ ( وَالْمَشِيُّ ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ فَتَشْدِيدِ تَحْتِيَّةٍ ، فَعِيلٌ مِنَ الْمَشْيِ ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ بِضَمٍّ فَبِكَسْرٍ ، وَجَوَّزَهُ فِي الْمُغْرِبِ ، وَقَالَ : وَهُوَ مَا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ لِإِطْلَاقِ الْبَطْنِ ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ : وَإِنَّمَا سُمِّيَ الدَّوَاءُ الْمُسَهِّلُ مَشِيًّا ؛ لِأَنَّهُ يَحْمِلُ شَارِبَهُ عَلَى الْمَشْيِ وَالتَّرَدُّدِ إِلَى الْخَلَاءِ . ( لَدَّهُ أَصْحَابُهُ ) أَيْ جَعَلُوا فِي جَانِبِ فَمِهِ دَوَاءً بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَهَذَا هُوَ اللَّدُودُ ، فَأَمَّا مَا يُصَبُّ فِي الْحَلْقِ فَيُقَالُ لَهُ الْوَجُور ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ أَنَّهُمْ أَذَابُوا قِسْطًا أَيْ بِزَيْتٍ فَلَدُّوهُ بِهِ ( فَلَمَّا فَرَغُوا قَالَ ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لُدُّوهُمْ ) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ ( قَالَ ) أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( فَلُدُّوا ) بِصِيغَةِ الْمَاضِي الْمَجْهُولِ ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ : لَدِدْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ ، فَأَشَارَ أَنْ لَا تَلُدُّونِي ، فَقُلْنَا : كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ : لَا يَبْقَى مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا لُدَّ غَيْرَ الْعَبَّاسِ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ ، اللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : إِنَّمَا أَمَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَدِّهِمْ عُقُوبَةً لَهُمْ حِينَ خَالَفُوهُ فِي إِشَارَتِهِ إِلَيْهِمْ : لَا تَلُدُّونِي ، فَفِيهِ أَنَّ الْإِشَارَةَ الْمُفْهِمَةَ كَصَرِيحِ الْعِبَارَةِ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَفِيهِ تَعْزِيرُ الْمُتَعَدِّي بِنَحْوٍ مِنْ فِعْلِهِ الَّذِي تَعَدَّى بِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِعْلًا مُحَرَّمًا ، انْتَهَى . قِيلَ : وَإِنَّمَا كُرِهَ اللَّدُّ مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَتَدَاوَى ؛ لِأَنَّهُ تَحَقَّقَ أَنَّهُ يَمُوتُ فِي مَرَضِهِ ، وَمَنْ حُقِّقَ ذَلِكَ كُرِهَ لَهُ التَّدَاوِي ، قَالَ الْحَافِظُ : وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ التَّخْيِيرِ وَالتَّحَقُّقِ ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ التَّدَاوِي ؛ لِأَنَّهُ كَانَ غَيْرَ مُلَائِمٍ لِدَائِهِ ; لِأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ بِهِ ذَاتَ الْجَنْبِ فَدَاوَوْهُ بِمَا يُلَائِمُهُ ، وَلَمْ يَكُنْ بِهِ ذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ كَمَا تَرَى .
2049 حَدَّثَنَا عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، نا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ ، نا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : نُهِينَا عَنْ الْكَيِّ . وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ مُحَمَّدِ ) بْنِ عَبْدِ الْكَبِيرِ بْنِ شُعَيْبِ بْنِ الحبحاب الْعَطَّارُ الْبَصْرِيُّ ، صَدُوقٌ مِنَ الْحَادِيَةَ عَشْرةَ ( نا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ ) هُوَ الْكِلَابِيُّ الْقَيْسِيُّ ، أَبُو عُثْمَانَ الْبَصْرِيُّ ( نا هَمَّامٌ ) هُوَ ابْنُ يَحْيَى الْأَزْدِيُّ الْعَوْذِيُّ . قَوْلُهُ : ( نُهِينَا ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ، وَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَقَرِّهِ ، أَيْ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ) أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَحَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ فَأَخْرَجَهُمَا الطَّحَاوِيُّ فِي مَعَانِي الْآثَارِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبُخَارِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثٍ : فِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ ، أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ ، وَأَنَا أَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ فِي مَعَانِي الْآثَارِ .
بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الْكَيِّ 2049 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْكَيِّ ، قَالَ : فَابْتُلِينَا فَاكْتَوَيْنَا ، فَمَا أَفْلَحْنَا وَلَا أَنْجَحْنَا . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الْكَيِّ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : كَوَاهُ يَكْوِيهِ كَيًّا : أَحْرَقَ جِلْدَهُ بِحَدِيدَةٍ وَنَحْوِهَا ، وَهِيَ الْمِكْوَاةُ ، وَالْكَيَّةُ : مَوْضِعُ الْكَيِّ ، وَالْكَاوِيَاءُ : مِيسَمٌ ، وَاكْتَوَى : اسْتَعْمَلَ الْكَيَّ فِي بَدَنِهِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( نَهَى عَنِ الْكَيِّ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : النَّهْيُ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ ، أَوْ عَلَى خِلَافِ الْأَوْلَى ؛ لِمَا يَقْتَضِيهِ مَجْمُوعُ الْأَحَادِيثِ ، وَقِيلَ : إِنَّهُ خَاصٌّ بِعِمْرَانَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بِهِ الْبَاسُورُ ، وَكَانَ مَوْضِعُهُ خَطَرًا فَنَهَاهُ عَنْ كَيِّهِ ، فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِ كَوَاهُ فَلَمْ يَنْجَحْ . وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : الْكَيُّ نَوْعَانِ : كَيُّ الصَّحِيحِ ؛ لِئَلَّا يَعْتَلَّ ، فَهَذَا الَّذِي قِيلَ فِيهِ : لَمْ يَتَوَكَّلْ مَنِ اكْتَوَى ؛ لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَدْفَعَ الْقَدَرَ ، وَالْقَدَرُ لَا يُدَافَعُ ، وَالثَّانِي كَيُّ الْجُرْحِ إِذَا نَغِلَ أَيْ فَسَدَ ، وَالْعُضْوُ إِذَا قُطِعَ فَهُوَ الَّذِي يُشْرَعُ التَّدَاوِي بِهِ ، فَإِنْ كَانَ الْكَيُّ لِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ فَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْجِيلِ التَّعْذِيبِ بِالنَّارِ لِأَمْرٍ غَيْرِ مُحَقَّقٍ ، وَحَاصِلُ الْجَمْعِ أَنَّ الْفِعْلَ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ ، وَعَدَمَ الْفِعْلِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَرْكَهُ أَرْجَحُ مِنْ فِعْلِهِ ، وَكَذَا الثَّنَاءُ عَلَى تَارِكِهِ . وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْهُ ؛ فَإِمَّا عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِيَارِ وَالتَّنْزِيهِ ، وَإِمَّا عَمَّا لَا يَتَعَيَّنُ طَرِيقًا إِلَى الشِّفَاءِ ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . ( فَمَا أَفْلَحْنَا وَلَا أَنْجَحْنَا ) مِنَ الْإِنْجَاحِ ، أَيْ : فَمَا فُزْنَا ، وَلَا صِرْنَا ذَا نَجْحٍ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : فَمَا أَفْلَحْنَ وَلَا أَنْجَحْنَ بِنُونِ الْإِنَاثِ فِيهِمَا ، يَعْنِي تِلْكَ الْكَيَّاتِ الَّتِي اكْتَوَيْنَا بِهِنَّ ، وَخَالَفْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فِعْلِهِنَّ ، وَكَيْفَ يُفْلِحُ وَيُنْجِحُ شَيْءٌ خُولِفَ فِيهِ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ ، وَعَلَى هَذَا فَالتَّقْدِيرُ : فَاكْتَوَيْنَا كَيَّاتِ لأَوْجَاعِ ، فَمَا أَفْلَحْنَ وَلَا أَنْجَحْنَ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي تَصْحِيحِ التِّرْمِذِيِّ نَظَرٌ ، فَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : سَنَدُهُ قَوِيٌّ .
أبواب الطِّبِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاب مَا جَاءَ فِي الْحِمْيَةِ 2036 حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ ، نَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، ثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ ، عَنْ أُمِّ الْمُنْذِرِ قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ عَلِيٌّ وَلَنَا دَوَالٍ مُعَلَّقَةٌ قَالَتْ : فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ وَمعه عَلِيٌّ يَأْكُلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ : مَهْ مَهْ يَا عَلِيُّ فَإِنَّكَ نَاقِهٌ قَالَ : فَجَلَسَ عَلِيٌّ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ قَالَتْ : فَجَعَلْتُ لَهُمْ سِلْقًا وَشَعِيرًا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا عَلِيُّ مِنْ هَذَا فَأَصِبْ فَإِنَّهُ أَوْفَقُ لَكَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ فُلَيْح بن سليمان وَيُرْوَى هذا عَنْ فُلَيْح بن سليمان ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نَا أَبُو عَامِرٍ ، وَأَبُو دَاوُدَ قَالَا : نَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ عَنْ أُمِّ الْمُنْذِرِ الْأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : أَنْفَعُ لَكَ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ فِي حَدِيثِهِ : حَدَّثَنِيهِ أَيُّوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا حَدِيثٌ جَيِّدٌ غَرِيبٌ أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( بَابُ مَا جَاءَ فِي الْحِمْيَةِ ) بِالْكَسْرِ بِالْفَارِسِيَّةِ برهيز كردن ، قال في القاموس : حَمَى الْمَرِيضَ ما يَضُرُّهُ مَنَعَهُ إِيَّاهُ فَاحْتَمَى وَتَحَمَّى امْتَنَعَ ، وَقَالَ فِيهِ : الْحِمْيَةُ بِالْكَسْرِ مَا حُمِيَ مِنْ شَيْءٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ ) الْمَدَنِيِّ ، صَدُوقٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ، قَوْلُهُ : ( وَلَنَا دَوَالٍ مُعَلَّقَةٌ ) جَمْعُ دَالِيَةٍ وَهِيَ الْعِذْقُ مِنَ الْبُسْرِ يُعَلَّقُ فَإِذَا أَرْطَبَ أُكِلَ ( مَهْ مَهْ ) أَيِ اكْفُفْ وَهُوَ اسْمُ فِعْلٍ ( فَإِنَّكَ نَاقِهٌ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : نَقِهَ كَفَرِحَ وَمَنَعَ نَقَهًا وَنُقُوهًا صَحَّ وَفِيهِ ضَعْفٌ وَأَفَاقَ فَهُوَ نَاقِهٌ ( فَجَعَلْتُ لَهُمْ سِلْقًا وَشَعِيرًا ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : وَصَنَعْتُ شَعِيرًا وَسِلْقًا فَجِئْتُ بِهِ ، وَالْمَعْنَى طَبَخْتُ لَهُمْ سِلْقًا وَشَعِيرًا ، وَالسِّلْقُ بِالْكَسْرِ بِالْفَارِسِيَّةِ جقندر ، ( يَا علي مِنْ هَذَا فَأَصِبْ ) مِنَ الْإِصَابَةِ أَيْ أَدْرِكْ مِنْ هَذَا أَوْ كُلْ مِنْهُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَسَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَنَقَلَ الْمُنْذِرِيُّ تَحْسِينَ التِّرْمِذِيِّ وَأَقَرَّهُ ( لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي قَوْلِ التِّرْمِذِيِّ هَذَا نَظَرٌ ، فَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ فُلَيْحٍ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الدِّمَشْقِيُّ انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَأَبُو دَاوُدَ ) هُوَ الطَّيَالِسِيُّ ( عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : أَيُّوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَعْصَعَةَ ، وَقِيلَ : أَيُّوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ صَدُوقٌ مِنَ السَّادِسَةِ ( عَنْ أُمِّ الْمُنْذِرِ الْأَنْصَارِيَّةِ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : أُمُّ الْمُنْذِرِ الْأَنْصَارِيَّةُ إِحْدَى خَالَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّتْ مَعَهُ الْقِبْلَتَيْنِ وَهِيَ الَّتِي دَخَلَ عَلَيْهَا وَمَعَهُ عَلِيٌّ فِي قِصَّةِ الدَّوَالِي وَالسِّلْقِ وَالشَّعِيرِ ، رَوَى عَنْهَا يَعْقُوبُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ الْمَدَنِيُّ قَالَ الطَّبَرَانِيُّ : اسْمُهَا سَلْمَى بِنْتُ قَيْسٍ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هِيَ أُمُّ الْمُنْذِرِ بِنْتُ قَيْسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدِ بْنِ غَنْمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ وَيُقَالُ : هِيَ سَلْمَى بِنْتُ قَيْسٍ أُخْتُ سَلِيطٍ مِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ انْتَهَى ، ( وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ فِي حَدِيثِهِ : حَدَّثَنِيهِ أَيُّوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) فِي كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ هَذَا نَظَرٌ ، فَتَفَكَّرْ وَتَأَمَّلْ .
2037 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ، نَا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرْوِيُّ ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا حَمَاهُ الدُّنْيَا كَمَا يَظَلُّ أَحَدُكُمْ يَحْمِي سَقِيمَهُ الْمَاءَ وَفِي الْبَاب عَنْ صُهَيْبٍ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ ، وَقَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ الظَّفَرِيُّ هُوَ أَخُو أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ لِأُمِّهِ ، وَمَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَآهُ وَهُوَ غُلَامٌ صَغِيرٌ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ) هُوَ الإِمَامُ الذُّهْلِيُّ ( نَا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرْوِيُّ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ الْفَرْوِيُّ الْمَدَنِيُّ الأُمَوِيُّ مَوْلَاهُمْ صَدُوقٌ ، كفّ فسَاءَ حِفْظُهُ ، مِنَ الْعَاشِرَةِ انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا حَمَاهُ الدُّنْيَا ) : أَيْ حَفِظَهُ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا وَمَنَاصِبِهَا أَيْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ بِأَنْ يُبْعِدَهُ عَنْهُ وَيُعْسِرَ عَلَيْهِ حُصُولُهُ ( كَمَا يَظَلُّ أَحَدُكُمْ يَحْمِي سَقِيمَهُ الْمَاءَ ) : أَيْ شُرْبَهُ إِذَا كَانَ يَضُرُّهُ ، وَالأَطِبَّاءُ تَحْمِي شُرْبَ الْمَاءِ فِي أَمْرَاضٍ مَعْرُوفَةٍ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ صُهَيْبٍ ) أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي بَابِ الْحِمْيَةِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ ، وَوَهِمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ . قَوْلُهُ : ( وَقَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ الظُّفْرِيُّ ) بِمُعْجَمَةٍ وَفَاءٍ مَفْتُوحَتيْنِ صَحَابِيٌّ شَهِدَ بَدْرًا .
بَاب مَا جَاءَ فِي الدَّوَاءِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ 2038 حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ الْعَقَدِيُّ البصري ، نَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ : قَالَتْ الْأَعْرَابُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَتَدَاوَى ؟ قَالَ : نَعَمْ ، يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً أَوْ دَوَاءً إِلَّا دَاءً وَاحِدًا فقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُوَ ؟ قَالَ : الْهَرَمُ وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي خُزَامَةَ عَنْ أَبِيهِ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ باب ما جاء في الدواء والحث عليه قَوْلُهُ : ( قَالَ : قَالَتِ الْأَعْرَابُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَتَدَاوَى ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرُ ، فَسَلَّمْتُ ثُمَّ قَعَدْتُ فَجَاءَ الْأَعْرَابُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَتَدَاوَى ؟ ( قَالَ نَعَمْ يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا ) فِيهِ إِثْبَاتُ الطِّبِّ وَالْعِلَاجِ ، وَأَنَّ التَّدَاوِي مُبَاحٌ غَيْرُ مَكْرُوهٍ ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ النَّاسِ ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ ، وَقَالَ الْعَيْنِيُّ : فِيهِ إِبَاحَةُ التَّدَاوِي وَجَوَازُ الطِّبِّ وَهُوَ رَدٌّ عَلَى الصُّوفِيَّةِ : أَنَّ الْوِلَايَةَ لَا تَتِمُّ إِلَّا إِذَا رَضِيَ بِجَمِيعِ مَا نَزَلَ بِهِ مِنَ الْبَلَاءِ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ مُدَاوَاتُهُ ، وَهُوَ خِلَافُ مَا أَبَاحَهُ الشَّارِعُ انْتَهَى . ( فَإِنَّهُ لَمْ يَضَعْ ) أَيْ لَمْ يَخْلُقْ ( دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً أَوْ دَوَاءً ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ( قَالَ الْهَرَمُ ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالرَّاءِ أَيْ هُوَ الْهَرَمُ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : جَعَلَ الْهَرَمَ دَاءً وَإِنَّمَا هُوَ ضَعْفُ الْكِبَرِ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الْأَدْوَاءِ الَّتِي هِيَ أَسَقَامٌ عَارِضَةٌ لَلْأَبَدَانِ ، مِنْ قِبَلِ اخْتِلَافِ الطَّبَائِعِ وَتَغَيُّرِ الْأَمْزِجَةِ ، وَإِنَّمَا شَبَّهَهُ بِالدَّاءِ لِأَنَّهُ جَالِبُ التَّلَفِ كالْأَدْوَاءُ الَّتِي قَدْ يَتَعَقَّبُهَا الْمَوْتُ وَالْهَلَاكُ انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي خُزَامَةَ عَنْ أَبِيهِ وَابْنِ عَبَّاسٍ ) أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ ، وَالطَّحَاوِيُّ ص 388 ج 2 وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِلَفْظِ : مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي خُزَامَةَ عَنْ أَبِيهِ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا فِي بَابِ لَا يَرُدُّ الرَّقْيُ وَالدَّوَاءُ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ 386 ج 2 وَأَبُو نُعَيْمٍ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ : 2050 حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ ، نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، نا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَوَى أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ مِنْ الشَّوْكَةِ . وَفِي الْبَاب عَنْ أُبَيٍّ ، وَجَابِرٍ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ ) أَيْ فِي الْكَيِّ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَوَى ) أَيْ بِيَدِهِ ، أَوْ أَمَرَ بِأَنْ يَكْوِي أَحَدٌ ( أَسْعَدَ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْعَيْنِ بَيْنَهُمَا مُهْمَلَةٌ ( بْنَ زُرَارَةَ ) بِضَمِّ الزَّاء وَفَتْحِ الرَّاءَيْنِ ، بَيْنَهُمَا أَلِفٌ ، وَفِي آخِرِهِ تَاءٌ ( مِنَ الشَّوْكَةِ ) أَيْ مِنْ أَجْلِهَا ، وَهِيَ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ : حُمْرَةٌ تَعْلُو الْوَجْهَ وَالْجَسَدَ ، وَالْحَدِيثُ يدل عَلَى الرُّخْصَةِ فِي الْكَيِّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ وَأَحَادِيثِ الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ فِي كَلَامِ الْحَافِظِ ، وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : قَدْ جَاءَ النَّهْيُ عَنِ الْكَيِّ وَجَاءَتِ الرُّخْصَةُ فِيهِ ، وَالرُّخْصَةُ لِسَعْدٍ ؛ لِبَيَانِ جَوَازِهِ ؛ حَيْثُ لَا يَقْدِرُ الرَّجُلُ أَنْ يُدَاوِيَ الْعِلَّةَ بِدَوَاءٍ آخَرَ ، وَإِنَّمَا وَرَدَ النَّهْيُ حَيْثُ يَقْدِرُ الرَّجُلُ عَلَى أَنْ يُدَاوِيَ الْعِلَّةَ بِدَوَاءٍ آخَرَ ؛ لِأَنَّ الْكَيَّ فِيهِ تَعْذِيبٌ بِالنَّارِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ ، وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ; وَلِأَنَّ الْكَيَّ يَبْقَى مِنْهُ أَثَرٌ فَاحِشٌ ، وَهَذَانِ نَوْعَانِ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَيِّ الْأَرْبَعَةِ ، وَهُمَا النَّهْيُ عَنِ الْفِعْلِ وَجَوَازِهِ ، وَالثَّالِثُ الثَّنَاءُ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ ؛ كَحَدِيثِ السَّبْعِينَ أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ، وَالرَّابِعُ عَدَمُ مَحَبَّتِهِ ؛ كَحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ : وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ . فَعَدَمُ مَحَبَّتِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَوْلَى عَدَمُ فِعْلِهِ ، وَالثَّنَاءُ عَلَى تَرْكِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَرْكَهُ أَوْلَى ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أُبَيٍّ ، وَجَابِرٍ ) أَخْرَجَ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ طَبِيبًا ، فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقًا ثُمَّ كَوَاهُ ، وَعَنْ جَابِرٍ أَيْضًا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَوَى سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي أَكْحَلِهِ مَرَّتَيْنِ ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَرَوَى مُسْلِمٌ مَعْنَاهُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ فِي مَعَانِي الْآثَارِ .
بَاب مَا جَاءَ مَا يُطْعَمُ الْمَرِيضُ 2039 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ بْنِ بَرَكَةَ ، عَنْ أُمِّهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَخَذَ أَهْلَهُ الْوَعَكُ أَمَرَ بِالْحِسَاءِ فَصُنِعَ ثُمَّ أَمَرَهُمْ فَحَسَوْا مِنْهُ وَكَانَ يَقُولُ : إِنَّهُ لَيَرْتُو فُؤَادَ الْحَزِينِ وَيَسْرُو عَنْ فُؤَادِ السَّقِيمِ كَمَا تَسْرُو إِحْدَاكُنَّ الْوَسَخَ بِالْمَاءِ عَنْ وَجْهِهَا هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَدْ رَوَى الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيئا من هذا حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الْحُسَيْنُ الجريري ، نَا أَبُو إِسْحَاقَ الطَّالْقَانِيُّ ، عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عن يونس ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه حدثنا بذلك أبو إسحاق . باب ما جاء ما يطعم المريض قَوْلُهُ : ( نَا مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ بْنِ بَرَكَةَ ) الْمَكِّيُّ ثِقَةٌ مِنَ السَّادِسَةِ ( عَنْ أُمِّهِ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : أُمُّ مُحَمَّدٍ وَالِدَةُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ بَرَكَةَ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ : ( إِذَا أَخَذَ أَهْلَهُ ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ ( الْوَعْكُ ) بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْوَعْكُ الْحُمَّى وَقِيلَ أَلَمُهَا ( أَمَرَ بِالْحَسَاءِ ) بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ وَهُوَ طَبِيخٌ يُتَّخَذُ مِنْ دَقِيقٍ وَمَاءٍ وَدُهْنٍ وَقَدْ يُحَلَّى وَيَكُونُ رَقِيقًا يُحْسَى : قَالَ الْقَارِي : وَذَكَرَ بَعْضُهُمُ السَّمْنَ بَدَلَ الدُّهْنِ ، وَأَهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَهُ بِالْحَرِيرَةِ ( فَحَسَوْا مِنْهُ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : حَسَا زَيْدٌ الْمَرَقَ شَرِبَهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ( إِنَّهُ لَيَرْتُو فُؤَادَ الْحَزِينِ ) أَيْ يَشُدُّ قَلْبَهُ وَيُقَوِّيهِ ( وَيَسْرُو عَنْ فُؤَادِ السَّقِيمِ ) أَيْ يَكْشِفُ عَنْ قَلْبِهِ الْأَلَمَ وَيُزِيلُهُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمُ ( وَقَدْ رَوَى الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا مِنْ هَذَا ) وَلَفْظُهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ : أَنَّهَا كَانَتْ تَأْمُرُ بِالتَّلْبِينِ لِلْمَرِيضِ وَلِلْمَحْزُونِ عَلَى الْهَالِكِ ، وَكَانَتْ تَقُولُ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ التَّلْبِينَ تُجِمُّ فُؤَادَ الْمَرِيضِ وَتَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحَزَنِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الْحُسَيْنُ الْجُرَيْرِيُّ ، نَا أَبُو إِسْحَاقَ الطَّالِقَانِيُّ ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ إِلَخْ ) قَالَ الْمِزِّيُّ : كَذَا فِي النُّسَخِ يَعْنِي نُسَخَ التِّرْمِذِيِّ لَيْسَ فِيهِ عُقَيْلٌ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ ، وَمِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ لَيْسَ فِيهِ عُقَيْلٌ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ بِإِثْبَاتِهِ ، وَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ وَكَانَ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عُقَيْلًا جَرَى عَلَى الْجَادَّةِ لِأَنَّ يُونُسَ مُكْثِرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ عُقَيْلٍ أَيْضًا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَتَقَدَّمَ حَدِيثُهُ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا بِذَلِكَ أَبُو إِسْحَاقَ ) كَذَا فِي النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ عِنْدَنَا وَلَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ وُقُوعِ هَذَا اللَّفْظِ هَاهُنَا فَتَفَكَّرْ .
2053 حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، نا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ ، نا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ قَال : سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ قال : كَانَ لِابْنِ عَبَّاسٍ غِلْمَةٌ ثَلَاثَةٌ حَجَّامُونَ ، فَكَانَ اثْنَانِ يُغِلَّانِ عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِهِ ، وَوَاحِدٌ يَحْجُمُهُ وَيَحْجُمُ أَهْلَهُ ، قَالَ : وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ : نِعْمَ الْعَبْدُ الْحَجَّامُ يُذْهِبُ بالدم ، وَيُخِفُّ الصُّلْبَ ، وَيَجْلُو عَنْ الْبَصَرِ ، وَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ عُرِجَ بِهِ مَا مَرَّ عَلَى مَلَأ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا : عَلَيْكَ بِالْحِجَامَةِ ، وَقَالَ : إِنَّ خَيْرَ مَا تَحْتَجِمُونَ فِيهِ يَوْمَ سَبْعَ عَشْرَةَ ، وَيَوْمَ تِسْعَ عَشْرَةَ ، وَيَوْمَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ . وَقَالَ : إِنَّ خَيْرَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ السَّعُوطُ وَاللَّدُودُ ، وَالْحِجَامَةُ وَالْمَشِيُّ ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَدَّهُ الْعَبَّاسُ وَأَصْحَابُهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ لَدَّنِي ؟ فَكُلُّهُمْ أَمْسَكُوا ، فَقَالَ : لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِمَّنْ فِي الْبَيْتِ إِلَّا لُدَّ ، غَيْرَ عَمِّهِ الْعَبَّاسِ . قَالَ النَّضْرُ : اللَّدُودُ : الْوَجُورُ . وَفِي الْبَاب عَنْ عَائِشَةَ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ قَوْلُهُ : ( فَكَانَ اثْنَانِ يُغِلَّانِ عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِهِ ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الْإِغْلَالِ ، أَيْ : يُعْطِيَانِ الْغَلَّةَ ، وَهِيَ مَا يُحَصَّلُ مِنْ أُجْرَةِ الْعَبْدِ ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْغَلَّةُ : الدَّخْلَةُ مِنْ كِرَاءِ دَارٍ ، وَأُجْرَةِ غُلَامٍ ، وَفَائِدَةِ أَرْضٍ ، انْتَهَى . ( وَيُخِفُّ ) مِنَ الْإِخْفَافِ ( الصُّلْبَ ) أَيِ : الظَّهْرَ ( وَيَجْلُو عَنِ الْبَصَرِ ) الْقَذَى وَالرَّمَصَ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ . ( وَقَالَ ) أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه : ( إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ عُرِجَ بِهِ ) أَيْ : حِينَ أُسْرِيَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ ( مَا مَرَّ ) أَيْ : هُوَ ( عَلَيْكَ بِالْحِجَامَةِ ) أَيِ : الْزَمْهَا لُزُومًا مُؤَكَّدًا ( إِنَّ خَيْرَ مَا تَحْتَجِمُونَ فِيهِ ) أَيْ مِنَ الْأَيَّامِ ( يَوْمُ سَبْعَ عَشْرَةَ ) لَفْظُ يَوْمُ مُضَافٌ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ إِنَّ ( وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَدَّهُ الْعَبَّاسُ ) هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ : لَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ إِلَّا لُدَّ ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَّا الْعَبَّاسَ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ ، فَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَصَحُّ وَأَرْجَحُ ( فَكُلُّهُمْ أَمْسَكُوا ) أَيْ : أُسْكِتُوا ، فَفِي الْقَامُوسِ : أَمْسَكَ عَنِ الْكَلَامِ : سَكَتَ ( غَيْرَ عَمِّهِ الْعَبَّاسِ ) قِيلَ : لِأَنَّهُ كَانَ صَائِمًا أَوْ لِتَكْرِيمِهِ ، قُلْتُ : عِلَّةُ عَدَمِ لُدُودِ الْعَبَّاسِ مُصَرَّحَةٌ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ، بِقَوْلِهِ : فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ فَهِيَ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهَا ( قَالَ النَّضْرُ : اللَّدُودُ : الْوَجُور ) جَعَلَ النَّضْرُ اللَّدُودَ وَالْوَجُور وَاحِدًا ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْحَافِظُ كَمَا عَرَفْتَ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ ) لِيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ : بِتَمَامِهِ مُفَرَّقًا فِي ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ ، وَقَالَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا : صَحِيحُ الْإِسْنَادِ ، كَذَا فِي التَّرْغِيبِ لِلْمُنْذِرِيِّ .
باب ما جاء في الحجامة 2051 حَدَّثَنَا عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، نا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ ، نا هَمَّامٌ ، وَجَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، قَالَا : نا قَتَادَةُ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْتَجِمُ فِي الْأَخْدَعَيْنِ وَالْكَاهِلِ ، وَكَانَ يَحْتَجِمُ لِسَبْعَ عَشْرَةَ وَتِسْعَ عَشْرَةَ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ . وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي الْحِجَامَةِ ) فِي الْمِصْبَاحِ : حَجَمَهُ الْحَاجِمُ حَجْمًا ، مِنْ بَابِ قَتَلَ : شَرَطَهُ ، وَاسْمُ الصِّنَاعَةِ : حِجَامَةٌ بِالْكَسْرِ ، انْتَهَى . وَالشَّرْطُ بِالْفَارِسِيَّةِ : نشترزدن . قَوْلُهُ : ( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْتَجِمُ فِي الْأَخْدَعِينَ وَالْكَاهِلِ ) قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْأَخْدَعَانِ : عِرْقَانِ فِي جَانِبَيِ الْعُنُقِ يُحْجَمُ مِنْهُ ، وَالْكَاهِلُ : مَا بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ وَهُوَ مُقَدَّمُ الظَّهْرِ ، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ : الْحِجَامَةُ عَلَى الْأَخْدَعِينَ تَنْفَعُ مِنْ أَمْرَاضِ الرَّأْسِ وَأَجْزَائِهِ ؛ كَالْوَجْهِ وَالْأَسْنَانِ وَالْأُذُنَيْنِ وَالْعَيْنَيْنِ وَالْأَنْفِ ، إِذَا كَانَ حُدُوثُ ذَلِكَ مِنْ كَثْرَةِ الدَّمِ أَوْ فَسَادِهِ أَوْ مِنْهُمَا جَمِيعًا ، قَالَ : وَالْحِجَامَةُ لِأَهْلِ الْحِجَازِ وَالْبِلَادِ الْحَارَّةِ ؛ لِأَنَّ دِمَاءَهُمْ رَقِيقَةٌ ، وَهِيَ أَمْيَلُ إِلَى ظَاهِرِ أَبْدَانِهِمْ لِجَذْبِ الْحَرَارَةِ الْخَارِجَةِ إِلَى سَطْحِ الْجَسَدِ وَاجْتِمَاعِها فِي نَوَاحِي الْجِلْدِ ; وَلِأَنَّ مَسَامَّ أَبْدَانِهِمْ وَاسِعَةٌ ، فَفِي الْفَصْدِ لَهُمْ خَطَرٌ ، انْتَهَى . وَقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالطِّبِّ : فَصْدُ الباسليق يَنْفَعُ حَرَارَةَ الْكَبِدِ وَالطِّحَالِ وَالرِّئَةِ ، وَمِنَ الشَّوْصَةِ وَذَاتِ الْجَنْبِ وَسَائِرِ الْأَمْرَاضِ الدَّمَوِيَّةِ الْعَارِضَةِ مِنْ أَسْفَلِ الرُّكْبَةِ إِلَى الْوَرِكِ ، وَفَصْدُ الْأَكْحَلِ يَنْفَعُ الِامْتِلَاءَ الْعَارِضَ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ إِذَا كَانَ دَمَوِيًّا ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ فَسَدَ ، وَفَصْدُ الْقِيفَالِ يَنْفَعُ مِنْ عِلَلِ الرَّأْسِ وَالرَّقَبَةِ إِذَا كَثُرَ الدَّمُ أَوْ فَسَدَ ، وَفَصْدُ الْوَدَجَيْنِ لِوَجَعِ الطِّحَالِ وَالرَّبْوِ وَوَجَعِ الْجَنينِ ، وَالْحِجَامَةُ عَلَى الْكَاهِلِ تَنْفَعُ مِنْ وَجَعِ الْمَنْكَبِ وَالْحَلْقِ ، وَتَنُوبُ عَنْ فَصْدِ الباسليق ، وَالْحِجَامَةُ عَلَى الْأَخْدَعِينَ تَنْفَعُ مِنْ أَمْرَاضِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ كَالْأُذُنَيْنِ وَالْعَيْنَيْنِ وَالْأَسْنَانِ وَالْأَنْفِ وَالْحَلْقِ ، وَتَنُوبُ عَنْ فَصْدِ الْقِيفَالِ ، وَالْحِجَامَةُ تَحْتَ الذَّقْنِ تَنْفَعُ مِنْ وَجَعِ الْأَسْنَانِ وَالْوَجْهِ وَالْحُلْقُومِ وَتُنَقِّي الرَّأْسَ ، وَالْحِجَامَةُ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ تَنُوبُ عَنْ فَصْدِ الصَّافِنِ وَهُوَ عِرْقٌ عِنْدَ الْكَعْبِ ، وَتَنْفَعُ مِنْ قُرُوحِ الْفَخِذَيْنِ وَالسَّاقَيْنِ وَانْقِطَاعِ الطَّمْثِ وَالْحَكَّةِ الْعَارِضَةِ فِي الْأُنْثَيَيْنِ ، وَالْحِجَامَةُ عَلَى أَسْفَلِ الصَّدْرِ نَافِعَةٌ مِنْ دَمَامِيلِ الْفَخِذِ وَجَرَبِهِ وَبُثُورِهِ وَمِنَ النِّقْرِسِ وَالْبَوَاسِيرِ وَدَاءِ الْفِيلِ وَحَكَّةِ الظَّهْرِ ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ كُلُّهُ إِذَا كَانَ عَنْ دَمٍ هَائِجٍ وَصَادَفَ وَقْتَ الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ ، وَالْحِجَامَةُ عَلَى الْمَقْعَدَةِ تَنْفَعُ الْأَمْعَاءَ وَفَسَادَ الْحَيْضِ . ( وَكَانَ يَحْتَجِمُ لِسَبْعَ عَشْرَةَ وَتِسْعَ عَشْرَةَ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ ) قَدْ عَقَدَ الْبُخَارِيُّ بَابًا فِي صَحِيحِهِ بِلَفْظِ : بَابُ أَيِّ سَاعَةٍ يَحْتَجِمُ ، وَذَكَرَ فِيهِ أَثَرَ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ احْتَجَمَ لَيْلًا وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ : احْتَجَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ صَائِمٌ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَرَدَ فِي الْأَوْقَاتِ اللَّائِقَةِ بِالْحِجَامَةِ أَحَادِيثُ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ عَلَى شَرْطِهِ ، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّهَا تُصْنَعُ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ ، وَلَا تَتَقَيَّدُ بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الِاحْتِجَامَ لَيْلًا ، وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ ، وَهُوَ يَقْتَضِي كَوْنَ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهُ نَهَارًا ، وَعِنْد الْأَطِبَّاءَ أَنَّ أَنْفَعَ الْحِجَامَةِ مَا يَقَعُ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ أَوِ الثَّالِثَةِ ، وَأَنْ لَا يَقَعَ عَقِبَ اسْتِفْرَاغٍ عَنْ جِمَاعٍ أَوْ حَمَّامٍ أَوْ غَيْرِهِمَا ، وَلَا عَقِبَ شِبَعٍ وَلَا جُوعٍ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي تَعْيِينِ الْأَيَّامِ لِلْحِجَامَةِ حَدِيثٌ لِابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ رَفَعَهُ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ وَفِيهِ : فَاحْتَجِمُوا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ يَوْمَ الْخَمِيسِ ، وَاحْتَجِمُوا يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاءِ ، وَاجْتَنِبُوا الْحِجَامَةَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَالْجُمُعَةِ وَالسَّبْتِ وَالْأَحَدِ ، أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ ضَعِيفَيْنِ ، وَلَهُ طَرِيقٌ ثَالِثَةٌ ضَعِيفَةٌ أَيْضًا عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْأَفْرَادِ ، وَأَخْرَجَهُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا ، وَنَقَلَ الْخَلَّالُ ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَرِهَ الْحِجَامَةَ فِي الْأَيَّامِ الْمَذْكُورَةِ ، وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ لَمْ يَثْبُتْ . وَحَكَى أَنَّ رَجُلًا احْتَجَمَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ فَأَصَابَهُ بَرَصٌ ؛ لِكَوْنِهِ تَهَاوَنَ بِالْحَدِيثِ ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الْحِجَامَةَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ ، وَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَوْمُ الثُّلَاثَاءِ يَوْمُ الدَّمِ ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يَرْقَأُ فِيهَا ، وَوَرَدَ فِي عَدَدٍ مِنَ الشَّهْرِ أَحَادِيثُ مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ : مَنِ احْتَجَمَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ وَتِسْعَ عَشْرَةَ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ كَانَ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيِّ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، وَسَعِيدٌ وَثَّقَهُ الْأَكْثَرُ ، وَلَيَّنَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ لَكِنَّهُ مَعْلُولٌ ، وَلَهُ شَاهِدٌ آخِرُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ ، وَهُوَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ لَكِنْ مِنْ فِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلِكَوْنِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ لَمْ يَصِحَّ مِنْهَا شَيْءٌ قَالَ حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ : كَانَ أَحْمَدُ يَحْتَجِمُ أَيَّ وَقْتٍ هَاجَ بِهِ الدَّمُ وَأَيَّ سَاعَةٍ كَانَتْ ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْأَطِبَّاءُ عَلَى أَنَّ الْحِجَامَةَ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنَ الشَّهْرِ ، ثُمَّ فِي الرُّبْعِ الثَّالِثِ مِنْ أَرْبَاعِهِ أَنْفَعُ مِنَ الْحِجَامَةِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ . قَالَ الْمُوَفَّقُ الْبَغْدَادِيُّ : وَذَلِكَ أَنَّ الْأَخْلَاطَ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ تُهَيِّجُ وَفِي آخِرِهِ تُسَكِّنُ ، فَأَوْلَى مَا يَكُونُ الِاسْتِفْرَاغُ فِي أَثْنَائِهِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ) أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْهُ قَالَ : احْتَجَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي رَأْسِهِ مِنْ شَقِيقَةٍ كَانَتْ بِهِ ، وَلَهُ فِي هَذَا الْبَابِ غَيْرُ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ فَأَخْرَجَهُ حَرْبُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْكَرْمَانِيُّ صَاحِبُ أَحْمَدَ عَنْهُ مَرْفُوعًا : الْحِجَامَةُ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ مِنَ الشَّهْرِ دَوَاءٌ لِدَاءِ السَّنَةِ ، وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ ، كَذَا فِي الْمُنْتَقَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَنَقَلَ الْمُنْذِرِيُّ تَحْسِينَ التِّرْمِذِيِّ وَأَقَرَّهُ ، وَفِي النَّيْلِ قَالَ النَّوَوِيُّ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ : رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ ، وَمُسْلِمٍ ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الْمَذْكُورِ الزِّيَادَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ : وَكَانَ يَحْتَجِمُ لِسَبْعَ عَشْرَةَ ، إِلَخ ، انْتَهَى .
2052 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ بُدَيْلِ بْنِ قُرَيْشٍ الْيَامِّيُّ الْكُوفِيُّ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ ، أَنَّهُ لَمْ يَمُرَّ عَلَى مَلَأ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا أَمَرُوهُ أَنْ مُرْ أُمَّتَكَ بِالْحِجَامَةِ . هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَوْلُهُ : ( نا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ) هُوَ الضَّبِّيُّ مَوْلَاهُمُ الْكُوفِيُّ ( نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ ) هُوَ أَبُو شَيْبَةَ الْوَاسِطِيُّ ، ( عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الْمَسْعُودِيُّ أَبُو عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْكُوفِيُّ ، ثِقَةٌ عَابِدٌ ، مِنَ الرَّابِعَةِ ( عَنْ أَبِيهِ ) أَيْ : عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيِّ الْكُوفِيِّ ، ثِقَةٌ مِنْ صِغَارِ الثَّانِيَةِ ، مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ ، وَقَدْ سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ ، قَالَهُ فِي التَّقْرِيبِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لَيْلَةٍ ) بِالْجَرِّ مُنَوَّنَةً ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا مُضَافَةً إِلَى قَوْلِهِ : ( أُسْرِيَ بِهِ ) عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ ( أَنَّهُ لَمْ يَمُرَّ عَلَى مَلَأ ) أَيْ : جَمَاعَةٍ عَظِيمَةٍ تَمْلَأُ الْعَيْنَ ( أَنْ ) تَفْسِيرِيَّةٌ ( مُرْ ) أَمْرُ مُخَاطَبٍ مِنْ أَمَرَ يَأْمُرُ ، قَالَ الْقَارِي : بَيَانٌ لِلْأَمْرِ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ، وَالْأَمْرُ لِلنَّدْبِ ، وَيَدُلُّ عَلَى تَأْكِيدِهِ أَمْرُهُمْ جَمِيعًا ، وَتَقْرِيرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَقْلُهُ عَنْهُمْ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بِأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ أَيْضًا . ( أُمَّتَكَ بِالْحِجَامَةِ ) قَالَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ : إِنَّ الْمُخَاطَبَ بِأَحَادِيثِ الْحِجَامَةِ غَيْرُ الشُّيُوخِ ؛ لِقِلَّةِ الْحَرَارَةِ فِي أَبْدَانِهِمْ ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ : إِذَا بَلَغَ الرَّجُلُ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَمْ يَحْتَجِمْ ، قَالَ الطَّبَرِيُّ : وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مِنْ حِينَئِذٍ فِي انْتِقَاصٍ مِنْ عُمُرِهِ وَانْحِلَالٍ مِنْ قُوَّةِ جَسَدِهِ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَهُ وَهْنًا بِإِخْرَاجِ الدَّمِ ، انْتَهَى . وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ حَاجَتُهُ إِلَيْهِ ، وَعَلَى مَنْ لَمْ يَعْتَدْهُ ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ سِينَا فِي أُرْجُوزَتِهِ : وَمِنْ يَكُونُ تَعَوَّدَ الْفَصَادَةْ فَلَا يَكُنْ يَقْطَعُ تِلْكَ الْعَادَةْ ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ يُقَلِّلُ ذَلِكَ بِالتَّدْرِيجِ إِلَى أَنْ يَنْقَطِعَ جُمْلَةً فِي عَشْرِ الثَّمَانِينَ ، وَقَالَ ابْنُ سِينَا فِي أَبْيَاتٍ أُخْرَى : وَوَفِّرْ عَلَى الْجِسْمِ الدِّمَاءَ فَإِنَّهَا لِصِحَّةِ جِسْمٍ مِنْ أَجَلِّ الدَّعَائِمِ قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ .
بَاب مَا جَاءَ لَا تُكْرِهُوا مَرْضَاكُمْ عَلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ 2040 حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، نَا بَكْرُ بْنُ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تُكْرِهُوا مَرْضَاكُمْ عَلَى الطَّعَامِ فَإِنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى يُطْعِمُهُمْ وَيَسْقِيهِمْ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ باب ما جاء لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب قَوْلُهُ : ( نَا بَكْرُ بْنُ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ ) الشَّيْبَانِيُّ الْكُوفِيُّ قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : ضَعِيفٌ ، وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : قَالَ الْبُخَارِيُّ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ ( عَنْ مُوسَى بْنِ عُلَيٍّ ) بِالتَّصْغِيرِ ابْنِ رَبَاحِ اللَّخْمِيِّ الْبَصْرِيِّ ، صَدُوقٌ رُبَّمَا أَخْطَأَ قَالَهُ الْحَافِظُ ، وَوَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ ، وَأَبُو حَاتِمٍ ، وَابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُمْ ( عَنْ أَبِيهِ ) هُوَ عُلَيُّ بْنُ رَبَاحٍ ، قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : عُلَيُّ بْنُ رَبَاحِ بْنِ قَصِيرٍ اللَّخْمِيُّ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ وَالْمَشْهُورُ فِيهِ عُلَيٌّ بِالتَّصْغِيرِ وَكَانَ يَغْضَبُ مِنْهَا انْتَهَى ، وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ : لَقَبُهُ عُلَيٌّ بِالضَّمِّ . قَوْلُهُ : ( لَا تُكْرِهُوا ) نَهْيٌ مِنَ الْإِكْرَاهِ ( مَرَضَاكُمْ ) جَمْعُ مَرِيضٍ ( عَلَى الطَّعَامِ ) أَيْ عَلَى تَنَاوُلِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ( فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُطْعِمُهُمْ وَيَسْقِيهِمْ ) أَيْ يَمُدُّهُمْ بِمَا يَقَعُ مَوْقِعَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَيَرْزُقُهُمْ صَبْرًا عَلَى أَلَمِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ ، فَإِنَّ الْحَيَاةَ وَالْقُوَّةَ مِنَ اللَّهِ حَقِيقَةً ، لَا مِنَ الطَّعَامِ وَلَا الشَّرَابِ وَلَا مِنْ جِهَةِ الصِّحَّةِ ، قَالَ الْقَاضِي : أَيْ يَحْفَظُ قُوَاهُمْ ، وَيَمُدُّهُمْ بِمَا يُفِيدُ فَائِدَةَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فِي حِفْظِ الرُّوحِ وَتَقْوِيمِ الْبَدَنِ ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي ، وَإِنْ كَانَ مَا بَيْنَ الْإِطْعَامَيْنِ وَالطَّعَامَيْنِ بَوْنًا بَعِيدًا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ إِلَخْ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمُ ، وَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّ فِي سَنَدِهِ بَكْرَ بْنَ يُونُسَ وَهُوَ ضَعِيفٌ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ 2041 حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ قَالَا : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ فَإِنَّ فِيهَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ ، وَالسَّامُ الْمَوْتُ وَفِي الْبَاب عَنْ بُرَيْدَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ( بَابُ مَا جَاءَ فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ ) أَيِ الشُّونِيزِ . قَوْلُهُ : ( عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ ) أَيِ الْزَمُوا اسْتِعْمَالَهَا بِأَكْلٍ وَغَيْرِهِ ( فَإِنَّ فِيهَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ ) يَحْدُثُ مِنَ الرُّطُوبَةِ ، لَكِنْ لَا تَسْتَعْمِلُ فِي دَاءٍ صِرْفًا ، بَلْ تَارَةً تُسْتَعْمَلُ مُفْرَدَةً وَتَارَةً مُرَكَّبَةً بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ الْمَرَضُ ، قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ ( إِلَّا السَّامُ ) بِمُهْمَلَةٍ غَيْرِ مَهْمُوزَةٍ ( وَالسَّامُ الْمَوْتُ ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : السَّامُ الْمَوْتُ وَالْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ الشُّونِيزُ . ( قَوْلُهُ : وَفِي الْبَابِ عَنْ بُرَيْدَةَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَعَائِشَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ بُرَيْدَةَ فَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ ، وَأَخْرَجَ الْمُسْتَغْفِرِيُّ فِي كِتَابِ الطِّبِّ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ هَذِهِ الْحَبَّةَ السَّوْدَاءَ فِيهَا شِفَاءٌ ، قَالَ : وَفِي لَفْظٍ : قِيلَ وَمَا الْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ ؟ قَالَ : الشُّونِيزُ ، قَالَ : وَكَيْفَ أَصْنَعُ بِهَا ؟ قَالَ : تَأْخُذُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ حَبَّةً فَتَصُرُّهَا فِي خِرْقَةٍ ، ثُمَّ تَضَعُهَا فِي مَاءٍ لَيْلَةً فَإِذَا أَصْبَحْتَ قَطَرْتَ فِي الْمَنْخِرِ الْأَيْمَنِ وَاحِدَةً وَفِي الْأَيْسَرِ اثْنَتَيْنِ ، فَإِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ قَطَرْتَ فِي الْمَنْخِرِ الْأَيْمَنِ اثْنَتَيْنِ وَفِي الْأَيْسَرِ وَاحِدَةً ، فَإِذَا كَانَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ قَطَرْتَ فِي الْأَيْمَنِ وَاحِدَةً وَفِي الْأَيْسَرِ اثْنَتَيْنِ ، كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ قَالَ الْمُنَاوِيُّ : إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمُ ، تَنْبِيهٌ : أَحَادِيثُ الْبَابِ هَلْ هِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى عُمُومِهَا أَوْ أُرِيدَ مِنْهَا الْخُصُوصُ ؟ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا مِنْ عُمُومِ اللَّفْظِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ ، وَلَيْسَ يُجْمَعُ فِي طَبْعِ شَيْءٍ مِنَ النَّبَاتِ وَالشَّجَرِ جَمِيعُ الْقُوَى الَّتِي تُقَابِلُ الطَّبَائِعَ كُلَّهَا فِي مُعَالَجَةِ الْأَدْوَاءِ عَلَى اخْتِلَافِهَا ، وَتَبَايُنِ طَبْعِهَا ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ يَحْدُثُ مِنَ الرُّطُوبَةِ وَالْبُرُودَةِ وَالْبَلْغَمِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ حَارٌّ يَابِسٌ فَهُوَ شِفَاءٌ بِإِذْنِ اللَّهِ لِلدَّاءِ الْمُقَابِلِ لَهُ فِي الرُّطُوبَةِ وَالْبُرُودَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الدَّوَاءَ أَبَدًا بِالْمُضَادِّ ، وَالْغِذَاءُ بِالْمُشَاكِلِ انْتَهَى ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ : وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي حَقِّ بِلْقِيسَ : وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَقَوْلُهُ تَعَالَى : تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ فِي إِطْلَاقِ الْعُمُومِ وَإِرَادَةِ الْخُصُوصِ انْتَهَى . وَقِيلَ : هِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى عُمُومِهَا وَأُجِيبَ عَنْ قَوْلِ الْخَطَّابِيِّ لَيْسَ يُجْمَعُ فِي طَبْعِ شَيْءٍ إِلَخْ بِأَنَّهُ : لَيْسَ مِنَ اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ أَنْ يَجْمَعَ الْعَالَمَ فِي وَاحِدٍ وَأَمَّا قَوْلُ الطِّيبِيِّ وَنَظِيرُهُ إِلَخْ فَفِيهِ أَنَّ الْآيَتَيْنِ يُمْنَعُ حَمْلُهُمَا عَلَى الْعُمُومِ عَلَى مَا هُوَ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ مَعْلُومٍ ، وَأَمَّا أَحَادِيثُ الْبَابِ فَحَمْلُهَا عَلَى الْعُمُومِ مُتَعَيِّنٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا : إِلَّا السَّامُ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ الْآيَةَ . قُلْتُ : قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ الْمَذْكُورِ مَا لَفْظُهُ : وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى كَوْنِ الْحَبَّةِ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ أَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ دَاءٍ صِرْفًا ، بَلْ رُبَّمَا اسْتُعْمِلَتْ مُفْرَدَةً وَرُبَّمَا اسْتُعْمِلَتْ مُرَكَّبَةً ، وَرُبَّمَا اسْتُعْمِلَتْ مَسْحُوقَةً ، وَغَيْرَ مَسْحُوقَةٍ ، وَرُبَّمَا اسْتُعْمِلَتْ أَكْلًا وَشُرْبًا وَسَعُوطًا وَضِمَادًا وَغَيْرَ ذَلِكَ . قَالَ : وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ : تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَخَصُّوا عُمُومَهُ وَرَدُّوهُ إِلَى قَوْلِ أَهْلِ الطِّبِّ وَالتَّجْرِبَةِ وَلَا خَفَاءَ بِغَلَطِ قَائِلِ ذَلِكَ ; لِأَنَّا إِذَا صَدَّقْنَا أَهْلَ الطِّبِّ وَمَدَارُ عِلْمِهِمْ ، غَالِبًا إِنَّمَا هُوَ عَلَى التَّجْرِبَةِ الَّتِي بِنَاؤُهَا عَلَى ظَنٍّ غَالِبٍ ، فَتَصْدِيقُ مَنْ لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِنْ كَلَامِهِمِ انْتَهَى . قَالَ : وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ حَمْلِهِ عَلَى عُمُومِهِ بِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْإِفْرَادِ وَالتَّرْكِيبِ وَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ وَلَا خُرُوجَ عَنْ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى .
بَاب مَا جَاءَ فِي شُرْبِ أَبْوَالِ الْإِبِلِ 2042 حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ ، نَا عَفَّانُ ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، نَا حُمَيْدٌ ، وَثَابِتٌ ، وَقَتَادَةُ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ فَاجْتَوَوْهَا فَبَعَثَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَقَالَ : اشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ( بَابُ مَا جَاءَ فِي شُرْبِ أَبْوَالِ الْإِبِلِ ) أَيْ لِلتَّدَاوِي . قَوْلُهُ : ( أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ إِلَخْ ) تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ مُطَوَّلًا فِي بَابِ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ شَرْحُهُ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ مَرْفُوعًا : عَلَيْكُمْ بِأَبْوَالِ الْإِبِلِ فَإِنَّهَا نَافِعَةٌ للِذَرِبَةِ بُطُونِهِمْ ، وَالذَّرِبَةُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ جَمْعُ ذَرِبٍ ، وَالذَّرَبُ بِفَتْحَتَيْنِ فَسَادُ الْمَعِدَةِ كَذَا فِي الْفَتْحِ .
بَاب مَا جَاءَ فِي التَّدَاوِي بِالْحِنَّاءِ 2054 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، نا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ الْخَيَّاطُ ، نا فَائِدٌ مَوْلًى لِآلِ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ جَدَّتِهِ وَكَانَتْ تَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : مَا كَانَ يَكُونُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرْحَةٌ وَلَا نَكْبَةٌ إِلَّا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَضَعَ عَلَيْهَا الْحِنَّاءَ . هَذَا حَدِيثٌ غريب إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ فَائِدٍ ، وَرَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ فَائِدٍ ، فَقَالَ : عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ جَدَّتِهِ سَلْمَى . وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ أَصَحُّ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، نا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ ، عَنْ فَائِدٍ مَوْلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ مَوْلَاهُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ جَدَّتِهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ . باب ما جاء في التداوي بالحناء . قَوْلُهُ : ( نا فَائِدٌ مَوْلًى لِآلِ أَبِي رَافِعٍ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : فَائِدٌ مَوْلَى عَبَادِلَ بِاللَّامِ صَدُوقٌ ، انْتَهَى . وَقَالَ فِيهِ : عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي رَافِعٍ الْمَدَنِيُّ : يُعْرَفُ بِعَبَادِلَ ، وَيُقَالُ فِيهِ : عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ لَيِّنُ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : فَائِدٌ مَوْلَى عَبَادِلَ ، وَهُوَ : عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي رَافِعٍ ، رَوَى عَنْهُ ، وَعَنْهُ زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ . ( عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ) اعْلَمْ أَنَّ عَبَادِلَ ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيٍّ ، وَعَلِيَّ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ ثَلَاثَتُهُمْ وَاحِدٌ كَمَا عَرَفْتَ آنِفًا مِنْ عِبَارَةِ التَّقْرِيبِ ، فَهُوَ : عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي رَافِعٍ ، وَعَبَادِلُ لَقَبُهُ ، وَيُقَالُ فِيهِ : عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَالصَّوَابُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ ، رَوَى عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ رَافِعٍ ، وَعَنْهُ مَوْلَاهُ فَائِدٌ ، وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : لَا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَلَيْسَ بِمُنْكَرِ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : لَا بَأْسَ بِهِ . ( عَنْ جَدَّتِهِ ) سَلْمَى أُمِّ رَافِعٍ زَوْجِ أَبِي رَافِعٍ لَهَا صُحْبَةٌ . قَوْلُهُ : ( مَا كَانَ ) أَيِ : الشَّأْنُ ( يَكُونُ ) أَيْ : يُوجَدُ وَيَقَعُ ( بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرْحَةٌ ) قَالَ الطِّيبِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي زَائِدًا ، وَأَنْ يَكُونَ غَيْرَ زَائِدٍ بِالتَّأْوِيلِ ، أَيْ مَا كَانَ قُرْحَةٌ تَكُونُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى ، وَالْقُرْحَةُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَيُضَمُّ : جِرَاحَةٌ مِنْ سَيْفٍ وَسِكِّينٍ وَنَحْوِهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ وَقَدْ قُرِئَ فِيهِ بِالْوَجْهَيْنِ ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى الْفَتْحِ . ( وَلَا نَكْبَةٌ ) بِفَتْحِ النُّونِ : جِرَاحَةٌ مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَوْكٍ ، وَلَا زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ ( أَنْ أَضَعَ عَلَيْهِ الْحِنَّاءَ ) لِأَنَّهُ بِبُرُودَتِهِ يُخَفِّفُ حَرَارَةَ الْجِرَاحَةِ وَأَلَمَ الدَّمِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ بِشَيْءٍ مِنَ الصِّحَّةِ أَوِ الْحُسْنِ أَوِ الضَّعْفِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ، وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ أَصَحُّ ) مِنْ عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ ، الصَّوَابُ : عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي رَافِعٍ .
بَاب مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسُمٍّ أَوْ غَيْرِهِ 2043 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، نَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَرَاهُ رَفَعَهُ قَالَ : مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا أَبَدًا ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسُمٍّ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا بَاب مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسُمٍّ أَوْ غَيْرِهِ قَوْلُهُ : ( نَا عَبِيدَةُ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ( بْنُ حُمَيْدٍ ) هُوَ الْكُوفِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْحَذَّاءِ . قَوْلُهُ : ( أُرَاهُ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ أَظُنُّهُ ( رَفَعَهُ ) أَيْ رَفَعَ الْحَدِيثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ ) أَيْ بِآلَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ( وَحَدِيدَتُهُ ) أَيْ تِلْكَ بِعَيْنِهَا أَوْ مِثْلُهَا ( يَتَوَجَّأُ ) بِهَمْزَةٍ فِي آخِرِهِ تَفَعُّلٌ مِنَ الْوَجَأِ وَهُوَ الطَّعْنُ بِالسِّكِّينِ وَنَحْوُهُ ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ ( بِهَا ) لِلْحَدِيدَةِ أَيْ يَطْعَنُ بِهَا ( بَطْنَهُ ) أَيْ فِي بَطْنِهِ ( فِي نَارِ جَهَنَّمَ ) أَيْ حَالَ كَوْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ( وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسُمٍّ ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : وَمَنْ شَرِبَ سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ ، وَالسُّمُّ بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِهَا وَكَسْرِهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ : أَفْصَحُهُنَّ الْفَتْحُ وَجَمْعُهُ سِمَامٌ ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : السُّمُّ هَذَا الْقَاتِلُ الْمَعْرُوفُ ( فَسُمُّهُ ) مُبْتَدَأٌ ( فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ ) بِمُهْمَلَتَيْنِ بِوَزْنِ يَتَغَذَّى أَيْ يَشْرَبُهُ فِي تَمَهُّلٍ وَيَتَجَرَّعُهُ ( فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا ) قَالَ الْحَافِظُ : قَدْ تَمَسَّكَ بِهِ الْمُعْتَزِلَةُ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ قَالَ بِتَخْلِيدِ أَصْحَابِ الْمَعَاصِي فِي النَّارِ . وَأَجَابَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَنْ ذَلِكَ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا تَوْهِيمُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ : رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَمْ يَذْكُرْ خَالِدًا مُخَلَّدًا ، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يُشِيرُ إِلَى رِوَايَةِ الْبَابِ يَعْنِي رِوَايَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّتِي رَوَاهَا الْبُخَارِيُّ فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ بِلَفْظِ : الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ وَالَّذِي يَطْعَنُهَا يَطْعَنُهَا فِي النَّارِ ، قَالَ : وَهُوَ أَصَحُّ لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ قَدْ صَحَّتْ أَنَّ أَهْلَ التَّوْحِيدِ يُعَذَّبُونَ ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنْهَا وَلَا يُخَلَّدُونَ ، وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِحَمْلِ ذَلِكَ عَلَى مَنِ اسْتَحَلَّهُ فَإِنَّهُ يَصِيرُ بِاسْتِحْلَالِهِ كَافِرًا وَالْكَافِرُ مُخَلَّدٌ بِلَا رَيْبٍ ، وَقِيلَ وَرَدَ مَوْرِدَ الزَّجْرِ وَالتَّغْلِيظِ وَحَقِيقَتُهُ غَيْرُ مُرَادَةٍ ، وَقِيلَ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا جَزَاؤُهُ ، لَكِنْ قَدْ تَكَرَّمَ اللَّهُ عَلَى الْمُوَحِّدِينَ فَأَخْرَجَهُمْ مِنَ النَّارِ بِتَوْحِيدِهِمْ ، وَقِيلَ التَّقْدِيرُ مُخَلَّدًا فِيهَا إِلَى أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْخُلُودِ طُولُ الْمُدَّةِ لَا حَقِيقَةُ الدَّوَامِ ، كَأَنَّهُ يَقُولُ يُخَلَّدُ مُدَّةً مُعَيَّنَةً وَهَذَا أَبْعَدُهَا ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ .
2044 حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نَا أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ قَال : سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسُمٍّ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، نَا وَكِيعٌ ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ هَكَذَا رَوَى هذا الحديث عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسُمٍّ عُذِّبَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا أَصَحُّ لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ إِنَّمَا تَجِيءُ بِأَنَّ أَهْلَ التَّوْحِيدِ يُعَذَّبُونَ فِي النَّارِ ثُمَّ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا يُذْكَرْ أَنَّهُمْ يُخَلَّدُونَ فِيهَا قَوْلُهُ : ( نَا أَبُو دَاوُدَ ) هُوَ الطَّيَالِسِيُّ ( سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ) اسْمُهُ ذَكْوَانُ . قَوْلُهُ : ( يَجَأُ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ وَبِالْهَمْزِ أَيْ يَطْعَنُ وَقَدْ تُسَهَّلُ الْهَمْزَةُ وَالْأَصْلُ فِي يَجَأُ يَوْجَأُ ( وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ ) أَيْ أَسْقَطَ نَفْسَهُ مِنْهُ لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ( فَقَتَلَ نَفْسَهُ ) عَلَى أَنَّهُ تَعَمَّدَ ذَلِكَ وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ قَوْلِهِ تَرَدَّى لَا يَدُلُّ عَلَى التَّعَمُّدِ ( خَالِدًا ) حَالٌ مُقَدَّرَةٌ ( مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ) تَأْكِيدٌ بَعْدَ تَأْكِيدٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ تَمَسُّكِ الْمُعْتَزِلَةِ بِهَذَا وَالْجَوَابُ عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ بِتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ وَالنَّسَائِيُّ ، وَلِأَبِي دَاوُدَ : مَنْ حَسَا سُمًّا فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ انْتَهَى ( وَهُوَ ) أَيْ حَدِيثُ شُعْبَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَخْ ( أَصَحُّ مِنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ) أَيْ مِنْ حَدِيثِ عَبِيدَةَ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَرَاهُ رَفَعَهُ إِلَخْ لِأَنَّ عَبِيدَةَ لَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ عَلَى رِوَايَتِهِ ، وَأَمَّا شُعْبَةُ فَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى رِوَايَتِهِ وَكِيعٌ ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ( هَكَذَا رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ الْأَعْمَشِ إِلَخْ ) أَيْ بِزِيَادَةِ : خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ( وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو الزِّنَادِ إِلَخْ ) أَيْ بِغَيْرِ ذِكْرِ ( خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ) ، وَرِوَايَةُ أَبِي الزِّنَادِ هَذِهِ وَصَلَهَا الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ كَمَا ذَكَرْنَا ( وَهَذَا ) أَيْ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ( أَصَحُّ ) أَيْ مِنْ حَدِيثِهِ الَّذِي ذُكِرَتْ فِيهَا زِيَادَةُ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا ( لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ إِنَّمَا تَجِيءُ بِأَنَّ أَهْلَ التَّوْحِيدِ يُعَذَّبُونَ فِي النَّارِ ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنْهَا وَلَا يَذْكُرُ أَنَّهُمْ يُخَلَّدُونَ فِيهَا ) مَقْصُودُ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ وَهْمٌ فَإِنَّهَا تُخَالِفُ الرِّوَايَاتِ الَّتِي تَجِيءُ بِأَنَّ أَهْلَ التَّوْحِيدِ يُعَذَّبُونَ فِي النَّارِ ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنْهَا . قُلْتُ : هَذِهِ الزِّيَادَةُ زَادَهَا الْأَعْمَشُ وَهُوَ ثِقَةٌ حَافِظٌ وَزِيَادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ ، فَتَأْوِيلُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَوْلَى مِنْ تَوْهِيمِهَا .
2045 حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ ، أنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الدَّوَاءِ الْخَبِيثِ ، يَعْنِي السُّمَّ قَوْلُهُ : ( نَهَى عَنِ الدَّوَاءِ الْخَبِيثِ ) قِيلَ هُوَ النَّجِسُ أَوِ الْحَرَامُ ، أَوْ مَا يَتَنَفَّرُ عَنْهُ الطَّبْعُ ( يَعْنِي السُّمَّ ) هَذَا تَفْسِيرُ الْخَبِيثِ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ مِمَّنْ دُونَهُ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَحَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَوْلَى ، وَقَدْ وَرَدَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ مُتَّصِلًا بِهِ يَعْنِي السُّمَّ انْتَهَى ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : خُبْثُ الدَّوَاءِ يَكُونُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا : خُبْثُ النَّجَاسَةِ وَهُوَ أَنْ يَدْخُلَهُ الْمُحَرَّمُ كَالْخَمْرِ وَنَحْوِهَا مِنْ لُحُومِ الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْمَأْكُولِ اللَّحْمِ ، وَقَدْ يَصِفُ الْأَطِبَّاءُ بَعْضَ الْأَبْوَالِ وَعَذِرَةَ بَعْضِ الْحَيَوَانِ لِبَعْضِ الْعِلَلِ وَهِيَ كُلُّهَا خَبِيثَةٌ نَجِسَةٌ وَتَنَاوُلُهَا مُحَرَّمٌ إِلَّا مَا خَصَّتِ السُّنَّةُ مِنْ أَبْوَالِ الْإِبِلِ وَقَدْ رَخَّصَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفَرٍ عُرَيْنَةَ وَعُكْلٍ ، وَسَبِيلُ السُّنَنِ أَنْ يُقَرَّ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهَا فِي مَوْضِعِهِ وَأَنْ لَا يُضْرَبَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ ، وَقَدْ يَكُونُ خُبْثُ الدَّوَاءِ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ الطَّعْمِ وَالْمَذَاقِ وَلَا يُنْكَرُ أَنْ يَكُونَ كَرِهَ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ عَلَى الطِّبَاعِ وَلِتَكَرُّهِ النَّفْسِ إِيَّاهُ ، وَالْغَالِبُ أَنَّ طُعُومَ الْأَدْوِيَةِ كَرِيهَةٌ وَلَكِنَّ بَعْضَهَا أَيْسَرُ احْتِمَالًا وَأَقَلُّ كَرَاهَةً انْتَهَى ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ : السَّمُومُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ ، مِنْهَا مَا يَقْتُلُ كَثِيرُهُ وَقَلِيلُهُ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ لِلتَّدَاوِي وَلِغَيْرِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَمِنْهَا مَا يَقْتُلُ كَثِيرُهُ دُونَ قَلِيلِهِ فَأَكْلُ كَثِيرِهِ الَّذِي يَقْتُلُ حَرَامٌ لِلتَّدَاوِي وَغَيْرِهِ ، وَالْقَلِيلُ مِنْهُ إِنْ كَانَ مِمَّا يَنْفَعُ فِي التَّدَاوِي جَازَ أَكْلُهُ تَدَاوِيًا ، وَمِنْهَا مَا يَقْتُلُ فِي الْأَغْلَبِ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ لَا يَقْتُلَ فَحُكْمُهُ كَمَا قَبْلَهُ ، وَمِنْهَا مَا لَا يَقْتُلُ فِي الْأَغْلَبِ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَقْتُلَ ، فَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ إِبَاحَةَ أَكْلِهِ وَفِي مَوْضِعٍ تَحْرِيمَ أَكْلِهِ فَجَعَلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ عَلَى حَالَيْنِ : فَحَيْثُ أَبَاحَ أَكْلَهُ فَهُوَ إِذَا كَانَ لِلتَّدَاوِي وَحَيْثُ حَرَّمَ أَكْلَهُ فَهُوَ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُنْتَفَعٍ بِهِ فِي التَّدَاوِي ، وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمُ .
بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الرُّقْيَةِ 2055 حَدَّثَنَا بندار ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَقَّارِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ اكْتَوَى أَوْ اسْتَرْقَى فهو بريء مِنْ التَّوَكُّلِ . وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الرُّقْيَةِ ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْقَافِ ، قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : الرُّقْيَةُ : الْعَوْذَةُ الَّتِي يُرْقَى بِهَا صَاحِبُ الْآفَةِ ، كَالْحُمَّى وَالصَّرَعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآفَاتِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَقَّارِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : عَقَّارٌ - بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ وَآخِرُهُ رَاءٌ - ابْنُ الْمُغِيرَةِ بْنُ شُعْبَةَ الثَّقَفِيُّ الْكُوفِيُّ ، صَدُوقٌ مِنَ الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ : ( مَنِ اكْتَوَى أَوِ اسْتَرْقَى فهو بريء مِنَ التَّوَكُّلِ ) لِفِعْلِهِ مَا الْأَوْلَى التَّنَزُّهُ عَنْهُ ، وَهَذَا فِيمَنْ فَعَلَ مُعْتَمِدًا عَلَيْهَا لَا عَلَى اللَّهِ ، قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ) أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِطُولِهِ وَفِيهِ : إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ ، الْحَدِيثُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي صِفَةِ الْقِيَامَةِ بَعْدَ بَابِ صِفَةِ أَوَانِي الْحَوْضِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُ مَرْفُوعًا : يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ ، قِيلَ : يَا رَسُولُ مَنْ هُمْ ؟ قَالَ : هُمُ الَّذِينَ لَا يَتَطَيَّرُونَ ، وَلَا يَكْتَوُونَ ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ، وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ الرُّقْيَةِ ، وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ أُخْرَى ، وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الْآتِي وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الرُّقْيَةِ .
بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ التَّدَاوِي بِالْمُسْكِرِ 2046 حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نَا أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ سِمَاكٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَائِلٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَأَلَهُ سُوَيْدُ بْنُ طَارِقٍ أَوْ طَارِقُ بْنُ سُوَيْدٍ عَنْ الْخَمْرِ فَنَهَاهُ فَقَالَ : إِنَّا لنَتَدَاوَى بِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهَا دَاءٌ حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ ، نَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ ، وَشَبَابَةُ ، عَنْ شُعْبَةَ بِمِثْلِهِ قَالَ مَحْمُودٌ : قَالَ النَّضْرُ : طَارِقُ بْنُ سُوَيْدٍ وَقَالَ شَبَابَةُ : سُوَيْدُ بْنُ طَارِقٍ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ باب ما جاء في كراهية التداوي بالمسكر قَوْلُهُ : ( أَنَّهُ شَهِدَ ) أَيْ حَضَرَ قَالَ فِي الْقَامُوسِ : شَهِدَهُ كَسَمِعَهُ شُهُودًا حَضَرَهُ انْتَهَى ، ( وَسَأَلَهُ سُوَيْدُ بْنُ طَارِقٍ أَوْ طَارِقُ بْنُ سُوَيْدٍ ) قَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : طَارِقُ بْنُ سُوَيْدٍ وَيُقَالُ سُوَيْدُ بْنُ طَارِقٍ الْحَضْرَمِيُّ وَيُقَالُ الْجُعْفِيُّ ، لَهُ صُحْبَةٌ ، حَدِيثُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْكُوفَةِ ، رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَشْرِبَةِ ( عَنِ الْخَمْرِ ) أَيْ عَنْ شُرْبِهَا أَوْ صُنْعِهَا ( فَنَهَاهُ ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَنَهَاهُ أَوْ كَرِهَ أَنْ يَصْنَعَهَا ( فَقَالَ إِنَّا لَنَتَدَاوَى بِهَا ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : إِنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ ( إِنَّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهَا دَاءٌ ) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ : إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشِفَاءٍ وَلَكِنَّهُ دَاءٌ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ فَيَحْرُمُ التَّدَاوِي بِهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ فَكَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُهَا بِلَا سَبَبٍ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا : أَنَّهُ يَحْرُمُ التَّدَاوِي بِهَا وَكَذَا يَحْرُمُ شُرْبُهَا ، وَأَمَّا إِذَا غَصَّ بِلُقْمَةٍ وَلَمْ يَجِدْ مَا يُسِيغُهَا بِهِ إِلَّا خَمْرًا فَيَلْزَمُهُ الْإِسَاغَةُ بِهَا لِأَنَّ حُصُولَ الشِّفَاءِ بِهَا حِينَئِذٍ مَقْطُوعٌ بِهِ بِخِلَافِ التَّدَاوِي انْتَهَى ، وَقَدْ أَبَاحَ التَّدَاوِي بِهَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ بَعْضُهُمْ ، وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِإِبَاحَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للِعُرَيْنَةَ التَّدَاوِي بِأَبْوَالِ الْإِبِلِ وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ ، إِلَّا أَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ مِمَّا يُسْتَشْفَى بِهَا فِي بَعْضِ الْعِلَلِ رَخَّصَ لَهُمْ فِي تَنَاوُلِهَا ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَدْ فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ جَمَعَهُمَا هَذَا الْقَائِلُ ، فَنَصَّ عَلَى أَحَدِهِمَا بِالْحَظْرِ وَعَلَى الْآخَرِ بِالْإِبَاحَةِ وَهُوَ بَوْلُ الْإِبِلِ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ مَا فَرَّقَهُ النَّصُّ غَيْرُ جَائِزٍ ، وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّاسَ كَانُوا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ قَبْلَ تَحْرِيمِهَا وَيُشْفَوْنَ بِهَا وَيَتَّبِعُونَ لَذَّتَهَا ، فَلَمَّا حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ صَعُبَ عَلَيْهِمْ تَرْكُهَا وَالنُّزُوعُ عَنْهَا ، فَغُلِّظَ الْأَمْرُ فِيهَا بِإِيجَابِ الْعُقُوبَةِ عَلَى مُتَنَاوِلِيهَا لِيَرْتَدِعُوا وَلِيَكُفُّوا عَنْ شُرْبِهَا وَحُسِمَ الْبَابُ فِي تَحْرِيمِهَا عَلَى الْوُجُوهِ كُلِّهَا شُرْبًا وَتَدَاوِيًا ، لِئَلَّا يَسْتَبِيحُوهَا بِعِلَّةِ التَّسَاقُمِ وَالتَّمَارُضِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَأْمُونٌ فِي أَبْوَالِ الْإِبِلِ لِانْحِسَامِ الدَّوَاعِي وَلِمَا عَلَى الطِّبَاعِ مِنَ الْمُؤْنَةِ فِي تَنَاوُلِهَا ، وَلِمَا فِي النُّفُوسِ مِنَ اسْتِقْذَارِهَا وَالنُّكْرَةِ لَهَا ، فَقِيَاسُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ لَا يَصِحُّ وَلَا يَسْتَقِيمُ انْتَهَى ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ : الْمُعَالَجَةُ بِالْمُحَرَّمَاتِ قَبِيحَةٌ عَقْلًا وَشَرْعًا ، أَمَّا الشَّرْعُ فَمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، يَعْنِي حَدِيثَ الْبَابِ وَحَدِيثَ أَبِي الدَّرْدَاءِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مَرْفُوعًا : إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً فَتَدَاوَوْا وَلَا تَدَاوَوْا بِالْمُحَرَّمِ ، وَحَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ : إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ، وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنِ الدَّوَاءِ الْخَبِيثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَأَمَّا الْعَقْلُ فَهُوَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا حَرَّمَهُ لِخُبْثِهِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ طَيِّبًا عُقُوبَةً لَهَا كَمَا حَرَّمَهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِقَوْلِهِ : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَإِنَّمَا حَرَّمَ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ مَا حَرَّمَ لِخُبْثِهِ ، وَتَحْرِيمِهِ لَهُمْ حَمْيَةً لَهُمْ وَصِيَانَةً عَنْ تَنَاوُلِهِ ، فَلَا يُنَاسَبُ أَنْ يُطْلَبَ بِهِ الشِّفَاءُ مِنَ الْأَسْقَامِ وَالْعِلَلِ ؛ فَإِنَّهُ وَإِنْ أَثَّرَ فِي إِزَالَتِهَا لَكِنَّهُ يُعْقِبُ سَقَمًا أَعْظَمَ مِنْهُ فِي الْقَلْبِ بِقُوَّةِ الْخُبْثِ الَّذِي فِيهِ ، فَيَكُونُ الْمُدَاوَى بِهِ قَدْ سَعَى فِي إِزَالَةِ سَقَمِ الْبَدَنِ بِسَقَمِ الْقَلْبِ ، وَقَدْ بَسَطَ ابْنُ الْقَيِّمِ الْكَلَامَ هَاهُنَا بَسْطًا حَسَنًا مَنْ شَاءَ الْوُقُوفَ عَلَيْهِ فَلْيُرَاجِعِ الْهَدْيَ . تَنْبِيهٌ : قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي الْعُمْدَةِ : الِاسْتِشْفَاءُ بِالْحَرَامِ جَائِزٌ عِنْدَ التَّيَقُّنِ بِحُصُولِ الشِّفَاءِ ، كَتَنَاوُلِ الْمَيْتَةِ فِي الْمَخْمَصَةِ ، وَالْخَمْرِ عِنْدَ الْعَطَشِ وَإِسَاغَةِ اللُّقْمَةِ ، وَإِنَّمَا لَا يُبَاحُ مَا لَا يُسْتَيْقَنُ حُصُولُ الشِّفَاءِ بِهِ ، وَقَالَ : إِذَا فَرَضْنَا أَنَّ أَحَدًا عَرَفَ مَرَضَ شَخْصٍ بِقُوَّةِ الْعِلْمِ ، وَعَرَفَ أَنَّهُ لَا يُزِيلُهُ إِلَّا تَنَاوُلُ الْمُحَرَّمِ ، يُبَاحُ لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ كَمَا يُبَاحُ شُرْبُ الْخَمْرِ عِنْدَ الْعَطَشِ الشَّدِيدِ ، تَنَاوُلُ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ . قُلْتُ : دَفْعُ الْعَطَشِ وَانْحِدَارُ اللُّقْمَةِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ مُتَيَقَّنٌ ، وَأَمَّا حُصُولُ الشِّفَاءِ بِالتَّدَاوِي وَلَوْ بِالْحَلَالِ فَلَيْسَ بِمُتَيَقَّنٍ ، فَقِيَاسُ التَّدَاوِي بِالْحَرَامِ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ عِنْدَ الْعَطَشِ الشَّدِيدِ وَانْحِدَارِ اللُّقْمَةِ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ ، قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ الْعَابِدِينَ فِي رَدِّ الْمُحْتَارِ مَا مُحَصَّلُهُ : إِنَّ إِسَاغَةَ اللُّقْمَةِ بِالْخَمْرِ وَدَفْعَ الْعَطَشِ بِهِ مُتَحَقَّقُ النَّفْعِ ، وَلِذَلِكَ مَنْ لَمْ يُسِغِ اللُّقْمَةَ وَلَمْ يَدْفَعِ الْعَطَشَ عِنْدَ وُجُودِ الْخَمْرِ وَمَاتَ يَأْثَمُ بِخِلَافِ التَّدَاوِي ، وَإِنْ كَانَ بِالْحَلَالِ ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُتَحَقَّقِ النَّفْعِ بَلْ مَظْنُونُ النَّفْعِ ، وَلِذَلِكَ مَنْ تَرَكَ التَّدَاوِي وَمَاتَ لَا يَأْثَمُ ، انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَةِ الْأَحْوَذِيِّ : فَإِنْ قِيلَ التَّدَاوِي حَالُ ضَرُورَةٍ ، وَالضَّرُورَةُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَ ، فَالتَّدَاوِي بِالْحَرَامِ مُبَاحٌ ، قُلْنَا : التَّدَاوِي لَيْسَ حَالَ ضَرُورَةٍ ، وَإِنَّمَا الضَّرُورَةُ مَا يُخَافُ مَعَهُ الْمَوْتُ مِنَ الْجُوعِ ، فَأَمَّا التَّطَبُّبُ فِي أَصْلِهِ فَلَا يَجِبُ ، فَكَيْفَ يُبَاحُ فِيهِ الْحَرَامُ ، انْتَهَى مُحَصَّلًا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
2057 حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ . وَرَوَى شُعْبَةُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ بُرَيْدَةَ قَوْلُهُ : ( لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَّةٍ ) لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الرُّقْيَةُ مِنْ غَيْرِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ الرُّقْيَةُ مِنْ غَيْرِهِمَا ، إِنَّمَا مَعْنَاهُ لَا رُقْيَةَ أَوْلَى وَأَنْفَعَ مِنْهُمَا ، وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ . قَوْلُهُ : ( وَرَوَى شُعْبَةُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ بُرَيْدَةَ ) ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ عَنْ بُرَيْدَةَ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي بَابِ مَنِ اكْتَوَى : حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَّةٍ فَذَكَرْتُهُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، فَقَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ الْحَدِيثُ ، قَالَ الْحَافِظُ : قَوْلُهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَّةٍ ، كَذَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ حُصَيْنٍ مَوْقُوفًا ، وَوَافَقَهُ هُشَيْمٌ ، وَشُعْبَةُ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَلَى وَقْفِهِ ، وَرِوَايَةُ هُشَيْمٍ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَمُسْلِمٍ ، وَرِوَايَةُ شُعْبَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ تَعْلِيقًا ، وَوَصَلَهَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَلَكِنْ قَالَا : عَنْ بُرَيْدَةَ بَدَلَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَخَالَفَ الْجَمِيعَ مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ ، عَنْ حُصَيْنٍ فَرَوَاهُ مَرْفُوعًا ، وَقَالَ : عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : عَنْ حُصَيْنٍ ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَكَذَا قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ : عَنْ حُصَيْنٍ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، انْتَهَى . وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الرُّقْيَةِ فَهِيَ مُخَالِفَةٌ لِأَحَادِيثِ النَّهْيِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْأَثِيرِ ، الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الرُّقَى يُكْرَهُ مِنْهَا مَا كَانَ بِغَيْرِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ ، وَبِغَيْرِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَكَلَامِهِ فِي كُتُبِهِ الْمُنَزَّلَةِ ، وَأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ الرُّقْيَا نَافِعَةٌ لَا مَحَالَةَ ، فَيَتَّكِلَ عَلَيْهَا ، وَإِيَّاهَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ : مَا تَوَكَّلَ مَنِ اسْتَرْقَى ، وَلَا يُكْرَهُ مِنْهَا مَا كَانَ فِي خِلَافِ ذَلِكَ كَالتَّعَوُّذِ بِالْقُرْآنِ وَأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَالرُّقَى الْمَرْوِيَّةِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ لِلَّذِي رَقَى بِالْقُرْآنِ وَأَخَذَ عَلَيْهِ أَجْرًا : مَنْ أَخَذَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ فَقَدْ أَخَذْتُ بِرُقْيَةِ حَقٍّ ، وَكَقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ : إِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، قَالَ : اعْرِضُوهَا عَلَيَّ فَعَرَضْنَاهَا فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهَا ، إِنَّمَا هِيَ مَوَاثِيقُ ، كَأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَقَعَ فِيهَا شَيْءٌ مِمَّا كَانُوا يَتَلَفَّظُونَ بِهِ وَيَعْتَقِدُونَهُ مِنَ الشِّرْكِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَمَا كَانَ بِغَيْرِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ مِمَّا لَا يُعْرَفُ لَهُ تَرْجَمَةٌ ، وَلَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَّةٍ فَمَعْنَاهُ لَا رُقْيَةَ أَوْلَى وَأَنْفَعَ ، وَهَذَا كَمَا قِيلَ : لَا فَتَى إِلَّا عَلِيٌّ ، وَقَدْ أَمَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالرُّقْيَةِ ، وَسَمِعَ بِجَمَاعَةٍ يَرْقُونَ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ . وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ فِي صِفَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ الَّذِينَ يَدْخُلُونَهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ، فَهَذِهِ مِنْ صِفَةِ الْأَوْلِيَاءِ الْمُعْرِضِينَ عَنْ أَسْبَابِ الدُّنْيَا الَّذِينَ لَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ عَلَائِقِهَا ، وَتِلْكَ دَرَجَةُ الْخَوَاصِّ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ ، فَأَمَّا الْعَوَامُّ فَمُرَخَّصٌ لَهُمْ فِي التَّدَاوِي وَالْمُعَالَجَاتِ ، وَمَنْ صَبَرَ عَلَى الْبَلَاءِ وَانْتَظَرَ الْفَرَجَ مِنَ اللَّهِ بِالدُّعَاءِ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْخَوَاصِّ ، وَمَنْ لَمْ يَصْبِرْ رُخِّصَ لَهُ فِي الرُّقْيَةِ وَالْعِلَاجِ وَالدَّوَاءِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الصِّدِّيقَ لَمَّا تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ عِلْمًا مِنْهُ بِيَقِينِهِ وَصَبْرِهِ ، وَلَمَّا أَتَاهُ الرَّجُلُ بِمِثْلِ بَيْضَةِ الْحَمَامِ مِنَ الذَّهَبِ ، وَقَالَ : لَا أَمْلِكُ غَيْرَهُ ضَرَبَهُ بِهِ بِحَيْثُ لَوْ أَصَابَهُ لَعَقَرَهُ ، وَقَالَ فِيهِ مَا قَالَ ، انْتَهَى مَا قَالَهُ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ 2056 حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيُّ ، نا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ أَنَس ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِي الرُّقْيَةِ مِنْ الْحُمَةِ وَالْعَيْنِ وَالنَّمْلَةِ . بَاب مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ : ( رَخَّصَ فِي الرُّقْيَةِ مِنَ الْحُمَّةِ ) قَالَ الْجَزَرِيُّ : الْحُمَّةُ بِالتَّخْفِيفِ : السُّمُّ ، وَقَدْ يُشَدَّدُ ؛ وَأَنْكَرَهُ الْأَزْهَرِيُّ ، وَيُطْلَقُ عَلَى إِبْرَةِ الْعَقْرَبِ لِلْمُجَاوَرَةِ ; لِأَنَّ السُّمَّ مِنْهَا يَخْرُجُ ، وَأَصْلُهَا : حَمْوٌ أَوْ حُمَى بِوَزْنِ صُرَدٍ ، وَالْهَاءُ فِيهَا عِوَضٌ مِنَ الْوَاوِ الْمَحْذُوفَةِ أَوِ الْيَاءِ ، انْتَهَى . ( وَالْعَيْنِ ) أَيْ : وَمِنْ إِصَابَةِ عَيْنِ الْجِنِّ أَوِ الْإِنْسِ ( وَالنَّمْلَةِ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْمِيمِ ، قَالَ الْجَزَرِيُّ : النَّمْلَةُ : قُرُوحٌ تَخْرُجُ فِي الْجَنْبِ ، انْتَهَى . قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ : الرُّخْصَةُ إِنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ النَّهْيِ ، وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَى عَنِ الرُّقَى ؛ لِمَا عَسَى أَنْ يَكُونَ فِيهَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الرُّقَى ، فَرَخَّصَ لَهُمْ فِيهَا إِذَا عَرِيَتْ عَنِ الْأَلْفَاظِ الْجَاهِلِيَّةِ ، انْتَهَى . وَحَدِيثُ أَنَسٍ هَذَا أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
2056 حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ قَالَا : ثنا سُفْيَانُ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِي الرُّقْيَةِ مِنْ الْحُمَةِ وَالنَّمْلَةِ . وَهَذَا عِنْدِي أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ سُفْيَانَ . وَفِي الْبَاب عَنْ بُرَيْدَةَ ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَجَابِرٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَطَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، وَأَبِي خُزَامَةَ عَنْ أَبِيهِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ) الْأَنْصَارِيِّ مَوْلَاهُمْ ، كُنْيَتُهُ أَبُو الْوَلِيد الْبَصْرِيُّ ، ثِقَةٌ مِنَ الْخَامِسَةِ ، قَالَهُ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ : رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِمَا ، وَعَنْهُ عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ وَغَيْرُهُ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَهَذَا ) أَيْ حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ آدَمَ ، وَأَبِي نُعَيْمٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ أَنَسٍ ( أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ) أَيْ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ إِلَخْ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ بُرَيْدَةَ ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَجَابِرٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَطَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، وَأَبِي خُزَامَةَ عَنْ أَبِيهِ ) أَمَّا حَدِيثُ بُرَيْدَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ : لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَّةٍ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ هَذَا ، وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْهُ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الرُّقَى ، فَجَاءَ آلُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّهُ كَانَتْ عِنْدَنَا رُقْيَةٌ نَرْقِي بِهَا مِنَ الْعَقْرَبِ ، وَأَنْتَ نَهَيْتَ عَنِ الرُّقَى ، فَعَرَضُوهَا عَلَيْهِ ، فَقَالَ : مَا أَرَى بِهَا بَأْسًا ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْهَا قَالَتْ : أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُسْتَرْقَى مِنَ الْعَيْنِ ، وَلَهَا حَدِيثٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ أَيْضًا قَالَتْ : رَخَّصَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرُّقْيَة مِنْ كُلِّ ذِي حُمَّةٍ ، وَأَمَّا حَدِيثُ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ فَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَدَغَتْنِي عَقْرَبٌ ، فَجَعَلَ يَمْسَحُهَا وَيَرْقِيهِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ قَالَ : عَرَضْتُ - أَوْ أَعْرَضْتُ - النَّهْشَةَ مِنَ الْحَيَّةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ بِهَا ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي خُزَامَةَ عَنْ أَبِيهِ ، فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ : لَا تَرُدُّ الرُّقَى وَالدَّوَاءُ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا .
باب 2087 حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، ثنا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ السَّكُّوليُّ ، عَنْ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ فَنَفِّسُوا لَهُ فِي أَجَلِهِ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ شَيْئًا ، وَيُطَيِّبُ نَفْسَهُ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ . باب قَوْلُهُ : ( عَنْ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ) بْنِ الْحَارِثِ التَّمِيمِيِّ الْمَدَنِيِّ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ مِنَ السَّادِسَةِ . قَوْلُهُ : ( إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ ) أَيْ : لِعِيَادَتِهِ ( فَنَفِّسُوا لَهُ فِي أَجَلِهِ ) أَيْ : أَذْهِبُوا لِحُزْنِهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَجَلِهِ ، بِأَنْ تَقُولُوا : لَا بَأْسَ طَهُورٌ ، أَوْ يُطَوِّلُ اللَّهُ عُمُرَكَ ، وَيَشْفِيكَ وَيُعَافِيكَ ، أَوْ وَسِّعُوا لَهُ فِي أَجَلِهِ فَينفَّسُ عَنْهُ الْكَرْبُ ، وَالتَّنْفِيسُ : التَّفْرِيجُ ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ : طَمِّعُوهُ فِي طُولِ عُمُرِهِ وَاللَّامُ لِلتَّأْكِيدِ ، وَقَالَ فِي اللُّمَعَاتِ : التَّنْفِيسُ : التَّفْرِيجُ أَيْ فَرِّجُوا لَهُ ، وَأَذْهِبُوا كَرْبَهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَجَلِهِ بِأَنْ تَدْعُوا لَهُ بِطُولِ الْعُمُرِ وَذَهَابِ الْمَرَضِ ، وَأَنْ تَقُولُوا : لَا بَأْسَ ، وَلَا تَخَفْ سَيَشْفِيكَ اللَّهُ ، وَلَيْسَ مَرَضُكَ صَعْبًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ شَيْئًا مِنَ الْمَوْتِ الْمُقَدَّرِ وَلَا يُطَوِّلُ عُمُرَهُ لَكِنْ يُطَيِّبُ نَفْسَهُ وَيُفَرِّجُهُ ، وَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِانْتِعَاشِ طَبِيعَتِهِ وَتَقْوِيَتِهَا وَيُضْعِفُ الْمَرَضَ ، انْتَهَى . ( فَإِنَّ ذَلِكَ ) أَيْ تَنْفِيسَكُمْ لَهُ ( لَا يَرُدُّ شَيْئًا ) أَيْ مِنَ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ ( وَيُطَيِّبُ ) بِالتَّشْدِيدِ ( نَفْسَهُ ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ ، يَعْنِي لَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ بِتَنْفِيسِكُمْ لَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ التَّنْفِيسَ لَا أَثَرَ لَهُ إِلَّا فِي تَطْيِيبِ نَفْسِهِ فَلَا يَضُرُّكُمْ ذَلِكَ ، وَمِنْ ثَمَّ عَدُّوا مِنْ آدَابِ الْعِيَادَةِ تَشْجِيعَ الْعَلِيلِ بِلَطِيفِ الْمَقَالِ وَحُسْنِ الْحَالِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَفِي سَنَدِهِ مُوسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ كَمَا عَرَفْتَ .
بَاب التَّدَاوِي بِالرَّمَادِ 2085 حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، ثنا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ : سُئِلَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ - وَأَنَا أَسْمَعُ - : بِأَيِّ شَيْءٍ دُووِيَ جَرْحُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ : مَا بَقِيَ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي ، كَانَ عَلِيٌّ يَأْتِي بِالْمَاءِ فِي تُرْسِهِ ، وَفَاطِمَةُ تَغْسِلُ عَنْهُ الدَّمَ ، وَأُحْرِقَ لَهُ حَصِيرٌ فحشي بِهِ جُرْحَهُ . قال أبو عيسى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . ( بَابُ التَّدَاوِي بِالرَّمَادِ ) سَقَطَ هَذَا الْبَابُ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي حَازِمٍ ) اسْمُهُ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ . قَوْلُهُ : ( دُووِيَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْمُدَاوَاةِ ( فَحُشِيَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنْ بَابِ نَصَرَ ( بِهِ جُرْحُهُ ) أَيْ أُدْخِلَ فِي جُرْحِهِ ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ هَكَذَا مُخْتَصَرًا ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ وَهُوَ يُسْأَلُ عَنْ جُرْحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْرِفُ مَنْ كَانَ يَغْسِلُ جُرْحَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَنْ كَانَ يَسْكُبُ الْمَاءَ وَبِمَا دُووِيَ ، قَالَ : كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَغْسِلُهُ ، وَعَلِيٌّ يَسْكُبُ الْمَاءَ بِالْمِجَنِّ ، فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَزِيدُ الدَّمَ إِلَّا كَثْرَةً أَخَذَتْ قِطْعَةً مِنْ حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهَا ، فَأَلْصَقَتْهَا فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ ، وَكُسِرَتْ رُبَاعِيَّتُهُ يَوْمَئِذٍ ، وَجُرِحَ وَجْهُهُ ، وَكُسِرَتِ الْبَيْضَةُ عَلَى رَأْسِهِ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : قَدْ زَعَمَ أَهْلُ الطِّبِّ أَنَّ الْحَصِيرَ كُلَّهَا إِذَا أُحْرِقَتْ تُبْطِلُ زِيَادَةَ الدَّمِ ، بَلِ الرَّمَادُ كُلُّهُ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الرَّمَادَ مِنْ شَأْنِهِ الْقَبْضُ ، وَلِهَذَا تَرْجَمَ التِّرْمِذِيُّ لِهَذَا الْحَدِيثِ التَّدَاوِي بِالرَّمَادِ . وَقَالَ الْمُهَلَّبُ : فِيهِ أَنَّ قَطْعَ الدَّمِ بِالرَّمَادِ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ ، لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ الْحَصِيرُ مِنْ دِيسِ السَّعْدِ فَهِيَ مَعْلُومَةٌ بِالْقَبْضِ وَطِيبِ الرَّائِحَةِ ، فَالْقَبْضُ يسَدّ أَفْوَاهِ الْجُرْحِ ، وَطِيبُ الرَّائِحَةِ يَذْهَبُ بِزَهْمِ الدَّمِ ، وَأَمَّا غَسْلُ الدَّمِ أَوَّلًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إِذَا كَانَ الْجُرْحُ غَيْرَ غَائِرٍ ، أَمَّا لَوْ كَانَ غَائِرًا فَلَا يُؤْمَنُ مَعَهُ ضَرَرُ الْمَاءِ إِذَا صُبَّ فِيهِ ، وَقَالَ الْمُوَفَّقُ عَبْدُ اللَّطِيفِ : الرَّمَادُ فِيهِ تَجْفِيفٌ ، وَقِلَّةُ لَذْعٍ ، وَالْمُجَفِّفُ إِذَا كَانَ فِيهِ قُوَّةُ لَذْعٍ رُبَّمَا هَيَّجَ الدَّمَ وَجَلَبَ الْوَرَمَ ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ : أَحْرَقَتْ لَهُ حِينَ لَمْ يُرْقَأْ قِطْعَةَ حَصِيرٍ خَلِقٍ ، فَوَضَعَتْ رَمَادَهُ عَلَيْهِ فَرُقِئَ الْكَلْمُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا .
باب 2084 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَشْقَرُ المرابطِيُّ ، ثنا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، ثنا مَرْزُوقٌ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّامِيُّ ، ثنا سَعِيدٌ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ ، ثنا ثَوْبَانُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمْ الْحُمَّى فَإِنَّ الْحُمَّى قِطْعَةٌ مِنْ النَّارِ فَلْيُطْفِهَا عَنْهُ بِالْمَاءِ ، فَلْيَسْتَنْقِعْ في نهر جَار فليَسْتَقْبِلَ جِرْيَتَهُ ، فَيَقُولُ : بِسْمِ اللَّهِ ، اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ ، وَصَدِّقْ رَسُولَكَ ، بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وليغمس فِيهِ ثَلَاثَ غَمَسَاتٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي ثَلَاثٍ فَخَمْسٍ ، فإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي خَمْسٍ فَسَبْعٌ ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي سَبْعٍ فَتِسْعٍ ، فَإِنَّهَا لَا تَكَادُ تُجَاوِزُ تِسْعًا بِإِذْنِ اللَّهِ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ . باب قَوْلُهُ : ( ثنا مَرْزُوقٌ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّامِيُّ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : مَرْزُوقٌ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحِمْصِيُّ نَزَلَ الْبَصْرَةَ لَا بَأْسَ بِهِ مِنَ السَّادِسَةِ ( ثنا سَعِيدٌ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : سَعِيدُ بْنُ زُرْعَةَ الْحِمْصِيُّ الْجَرَّارُ بِالْجِيمِ وَمُهْمَلَتَيْنِ ، الْخَزَّافُ بِمُعْجَمَةٍ وَزَايٍ مَسْتُورٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ، انْتَهَى . وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ : رَوَى عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَنْهُ مَرْزُوقٌ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّامِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ هَمَّامٍ ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : مَجْهُولٌ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ، لَهُ فِي التِّرْمِذِيِّ حَدِيثٌ وَاحِدٌ فِي اسْتِقْبَالِ الْجِرْيَةِ لِلْحُمَّى ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمُ الْحُمَّى ) أَيْ أَخَذَتْهُ ( فَإِنَّ الْحُمَّى قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ ) أَيْ لِشِدَّةِ مَا يَلْقَى الْمَرِيضُ فِيهَا مِنَ الْحَرَارَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ : جَوَابُ إِذَا : فَلْيَعْلَمْ أَنَّهَا كَذَلِكَ ( فَلْيُطْفِهَا ) كَذَا فِي النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ ، وَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ فَلْيُطْفِئْهَا بِإِثْبَاتِ الْهَمْزَةِ ، وَكَذَلِكَ فِي الْمِشْكَاةِ ، وَكَذَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ ( عَنْهُ بِالْمَاءِ ) أَيِ الْبَارِدِ ، قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ فَلْيُطْفِئْهَا ، وَقَوْلُهُ : فَإِنَّ الْحُمَّى مُعْتَرِضَةٌ ( فَلْيَسْتَنْقِعْ فِي نَهْرٍ جَارٍ ) بَيَانٌ لِلْإِطْفَاءِ ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : اسْتَنْقَعَ فِي الْغَدِيرِ نَزَلَ وَاغْتَسَلَ ، كَأَنَّهُ ثَبَتَ فِيهِ لِيَتَبَرَّدَ ، انْتَهَى . ( فَلْيَسْتَقْبِلْ جِرْيَتَهُ ) بِكَسْرِ الْجِيمِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : يُقَالُ : مَا أَشَدَّ جِرْيَةِ هَذَا الْمَاءِ بِالْكَسْرِ ( فَيَقُولُ ) أَيْ حَالَ الِاسْتِقْبَالِ ( وَصَدَقَ رَسُولُكَ ) أَيِ : اجْعَلْ قَوْلَهُ هَذَا صَادِقًا بِأَنْ تَشْفِيَنِي ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ( بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ ) ظَرْفٌ لِيَسْتَنْقِعَ ، وَكَذَا قَوْلُهُ ( قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلْيَغْمِسْ ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ ( فِيهِ ) أَيْ : فِي النَّهْرِ أَوْ فِي مَائِهِ ( ثَلَاثَ غَمَسَاتٍ ) بِفَتْحَتَيْنِ ( ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ) قَالَ الطِّيبِيُّ : قَوْلُهُ : وَلْيَغْمِسْ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ : فَلْيَسْتَنْقِعْ جِيءَ بِهِ لِتَعَلُّقِ الْمَرَّاتِ ( فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ ( فِي ثَلَاثٍ ) أَيْ ثَلَاثِ غَمَسَاتٍ ، أَوْ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ( فَخَمْسٌ ) بِالرَّفْعِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ فَالْأَيَّامُ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَنْغَمِسَ فِيهَا خَمْسٌ ، أَوْ فَالْمَرَّاتُ ، انْتَهَى . ( فَسَبْعٌ ) بِالرَّفْعِ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا ( فَتِسْعٌ ) كَذَلِكَ ( فَإِنَّهَا ) أَيِ الْحُمَّى ( لَا تَكَادُ ) أَيْ تَقْرُبُ ( تُجَاوِزُ تِسْعًا ) أَيْ بَعْدَ هَذَا الْعَمَلِ ( بِإِذْنِ اللَّهِ ) أَيْ إِرَادَتِهِ أَوْ بِأَمْرِهِ لَهَا بِالذَّهَابِ وَعَدَمِ الْعَوْدِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِعِلَاجِ الْحُمَّى بِالْمَاءِ الْبَارِدِ فِي بَابِ تَبْرِيدِ الْحُمَّى بِالْمَاءِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا ، وَابْنُ السُّنِّيِّ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ ، كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الرُّقْيَةِ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ 2058 حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُونُسَ الْكُوفِيُّ ، نا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ الْمُزَنِيُّ ، عَنْ الْجَرِيرِيِّ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَوَّذُ مِنْ الْجَانِّ وَعَيْنِ الْإِنْسَانِ حَتَّى نَزَلَتْ الْمُعَوِّذَتَانِ ، فَلَمَّا نَزَلَتَا أَخَذَ بِهِمَا وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا . وَفِي الْبَاب عَنْ أَنَسٍ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ . بَاب مَا جَاءَ فِي الرُّقْيَةِ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ قَوْلُهُ : ( يَتَعَوَّذُ مِنَ الْجَانِّ وَعَيْنِ الْإِنْسَانِ ) أَيْ يَقُولُ : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْجَانِّ وَعَيْنِ الْإِنْسَانِ ( حَتَّى نَزَلَتِ الْمُعَوِّذَتَانِ ) أَيْ : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وَ : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ( أَخَذَ بِهِمَا وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا ) مِمَّا كَانَ يَتَعَوَّذُ بِهِ مِنَ الْكَلَامِ غَيْرِ الْقُرْآنِ ؛ لِمَا تَضَمَّنَتَاهُ مِنَ الِاسْتِعَاذَةِ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ ) لِيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَالضِّيَاءُ .
باب 2083 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، ثنا شُعْبَةُ ، عَنْ يَزِيدَ أبي خَالِدٍ قَال : سَمِعْتُ الْمِنْهَالَ بْنَ عَمْرٍو يُحَدِّثُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَعُودُ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ ، فَيَقُولُ سَبْعَ مَرَّاتٍ : أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ إِلَّا عُوفِيَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو . باب قَوْلُهُ : ( عَنْ يَزِيدَ أَبِي خَالِدٍ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : أَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ الْأَسَدِيُّ الْكُوفِيُّ ، اسْمُهُ : يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، صَدُوقٌ يُخْطِئُ كَثِيرًا ، وَكَانَ يُدَلِّسُ مِنَ السَّابِعَةِ ، انْتَهَى وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ : رَوَى عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو وَغَيْرِهِ ، وَعَنْهُ شُعْبَةُ وَغَيْرُهُ ، وَوَقَعَ فِي النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ : يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ ، وَهُوَ غَلَطٌ ( سَمِعْتُ الْمِنْهَالَ بْنَ عَمْرٍو ) الْأَسَدِيَّ مَوْلَاهُمُ الْكُوفِيُّ ، صَدُوقٌ ، رُبَّمَا وَهِمَ مِنَ الْخَامِسَةِ . قَوْلُهُ : ( مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ ) مَا لِلنَّفْيِ وَ مِنْ زَائِدَةٌ ( يَعُودُ مَرِيضًا ) وَفِي الْمِشْكَاةِ : مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا أَيْ : يَزُورُهُ فِي مَرَضِهِ ( لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ ) صِفَةُ مَرِيضٍ ( فَيَقُولُ ) أَيِ : الْعَائِدُ ( أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ ) أَيْ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ ( أَنْ يَشْفِيَكَ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مَفْعُولٌ ثَانٍ ( إِلَّا عُوفِيَ ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : إِلَّا عَافَاهُ الله مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ ، وَالْحَصْرُ غَالِبِيٌّ ، أَوْ مَبْنِيٌّ عَلَى شُرُوطٍ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِهَا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ .
2060 حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَيَعْلَى ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ ، وَالْحُسَيْنَ ، يَقُولُ : أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ ، وَيَقُولُ : هَكَذَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يُعَوِّذُ إِسْحَاقَ وَإِسْمَاعِيلَ . حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ ، نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( يَقُولُ : أُعِيذُكُمَا ) هَذَا بَيَانٌ وَتَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ : يُعَوِّذُ ( بِكَلِمَاتِ اللَّهِ ) قِيلَ : هِيَ الْقُرْآنُ ، وَقِيلَ : أَسْمَاؤُهُ وَصِفَاتُهُ . ( التَّامَّةِ ) قَالَ الْجَزَرِيُّ : إِنَّمَا وَصَفَ كَلَامَ بِالتَّمَامِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي شَيْءٍ مِنْ كَلَامِهِ نَقْصٌ أَوْ عَيْبٌ ، كَمَا يَكُونُ فِي كَلَامِ النَّاسِ ، وَقِيلَ : مَعْنَى التَّمَامِ هَاهُنَا أَنَّهَا تَنْفَعُ الْمُتَعَوِّذَ بِهَا وَتَحْفَظُهُ مِنَ الْآفَاتِ وَتَكْفِيهِ ، انْتَهَى . ( مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ ) الْهَامَّةُ : كُلُّ ذَاتِ سُمٍّ يَقْتُلُ ، وَالْجَمْعُ : الْهَوَامُّ ، فَأَمَّا مَا يَسُمُّ وَلَا يَقْتُلُ فَهُوَ : السَّامَّةُ ؛ كَالْعَقْرَبِ وَالزُّنْبُورِ ، وَقَدْ يَقَعُ الْهَوَامُّ عَلَى مَا يَدِبُّ مِنَ الْحَيَوَانِ وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ كَالْحَشَرَاتِ ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ . ( وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ ) أَيْ : مِنْ عَيْنٍ تُصِيبُ بِسُوءٍ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : اللَّمَمُ : طَرَفٌ مِنَ الْجُنُونِ يُلِمُّ بِالْإِنْسَانِ ، أَيْ : يَقْرُبُ مِنْهُ وَيَعْتَرِيهِ ، وَمِنْهُ حَدِيثُ الدُّعَاءِ : أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ شَرِّ كُلِّ سَامَّةٍ ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ ، أَيْ ذَاتِ لَمَمٍ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ مُلِمَّةٍ ، وَأَصْلُهَا مِنْ أَلْمَمْتُ بِالشَّيْءِ ؛ لِيُزَاوِجَ قَوْلَهُ : مِنْ شَرِّ كُلِّ سَامَّةٍ انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الرُّقْيَةِ مِنْ الْعَيْنِ 2059 حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عُرْوَةَ - وَهُوَ ابْنُ عَامِرٍ - عَنْ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ الزُّرَقِيِّ ، أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ وَلَدَ جَعْفَرٍ تُسْرِعُ إِلَيْهِمْ الْعَيْنُ ، أَفَأَسْتَرْقِي لَهُمْ ؟ قال : نَعَمْ ؛ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ . وَفِي الْبَاب عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَبُرَيْدَةَ ، هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَامِرٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ بِهَذَا . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي الرُّقْيَةِ مِنَ الْعَيْنِ ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ : يُقَالُ : أَصَابَتْ فُلَانًا عَيْنٌ : إِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ عَدُوٌّ أَوْ حَسُودٌ ، فَأَثَّرَتْ فِيهِ فَمَرِضَ بِسَبَبِهَا ، يُقَالُ : عَانَهُ يَعِينُهُ عَيْنًا فَهُوَ عَائِنٌ إِذَا أَصَابَهُ بِالْعَيْنِ ، وَالْمُصَابُ مَعِينٌ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( عَنْ عُرْوَةَ وَهُوَ ابْنِ عَامِرٍ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : عُرْوَةُ بْنُ عَامِرٍ الْمَكِّيُّ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ ، لَهُ حَدِيثٌ فِي الطِّيرَةِ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي ثِقَاتِ التَّابِعِينَ ، ( عَنْ عبيد بْنِ رِفَاعَةَ الزُّرَقِيِّ ) وَيُقَالُ فِيهِ عُبَيْدُ اللَّهِ ، وُلِدَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ ) بِالتَّصْغِيرِ ( إِنَّ وَلَدَ جَعْفَرٍ ) قَالَ الْقَارِي : بِضَمِّ وَاوٍ فَسُكُونِ لَامٍ ، وَفِي نُسْخَةٍ يَعْنِي مِنَ الْمِشْكَاةِ بِفَتْحِهِمَا ، أَيْ : أَوْلَادَ جَعْفَرٍ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا ( تُسْرِعُ ) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَيُفْتَحُ ، أَيْ : تَعْجَلُ ( إِلَيْهِمُ الْعَيْنُ ) أَيْ تُؤَثِّرُ فِيهِمْ سَرِيعًا لِكَمَالِ حُسْنِهِمِ الصُّورِيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ ، وَالْعَيْنُ نَظَرٌ بِاسْتِحْسَانٍ مَشُوبٍ بِحَسَدٍ مِنْ خَبِيثِ الطَّبْعِ يَحْصُلُ لِلْمَنْظُورِ مِنْهُ ضَرَرٌ ، قَالَهُ الْحَافِظُ . ( أَفَأَسْتَرْقِي لَهُمْ ) أَيْ : أَطْلُبُ الرُّقْيَةَ أَوْ مَنْ يَرْقِي لَهُمْ ( فَإِنَّهُ ) تَعْلِيلٌ لِلْجَوَابِ ، وَمَعْنَاهُ نَعَمْ اسْتَرْقِي عَنِ الْعَيْنِ ؛ فَإِنَّهَا أَوْلَى وَأَحْرَى بِأَنْ تَسْتَرْقِيَ ( لَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقُ الْقَدَرِ ) أَيْ غَالِبُهُ فِي السَّبْقِ ( لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ ) أَيْ : لَغَلبَّتْهُ الْعَيْنُ ، قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله : الْمَعْنَى إِنْ فُرِضَ شَيْءٌ لَهُ قُوَّةٌ وَتَأْثِيرٌ عَظِيمٌ سَبَقَ الْقَدْرَ لَكَانَ عَيْنًا ، وَالْعَيْنُ لَا يُسْبَقُ فَكَيْفَ بِغَيْرِهَا ؟ انْتَهَى . وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْعَيْنَ يَفْسُدُ وَيَهْلَكُ عِنْدَ نَظَرِ الْعَائِنِ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى أَجْرَى الْعَادَةَ أَنْ يَخْلُقَ الضَّرَرَ عِنْدَ مُقَابَلَةِ هَذَا الشَّخْصِ لِشَخْصٍ آخَرَ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ إِلَخْ ) أَمَّا حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ الرُّخْصَةِ فِي الرُّقْيَةِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ بُرَيْدَةَ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالطَّحَاوِيُّ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الْعَسَلِ 2082 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، ثنا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ أَخِي اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ ، فَقَالَ : اسْقِهِ عَسَلًا ، فَسَقَاهُ ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ سَقَيْتُهُ عَسَلًا فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا ، قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اسْقِهِ عَسَلًا ، قال : فَسَقَاهُ ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إني قَدْ سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا ، قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَدَقَ اللَّهُ ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ ، اسْقِهِ عَسَلًا ، فَسَقَاهُ فَبَرَأَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . باب ما جاء في العسل قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ ) اسْمُهُ عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ النَّاجِيُّ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ أَخِي اسْتُطْلِقَ بَطْنُهُ ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُونِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ بَعْدَهَا قَافٌ ، أَيْ : كَثُرَ خُرُوجُ مَا فِيهِ ، يُرِيدُ الْإِسْهَالَ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : إِنَّ أَخِي عَرِبَ بَطْنُهُ وَهِيَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ : أَيْ : فَسَدَ هَضْمُهُ لِاعْتِلَالِ الْمَعِدَةِ ، وَمِثْلُهُ : ذَرِبَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ بَدَلَ الْعَيْنِ وَزْنًا وَمَعْنًى . ( فَقَالَ اسْقِهِ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ ( عَسَلًا ) ظَاهِرُهُ الْأَمْرُ بِسَقْيِهِ صِرْفًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَمْزُوجًا ( صَدَقَ اللَّهُ ) أَيْ فِيمَا قَالَ : فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ كَذَا قِيلَ ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : أَيْ كَوْنَ شِفَاءَ ذَلِكَ الْبَطْنِ فِي شُرْبِهِ الْعَسَلَ قَدْ أوْحَي إِلَيَّ وَاللَّهُ تَعَالَى صَادِقٌ فِيهِ ، وَهَذَا التَّوْجِيهُ أَوْلَى مِمَّا قِيلَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ لِأَنَّ الْآيَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ ، قَالَ الْقَارِي : ظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ وَإِثْبَاتُ الْوَحْيِ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ . ( وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ : أَهْلُ الْحِجَازِ يُطْلِقُونَ الْكَذِبَ فِي مَوْضِعِ الْخَطَأِ ، يُقَالُ : كَذَبَ سَمْعُكَ ، أَيْ : زَلَّ فَلَمْ يُدْرِكْ حَقِيقَةَ مَا قِيلَ لَهُ ، فَمَعْنَى كَذَبَ بَطْنُهُ ، أَيْ : لَمْ يَصْلُحْ لِقَبُولِ الشِّفَاءِ بَلْ زَلَّ عَنْهُ . وَقَدِ اعْتَرَضَ بَعْضُ الْمَلَاحِدَةِ فَقَالَ : الْعَسَلُ مُسَهِّلٌ فَكَيْفَ يُوصَفُ لِمَنْ وَقَعَ بِهِ الْإِسْهَالُ ؟ وَالْجَوَابُ : أَنَّ ذَلِكَ جَهْلٌ مِنْ قَائِلِهِ ، بَلْ هُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ فَقَدِ اتَّفَقَ الْأَطِبَّاءُ عَلَى أَنَّ الْمَرَضَ الْوَاحِدَ يَخْتَلِفُ عِلَاجُهُ بِاخْتِلَافِ السِّنِّ وَالْعَادَةِ وَالزَّمَانِ وَالْغِذَاءِ الْمَأْلُوفِ وَالتَّدْبِيرِ وَقُوَّةِ الطَّبِيعَةِ ، وَعَلَى أَنَّ الْإِسْهَالَ يَحْدُثُ مِنْ أَنْوَاعٍ مِنْهَا الْهَيْضَةُ الَّتِي تَنْشَأُ عَنْ تُخَمَةٍ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ عِلَاجَهَا بِتَرْكِ الطَّبِيعَةِ وَفِعْلِهَا ، فَإِنِ احْتَاجَتْ إِلَى مُسَهِّلٍ مُعَيَّنٍ أُعِينَتْ مَا دَامَ بِالْعَلِيلِ قُوَّةٌ ، فَكَأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ اسْتِطْلَاقُ بَطْنِهِ عَنْ تُخَمَةٍ أَصَابَتْهُ فَوَصَفَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَسَلَ لِدَفْعِ الْفُضُولِ الْمُجْتَمِعَةِ فِي نَوَاحِي الْمَعِدَةِ وَالْأَمْعَاءِ ؛ لِمَا فِي الْعَسَلِ مِنَ الْجَلَاءِ وَدَفْعِ الْفُضُولِ الَّتِي تُصِيبُ الْمَعِدَةَ مِنْ أَخْلَاطٍ لَزِجَةٍ تَمْنَعُ اسْتِقْرَارَ الْغِذَاءِ فِيهَا ، وَلِلْمَعِدَةِ خَمْلٌ كَخَمْلِ الْمِنْشَفَةِ ، فَإِذا عَلِقَتْ بِهَا الْأَخْلَاطُ اللَّزِجَةُ أَفْسَدَتْهَا وَأَفْسَدَتِ الْغِذَاءَ الْوَاصِلَ إِلَيْهَا ، فَكَانَ دَوَاؤُهَا بِاسْتِعْمَالِ مَا يَجْلُو تِلْكَ الْأَخْلَاطَ ، وَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ مِثْلُ الْعَسَلِ لَا سِيَّمَا إِنْ مُزِجَ بِالْمَاءِ الْحَارِّ ، وَإِنَّمَا لَمْ يُفِدْهُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ لِأَنَّ الدَّوَاءَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِقْدَارٌ وَكَمِّيَّةٌ بِحَسَبِ الدَّاءِ إِنْ قَصُرَ عَنْهُ لَمْ يَدْفَعْهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَإِنْ جَاوَزَهُ أَوْهَى الْقُوَّةَ وَأَحْدَثَ ضَرَرًا آخَرَ ، فَكَأَنَّهُ شَرِبَ مِنْهُ أَوَّلًا مِقْدَارًا لَا يَفِي بِمُقَاوَمَةِ الدَّاءِ فَأَمَرَه بِمُعَاوَدَةِ سَقْيِهِ ، فَلَمَّا تَكَرَّرَتِ الشَّرَبَاتُ بِحَسَبِ مَادَّةِ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَفِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ هَذَا الدَّوَاءَ نَافِعٌ ، وَأَنَّ بَقَاءَ الدَّاءِ لَيْسَ لِقُصُورِ الدَّوَاءِ فِي نَفْسِهِ ، وَلَكِنْ لِكَثْرَةِ الْمَادَّةِ الْفَاسِدَةِ ، فَمِنْ ثَمَّ أَمَرَهُ بِمُعَاوَدَةِ شُرْبِ الْعَسَلِ ؛ لِاسْتِفْرَاغِهَا ، فَكَانَ كَذَلِكَ وَبَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَالطِّبُّ نَوْعَانِ : طِبُّ الْيُونَانِ وَهُوَ قِيَاسِيٌّ ، وَطِبُّ الْعَرَبِ وَالْهِنْدِ وَهُوَ تَجَارُبِيٌّ ، وَكَانَ أَكْثَرُ مَا يَصِفُهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ يَكُونُ عَلِيلًا عَلَى طَرِيقَةِ طِبِّ الْعَرَبِ ، وَمِنْهُ مَا يَكُونُ مِمَّا اطَّلَعَ عَلَيْهِ بِالْوَحْيِ ، وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ كِتَابِ الْمِائَةِ فِي الطِّبِّ : إِنَّ الْعَسَلَ تَارَةً يَجْرِي سَرِيعًا إِلَى الْعُرُوقِ وَيَنْفُذُ مَعَهُ جُلُّ الْغِذَاءِ وَيُدِرُّ الْبَوْلَ فَيَكُونُ قَابِضًا ، وَتَارَةً يَبْقَى فِي الْمَعِدَةِ فَيُهَيِّجُهَا بِلَذْعِهَا حَتَّى يَدْفَعَ الطَّعَامَ وَيُسَهِّلَ الْبَطْنَ فَيَكُونَ مُسَهِّلًا ، فَإِنْكَارُ وَصْفِهِ للْمُسَهِّلِ مُطْلَقًا قُصُورٌ مِنَ الْمُنْكِرِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : طِبُّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَيَقَّنُ الْبُرْءِ لِصُدُورِهِ عَنِ الْوَحْيِ ، وَطِبُّ غَيْرِهِ أَكْثَرُهُ حَدْسٌ أَوْ تَجْرِبَةٌ ، وَقَدْ يَتَخَلَّفُ الشِّفَاءُ عَنْ بَعْضِ مَا يَسْتَعْمِلُ طِبَّ النُّبُوَّةِ وَذَلِكَ لِمَانِعٍ قَامَ بِالْمُسْتَعْمَلِ مِنْ ضَعْفِ اعْتِقَادِ الشِّفَاءِ بِهِ وَتَلَقِّيهِ بِالْقَبُولِ ، وَأَظْهَرُ الْأَمْثِلَةِ فِي ذَلِكَ الْقُرْآنُ الَّذِي هُوَ شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ لَا يَحْصُلُ لِبَعْضِ النَّاسِ شِفَاءُ صَدْرِهِ لِقُصُورِهِ فِي الِاعْتِقَادِ وَالتَّلَقِّي بِالْقَبُولِ ، بَلْ لَا يَزِيدُ الْمُنَافِقَ إِلَّا رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِ وَمَرَضًا إِلَى مَرَضِهِ ، فَطِبُّ النُّبُوَّةِ لَا يُنَاسِبُ إِلَّا الْأَبْدَانَ الطَّيِّبَةَ ، كَمَا أَنَّ شِفَاءَ الْقُرْآنِ لَا يُنَاسِبُ إِلَّا الْقُلُوبَ الطَّيِّبَةَ ، كَذَا فِي الْفَتْحِ . ( فَسَقَاهُ فَبَرَأَ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْهَمْزِ بِوَزْنِ قَرَأَ وَهِيَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ ، وَغَيْرِهِمْ يَقُولُهَا بِكَسْرِ الرَّاءِ بِوَزْنِ عَلِمَ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجي فِي آخِرِهِ : فَسَقَاهُ فَعَافَاهُ اللَّهُ ، ذَكَرَهُ الْحَافِظُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا .
بَاب مَا جَاءَ فِي السَّنَا 2081 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، ثنا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ ، ثني عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهَا : بِمَا تَسْتَمْشِينَ ؟ قَالَتْ : بِالشُّبْرُمِ ، قَالَ : حَارٌّ جَارٌّ ، قَالَتْ : ثُمَّ اسْتَمْشَيْتُ بِالسَّنَا . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ أَنَّ شَيْئًا كَانَ فِيهِ شِفَاءٌ مِنْ الْمَوْتِ لَكَانَ فِي السَّنَا . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّنَا ) سَقَطَ هَذَا الْبَابُ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ . قَوْلُهُ : ( ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ ) بْنِ عُثْمَانَ الْبُرْسَانِيُّ أَبُو عُثْمَانَ الْبَصْرِيُّ ، صَدُوقٌ يُخْطِئُ مِنَ التَّاسِعَةِ ( ثنا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرِ ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ رَافِعٍ الْأَنْصَارِيُّ ، صَدُوقٌ رُمِيَ بِالْقَدَرِ وَرُبَّمَا وَهِمَ مِنَ السَّادِسَةِ ( ثني عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ) أَوِ ابْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَيُقَالُ : اسْمُهُ زُرْعَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، مَجْهُولٌ مِنَ السَّادِسَةِ . قَوْلُهُ : ( بِمَا تَسْتَمْشِينَ ) أَيْ : بِأَيِّ دَوَاءٍ تَسْتَطْلِقِينَ بَطْنَكِ حَتَّى يَمْشِيَ ، وَلَا يَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْوَاقِفِ فَيُؤْذَى بِاحْتِبَاسِ النَّجْوِ ، وَلِهَذَا سُمِّيَ الدَّوَاءُ الْمُسَهِّلُ مَشِيًّا عَلَى وَزْنِ فَعِيلٍ ، وَقِيلَ : لِأَنَّ الْمَسْهُولَ يُكْثِرُ الْمَشْيَ وَالِاخْتِلَافَ لِلْحَاجَةِ ، وَقَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : أَيْ بِمَا تُسَهِّلِينَ بَطْنَكِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ الْمَشْيَ الَّذِي يَعْرِضُ عِنْدَ شُرْبِ الدَّوَاءِ إِلَى الْمَخْرَجِ ، انْتَهَى . ( قَالَتْ : بِالشُّبْرُمِ ) بِضَمِّ شِينٍ مُعْجَمَةٍ فَسُكُونِ مُوَحَّدَةٍ وَرَاءٍ مَضْمُومَةٍ ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَدْوِيَةِ الْيتُوعِيَّةِ ، وَهُوَ قِشْرُ عِرْقِ شَجَرَةٍ ، وَهُوَ حَارٌّ يَابِسٌ فِي الدَّرَجَةِ الرَّابِعَةِ ، وَأَجْوَدُهُ الْمَائِلُ إِلَى الْحُمْرَةِ الْخَفِيفُ الرَّقِيقُ الَّذِي يُشْبِهُ الْجِلْدَ الْمَلْفُوفَ ، وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مِنَ الْأَدْوِيَةِ الَّتِي أَوْصَى الْأَطِبَّاءُ بِتَرْكِ اسْتِعْمَالِهَا لِخَطَرِهَا وَفَرْطِ إِسْهَالِهَا . وَقَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : الشُّبْرُمُ حَبٌّ يُشْبِهُ الْحِمَّصَ ، يُطْبَخُ وَيُشْرَبُ مَاؤُهُ لِلتَّدَاوِي ، وَقِيلَ : إِنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الشِّيحِ ، انْتَهَى . ( قَالَ : حَارٌّ ) بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَتَشْدِيدِ رَاءٍ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ ( جَارٌّ ) بِالْجِيمِ ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَيِّمِ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حَارٌّ جَارٌّ ، وَيُرْوَى : حَارٌّ يَارٌّ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَأَكْثَرُ كَلَامِهِمْ بِالْيَاءِ ، قَالَ : وَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ الْحَارَّ الْجَارَّ بِالْجِيمِ : الشَّدِيدُ الْإِسْهَالُ ، فَوَصَفَهُ بِالْحَرَارَةِ وَشِدَّةِ الْإِسْهَالِ ، وَكَذَلِكَ هُوَ ، قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ الدِّينَوَرِيُّ ، وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّوَابُ أَنَّ هَذَا مِنَ الْإِتْبَاعِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ تَأْكِيدُ الْأَوَّلِ ، وَيَكُونُ بَيْنَ التَّأْكِيدِ اللَّفْظِيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ ، وَلِهَذَا يُرَاعُونَ فِيهِ إِتْبَاعَهُ فِي أَكْثَرِ حُرُوفِهِ كَقَوْلِهِمْ : حَسَنٌ بَسَنٌ ، أَيْ : كَامِلُ الْحُسْنِ ، وَقَوْلُهُمْ : حَسَنٌ قَسَنٌ بِالْقَافِ ، وَمِنْهُ : شَيْطَانٌ لَيْطَانٌ ، وَحَارٌّ جَارٌّ ، مَعَ أَنَّ في الْجَارّ مَعْنًى آخَرُ ، وَهُوَ الَّذِي يَجُرُّ الشَّيْءَ الَّذِي يُصِيبُهُ مِنْ شِدَّةِ حَرَارَتِهِ وَجَذْبِهِ لَهُ كَأَنَّهُ يَنْزِعُهُ وَيَسْلُخُهُ ، وَيَارٌّ إِمَّا لُغَةٌ فِي جَارٍّ كَقَوْلِهِمْ : صِهْرِي وَصِهْرِيجُ ، وَالصَّهَارِي وَالصَّهَارِيجُ ، وَإِمَّا إِتْبَاعٌ مُسْتَقِلٌّ ، انْتَهَى . ( ثُمَّ اسْتَمْشَيْتُ بِالسَّنَا ) فِيهِ لُغَتَانِ الْمَدُّ وَالْقَصْرُ ، وَهُوَ نَبْتٌ حِجَازِيٌّ أَفْضَلُهُ الْمَكِّيُّ ، وَهُوَ دَوَاءٌ شَرِيفٌ مَأْمُونُ الْغَائِلَةِ ، قَرِيبٌ مِنَ الِاعْتِدَالِ ، حَارٌّ يَابِسٌ فِي الدَّرَجَةِ الْأُولَى ، يُسَهِّلُ الصَّفْرَاءَ وَالسَّوْدَاءَ وَيُقَوِّي جُرْمَ الْقَلْبِ ، وَهَذِهِ فَضِيلَةٌ شَرِيفَةٌ فِيهِ ، وخَاصِّيَّتُهُ النَّفْعُ مِنَ الْوَسْوَاسِ السَّوْدَاوِيِّ وَمِنَ الشِّقَاقِ الْعَارِضِ فِي الْبَدَنِ ، وَيَفتح الْعَضَلَ وَانْتِشَارَ الشَّعْرِ ، وَمِنَ الْقَمْلِ وَالصُّدَاعِ الْعَتِيقِ ، وَالْجَرَبِ وَالْبُثُورِ وَالْحَكَّةِ وَالصَّرَعِ ، وَشُرْبُ مَائِهِ مَطْبُوخًا أَصْلَحُ مِنْ شُرْبِهِ مَدْقُوقًا ، وَمِقْدَارُ الشَّرْبَةِ مِنْهُ إِلَى ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ ، وَمِنْ مَائِهِ إِلَى خَمْسَةِ دَرَاهِمَ ، وَإِنْ طُبِخَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ زَهْرِ الْبَنَفْسَجِ وَالزَّبِيبِ الْأَحْمَرِ الْمَنْزُوعِ الْعَجَمِ كَانَ أَصْلَحَ . ( فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَيْ بَعْدَمَا سَأَلَنِي ثَانِيًا ، أَوْ حِينَ ذَكَرْتُ لَهُ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ اسْتِعْلَامًا وَاسْتِكْشَافًا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمُ . قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَةِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّاوِي عَنْ أَسْمَاءَ مَا لَفْظُهُ : عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَيُقَالُ : ابْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ حِجَازِيٌّ ، رَوَى عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ حَدِيثًا فِي الِاسْتِمْشَاءِ بِالسَّنَا ، وَعَنْهُ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ ، رَوَى لَهُ التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ الْوَاحِدَ ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ زُرْعَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مَوْلَى لِمَعْمَرٍ التَّيْمِيِّ عَنْ أَسْمَاءَ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمُبْهَمُ هُوَ عُتْبَةُ هَذَا ، قَالَ : لَيْسَ هُوَ الْمُبْهَمَ ؛ فَإِنَّ كَلَامَ الْبُخَارِيِّ فِي تَارِيخِهِ فِي تَرْجَمَةِ زُرْعَةَ يَقْتَضِي أَنَّ زُرْعَةَ هُوَ عُتْبَةُ الْمَذْكُورُ ، اخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ عَلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ ، وَعَلَى هَذَا فَرِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ مُنْقَطِعَةٌ لِسُقُوطِ الْمَوْلَى مِنْهَا ، انْتَهَى .
بَاب مَا جَاءَ أَنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ وَالْغَسْلُ لَهَا 2061 حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، نا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ أَبُو غَسَّانَ الْعَنْبَرِيُّ ، نا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، قال : ثني حَيَّةُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ ، ثني أَبِي ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا شَيْءَ فِي الْهَامِ ، وَالْعَيْنُ حَقٌّ . ( بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ ) أَيِ الْإِصَابَةُ بِالْعَيْنِ شَيْءٌ ثَابِتٌ مَوْجُودٌ ، أَوْ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَا تَحَقَّقَ كَوْنُهُ ، قَالَ الْمَازِرِيُّ : أَخَذَ الْجُمْهُورُ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، وَأَنْكَرَهُ طَوَائِفُ الْمُبْتَدِعَةِ لِغَيْرِ مَعْنًى ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ لَيْسَ مُحَالًا فِي نَفْسِهِ ، وَلَا يُؤَدِّي إِلَى قَلْبِ حَقِيقَةٍ وَلَا إِفْسَادِ دَلِيلٍ ، فَهُوَ مِنْ مُتَجَاوِزَاتِ الْعُقُولِ ، فَإِذَا أَخْبَرَ الشَّرْعُ بِوُقُوعِهِ لَمْ يَكُنْ لِإِنْكَارِهِ مَعْنًى ، وَهَلْ مِنْ فَرْقٍ بَيْنَ إِنْكَارِهِمْ هَذَا وَإِنْكَارِهِمْ مَا يُخْبِرُ بِهِ مِنْ أُمُورُ الْآخِرَةِ . قَوْلُهُ : ( أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ) هُوَ الْفَلَّاسُ الصَّيْرَفِيُّ الْبَاهِلِيُّ الْبَصْرِيُّ . ( نا يَحْيَى بْنُ كَثِيرِ ) بْنُ دِرْهَمٍ ( أَبُو غَسَّانَ الْعَنْبَرِيُّ ) مَوْلَاهُمُ الْبَصْرِيُّ ، ثِقَةٌ مِنَ التَّاسِعَةِ ، وَوَقَعَ فِي النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ : نا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ ، نا أَبُو غَسَّانَ الْعَنْبَرِيُّ ، بِزِيَادَةِ لَفْظِ نا بَيْنَ يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ ، وَأَبُو غَسَّانَ الْعَنْبَرِيُّ وَهُوَ غَلَطٌ ، ( نا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ ) هُوَ الْهُنَائِيُّ ( عَنْ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ ) هُوَ الطَّائِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو نَصْرٍ الْيَمَامِيُّ ( ثني حَيَّةُ بْنُ حَابِسٍ ) بِمُهْمَلَتَيْنِ ، وَقَبْلَ السِّينِ مُوَحَّدَةٌ ، التَّمِيمِيُّ ، مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ لَهُ صُحْبَةً كَذَا فِي التَّقْرِيبِ . ( ثني أَبِي ) أَيْ حَابِسٌ التَّمِيمِيُّ ، قَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ : رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ حَيَّةُ حَدِيثَ : لَا شَيْءَ فِي الْهَامِّ ، صَرَّحَ الْبُخَارِيُّ بِسَمَاعِهِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَبِعَهُ أَبُو حَاتِمٍ ، وَذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ فِي الصَّحَابَةِ ، وَقَالَ : لَا أَعْلَمُ لَهُ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( لَا شَيْءَ فِي الْهَامِّ ) أَيْ : لَا شَيْءَ مِمَّا يَعْتَقِدُونَ فِي الْهَامِّ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : الْهَامَةُ هِيَ بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ عَلَى الْمَشْهُورِ الَّذِي لَمْ يَذْكُرِ الْجُمْهُورُ غَيْرَهُ ، وَقِيلَ بِتَشْدِيدِهَا ، قَالَهُ جَمَاعَةٌ ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ الْإِمَامِ فِي اللُّغَةِ ، قَالَ : وَفِيهَا تَأْوِيلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَتَشَاءَمُ بِهَا وَهِيَ الطَّائِرُ الْمَعْرُوفُ مِنْ طَيْرِ اللَّيْلِ ، وَقِيلَ : هِيَ الْبُومَةُ ، قَالُوا : كَانَتْ إِذَا سَقَطَتْ عَلَى دَارِ أَحَدِهِمْ فَرَآهَا نَاعِيَةً لَهُ نَفْسَهُ أَوْ بَعْضَ أَهْلِهِ ، وَهَذَا تَفْسِيرُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، وَالثَّانِي أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَعْتَقِدُ أَنَّ عِظَامَ الْمَيِّتِ ، وَقِيلَ : رُوحُهُ ، يَنْقَلِبُ هَامَةً تَطِيرُ ، وَهَذَا تَفْسِيرُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ النَّوْعَيْنِ ؛ فَإِنَّهُمَا جَمِيعًا بَاطِلَانِ ، فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِبْطَالَ ذَلِكَ ، وَضَلَالَةَ الْجَاهِلِيَّةِ فِيمَا يَعْتَقِدُهُ مِنْ ذَلِكَ . ( وَالْعَيْنُ ) أَيْ : أَثَرُهَا ( حَقٌّ ) لَا بِمَعْنَى أَنَّ لَهَا تَأْثِيرًا ، بَلْ بِمَعْنَى أَنَّهَا سَبَبٌ عَادِيٌّ كَسَائِرِ الْأَسْبَابِ الْعَادِيَّةِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ نَظَرِ الْعَائِنِ إِلَى شَيْءٍ وَإِعْجَابِهِ مَا شَاءَ مِنْ أَلَمٍ أَوْ هَلَكَةٍ ، قَالَ الْمَازِرِيُّ : وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الطَّبَائِعِيِّينَ الْمُثْبِتِينَ لِلْعَيْنِ أَنَّ الْعَائِنَ تَنْبَعِثُ مِنْ عَيْنِهِ قُوَّةٌ سُمِّيَّةٌ تَتَّصِلُ بِالْمَعِينِ فَيَهْلِكُ أَوْ يَفْسُدُ ، قَالُوا : وَلَا يَمْتَنِعُ هَذَا كَمَا لَا يَمْتَنِعُ انْبِعَاثُ قُوَّةٍ سُمِّيَّةٍ مِنَ الْأَفْعَى وَالْعَقْرَبِ تَتَّصِلُ بِاللَّدِيغِ فَيَهْلِكُ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَحْسُوسٍ لَنَا ، فَكَذَا الْعَيْنُ ، قَالَ : وَهَذَا غَيْرُ مُسَلَّمٍ ؛ لِأَنَّا بَيَّنَّا فِي كُتُبِ عِلْمِ الْكَلَامِ أَنْ لَا فَاعِلَ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى ، وَبَيَّنَّا فَسَادَ الْقَوْلِ بِالطَّبَائِعِ ، وَبَيَّنَّا أَنَّ الْمُحْدَثَ لَا يَفْعَلُ فِي غَيْرِهِ شَيْئًا ، وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا بَطَلَ مَا قَالُوهُ ، ثُمَّ نقُولُ : هَذَا الْمُنْبَعِثُ مِنَ الْعَيْنِ إِمَّا جَوْهَرٌ وَإِمَّا عَرَضٌ ، فَبَاطِلٌ أَنْ يَكُونَ عَرَضًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الِانْتِقَالَ ، وَبَاطِلٌ أَنْ يَكُونَ جَوْهَرًا ؛ لِأَنَّ الْجَوَاهِرَ مُتَجَانِسَةٌ فَلَيْسَ بَعْضُهَا بِأَنْ يَكُونَ مُفْسِدًا لِبَعْضِهَا بِأَوْلَى مِنْ عَكْسِهِ ، فَبَطَلَ مَا قَالُوهُ ، قَالَ : وأَقْرَبُ طَرِيقَةٍ قَالَهَا مَنْ يَنْتَحِلُ الْإِسْلَامَ مِنْهُمْ ، أَنْ قَالُوا : لَا يَبْعُدُ أَنْ تَنْبَعِثَ جَوَاهِرُ لَطِيفَةٌ غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ مِنَ الْعَيْنِ فَتَتَّصِلُ بِالْمَعِينِ ، وَتَتَخَلَّلُ مَسَامَّ جِسْمِهِ فَيَخْلُقُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْهَلَاكَ عِنْدَهَا كَمَا يَخْلُقُ الْهَلَاكَ عِنْدَ شُرْبِ السُّمِّ ، عَادَةٌ أَجْرَاهَا اللَّهُ تَعَالَى وَلَيْسَتْ ضَرُورَةً وَلَا طَبِيعَةً أَلْجَأَ الْعَقْلُ إِلَيْهَا . وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْعَيْنَ إِنَّمَا تُفْسِدُ وَتُهْلِكُ عِنْدَ نَظَرِ الْعَائِنِ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى ، أَجْرَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْعَادَةَ أَنْ يَخْلُقَ الضَّرَرَ عِنْدَ مُقَابَلَةِ هَذَا الشَّخْصِ لِشَخْصٍ آخَرَ ، وَهَلْ ثَمَّ جَوَاهِرُ خَفِيَّةٌ أَمْ لَا ؟ هَذَا مِنْ مُجَوِّزَاتِ الْعُقُولِ لَا يُقْطَعُ فِيهِ بِوَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ ، وَإِنَّمَا يُقْطَعُ بِنَفْيِ الْفِعْلِ عَنْهَا وَبِإِضَافَتِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، فَمَنْ قَطَعَ مِنْ أَطِبَّاءِ الْإِسْلَامِ بِانْبِعَاثِ الْجَوَاهِرِ فَقَدْ أَخْطَأَ فِي قَطْعِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الْجَائِزَاتِ .
2062 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ الْبَغْدَادِيُّ ، نا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ ، نا وُهَيْبٌ ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا . وَفِي الْبَاب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ . وَحَدِيثُ حَيَّةَ بْنِ حَابِسٍ حَدِيثٌ غَرِيبٌ . وَرَوَى شَيْبَانُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ حَيَّةَ بْنِ حَابِسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ ، وَحَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ لَا يَذْكُرَانِ فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَوْلُهُ : ( نا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ ) بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ أَبُو إِسْحَاقَ الْبَصْرِيُّ ، ثِقَةٌ ، كَانَ يَحْفَظُ مِنَ التَّاسِعَةِ . ( نا وُهَيْبُ ) بِالتَّصْغِيرِ ابْنُ خَالِدِ بْنِ عَجْلَانَ الْبَاهِلِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ الْبَصْرِيُّ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ ، لَكِنَّهُ تَغَيَّرَ قَلِيلًا بِآخِرِهِ مِنَ السَّابِعَةِ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ . ( عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسِ بْنِ كَيْسَانَ الْيَمَانِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ ، ثِقَةٌ فَاضِلٌ عَابِدٌ مِنَ السَّادِسَةِ . قَوْلُهُ : ( لَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقَ الْقَدَرِ ) بِالتَّحْرِيكِ أَيْ لَوْ أَمْكَنَ أَنْ يَسْبِقَ شَيْءٌ الْقَدَرَ فِي إِفْنَاءِ شَيْءٍ وَزَوَالِهِ قَبْلَ أَوَانِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ ( لَسَبَقَتْهُ ) أَيِ الْقَدَرَ ( الْعَيْنُ ) لَكِنَّهَا لَا تَسْبِقُ الْقَدَرَ ؛ فَإِنَّهُ تَعَالَى قَدَّرَ الْمَقَادِيرَ قَبْلَ الْخَلْقِ . قَالَ الْحَافِظُ : جَرَى الْحَدِيثُ مَجْرَى الْمُبَالَغَةِ فِي إِثْبَاتِ الْعَيْنِ ، لَا أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَرُدَّ الْقَدَرَ شَيْءٌ ، إِذِ الْقَدَرُ عِبَارَةٌ عَنْ سَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ وَهُوَ لَا رَادَّ لِأَمْرِهِ ، وَحَاصِلُهُ لَوْ فُرِضَ أَنَّ شَيْئًا لَهُ قُوَّةٌ بِحَيْثُ يَسْبِقُ الْقَدَرَ لَكَانَ الْعَيْنَ لَكِنَّهَا لَا تَسْبِقُ فَكَيْفَ غَيْرُهَا انْتَهَى ، قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ إِثْبَاتُ الْقَدَرِ وَهُوَ حَقٌّ بِالنُّصُوصِ وَإِجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا بِقَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا تَقَعُ إِلَّا عَلَى حَسَبِ مَا قَدَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَسَبَقَ بِهَا عِلْمُهُ ، فَلَا يَقَعُ ضَرَرُ الْعَيْنِ وَلَا غَيْرُهُ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ إِلَّا بِقَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِيهِ صِحَّةُ أَمْرِ الْعَيْنِ وَأَنَّهَا قَوِيَّةُ الضَّرَرِ انْتَهَى . ( وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ إِذَا طُلِبْتُمْ لِلِاغْتِسَالِ ( فَاغْسِلُوا ) أَطْرَافَكُمْ عِنْدَ طَلَبِ الْمَعْيُونِ ذَلِكَ مِنَ الْعَائِنِ ، وَهَذَا كَانَ أَمْرًا مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَمْتَنِعُوا مِنْهُ إِذَا أُرِيدَ مِنْهُمْ ، وَأَدْنَى مَا فِي ذَلِكَ رَفْعُ الْوَهْمِ الْحَاصِلِ فِي ذَلِكَ ، وَظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ ، وَحَكَى الْمَازِرِيُّ فِيهِ خِلَافًا وَصَحَّحَ الْوُجُوبَ ، وَقَالَ : مَتَى خُشِيَ الْهَلَاكُ وَكَانَ اغْتِسَالُ الْعَائِنِ مِمَّا جَرَتِ الْعَادَةُ بِالشِّفَاءِ بِهِ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى بَذْلِ الطَّعَامِ لِلْمُضْطَرِّ وَهَذَا أَوْلَى ، وَلَمْ يُبَيِّنْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ صِفَةَ الِاغْتِسَالِ ، وَقَدْ وَقَعَتْ فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالنَّسَائِيِّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ وَسَارُوا مَعَهُ نَحْوَ مَاءٍ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِشعبِ الْخَرَّارِ مِنَ الْجُحْفَةِ ، اغْتَسَلَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ ، وَكَانَ أَبْيَضَ حَسَنَ الْجِسْمِ وَالْجِلْدِ ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ فَقَالَ : مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ ، فَلبط ، أَيْ : صُرِعَ وَزْنًا وَمَعْنًى ، أَيْ سَهْلٌ ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هَلْ تَتَّهِمُونَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ ؟ قَالُوا : عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ ، فَدَعَا عَامِرًا فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ ؟ هَلَّا إِذ رَأَيْتَ مَا يُعْجِبُكَ بَرَّكْتَ ، ثُمَّ قَالَ : اغْتَسِلْ لَهُ ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ، وَيَدَيْهِ ، وَمِرْفَقَيْهِ ، وَرُكْبَتَيْهِ ، وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ ، وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ فِي قَدَحٍ ، ثُمَّ يَصُبُّ ذَلِكَ الْمَاءَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِهِ عَلَى رَأْسِهِ وَظَهْرِهِ ثُمَّ يُكْفَأُ الْقَدَحُ ، فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ ، فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ، لَفْظُ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُوَيْسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا السَّنَدِ أَنَّهُ يَصُبُّ صَبَّةً عَلَى وَجْهِهِ بِيَدِهِ الْيُمْنَى ، وَكَذَلِكَ سَائِرَ أَعْضَائِهِ صَبَّةً صَبَّةً فِي الْقَدَحِ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ : ثُمَّ يَكْفَأُ الْقَدَحَ وَرَاءَهُ عَلَى الْأَرْضِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، أَنَّ عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ مَرَّ بِسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَهُوَ يَغْتَسِلُ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : فَلْيَدْعُ بِالْبَرَكَةِ ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَأَمَرَ عَامِرًا أَنْ يَتَوَضَّأَ ، فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ ، وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَرُكْبَتَيْهِ ، وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَصُبَّ عَلَيْهِ ، قَالَ سُفْيَانُ : قَالَ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : وَأَمَرَ أَنْ يَكْفَأَ الْإِنَاءَ مِنْ خَلْفِهِ ، قَالَ الْمَازِرِيُّ : الْمُرَادُ بِدَاخِلَةِ الْإِزَارِ : الطَّرَفُ الْمُتَدَلِّي الَّذِي يَلِي حِقْوَهُ الْأَيْمَنَ ، وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ دَاخِلَةَ الْإِزَارِ كِنَايَةٌ عَنِ الْفَرْجِ ، انْتَهَى . وَزَادَ عِيَاضٌ أَنَّ الْمُرَادَ مَا يَلِي جَسَدَهُ مِنَ الْإِزَارِ ، وَقِيلَ : أَرَادَ مَوْضِعَ الْإِزَارِ مِنَ الْجَسَدِ ، وَقِيلَ : أَرَادَ وِرْكَهُ ؛ لِأَنَّهُ مَعْقِدُ الْإِزَارِ . وَالْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ وَفِيهِ عَنْ مَالِكٍ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ : اغْتَسَلَ سَهْلٌ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ ، وَفِيهِ : فَنَزَعَ جُبَّةً كَانَتْ عَلَيْهِ ، وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ يَنْظُرُ فَقَالَ : مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ عَذْرَاءَ ، فَوُعِكَ سَهْلٌ مَكَانَهُ وَاشْتَدَّ وَعْكُهُ ، وَفِيهِ : أَلَا بَرَّكْتَ : إِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ ، تَوَضَّأْ لَهُ ، فَتَوَضَّأَ لَهُ عَامِرٌ ، فَرَاحَ سَهْلٌ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ . تَنْبِيهٌ : قَالَ الْمَازِرِيُّ : هَذَا الْمَعْنَى مِمَّا لَا يُمْكِنُ تَعْلِيلُهُ ، وَمَعْرِفَةُ وَجْهِهِ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ ، فَلَا يُرَدُّ لِكَوْنِهِ لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : إِنْ تَوَقَّفَ مُتَشَرِّعٌ قُلْنَا لَهُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، وَقَدْ عَضَّدَتْهُ التَّجْرِبَةُ وَصَدَّقَتْهُ الْمُعَايَنَةُ ، أَوْ مُتَفَلْسِفٌ فَالرَّدُّ عَلَيْهِ أَظْهَرُ ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ أَنَّ الْأَدْوِيَةَ تَفْعَلُ بِقُوَاهَا ، وَقَدْ تَفْعَلُ بِمَعْنًى لَا يُدْرَكُ ، وَيُسَمُّونَ مَا هَذَا سَبِيلُهُ الْخَوَاصَّ . وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ : هَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ لَا يَنْتَفِعُ بِهَا مَنْ أَنْكَرَهَا ، وَلَا مَنْ سَخِرَ مِنْهَا ، وَلَا مَنْ شَكَّ فِيهَا أَوْ فَعَلَهَا مُجَرِّبًا غَيْرَ مُعْتَقِدٍ ، وَإِذَا كَانَ فِي الطَّبِيعَةِ خَوَاصُّ لَا يَعْرِفُ الْأَطِبَّاءُ عِلَلَهَا ، بَلْ هِيَ عِنْدَهُمْ خَارِجَةٌ عَنِ الْقِيَاسِ ، وَإِنَّمَا تَفْعَلُ بِالْخَاصِّيَّةِ ، فَمَا الَّذِي تُنْكِرُ جَهَلَتُهُمْ مِنَ الْخَوَاصِّ الشَّرْعِيَّةِ ، هَذَا مَعَ أَنَّ فِي الْمُعَالَجَةِ بِالِاغْتِسَالِ مُنَاسَبَةً لَا تَأْبَاهَا الْعُقُولُ الصَّحِيحَةُ ، فَهَذَا تِرْيَاقُ سُمِّ الْحَيَّةِ يُؤْخَذُ مِنْ لَحْمِهَا ، وَهَذَا عِلَاجُ النَّفْسِ الْغَضَبِيَّةِ تُوضَعُ الْيَدُ عَلَى بَدَنِ الْغَضْبَانِ فَيَسْكُنُ ، فَكَأَنَّ أَثَرَ تِلْكَ الْعَيْنِ كَشُعْلَةِ نَارٍ وَقَعَتْ عَلَى جَسَدٍ ، فَفِي الِاغْتِسَالِ إِطْفَاءٌ لِتِلْكَ الشُّعْلَةِ ، ثُمَّ لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ الْخَبِيثَةُ تَظْهَرُ فِي الْمَوَاضِعِ الرَّقِيقَةِ مِنَ الْجَسَدِ لِشِدَّةِ النُّفُوذِ فِيهَا ، وَلَا شَيْءَ أَرَقُّ مِنَ الْمَغَابِنِ ، فَكَانَ فِي غَسْلِهَا إِبْطَالٌ لِعَمَلِهَا ، وَلَا سِيَّمَا أَنَّ لِلْأَرْوَاحِ الشَّيْطَانِيَّةِ فِي تِلْكَ الْمَوَاضِعِ اخْتِصَاصًا ، وَفِيهِ أَيْضًا وُصُولُ أَثَرِ الْغَسْلِ إِلَى الْقَلْبِ مِنْ أَرَقِّ الْمَوَاضِعِ وَأَسْرَعِهَا نَفَاذًا ، فَتَنْطَفِئُ تِلْكَ النَّارُ الَّتِي أَثَارَتْهَا الْعَيْنُ بِهَذَا الْمَاءِ ، وَهَذَا الْغَسْلُ الْمَأْمُورُ بِهِ يَنْفَعُ بَعْدَ اسْتِحْكَامِ النَّظْرَةِ ، فَأَمَّا عِنْدَ الْإِصَابَةِ وَقَبْلَ الِاسْتِحْكَامِ ، فَقَدْ أَرْشَدَ الشَّارِعُ إِلَى مَا يَدْفَعُهُ بِقَوْلِهِ فِي قِصَّةِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ الْمَذْكُورَةِ كَمَا مَضَى : أَلَا بَرَّكْتَ عَلَيْهِ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ : فَلْيَدْعُ بِالْبَرَكَةِ ، وَمِثْلُهُ عِنْدَ ابْنِ السُّنِّيِّ مِنْ حَدِيثِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ ، وَابْنُ السُّنِّيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَفَعَهُ : مَنْ رَأَى شَيْئًا فَأَعْجَبَهُ فَقَالَ : مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ لَمْ يَضُرَّهُ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ) لِيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ ( وَحَدِيثُ حَيَّةَ بْنِ حَابِسٍ حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ . ( وَرَوَى شَيْبَانُ ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّحْوِيُّ .
باب 2080 حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ ، ثنا مَعْنٌ ، ثنا مَالِكٌ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ السُّلَمِيِّ ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَخْبَرَهُ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ : أَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِي وَجَعٌ قَدْ كَادَ يُهْلِكُنِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : امْسَحْ بِيَمِينِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، وَقُلْ : أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ ، قَالَ : فَفَعَلْتُ فَأَذْهَبَ اللَّهُ مَا كَانَ بِي ، فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ بِهِ أَهْلِي وَغَيْرَهُمْ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . باب قَوْلُهُ : ( عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ ) هُوَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُصَيْفَةَ ، قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُصَيْفَةَ بِضَمِّ مُعْجَمَةٍ وَفَتْحِ صَادٍ مُهْمَلَةٍ وَبِفَاءٍ مُصَغَّرًا ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْكِنْدِيُّ الْمَدَنِيُّ ، وَقَدْ يُنْسَبُ لِجَدِّهِ ، ثِقَةٌ مِنَ الْخَامِسَةِ ( عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ ) بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ السُّلَمِيِّ الْمَدَنِيِّ ، ثِقَةٌ مِنَ السَّادِسَةِ قَالَهُ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ : رَوَى عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ ، وَعَنْهُ يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ ، رَوَى لَهُ الْأَرْبَعَةُ حَدِيثًا وَاحِدًا وَهُوَ حَدِيثُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ فِي الدُّعَاءِ ، انْتَهَى . ( عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ) الثَّقَفِيِّ الطَّائِفِيِّ ، صَحَابِيٌّ شَهِيرٌ اسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الطَّائِفِ ، وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بِالْبَصْرَةِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ : أَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِي وَجَعٌ قَدْ كَادَ يُهْلِكُنِي ) وَلِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ ، ( امْسَحْ ) أَيْ : مَوْضِعَ الْوَجَعِ ( بِيَمِينِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَقَالَ لَهُ : ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي يَأْلَمُ مِنْ جَسَدِكَ ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ ، وَالْحَاكِمِ : ضَعْ يَمِينَكَ عَلَى الْمَكَانِ الَّذِي تَشْتَكِي ، فَامْسَحْ بِهَا سَبْعَ مَرَّاتٍ ( وَقُلْ : أَعُوذَ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : وَقُلْ : بِسْمِ اللَّهِ ثَلَاثًا ، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ : أَعُوذُ بِاللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ فِي الدَّعَوَاتِ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ : قَالَ لِي ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ : يَا مُحَمَّدُ ، إِذَا اشْتَكَيْتَ فَضَعْ يَدَكَ حَيْثُ تَشْتَكِي ، ثُمَّ قُلْ : بِسْمِ اللَّهِ ، أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ مِنْ وَجَعِي ، ثُمَّ ارْفَعْ يَدَكَ ، ثُمَّ أَعِدْ ذَلِكَ وِتْرًا ، قَالَ : فَإِنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَهُ بِذَلِكَ . ( قَالَ ) أَيْ : عُثْمَانُ : ( فَفَعَلْتُ ) أَيْ : مَا قَالَ لِي ( فَأَذْهَبَ اللَّهُ مَا كَانَ بِي ) أَيْ : مِنَ الْوَجَعِ ( فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ بِهِ أَهْلِي وَغَيْرَهُمْ ) لِأَنَّهُ مِنَ الْأَدْوِيَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَالطِّبِّ النَّبَوِيِّ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَالتَّفْوِيضِ إِلَيْهِ وَالِاسْتِعَاذَةِ بِعِزَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ ، وَتَكْرَارُهُ يَكُونُ أَنْجَحَ وَأَبْلَغَ كَتَكْرَارِ الدَّوَاءِ الطَّبِيعِيِّ لِاسْتِقْصَاءِ إِخْرَاجِ الْمَادَّةِ ، وَفِي السَّبْعِ خَاصِّيَّةٌ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهَا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
2079 حَدَّثَنَا رَجَاءُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُذْرِيُّ الْبَصْرِيُّ ، ثنا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي رَزِينٍ ، ثنا شُعْبَةُ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، ثنا مَيْمُونٌ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ قَال : سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ قَالَ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَتَدَاوَى مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ بِالْقُسْطِ الْبَحْرِيِّ وَالزَّيْتِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَلَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، وَقَدْ رَوَى عَنْ مَيْمُونٍ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا الْحَدِيثَ . وَذَاتُ الْجَنْبِ يَعْنِي السِّلَّ . قَوْلُهُ : ( حدثنا رَجَاءُ بْنُ مُحَمَّدِ ) بْنِ رَجَاءٍ ( الْعُذْرِيُّ ) بِضَمِّ عَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ ذَالٍ مُعْجَمَةٍ ، الْبَصْرِيُّ السَّقْطِيُّ ، ثِقَةٌ مِنَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، وَوَقَعَ فِي النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ الْعَدَوِيُّ بِفَتْحِ عَيْنٍ وَدَالٍ مُهْمَلَتَيْنِ وَهُوَ غَلَطٌ ( ثنا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي رَزِينٍ ) بِفَتْحِ رَاءٍ وَكَسْرِ زَايٍ وَسُكُونِ يَاءٍ وَبِنُونٍ ، الْخُزَاعِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو عُثْمَانَ الْبَصْرِيُّ ، صَدُوقٌ رُبَّمَا أَخْطَأَ مِنَ التَّاسِعَةِ . قَوْلُهُ : ( أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَتَدَاوَى مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ بِالْقُسْطِ الْبَحْرِيِّ وَالزَّيْتِ ) قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَيِّمِ : ذَاتُ الْجَنْبِ عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ نَوْعَانِ : حَقِيقِيٌّ وَغَيْرُ حَقِيقِيٍّ ، فَالْحَقِيقِيُّ وَرَمٌ حَارٌّ يَعْرِضُ فِي نَوَاحِي الْجَنْبِ فِي الْغِشَاءِ الْمُسْتَبْطِنِ لِلْأَضْلَاعِ ، وَغَيْرُ الْحَقِيقِيِّ أَلَمٌ يُشْبِهُهُ يَعْرِضُ فِي نَوَاحِي الْجَنْبِ عَنْ رِيَاحٍ غَلِيظَةٍ مُؤْذِيَةٍ تَحْتَقِنُ بَيْنَ الصَّفَاقَاتِ ، فَتُحْدِثُ وَجَعًا قَرِيبًا مِنْ وَجَعِ ذَاتِ الْجَنْبِ الْحَقِيقِيِّ ، إِلَّا أَنَّ الْوَجَعَ فِي هَذَا الْقِسْمِ مَمْدُودٌ ، وَفِي الْحَقِيقِيِّ نَاخِسٌ . قَالَ : وَيَلْزَمُ ذَاتِ الْجَنْبِ الْحَقِيقِيِّ خَمْسَةُ أَعْرَاضٍ وَهِيَ الْحُمَّى وَالسُّعَالُ وَالْوَجَعُ النَّاخِسُ وَضِيقُ النَّفَسِ وَالنَّبْضُ الْمِنْشَارِيُّ ، وَالْعِلَاجُ الْمَوْجُودُ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَ هُوَ لِهَذَا الْقِسْمِ ، لَكِنْ لِلْقِسْمِ الثَّانِي الْكَائِنِ عَنِ الرِّيحِ الْغَلِيظَةِ ، فَإِنَّ الْقُسْطَ الْبَحْرِيَّ وَهُوَ الْعُودُ الْهِنْدِيُّ عَلَى مَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي أَحَادِيثَ أُخَر صِنْفٍ مِنَ الْقُسْطِ إِذَا دُقَّ دَقًّا نَاعِمًا وَخُلِطَ بِالزَّيْتِ الْمُسَخَّنِ وَدُلِّكَ بِهِ مَكَانَ الرِّيحِ الْمَذْكُورِ أَوْ لُعِقَ ، كَانَ دَوَاءً مُوَافِقًا لِذَلِكَ نَافِعًا لَهُ مُحَلِّلًا لِمَادَّتِهِ مُذْهِبًا لَهَا ، مُقَوِّيًا لِلْأَعْضَاءِ الْبَاطِنَةِ مُفَتِّحًا لِلسُّدَدِ ، وَالْعُودُ الْمَذْكُور فِي مَنَافِعِهِ كَذَلِكَ . قَالَ الْمَسِيحِيُّ : الْعُودُ حَارٌّ يَابِسٌ قَابِضٌ ، يَحْبِسُ الْبَطْنَ وَيُقَوِّي الْأَعْضَاءَ الْبَاطِنَةَ ، وَيَطْرُدُ الرِّيحَ وَيَفْتَحُ السُّدُدَ ، نَافِعٌ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ ، وَيُذْهِبُ فَضْلَ الرُّطُوبَةِ ، وَالْعُودُ الْمَذْكُورُ جَيِّدٌ لِلدِّمَاغِ ، قَالَ : وَيَجُوزُ أَنْ يَنْفَعَ الْقُسْطَ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ الْحَقِيقِيَّةِ أَيْضًا إِذَا كَانَ حُدُوثُهَا عَنْ مَادَّةٍ بَلْغَمِيَّةٍ لَا سِيَّمَا فِي وَقْتِ انْحِطَاطِ الْعِلَّةِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْحَاكِمُ بِلَفْظِ : تَدَاوَوْا مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ بِالْقِسْطِ الْبَحْرِيِّ وَالزَّيْتِ الْمُسَخَّنِ ( وَذَاتُ الْجَنْبِ يَعْنِي السِّلَّ ) كَذَا فَسَّرَ التِّرْمِذِيُّ ذَاتَ الْجَنْبِ بِالسِّلِّ ، وَقَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : ذَاتُ الْجَنْبِ هِيَ الدُّبَيْلَةُ وَالدُّمَّلُ الْكَبِيرَةُ الَّتِي تَظْهَرُ فِي بَاطِنِ الْجَنْبِ ، وَتَنفَجرُ إِلَى دَاخِلٍ ، وَقَلَّمَا يَسْلَمُ صَاحِبُهَا ، وَذُو الْجَنْبِ الَّذِي يَشْتَكِي جَنْبَهُ بِسَبَبِ الدُّبَيْلَةِ ، إِلَّا أَنَّ ذُو لِلْمُذَكَّرِ وَذَاتِ لِلْمُؤَنَّثِ ، وَصَارَتْ ذَاتُ الْجَنْبِ عَلَمًا لَهَا وَإِنْ كَانَتْ فِي الْأَصْلِ صِفَةً مُضَافَةً ، وَالْمَجْنُوبُ الَّذِي أَخَذَتْهُ ذَاتُ الْجَنْبِ ، وَقِيلَ : أَرَادَ بِالْمَجْنُوبِ الَّذِي يَشْتَكِي جَنْبَهُ مُطْلَقًا ، انْتَهَى . وَقَدْ عَرَفْتُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي تَفْسِيرِ ذَاتِ الْجَنْبِ ، وَأَمَّا تَفْسِيرُهَا بِالسِّلِّ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا فَسَّرَهَا بِهِ غَيْرَ التِّرْمِذِيِّ ، وَالسِّلُّ بِكَسْرِ السِّينِ وَشِدَّةِ اللَّامِ فِي اللُّغَةِ : الْهُزَالُ ، وَفِي الطِّبِّ : قُرْحَةٌ فِي الرِّئَةِ ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْمَرَضُ بِهِ لِأَنَّ مِنْ لَوَازِمِهِ هُزَالَ الْبَدَنِ ، وَلَمَّا كَانَتِ الْحُمَّى الدَّقِّيَّةُ لَازِمَةٌ لِهَذِهِ الْقُرْحَةِ ذَكَرَ الْقُرَشِيُّ أَنَّ السِّلَّ قُرْحَةُ الرئة مَعَ الدَّقِّ ، وَعَدَّهُ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْمُرَكَّبَةِ ، كَذَا قَالَ النَّفِيسُ ، وَقَالَ الْقُرَشِيُّ فِي شَرْحِ الْفُصُولِ : يُقَالُ : السِّلُّ لِحُمَّى الدَّقِّ ، وَلِدَقِّ الشَّيْخُوخَةِ ، وَلِقُرْحَةِ الرِّئَةِ .
بَاب مَا جَاءَ فِي دَوَاءِ ذَاتِ الْجَنْبِ 2078 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، ثنا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ، ثني أَبِي ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْعَتُ الزَّيْتَ وَالْوَرْسَ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ . قَالَ قَتَادَةُ : ويلد مِنْ الْجَانِبِ الَّذِي يَشْتَكِيهِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ اسْمُهُ مَيْمُونٌ ، هُوَ شَيْخٌ بَصْرِيٌّ . باب ما جاء في دواء ذات الجنب قَوْلُهُ : ( كَانَ يَنْعَتُ الزَّيْتَ وَالْوَرْسَ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ ) أَيْ : يَمْدَحُ التَّدَاوِي بِهِمَا الذَاتِ الْجَنْبِ ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ اللُّغَوِيُّ : الْوَرْسُ يُزْرَعُ زَرْعًا ، وَلَيْسَ بِبَرِّيٍّ وَلَسْتُ أَعْرِفُهُ بِغَيْرِ أَرْضِ الْعَرَبِ ، ولَا مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ بِغَيْرِ بِلَادِ الْيَمَنِ وَقُوَّتُهُ فِي الْحَرَارَةِ وَالْيُبُوسَةِ فِي أَوَّلِ الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ ، وَأَجْوَدُهُ الْأَحْمَرُ اللَّيِّنُ الْقَلِيلُ النُّخَالَةُ ، يَنْفَعُ مِنَ الْكَلَفِ وَالْحَكَّةِ وَالْبُثُورِ الْكَائِنَةِ مِنْ سَطْحِ الْبَدَنِ إِذَا طُلِيَ بِهِ ، وَلَهُ قُوَّةٌ قَابِضَةٌ صَابِغَةٌ ، وَإِذَا شُرِبَ نَفَعَ مِنَ الْوَضَحِ ، وَمِقْدَارُ الشَّرْبَةِ مِنْهُ وَزْنُ دِرْهَمٍ ، وَهُوَ فِي مِزَاجِهِ وَمَنَافِعِهِ قَرِيبٌ مِنْ مَنَافِعِ الْقِسْطِ الْبَحْرِيِّ ، وَإِذَا لَطَّخَ بِهِ عَلَى الْبَهَقِ وَالْحَكَّةِ وَالْبُثُورِ وَالسَّفْعَةِ نَفَعَ مِنْهَا ، وَالثَّوْبُ الْمَصْبُوغُ بِالْوَرْس يُقَوِّي عَلَى الْبَاهِ ، انْتَهَى . ( وَيُلَدُّ ) أَيْ يُلْقَى فِي الْفَمِ ( مِنَ الْجَانِبِ الَّذِي يَشْتَكِيهِ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ : اللَّدُودُ : مَا يُسْقَى الْإِنْسَانُ فِي أَحَدِ شِقَّيِ الْفَمِ ، أُخِذَ مِنْ لَدِيدَيِ الْوَادِي وَهُمَا جَانِبَاهُ ، وَأَمَّا الْوَجُور فَهُوَ فِي وَسَطِ الْفَمِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ : نَعَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ وَرْسًا وَقِسْطًا وَزَيْتًا يُلَدُّ بِهِ . ( وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ اسْمُهُ مَيْمُونٌ هُوَ شَيْخٌ بَصْرِيٌّ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : مَيْمُونٌ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ مَوْلَى ابْنِ سَمُرَةَ ضَعِيفٌ ، وَقِيلَ اسْمُ أَبِيهِ أُسْتَاد ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنَ الرَّابِعَةِ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الْغِيلَةِ 2076 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، نا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ ، نا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ بنت وَهْبٍ وَهِيَ جُدَامَةُ قَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : أَرَدْتُ أَنْ أَنْهَى عَنْ الْغِيَالِ ، فَإِذَا فَارِسُ وَالرُّومُ يَفْعَلُونَ وَلَا يَقْتُلُونَ أَوْلَادَهُمْ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ ، هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ عَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْغِيَالُ أَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ تُرْضِعُ . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي الْغِيلَةِ ) قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : الْغِيلَةُ بِالْكَسْرِ ؛ الِاسْمُ مِنَ الْغَيْلِ بِالْفَتْحِ ، وَهُوَ أَنْ يُجَامِعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ وَهِيَ مُرْضِعٌ ، وَكَذَلِكَ إِذَا حَمَلَتْ وَهِيَ مُرْضِعٌ ، وَقِيلَ : يُقَالُ فِيهِ : الْغِيلَةُ وَالْغَيْلَةُ بِمَعْنًى ، وَقِيلَ : الْكَسْرُ لِلِاسْمِ ، وَالْفَتْحُ لِلْمَرَّةِ ، وَقِيلَ : لَا يَصِحُّ الْفَتْحُ إِلَّا مَعَ حَذْفِ الْهَاءِ ، وَقَدْ أَغَالَ الرَّجُلُ وَأُغِيلَ ، وَالْوَلَدُ مُغَالٌ وَمُغِيلٌ ، وَاللَّبَنُ الَّذِي يَشْرَبُهُ الْوَلَدُ يُقَالُ لَهُ : الْغَيْلُ أَيْضًا ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( نا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ ) هُوَ الْبَجَلِيُّ أَبُو زَكَرِيَّا السَّيْلَحِينِيُّ ( نا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ) هُوَ الْغَافِقِيُّ الْمِصْرِيُّ ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ ) الأَسَدِيِّ الْمَدَنِيِّ يَتِيمُ عُرْوَةَ ، ثِقَةٌ مِنَ السَّادِسَةِ ( عَنْ عَائِشَةَ ) أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا ( عَنْ بِنْتِ وَهْبٍ وَهِيَ جُدَامَةُ ) بِمَضْمُومَةٍ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ ، قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : جُدَامَةُ بِنْتُ وَهْبٍ وَيُقَالُ : جُنْدُلُ الأَسَدِيَّةُ أُخْتُ عُكَاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ لِأُمِّهِ ، صَحَابِيَّةٌ لَهَا سَابِقَةٌ وَهِجْرَةٌ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : مَنْ قَالَهَا بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ صَحَّفَ ، انْتَهَى . وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهَا : رَوَتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّهْيِ عَنِ الْغِيلَةِ ، رَوَتْ عَنْهَا عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( أَرَدْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيَالِ ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ : الْغَيْلَةُ ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْغِيلَةُ هَاهُنَا بِكَسْرِ الْغَيْنِ وَيُقَالُ لَهَا : الْغَيْلُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ مَعَ حَذْفِ الْهَاءِ ، وَالْغِيَالُ بِكَسْرِ الْغَيْنِ ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ : الْغَيْلَةُ بِالْفَتْحِ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ ، وَأَمَّا بِالْكَسْرِ فَهِيَ الِاسْمُ مِنَ الْغَيْلِ ، وَقِيلَ : إِنْ أُرِيدَ بِهَا وَطْءَ الْمُرْضِعِ جَاءَ الْغَيْلَةُ وَالْغَيْلَةُ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِالْغَيْلَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَهِيَ الْغَيْلُ ، فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَالأَصْمَعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ : هِيَ أَنْ يُجَامِعَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ مُرْضِعٌ ، يُقَالُ مِنْهُ : أَغَالَ الرَّجُلُ وَأُغِيلَ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ . وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ : هُوَ أَنْ تُرْضِعَ الْمَرْأَةُ وَهِيَ حَامِلٌ ، يُقَالُ مِنْهُ : غَالَتْ وَأُغِيلَتْ ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : سَبَبُ هَمِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّهْيِ عَنْهَا ؛ أَنَّهُ يُخَافُ مِنْهُ ضَرَرُ الْوَلَدِ الرَّضِيعِ ، قَالُوا : وَالأَطِبَّاءُ يَقُولُونَ : إِنَّ ذَلِكَ اللَّبَنَ دَاءٌ ، وَالْعَرَبُ تَكْرَهُهُ وَتَتَّقِيهِ . ( فَإِذَا فَارِسُ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَعَدَمِ الصَّرْفِ ( يَفْعَلُونَ ) أَيِ الْغِيَالَ ( وَلَا يَقْتُلُونَ أَوْلَادَهُمْ ) وَفِي الرِّوَايَةِ الآتِيَةِ : وَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ ، قَالَ الْقَاضِي : كَانَ الْعَرَبُ يَحْتَرِزُونَ عَنِ الْغَيْلَةِ ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا تَضُرُّ الْوَلَدَ ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنَ الْمَشْهُورَاتِ الذَّائِعَةِ عِنْدَهُمْ ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْهى عَنْهَا لِذَلِكَ ، فَرَأَى أَنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَلَا يُبَالُونَ بِهِ ، ثُمَّ إِنَّهُ لَا يَعُودُ عَلَى أَوْلَادِهِمْ بِضَرَرٍ فَلَمْ يَنْهَ ، انْتَهَى . قَالَ النَّوَوِيُّ : فِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْغَيْلَةِ ؛ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْهَ عَنْهَا وَبَيَّنَ سَبَبَ تَرْكِ النَّهْيِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَسْمَاء بِنْت يَزِيدَ ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهَا ، قَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ سِرًّا ؛ فَإِنَّ الْغَيْلَ يُدْرِكُ الْفَارِسَ فَيُدَعْثِرُهُ عَنْ فَرَسِهِ ، وَسَكَتَ عَنْهُ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ( وَقَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ) اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ .
2077 حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ أَحْمَدَ ، ثنا ابْنُ وَهْبٍ ، ثني مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ الْأَسَدِيَّةِ ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنْ الْغِيلَةِ حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ فارس والروم يَصْنَعُونَ ذَلِكَ ولا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْغِيلَةُ أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ تُرْضِعُ . قَالَ عِيسَى بْنُ أَحْمَدَ : وثنا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى ، قال : ثني مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ نَحْوَهُ . قال أبو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح غريب . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ أَحْمَدَ ) بْنِ عِيسَى بْنِ وَرْدَانَ الْعَسْقَلَانِيُّ ، مِنْ عَسْقَلَانَ بَلَخَ ، ثِقَةٌ يغرب مِنَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ( ثنا ابْنُ وَهْبٍ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبِ بْنِ مُسْلِمٍ الْقُرَشِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ الْفَقِيهُ ثِقَةٌ حَافِظٌ عَابِدٌ مِنَ التَّاسِعَةِ ( عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ ) وَوَقَعَ فِي النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ : وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ بِزِيَادَةِ الْوَاوِ بَيْنَ أَبِي الْأَسْوَدِ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ غَلَطٌ . قَوْلُهُ : ( لَقَدْ هَمَمْتُ ) أَيْ : قَصَدْتُ ( حَتَّى ذُكِّرْتُ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( يَصْنَعُونَ ذَلِكَ ) أَيِ : الْغِيلَةَ ( وَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ ، وَفِي حَدِيثِ جُدَامَةَ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْغِيلَةِ ، وَحَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ الْمَذْكُورُ يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وَجْهِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا ، فَقَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله : نَفْيُهُ لِأَثَرِ الْغَيْلِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ يَعْنِي حَدِيثَ جُدَامَةَ كَانَ إِبْطَالًا لِاعْتِقَادِ الْجَاهِلِيَّةِ كَوْنِهِ مُؤَثِّرًا ، وَإِثْبَاتُهُ لَهُ هُنَا يَعْنِي فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ فِي الْجُمْلَةِ مَعَ كَوْنِ الْمُؤَثِّرِ الْحَقِيقِيِّ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى ، انْتَهَى . وَقِيلَ النَّهْيُ فِي قَوْلِهِ : لَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ سِرًّا فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ لِلتَّنْزِيهِ ، وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ : لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى فِي حَدِيثِ جُدَامَةَ عَلَى التَّحْرِيمِ فَلَا مُنَافَاةَ ، وَقَالَ السِّنْدِيُّ : حَدِيثُ أَسْمَاءَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَالَ عَلَى زَعْمِ الْعَرَبِ قَبْلَ حَدِيثِ جُدَامَةَ ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ فَأَذِنَ بِهِ كَمَا فِي رِوَايَةِ جُدَامَةَ وَهَذَا بَعِيدٌ ; لِأَنَّ مُفَادَ حَدِيثِ جُدَامَةَ أَنَّهُ أَرَادَ النَّهْيَ وَلَمْ يَنْهَ ، وَحَدِيثُ أَسْمَاءَ فِيهِ نَهْيٌ فَكَيْفَ يَكُونُ حَدِيثُ أَسْمَاءَ قَبْلَ حَدِيثِ جُدَامَةَ ، وَأَيْضًا لَوْ كَانَ عَلَى زَعْمِ الْعَرَبِ لَمَا اسْتُحْسِنَ الْقَسَمُ بِاللَّهِ كَمَا عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ ، فَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهُ بَعْدَ حَدِيثِ جُدَامَةَ حَيْثُ حُقِّقَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ إِلَّا أَنَّ الضَّرَرَ قَدْ يَخْفَى إِلَى الْكِبَرِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وثنا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى ) بْنِ نَجِيحٍ الْبَغْدَادِيُّ أَبُو يَعْقُوبَ ابْنُ الطَّبَّاعِ سَكَنَ أَذَنَةَ ، صَدُوقٌ مِنَ التَّاسِعَةِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح غريب ) وَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ .
2064 حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، ثني عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ ، نا شُعْبَةُ ، نا أَبُو بِشْرٍ قَال : سَمِعْتُ أَبَا الْمُتَوَكِّلِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرُّوا بِحَيٍّ مِنْ الْعَرَبِ ، فَلَمْ يَقْرُوهُمْ وَلَمْ يُضَيِّفُوهُمْ ، فَاشْتَكَى سَيِّدُهُمْ ، فَأَتَوْنَا فَقَالُوا : هَلْ عِنْدَكُمْ دَوَاءٌ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ ، وَلَكِنَّكُمْ لَمْ تَقْرُونَا وَلَمْ تُضَيِّفُونَا ، فَلَا نَفْعَلُ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا ، فَجَعَلُوا عَلَى ذَلِكَ قَطِيعًا مِنْ غنم ، فَجَعَلَ رَجُلٌ مِنَّا يَقْرَأُ عَلَيْهِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، فَبَرَأَ ، فَلَمَّا أَتَيْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ قَالَ : وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ ؟ وَلَمْ يَذْكُرْ نَهْيًا مِنْهُ ، وَقَالَ : كُلُوا ، وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ ، وَهَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي وَحْشِيَّةَ ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَجَعْفَرُ بْنُ إِيَاسٍ هُوَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي وَحْشِيَّةَ قَوْلُهُ : ( مَرُّوا بِحَيٍّ مِنَ الْعَرَبِ ) اعْلَمْ أَنَّ طَبَقَاتِ أَنْسَابِ الْعَرَبِ سِتٌّ : الشَّعْبُ بِفَتْحِ الشِّينِ ، وَهُوَ النَّسَبُ الْأَبْعَدُ ، كَعَدْنَانَ مَثَلًا ، وَهُوَ أَبُو الْقَبَائِلِ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ إِلَيْهِ وَيُجْمَعُ عَلَى شُعُوبٍ ، وَالْقَبِيلَةُ : وَهِيَ مَا انْقَسَمَ بِهِ الشَّعْبُ كَرَبِيعَةَ وَمُضَرَ ، وَالْعِمَارَةُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ : وَهِيَ مَا انْقَسَمَ فِيهِ أَنْسَابُ الْقَبِيلَةِ كَقُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ ، وَيُجْمَعُ عَلَى عِمَارَاتٍ وَعَمَائِرَ ، وَالْبَطْنُ : وَهِيَ مَا انْقَسَمَ فِيهِ أَنْسَابُ الْعِمَارَةِ ، كَبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَبَنِي مَخْزُومٍ ، وَيُجْمَعُ عَلَى بُطُونٍ وَأَبْطُنٍ ، الْفَخِذُ : وَهِيَ مَا انْقَسَمَ فِيهِ أَنْسَابُ الْبَطْنِ كَبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي أُمَيَّةَ ، وَيُجْمَعُ عَلَى أَفْخَاذٍ ، وَالْفَصِيلَةُ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ : وَهِيَ مَا انْقَسَمَ فِيهِ أَنْسَابُ الْفَخِذِ كَبَنِي الْعَبَّاسِ ، وَأَكْثَرُ مَا يَدُورُ عَلَى الْأَلْسِنَةِ مِنَ الطَّبَقَاتِ الْقَبِيلَةُ ثُمَّ الْبَطْنُ ، وَرُبَّمَا عَبَّرَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الطَّبَقَاتِ السِّتِّ بِالْحَيِّ ، إِمَّا عَلَى الْعُمُومِ ، مِثْلَ أَنْ يُقَالَ : حَيٌّ مِنَ الْعَرَبِ ، وَإِمَّا عَلَى الْخُصُوصِ مِثْلَ أَنْ يُقَالَ : حَيٌّ مِنْ بَنِي فُلَانٍ ، وَقَالَ الْهَمْدَانِيُّ فِي الْأَنْسَابِ : الشَّعْبُ وَالْحَيُّ بِمَعْنًى . ( حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ : مَا يُعْطَى عَلَى عَمَلٍ ( فَجَعَلُوا عَلَى ذَلِكَ قَطِيعًا مِنْ غَنَمٍ ) قَالَ ابْنُ التِّينِ : الْقَطِيعُ : الطَّائِفَةُ مِنَ الْغَنَمِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْقَطِيعَ هُوَ الشَّيْءُ الْمُقتطّعُ مِنْ غَنَمٍ كَانَ أَوْ غَيْرِهَا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّ الْغَالِبَ اسْتِعْمَالُهُ فِيمَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ وَالْأَرْبَعِينَ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ : فَإِنَّا نُعْطِيكُمْ ثَلَاثِينَ شَاةً ، وَهُوَ مُنَاسِبٌ لِعَدَدِ السَّرِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَكَأَنَّهُمُ اعْتَبَرُوا عَدَدَهُمْ فَجَعَلُوا الْجُعْلَ بِإِزَائِهِ . ( وَمَا يُدْرِيكَ ) هِيَ كَلِمَةٌ تُقَالُ عِنْدَ التَّعَجُّبِ مِنَ الشَّيْءِ ، وَتُسْتَعْمَلُ فِي تَعْظِيمِ الشَّيْءِ أَيْضًا ، وَهُوَ لَائِقٌ هُنَا ، قَالَهُ الْحَافِظُ ، وَفِي رِوَايَةٍ بَعْدَ قَوْلِهِ : وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ ؟ قُلْتُ : أُلْقِيَ فِي رَوْعِي وَالدَّارَقُطْنِيّ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ شَيْءٌ أُلْقِيَ فِي رَوْعِي ( وَلَمْ يَذْكُرْ نَهْيًا مِنْهُ ) أَيْ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَهَذَا ) أَيْ حَدِيثُ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ( أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ هَذَا : وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ : إِنَّهَا يَعْنِي طَرِيقَ شُعْبَةَ الصَّوَابُ ، وَرَجَّحَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ ، وَلَمْ يُرَجِّحْ فِي السُّنَنِ شَيْئًا ، وَكَذَا النَّسَائِيُّ ، وَالَّذِي يَتَرَجَّحُ فِي نَقْدِي أَنَّ الطَّرِيقَيْنِ مَحْفُوظَانِ ؛ لِاشْتِمَالِ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَلَى زِيَادَاتٍ فِي الْمَتْنِ لَيْسَتْ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ وَمَنْ تَابَعَهُ ، فَكَأَنَّهُ كَانَ عِنْدَ أَبِي بِشْرٍ عَنْ شَيْخَيْنِ ، فَحَدَّثَ بِهِ تَارَةً عَنْ هَذَا ، وَتَارَةً عَنْ هَذَا ، وَلَمْ يُصِبِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي دَعْوَاهُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُضْطَرِبٌ ، فَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَيْضًا مَعْبَدُ بْنُ سِيرِينَ ، كَمَا سَيَأْتِي فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ قَتَّةَ كَمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، انْتَهَى .
بَاب مَا جَاءَ فِي أَخْذِ الْأَجْرِ عَلَى التَّعْوِيذِ 2063 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، نا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَرِيَّةٍ ، فَنَزَلْنَا بِقَوْمٍ فَسَأَلْنَاهُمْ الْقِرَى ، فَلَمْ يَقْرُونَا ، فَلُدِغَ سَيِّدُهُمْ فَأَتَوْنَا ، فَقَالُوا : هَلْ فِيكُمْ مَنْ يَرْقِي مِنْ الْعَقْرَبِ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، أَنَا ، وَلَكِنْ لَا أَرْقِيهِ حَتَّى تُعْطُونَا غَنَمًا . قَالوا : فَإنا نعْطِيكُمْ ثَلَاثِينَ شَاةً ، فَقَبِلْنَا ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ : الْحَمْدُ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، فَبَرَأَ ، وَقَبَضْنَا الْغَنَمَ . قَالَ : فَعَرَضَ فِي أَنْفُسِنَا مِنْهَا شَيْءٌ ، فَقُلْنَا : لَا تَعْجَلُوا حَتَّى تَأْتُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَيْهِ ذَكَرْتُ لَهُ الَّذِي صَنَعْتُ ، قَالَ : وَمَا عَلِمْتَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ ؟ اقْبِضُوا الْغَنَمَ ، وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح . وَأَبُو نَضْرَةَ اسْمُهُ الْمُنْذِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ قُطَعَةَ ، وَرَخَّصَ الشَّافِعِيُّ لِلْمُعَلِّمِ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ أَجْرًا ، وَيَرَى لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى ذَلِكَ ، وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ . وَرَوَى شُعْبَةُ ، وَأَبُو عَوَانَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا الْحَدِيثَ . باب ما جاء في أخذ الأجر على التعويذ قَوْلُهُ : ( عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ ) كُنْيَتُهُ أَبُو بِشْرِ بْنِ أَبِي وَحْشِيَّةَ ، بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَثْقِيلِ التَّحْتَانِيَّةِ ، ثِقَةٌ مِنْ أَثْبَتِ النَّاسِ فِي سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَضَعَّفَهُ شُعْبَةُ فِي حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ ، وَفِي مُجَاهِدٍ : مِنَ الْخَامِسَةِ ( عَنْ أَبِي نَضِرَةَ ) هُوَ الْعَبْدِيُّ . قَوْلُهُ : ( بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَرِيَّةٍ فَنَزَلْنَا بِقَوْمٍ ) وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ : بَعَثَ سَرِيَّةً عَلَيْهَا أَبُو سَعِيدٍ ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ عِنْدَ غَيْرِ التِّرْمِذِيِّ : بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا ، فَنَزَلْنَا بِقَوْمٍ لَيْلًا ، فَأَفَادَتْ عَدَدَ السَّرِيَّةِ وَوَقْتَ النُّزُولِ ، كَمَا أَفَادَتْ رِوَايَةُ الدَّارَقُطْنِيِّ تَعْيِينَ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ ( فَسَأَلْنَاهُمُ الْقِرَى ) بِكَسْرِ الْقَافِ مَقْصُورًا : الضِّيَافَةَ ( فَلَمْ يَقْرُونَا ) أَيْ : فَلَمْ يُضَيِّفُونَا ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : قَرَى الضَّيْفَ قِرًى بِالْكَسْرِ والقصر وَالْفَتْحِ وَالْمَدِّ أَضَافَهُ كَاقْتَرَاهُ ( فَلُدِغَ سَيِّدُهُمْ ) بِضَمِّ اللَّامِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ، وَاللَّدْغُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ، وَهُوَ اللَّسْعُ وَزْنًا وَمَعْنًى ، وَأَمَّا اللَّذْعُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فَهُوَ الْإِحْرَاقُ الْخَفِيفُ ، وَاللَّدْغُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ هُوَ ضَرْبُ ذَاتِ الْحُمَّةِ مِنْ حَيَّةٍ أَوْ عَقْرَبٍ وَغَيْرِهِمَا ، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْعَقْرَبِ ، وَقَدْ أَفَادَتْ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ هَذِهِ تَعْيِينَ الْعَقْرَبِ . فَإِنْ قُلْتَ : عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ هُشَيْمٍ أَنَّهُ مُصَابٌ فِي عَقْلِهِ أَوْ لَدِيغٌ . قُلْتُ : هَذَا شَكٌّ مِنْ هُشَيْمٍ ، وَرَوَاهُ الْبَاقُونَ أَنَّهُ لَدِيغٌ ، وَلَمْ يَشُكُّوا ، خُصُوصًا تَصْرِيحَ الْأَعْمَشِ بِالْعَقْرَبِ . فَإِنْ قُلْتَ : جَاءَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ وَعِنْدَهُمْ رَجُلٌ مَجْنُونٌ مُوثَقٌ فِي الْحَدِيدِ ، فَقَالُوا : إِنَّكَ جِئْتَ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرَّجُلِ بِخَيْرٍ فَارْقِ لَنَا هَذَا الرَّجُلَ ، وَفِي لَفْظٍ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ عَنْ عَمِّهِ يَعْنِي ؛ عِلَاقَةَ بْنَ صَحَّارٍ : أَنَّهُ رَقَى مَجْنُونًا مُوثَقًا بِالْحَدِيدِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ؛ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ فَبَرَأَ ، فَأَعْطَوْنِي مِائَتَيْ شَاة ، فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : خُذْهُمَا وَلَعَمْرِي مَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ فَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ . قُلْتُ : هُمَا قَضِيَّتَانِ ؛ لِأَنَّ الرَّاقِيَ هُنَاكَ أَبُو سَعِيدٍ ، وَهُنَا عِلَاقَةُ بْنُ صَحَّارٍ وَبَيْنَهُمَا اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ . ( فَأَتَوْنَا ) أَيْ : فَجَاءُونَا ( فَقَالُوا : هَلْ فِيكُمْ مَنْ يَرْقِي مِنَ الْعَقْرَبِ ؟ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : رَقَاهُ رَقْيًا وَرَقِيًّا ورقية : نَفَثَ فِي عُوذَتِهِ ، وَقَالَ فِيهِ : الْعُوذَةُ : الرُّقْيَةُ ، كَالْمَعَاذَةِ وَالتَّعْوِيذِ ، انْتَهَى . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ ، فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا ، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ ، فَأَتَوْهُمْ ، فَقَالُوا : يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ ، إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ ، وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ . ( فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ الْحَمْدَ سَبْعَ مَرَّاتٍ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : فَانْطَلَقَ يَتْفُلُ عَلَيْهِ ، وَيَقْرَأُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، قَالَ الْحَافِظُ : قوله : يَتْفُلُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَبِكَسْرِهَا وَهُوَ نَفَخَ مَعَهُ قَلِيلَ بُزَاقٍ ، قَالَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ : مَحَلُّ التَّفْلِ فِي الرُّقْيَةِ يَكُونُ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ ؛ لِتَحْصِيلِ بَرَكَةِ الْقِرَاءَةِ فِي الْجَوَارِحِ الَّتِي يَمُرُّ عَلَيْهَا الرِّيقُ فَتَحْصُلُ الْبَرَكَةُ فِي الرِّيقِ الَّذِي يَتْفُلُهُ . ( فَبَرَأَ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : فَكَأَنَّمَا نَشِطَ مِنْ عِقَالٍ ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قُلْبَةٌ . ( وَمَا عَلِمْتَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ ) : أَيْ : كَيْفَ عَلِمْتَ ؟ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : وَمَا يُدْرِيَكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ ( وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ ) أَيِ : اجْعَلُوا لِي مِنْهُ نَصِيبًا ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي تَأْنِيسِهِمْ ، كَمَا وَقَعَ لَهُ فِي قِصَّةِ الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَفِي الْحَدِيثِ : جَوَازُ الرُّقْيَةِ بِشَيْءٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَيَلْحَقُ بِهِ مَا كَانَ مِنَ الدَّعَوَاتِ الْمَأْثُورَةِ ، أَوْ مِمَّا يُشَابِهُهَا ، وَلَا يَجُوزُ بِأَلْفَاظٍ مِمَّا لَا يُعْلَمُ مَعْنَاهَا ، مِنَ الْأَلْفَاظِ الْغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ . قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ : إِذَا ثَبَتَ أَنَّ لِبَعْضِ الْكَلَامِ خَوَاصَّ وَمَنَافِعَ ، فَمَا الظَّنُّ بِكَلَامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ثُمَّ بِالْفَاتِحَةِ الَّتِي لَمْ يَنْزِلْ فِي الْقُرْآنِ وَلَا غَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ مِثْلُهَا ؛ لِتَضَمُّنِهَا جَمِيعَ مَعَانِي الْكِتَابِ ، فَقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَى ذِكْرِ أُصُولِ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَمَجَامِعِهَا ، وَإِثْبَاتِ الْمَعَادِ وَذِكْرِ التَّوْحِيدِ ، وَالِافْتِقَارِ إِلَى الرَّبِّ فِي طَلَبِ الْإِعَانَةِ بِهِ وَالْهِدَايَةِ مِنْهُ ، وَذِكْرِ أَفْضَلِ الدُّعَاءِ وَهُوَ طَلَبُ الْهِدَايَةِ إِلَى صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ الْمُتَضَمِّنِ كَمَالَ مَعْرِفَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَعِبَادَتِهِ بِفِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ ، وَاجْتِنَابِ مَا نُهِيَ عَنْهُ وَالِاسْتِقَامَةِ عَلَيْهِ ، وَلِتَضَمُّنِهَا ذِكْرَ أَصْنَافِ الْخَلَائِقِ وَقِسْمَتَهُمْ إِلَى مُنْعَمٍ عَلَيْهِ لِمَعْرِفَتِهِ بِالْحَقِّ وَالْعَمَلِ بِهِ ، وَمَغْضُوبٍ عَلَيْهِ لِعُدُولِهِ عَنِ الْحَقِّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ ، وَضَالٍّ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ لَهُ ، مَعَ مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ إِثْبَاتِ الْقَدَرِ وَالشَّرْعِ وَالْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَالْمَعَادِ وَالتَّوْبَةِ ، وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَإِصْلَاحِ الْقَلْبِ ، وَالرَّدِّ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْبِدَعِ ، وَحَقِيقٌ بِسُورَةٍ هَذَا بَعْضُ شَأْنِهَا أَنْ يُسْتَشْفَى بِهَا مِنْ كُلِّ دَاءٍ ، انْتَهَى مُلَخَّصًا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ( وَرَخَّصَ الشَّافِعِيُّ لِلْمُعَلِّمِ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ أَجْرًا ) ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَآخَرُونَ مِنَ السَّلَفِ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَجَازَهُ فِي الرُّقْيَةِ ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ، وَقَالَ الْحَافِظُ : قَدْ نَقَلَ عِيَاضٌ جَوَازَ الِاسْتِئْجَارِ لِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ عَنِ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إِلَّا الْحَنَفِيَّةَ ، انْتَهَى . قُلْتُ : وَقَدْ أَجَازَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا أَخْذَ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ ( وَيَرَى ) أَيْ يَعْتَقِدُ الشَّافِعِيُّ ( لَهُ ) أَيْ يَجُوزُ لِلْمُعَلِّمِ ( أَنْ يَشْتَرِطَ ) أَيْ أَخْذَ الْأُجْرَةِ ( عَلَى ذَلِكَ ) أَيْ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ ( وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ ) الِاحْتِجَاجُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى الرُّقْيَةِ وَاضِحٌ ، وَأَمَّا الِاحْتِجَاجُ بِهِ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْقُرْطُبِيُّ حَيْثُ قَالَ : لَا نُسَلِّمُ أَنَّ جَوَازَ أَخْذِ الْأَجْرِ فِي الرُّقَى يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّعْلِيمِ بِالْأَجْرِ ، انْتَهَى . قلت : لَمْ يَذْكُرِ الْقُرْطُبِيُّ سَنَدَ الْمَنْعِ ، وَلَا يَظْهَرُ وَجْهٌ صَحِيحٌ لِعَدَمِ التَّسْلِيمِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَقَدِ اسْتَدَلَّ للْجُمْهُور بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اذْهَبْ فَقَدْ أَنْكَحْتُكهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ ، فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : اذْهَبْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا ، فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ . وَاسْتَدَلَّ للْجُمْهُور أَيْضًا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، قَالَ الْحَافِظُ : اسْتَدَلَّ بِهِ للْجُمْهُور فِي جَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ ، وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةُ فَمَنَعُوهُ فِي التَّعْلِيمِ وَأَجَازُوهُ فِي الرُّقَى كَالدَّوَاءِ ، قَالُوا : لِأَنَّ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ عِبَادَةٌ وَالْأَجْرُ فِيهِ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي الرُّقَى ، إِلَّا أَنَّهُمْ أَجَازُوهُ فِيهَا لِهَذَا الْخَبَرِ ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمُ الْأَجْرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الثَّوَابِ ، وَسِيَاقُ الْقِصَّةِ الَّتِي فِي الْحَدِيثِ يَأْبَى هَذَا التَّأْوِيلَ ، وَادَّعَى بَعْضُهُمْ نَسْخَهُ بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْوَعِيدِ عَلَى أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ ، وَقَدْ رَوَاهَا أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ إِثْبَاتٌ لِلنَّسْخِ بِالِاحْتِمَالِ ، وَهُوَ مَرْدُودٌ ، وَبِأَنَّ الْأَحَادِيثَ لَيْسَ فِيهَا تَصْرِيحٌ بِالْمَنْعِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، بَلْ هِيَ وَقَائِعُ أَحْوَالٍ مُحْتَمِلَةٌ لِلتَّأْوِيلِ ؛ لِتُوَافِقَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ كَحَدِيثَيِ الْبَابِ ، ( يَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمَ آنِفًا ، وَحَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْبَابِ ) وَبِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمَذْكُورَةَ أَيْضًا لَيْسَ فِيهَا مَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ فَلَا تُعَارِضُ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : اسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ ، وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَجْرِ هُنَا الثَّوَابُ ، وَيُرَدُّ بِأَنَّ سِيَاقَ الْقِصَّةِ يَأْبَى ذَلِكَ ، وَادَّعَى بَعْضُهُمْ نَسْخَهُ بِالْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ ، وَبِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الْقَاضِيَةَ بِالْمَنْعِ وَقَائِعُ أَعْيَانٍ مُحْتَمِلَةٌ لِلتَّأْوِيلِ لِتُوَافِقَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ ، كَحَدِيثَيِ الْبَابِ ، وَبِأَنَّهَا مِمَّا لَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ ، فَلَا تَقْوَى عَلَى مُعَارَضَةِ مَا فِي الصَّحِيحِ ، وَقَدْ عَرَفْتَ مِمَّا سَلَفَ أَنَّهَا تَنْتَهِضُ لِلِاحْتِجَاجِ بِهَا عَلَى الْمَطْلُوبِ ، وَالْجَمْعُ مُمْكِنٌ إِمَّا بِحَمْلِ الْأَجْرِ الْمَذْكُورِ هُنَا عَلَى الثَّوَابِ كَمَا سَلَفَ وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ ، أَوِ الْمُرَادُ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَى الرُّقْيَةِ فَقَطْ ، كَمَا يُشْعِرُ بِهِ السِّيَاقُ فَيَكُونُ مُخَصِّصًا لِلْأَحَادِيثِ الْقَاضِيَةِ بِالْمَنْعِ ، أَوْ بحمَل الْأَجْر هُنَا عَلَى عُمُومِهِ ، فَيَشْمَلُ الْأَجْرَ عَلَى الرُّقْيَةِ وَالتِّلَاوَةِ وَالتَّعْلِيمِ ، وَيَخُصُّ أَخْذَهَا عَلَى التَّعْلِيمِ بِالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّم وَيَجُوزُ مَا عَدَاهُ ، وَهَذَا أَظْهَرُ وُجُوهِ الْجَمْعِ فَيَنْبَغِي الْمَصِيرُ إِلَيْهِ ، انْتَهَى . قُلْتُ : الرِّوَايَاتُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى مَنْعِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ ضِعَافٌ لَا تَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهَا بِمَجْمُوعِهَا تَنْتَهِضُ لِلِاحْتِجَاجِ ، فَالْأَحَادِيثُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ أَصَحُّ مِنْهَا وَأَقْوَى ، ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَقَائِعُ أَحْوَالٍ مُحْتَمِلَةٌ لِلتَّأْوِيلِ ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّوْكَانِيُّ مِنْ وُجُوهِ الْجَمْعِ ، هَذَا مَا عِنْدِي ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
2074 حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ ، نا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ . حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ ، ثنا عَبْدَةُ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ . وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ كَلَامٌ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا ، وَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( نا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ) هُوَ الْكِلَابِيُّ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ) الْفَيْحُ سُطُوعُ الْحَرِّ وَفَوَرَانُهُ ، وَيُقَالُ بِالْوَاوِ ، وَفَاحَتِ الْقِدْرُ تَفِيحُ وَتَفُوحُ إِذَا غَلَتْ ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ ، قَوْلُهُ : ( عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ ) بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ الْأَسَدِيَّةِ ، زَوْجَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، رَوَتْ عَنْ جَدَّتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهَا ، وَعَنْهَا زَوْجُهَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ وَغَيْرُهُ ، ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَتَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ ( عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ) الصِّدِّيقِ ، زَوْجِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ، وَكَانَتْ تُسَمَّى ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ كَلَامٌ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا ) رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ هَذَا الْحَدِيثَ مُطَوَّلًا ، وَلَفْظُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ : أَنَّهَا كَانَتْ تُؤْتَى بِالْمَرْأَةِ الْمَوْعُوكَةِ فَتَدْعُو بِالْمَاءِ فَتَصُبُّهُ فِي جَيْبِهَا ، وَتَقُولُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ابْرُدُوهَا بِالْمَاءِ ، وَقَالَ : إِنَّهَا مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ، فَأَشَارَ التِّرْمِذِيُّ بِقَوْلِهِ : وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ كَلَامٌ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا إِلَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الزِّيَادَةِ . ( وَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ ) أَخْرَجَهُمَا الشَّيْخَانِ .
2075 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، ثنا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ مِنْ الْحُمَّى وَمِنْ الْأَوْجَاعِ كُلِّهَا أَنْ يَقُولَ : بِسْمِ اللَّهِ الْكَبِيرِ ، أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ مِنْ شَرِّ كُلِّ عِرْقٍ نَعَّارٍ ، وَمِنْ شَرِّ حَرِّ النَّارِ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ ، وَإِبْرَاهِيمُ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ ، وَيُرْوَى : عِرْقٌ يَعَّارٌ . قَوْلُهُ : ( ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنُ أَبِي حَبِيبَةَ ) الْأَنْصَارِيُّ الْأَشْهَلِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيُّ ، ضَعِيفٌ مِنَ السَّابِعَةِ ( عَنْ دَاوُدَ بْنِ حُصَيْنٍ ) الْأُمَوِيِّ مَوْلَاهُمْ أَبُو سُلَيْمَانَ الْمَدَنِيُّ ، ثِقَةٌ إِلَّا فِي عِكْرِمَةَ ، وَرُمِيَ بِرَأْيِ الْخَوَارِجِ ، مِنَ السَّادِسَةِ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ . قَوْلُهُ : ( كَانَ يُعَلِّمُهُمْ مِنَ الْحُمَّى ) أَيْ مِنْ أَجْلِهَا ( أَنْ يَقُولَ ) أَيِ الْمَرِيضُ أَوْ عَائِدُهُ ( مِنْ شَرِّ كُلِّ عِرْقٍ ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ مُنَوَّنًا ( نَعَّارٍ ) بِفَتْحِ النُّونِ وشدة الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، أَيْ : فَوَّارِ الدَّمِ ، يُقَالُ : نَعَرَ الْعِرْقُ يَنْعَرُ بِالْفَتْحِ فِيهِمَا إِذَا فَارَ مِنْهُ الدَّمُ ، اسْتَعَاذَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا غَلَبَ لَمْ يُمْهِلْ ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ : نَعَرَ الْعِرْقُ بِالدَّمِ إِذَا ارْتَفَعَ وَعَلَا ، وَجُرْحٌ نَعَّارٌ وَنَعُورُ إِذَا صَوَّتَ دَمُهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا ، وَابْنُ السُّنِّيِّ فِي عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . ( وَيُرْوَى عِرْقٍ يَعَّارٍ ) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ضَبْطُ يَعَّارٍ فِي النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ بالقلم بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَتَشْدِيدِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَمَعْنَاهُ : صَوَّاتٌ ، قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : يُقَالُ : يَعَرَتِ الْعَنْزُ تَيْعِرُ بِالْكَسْرِ يُعَارًا بِالضَّمِّ أَيْ : صَاحَتْ ، انْتَهَى ، وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ النَّاسِ : يُعَارُّ بِضَمِّ الْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ مِنَ الْعَرَارَةِ وَهِيَ الشِّدَّةُ وَسُوءُ الْخُلُقِ ، وَمِنْهُ إِذَا اسْتَعَرَ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ مِنَ الْغَنَمِ أَيْ : نَدَّ وَاسْتَعْصَى ، وَأَمَّا يَعَّارٍ فَلَمْ نجد لَهُ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ مَعْنًى يُنَاسِبُ هَذَا الْمَقَامَ ، انْتَهَى ، فَمِمَّا لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ .
بَاب مَا جَاءَ فِي تَبْرِيدِ الْحُمَّى بِالْمَاءِ 2073 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، نا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ ، عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْحُمَّى فَوْرٌ مِنْ النَّارِ فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وابن عباس ، وَامْرَأَةِ الزُّبَيْرِ ، وَعَائِشَةَ . باب ما جاء في تبريد الحمى بالماء قَوْلُهُ : ( نا أَبُو الْأَحْوَصِ ) اسْمُهُ سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ الْحَنَفِيُّ مَوْلَاهُمُ الْكُوفِيُّ ، ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ ) هُوَ وَالِدُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ( عن عَبَايَة ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْمُوَحَّدَةِ الْخَفِيفَةِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ تَحْتَانِيَّةٌ خَفِيفَةٌ ( بْنُ رِفَاعَةَ ) بِكَسْرِ رَاءٍ وَخِفَّةِ فَاءٍ وَإِهْمَالِ عَيْنٍ ، ابْن رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ الْأَنْصَارِيُّ الزُّرَقِيُّ كُنْيَتُهُ أَبُو رِفَاعَةَ ، الْمَدَنِيُّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ( عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ) بِفَتْحِ مُعْجَمَةٍ وَكَسْرِ دَالٍ مُهْمَلَةٍ وَبِجِيمٍ ، ابْنُ رَافِعِ بْنِ عَدِيٍّ الْأَوْسِيُّ الْأَنْصَارِيُّ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ ، أَوَّلُ مَشَاهِدِهِ أُحُدٌ ثُمَّ الْخَنْدَقُ ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَابْنُهُ رِفَاعَةُ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ ، وَحَفِيدُهُ عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ وَغَيْرُهُمْ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَتَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ . قَوْلُهُ : ( الْحُمَّى فَوْرٌ مِنَ النَّارِ ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَبِالرَّاءِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ ، وَفِي أُخْرَى : مِنْ فَوْحِ بِالْوَاوِ بَدَلِ التَّحْتَانِيَّةِ . قَالَ الْحَافِظُ : كُلُّهَا بِمَعْنًى ، وَالْمُرَادُ سُطُوعُ حَرِّهَا وَوَهَجِهِ ، وَاخْتُلِفَ فِي نِسْبَةِ الْحُمَّى إِلَى جَهَنَّمَ ، فَقِيلَ : حَقِيقَةٌ ، وَاللَّهَبُ الْحَاصِلُ فِي جِسْمِ الْمَحْمُومِ قِطْعَةٌ مِنْ جَهَنَّمَ ، وَقَدَّرَ اللَّهُ ظُهُورَهَا بِأَسْبَابٍ تَقْتَضِيهَا لِيَعْتَبِرَ الْعِبَادُ بِذَلِكَ ، كَمَا أَنَّ أَنْوَاعَ الْفَرَحِ وَاللَّذَّةِ مِنْ نَعِيمِ الْجَنَّةِ أَظْهَرَهَا فِي هَذِهِ الدَّارِ عِبْرَةً وَدَلَالَةً ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَعَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي مُسْنَدِ الشِّهَابِ : الْحُمَّى حَظُّ الْمُؤْمِنِ مِنَ النَّارِ ، وَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْأَمْرِ بِالْإِبْرَادِ أَنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ، وَأَنَّ اللَّهَ أَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ ، وَقِيلَ : بَلِ الْخَبَرُ وَرَدَ مَوْرِدَ التَّشْبِيهِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ حَرَّ الْحُمَّى شَبِيهٌ بِحَرِّ جَهَنَّمَ تَنْبِيهًا لِلنُّفُوسِ عَلَى شِدَّةِ حَرِّ النَّارِ ، وَأَنَّ هَذِهِ الْحَرَارَةَ الشَّدِيدَةَ شَبِيهَةٌ بِفَيْحِهَا ، وَهُوَ مَا يُصِيبُ مَنْ قَرُبَ مِنْهَا مِنْ حَرِّهَا ، كَمَا قِيلَ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْإِبْرَادِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، انْتَهَى . ( فَابْرُدُوهَا ) قَالَ الْحَافِظُ : الْمَشْهُورُ فِي ضَبْطِهَا بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَالرَّاءُ مَضْمُومَةٌ ، وَحُكِيَ كَسْرُهَا ، يُقَالُ : بَرَدْتُ الْحُمَّى أَبْرُدُهَا بَرْدًا بِوَزْنِ قَتَلْتُهَا أَقْتُلُهَا قَتْلًا ، أَيْ : أَسْكَنْتُ حَرَارَتَهَا ، قَالَ شَاعِرُ الْحَمَاسَةِ : إِذَا وَجَدْتُ لَهِيبَ الْحُبِّ فِي كَبِدِي أَقْبَلْتُ نَحْوَ سِقَاءِ الْقَوْمِ أَبْتَرِدُ هَبْنِي بَرَدْتُ بِبَرْدِ الْمَاءِ ظَاهِرُهُ فَمن لنار عَلَى الْأَحْشَاءِ تَتَّقِدُ وَحَكَى عِيَاضٌ رِوَايَةً بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ وَكَسْرِ الرَّاءِ : مِنْ أَبْرَدَ الشَّيْءَ إِذَا عَالَجَهُ فَصَيَّرَهُ بَارِدًا ، مِثْلَ أَسْخَنَهُ إِذَا صَيَّرَهُ سُخْنًا ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهَا الْخَطَّابِيُّ ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : إِنَّهَا لُغَةٌ رَدِيئَةٌ ، انْتَهَى ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي رِوَايَةٍ : فَأَطْفِئُوهَا بِهَمْزَةِ قَطْعٍ ثُمَّ طَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَفَاءٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ أَمْرٌ ، مِنَ الْإِطْفَاءِ . ( بِالْمَاءِ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ : اعْتَرَضَ بَعْضُ سُخَفَاءِ الْأَطِبَّاءِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنْ قَالَ : اغْتِسَالُ الْمَحْمُومِ بِالْمَاءِ خَطَرٌ يُقَرِّبُهُ مِنَ الْهَلَاكِ ؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ الْمَسَامَّ وَيَحْقِنُ الْبُخَارَ وَيَعْكِسُ الْحَرَارَةَ إِلَى دَاخِلِ الْجِسْمِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلتَّلَفِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : غَلِطَ بَعْضُ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى الْعِلْمِ فَانْغَمَسَ فِي الْمَاءِ لَمَّا أَصَابَتْهُ الْحُمَّى ، فَاحْتَقَنَتِ الْحَرَارَةُ فِي بَاطِنِ بَدَنِهِ فَأَصَابَتْهُ عِلَّةٌ صَعْبَةٌ كَادَتْ تُهْلِكُهُ ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِلَّتِهِ قَالَ قَوْلًا سَيِّئًا لَا يَحْسُنُ ذِكْرُهُ ، وَإِنَّمَا أَوْقَعَهُ فِي ذَلِكَ جَهْلُهُ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ . وَالْجَوَابُ : أَنَّ هَذَا الْإِشْكَالَ صَدَرَ عَنْ صَدْرٍ مُرْتَابٍ فِي صِدْقِ الْخَبَرِ ، فَيُقَالُ لَهُ أَوَّلًا : مِنْ أَيْنَ حَمَلْتَ الْأَمْرَ عَلَى الِاغْتِسَالِ ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ بَيَانُ الْكَيْفِيَّةِ فَضْلًا عَنِ اخْتِصَاصِهَا بِالْغُسْلِ ، وَإِنَّمَا فِي الْحَدِيثِ الْإِرْشَادُ إِلَى تَبْرِيدِ الْحُمَّى بِالْمَاءِ ، فَإِنْ أَظْهَرَ الْوُجُودَ أَوِ اقْتَضَتْ صِنَاعَةُ الطِّبِّ أَنَّ انْغِمَاسَ كُلِّ مَحْمُومٍ فِي الْمَاءِ أَوْ صَبَّهُ إِيَّاهُ عَلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ يَضُرُّهُ فَلَيْسَ هُوَ الْمُرَادَ ، وَإِنَّمَا قَصَدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ عَلَى وَجْهٍ يَنْفَعُ ، فَلْيَبْحَثْ عَنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ لِيَحْصُلَ الِانْتِفَاعُ بِهِ ، وَهُوَ كَمَا وَقَعَ فِي أَمْرِهِ الْعَائِنَ بِالِاغْتِسَالِ وَأَطْلَقَ ، وَقَدْ ظَهَرَ مِنَ الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ مُطْلَقَ الِاغْتِسَالِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الِاغْتِسَالَ عَلَى كَيْفِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ ، وَأَوْلَى مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ كَيْفِيَّةُ تَبْرِيدِ الْحُمَّى مَا صَنَعَتْهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ ؛ فَإِنَّهَا كَانَتْ تَرُشُّ عَلَى بَدَنِ الْمَحْمُومِ شَيْئًا مِنَ الْمَاءِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَثَوْبِهِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ النَّشْرَةِ الْمَأْذُونِ فِيهَا ، وَالصَّحَابِيُّ وَلَا سِيَّمَا مِثْلُ أَسْمَاءَ الَّتِي هِيَ مِمَّنْ كَانَ يُلَازِمُ بَيْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ مِنْ غَيْرِهَا . قُلْتُ : يَأْتِي لَفْظُ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا فِي هَذَا الْبَابِ ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : وَلَا شَكَّ أَنَّ عِلْمَ الطِّبِّ مِنْ أَكْثَرِ الْعُلُومِ احْتِيَاجًا إِلَى التَّفْصِيلِ حَتَّى إِنَّ الْمَرِيضَ يَكُونُ الشَّيْءُ دَوَاءَهُ فِي سَاعَةٍ ، ثُمَّ يَصِيرُ دَاءً لَهُ فِي السَّاعَةِ الَّتِي تَلِيهَا ؛ لِعَارِضٍ يَعْرِضُ لَهُ مِنْ غَضَبٍ يُحْمِي مِزَاجَهُ مَثَلًا ، فَيَتَغَيَّرُ عِلَاجُهُ وَمِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ ، فَإِذَا فُرِضَ وُجُودُ الشِّفَاءِ لِشَخْصٍ بِشَيْءٍ فِي حَالَةٍ مَا لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ وُجُودُ الشِّفَاءِ بِهِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ ، وَالْأَطِبَّاءُ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْمَرَضَ الْوَاحِدَ يَخْتَلِفُ عِلَاجُهُ بِاخْتِلَافِ السِّنِّ وَالزَّمَانِ وَالْعَادَةِ وَالْغِذَاءِ الْمُتَقَدِّمِ وَالتَّأْثِيرِ الْمَأْلُوفِ وَقُوَّةِ الطِّبَاعِ ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ ، قَالُوا : وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَرِدَ التَّصْرِيحُ بِالِاغْتِسَالِ فِي جَمِيعِ الْجَسَدِ فَيُجَابُ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّهُ يَقَعُ بَعْدَ إِقْلَاعِ الْحُمَّى وَهُوَ بَعِيدٌ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ ، فَيَكُونُ مِنَ الْخَوَاصِّ الَّتِي اطَّلَعَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا بِالْوَحْيِ ، وَيَضْمَحِلُّ عِنْدَ ذَلِكَ جَمِيعُ كَلَامِ أَهْلِ الطِّبِّ . وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ مَرْفُوعًا : إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمُ الْحُمَّى فَإِنَّ الْحُمَّى قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ ، فَلْيُطْفِئْهَا عَنْهُ بِالْمَاءِ ، فَلْيَسْتَنْقِعْ فِي نَهْرٍ جَارٍ ، فَلْيَسْتَقْبِلْ جِرْيَتَهُ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : وَلْيَغْمِسْ فِيهِ ثَلَاثَ غَمَسَاتٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي ثَلَاثٍ فَخَمْسٌ ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي خَمْسٍ فَسَبْعٌ ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي سَبْعٍ فَتِسْعٌ ؛ فَإِنَّهَا لَا تَكَادُ تُجَاوِزُ تِسْعًا بِإِذْنِ اللَّهِ ، قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِبَعْضِ الْحُمَّيَاتِ دُونَ بَعْضٍ ، فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ دُونَ بَعْضٍ ، لِبَعْضِ الْأَشْخَاصِ دُونَ بَعْضٍ ، وَهَذَا أَوْجَهُ ؛ فَإِنَّ خِطَابَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ يَكُونُ عَامًّا وَهُوَ الْأَكْثَرُ ، وَقَدْ يَكُونُ خَاصًّا كَمَا قَالَ : لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا ، فَقَوْلُهُ : شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا لَيْسَ عَامًّا لِجَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ بَلْ هُوَ خَاصٌّ لِمَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ وَعَلَى سَمْتِهَا ، فَكَذَلِكَ هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِأَهْلِ الْحِجَازِ وَمَا وَالَاهُمْ ، إِذْ كَانَ أَكْثَرُ الْحُمَّيَاتِ الَّتِي تَعْرِضُ لَهُمْ مِنَ الْعَرَضِيَّةِ الْحَادِثَةِ عَنْ شِدَّةِ الْحَرَارَةِ ، وَهَذِهِ يَنْفَعُهَا الْمَاءُ الْبَارِدُ شُرْبًا وَاغْتِسَالًا ; لِأَنَّ الْحُمَّى حَرَارَةٌ غَرِيبَةٌ تَشْتَعِلُ فِي الْقَلْبِ وَتَنْتَشِرُ مِنْهُ بِتَوَسُّطِ الرُّوحِ وَالدَّمِ فِي الْعُرُوقِ إِلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ ، وَهِيَ قِسْمَانِ : عَرَضِيَّةٌ : وَهِيَ الْحَادِثَةُ عَنْ وَرَمٍ أَوْ حَرَكَةٍ أَوْ إِصَابَةِ حَرَارَةِ الشَّمْسِ أَوِ الْقَيْظِ الشَّدِيدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَمَرَضِيَّةٌ : وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ ؛ وَتَكُونُ عَنْ مَادَّةٍ ، ثُمَّ مِنْهَا مَا يُسْخِنُ جَمِيعَ الْبَدَنِ ، فَإِنْ كَانَ مَبْدَأُ تَعَلُّقِهَا بِالرُّوحِ فَهِيَ حُمَّى يَوْمٍ ؛ لِأَنَّهَا تَقَعُ غَالِبًا فِي يَوْمٍ وَنِهَايَتُهَا إِلَى ثَلَاثٍ ، وَإِنْ كَانَ تَعَلُّقُهَا بِالْأَعْضَاءِ الْأَصْلِيَّةِ فَهِيَ حُمَّى دَقٍّ وَهِيَ أَخْطَرُهَا ، وَإِنْ كَانَ تَعَلُّقُهَا بِالْأَخْلَاطِ سُمِّيَتْ عَفَنِيَّةً وَهِيَ بِعَدَدِ الْأَخْلَاطِ الْأَرْبَعَةِ ، وَتَحْتَ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الْمَذْكُورَةِ أَصْنَافٌ كَثِيرَةٌ بِسَبَبِ الْإِفْرَادِ وَالتَّرْكِيبِ ، وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ النَّوْعَ الْأَوَّلَ ؛ فَإِنَّهَا تَسْكُنُ بِالِانْغِمَاسِ فِي الْمَاءِ الْبَارِدِ وَشُرْبِ الْمَاءِ الْمُبَرَّدِ بِالثَّلْجِ وَبِغَيْرِهِ ، وَلَا يَحْتَاجُ صَاحِبُهَا إِلَى عِلَاجٍ آخَرَ . وَقَدْ قَالَ جَالِينُوسُ فِي كِتَابِ حِيلَةِ الْبُرْءِ : لَوْ أَنَّ شَابًّا حَسَنَ اللَّحْمِ خِصْبَ الْبَدَنِ لَيْسَ فِي أَحْشَائِهِ وَرَمٌ اسْتَحَمَّ بِمَاءٍ بَارِدٍ أَوْ سَبَحَ فِيهِ وَقْتَ الْقَيْظِ عِنْدَ مُنْتَهَى الْحُمَّى لَانْتَفَعَ بِذَلِكَ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ : إِذَا كَانَتِ الْقُوَى قَوِيَّةً وَالْحُمَّى حَادَّةً وَالنُّضْجُ بَيِّن وَلَا وَرَمَ فِي الْجَوْفِ وَلَا فَتْقَ ؛ فَإِنَّ الْمَاءَ الْبَارِدَ يَنْفَعُ شُرْبُهُ ، فَإِنْ كَانَ الْعَلِيلُ خِصْبَ الْبَدَنِ وَالزَّمَانُ حَار أَوْ كَانَ مُعْتَادًا بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْبَارِدِ اغْتِسَالًا فَلْيُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ ، وَقَدْ نَزَّلَ ابْنُ الْقَيِّمِ حَدِيثَ ثَوْبَانَ عَلَى هَذِهِ الْقُيُودِ ، فَقَالَ : هَذِهِ الصِّفَةُ تَنْفَعُ فِي فَصْلِ الصَّيْفِ فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ فِي الْحُمَّى الْعَرَضِيَّةِ أَوِ الْغِبِّ الْخَالِصَةِ الَّتِي لَا وَرَمَ مَعَهَا ، وَلَا شَيْءَ مِنَ الْأَعْرَاضِ الرَّدِيئَةِ وَالْمَوَادِّ الْفَاسِدَةِ فَيُطْفِئُهَا بِإِذْنِ اللَّهِ ؛ فَإِنَّ الْمَاءَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَبْرَدُ مَا يَكُونُ لِبُعْدِهِ عَنْ مُلَاقَاةِ الشَّمْسِ وَوُفُورِ الْقُوَى فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِكَوْنِهِ عَقِبَ النَّوْمِ وَالسُّكُونِ وَبَرْدِ الْهَوَاءِ . قَالَ : وَالْأَيَّامُ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا هِيَ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا بُحْرَانُ الْأَمْرَاضُ الْحَادَّةُ غَالِبًا ، وَلَا سِيَّمَا فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ . تَنْبِيهٌ : قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ : قَوْلُهُ : بِالْمَاءِ فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كُلُّ مَاءٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَالثَّانِي أَنَّهُ مَاءُ زَمْزَمَ ، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ بِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ نَضْرِ بْنِ عِمْرَانَ الضُّبَعِيِّ قَالَ : كُنْتُ أُجَالِسُ ابْنَ عَبَّاسٍ بِمَكَّةَ ، فَأَخَذَتْنِي الْحُمَّى فَقَالَ : ابْرُدْهَا عَنْكَ بِمَاءِ زَمْزَمَ ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَابْرُدُوهَا بِالْمَاءِ أَوْ قَالَ : بِمَاءِ زَمْزَمَ ، رَاوِي هَذَا قَدْ شَكَّ فِيهِ ، وَلَوْ جَزَمَ بِهِ لَكَانَ أَمْرًا لِأَهْلِ مَكَّةَ بِمَاءِ زَمْزَمَ ، إِذْ هُوَ مُتَيَسِّرٌ عِنْدَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْمَاءِ ، ثُمَّ اخْتَلَفَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ عَلَى عُمُومِهِ ، هَلِ الْمُرَادُ بِهِ الصَّدَقَةُ بِالْمَاءِ أَوِ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى قَوْلَيْنِ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ اسْتِعْمَالُهُ ، وَأَظُنُّ أَنَّ الَّذِي حَمَلَ مَنْ قَالَ : الْمُرَادُ الصَّدَقَةُ بِهِ أَنَّهُ أُشْكِلَ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ الْبَارِدِ فِي الْحُمَّى وَلَمْ يَفْهَمْ وَجْهَهُ ، مَعَ أَنَّ لِقَوْلِهِ وَجْهًا حَسَنًا ، وَهُوَ أَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ ، فَكَمَا أُخْمِدَ لَهِيبُ الْعَطَشِ عَنِ الظَّمْآنِ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ ، أَخْمَدَ اللَّهُ لَهِيبَ الْحُمَّى عَنْهُ جَزَاءً وِفَاقًا ، وَلَكِنْ يُؤْخَذُ هَذَا مِنْ فِقْهِ الْحَدِيثِ وَإِشَارَتِهِ ، وَأَمَّا الْمُرَادُ بِهِ فَاسْتِعْمَالُهُ انْتَهَى ، وَحَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ هَذَا أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَامْرَأَةِ الزُّبَيْرِ ، وَعَائِشَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ أَسْمَاءَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ لَفْظُهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ امْرَأَةِ الزُّبَيْرِ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ هَذَا .
بَاب مَا جَاءَ فِي الرُّقَى وَالْأَدْوِيَةِ 2065 حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي خُزَامَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ رُقًى نَسْتَرْقِيهَا وَدَوَاءً نَتَدَاوَى بِهِ ، وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا ، هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا ؟ قَالَ : هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ ابْنِ أَبِي خُزَامَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، نَحْوَهُ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنْ أَبِي خِزَامَةَ عَنْ أَبِيهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنْ ابْنِ أَبِي خِزَامَةَ عَنْ أَبِيهِ ، وَقَدْ رَوَى غَيْرُ ابْنِ عُيَيْنَةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي خِزَامَةَ عَنْ أَبِيهِ ، وَهَذَا أَصَحُّ ، وَلَا نَعْرِفُ لِأَبِي خِزَامَةَ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ . باب ما جاء في الرقى والأدوية قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي خِزَامَةَ عَنْ أَبِيهِ ) اسْمُهُ يَعْمُرُ ، قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي تَجْرِيدِ أَسْمَاءِ الصَّحَابَةِ : يَعْمُرُ السَّعْدِيُّ سَعْدُ هُذَيْمٍ وَالِدُ أَبِي خِزَامَةَ أَنَّهُ قَالَ : أَرَأَيْتُ دَوَاءً نَتَدَاوَى بِهِ وأرُقًى نَسْتَرْقِي بِهَا هَلْ يَرُدُّ ذَلِكَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ ؟ انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( أَرَأَيْتَ رُقًى نَسْتَرْقِيهَا إِلَخْ ) يَأْتِي هَذَا الْحَدِيثُ فِي بَابِ : لَا تَرُدُّ الرُّقَى وَالدَّوَاءُ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا ، مِنْ أَبْوَابِ الْقَدَرِ ، وَيَأْتِي هُنَاكَ شَرْحُهُ ، قَوْلُهُ : ( عَنِ ابْنِ أَبِي خِزَامَةَ ) مَجْهُولٌ كَمَا فِي التَّقْرِيبِ وَغَيْرِهِ ( وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ ) يَعْنِي عَنْ أَبِي خِزَامَةَ عَنْ أَبِيهِ ، وَابْنِ أَبِي خِزَامَةَ عَنْ أَبِيهِ .
بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ التَّعْلِيقِ 2072 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَدُّوَيْهِ ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ عِيسَى وهو ابن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ أَبِي مَعْبَدِ الْجُهَنِيِّ أَعُودُهُ ، وَبِهِ حُمْرَةٌ ، فَقُلْت : أَلَا تُعَلِّقُ شَيْئًا ؟ قَالَ : الْمَوْتُ أَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ ؛ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ . وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ . وَفِي الْبَاب عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ . باب ما جاء في كراهية التعليق قَوْلُهُ : ( نا عُبَيْدُ اللَّهِ ) هُوَ ابْنُ مُوسَى الْعَبْسِيُّ مَوْلَاهُمُ الْكُوفِيُّ ( عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى الْأَنْصَارِيُّ أَخُو عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ( عَنْ عِيسَى وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ) الْأَنْصَارِيُّ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ مِنَ السَّادِسَةِ ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ وَغَيْرِهِمَا ، وَعَنْهُ أَخُوهُ مُحَمَّدٌ وَغَيْرُهُ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَتَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ ( عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ ) بِالتَّصْغِيرِ ( أَبِي مَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ ) الْكُوفِيِّ ، مُخَضْرَمٌ مِنَ الثَّانِيَةِ ، وَقَدْ سَمِعَ كِتَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى جُهَيْنَةَ مَاتَ فِي إِمْرَةِ الْحَجَّاجِ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ( وَبِهِ ) أَيْ بِعَبْدِ اللَّهِ وَالْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ ( حُمْرَةٌ ) أَيْ مِمَّا يَعْلُو الْوَجْهَ وَالْجَسَدَ ، قَالَهُ الْقَارِي ، وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْحُمْرَةُ : وَرَمٌ مِنْ جِنْسِ الطَّوَاعِينِ ( أَلَا تُعَلِّقُ شَيْئًا ) بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ أَيْ : أَلَا تَتَعَلَّقُ شَيْئًا ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : عَلَّقَهُ تَعْلِيقًا : جَعَلَهُ مُعَلَّقًا لِتَعَلُّقِهِ ، انْتَهَى ، وَفِي الْمِشْكَاةِ : أَلَا تُعَلِّقُ تَمِيمَةً ( قَالَ الْمَوْتُ أَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ ) ، وَفِي الْمِشْكَاةِ : فَقَالَ : نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ ، قَالَ الْقَارِي : وَسَبَبُهُ أَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الشِّرْكِ ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ : وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا عَاذَ بِاللَّهِ مِنْ تَعْلِيقِ الْعُوذَةِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُتَوَكِّلِينَ وَإِنْ جَازَ لِغَيْرِهِ ، انْتَهَى . ( مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا ) أَيْ : مَنْ عَلَّقَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِنَ التَّعَاوِيذِ وَالتَّمَائِمِ وَأَشْبَاهِهَا مُعْتَقِدًا أَنَّهَا تَجْلُبُ إِلَيْهِ نَفْعًا أَوْ تَدْفَعُ عَنْهُ ضَرًّا ، قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ ( وُكِلَ إِلَيْهِ ) بِضَمِّ وَاوٍ وَتَخْفِيفِ كَافٍ مَكْسُورَةٍ ، أَيْ : خُلِّيَ إِلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ وَتُرِكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ، وَالْحَدِيثُ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِكَرَاهِيَةِ تَعْلِيقِ التَّمَائِمِ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ . قَالَ السَّيِّدُ العلامة الشَّيْخُ أَبُو الطَّيِّبِ صِدِّيقُ بْنُ حَسَنٍ الْقَنُوجِيُّ فِي كِتَابِهِ الدِّينِ الْخَالِصِ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي جَوَازِ تَعْلِيقِ التَّمَائِمِ الَّتِي مِنَ الْقُرْآنِ ، وَأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : يَجُوزُ ذَلِكَ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ ، وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ ، وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ يَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وأبو داود ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ : صَحِيحٌ ، وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ عَلَى التَّمَائِمِ الَّتِي فِيهَا شِرْكٌ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يَجُوزُ ذَلِكَ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ حُذَيْفَةَ ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، وَابْنِ عُكَيْمٍ ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ أَصْحَابُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ اخْتَارَهَا كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُتَأَخِّرُونَ وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ تَظْهَرُ لِلْمُتَأَمِّلِ ، الْأَوَّلُ : عُمُومُ النَّهْيِ وَلَا مُخَصِّصَ لِلْعُمُومِ ، الثَّانِي : سَدُّ الذَّرِيعَةِ ؛ فَإِنَّهُ يُفْضِي إِلَى تَعْلِيقِ مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ ، الثَّالِثُ : أَنَّهُ إِذَا عُلِّقَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَمْتَهِنَهُ الْمُعَلِّقُ بِحَمْلِهِ مَعَهُ فِي حَالِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالِاسْتِنْجَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، قَالَ : وَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ يَتَبَيَّنُ لَكَ بِذَلِكَ غُرْبَةُ الْإِسْلَامِ ، خُصُوصًا إِنْ عَرَفْتَ عَظِيمَ مَا وَقَعَ فِيهِ الْكَثِيرُ بَعْدَ الْقُرُونِ الْمُفَضَّلَةِ مِنْ تَعْظِيمِ الْقُبُورِ وَاتِّخَاذِهَا الْمَسَاجِدَ ، وَالْإِقْبَالِ إِلَيْهَا بِالْقَلْبِ وَالْوَجْهِ ، وَصَرْفِ الدَّعَوَاتِ وَالرَّغَبَاتِ وَالرَّهَبَاتِ وَأَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي هِيَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى إِلَيْهَا مِنْ دُونِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ وَنَظَائِرُهَا فِي الْقُرْآنِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ ، انْتَهَى . قُلْتُ : غُرْبَةُ الْإِسْلَامِ شَيْءٌ وَحُكْمُ الْمَسْأَلَةِ شَيْءٌ آخَرُ ، وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ الْمُتَقَدِّمُ لِمَنْعِ التَّعْلِيقِ ضَعِيفٌ جِدًّا ؛ لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ نَزْعِ التَّمَائِمِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَنَحْوِهَا لِسَاعَةٍ ثُمَّ يُعَلِّقُهَا ، وَالرَّاجِحُ فِي الْبَابِ أَنَّ تَرْكَ التَّعْلِيقِ أَفْضَلُ فِي كُلِّ حَالٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّعْلِيقِ الَّذِي جَوَّزَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِنَاءً عَلَى أَنْ يَكُونَ بِمَا ثَبَتَ لَا بِمَا لَمْ يَثْبُتْ ؛ لِأَنَّ التَّقْوَى لَهَا مَرَاتِبُ وَكَذَا الْإِخْلَاص ، وَفَوْقَ كُلِّ رُتْبَةٍ فِي الدِّينِ رُتْبَةٌ أُخْرَى وَالْمُحَصِّلُونَ لَهَا أَقَلُّ ، وَلِهَذَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ فِي حَقِّ السَّبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ أَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ لَا يَرْقُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ مَعَ أَنَّ الرُّقَى جَائِزَةٌ ، وَرَدَتْ بِهَا الْأَخْبَارُ وَالْآثَارُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ ، وَالْمُتَّقِي مَنْ يَتْرُكُ مَا لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ خَوْفًا مِمَّا فِيهِ بَأْسٌ ، انْتَهَى كَلَامُهُ بِلَفْظِهِ . قَوْلُهُ : ( وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ) ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالْحَاكِمُ ، قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو يَعْلَى ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً فَلَا وَدَعَ اللَّهُ لَهُ ، قَال فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ : رِجَالُهُمْ ثِقَاتٌ .
2070 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، ثنا مُعَاذٌ بن هشام ، ثني أَبِي ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : حُدِّثْتُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : الشُّونِيزُ دَوَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ ، قَالَ قَتَادَةُ : يَأْخُذُ كُلَّ يَوْمٍ إِحْدَى وَعِشْرِينَ حَبَّةً ، فَيَجْعَلُهُنَّ فِي خِرْقَةٍ ، فَيَنْقَعْهُ فَيَستعطُ بِهِ كُلَّ يَوْمٍ فِي مَنْخَرِهِ الْأَيْمَنِ قَطْرَتَيْنِ والْأَيْسَرِ قَطْرَةً ، وَالثَّانِي فِي الْأَيْسَرِ قَطْرَتَيْنِ وَفِي الْأَيْمَنِ قَطْرَةً ، وَالثَّالِثُ فِي الْأَيْمَنِ قَطْرَتَيْنِ وَفِي الْأَيْسَرِ قَطْرَةً . قوله : ( الشُّونِيزُ ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا زَايٌ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : قَيَّدَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا الشِّينَ بِالْفَتْحِ ، وَحَكَى عِيَاضٌ ، عَنْ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ أَنَّهُ كَسَرَهَا فَأَبْدَلَ الْوَاوَ يَاءً فَقَالَ : الشَّيْنِيزُ كَذَا فِي الْفَتْحِ ، وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ : الشَّيْنِيزُ وَالشَّوْنُوزُ والشُّونِيزُ وَالشَّهْنِيزُ : الْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ أَوْ فَارِسِيُّ الْأَصْلِ ، انْتَهَى ، وَيُقَالُ لَهُ بِالْهِنْدِيَّةِ : كلونجي . ( دَوَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ ) قِيلَ : أَيْ مِنْ كُلِّ دَاءٍ مِنَ الرُّطُوبَةِ وَالْبَلْغَمِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ حَارٌّ يَابِسٌ فَيَنْفَعُ فِي الْأَمْرَاضِ الَّتِي تُقَابِلُهُ فَهُوَ مِنَ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ ، وَقِيلَ : هُوَ عَلَى عُمُومِهِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي كُلِّ دَاءٍ بِالتَّرْكِيبِ ، قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَعْيِينِ الْعُمُومِ الِاسْتِثْنَاءُ بِقَوْلِهِ : ( إِلَّا السَّامَ ) بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ أَلِفٍ وَمِيمٍ مُخَفَّفَةٍ ، أَيِ : الْمَوْتَ ؛ فَإِنَّهُ لَا دَوَاءَ لَهُ ، وَهَذَا أَيْضًا مَوْقُوفٌ وَفِيهِ انْقِطَاعٌ . ( قَالَ قَتَادَةُ ) أَيْ فِي كَيْفِيَّةِ اسْتِعْمَالِ الشُّونِيزِ ( فَيَنْقَعُهُ ) أَيْ : فَيُلْقِيهِ فِي الْمَاءِ لِيَبْتَلَّ ( فَيَسْتَعِطُ بِهِ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : سَعَطَهُ الدَّوَاءَ كَمَنَعَهُ وَنَصَرَهُ ، وَأَسْعَطَهُ إِيَّاهُ سَعْطَةً وَاحِدَةً وَإِسْعَاطَةً وَاحِدَةً : أَدْخَلَهُ فِي أَنْفِهِ ، فَاسْتَعَطَ ، انْتَهَى . ( فِي مَنْخَرِهِ الْأَيْمَنِ ) فِي الْقَامُوسِ الْمَنْخَرُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْخَاءِ وَبِكَسْرِهِمَا وَضَمِّهِمَا وَكَمَجْلِسٍ : ثُقْبُ الْأَنْفِ ( وَالثَّانِي ) أَيْ وَالْيَوْمُ الثَّانِي ( وَالثَّالِثُ ) أَيِ والْيَوْمُ الثَّالِثُ ، وَقَوْلُ قَتَادَةَ : هَذَا لَيْسَ مِنْ مُجَرَّدِ رَأْيِهِ بَلْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ ، وَذَكَرْنَا لَفْظَهُ هُنَاكَ .
2069 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، ثنا مُعَاذٌ ، ثني أَبِي ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : حُدِّثْتُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : أَخَذْتُ ثَلَاثَةَ أَكْمُؤٍ أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا فَعَصَرْتُهُنَّ ، فَجَعَلْتُ مَاءَهُنَّ فِي قَارُورَةٍ ، فَكَحَلْتُ بِهِ جَارِيَةً لِي فَبَرَأَتْ . قَوْلُهُ : ( حُدِّثْتُ ) بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ الْمَجْهُولِ مِنَ التحدِيثِ فِيهِ انْقِطَاعٌ ( أَخَذْتُ ثَلَاثَةَ أَكْمُؤٍ ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَضَمِّ مِيمٍ فَهَمْزٍ ، أَيْ ثَلَاثَةَ أَشْخُصٍ مِنْهَا ( أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْأَلِفِ وَهُوَ الظَّاهِرُ ، وَوَقَعَ فِي النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ : أَوْ خَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ بِغَيْرِ الْأَلِفِ ، وَلَا يَظْهَرُ لَهُ وَجْهٌ إِلَّا بِالتَّكَلُّفِ فَتَفَكَّرْ ( فَعَصَرْتُهُنَّ ) : أَيْ فِي وِعَاءٍ ( فَبَرَأَتْ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَيُكْسَرُ أَيْ : شُفِيَتْ ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا مَوْقُوفٌ وَفِيهِ انْقِطَاعٌ .
2068 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ، ثني أَبِي ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا : الْكَمْأَةُ جُدَرِيُّ الْأَرْضِ ، فَقَالَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْكَمْأَةُ مِنْ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ ، وَالْعَجْوَةُ مِنْ الْجَنَّةِ وَهِيَ شِفَاءٌ مِنْ السُّمِّ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ . قَوْلُهُ : ( قَالُوا : الْكَمْأَةُ جُدَرِيُّ الْأَرْضِ ) بِضَمِّ جِيمٍ وَفَتْحِ دَالٍ وَكَسْرِ رَاءٍ وَتَشْدِيدِ يَاءٍ ، هُوَ : حَبٌّ يَظْهَرُ فِي جَسَدِ الصَّبِيِّ مِنْ فَضَلَاتٍ تَضَمَّنُ الْمَضَرَّةَ يدْفَعُهَا الطَّبِيعَةُ ، وَيُقَالُ لَهُ بِالْهِنْدِيَّةِ : جيجك ، قَالَ الطِّيبِيُّ : شَبَّهُوهَا بِهِ فِي كَوْنِهَا فَضَلَاتٍ يدْفَعُهَا الْأَرْضُ إِلَى ظَاهِرِهَا ذَمًّا لَهَا . ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ : كَأَنَّهُمْ لَمَّا ذَمُّوهَا وَجَعَلُوهَا مِنَ الْفَضَلَاتِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ الْمَضَرَّةَ وَتَدْفَعُهَا الْأَرْضُ إِلَى ظَاهِرِهَا ، كَمَا تَدْفَعُ الطَّبِيعَةُ الْفَضَلَاتِ بِالْجُدَرِيِّ ، قَابَلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدْحِ ، بِأَنَّهُ مِنَ الْمَنِّ أَيْ مِمَّا مَنَّ اللَّهُ بِهِ عِبَادِهُ ، أَوْ شَبَّهَهَا بِالْمَنِّ وَهُوَ الْعَسَلُ الَّذِي يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ ، إِذْ يَحْصُلُ بِلَا عِلَاجٍ وَاحْتِيَاجٍ إِلَى بَذْرٍ وَسَقْيٍ ، أَيْ لَيْسَتْ بِفَضَلَاتٍ ، بَلْ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَمَنِّهِ ، أَوْ لَيْسَتْ مَضَرَّةً بَلْ شِفَاءً كَالْمَنِّ النَّازِلِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَللطَّبَرِيّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : كَثُرَتِ الْكَمْأَةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَامْتَنَعَ قَوْمٌ مِنْ أَكْلِهَا ، وَقَالُوا : هِيَ جُدَرِيُّ الْأَرْضِ ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَقَالَ : إِنَّ الْكَمْأَةَ لَيْسَتْ مِنْ جُدَرِيِّ الْأَرْضِ ، أَلَا إِنَّ الْكَمْأَةَ مِنَ الْمَنِّ ، كَذَا فِي الْفَتْحِ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الْكَمْأَةِ وَالْعَجْوَةِ 2066 حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ أَبِي السَّفَرِ ، وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَ : ثنا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْعَجْوَةُ مِنْ الْجَنَّةِ ، وَفِيهَا شِفَاءٌ مِنْ السُّمِّ ، وَالْكَمْأَةُ مِنْ الْمَنِّ ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ . وَفِي الْبَاب عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَجَابِرٍ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ من هذا الوجه ، لا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ محمد بْنِ عمرو ، إلا من حديث سعيد بْنِ عامر ( بَابُ مَا جَاءَ فِي الْكَمْأَةِ وَالْعَجْوَةِ ) الْكَمْأَةُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهُمَا هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَفِي الْعَامَّةِ مَنْ لَا يَهْمِزُهُ ، وَاحِدَةُ الْكَمْأَ بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ مِثْلُ تَمْرَةٍ وَتَمْرٍ ، وَعَكَسَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ فَقَالَ : الْكَمْأَةُ الْجَمْعُ ، وَالْكَمَأُ الْوَاحِدُ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ ، قَالَ : وَلَمْ يَقَعْ فِي كَلَامِهِمْ نَظِيرُ هَذَا سِوَى خَبْأَةٌ وَخَبْءٌ ، وَقِيلَ : الْكَمْأَةُ قَدْ تُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَعَلَى الْجَمْعِ ، وَقَدْ جَمَعُوهَا عَلَى أَكْمُؤٍ ، قَالَ الشَّاعِرُ : وَلَقَدْ جَنَيْتُكِ أَكْمُؤًا وَعَسَاقِلَا وَالْعَسَاقِلُ بِمُهْمَلَتَيْنِ وَقَافٍ وَلَامٍ : الشَّرَابُ ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْأَكْمُؤَ مَحَلُّ وُجْدَانِهَا الْفَلَوَاتُ ، وَالْكَمْأَةُ : نَبَاتٌ لَا وَرَقَ لَهَا وَلَا سَاقَ ، تُوجَدُ فِي الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُزْرَعَ ، وَالْعَرَبُ تُسَمّي الْكَمْأَةَ أَيْضًا نَبَاتُ الرَّعْدِ ؛ لِأَنَّهَا تَكْثُرُ بِكَثْرَتِهِ ، ثُمَّ تَنْفَطِرُ عَنْهَا الْأَرْضُ ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ بِأَرْضِ الْعَرَبِ وَتُوجَدُ بِالشَّامِ وَمِصْرَ ، فَأَجْوَدُهَا مَا كَانَتْ أَرْضُهُ رَمْلَةً قَلِيلَةَ الْمَاءِ ، وَمِنْهَا صِنْفٌ قَتَّالٌ يَضْرِبُ لَوْنُهُ إِلَى الْحُمْرَةِ ، وَهِيَ بَارِدَةٌ رَطْبَةٌ فِي الثَّانِيَةِ رَدِيئَةٌ لِلْمَعِدَةِ بَطِيئَةُ الْهَضْمِ ، وَإِدْمَانُ أَكْلِهَا يُورِثُ الْقُولَنْجَ وَالسِّكْتَةَ وَالْفَالِجَ وَعُسْرَ الْبَوْلِ ، وَالرَّطْبُ مِنْهَا أَقَلُّ ضَرَرًا مِنَ الْيَابِسِ ، وَإِذَا دُفِنَتْ فِي الطِّينِ الرَّطْبِ ثُمَّ سُلِقَتْ بِالْمَاءِ وَالْمِلْحِ وَالسَّعْتَرِ وَأُكِلَتْ بِالزَّيْتِ وَالتَّوَابِلِ الْحَارَّةِ قَلَّ ضَرَرُهَا ، وَمَعَ ذَلِكَ فَفِيهَا جَوْهَرٌ مَائِيٌّ لَطِيفٌ بِدَلِيلِ خِفَّتِهَا ، فَلِذَلِكَ كَانَ مَاؤُهَا شِفَاءً لِلْعَيْنِ كَذَا فِي الْفَتْحِ ، وَيُقَالُ لِلْكَمْأَةِ بِالْفَارِسِيَّةِ : سماروغ ، وَبِالْهِنْدِيَّةِ : كهمبي ، وَالْعَجْوَةُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْجِيمِ نَوْعٌ مِنَ التَّمْرِ الْجِيَادِ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ . قَوْلُهُ : ( ثنا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ ) هُوَ الضُّبَعِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَصْرِيُّ . قَوْلُهُ : ( الْعَجْوَةُ ) هِيَ نَوْعٌ مِنْ تَمْرِ الْمَدِينَةِ يَضْرِبُ إِلَى السَّوَادِ مِنْ غَرْسِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ . ( مِنَ الْجَنَّةِ ) ، قَالَ الْمُنَاوِيُّ : يَعْنِي هَذِهِ الْعَجْوَةَ تُشْبِهُ عَجْوَةَ الْجَنَّةِ فِي الشَّكْلِ وَالِاسْمِ لَا فِي اللَّذَّةِ وَالطَّعْمِ ، انْتَهَى . وَالْمَقْصُودُ بَيَانُ فَضْلِ الْعَجْوَةِ عَلَى سَائِرِ أَنْوَاعِ التَّمْرِ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَنْفَعْ تَمْرِ الْحِجَازِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، وَهُوَ صِنْفٌ كَرِيمٌ مُلَذَّذٌ مَتِينٌ لِلْجِسْمِ وَالْقُوَّةِ مِنْ أَلْيَنِ التَّمْرِ وَأَطْيَبِهِ وَأَلَذِّهِ . ( وَفِيهَا شِفَاءٌ مِنَ السُّمِّ ) إِمَّا لِخَاصِّيَّةِ هَذَا النَّوْعِ أَوْ بِبَرَكَةِ دُعَائِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَالْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ ) ، قَالَ النَّوَوِيُّ : اخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَكَثِيرُونَ شَبَّهَهَا بِالْمَنِّ الَّذِي كَانَ يَنْزِلُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَحْصُلُ لَهُمْ بِلَا كُلْفَةٍ وَلَا عِلَاجٍ ، وَالْكَمْأَةُ تَحْصُلُ بِلَا عِلَاجٍ وَلَا كُلْفَةٍ وَلَا زَرْعِ بِزْرٍ وَلَا سَقْيٍ وَلَا غَيْرِهِ ، وَقِيلَ : هِيَ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَقِيقَةً عَمَلًا بِظَاهِرِ اللَّفْظِ ، انْتَهَى . ( وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ ) : أَيْ شِفَاءٌ لِدَاءِ الْعَيْنِ ، فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ، لِلنَّوَوِيِّ ، قِيلَ : هُوَ نَفْسُ الْمَاءِ مُجَرَّدًا ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنْ يُخْلَطَ مَاؤُهَا بِدَوَاءٍ وَيُعَالِجَ بِهِ الْعَيْنَ ، وَقِيلَ : إِنْ كَانَ لِتَبْرِيدِ مَا فِي الْعَيْنِ مِنْ حَرَارَةٍ فَمَاؤُهَا مُجَرَّدًا شِفَاءٌ ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَمُرَكَّبٌ مَعَ غَيْرِهِ ، وَالصَّحِيحُ بَلِ الصَّوَابُ أَنَّ مَاءَهَا مُجَرَّدًا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ مُطْلَقًا ، فَيُعْصَرُ مَاؤُهَا وَيُجْعَلُ فِي الْعَيْنِ مِنْهُ ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنَا وَغَيْرِي فِي زَمَنِنَا مَنْ كَانَ عَمِيَ وَذَهَبَ بَصَرُهُ حَقِيقَةً ، فَكَحَّلَ عَيْنَهُ بِمَاءِ الْكَمْأَةِ مُجَرَّدًا فَشُفِيَ وَعَادَ إِلَيْهِ بَصَرُهُ ، وَهُوَ الشَّيْخُ الْعَدْلُ الْأَمِينُ الْكَمَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الدِّمَشْقِيُّ صَاحِبُ صَلَاحٍ وَرِوَايَةٍ لِلْحَدِيثِ ، وَكَانَ اسْتِعْمَالُهُ لِمَاءِ الْكَمْأَةِ اعْتِقَادًا فِي الْحَدِيثِ وَتَبَرُّكًا بِهِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَجَابِرٍ ) أَمَّا حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ هَذَا ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ وَحَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُمَا أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
2067 حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، نا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ح وثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، ثنا شُعْبَةُ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْكَمْأَةُ مِنْ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ) هُوَ اللَّخْمِيُّ الْكُوفِيُّ ( عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ ) بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ الْقُرَشِيِّ الْمَخْزُومِيِّ ، صَحَابِيٌّ صَغِيرٌ ، مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ) قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ الْعَدَوِيُّ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ وَالْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ ، شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا بَعْدَ بَدْرٍ ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِيمَنْ شَهِدَ بَدْرًا فِي الصَّحِيحِ ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ : لَمْ يَشْهَدْهَا ، لَهُ ثَمَانِيَةٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا ، اتَّفَقَا عَلَى حَدِيثَيْنِ وَانْفَرَدَ الْبُخَارِيُّ بِآخَرَ ، وَعَنْهُ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ ، وَعُرْوَةُ ، وَأَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ ، تَخَلَّفَ عَنْ بَدْرٍ فَضَرَبَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَهْمٍ ، رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ طُرُقٍ ، قَالَ خَلِيفَةُ : مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ : بِالْعَقِيقِ فَحُمِلَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّفْسِيرِ وَالطِّبِّ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الْأَطْعِمَةِ ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الطِّبِّ وَالْوَلِيمَةِ وَالتَّفْسِيرِ ، وَابْنُ مَاجَهْ فِي الطِّبِّ .
بَاب مَا جَاءَ فِي أَجْرِ الْكَاهِنِ 2071 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نا اللَّيْثُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . باب ما جاء في أجر الكاهن قَوْلُهُ : ( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ إِلَخْ ) قَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ بِإِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ مَعَ شَرْحِهِ فِي بَابِ كَرَاهِيَةِ مَهْرِ الْبَغْيِ مِنْ أَبْوَابِ النِّكَاحِ ، وَفِي بَابِ ثَمَنِ الْكَلْبِ مِنْ أَبْوَابِ الْبُيُوعِ .
بَاب فِي تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ 29 حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَبِي الْمُخَارِقِ أَبِي أُمَيَّةَ ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ بِلَالٍ ، قَالَ : رَأَيْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ تَوَضَّأَ ، فَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ ، فَقِيلَ لَهُ - أَوْ قَالَ - فَقُلْتُ لَهُ : أَتُخَلِّلُ لِحْيَتَكَ ؟ قَالَ : وَمَا يَمْنَعُنِي وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ . حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، نَا سُفْيَانُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ بِلَالٍ ، عَنْ عَمَّارٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِثْلَهُ . وفي الباب : عن عائشة ، وأم سلمة ، وأنس ، وابن أبي أوفى ، وأبي أيوب . قَالَ أَبُو عِيسَى : سَمِعْت إِسْحَاقَ بْنَ مَنْصُورٍ ، يَقُولُ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : لَمْ يَسْمَعْ عَبْدُ الْكَرِيمِ مِنْ حَسَّانَ بْنِ بِلَالٍ حَدِيثَ التَّخْلِيلِ . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْحَاءِ : اِسْمٌ لِجَمْعٍ مِنْ الشَّعْرِ يَنْبُتُ عَلَى الْخَدَّيْنِ وَالذَّقْنِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا اِبْنُ أَبِي عُمَرَ ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ابْنِ أَبِي عُمَرَ الْمَدَنِيُّ نَزِيلُ مَكَّةَ تَقَدَّمَ ( عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَبِي الْمُخَارِقِ ) بِضَمِّ الْمِيمِ ، وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمُعَلِّمُ الْبَصْرِيُّ نَزِيلُ مَكَّةَ ، وَاسْمُ أَبِيهِ قَيْسٌ ، وَقِيلَ : طَارِقٌ ضَعِيفٌ ( أَبِي أُمَيَّةَ ) كُنْيَةُ عَبْدِ الْكَرِيمِ ( عَنْ حَسَّانِ بْنِ بِلَالٍ ) الْمُزَنِيِّ الْبَصْرِيِّ ، رَوَى عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ، وَعَنْهُ أَبُو قِلَابَةَ ، وَأَبُو بِشْرٍ وَغَيْرُهُمَا ، وَثَّقَهُ اِبْنُ الْمَدِينِيِّ . قَوْلُهُ : ( فَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ ) أَيْ أَدْخَلَ أَصَابِعَهُ فِي خِلَالِ لِحْيَتِهِ ( فَقِيلَ لَهُ ) أَيْ لِعَمَّارٍ ( أَوْ قَالَ ) أَيْ حَسَّانُ بْنُ بِلَالٍ ( فَقُلْتُ لَهُ ) أَيْ لِعَمَّارٍ ( يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ ) قَالَ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ : أَيْ يُدْخِلُ يَدَهُ فِي خِلَلِهَا ، وَهِيَ الْفُرُوجُ الَّتِي بَيْنَ الشَّعْرِ ، وَمِنْهُ فُلَانٌ خَلِيلُ فُلَانٍ ، أَيْ : يُخَالِلُ حُبُّهُ فُرُوجَ جِسْمِهِ حَتَّى يَبْلُغَ إِلَى قَلْبِهِ ، وَمِنْهُ الْخِلَالُ ، وَبِنَاءُ ذَلِكَ كُلِّهِ يَرْجِعُ إِلَى هَذَا . انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ فِي الْوُضُوءِ . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : وَقَدْ اِخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ ، فَذَهَبَ إِلَى وُجُوبِ ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ الْعِتْرَةُ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَالظَّاهِرِيَّةُ ، كَذَا فِي الْبَحْرِ ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَقَعَ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ بِلَفْظِ : هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي ، وَذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ إِلَى أَنَّ تَخْلِيلَ اللِّحْيَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الْوُضُوءِ ، قَالَ مَالِكٌ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ : وَلَا فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ ، وَالطَّبَرِيُّ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ تَخْلِيلَ اللِّحْيَةِ وَاجِبٌ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ ، وَلَا يَجِبُ فِي الْوُضُوءِ ، هَكَذَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ ، لِابْنِ سَيِّدِ النَّاسِ ، قَالَ : وَأَظُنُّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ ذَلِكَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ فَبُلُّوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ . انْتَهَى . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَةِ الْأَحْوَذِيِّ : اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَخْلِيلِهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ ، قَالَهُ مَالِكٌ . الثَّانِي : أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ ، قَالَهُ اِبْنُ حَبِيبٍ . الثَّالِثُ : أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ خَفِيفَةً وَجَبَ إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَتْ كَثِيفَةً لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ ، قَالَهُ مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ . الرَّابِعُ : مِنْ عُلَمَائِنَا مَنْ قَالَ : يَغْسِلُ مَا قَابَلَ الذَّقْنَ إِيجَابًا وَمَا وَرَاءَهُ اِسْتِحْبَابًا ، وَفِي تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ فِي الْجَنَابَةِ رِوَايَتَانِ عَنْ مَالِكٍ إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ وَاجِبٌ وَإِنْ كَثُفَتْ رَوَاهُ اِبْنُ وَهْبٍ ، وَرَوَى اِبْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ سُنَّةٌ ; لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ كَدَاخِلِ الْعَيْنِ ، وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ أَنَّ الْفَرْضَ قَدْ اِنْتَقَلَ إِلَى الشَّعْرِ بَعْدَ نَبَاتِهِ كَشَعْرِ الرَّأْسِ . انْتَهَى كَلَامُ اِبْنِ الْعَرَبِيِّ . قُلْتُ : أَرْجَحُ الْأَقْوَالِ وَأَقْوَاهَا عِنْدِي هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( نَا سُفْيَانُ ) هُوَ اِبْنُ عُيَيْنَةَ ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ) الْيَشْكُرِيِّ مَوْلَاهُمْ أَبِي النَّضْرِ الْبَصْرِيِّ ، ثِقَةٌ حَافِظٌ لَهُ تَصَانِيفُ لَكِنَّهُ كَثِيرُ التَّدْلِيسِ وَاخْتَلَطَ وَكَانَ مِنْ أَثْبَتِ النَّاسِ فِي قَتَادَةَ ( عَنْ قَتَادَةَ ) بْنِ دِعَامَةَ السُّدُوسِيِّ الْبَصْرِيِّ الْأَكْمَهِ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ مُدَلِّسٌ ، اِحْتَجَّ بِهِ أَرْبَابُ الصِّحَاحِ ( عَنْ حَسَّانِ بْنِ بِلَالٍ ، عَنْ عَمَّارٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِثْلَهُ . ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ : حَسَّانُ ثِقَةٌ لَكِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ اِبْنُ عُيَيْنَةَ مِنْ سَعِيدٍ وَلَا قَتَادَةُ مِنْ حَسَّانٍ . انْتَهَى ، فَحَدِيثُ عَمَّارٍ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ ضَعِيفٌ ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَبِي الْمُخَارِقِ ، عَنْ حَسَّانٍ أَيْضًا ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ كَمَا بَيَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ، وَأَنَسٍ ، وَابْنِ أَوْفَى ، وَأَبِي أَيُّوبَ ) أَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كُرَيْزٍ عَنْهَا ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ ، كَذَا فِي التَّلْخِيصِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ ، وَالْعَقِيلِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ : كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ خَلَّلَ لِحْيَتَهُ ، وَفِي إِسْنَادِهِ خَالِدُ بْنُ إِلْيَاسَ وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ ، كَذَا فِي التَّلْخِيصِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ ، فَخَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ ، وَقَالَ : هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي ، وَفِي إِسْنَادِهِ الْوَلِيدُ بْنُ ذَرْوَانَ ، وَهُوَ مَجْهُولُ الْحَالِ ، وَلَهُ طُرُقٌ أُخْرَى عَنْ أَنَسٍ ضَعِيفَةٌ ، قَالَهُ الْحَافِظُ . وَأَمَّا حَدِيثُ اِبْنِ أَبِي أَوْفَى ، فَأَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الطَّهُورِ ، وَفِي إِسْنَادِهِ أَبُو الْوَرْقَاءِ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَهُوَ فِي الطَّبَرَانِيِّ أَيْضًا كَذَا فِي التَّلْخِيصِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ فَأَخْرَجَهُ اِبْنُ مَاجَهْ ، وَالْعَقِيلِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ ، وَفِيهِ أَبُو سَوْرَةَ لَا يُعْرَفُ . قُلْتُ : وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي أُمَامَةَ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَكَعْبِ بْنِ عَمْرٍو ، وَأَبِي بَكْرَةَ ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَجَرِيرٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكْبَرَةَ ، ذَكَرَ أَحَادِيثَ هَؤُلَاءِ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهَا الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ فِي تَخْرِيجِ الْهِدَايَةِ وَالْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ ، قَالَ اِبْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِ الْعِلَلِ : سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : لَا يَثْبُتُ فِي تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ حَدِيثٌ . انْتَهَى ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ أَبِيهِ : لَيْسَ فِي تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ شَيْءٌ صَحِيحٌ . انْتَهَى . قُلْتُ : قَوْلُهُمَا هَذَا مُعَارَضٌ بِتَصْحِيحِ التِّرْمِذِيِّ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ الْآتِي وَبِتَصْحِيحِ الْحَاكِمِ ، وَابْنِ الْقَطَّانِ وَغَيْرِهِمَا لِبَعْضِ أَحَادِيثِ الْبَابِ غَيْرِهِ ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ أَحَادِيثَ تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ كَثِيرَةٌ وَمَجْمُوعُهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهَا أَصْلًا ، كَيْفَ وَقَدْ صَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ عُثْمَانَ وَحَسَّنَهُ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ كَمَا سَتَعْرِفُ ، وَحَسَّنَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ حَدِيثَ عَائِشَةَ فهِيَ بِمَجْمُوعِهَا تَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ عَلَى اِسْتِحْبَابِ تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ فِي الْوُضُوءِ وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ عِنْدِي وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
31 حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ شَقِيقٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ عَامِرِ بْنِ شَقِيقٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عُثْمَانَ ، وَقَالَ بِهَذَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ رَأَوْا تَخْلِيلَ اللِّحْيَةِ ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : إِنْ سَهَا عَنْ التَخْلِيلِ فَهُوَ جَائِزٌ ، وَقَالَ إِسْحَاقُ : إِنْ تَرَكَهُ نَاسِيًا أَوْ مُتَأَوِّلًا أَجْزَأَهُ ، وَإِنْ تَرَكَهُ عَامِدًا أَعَادَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَامِرِ بْنِ شَفِيقٍ ) بْنِ جَمْرَةَ بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ الْأَسَدِيِّ الْكُوفِيِّ لَيِّنُ الْحَدِيثِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ : ضَعَّفَهُ اِبْنُ مَعِينٍ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ لَيْسَ بِقَوِيٍّ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ : لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ . انْتَهَى . وَذَكَرَهُ اِبْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ، وَحَسَّنَ ، حَدِيثَهُ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ ، وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَاتِمٍ لَيْسَ بِقَوِيٍّ وَتَضْعِيفُ اِبْنِ مَعِينٍ فَهُوَ مُجْمَلٌ . قَوْلُهُ : ( كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ ) وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ : أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ ، فَخَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ . وَفِي حَدِيثِ اِبْنِ عُمَرَ عِنْدَ اِبْنِ مَاجَهْ ، والدَّارَقُطْنِيِّ ، وَالْبَيْهَقِيِّ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ عَرَكَ عَارِضَيْهِ بَعْضَ الْعَرْكِ ثُمَّ يُشَبِّكُ لِحْيَتَهُ بِأَصَابِعِهِ مِنْ تَحْتِهَا ، وَحَدِيثُ اِبْنِ عُمَرَ هَذَا صَحَّحَهُ اِبْنُ السَّكَنِ وَضَعَّفَهُ غَيْرُهُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حسن صَحِيحٌ ) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي عِلَلِهِ الْكَبِيرِ : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ - يَعْنِي الْبُخَارِيَّ - : أَصَحُّ شَيْءٍ عِنْدِي فِي التَّخلِيلِ حَدِيثُ عُثْمَانَ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ . انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ : أَمْثَلُ أَحَادِيثِ تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ حَدِيثُ عُثْمَانَ ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ : أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ . انْتَهَى ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ، وَقَالَ : صَحِيحُ الْإِسْنَادِ . انْتَهَى ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ أَيْضًا اِبْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، والدَّارَقُطْنِيُّ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ بِهَذَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ) أَيْ قَالُوا بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَحَادِيثُ الْبَابِ مِنْ اِسْتِحْبَابِ تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ . ( مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ رَأَوْا تَخْلِيلَ اللِّحْيَةِ ) وَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأَنَسٍ ، وَعَلِيٍّ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَأَبِي قِلَابَةَ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُمْ كَانُوا يُخَلِّلُونَ لِحَاهُمْ ، وَمَنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يُخَلِّلُ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَابْنُ الْحَنَفِيَّةِ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالْقَاسِمُ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُمْ اِبْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِأَسَانِيدِهِ إِلَيْهِمْ ، ذَكَرَهُ الشَّوْكَانِيُّ . ( وَقَالَ إِسْحَاقُ إِنْ تَرَكَهُ نَاسِيًا أَوْ مُتَأَوِّلًا أَجْزَأَهُ وَإِنْ تَرَكَهُ عَامِدًا أَعَادَهُ ) أَيْ أَعَادَ الْوُضُوءَ ، فَعِنْدَ إِسْحَاقَ تَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ وَاجِبٌ فِي الْوُضُوءِ ، وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ بِبَعْضِ أَحَادِيثِ التَّخْلِيلِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي . وأَجَابَ عَنْهُ مَنْ قَالَ بِالِاسْتِحْبَابِ بِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى الْوُجُوبِ ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَقَالِ ، وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : وَالْإِنْصَافُ أَنَّ أَحَادِيثَ الْبَابِ بَعْدَ تَسْلِيمِ انْتِهَاضِهَا لِلِاحْتِجَاجِ وَصَلَاحِيَتِهَا لِلِاسْتِدْلَالِ لَا تَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ; لِأَنَّهَا أَفْعَالٌ ، وَمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي لَا يُفِيدُ الْوُجُوبَ عَلَى الْأُمَّةِ لِظُهُورِهِ فِي الِاخْتِصَاصِ بِهِ ، وَهُوَ يَتَخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ الْمَشْهُورِ فِي الْأُصُولِ : هَلْ يَعُمُّ الْأُمَّةَ مَا كَانَ ظَاهِرَ الِاخْتِصَاصِ بِهِ أَمْ لَا؟ وَالْفَرَائِضُ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِيَقِينٍ ، وَالْحُكْمُ عَلَى مَا لَمْ يَفْرِضْهُ اللَّهُ بِالْفَرْضِيَّةِ كَالْحُكْمِ عَلَى مَا فَرَضَهُ بِعَدَمِهَا ، لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ التَّقَوُّلِ عَلَى اللَّهِ بِمَا لَمْ يَقُلْ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْغَرْفَةَ الْوَاحِدَةَ لَا تَكْفِي كَثَّ اللِّحْيَةِ لِغَسْلِ وَجْهِهِ وَتَخْلِيلِ لِحْيَتِهِ ، وَدَفَعَ ذَلِكَ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ بِالْوِجْدَانِ مُكَابَرَةً مِنْهُ ، نَعَمْ الِاحْتِيَاطُ وَالْأَخْذُ بِالْأَوْثَقِ لَا شَكَّ فِي أَوْلَوِيَّتِهِ لَكِنْ بِدُونِ مُجَارَاةٍ عَلَى الْحُكْمِ بِالْوُجُوبِ . انْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ ، وَقَدْ اِسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ بِحَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ، فَأَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَتَمَضْمَضَ بِهَا وَاسْتَنْشَقَ ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا - أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الْأُخْرَى فَغَسَلَ بِهَا وَجْهَهُ - ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُمْنَى ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُسْرَى ، الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَإِلَى هَذَا الِاسْتِدْلَالِ أَشَارَ الشَّوْكَانِيُّ بِقَوْلِهِ : وَلَا شَكَّ أَنَّ الْغَرْفَةَ الْوَاحِدَةَ لَا تَكْفِي لِغَسْلِ وَجْهِهِ وَتَخْلِيلِ لِحْيَتِهِ إِلَخْ ، وَقَدْ اِسْتَدَلَّ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ بِحَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ هَذَا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ إِيصَالِ الْمَاءِ إِلَى بَاطِنِ اللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ ، فَقَالَ : وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ كَثَّ اللِّحْيَةَ وَأَنَّ الْغَرْفَةَ الْوَاحِدَةَ وَإِنْ عَظُمَتْ لَا تَكْفِي غَسْلَ بَاطِنِ اللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ مَعَ غَسْلِ جميع الْوَجْهِ ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ . انْتَهَى .
23 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، نا عَبْدَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ، وَلَأَخَّرْتُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ . قَالَ : فَكَانَ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ يَشْهَدُ الصَّلَوَاتِ فِي الْمَسْجِدِ وَسِوَاكُهُ عَلَى أُذُنِهِ مَوْضِعَ الْقَلَمِ مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ ، لَا يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ إِلَّا اسْتَنَّ ، ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى مَوْضِعِهِ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( نَا عَبْدَةُ ) تَقَدَّمَ ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ) بْنِ الْحَارِثِ بْنِ خَالِدٍ التَّيْمِيِّ ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيُّ ، ثِقَةٌ ، لَهُ أَفْرَادٌ مِنْ الرَّابِعَةِ ، رَوَى عَنْ أَنَسٍ ، وَجَابِرٍ وَغَيْرِهِمَا ، وَعَنْهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، وَابْنُ إِسْحَاقَ وَعِدَّةٌ . قَالَ اِبْنُ سَعْدٍ : كَانَ فَقِيهًا مُحَدِّثًا . وَقَالَ أَحْمَدُ : يَرْوِي مَنَاكِيرَ . وَوَثَّقَهُ اِبْنُ مَعِينٍ ، وَأَبُو حَاتِمٍ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ خِرَاشٍ ، تُوُفِّيَ سَنَةَ 120 عِشْرِينَ وَمِائَةٍ . قَوْلُهُ : ( ولَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ ) أَيْ بِفَرْضِيَّتِهِ أَيْ : لَوْلَا مَخَافَةَ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ لَأَمَرْتُ بِهِ وَفَرَضْتُ عَلَيْهِمْ ، لَكِنْ لَمْ آمُرْ بِهِ وَلَمْ أَفْرِضْ عَلَيْهِمْ لِأَجْلِ خَوْفِ الْمَشَقَّةِ . قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْعَارِضَةِ : اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي السِّوَاكِ ، فَقَالَ إِسْحَاقُ : إِنَّهُ وَاجِبٌ ، وَمَنْ تَرَكَهُ عَمْدًا أَعَادَ الصَّلَاةَ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ ، وَاسْتَحَبَّهُ مَالِكٌ فِي كُلِّ حَالٍ يَتَغَيَّرُ فِيهِ الْفَمُ ، وَأَمَّا مَنْ أَوْجَبَهُ فَظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ تُبْطِلُ قَوْلَهُ ، فَأَمَّا القَوْلُ أَنَّهُ سُنَّةٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ فَمُتَعَارَفٌ ، وَكَوْنُهُ سُنَّةً أَقْوَى . انْتَهَى . ( وَلَأَخَّرْتُ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ ) يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعِهِ ( قَالَ ) أَيْ أَبُو سَلَمَةَ ( فَكَانَ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ ) رَاوِي الْحَدِيثَ ( يَشْهَدُ الصَّلَوَاتِ ) أَيْ الْخَمْسَ أَيْ يَحْضُرُهَا ( فِي الْمَسْجِدِ ) لِلْجَمَاعَةِ ( وَسِوَاكُهُ عَلَى أُذُنِهِ ) بِضَمِّ الذَّالِ وَيُسَكَّنُ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ ( مَوْضِعَ الْقَلَمِ مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ سِوَاكَهُ كَانَ مَوْضُوعًا عَلَى أُذُنِهِ مَوْضِعَ الْقَلَمِ الكائن مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ . ( لَا يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ إِلَّا اِسْتَنَّ ) أَيْ اِسْتَاكَ ، وَالِاسْتِنَانُ اِسْتِعْمَالُ السِّوَاكِ ( ثُمَّ رَدَّهُ ) أَيْ السِّوَاكَ ( إِلَى مَوْضِعِهِ ) أَيْ مِنْ الْأُذُنِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : قَالَ أَبُو سَلَمَةَ : فَرَأَيْتُ زَيْدًا يَجْلِسُ فِي الْمَسْجِدِ ، وَإِنَّ السِّوَاكَ مِنْ أُذُنِهِ مَوْضِعَ الْقَلَمِ مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ ، فَكُلَّمَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ اِسْتَاكَ ، قَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ : قَدْ اِنْفَرَدَ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ بِهِ فَلَا يَصْلُحُ حُجَّةً ، أَوْ اِسْتَاكَ لِطَهَارَتِهَا . انْتَهَى . قُلْتُ فِيهِ : إَنَّهُ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ كَمَا عَرَفْتُ ، ثُمَّ صَنِيعُهُ هَذَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ حَدِيثِ الْبَابِ ، وَلَيْسَ يَنْفِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ ، فَكَيْفَ لَا يَكُونُ حُجَّةً . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ .
بَاب مَا جَاءَ فِي السِّوَاكِ 22 حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، ثنا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ . قَالَ أَبُو عِيسَى : وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَحَدِيثُ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِلَاهُمَا عِنْدِي صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّمَا صححَّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ، وَأَمَّا مُحَمَّدُ فَزَعَمَ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَصَحُّ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، وَعَلِيٍّ ، وَعَائِشَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَحُذَيْفَةَ ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ، وَأَنَسٍ رضي الله عنهم ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَأُمِّ حَبِيبَةَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي أُمَامَةَ ، وأَيُّوبَ ، وَتَمَّامِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ، وَوَاثِلَةَ ، وَأَبِي مُوسَى . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي السِّوَاكِ ) هُوَ بِكَسْرِ السِّينِ عَلَى الْأَفْصَحِ ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْآلَةِ ، وَعَلَى الْفِعْلِ ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ كُرَيْبٍ الْهَمْدَانِيُّ الْكُوفِيُّ ، مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ ، ثِقَةٌ حَافِظٌ ، مِنْ الْعَاشِرَةِ ، رَوَى عَنْهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ ( عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ) هُوَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ . قَوْلُهُ : ( لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي ) أَيْ لَوْلَا أَنْ أُثْقِلَ عَلَيْهِمْ ، مِنَ الْمَشَقَّةَ ، وَهِيَ الشِّدَّةُ ، قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ ، يُقَالُ : شَقَّ عَلَيْهِ ؛ أَيْ : ثَقُلَ ، أَوْ حَمَّلَهُ مِنْ الْأَمْرِ الشَّدِيدِ مَا يَشُقُّ وَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ ، وَالْمَعْنَى : لَوْلَا خَشْيَةَ وُقُوعِ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ ، وأَنْ مَصْدَرِيَّةٌ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ وُجُوبًا ؛ أَيْ : لَوْلَا الْمَشَقَّةُ مَوْجُودَةٌ ( لَأَمَرْتُهُمْ ) أَيْ وُجُوبًا ( بِالسِّوَاكِ ) أَيْ بِاسْتِعْمَالِ السِّوَاكِ ؛ لِأَنَّ السِّوَاكَ هُوَ الْآلَةُ ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْفِعْلِ أَيْضًا ( عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ) قَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ : أَيْ عِنْدَ وُضُوئِهَا ؛ لِمَا رَوَى اِبْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ : صَحِيحُ الْإِسْنَادِ ، وَالْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا فِي كِتَابِ الصَّوْمِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ . وَلِخَبَرِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ طَهُورٍ . فَتَبَيَّنَ مَوْضِعُ السِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ، وَالشَّافِعِيَّةُ يَجْمَعُونَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِالسِّوَاكِ فِي اِبْتِدَاءِ كُلٍّ مِنْهُمَا ، ثُمَّ اِعْلَمْ أَنَّ ذِكْرَ الْوُضُوءِ وَالطُّهُورِ بَيَانٌ لِلْمَوَاضِعِ الَّتِي يَتَأَكَّدُ اِسْتِعْمَالُ السِّوَاكِ فِيهَا ، أَمَّا أَصْلُ اِسْتِحْبَابِهِ فَلَا يَتَقَيَّدُ بِوَقْتٍ وَلَا سَبَبٍ ، نَعَمْ بِاعْتِبَارِ بَعْضِ الْأَسْبَابِ يَتَأَكَّدُ اِسْتِحْبَابُهُ ؛ كَتَغَيُّرِ الْفَمِ بِالْأَكْلِ أَوْ بِسُكُوتٍ طَوِيلٍ وَنَحْوِهِمَا ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجْعَلْهُ عُلَمَاؤُنَا مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ نَفْسِهَا ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ جِرَاحَةِ اللِّثَةِ وَخُرُوجِ الدَّمِ ، وَهُوَ نَاقِضٌ عِنْدَنَا ، فَرُبَّمَا يُفْضِي إِلَى حَرَجٍ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُروَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ اِسْتَاكَ عِنْدَ قِيَامِهِ إِلَى الصَّلَاةِ ، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ : لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ عَلَى كُلِّ وُضُوءٍ ، بِدَلِيلِ رِوَايَةِ أَحْمَدَ ، وَالطَّبَرَانِيِّ : لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ . أَوْ التَّقْدِيرُ : لَوْلَا وُجُودُ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ لَأَمَرْتهمْ بِهِ ، لَكِنِّي لَمْ آمُرْ بِهِ لِأَجْلِ وُجُودِهَا ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا مِنْ الصُّوفِيَّةِ فِي نَصَائِحِهِ الْعِبَادِيَّةِ : وَمِنْهَا مُدَاوَمَةُ السِّوَاكِ ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ الصَّلَاةِ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ ، أَوْ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ . رَوَاهُ الشَّيْخَانِ . وَرَوَى أَحْمَدُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ قَالَ : صَلَاةٌ بِسِوَاكٍ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ صَلَاةٍ بِغَيْرِ سِوَاكٍ . وَالْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ أَوْ الْمُصَاحَبَةِ ، وَحَقِيقَتُهُمَا فِيمَا اِتَّصَلَ حِسًّا أَوْ عُرْفًا ، وَكَذَا حَقِيقَةُ كَلِمَةِ مَعَ وَعِنْدَ ، وَالنُّصُوصُ مَحْمُولَةٌ عَلَى ظَوَاهِرِهَا إِذَا أَمْكَنَ ، وَقَدْ أَمْكَنَ هَاهُنَا فَلَا مَسَاغَ إِذًا عَلَى الْحَمْلِ عَلَى الْمَجَازِ ، أَوْ تَقْدِيرِ مُضَافٍ ، كَيْفَ وَقَدْ ذَكَرَ السِّوَاكَ عِنْدَ نَفْسِ الصَّلَاةِ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْفُرُوعِ الْمُعْتَبَرَةِ ، قَالَ فِي التَّتارْخَانِيَّةِ نَقْلًا عَنْ التَّتِمَّةِ : وَيُسْتَحَبُّ السِّوَاكُ عِنْدَنَا عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَوُضُوءٍ ، وَكُلِّ شَيْءٍ يُغَيِّرُ الْفَمَ ، وَعِنْدَ الْيَقَظَةِ . انْتَهَى . وَقَالَ الْفَاضِلُ الْمُحَقِّقُ اِبْنُ الْهُمَامِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ : وَيُسْتَحَبُّ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ : اِصْفِرَارُ السِّنِّ ، وَتَغَيُّرُ الرَّائِحَةِ ، وَالْقِيَامُ مِنْ النَّوْمِ ، وَالْقِيَامُ إِلَى الصَّلَاةِ ، وَعِنْدَ الْوُضُوءِ . انْتَهَى . فَظَهَرَ أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي بعض الْكُتُبِ مِنْ تَصْرِيحِ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ الصَّلَاةِ مُعَلَّلًا بِأَنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ الدَّمُ فَيَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ لَيْسَ لَهُ وَجْهٌ ، نَعَمْ مَنْ يَخَافُ ذَلِكَ فَلْيَسْتَعْمِلْ بِالرِّفْقِ عَلَى نَفْسِ الْأَسْنَانِ وَاللِّسَانِ دُونَ اللِّثَةِ ، وَذَلِكَ لَا يَخْفَى . انْتَهَى كَلَامُ الْقَارِي . قُلْتُ : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ وَرَدَ بِأَلْفَاظٍ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ ، وَمُسْلِمٌ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : مَعَ الْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ ، وَعِنْدَهُمَا : لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ انْتَهَى مَا فِي التَّرْغِيبِ ، وَذَكَرَ الْحَافِظُ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ ، وَقَالَ : أَخْرَجَهُ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا . انْتَهَى . فَلَوْ يُحْمَلُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ عَلَى كُلِّ وُضُوءٍ ، كَمَا قَالَ الْقَارِي وَغَيْرُهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ الصُّوفِيَّةِ ، وَلَوْ يُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَيُقَالُ بِاسْتِحْبَابِ السِّوَاكِ عِنْدَ نَفْسِ الصَّلَاةِ أَيْضًا ، وَيُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ الصُّوفِيَّةِ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ فَهُوَ الرَّاجِحُ ، فَقَدْ حَمَلَهُ رِاوِيهِ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ عَلَى ظَاهِرِهِ ، كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَرَوَى الْخَطِيبُ فِي كِتَابِ أَسْمَاءِ مَنْ رَوَى عَنْ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُوكُهُمْ عَلَى آذَانِهِمْ يَسْتَنُّونَ بِهَا لِكُلِّ صَلَاةٍ . وَرَوَى ابْن أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ وَأَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَرُوحُونَ وَالسِّوَاكُ عَلَى آذَانِهِمْ . قَالَ الشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ شَمْسُ الْحَقِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ مَا لَفْظُهُ : وَأَحَادِيثُ الْبَابِ مَعَ مَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ . تَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ السِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ وَعِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى تَقْدِيرِ الْعِبَارَةِ بِأَنْ يُقَالَ : أَيْ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ صَلَاةٍ ، كَمَا قَدَّرَهَا بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ ، بَلْ فِي هَذَا رَدُّ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ ، وَهِيَ السِّوَاكُ عِنْدَ الصَّلَاةِ ، وَعَلَّلَ بِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي عَمَلُهُ فِي الْمَسَاجِدِ; لِأَنَّهُ مِنْ إِزَالَةِ الْمُسْتَقْذَرَاتِ . وَهَذَا التَّعْلِيلُ مَرْدُودٌ; لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ دَلَّتْ عَلَى اِسْتِحْبَابِهِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ; وَهَذَا لَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يُعْمَلَ إِلَّا فِي الْمَسْاجِدِ حَتَّى يَتَمَشَّى هَذَا التَّعْلِيلُ ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَاكَ ثُمَّ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ لِلصَّلَاةِ ، كَمَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ : مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ لِشَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ حَتَّى يَسْتَاكَ . انْتَهَى . وَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ جَازَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ ، ثُمَّ يَسْتَاكَ ، ثُمَّ يَدْخُلَ وَيُصَلِّيَ ، وَلَوْ سَلَّمَ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مِنْ إِزَالَةِ الْمُسْتَقْذَرَاتِ ، كَيْفَ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ كَانَ يَشْهَدُ الصَّلَوَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ وَسِوَاكُهُ عَلَى أُذُنِهِ مَوْضِعَ الْقَلَمِ مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ لَا يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ إِلَّا اِسْتَنَّ ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى مَوْضِعِهِ ، وَأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُوكُهُمْ خَلْفَ آذَانِهِمْ يَسْتَنُّونَ بِهَا لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَأَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ وَأَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَرُوحُونَ وَالسِّوَاكُ عَلَى آذَانِهِمْ . انْتَهَى . قُلْتُ : كَلَامُ الشَّيْخِ شَمْسِ الْحَقِّ هَذَا كَلَامٌ حَسَنٌ طَيِّبٌ ، لَكِنَّ صَاحِبَ الطِّيبِ الشَّذِيِّ لَمْ يَرْضَ بِهِ فَنَقَلَ شَيْئًا مِنْهُ وَتَرَكَ أَكْثَرَهُ ، ثُمَّ تَفَوَّهَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ كَلَامَهُ الْمَذْكُورَ أَوْ لَهُ تَعَصُّبٌ شَدِيدٌ يَحْمِلُهُ عَلَى مِثْلِ هَذَا التَّفَوُّهِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَحْمَدَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَارِي بِلَفْظِ : صَلَاةٌ بِسِوَاكٍ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ صَلَاة بِغَيْرِ سِوَاكٍ ، فَلَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ ، نَعَمْ رَوَى أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَضْلُ الصَّلَاةِ بِالسِّوَاكِ عَلَى الصَّلَاةِ بِغَيْرِ سِوَاكٍ سَبْعُونَ ضِعْفًا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ : رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَالْبَزَّارُ ، وَأَبُو يَعْلَى ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ ، وَقَالَ : فِي الْقَلْبِ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ شَيْءٌ ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ اِبْنِ شِهَابٍ ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ : صَحِيحُ الْإِسْنَادِ ، كَذَا قَالَ ، ومُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ إِنَّمَا أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمُ فِي الْمُتَابَعَاتِ ، وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَأَنْ أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ بِسِوَاكٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُصَلِّيَ سَبْعِينَ رَكْعَةً بِغَيْرِ سِوَاكٍ . رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابِ السِّوَاكِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ . وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رَكْعَتَانِ بِالسِّوَاكِ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ رَكْعَةً بِغَيْرِ سِوَاكٍ . رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ . انْتَهَى مَا فِي التَّرْغِيبِ . قَوْلُهُ : ( وَأَمَّا مُحَمَّدُ ) بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ ( فَزَعَمَ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَصَحُّ ) . قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي : حَكَى التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَرِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ، فَقَالَ : رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَصَحُّ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : كِلَا الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ عِنْدِي ، قُلْتُ : رَجَّحَ الْبُخَارِيُّ عَنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ لِأَمْرَيْنِ : أَحَدِهِمَا : أَنَّ فِيهِ قِصَّةً ، وَهِيَ قَوْلُ أَبِي سَلَمَةَ ، فَكَانَ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ يَضَعُ السِّوَاكَ مِنْهُ مَوْضِعَ الْقَلَمِ مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ ، فَكُلَّمَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ اِسْتَاكَ . ثَانِيهِمَا : أَنَّهُ تُوبِعَ ، فَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، وَعَلِيٍّ ، وَعَائِشَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَحُذَيْفَةَ ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ، وَأَنَسٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَأُمِّ حَبِيبَةَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي أُمَامَةَ ، وَأَيُّوبَ ، وَتَمَّامِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ، وَوَاثِلَةَ ، وَأَبِي مُوسَى ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو يَعْلَى مَرْفُوعًا بِلَفْظِ : السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ . قَالَ الْحَافِظُ الْهَيْثَمِيُّ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ : رِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، إِلَّا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ لَمْ يَسْمَعْ عن أَبِي بَكْرٍ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ رضي الله عنه فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِلَفْظِ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ . قَالَ الْهَيْثَمِيُّ : فِيهِ اِبْنُ إِسْحَاقَ وَهُوَ ثِقَةٌ مُدَلِّسٌ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ . انْتَهَى . وَقَدْ حَسَّنَ إِسْنَادَهُ أَيْضًا الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحيِهِمَا بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الْمَذْكُورِ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مُعَلَّقًا مَجْزُومًا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَتَعْلِيقَاتُ الْبُخَارِيِّ الْمَجْزُومَةُ صَحِيحَةٌ . انْتَهَى . وَلِعَائِشَةَ رضي الله عنها أَحَادِيثُ أُخْرَى فِي السِّوَاكِ . وَأَمَّا حَدِيثُ اِبْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الْمَذْكُورِ ، وَزَادَ فِيهِ وَمِجْلَاةٌ لِلْبَصَرِ وَلِابْنِ عَبَّاسٍ أَحَادِيثُ أُخْرَى فِي السِّوَاكِ . وَأَمَّا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ بِلَفْظِ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ لِلتَّهَجُّدِ مِنْ اللَّيْلِ يَشْوَسُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ . وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ رضي الله عنه فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِلَفْظِ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ فِي السِّوَاكِ ، وَلِأَنَسٍ أَحَادِيثُ فِي السِّوَاكِ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، فَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابِ السِّوَاكِ بِلَفْظِ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ بِالْأَسْحَارِ ، وَفِي إِسْنَادِهِ اِبْنُ لَهِيعَةَ . وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو يَعْلَى بِلَفْظِ : قَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ . قَالَ الْهَيْثَمِيُّ : رِجَالُهُ ثِقَاتٌ . وَأَمَّا حَدِيثُ اِبْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ : عَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ ؛ فَإِنَّهُ مَطْيَبَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى . وَفِي إِسْنَادِهِ اِبْنُ لَهِيعَةَ ، وَلِابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَحَادِيثُ أُخْرَى فِي السِّوَاكِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ ، فَأَخْرَجَهُ اِبْنُ مَاجَهْ مَرْفُوعًا ، بِلَفْظِ : تَسَوَّكُوا ؛ فَإِنَّ السِّوَاكَ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ ، مَا جَاءَنِي جِبْرِئيلُ إِلَّا أَوْصَانِي بِالسِّوَاكِ . الْحَدِيثَ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ : أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ : الْخِتَانُ ، وَالتَّعَطُّرُ ، وَالسِّوَاكُ ، وَالنِّكَاحُ . وَأَمَّا حَدِيثُ تَمَّامِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ : مَا لَكُمْ تَدْخُلُونَ عَلَيَّ قُلْحًا ، اِسْتَاكُوا ، فَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ طُهُورٍ . هَذَا لَفْظُ الطَّبَرَانِيِّ . قَالَ الْهَيْثَمِيُّ : فِيهِ أَبُو عَلِيٍّ الصَّيْقَلُ وَهُوَ مَجْهُولٌ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالسِّوَاكِ حَتَّى خِفْتُ عَلَى أَضْرَاسِي . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : إِسْنَادُهُ لَيِّنٌ . وَأَمَّا حَدِيثُ وَاثِلَةَ وَهُوَ اِبْنُ الْأَصقَعِ ، فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ : قَالَ : أُمِرْتُ بِالسِّوَاكِ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيَّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِيهِ لَيْثُ بْنُ سَلِيمٍ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ فِي السِّوَاكِ عَلَى طَرَفِ اللِّسَانِ . اِعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي السِّوَاكِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ عَنْ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ الْمَذْكُورِينَ وَغَيْرِهِمْ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا ، ذَكَرَهَا الْحَافِظُ عَبْدُ الْعَظِيمِ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ ، وَالْحَافِظُ الْهَيْثَمِيُّ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ كِتَابِهِ مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ ، وَالْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ فِي التَّلْخِيصِ ، وَالشَّيْخُ عَلِيٌّ الْمُتَّقِي فِي كَنْزِ الْعُمَّالِ ، مَنْ شَاءَ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهَا فَلْيَرْجِعْ إِلَى هَذِهِ الْكُتُبِ .
بَاب فِيمَنْ يَسْتَيْقِظُ وَيَرَى بَلَلًا وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا 113 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ نَا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ الْخَيَّاطُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : سُئِلَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا قَالَ : يَغْتَسِلُ ، وَعَنْ الرَّجُلِ يَرَى أَنَّهُ قَدْ احْتَلَمَ وَلَمْ يَجِدْ بَلَلًا قَالَ : لَا غُسْلَ عَلَيْهِ ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ تَرَى ذَلِكَ غُسْلٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ إِنَّ النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ . قَالَ أَبُو عِيسَى : وَإِنَّمَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ وَلَم يَذْكُرُ احْتِلَامًا . وَعَبْدُ اللَّهِ ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ فِي الْحَدِيثِ ، وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ : إِذَا اسْتَيْقَظَ الرَّجُلُ فَرَأَى بِلَّةً أَنَّهُ يَغْتَسِلُ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ ، وَأَحْمَدَ ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ التَّابِعِينَ : إِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ إِذَا كَانَتْ الْبِلَّةُ بِلَّةَ نُطْفَةٍ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَإِذَا رَأَى احْتِلَامًا وَلَمْ يَرَ بِلَّةً فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ . باب فيمن يستيقظ وَيَرَى بَلَلًا وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا قَوْلُهُ : ( نَا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ الْخَيَّاطُ ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الْقُرَشِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ نَزِيلُ بَغْدَادَ ثقة أُمِّيٌّ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ) بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْعُمَرِيِّ الْمَدَنِيِّ ضَعِيفٌ عَابِدٌ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَسَيَجِيءُ مَا فِيهِ مِنَ الْكَلَامِ . قَوْلُهُ : ( يَجِدُ الْبَلَلَ ) بِفَتْحَتَيْنِ الرُّطُوبَةَ ( وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا ) الِاحْتِلَامُ افْتِعَالٌ مِنَ الْحُلْمِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ ، وَهُوَ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ فِي نَوْمِهِ ، يُقَالُ مِنْهُ حَلَمَ بِالْفَتْحِ وَاحْتَلَمَ ، وَالْمُرَادُ بِهِ هَهُنَا أَمْرٌ خَاصٌّ وَهُوَ الْجِمَاعُ ، أَيْ لَا يَذْكُرُ أَنَّهُ جَامَعَ فِي النَّوْمِ . ( قَالَ يَغْتَسِلُ ) خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ وَهُوَ لِلْوُجُوبِ ( يَرَى ) بِفَتْحِ الْيَاءِ أَيْ يَعْتَقِدُ ( قَالَ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ ) لِأَنَّ الْبَلَلَ عَلَامَةٌ وَدَلِيلٌ ، وَالنَّوْمُ لَا عِبْرَةَ بِهِ ، فَالْمَدَارُ عَلَى الْبَلَلِ سَوَاءٌ تَذَكَّرَ الِاحْتِلَامَ أَمْ لَا . ( قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ) ، وَفِي رِوَايَةِ أبي دَاوُدَ فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ ، ( إِنَّ النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ ) هَذِهِ الْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ فِيهَا مَعْنَى التَّعْلِيلِ ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : أَيْ نَظَائِرُهُمْ وَأَمْثَالُهُمْ كَأَنَّهُنَّ شُقِقْنَ مِنْهُمْ وَلِأَنَّ حَوَّاءَ خُلِقَتْ مِنْ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ، وَشَقِيقُ الرَّجُلِ أَخُوهُ لِأَبِيهِ وَلِأُمِّهِ لِأَنَّ شِقَّ نَسَبِهِ مِنْ نَسَبِهِ يَعْنِي فَيَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الْمَرْأَةِ بِرُؤْيَةِ الْبَلَلِ بَعْدَ النَّوْمِ كَالرَّجُلِ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ ) بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ : هَذَا الْحَدِيثَ ، قَالَ فِي الْمُنْتَقَى بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ ، وَقَالَ فِي النَّيْلِ : رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ الْعُمَرِيَّ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ ثُمَّ ذَكَرَ أَقْوَالَ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ الْمَذْكُورُ عِنْدَ مَنْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنَ الْمُخَرِّجِينَ لَهُ وَلَمْ نَجِدْهُ عَنْ غَيْرِهِ ، وَهَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِهِ ، فَالْحَدِيثُ مَعْلُولٌ بِعِلَّتَيْنِ الْأُولَى الْعُمَرِيُّ الْمَذْكُورُ وَالثَّانِيَةُ التَّفَرُّدُ وَعَدَمُ الْمُتَابَعَةِ فَقَصُرَ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ وَالصِّحَّةِ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَعَبْدُ اللَّهِ ) أَيْ ابْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ الْعُمَرِيُّ الْمَذْكُورُ فِي السَّنَدِ . ( ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ فِي الْحَدِيثِ ) ، قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ : صَدُوقٌ ، فِي حِفْظِهِ شَيْءٌ ، رَوَى عَنْ نَافِعٍ وَجَمَاعَةٍ ، رَوَى أَحْمَدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنِ ابْنِ مَعِينٍ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ، يُكْتَبُ حَدِيثُهُ ، وَقَالَ الدَّارِمِيُّ : قُلْتُ لِابْنِ مَعِينٍ : كَيْفَ حَالُهُ فِي نَافِعٍ؟ قَالَ : صَالِحٌ ثِقَةٌ ، وَقَالَ الْفَلَّاسُ : كَانَ يَحْيَى الْقَطَّانُ لَا يُحَدِّثُ عَنْهُ ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : صَالِحٌ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : فِي نَفْسِهِ صَدُوقٌ ، وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : عَبْدُ اللَّهِ ضَعِيفٌ ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : كَانَ مِمَّنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الصَّلَاحُ وَالْعِبَادَةُ حَتَّى غَفَلَ عَنْ حِفْظِ الْأَخْبَارِ وَجَوْدَةِ الْحِفْظِ لِلْآثَارِ ، فَلَمَّا فَحُشَ خَطَؤُهُ اسْتَحَقَّ التَّرْكَ وَمَاتَ سَنَةَ 173 ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ . انْتَهَى مَا فِي الْمِيزَانِ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَخْ ) ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ : ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ أَيْ حَدِيثُ عَائِشَةِ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ يُوجِبُ الِاغْتِسَالَ إِذَا رَأَى بِلَّةً وَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ أَنَّهَا الْمَاءُ الدَّافِقُ ، وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ عَطَاءٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : أَعْجَبُ إِلَى أَنْ يَغْتَسِلَ ، وَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ : لَا يَجِبُ عليه الاغتسال حتى يعلم أنها الماء الدافق ، واستحبوا أن يغتسل من طريق الاحتياط ، ولم يختلفوا أنه إذا لم ير الماء وإن كان رأى في النوم أنه قد احتلم فإنه لا يجب عليه الاغتسال . انتهى . قَالَهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ . قُلْتُ : مَا مَالَ إِلَيْهِ الْجَمَاعَةُ الْأُولَى مِنْ أَنَّ مُجَرَّدَ رُؤْيَةِ الْبِلَّةِ مُوجِبٌ لِلِاغْتِسَالِ هُوَ أَوْفَقُ بِحَدِيثِ الْبَابِ وَبِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ، أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ بِلَفْظِ : إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ وَبِحَدِيثِ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ بِلَفْظِ : لَيْسَ عَلَيْهَا غُسْلٌ حَتَّى تُنْزِلَ ، فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ مُجَرَّدِ وُجُودِ الْمَنِيِّ سَوَاءٌ انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ الدَّفْقُ وَالشَّهْوَةُ أَمْ لَا ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
بَاب مَا جَاءَ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِمُقَدَّمِ الرَّأْسِ إِلَى مُؤَخَّرِهِ 32 حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ ، نَا مَعْنُ ، نَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ . وَفِي الْبَاب عَنْ مُعَاوِيَةَ وَالْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ وَعَائِشَةَ ، قَالَ : أَبُو عِيسَى حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَحْسَنُ ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِمُقَدَّمِ الرَّأْسِ إِلَى مُؤَخَّرِهِ ) أَيْ ذَاهِبًا إِلَى مُؤَخَّرِهِ . قَوْلُهُ : ( مَسَحَ رَأْسَهُ ) زَادَ اِبْنُ الطَّبَّاعِ كُلَّهُ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ اِبْنِ خُزَيْمَةَ ( فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ ) أَيْ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ الرَّأْسِ الَّذِي يَلِي الْوَجْهَ وَذَهَبَ بِهِمَا إِلَى الْقَفَا ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ ، وَهُوَ مُبْتَدَأُ الشَّعْرِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُتَعَيَّنُ الْمُعْتَمَدُ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : ( بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ إِلَخْ ) وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ عَطْفُ بَيَانٍ لِقَوْلِهِ : فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ تَدْخُلْ الْوَاوُ عَلَى بَدَأَ ، قَالَ الزُّرْقَانِيُّ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ الْحَدِيثِ وَلَيْسَ مُدْرَجًا مِنْ كَلَامِ مَالِكٍ : فَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ قَالَ : السُّنَّةُ أَنْ يَبْدَأَ بِمُؤَخَّرِ الرَّأْسِ إِلَى أن ينتهي إلى مُقَدَّمِهِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ : أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ ، وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ فَأَدْبَرَ بِيَدَيْهِ وَأَقْبَلَ ، فَلَمْ يَكُنْ فِي ظَاهِرِهِ حُجَّةٌ ؛ لِأَنَّ الْإِقْبَالَ وَالْإِدْبَارَ مِنْ الْأُمُورِ الْإِضَافِيَّةِ ، وَلَمْ يُعَيِّنْ مَا أَقْبَلَ إِلَيْهِ وَمَا أَدْبَرَ عَنْهُ ، وَمَخْرَجُ الطَّرِيقَيْنِ مُتَّحِدٌ ، فَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَعَيَّنَتْ رِوَايَةُ مَالِكٍ الْبُدَاءَةَ بِالمُقَدَّمِ فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ : أَقْبَلَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ تَسْمِيَةِ الْفِعْلِ بِابْتِدَائِهِ ، أَيْ بَدَأَ بِقُبُلِ الرَّأْسِ ، وَقِيلَ فِي تَوْجِيهِهِ غَيْرُ ذَلِكَ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . قَوْلُهُ ( وَفِي الْبَابِ عَنْ مُعَاوِيَةَ ، وَالْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ ، وَعَائِشَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ : إِنَّ مُعَاوِيَةَ تَوَضَّأَ لِلنَّاسِ كَمَا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ ، فَلَمَّا بَلَغَ رَأْسَهُ غَرَفَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَتَلَقَّاهَا بِشِمَالِهِ حَتَّى وَضَعَهَا عَلَى وَسَطِ رَأْسِهِ حَتَّى قَطَرَ الْمَاءُ أَوْ كَادَ يَقْطُرُ ، ثُمَّ مَسَحَ مِنْ مُقَدَّمِهِ إِلَى مُؤَخَّرِهِ ، وَمِنْ مُؤَخَّرِهِ إِلَى مُقَدَّمِهِ . وَأَمَّا حَدِيثُ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ فَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُدَ ، وَفِيهِ : فَلَمَّا بَلَغَ مَسَحَ رَأْسَهُ وَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ ، فَأَمَرَّهُمَا حَتَّى بَلَغَ الْقَفَا ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي مِنْهُ بَدَأَ ، وَالْحَدِيثَانِ سَكَتَ عَلَيْهِمَا أَبُو دَاوُدَ ثُمَّ الْمُنْذِرِيُّ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَفِيهِ وَوَضَعَتْ يَدَهَا فِي مُقَدَّمِ رَأْسِهَا ثُمَّ مَسَحَتْ رَأْسَهَا مَسْحَةً وَاحِدَةً إِلَى مُؤَخَّرِهِ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ ) حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ هَذَا أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ ( وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ) قَالَ الْحَافِظُ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَصَحُّ حَدِيثٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، وَالْمَشْهُورُ الْمُتَدَاوَلُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ الْبُدَاءَةُ مِنْ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ إِلَى مُؤَخَّرِهِ . انْتَهَى .
بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الْبَوْلِ فِي الْمُغْتَسَلِ 21 حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى قَالَا : أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَبُولَ الرَّجُلُ فِي مُسْتَحَمِّهِ . وَقَالَ : إِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ . وَفِي الْبَاب عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَشْعَثَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَيُقَالُ لَهُ : أَشْعَثُ الْأَعْمَى ، وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْبَوْلَ فِي الْمُغْتَسَلِ ، وَقَالُوا : عَامَّةُ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ . وَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ ابْنُ سِيرِينَ ، وَقِيلَ لَهُ : إِنَّهُ يُقَالُ : إِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ ، فَقَالَ : رَبُّنَا اللَّهُ ، لَا شَرِيكَ لَهُ . وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : قَدْ وُسِّعَ فِي الْبَوْلِ فِي الْمُغْتَسَلِ إِذَا جَرَى فِيهِ الْمَاءُ . قَالَ أَبُو عِيسَى : ثنا بِذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الْآمُلِيُّ ، عَنْ حِبَّانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ . باب ما جاء في كراهية البول في المغتسل : قَوْلُهُ : ( وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى ) الْمَرْوَزِيِّ أَبُو الْعَبَّاسِ السِّمْسَارُ مَرْدُوَيْهِ الْحَافِظُ ، عَنْ اِبْنِ الْمُبَارَكِ ، وَجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، وَإِسْحَاقَ الْأَزْرَقِ ، وَعَنْهُ الْبُخَارِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ ، مَاتَ سَنَةَ 235 خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ . قَالَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ : هُوَ الْمَعْرُوفُ بِمَرْدُوَيْهِ ، ثِقَةٌ حَافِظٌ . انْتَهَى . وَفِي الْمُغْنِي لِصَاحِبِ مَجْمَعِ الْبِحَارِ : مَرْدُوَيْهِ بِمَفْتُوحَةٍ وَسُكُونِ رَاءٍ وَضَمِّ مُهْمَلَةٍ وَبِتَحْتِيَّةٍ لَقَبُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ ( قَالَا : أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ) تَقَدَّمَ تَرْجَمَتُهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ . ( عَنْ مَعْمَرٍ ) تَقَدَّمَ ( عَنْ أَشْعَثَ ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرٍ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ وَغَيْرِهِمَا ، وَعَنْهُ مَعْمَرٌ ، وَشُعْبَةُ ، وَغَيْرُهُمَا . وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَأَوْرَدَهُ الْعَقِيلِيُّ فِي الضُّعَفَاءِ ، وَقَالَ : فِي حَدِيثِهِ وَهْمٌ . قَالَ الذَّهَبِيُّ : قَوْلُ الْعَقِيلِيِّ فِي حَدِيثِهِ وَهْمٌ لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ ، وَأَنَا أَتَعَجَّبُ كَيْفَ لَمْ يُخْرِجْ لَهُ الشَّيْخَانِ ، وَقَالَ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ : لَا يُعْتَبَرُ بِمَا وَقَعَ فِي أَحْكَامِ عَبْدِ الْحَقِّ مِنْ أَنَّ أَشْعَثَ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ الْحَسَنِ فَإِنَّهُ وَهْمٌ . ( عَنْ الْحَسَنِ ) بْنِ أَبِي الْحَسَنِ يَسَارٍ الْبَصْرِيِّ ، ثِقَةٌ ، فَقِيهٌ ، فَاضِلٌ مَشْهُورٌ ، يُرْسِلُ كَثِيرًا ، وَيُدَلِّسُ ، وَهُوَ رَأْسُ أَهْلِ الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ ، قَالَ الْبَزَّارُ : كَانَ يَرْوِي عَنْ جَمَاعَةٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ ، فَيَتَجَوَّزُ وَيَقُولُ : حَدَّثَنَا وَخَطَبَنَا ، يَعْنِي قَوْمَهُ الَّذِينَ حَدَّثُوا وَخَطَبُوا بِالْبَصْرَةِ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، قَالَ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ : قَدْ صَرَّحَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ بِسَمَاعِ الْحَسَنِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ . قَوْلُهُ : ( نَهَى أَنْ يَبُولَ الرَّجُلُ فِي مُسْتَحَمِّهِ ) أَيْ فِي مُغْتَسَلِهِ ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا لَفْظَهُ . قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : الْمُسْتَحَمُّ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُغْتَسَلُ فِيهِ بِالْحَمِيمِ ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ الْمَاءُ الْحَارُّ ، ثُمَّ قِيلَ لِلِاغْتِسَالِ بِأَيِّ مَاءٍ كَانَ : اِسْتِحْمَام . وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْلَكٌ يَذْهَبُ فِيهِ الْبَوْلُ أَوْ كَانَ الْمَكَانُ صُلْبًا فَيُوهِمُ الْمُغْتَسِلَ أَنَّهُ أَصَابَهُ مِنْهُ شَيْءٌ ، فَيَحْصُلُ مِنْهُ الْوِسْوَاسُ . انْتَهَى . ( وَقَالَ إِنَّ عَامَّةَ الْوِسْوَاسِ ) بِكَسْرِ الْوَاوِ الْأُولَى ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : فَإِنَّ عَامَّةَ الْوِسْوَاسِ ( مِنْهُ ) أَيْ مِنْ الْبَوْلِ فِي الْمُسْتَحَمِّ ، أَيْ أَكْثَرُ الْوِسْوَاسِ يَحْصُلُ مِنْ الْبَوْلِ فِي الْمُغْتَسَلِ ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ الْمَوْضِعُ نَجِسًا ، فَيَقَعُ فِي قَلْبِهِ وَسْوَسَةٌ بِأَنَّهُ هَلْ أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ رَشَاشِهِ أَمْ لَا ؟ قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : وَسْوَسَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ وَسْوَسَةً وَوِسْوَاسًا بِالْكَسْرِ وَهُوَ بِالْفَتْحِ الِاسْمُ ، وَالْوَسْوَاسُ أَيْضًا اِسْمٌ لِلشَّيْطَانِ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كُلَّ يَوْمٍ أَوْ يَبُولَ فِي مُغْتَسَلِهِ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مُخْتَصَرًا وَسَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالْمُنْذِرِيُّ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَسَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالْمُنْذِرِيُّ . قَوْلُهُ : ( وَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ اِبْنُ سِيرِينَ ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ الْأَنْصَارِيُّ أَبُو بَكْرِ بْنُ أبي عَمْرَةَ الْبَصْرِيُّ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ ، عَابِدٌ ، كَبِيرُ الْقَدْرِ ، كَانَ لَا يَرَى الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى ، مِنْ الثَّالِثَةِ ، مَاتَ سَنَةَ 110 عَشْرٍ وَمِائَةٍ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، وَكَرِهَ ذَلِكَ آخَرُونَ وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِحَدِيثِ الْبَابِ ، وَقَوْلُهُمْ هُوَ الرَّاجِحُ الْمُوَافِقُ لِحَدِيثِ الْبَابِ ، قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : وَرَبْطُ النَّهْيِ بِعِلَّةِ إِفْضَاءِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ يَصْلُحُ قَرِينَةً تَصْرِفُ النَّهْيَ عَنْ التَّحْرِيمِ إِلَى الْكَرَاهَةِ . ( قِيلَ لَهُ ) أَيْ لِابْنِ سِيرِينَ ( يُقَالُ : إِنَّ عَامَّةَ الْوِسْوَاسِ مِنْهُ ، فَقَالَ : رَبُّنَا اللَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ) قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ السِّنْدِيُّ فِي شَرْحِهِ لِلتِّرْمِذِيِّ : فَهُوَ الْمُتَوَحِّدُ فِي خَلْقِهِ ، لَا دَخْلَ لِلْبَوْلِ فِي الْمُغْتَسَلِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْخَلْقِ ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَابِهِ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِلْأَشْيَاءِ أَسْبَابًا ، فَلَا بُدَّ مِنْ التَّجَنُّبِ عَنْ الْأَسْبَابِ الْقَبِيحَةِ . أَقُولُ : عُلِمَ قُبْحُهُ بِنَهْيِ الشَّارِعِ عَنْهُ . انْتَهَى كَلَامُ أَبِي الطَّيِّبِ . ( وَقَالَ اِبْنُ الْمُبَارَكِ : قَدْ وُسِّعَ فِي الْبَوْلِ فِي الْمُغْتَسَلِ إِذَا جَرَى فِيهِ الْمَاءُ ) قَالَ الْحَافِظُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ : حَمَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْمُغْتَسَلُ لَيِّنًا ، وَلَيْسَ فِيهِ مَنْفَذٌ ، بِحَيْثُ إِذَا نَزَلَ فِيهِ الْبَوْلُ شَرِبَتْهُ الْأَرْضُ ، وَإِذَا اِسْتَقَرَّ فِيهَا فَإِنْ كَانَ صُلْبًا بِبَلَاطٍ وَنَحْوِهِ ، بِحَيْثُ يَجْرِي عَلَيْهِ الْبَوْلُ وَلَا يَسْتَقِرُّ ، أَوْ كَانَ فِيهِ مَنْفَذٌ كَالْبَالُوعَةِ وَنَحْوِهَا فَلَا نَهْيَ . رَوَى اِبْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : إِذَا كَانَ يَسِيلُ فَلَا بَأْسَ . وَقَالَ اِبْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ : سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيَّ يَقُولُ : إِنَّمَا هَذَا فِي الْحَفِيرَةِ ، فَأَمَّا الْيَوْمَ لِمُغْتَسَلَاتِهِمْ الْجِصُّ وَالْقِيرُ ، فَإِذَا بَالَ فَأَرْسَلَ عَلَيْهِ الْمَاءَ فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : إِنَّمَا نَهَى عَنْ الِاغْتِسَالِ فِيهِ إِذَا كَانَ صُلْبًا ، يَخَافُ مِنْهُ إِصَابَةَ رَشَاشَهٍ ، فَإِنْ كَانَ لَا يَخَافُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ مَنْفَذٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا كَرَاهَةَ . قَالَ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ : وَهُوَ عَكْسُ مَا ذَكَرَهُ الْجَمَاعَةُ ؛ فَإِنَّهُمْ حَمَلُوا النَّهْيَ عَلَى الْأَرْضِ اللَّيِّنَةِ ، وَحَمَلَهُ هُوَ عَلَى الصُّلْبَةِ ، وَقَدْ لَمَحَ هُوَ مَعْنًى آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّهُ فِي الصُّلْبَةِ يَخْشَى عَوْدَ الرَّشَاشِ بِخِلَافِ الرِّخْوَةِ ، وَهُمْ نَظَرُوا إِلَى أَنَّهُ فِي الرِّخْوَة يَسْتَقِرُّ مَوْضِعُهُ ، وَفِي الصُّلْبَةِ يَجْرِي وَلَا يَسْتَقِرُّ ، فَإِذَا صَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ ذَهَبَ أَثَرُهُ بِالْكُلِّيَّةِ . انْتَهَى . وَالَّذِي قَالَهُ النَّوَوِيُّ سَبَقَهُ إِلَيْهِ صَاحِبُ النِّهَايَةِ كَمَا عَرَفْتُ آنِفًا . قُلْتُ : وَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى إِطْلَاقِهِ ، وَلَا يُقَيَّدَ الْمُسْتَحَمُّ بِشَيْءٍ مِنْ الْقُيُودِ ، فَيُحْتَرَزُ عَنْ الْبَوْلِ فِي الْمُغْتَسَلِ مُطْلَقًا ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ مَسْلَكٌ أَمْ لَا ، وسَوَاءٌ كَانَ الْمَكَانُ صُلْبًا أَوْ لَيِّنًا ، فَإِنَّ الْوِسْوَاسَ قَدْ يَحْصُلُ مِنْ الْبَوْلِ فِي الْمُغْتَسَلِ الَّذِي لَهُ مَسْلَكٌ أَيْضًا ، وَكَذَلِكَ قَدْ يَحْصُلُ الْوِسْوَاسُ مِنْهُ فِي الْمُغْتَسَلِ اللَّيِّنِ وَالصُّلْبِ ، كَمَا لَا يَخْفَى . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا بِذَلِكَ ) أَيْ : بِقَوْلِ اِبْنِ الْمُبَارَكِ الْمَذْكُورِ ( أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الْآمُلِيُّ ) بِالْمَدِّ وَضَمِّ الْمِيمِ يُكَنَّى أَبَا جَعْفَرٍ ، صَدُوقٌ مِنْ الْحَادِيَةَ عَشْرَة ، رَوَى عَنْهُ أبو دَاوُدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ( عَنْ حِبَّانَ ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدَّةِ الْمُوَحَّدَةِ هُوَ حِبَّانُ بْنُ مُوسَى بْنِ سِوَارٍ السُّلَمِيُّ ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ . عَنْ : اِبْنِ الْمُبَارَكِ ، وَأَبِي حَمْزَةَ السُّكَّرِيِّ ، وَعَنْهُ : الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ . قَالَ اِبْنُ مَعِينٍ : لَا بَأْسَ بِهِ . وَذَكَرَهُ اِبْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ : ثِقَةٌ .
بَاب مَا جَاءَ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِمُؤَخَّرِ الرَّأْسِ 33 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّتَيْنِ ، بَدَأَ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ ثُمَّ بِمُقَدَّمِهِ ، وَبِأُذُنَيْهِ كِلْتَيْهِمَا ، ظُهُورِهِمَا وَبُطُونِهِمَا . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَصَحُّ مِنْ هَذَا وَأَجْوَدُ ، وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ ، مِنْهُمْ وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ . بَاب مَا جَاءَ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِمُؤَخَّرِ الرَّأْسِ قَوْله : ( نَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ) بْنِ لَاحِقٍ الرَّقَاشِيُّ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْبَصْرِيُّ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ عَابِدٌ ، قَالَ أَحْمَدُ : إِلَيْهِ الْمُنْتَهَى فِي التَّثْبِتِ فِي الْبَصْرَةِ . وَقَالَ اِبْنُ الْمَدِينِيِّ : كَانَ يُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعَمِائَةِ رَكْعَةً وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا . تُوُفِّيَ سَنَةَ 187 سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ . ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ) مُتَكَلَّمٌ فِيهِ تَقَدَّمَ تَرْجَمَتُهُ فِي بَابِ مِفْتَاحِ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ ( عَنْ الرُّبَيِّعِ ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ التَّحْتَانِيَّةِ الْمُشَدَّدَةِ أَنْصَارِيَّةٌ نَجَّارِيَّةٌ مِنْ الْمُبَايِعَاتِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ، ( بِنْتِ مُعَوِّذٍ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ . ( ابْنِ عَفْرَاءَ ) بِسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَالْمَدِّ ( مَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّتَيْنِ بَدَأَ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ ثُمَّ بِمُقَدَّمِهِ ) الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ : بَدَأَ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ : مَرَّتَيْنِ ، فَلَيْسَتَا بِمَسْحَتَيْنِ ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى الْبُدَاءَةِ بِمُؤَخَّرِ الرَّأْسِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ بَعْضِ أَهْلِ الْكُوفَةِ كَمَا حَكَى التِّرْمِذِيُّ . وَأَجَابَ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْهُ : بِأَنَّهُ تَحْرِيفٌ مِنْ الرَّاوِي بِسَبَبِ فَهْمِهِ فَإِنَّهُ فَهِمَ مِنْ قَوْلِهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ أَنَّهُ يَقْتَضِي الِابْتِدَاءَ بِمُؤَخَّرِ الرَّأْسِ فَصَرَّحَ بِمَا فَهِمَ مِنْهُ وَهُوَ مُخْطِئٌ فِي فَهْمِهِ . وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ عَارَضَ مَا هُوَ أَصَحُّ مِنْهُ ، وَهُوَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ . وَبِأَنَّهُ فَعَلَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ . وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ : قَالَ اِبْنُ سَيِّدِ النَّاسِ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : هَذِهِ الرِّوَايَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى عِنْدَ مَنْ يُسَمِّي الْفِعْلَ بِمَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ ، كَأَنَّهُ حَمَلَ قَوْلَهُ : مَا أَقْبَلَ وَمَا أَدْبَرَ عَلَى الِابْتِدَاءِ بِمُؤَخَّرِ الرَّأْسِ ، فَأَدَّاهَا بِمَعْنَاهَا عِنْدَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، قَالَ : ذَكَرَ مَعْنَاهُ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ هَذَا لِبَيَانِ الْجَوَازِ مَرَّةً ، وَكَانَتْ مُوَاظَبَتُهُ عَلَى الْبُدَاءَةِ بِمُقَدَّمِ الرَّأْسِ ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ مُوَاظَبَةً عَلَيْهِ كَانَ أَفْضَلَ ، وَالْبُدَاءَةُ بِمُؤَخَّرِ الرَّأْسِ مَحْكِيَّةٌ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ ، وَوَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ : قَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ النَّاسِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ أَنَّهُ بَدَأَ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ وَتَوَهَّمَ غَيْرُهُ أَنَّهُ بَدَأَ مِنْ وَسَطِ رَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِيَدِهِ وَأَدْبَرَ ، وهَذِهِ ظُنُونٌ لَا تَصِحُّ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَبْدَأُ مِنْ وَسَطِ رَأْسِهِ ، وَلَا يَصِحُّ ، وَأَصَحُّ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، وَالْمَشْهُورُ الْمُتَدَاوَلُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ الْبُدَاءَةُ مِنْ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ إِلَى مُؤَخَّرِهِ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) حَدِيثُ رُبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ هَذَا لَهُ رِوَايَاتٌ وَأَلْفَاظٌ ، مَدَارُ الْكُلِّ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، وَفِيهِ مَقَالٌ مَشْهُورٌ لَا سِيَّمَا إِذَا عَنْعَنَ ، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِهَا ، قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ ، قُلْتُ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ مُدَلِّسٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَافِظُ فِي طَبَقَاتِ الْمُدَلِّسِينَ وَلِذَا قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : لَا سِيَّمَا إِذَا عَنْعَنَ . ( وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَصَحُّ مِنْ هَذَا وَأَجْوَدُ ) لِأَنَّ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ رُبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ هَذَا فَقَدْ عَرَفْتُ حَالَهُ ( وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ ) وَهُوَ مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ ، وَالْمَذْهَبُ الرَّاجِحُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ هُوَ الْبُدَاءَةُ بِمُقَدَّمِ الرَّأْسِ .
بَاب فِي الْمَذْيِ يُصِيبُ الثَّوْبَ 115 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ نَا عَبْدَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ هُوَ ابْنُ السَّبَّاقِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ : كُنْتُ أَلْقَى مِنْ الْمَذْيِ شِدَّةً وَعَنَاءً فَكُنْتُ أُكْثِرُ مِنْهُ الْغُسْلَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَأَلْتُهُ عَنْهُ فَقَالَ : إِنَّمَا يُجْزِئُكَ مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ بِمَا يُصِيبُ ثَوْبِي مِنْهُ ؟ قَالَ : يَكْفِيكَ أَنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَتَنْضَحَ بِهِ ثَوْبَكَ حَيْثُ تَرَى أَنَّهُ أَصَابَ مِنْهُ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَلَا نَعْرِفُه مثل هذا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ فِي الْمَذْيِ مِثْلَ هَذَا . وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمَذْيِ يُصِيبُ الثَّوْبَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يُجْزِئُ إِلَّا الْغَسْلُ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يُجْزِئُهُ النَّضْحُ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ النَّضْحُ بِالْمَاءِ . ( بَابُ فِي الْمَذْيِ يُصِيبُ الثَّوْبَ ) الْمَذْيُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الذَّالِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ الْبَلَلُ اللَّزِجُ الذي يخرج مِنَ الذَّكَرِ عِنْدَ مُلَاعَبَةِ النِّسَاءِ ، وَلَا يَجِبُ فِيهِ الْغُسْلُ ، وَهُوَ نَجِسٌ يَجِبُ غَسْلُهُ وَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ ، وَرَجُلٌ مَذَّاءٌ فَعَّالٌ لِلْمُبَالَغَةِ فِي كَثْرَةِ الْمَذْيِ ، وَقَدْ مَذَى الرَّجُلُ يُمْذِي وَأَمْذَى كَذَا فِي النِّهَايَةِ . قَوْلُهُ : ( نا عَبْدَةُ ) بْنُ سُلَيْمَانَ الْكِلَابِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ) ثِقَةٌ إِلَّا أَنَّهُ مُدَلِّسٌ وَرِوَايَتُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ بِالْعَنْعَنَةِ ، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِالتَّحْدِيثِ فَزَالَتْ عِلَّةُ التَّدْلِيسِ . ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ ) بِالتَّصْغِيرِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ ( هُوَ ابْنُ السَّبَّاقِ ) بشدة الموحدة ، قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ الثَّقَفِيُّ أَبُو السَّبَّاقِ الْمَدَنِيُّ ثِقَةٌ مِنَ الرَّابِعَةِ . انْتَهَى . قُلْتُ : رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَنْهُ الزُّهْرِيُّ ، وَابْنُ إِسْحَاقَ وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ . ( عَنْ أَبِيهِ ) هُوَ عُبَيْدُ بْنُ السَّبَّاقِ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ الشَّدِيدَةِ الْمَدَنِيُّ الثَّقَفِيُّ أَبُو سَعِيدٍ ثِقَةٌ ، مِنَ الثَّالِثَةِ ، رَوَى عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ، وَعَنْهُ ابْنُ شِهَابٍ ، وَثَّقَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ . ( عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ) بْنِ وَاهِبٍ الْأَنْصَارِيِّ الْأَوْسِيِّ صَحَابِيٌّ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَاسْتَخْلَفَهُ عَلِيٌّ عَلَى الْبَصْرَةِ وَمَاتَ فِي خِلَافَتِهِ . قَوْلُهُ : ( كُنْتُ أَلْقَى مِنَ الْمَذْيِ شِدَّةً وَعَنَاءً ) قَالَ فِي الصُّرَاحِ : عَنَاءً بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ رنج دَيْدَنَ . ( فَكُنْتُ أُكْثِرُ مِنْهُ الْغُسْلَ ) مِنَ الْإِكْثَارِ ، وَمِنْ لِلتَّعْلِيلِ أَيْ كُنْتُ أُكْثِرُ الِاغْتِسَالَ لِأَجْلِ خُرُوجِ الْمَذْيِ . ( فَقَالَ : إِنَّمَا يُجْزِئُكَ ) مِنَ الْإِجْزَاءِ أَيْ يَكْفِيَكَ ( مِنْ ذَلِكَ ) أَيْ مِنْ خُرُوجِ الْمَذْيِ ( الْوُضُوءُ ) بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ ( قَالَ : يَكْفِيَكَ أَنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَتَنْضَحَ بِهِ ثَوْبَكَ ) ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ : يَجْزِيكَ أَنْ تَأْخُذَ حَفْنَةً مِنْ مَاءٍ فَتَرُشَّ عَلَيْهِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَذْيَ إِذَا أَصَابَ الثَّوْبَ يَكْفِي نَضْحُهُ وَرَشُّ الْمَاءِ عَلَيْهِ وَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ . قَوْلُهُ : ( وَلَا نَعْرِفُ مِثْلَ هَذَا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ فِي الْمَذْيِ مِثْلَ هَذَا ) وَقَعَ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ لَفْظُ : مِثْلِ هَذَا مَرَّتَيْنِ ، فَالثَّانِي تَأْكِيدٌ لِلْأَوَّلِ ، وَالْمَعْنَى لَا نَعْرِفُ مِثْلَ هَذَا الذي وقع في هذا الْحَدِيثِ فِي بَابِ الْمَذْيِ مِنْ نَضْحِ الثَّوْبِ إِذَا أَصَابَهُ الْمَذْيُ فِي حَدِيثٍ إِلَّا فِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ مُتَفَرِّدٌ بِهَذَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ . قَوْلُهُ : ( وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمَذْيِ يُصِيبُ الثَّوْبَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُجْزِئُ إِلَّا الْغَسْلُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ) ، وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِالْغَسْلِ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ : كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً . الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَبِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ وَفِيهِ : وَكُلُّ فَحْلٍ يُمْذِي فَتَغْسِلُ مِنْ ذَلِكَ فَرْجَكَ وَأُنْثَيَيْكَ وَتَوَضَّأُ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَقَالُوا حَدِيثُ النَّضْحِ وَالرَّشِّ مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ . ( وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يُجْزِئُهُ النَّضْحُ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ النَّضْحُ بِالْمَاءِ ) وَالْحُجَّةُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ الْبَابِ ، قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمَذْيِ إِذَا أَصَابَ الثَّوْبَ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمَا لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا الْغَسْلُ ، أَخْذًا بِرِوَايَةِ الْغَسْلِ ، وَفِيهِ أَنَّ رِوَايَةَ الْغَسْلِ إِنَّمَا هِيَ فِي الْفَرْجِ لَا فِي الثَّوْبِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يُعَارِضْ رِوَايَةَ النَّضْحِ الْمَذْكُورَةَ فِي الْبَابِ مُعَارِضٌ فَالِاكْتِفَاءُ بِهِ صَحِيحٌ مُجْزِئٌ ، وَقَالَ : وَقَدْ ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ لَفْظُ فَتَرُشَّ عَلَيْهِ وَلَيْسَ الْمَصِيرُ إِلَى الْأَشَدِّ بِمُتَعَيَّنٍ بَلْ مُلَاحَظَةُ التَّخْفِيفِ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ الْمَأْلُوفَةِ فَيَكُونُ مُجْزِئًا كَالْغَسْلِ . انْتَهَى . قُلْتُ : كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ هَذَا عِنْدِي مَحَلُّ تَأَمُّلٍ فَتَفَكَّرْ .
بَاب مَا جَاءَ أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ مَرَّةً 34 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ ، أَنَّهَا رَأَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ ، قَالَتْ : مَسَحَ رَأْسَهُ وَمَسَحَ مَا أَقْبَلَ مِنْهُ وَمَا أَدْبَرَ وَصُدْغَيْهِ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً . قَالَ وَفِي الْبَاب عَنْ عَلِيٍّ وَجَدِّ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفِ بْنِ عَمْرٍو . قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ الرُّبَيِّعِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَبِهِ يَقُولُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، رَأَوْا مَسْحَ الرَّأْسِ مَرَّةً وَاحِدَةً . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الْمَكِّيُّ ، قَال : سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ ، يَقُولُ : سَأَلْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ مَسْحِ الرَّأْسِ : أَيُجْزِئُ مَرَّةً ؟ فَقَالَ : إِي وَاللَّهِ . بَاب مَا جَاءَ أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ مَرَّةً قَوْلُهُ : ( نَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ ) بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ مَوْلَى شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ ، وَثَّقَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَعِينٍ ( عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ الْمَدَنِيُّ صَدُوقٌ ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتَلَطَتْ عَلَيْهِ أَحَادِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ . قَوْلُهُ : ( وَمَسَحَ مَا أَقْبَلَ مِنْهُ وَمَا أَدْبَرَ ) هَذَا عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ لِقَوْلِهِ : وَمَسَحَ رَأْسَهُ ، أَو مَسَحَ مَا أَقْبَلَ مِنَ الرَّأْسِ ، وَمَسَحَ مَا أَدْبَرَ مِنَ الرَّأْسِ ، أَيْ : مَسَحَ مِنْ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ إِلَى مُنْتَهَاهُ ، ثُمَّ رَدَّ يَدَيْهِ مِنْ مُؤَخَّرِ الرَّأْسِ إِلَى مُقَدَّمِهِ ( وَصُدْغَيْهِ وَأُذُنَيْهِ ) مَعْطُوفَانِ عَلَى مَا أَقْبَلَ ، وَالصُّدْغُ بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمَوْضِعُ الَّذِي بَيْنَ الْعَيْنِ وَالْأُذُنِ وَالشَّعْرُ الْمُتَدَلِّي عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ ( مَرَّةً وَاحِدَةً ) مُتَعَلِّقٌ بِمَسَحَ ، فَيَكُونُ قَيْدًا فِي الْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ وَمَا بَعْدَهُ فَبِاعْتِبَارِ الْإِقْبَالِ يَكُونُ مَرَّةً وَبِاعْتِبَارِ الْإِدْبَارِ مَرَّةً أُخْرَى ، وَهُوَ مَسْحٌ وَاحِدٌ ، وَبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا سَبَقَ مِنْ حَدِيثِهَا أَنَّهُ مَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّتَيْنِ . وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ مَسْحِ الصُّدْغِ وَالْأُذُنِ ، وَأَنَّ مَسْحَهُمَا مَعَ الرَّأْسِ ، وَأَنَّهُ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ وَجَدِّ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ) أَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَمَّا حَدِيثُ جَدِّ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ، فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ رَأْسَهُ حَتَّى بَلَغَ الْقَذَالَ وَمَا يَلِيَهُ مِنْ مُقَدَّمِ الْعُنُقِ ، وَفِيهِ لَيْثُ بْنُ أَبِي سْلِيمٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَذَكَرَ لَهُ عِلَّةً أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، قَالَ : كَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يُنْكِرُهُ وَيَقُولُ : أَيْشٍ هَذَا ، طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ . قَوْلُهُ ( حَدِيثُ الرُّبَيِّعِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : وَفِي تَصْحِيحِهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّهُ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَقِيلٍ . انْتَهَى . قُلْتُ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ابْنِ عَقِيلٍ فِي بَابِ مِفْتَاحِ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ فَتَذَكَّرْ . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً ) رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِلَفْظِ : وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً ، قَالَ الْحَافِظُ : وَإِسْنَادُهُ صَالِحٌ . وَرَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ السَّكَنِ مِنْ حَدِيثِ رُزَيْقِ بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ، مِثْلَهُ ، وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي التَّلْخِيصِ وَالنَّيْلِ وَنَصْبِ الرَّايَةِ وَالدِّرَايَةِ . قَوْلُهُ : ( وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَبِهِ يَقُولُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ رَأَوْا مَسْحَ الرَّأْسِ مَرَّةً وَاحِدَةً ) قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ : اخْتَلَفُوا فِي تَكْرَارِ الْمَسْحِ : هَلْ هُوَ سُنَّةٌ أَمْ لَا ؟ فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ يَمْسَحُ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَمِنْهُمْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمَسْحَ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ بِثَلَاثَةِ مِيَاهٍ جَدِيدَةٍ ، كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ ، وَقَالَ فِي النَّيْلِ : قَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَذَهَبَ عَطَاءٌ وَأَكْثَرُ الْعِتْرَةِ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَثْلِيثُ مَسْحِهِ كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ . انْتَهَى . فَعُلِمَ أَنَّ لِلشَّافِعِيِّ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ قَوْلَانِ . التَّوْحِيدَ وَالتَّثْلِيثَ . ذَكَرَه الْأَوَّلَ التِّرْمِذِيُّ ، وَالثَّانِيَ صَاحِبُ شَرْحِ السُّنَّةِ ، وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِالْمَسْحِ مَرَّةً وَاحِدَةً بِأَحَادِيثِ الْبَابِ ، وَبِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ مِنْ إِطْلَاقِ مَسْحِ الرَّأْسِ مَعَ ذِكْرِ تَثْلِيثِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَعْضَاءِ وَهُوَ الْقَوْلُ الرَّاجِحُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ، وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِتَثْلِيثِ الْمَسْحِ بِأَحَادِيثَ لَا يَخْلُو وَاحِدٌ مِنْهَا مِنْ كَلَامٍ ، قَالَ الْقَاضِي الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : وَالْإِنْصَافُ أَنَّ أَحَادِيثَ الثَّلَاثِ لَمْ تَبْلُغْ إِلَى دَرَجَةِ الِاعْتِبَارِ حَتَّى يَلْزَمَ التَّمَسُّكُ بِهَا لِمَا فِيهَا مِنَ الزِّيَادَةِ ، فَالْوُقُوفُ عَلَى مَا صَحَّ مِنَ الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَغَيْرِهِمَا هُوَ الْمُتَعَيَّنُ لَا سِيَّمَا بَعْدَ تَقْيِيدِهِ فِي تِلْكَ الرِّوَايَاتِ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ ، وَحَدِيثُ : مَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ قَاضٍ بِالْمَنْعِ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى الْوُضُوءِ الَّذِي قَالَ بَعْدَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ ، كَيْفَ وَقَدْ وَرَدَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً ثُمَّ قَالَ : مَنْ زَادَ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَيُحْمَلُ مَا وَرَدَ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي تَثْلِيثِ الْمَسْحِ إِنْ صَحَّتْ عَلَى إِرَادَةِ الِاسْتِيعَابِ بِالْمَسْحِ لَا أَنَّهَا مَسَحَاتٌ مُسْتَقِلَّةٌ لِجَمِيعِ الرَّأْسِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ ) بْنُ دَاوُدَ الطُّوسِيُّ أَبُو جَعْفَرٍ الْعَابِدُ نَزِيلُ بَغْدَادَ ، ثِقَةٌ مِنْ صِغَارِ الْعَاشِرَةِ ( سَأَلْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ ) بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْهَاشِمِيَّ الْمَعْرُوفَ بِالصَّادِقِ ، صَدُوقٌ فَقِيهٌ إِمَامٌ مَاتَ سَنَةَ 148 ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ، عَنْ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ سَنَةً ( فَقَالَ : إِي وَاللَّهِ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ حَرْفُ إِيجَابٍ .
بَاب مَا جَاءَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ أَبْعَدَ فِي الْمَذْهَبِ 20 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ : كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ ، فَأَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجَتَهُ ، فَأَبْعَدَ فِي الْمَذْهَبِ . وَفِي الْبَاب عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي قُرَادٍ وَأَبِي قَتَادَةَ وَجَابِرٍ وَيَحْيَى بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي مُوسَى وَابْنِ عَبَّاسٍ وَبِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وروي عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَرْتَادُ لِبَوْلِهِ مَكَانًا كَمَا يَرْتَادُ مَنْزِلًا . وَأَبُو سَلَمَةَ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ . باب ما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد الحاجة أبعد في المذهب : قَوْلُهُ : ( نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ) هُوَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ الصَّلْتِ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَصْرِيُّ ، ثِقَةٌ ، تَغَيَّرَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثِ سِنِينَ ، رَوَى عَنْ : حُمَيْدٍ ، وَأَيُّوبَ ، وَخَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، وَخَلْقٍ ، وَعَنْهُ : أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ مَعِينٍ ، وَالْمَدِينِيُّ ، وَمِنْ الْقُدَمَاءِ الشَّافِعِيُّ . قَالَ اِبْنُ الْمَدِينِيِّ : لَيْسَ فِي الدُّنْيَا كِتَابٌ عَنْ يَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ أَصَحَّ مِنْ كِتَابِ عَبْدِ الْوَهَّابِ ، مَاتَ سَنَةَ 194 أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ . ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو ) بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ الْمَدَنِيِّ : صَدُوقٌ ، لَهُ أَوْهَامٌ ، قَالَهُ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : رَوَى عَنْ أَبِيهِ ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَعُبَيْدَةَ بْنِ سُفْيَانَ ، وَذَكَرَ كَثِيرًا مِنْ شُيُوخِهِ ، ثُمَّ ذَكَرَ أَقْوَالَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فِيهِ ، وَحَاصِلُهَا مَا قَالَ فِي التَّقْرِيبِ مِنْ أَنَّهُ صَدُوقٌ لَهُ أَوْهَامٌ . ( عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ) بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ ، قِيلَ : اِسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ ، وَقِيلَ : إِسْمَاعِيلُ ، ثِقَةٌ ، مُكْثِرٌ مِنْ الثَّالِثَةِ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ( عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ) بْنِ مَسْعُودِ بْنِ مُعْتِبٍ الثَّقَفِيِّ ، صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ ، أَسْلَمَ قَبْلَ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَوَلِيَ إِمْرَةَ الْبَصْرَةِ ثُمَّ الْكُوفَةِ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ . قَوْلُهُ : ( فَأَبْعَدَ فِي الْمَذْهَبِ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ ؛ أَيْ : فَأَبْعَدَ فِي الذَّهَابِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : كَانَ إِذَا ذَهَبَ الْمَذْهَبَ أَبْعَدَ . قَالَ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الذَّالِ مَفْعَلٌ ، مِنْ الذَّهَابِ ، وَيُطْلَقُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا : الْمَكَانُ الَّذِي يُذْهَبُ إِلَيْهِ ، وَالثَّانِي : الْمَصْدَرُ . يُقَالُ : ذَهَبَ ذَهَابًا وَمَذْهَبًا ، فَيحتملُ أَنْ يُرَادَ الْمَكَانُ ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ : إِذَا ذَهَبَ فِي الْمَذْهَبِ ؛ أَيْ : مَوْضِعِ التَّغَوُّطِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ الْمَصْدَرُ ؛ أَيْ : ذَهَبَ مَذْهَبًا ، وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ ، وَقَالَ بِهِ عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ ، وَيُوَافِقُ الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ : أَتَى حَاجَتَهُ فَأَبْعَدَ فِي الْمَذْهَبِ ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ فِيهَا أَنْ يُرَادَ بِالْمَذْهَبِ الْمَصْدَرُ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي قُرَادٍ ) بِضَمِّ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ الْأَنْصَارِيِّ ، صَحَابِيٌّ ، لَهُ حَدِيثٌ ، وَيُقَالُ لَهُ : اِبْنُ الْفَاكِهِ ، وَأَخْرَجَ حَدِيثَهُ النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْخَلَاءِ ، وَكَانَ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ أَبْعَدَ . وهَذَا لَفْظُ النَّسَائِيِّ . ( وَأَبِي قَتَادَةَ ، وَجَابِرٍ ، وَيَحْيَى بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي مُوسَى ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبِلَالِ بْنِ حَارِثِ ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ اِبْنُ مَاجَهْ ، قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَأْتِي الْبَرَازَ حَتَّى يَتَغَيَّبَ فَلَا يُرَى ، فأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِيهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْكُوفِيُّ نَزِيلُ مَكَّةَ ، قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ ، وَأَمَّا حَدِيثُ اِبْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ ، وَفِيهِ سَعْدُ بْنُ طَرِيفٍ ، وَاتُّهِمَ بِالْوَضْعِ ، كَذَا فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ فَأَخْرَجَهُ اِبْنُ مَاجَهْ ، وَفِيهِ كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَقَدْ حَسَّنَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَهُ . قَوْلُهُ : ( وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَسَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَنَقَلَ الْمُنْذِرِيُّ تَصْحِيحَ التِّرْمِذِيِّ وَأَقَرَّهُ . قَوْلُهُ : ( وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَرْتَادُ لِبَوْلِهِ مَكَانًا ) أَيْ يَطْلُبُ مَكَانًا لَيِّنًا ؛ لِئَلَّا يَرْجِعَ إِلَيْهِ رَشَاشُ بَوْلِهِ ، يُقَالُ : رَادَ وَارْتَادَ وَاسْتَرَادَ ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ لِلْجَزَرِيِّ ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَنْ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا اللَّفْظِ ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَبَوَّأُ لِبَوْلِهِ كَمَا يَتَبَوَّأُ لِمَنْزِلِهِ . قَالَ الْحَافِظُ الْهَيْثَمِيُّ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ بَعْدَ ذِكْرِهِ : هُوَ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رُجَيٍّ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُمَا ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ مُوَثَّقُونَ . انْتَهَى . وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ ، فَأَرَادَ أَنْ يَبُولَ ، فَأَتَى دَمِثًا فِي أَصْلِ جِدَارٍ ، فَبَالَ ، ثُمَّ قَالَ : إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَبُولَ فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِهِ . قَوْلُهُ : ( اِسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ الْمَدَنِيُّ ، قِيلَ : اِسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ ، وَقِيلَ : اِسْمُهُ إِسْمَاعِيلُ ، ثِقَةٌ مُكْثِرٌ ، مِنْ الثَّالِثَةِ ، يَعْنِي مِنْ الطَّبَقَةِ الْوُسْطَى مِنْ التَّابِعِينَ . وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : قَالَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ : لَيْسَ لَهُ اِسْمٌ ، رَوَى عَنْ : أَبِيهِ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، وَأَبِي أَيُّوبَ ، وَخَلْقٍ ، وَعَنْهُ : ابنه عمر ، وَعُرْوَةُ ، وَالْأَعْرَجُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَخَلْقٌ . قَالَ اِبْنُ سَعْدٍ : كَانَ ثِقَةً فَقِيهًا ، كَثِيرَ الْحَدِيثِ ، وَنَقَلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، الْحَاكِمُ أَنَّهُ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ . انْتَهَى .
بَاب مَا جَاءَ أَنَّهُ يَأْخُذُ لِرَأْسِهِ مَاءً جَدِيدًا 35 حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، نَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ حَبَّانَ بْنِ وَاسِعٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ وَأَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَى ابْنُ لَهِيعَةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ حَبَّانَ بْنِ وَاسِعٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ ، وَأَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ ، وَرِوَايَةُ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ حَبَّانَ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ لِرَأْسِهِ مَاءً جَدِيدًا ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ رَأَوْا أَنْ يَأْخُذَ لِرَأْسِهِ مَاءً جَدِيدًا . بَاب مَا جَاءَ أَنَّهُ يَأْخُذُ لِرَأْسِهِ مَاءً جَدِيدًا قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ ) بِمُعْجَمَتَيْنِ عَلَى وَزْنِ جَعْفَرٍ الْمَرْوَزِيُّ ثِقَةٌ ( نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ) بْنِ مُسْلِمٍ الْقُرَشِيُّ مَوْلَاهُمْ الْمِصْرِيُّ الْفَقِيهُ ثقة حَافِظٌ عَابِدٌ مِنَ التَّاسِعَةِ مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ عَنْ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً ( نَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ) بْنِ يَعْقُوبَ الْأَنْصَارِيُّ مَوْلَاهُمْ الْمِصْرِيُّ أَبُو أَيُّوبَ ثِقَةٌ فَقِيهٌ حَافِظٌ مِنَ السَّابِعَةِ مَاتَ قَدِيمًا قَبْلَ الْخَمْسِينَ وَمِائَةٍ ( عَنْ حَبَّانَ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ الْمُشَدَّدَةِ ( بْنِ وَاسِعٍ ) بْنِ حَبَّانَ بْنِ مُنْقِذِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ ثُمَّ الْمَازِنِيِّ الْمَدَنِيِّ ، صَدُوقٌ مِنَ الْخَامِسَةِ ( عَنْ أَبِيهِ ) وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ثَقِيلَةٍ صَحَابِيٌّ ابْنُ صَحَابِيٍّ ، وَقِيلَ : بَلْ ثِقَةٌ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ . قَوْلُهُ : ( وَأَنَّهُ مَسَحَ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلٍ يَدَيْهِ ) . قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ مَسَحَ الرَّأْسَ بِمَاءٍ جَدِيدٍ لَا بِبَقِيَّةٍ مِنْ مَاءِ يَدَيْهِ ، وَلَا يُسْتَدَلُّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ لَا تَصِحُّ الطَّهَارَةُ بِهِ لِأَنَّ هَذَا إِخْبَارٌ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمَاءٍ جَدِيدٍ لِلرَّأْسِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ اشْتِرَاطُهُ . انْتَهَى . قَالَ فِي سُبُلِ السَّلَامِ : وَأَخْذُ مَاءٍ جَدِيدٍ لِلرَّأْسِ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَهُوَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مُطَوَّلًا . قَوْلُهُ : ( وَأَنَّهُ مَسَحَ بِمَاءٍ غَبَرَ ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ ، أَيْ بَقِيَ ، وَمَا مَوْصُولَةٌ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِمَاءٍ غَبْرِ ( فَضْلِ يَدَيْهِ ) كَذَا فِي النُّسَخِ الْمَطْبُوعَةِ الْمَوْجُودَةِ عِنْدَنَا وَفِي نُسْخَةٍ قَلَمِيَّةٍ عَتِيقَةٍ صَحِيحَةٍ مِنْ فَضْلِ يَدَيْهِ ، بِزِيَادَةِ لَفْظَةِ مِنْ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ ، وَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّ مِنْ بَيَانِيَّةٌ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَمْسَحْ الرَّأْسَ بِمَاءٍ جَدِيدٍ بَلْ مَسَحَ بِمَا بَقِيَ عَلَى يَدَيْهِ أَيْ بِبَقِيَّةٍ مِنْ مَاءِ يَدَيْهِ ، وَأَمَّا عَلَى مَا فِي النُّسْخَةِ الْمَطْبُوعَةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ فَضْلَ يَدَيْهِ بِالْجَرِّ بَدَلُ مَنٍ ما غَبْرِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ، أَيْ وَهُوَ فَضْلُ يَدَيْهِ ، هَذَا كُلُّهُ مَا عِنْدِي وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ، وَرِوَايَةُ ابْنِ لَهِيعَةَ هَذِهِ مُخَالِفَةٌ لِرِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ الْمَذْكُورَةِ أَوَّلًا ، لَكِنَّ رِوَايَةَ عَمْرٍو أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ التِّرْمِذِيُّ . قَوْلُهُ : ( وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ رَأَوْا أَنْ يَأْخُذَ لِرَأْسِهِ مَاءً جَدِيدًا ) وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ الْبَابِ ، قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ السِّنْدِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : وَبِهِ أَخَذَ عُلَمَاؤُنَا - يَعْنِي الْحَنَفِيَّةَ - غَيْرَ أَنَّهُمْ قَالُوا : هَذَا إِذَا أَصَابَ يَدُهُ شَيْئًا بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ الْبَلَلُ فِي يَدِهِ ، وَهُوَ لَا يُنَافِي الْحَدِيثَ بَلْ الْعِلَّةُ تَقْتَضِيهِ ، نَعَمْ ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ الْإِطْلَاقُ فَيَأْخُذُ مَاءً جَدِيدًا عَلَى كُلِّ حَالٍ ، لَكِنَّ الْحَدِيثَ الثَّانِيَ مَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَبَرَ أَيْ بَقِيَ مِنْ فَضْلِ يَدَيْهِ يَدُلُّ عَلَى الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ عُلَمَاؤُنَا ، فَهُمْ حَمَلُوا أحد الْحَدِيثَيْنِ عَلَى حَالَةٍ وَالْآخَرَ عَلَى حَالَةٍ أُخْرَى ، فَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْجَمْعَ أَوْلَى . انْتَهَى كَلَامُ أَبِي الطَّيِّبِ . قُلْتُ : رِوَايَةُ مَسَحَ بِمَا غَبَّرَ تَفَرَّدَ بِهَا ابْنُ لَهِيعَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَخَالَفَ فِيهَا عَمْرَو بْنَ الْحَارِثِ وَهُوَ ثِقَةٌ حَافِظٌ ، فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ ، نَعَمْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ رُبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ بِرَأْسِهِ مِنْ فَضْلِ مَاءٍ كَانَ فِي يَدِهِ ، قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ : احْتَجَّ بِهِ مَنْ رَأَى طَهُورِيَّةَ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ ، وَتَأَوَّلَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى أَنَّهُ أَخَذَ مَاءً جَدِيدًا وَصَبَّ نِصْفَهُ وَمَسَحَ بِبَلَلِ يَدِهِ ، لِيُوَافِقَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَمَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَيرِ فَضْلِ يَدَيْهِ . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالْمُصَنِّفُ ، يَعْنِي أَبَا دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيَّ . انْتَهَى كَلَامُ السُّيُوطِيِّ . قُلْتُ : إِنْ صَحَّ حَدِيثُ رُبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ هَذَا فَلَا حَاجَةَ إِلَى تَأْوِيلِ الْبَيْهَقِيِّ . بَلْ يُقَالُ : كِلَا الْأَمْرَيْنِ جَائِزَانِ ، إِنْ شَاءَ أَخَذَ لِرَأْسِهِ مَاءً جَدِيدًا ، وَإِنْ شَاءَ مَسَحَهُ بِفَضْلِ مَاء يَكُونُ فِي يَدِهِ ، لَكِنْ فِي سَنَدِهِ ابْنُ عَقِيلٍ ، وَفِيهِ مَقَالٌ مَشْهُورٌ كَمَا عَرَفْتَ ، وَفِي مَتْنِهِ اضْطِرَابٌ ، فَإِنَّ ابْنَ مَاجَهْ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ ، قَالَتْ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِيضَأَةٍ ، فَقَالَ : اسْكُبِي ، فَسَكَبْتُ ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَأَخَذَ مَاءً جَدِيدًا فَمَسَحَ بِهِ رَأْسَهُ مُقَدَّمَهُ وَمُؤَخَّرَهُ . فَالْقَوْلُ الرَّاجِحُ هُوَ أَنْ يُؤْخَذَ لِمَسْحِ الرَّأْسِ مَاءٌ جَدِيدٌ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
117 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا غَسَلَتْ مَنِيًّا مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ أَنَّهَا غَسَلَتْ مَنِيًّا مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بِمُخَالِفٍ لِحَدِيثِ الْفَرْكِ وَإِنْ كَانَ الْفَرْكُ يُجْزِئُ فَقَدْ يُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ لَا يُرَى عَلَى ثَوْبِهِ أَثَرُهُ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْمَنِيُّ بِمَنْزِلَةِ الْمُخَاطِ فَأَمِطْهُ عَنْكَ وَلَوْ بِإِذْخِرَةٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ) الْهِلَالِيِّ الْمَدَنِيِّ مَوْلَى مَيْمُونَةَ ، وَقِيلَ أُمِّ سَلَمَةَ ، ثِقَةٌ فَاضِلٌ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ ، مِنْ كِبَارِ الثَّالِثَةِ مَاتَ بَعْدَ الْمِائَةِ وَقِيلَ قَبْلَهَا . قَوْلُهُ : ( أَنَّهَا غَسَلَتْ مَنِيًّا مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ بِنَجَاسَةِ الْمَنِيِّ وَأَجَابَ الْقَائِلُونَ بِطَهَارَتِهِ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، وَلِلْقَائِلِينَ بِالنَّجَاسَةِ دَلَائِلُ أُخْرَى ذَكَرَهَا صَاحِبُ آثَارِ السُّنَنِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا فِيهَا مِنَ الْكَلَامِ فِي كِتَابِنَا أَبْكَارِ الْمِنَنِ وَإِنْ شِئْتَ الْوُقُوفَ عَلَى أَدِلَّةِ الْفَرِيقَيْنِ مَعَ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا فَارْجِعْ إِلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ . قَوْلُهُ : ( وَحَدِيثُ عَائِشَةَ أَنَّهَا غَسَلَتْ مَنِيًّا مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بِمُخَالِفٍ لِحَدِيثِ الْفَرْكِ إِلَخْ ) ، قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي : وَلَيْسَ بَيْنَ حَدِيثِ الْغَسْلِ وَحَدِيثِ الْفَرْكِ تَعَارُضٌ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ الْمَنِيِّ بِأَنْ يُحْمَلَ الْغَسْلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِلتَّنْظِيفِ لَا عَلَى الْوُجُوبِ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، وَكَذَا الْجَمْعُ مُمْكِنٌ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ بِأَنْ يُحْمَلَ الْغَسْلُ عَلَى مَا كَانَ رَطْبًا وَالْفَرْكُ عَلَى مَا كَانَ يَابِسًا ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْحَنَفِيَّةِ ، وَالطَّرِيقَةُ الْأُولَى أَرْجَحُ لِأَنَّ فِيهَا الْعَمَلَ بِالْخَبَرِ وَالْقِيَاسِ مَعًا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَجَسًا لَكَانَ الْقِيَاسُ وُجُوبَ غَسْلِهِ دُونَ الِاكْتِفَاءِ بِفَرْكِهِ كَالدَّمِ وَغَيْرِهِ وَهُمْ لَا يَكْتَفُونَ فِيمَا لَا يُعْفَى عَنْهُ مِنَ الدَّمِ بِالْفَرْكِ وَيَرُدُّ الطَّرِيقَةَ الثَّانِيَةَ أَيْضًا مَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عَائِشَةَ كَانَتْ تَسْلُتُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِهِ بِعَرْكِ الْإِذْخِرِ ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ وَتَحُكُّهُ مِنْ ثَوْبِهِ يَابِسًا ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ ، فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ تَرْكَ الْغَسْلِ فِي الْحَالَتَيْنِ ، وَأَمَّا مَالِكٌ فَلَمْ يَعْرِفْ الْفَرْكَ ، وَقَالَ : إِنَّ الْعَمَلَ عِنْدَهُمْ عَلَى وُجُوبِ الْغَسْلِ كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ ، وَحَدِيثُ الْفَرْكِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْمَنِيُّ بِمَنْزِلَةِ الْمُخَاطِ فَأَمِطْهُ ) مِنَ الْإِمَاطَةِ وَهِيَ الْإِزَالَةُ ( وَلَوْ بِإِذْخِرَةٍ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْخَاءِ حَشِيشٌ طَيِّبُ الرِّيحِ ، وَأَثَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ ، وَقَالَ : هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مَوْقُوفٌ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ شَرِيكٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ عَطَاءٍ مَرْفُوعًا وَلَا يَثْبُتُ كَذَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ .
بَاب فِي الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ 116 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ : ضَافَ عَائِشَةَ ضَيْفٌ فَأَمَرَتْ لَهُ بِمِلْحَفَةٍ صَفْرَاءَ فَنَامَ فِيهَا فَاحْتَلَمَ فَاسْتَحْيَى أَنْ يُرْسِلَ إليهَا وَبِهَا أَثَرُ الِاحْتِلَامِ فَغَمَسَهَا فِي الْمَاءِ ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا فَقَالَتْ عَائِشَةُ : لِمَ أَفْسَدَ عَلَيْنَا ثَوْبَنَا ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَفْرُكَهُ بِأَصَابِعِهِ وَرُبَّمَا فَرَكْتُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَصَابِعِي . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْفُقَهَاءِ مِثْلِ سُفْيَانَ وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، قَالُوا فِي الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ : يُجْزِئُهُ الْفَرْكُ وَإِنْ لَمْ يغْسِلْه . وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ ، وَرَوَى أَبُو مَعْشَرٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَحَدِيثُ الْأَعْمَشِ أَصَحُّ . ( بَابٌ فِي الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي طَهَارَةِ مَنِيِّ الْآدَمِيِّ ، فَذَهَبَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى نَجَاسَتِهِ إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ : يَكْفِي فِي تَطْهِيرِهِ فَرْكُهُ إِذَا كَانَ يَابِسًا ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ، وَقَالَ مَالِكٌ : لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ رَطْبًا وَيَابِسًا ، وَقَالَ اللَّيْثُ : هُوَ نَجَسٌ وَلَا تُعَادُ الصَّلَاةُ مِنْهُ ، وَقَالَ الْحَسَنُ : لَا تُعَادُ الصَّلَاةُ مِنَ الْمَنِيِّ فِي الثَّوْبِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا وَتُعَادُ مِنْهُ فِي الْجَسَدِ وَإِنْ قَلَّ ، وَذَهَبَ كَثِيرُونَ إِلَى أَنَّ الْمَنِيَّ طَاهِرٌ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَعَائِشَةَ ، وَدَاوُدَ ، وَأَحْمَدَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، وَقَدْ غَلِطَ مَنْ أَوْهَمَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رحمه الله مُنْفَرِدٌ بِطَهَارَتِهِ . وَدَلِيلُ الْقَائِلِينَ بِالنَّجَاسَةِ رِوَايَةُ الْغَسْلِ . وَدَلِيلُ الْقَائِلِينَ بِالطَّهَارَةِ رِوَايَةُ الْفَرْكِ ، فَلَوْ كَانَ نَجَسًا لَمْ يَكْفِ فَرْكُهُ كَالدَّمِ وَغَيْرِهِ ، قَالُوا : وَرِوَايَةُ الْغَسْلِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالتَّنَزُّهِ وَاخْتِيَارِ النَّظَافَةِ . انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ . وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ بَعْدَ ذِكْرِ الْآثَارِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى طَهَارَةِ الْمَنِيِّ : فَذَهَبَ ذَاهِبُونَ إِلَى أَنَّ الْمَنِيَّ طَاهِرٌ ، قَالَ الْعَيْنِيُّ : أَرَادَ بِهَؤُلَاءِ الذَّاهِبِينَ الشَّافِعِيَّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَدَاوُدَ . انْتَهَى ، وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : قَالُوا : الْأَصْلُ الطَّهَارَةُ فَلَا تَنْتَقِلُ عَنْهَا إِلَّا بِدَلِيلٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّعَبُّدَ بِالْإِزَالَةِ غَسْلًا أو مسحا أَوْ فَرْكًا أَوْ حَتًّا أَوْ سَلْتًا أَوْ حَكًّا ثَابِتٌ ، وَلَا مَعْنَى لِكَوْنِ الشَّيْءِ نَجَسًا إِلَّا أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِزَالَتِهِ بِمَا أَحَالَ عَلَيْهِ الشَّارِعُ ، فَالصَّوَابُ أَنَّ الْمَنِيَّ نَجَسٌ يَجُوزُ تَطْهِيرُهُ بِأَحَدِ الْأُمُورِ الْوَارِدَةِ . انْتَهَى . قُلْتُ : كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ هَذَا حَسَنٌ جَيِّدٌ . قَوْلُهُ : ( ضَافَ عَائِشَةَ ضَيْفٌ ) أَيْ نَزَلَ عَلَيْهَا ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : ضِفْتُهُ وَأُضِيفُهُ ضَيْفًا وَضِيَافَةً بِالْكَسْرِ نَزَلْتُ عَلَيْهِ ضَيْفًا . انْتَهَى ، وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ضَافَهَا ضَيْفٌ ، ضِفْتُ الرَّجُلَ إِذَا نَزَلْتُ بِهِ فِي ضِيَافَةٍ وَأَضَفْتُهُ إِذَا أَنْزَلْتُهُ وَتَضَيَّفْتُهُ إِذَا نَزَلْتُ بِهِ وَتَضَيَّفَنِي إِذَا أَنْزَلَنِي . ( فَأَمَرَتْ لَهُ بِمِلْحَفَةٍ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : لِحَافٌ كَكِتَابٍ مَا يُلْتَحَفُ بِهِ ، وَاللِّبَاسُ فَوْقَ سَائِرِ اللِّبَاسِ مِنْ دِثَارِ الْبَرْدِ وَنَحْوِهِ كَالْمِلْحَفَةِ ، وَقَالَ فِي الصُّرَاحِ : مِلْحَفَةٌ بِالْكَسْرِ جَادِرٌ . ( وَبِهَا أَثَرُ الِاحْتِلَامِ ) أَيْ أَثَرُ الْمَنِيِّ وَالْوَاوُ حَالِيَّةٌ ( إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَفْرُكَهُ ) أَيْ يَدْلُكَهُ حَتَّى يَذْهَبَ الْأَثَرُ مِنَ الثَّوْبِ . وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ بِطَهَارَةِ الْمَنِيِّ وَقَالَ : إِنْ كَانَ الْمَنِيُّ نَجَسًا لَمْ يَكْفِ فَرْكُهُ كَالدَّمِ وَغَيْرِهِ . وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى الطَّهَارَةِ وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى كَيْفِيَّةِ التَّطْهِيرِ ، فَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ نَجَسٌ خُفِّفَ فِي تَطْهِيرِهِ بِمَا هُوَ أَخَفُّ مِنَ الْمَاءِ ، وَالْمَاءُ لَا يَتَعَيَّنُ لِإِزَالَةِ جَمِيعِ النَّجَاسَاتِ وَإِلَّا لَزِمَ عَدَمُ طَهَارَةِ الْعَذِرَةِ الَّتِي فِي النَّعْلِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِمَسْحِهَا فِي التُّرَابِ وَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ الصَّلَاةَ فِيهَا قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ رحمه الله . وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْلُتُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِهِ بِعِرْقِ الْإِذْخِرِ ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ وَيَحُتُّهُ يَابِسًا ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ ، رَوَاهُ أَحْمَدُ . قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَذَكَرَهُ الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ وَسَكَتَ عَنْهُ ، وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَسْلُتُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِهِ بِعِرْقِ الْإِذْخِرِ ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ وتحكه من ثوبه يابسا ثم يصلي فيه ، رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَسَكَتَ عَنْهُ ، وَبِأَثَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ قَالَ : أَمِطْهُ بِعُودٍ أَوْ إِذْخِرَةٍ ، فَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُخَاطِ أَوْ الْبُصَاقِ ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ وَصَحَّحَهُ . قُلْتُ : فِي الِاسْتِدْلَالِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْأَوَّلِ وَكَذَا بِالثَّانِي نَظَرٌ لِمَا عَرَفْتَ آنِفًا ، وَأَمَّا أَثَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَهُوَ قَوْلُهُ وَلَيْسَ بِمَرْفُوعٍ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ مِثْلِ سُفْيَانَ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ قَالُوا فِي الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ يُجْزِئُهُ الْفَرْكُ وَإِنْ لَمْ يَغْسِلْهُ ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله إِذَا كَانَ يَابِسًا ، وَقَالَ مَالِكٌ رحمه الله لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ رَطْبًا كَانَ أَوْ يَابِسًا كَمَا تَقَدَّمَ . قَوْلُهُ : ( وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ ) أَيْ كَمَا رَوَى الْأَعْمَشُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ هَمَّامٍ عَنْ عَائِشَةَ كَذَلِكَ رَوَاهُ مَنْصُورٌ أَيْضًا وَحَدِيثُ مَنْصُورٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا وَحَدِيثُهُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، ( وَرَوَى أَبُو مَعْشَرٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ) ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أيضا حَمَّادٌ ، وَمُغِيرَةُ ، وَوَاصِلٌ ، وَالْأَعْمَشُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ، وَحَدِيثُ أَبِي مَعْشَرٍ ، وَمُغِيرَةَ ، وَوَاصِلٍ ، وَالْأَعْمَشِ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَحَدِيثُ حَمَّادٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ . ( وَحَدِيثُ الْأَعْمَشِ أَصَحُّ ) لَا أَدْرِي مَا وَجْهُ كَوْنِ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ أَصَحُّ ، فَإِنَّ الْأَعْمَشَ كَمَا لَمْ يَتَفَرَّدْ بِرِوَايَةِ الْحَدِيثِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ هَمَّامٍ عَنْ عَائِشَةَ بَلْ تَابَعَهُ مَنْصُورٌ ، وَالْحَكَمُ كَذَلِكَ لَمْ يَتَفَرَّدْ أَبُو مَعْشَرٍ بِرِوَايَتِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ بَلْ تَابَعَهُ حَمَّادٌ ، وَمُغِيرَةُ ، وَوَاصِلٌ ، وَالْأَعْمَشُ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ حَدِيثَ الْأَعْمَشِ وَحَدِيثَ أَبِي مَعْشَرٍ كِلَيْهِمَا صَحِيحَانِ لَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَصَحَّ مِنَ الْآخَرِ ، وَالْحَدِيثُ سَمِعَهُ إِبْرَاهِيمُ ، عَنْ هَمَّامٍ ، وَالْأَسْوَدِ كِلَيْهِمَا ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ قَالَ نَا أَبِي عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، وَهَمَّامٍ عَنْ عَائِشَةَ إِلَخْ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
بَاب مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا 36 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، نَا ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا . وَفِي الْبَاب عَنْ الرُّبَيِّعِ . قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ مَسْحَ الْأُذُنَيْنِ ظُهُورِهِمَا وَبُطُونِهِمَا . بَاب مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا قَوْلُهُ : ( نَا ابْنُ إِدْرِيسَ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بن إدريس بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَوْدِيُّ الْكُوفِيُّ ، ثِقَةٌ فَقِيهٌ عَابِدٌ مِنَ الثَّامِنَةِ ( عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ الْمَدَنِيُّ ، صَدُوقٌ إِلَّا أَنَّهُ اخْتَلَطَتْ عَلَيْهِ أَحَادِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، مِنَ الْخَامِسَةِ ( عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ) الْعَدَوِيِّ مَوْلَاهُمْ الْمَدَنِيُّ ، ثِقَةٌ ( عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ) الْهِلَالِيِّ الْمَدَنِيِّ ، مَوْلَى مَيْمُونَةَ ، ثِقَةٌ فَاضِلٌ صَاحِبُ مَوَاعِظَ وَعِبَادَةٍ مِنْ صِغَارِ الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ : ( ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا ) بِالْجَرِّ فِيهِمَا بَدَلَانِ مِنْ أُذُنَيْهِ ، وَظَاهِرُ الْأُذُنَيْنِ خَارِجُهُمَا مِمَّا يَلِي الرَّأْسَ وَبَاطِنُ الْأُذُنَيْنِ دَاخِلُهُمَا مِمَّا يَلِي الْوَجْهَ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ فَغَرَفَ غَرْفَةً فَغَسَلَ وَجْهَهُ ، الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : ثُمَّ غَرَفَ غرفة فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ دَاخِلَهُمَا بِالسَّبَّابَتَيْنِ ، وَخَالَفَ بِإِبْهَامَيْهِ إِلَى ظَاهِرِ أُذُنَيْهِ ، فَمَسَحَ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا . ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ ، وَقَالَ : صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ مِنْدَهْ ، قَالَ : وَرَوَاهُ أَيْضًا النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ : ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ بَاطِنَهُمَا بِالسَّبَّاحتَيْنِ وَظَاهِرَهُمَا بِإِبهَامَيْهِ ، وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ : مَسَحَ أُذُنَيْهِ فَأَدْخَلَهما السَّبَّابَتَيْنِ وَخَالَفَ إِبْهَامَيْهِ إِلَى ظَاهِرِ أُذُنَيْهِ ، فَمَسَحَ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا . انْتَهَى ، وَفِي حَدِيثِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ : وَأَدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي صِمَاخِي أُذُنِهِ ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالطَّحَاوِيُّ ، فَفِي هَذِهِ الْآثَارِ بَيَانُ كَيْفِيَّةِ مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ الرُّبَيِّعِ ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ . ( حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَصَحَّحَهُ أَيْضًا ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ مِنْدَهْ كَمَا تَقَدَّمَ . قَوْلُهُ : ( وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ مَسْحَ الْأُذُنَيْنِ ظُهُورِهِمَا وَبُطُونِهِمَا ) وَهُوَ الْحَقُّ ، يَدُلُّ عَلَيْهِ أَحَادِيثُ الْبَابِ .
بَاب الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ 19 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ قَالَا : ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ مُعَاذَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : مُرْنَ أَزْوَاجَكُنَّ أَنْ يَسْتَطِيبُوا بِالْمَاءِ ؛ فَإِنِّي أَسْتَحْيِيهِمْ ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُهُ . وَفِي الْبَاب عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، يَخْتَارُونَ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ ، وَإِنْ كَانَ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْحِجَارَةِ يُجْزِئُ عِنْدَهُمْ ، فَإِنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ ، وَرَأَوْهُ أَفْضَلَ ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ . باب الاستنجاء بالماء : قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ ) الْأُمَوِيُّ الْبَصْرِيُّ ، صَدُوقٌ ، مِنْ كِبَارِ الْعَاشِرَةِ ، رَوَى عَنْ : عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ ، وَأَبِي عَوَانَةَ ، وَيَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ ، وَعَنْهُ : مُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ : لَا بَأْسَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، مَاتَ سَنَةَ 244 أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ ( عَنْ قَتَادَةَ ) بْنِ دِعَامَةَ السُّدُوسِيِّ الْبَصْرِيِّ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ ، يُقَالُ : وُلِدَ أَكْمَهَ وَهُوَ رَأْسُ الطَّبَقَةِ الرَّابِعَةِ . قَالَ اِبْنُ الْمُسَيِّبِ : مَا أَتَانَا عِرَاقِيٌّ أَحْفَظُ مِنْ قَتَادَةَ . وَقَالَ اِبْنُ سِيرِينَ : قَتَادَةُ أَحْفَظُ النَّاسِ ، وَقَالَ اِبْنُ مَهْدِيٍّ : قَتَادَةُ أَحْفَظُ مِنْ خَمْسِينَ مِثْلِ حُمَيْدٍ ، تُوُفِّيَ سَنَةَ 117 سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ ، وَقَدْ اِحْتَجَّ بِهِ أَرْبَابُ الصِّحَاحِ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَالْخُلَاصَةِ ، قُلْتُ : لَكِنَّهُ مُدَلِّسٌ . ( عَنْ مُعَاذَةَ ) بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيَّةِ أُمِّ الصَّهْبَاءِ الْبَصْرِيَّةِ الْعَابِدَةِ . قَالَ اِبْنُ مَعِينٍ : ثِقَةٌ ، حُجَّةٌ ، رَوَتْ عَنْ عَلِيٍّ ، وَعَائِشَةَ ، وَعَنْهَا أَبُو قِلَابَةَ ، وَيَزِيدُ الرِّشْكُ ، وَأَيُّوبُ وَطَائِفَةٌ . قَالَ الذَّهَبِيُّ : بَلَغَنِي أَنَّهَا كَانَتْ تُحْيِي اللَّيْلَ وَتَقُولُ : عَجِبْتُ لِعَيْنٍ تَنَامُ ، وَقَدْ عَلِمَتْ طُولَ الرُّقَادِ فِي الْقُبُورِ . قَالَ اِبْنُ الْجَوْزِيِّ : تُوُفِّيَتْ سَنَةَ 83 ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ . قَوْلُهُ : ( قَالَتْ ) أَيْ لِلنِّسَاءِ ( أَنْ يَسْتَطِيبُوا ) أَيْ أَنْ يَسْتَنْجُوا ، وَالِاسْتِطَابَةُ الِاسْتِنْجَاءُ ( فَإِنِّي أَسْتَحْيِيهِمْ ) أَيْ مِنْ بَيَانِ هَذَا الْأَمْرِ ( كَانَ يَفْعَلُهُ ) أَيْ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ ، وَأَنَسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَأَخْرَجَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْغَيْضَةَ ، فَقَضَى حَاجَتَهُ ، فَأَتَاهُ جَرِيرٌ بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ فَاسْتَنْجَى مِنْهَا وَمَسَحَ يَدَهُ بِالتُّرَابِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ صَدُوقٌ ، إِلَّا أنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ بِالْعَنْعَنَةِ ، وَجَاءَتْ رِوَايَةٌ بِصَرِيحِ التَّحْدِيثِ ، لَكِنَّ الذَّنْبَ لِغَيْرِهِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ بِلَفْظِ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُ الْخَلَاءَ ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ نَحْوِي إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مَرْفُوعًا ، قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ قُبَاءَ : فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ قَالَ : كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ ، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ ، وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ أُخْرَى ، وَمِنْ هاهُنَا ظَهَرَ أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ مِنْ الْأَئِمَّةِ : إِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ حَدِيثٌ لَيْسَ بِصَحِيحٍ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ . قَوْلُهُ : ( وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، يَخْتَارُونَ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ ، وَإِنْ كَانَ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْحِجَارَةِ يُجْزِئُ عِنْدَهُمْ إِلَخْ ) قَالَ الْعَيْنِيُّ : مَذْهَبُ جُمْهُورِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَالَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْفَتْوَى مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ ، فَيُقَدِّمَ الْحَجَرَ أَوَّلًا ، ثُمَّ يَسْتَعْمِلَ الْمَاءَ ، فَتَخِفُّ النَّجَاسَةُ ، وَتَقِلُّ مُبَاشَرَتُهَا بِيَدِهِ ، وَيَكُونُ أَبْلَغَ فِي النَّظَافَةِ ، فَإِنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى أَحَدِهِمَا ، فَالْمَاءُ أَفْضَلُ ؛ لِكَوْنِهِ يُزِيلُ عَيْنَ النَّجَاسَةِ وَأَثَرَهَا ، وَالْحَجَرُ يُزِيلُ الْعَيْنَ دُونَ الْأَثَرِ ، لَكِنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ ، وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَهُ ، انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ . اِعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ الْبُخَارِيَّ قَدْ بَوَّبَ فِي صَحِيحِهِ بَابَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ الْمَذْكُورَ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : أَرَادَ الْبُخَارِيُّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ الرَّدَّ عَلَى مَنْ كَرِهَهُ ، وَعَلَى مَنْ لَغَى وُقُوعَهُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ رَوَى اِبْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ ، فَقَالَ : إِذًا لَا يَزَالُ فِي يَدِي نَتْنٌ . وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْنِ عُمَرَ : كَانَ لَا يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ . وَعَنْ اِبْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : مَا كُنَّا نَفْعَلُهُ . وَنَقَلَ اِبْنُ التِّينِ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَنْجَى بِالْمَاءِ ، وَعَنْ اِبْنِ حَبِيبٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ مَنَعَ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ ؛ لِأَنَّهُ مَطْعُومٌ . انْتَهَى . قُلْتُ : لَعَلَّ التِّرْمِذِيَّ أَيْضًا أَرَادَ مَا أَرَادَ الْبُخَارِيُّ . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
بَاب مَا جَاءَ أَنَّ الْأُذُنَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ 37 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ سِنَانِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، قَالَ : تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَيْهِ ثَلَاثًا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ، وَقَالَ : الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ . قَالَ أَبُو عِيسَى : قَالَ قُتَيْبَةُ : قَالَ حَمَّادٌ : لَا أَدْرِي هَذَا مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ مِنْ قَوْلِ أَبِي أُمَامَةَ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ الْقَائِمِ ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنَّ الْأُذُنَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : مَا أَقْبَلَ مِنْ الْأُذُنَيْنِ فَمِنْ الْوَجْهِ وَمَا أَدْبَرَ فَمِنْ الرَّأْسِ . قَالَ إِسْحَاقُ : وَأَخْتَارُ أَنْ يَمْسَحَ مُقَدَّمَهُمَا مَعَ وَجْهِه ، وَمُؤَخَّرَهُمَا مَعَ رَأْسِهِ . بَاب مَا جَاءَ أَنَّ الْأُذُنَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ قَوْلُهُ : ( عَنْ سِنَانِ بْنِ رَبِيعَةَ ) الْبَاهِلِيِّ الْبَصْرِيِّ أَبِي رَبِيعَةَ ، صَدُوقٌ فِيهِ لِينٌ ، أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ مَقْرُونًا ، مِنَ الرَّابِعَةِ . ( عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ) الْأَشْعَرِيِّ الشَّامِيِّ مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ ، صَدُوقٌ كَثِيرُ الْإِرْسَالِ وَالْأَوْهَامِ مِنَ الثَّالِثَةِ . كَذَا فِي التَّقْرِيبِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ ) أَيْ فَيُمْسَحَانِ مَعَهُ لَا مِنَ الْوَجْهِ فَيُغْسَلَانِ مَعَهُ ( قَالَ حَمَّادٌ ) أَيْ ابْنُ زَيْدٍ ( لَا أَدْرِي هَذَا ) أَيْ قَوْلَهُ الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ ) قَدْ وَرَدَ فِي أَنَّ الْأُذُنَيْنِ مِنَ الرَّأْسِ ثَمَانِيَةُ أَحَادِيثَ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : الْأَوَّلُ : حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ ، رَوَاهُ د ت ق وَقَدْ بَيَّنْتُ أَنَّهُ مُدْرَجٌ فِي كِتَابِي فِي ذَلِكَ . الثَّانِي : حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَوَّاهُ الْمُنْذِرِيُّ ، وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ، وَقَدْ بَيَّنْتُ أَيْضًا أَنَّهُ مُدْرَجٌ . الثَّالِثُ : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَأَعَلَّهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِالِاضْطِرَابِ وَقَالَ : إِنَّهُ وَهْمٌ ، وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى مُرْسَلًا . الرَّابِعُ : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَفِيهِ عَمْرُو بْنُ الْحُصَيْنِ وَهُوَ مَتْرُوكٌ . الْخَامِسُ : حَدِيثُ أَبِي مُوسَى أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَاخْتُلِفَ فِي وَقْفِهِ وَرَفْعِهِ ، وَصَوَّبَ الْوَقْفَ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ أَيْضًا . السَّادِسُ : حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَعَلَّهُ أَيْضًا . السَّابِعُ : حَدِيثُ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَفِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَزْهَرِ وَقَدْ كَذَّبَهُ أَحْمَدُ . الثَّامِنُ : حَدِيثُ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْحَكِيمِ ، عَنْ أَنَسٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، انْتَهَى مَا فِي التَّلْخِيصِ . قُلْتُ : حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ . قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي تَخْرِيجِ الْهِدَايَةِ بَعْدَ ذِكْرِهِ : هَذَا أَمْثَلُ إِسْنَادٍ فِي الْبَابِ لِاتِّصَالِهِ وَثِقَةِ رُوَاتِهِ . انْتَهَى ، لَكِنْ قَالَ الْحَافِظُ : إِنَّهُ مُدْرَجٌ كَمَا عَرَفْتَ ، قَالَ الزَّيْلَعِيُّ : أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، عَنْ أَبِي كَامِلٍ الْجَحْدَرِيِّ ، ثَنَا غُنْدَرٌ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عن ابن عباس ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ ، قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ : إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ لِاتِّصَالِهِ وَثِقَةِ رُوَاتِهِ . انْتَهَى . قَالَ : وَأَعَلَّهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِالِاضْطِرَابِ فِي إِسْنَادِهِ ، وَقَالَ : إِسْنَادُهُ وَهْمٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُرْسَلٌ ثُمَّ أَخْرَجَهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا ، وَتَبِعَهُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي ذَلِكَ ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : الَّذِي دَارَ الْحَدِيثُ عَلَيْهِ يُرْوَى عَنْهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا . قَالَ : وَهَذَا لَيْسَ بِقَدْحٍ فِيهِ ، وَمَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ حَدِيثَانِ مُسْنَدٌ وَمُرْسَلٌ . انْتَهَى . قُلْتُ : كَلَامُ ابْنِ الْقَطَّانِ هَذَا مُتَّجَهٌ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ الْقَائِمِ ) أَيْ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي الْإِمَامِ : وَهَذَا الْحَدِيثُ مَعْلُولٌ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا الْكَلَامُ فِي شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، وَالثَّانِي الشَّكُّ فِي رَفْعِهِ ، وَلَكِنَّ شَهْرًا وَثَّقَهُ أَحْمَدُ ، وَيَحْيَى ، وَالْعِجْلِيُّ ، وَيَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ ، وَسِنَانُ بْنُ رَبِيعَةَ ، أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ قَدْ لُيِّنَ ، فَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : أَرْجُو أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، فَالْحَدِيثُ عِنْدَنَا حَسَنٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . انْتَهَى كَلَامُهُ . وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي الْوَهْمِ وَالْإِيهَامِ : شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ ضَعَّفَهُ قَوْمٌ وَوَثَّقَهُ الْآخَرُونَ ، وَمِمَّنْ وَثَّقَهُ ابْنُ حنبل وابْنُ مَعِينٍ ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ : لَا بَأْسَ بِهِ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : لَيْسَ هُوَ بِدُونِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ ضَعَّفَهُ ، وَلَا أَعْرِفُ لِمُضَعِّفِهِ حُجَّةً ، كَذَا فِي تَخْرِيجِ الزَّيْلَعِيِّ . وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ : وَقَدْ صَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِهِ حَدِيثَ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَفَّ عَلَى الْحَسَنِ ، وَالْحُسَيْنِ ، وَعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ كِسَاءً ، وَقَالَ : هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي ، ثُمَّ قَالَ : هَذَا حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنَّ الْأُذُنَيْنِ مِنَ الرَّأْسِ ) أَيْ فَيُمْسَحَانِ مَعَهُ وَهُوَ الْقَوْلُ الرَّاجِحُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ . ( وبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله ( وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : مَا أَقْبَلَ مِنَ الْأُذُنَيْنِ فَمِنَ الْوَجْهِ وَمَا أَدْبَرَ فَمِنَ الرَّأْسِ ) وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّعْبِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَمَنْ تَبِعَهُمْ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : يَغْسِلُ مَا أَقْبَلَ مِنْهُمَا مَعَ الْوَجْهِ وَيَمْسَحُ مَا أَدْبَرَ مَعَ الرَّأْسِ ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ وَغَيْرُهُ . ( وَقَالَ إِسْحَاقُ : أَخْتَارُ أَنْ يَمْسَحَ مُقَدَّمَهُمَا مَعَ وَجْهِهِ وَمُؤَخَّرَهُمَا مَعَ رَأْسِهِ ) ذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ ، وَهَاهُنَا مَذَاهِبُ أُخْرَى : فَمِنْهَا أَنَّ الْأُذُنَيْنِ مِنَ الْوَجْهِ ، فَيُغْسَلَانِ مَعَهُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الزُّهْرِيُّ ، وَدَاوُدُ ذَكَرَهُ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ ، وَمِنْهَا مَذْهَبُ ابْنِ شُرَيْحٍ أَنَّهُ كَانَ يَغْسِلُهُمَا مَعَ الْوَجْهِ وَيَمْسَحُهُمَا مَعَ الرَّأْسِ . وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْأُذُنَيْنِ مِنَ الرَّأْسِ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ . وَاسْتَدَلَّ الطَّحَاوِيُّ لِمَذْهَبِ الشَّعْبِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي شَرْحِ الْآثَارِ بِمَا رَوَاهُ بِسَنَدِهِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ حَكَى الْوُضُوءَ النَّبَوِيَّ فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ مَاءٍ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا فَضَرَبَ بِهِمَا وَجْهَهُ ، ثُمَّ الثَّانِيَةَ مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ الثَّالِثَةَ ، ثُمَّ أَلْقَمَ إِبْهَامَيْهِ مَا أَقْبَلَ مِنْ أُذُنَيْهِ ، ثُمَّ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ بِيَدِهِ الْيُمْنَى فَصَبَّهَا عَلَى نَاصِيَتِهِ ثُمَّ أَرْسَلَهَا تَسِيلُ عَلَى وَجْهِهِ ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثًا وَالْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَظُهُورِ أُذُنَيْهِ ، وَذَكَرَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْمُنْتَقَى نَقْلًا عَنْ مُسْنَدِ أَحْمَدَ ، وَأَبِي دَاوُدَ ، وَقَالَ : فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ رَأَى مَا أَقْبَلَ مِنَ الْأُذُنَيْنِ مِنَ الْوَجْهِ . انْتَهَى . قُلْتُ : قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَقَالٌ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ عَنْهُ فَضَعَّفَهُ ، وَقَالَ : مَا أَدْرِي مَا هَذَا . انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : ورواه البزار وَقَالَ : لَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى هَذَا هَكَذَا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْخَوْلَانِيِّ ، وَلَا نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا رَوَاهُ عَنْهُ إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ إِسْحَاقَ بِالسَّمَاعِ فِيهِ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِهِ مُخْتَصَرًا ، وَضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ . انْتَهَى ، فَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ . وَذَكَرَ الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ فِي اسْتِدْلَالِ ابْنِ شُرَيْحٍ أَنَّهُ رَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ : سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ ، فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأُذُنَيْنِ مِنَ الْوَجْهِ ، فَبِهَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثِ الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ اسْتَنَدَ ابْنُ شُرَيْحٍ فِيمَا كَانَ يَفْعَلُهُ . قُلْتُ : حَدِيثُ عَائِشَةَ رضي الله عنها هَذَا لَيْسَ بِنَصٍّ عَلَى أَنَّ الْأُذُنَيْنِ مِنَ الْوَجْهِ ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى حَدِيثٍ صَحِيحٍ صَرِيحٍ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الْأُذُنَيْنِ مِنَ الْوَجْهِ ، ثم لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَسْلُ الْأُذُنَيْنِ وَإِنَّمَا الثَّابِتُ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ مَسْحُ الْأُذُنَيْنِ فَقَطْ ، فَالْقَوْلُ الرَّاجِحُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ هُوَ أَنَّ الْأُذُنَيْنِ مِنَ الرَّأْسِ لِأَحَادِيثِ الْبَابِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الصُّنَابِحِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ فَتَمَضْمَضَ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ فِيهِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ ، رَوَاهُ مَالِكٌ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الْمُنْتَقَى : فَقَوْلُهُ تَخْرُجُ مِنْ أُذُنَيْهِ إِذَا مَسَحَ رَأْسَهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأُذُنَيْنِ دَاخِلَتَانِ فِي مُسَمَّاهُ وَمِنْ جُمْلَتِهِ . انْتَهَى . فَالْمُتَعَيَّنُ هُوَ مَسْحُ الْأُذُنَيْنِ مَعَ الرَّأْسِ . وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُمَا يُمْسَحَانِ بِبَقِيَّةِ مَاءِ الرَّأْسِ أَوْ بِمَاءٍ جَدِيدٍ ، قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ إِلَى أَنَّهُ يُؤْخَذُ لَهُمَا مَاءٌ جَدِيدٌ ، وَذَهَبَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُمَا يُمْسَحَانِ مَعَ الرَّأْسِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِمَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فِي صِفَةِ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ أُذُنَيْهِ بِمَاءٍ غَيْرِ الْمَاءِ الَّذِي مَسَحَ بِهِ الرَّأْسَ ، أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ حَرْمَلَةَ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، قَالَ الْحَافِظُ إِسْنَادُهُ ظَاهِرُه الصِّحَّةِ ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ الدَّارِمِيِّ ، عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ خَارِجَةَ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ بِلَفْظِ : فَأَخَذَ لِأُذُنَيْهِ مَاءً خِلَافَ الْمَاءِ الَّذِي أَخَذَ لِرَأْسِهِ ، وَقَالَ هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ ، لَكِنْ ذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي الْإِمَامِ أَنَّهُ رَأَى فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ ، عَنْ حَرْمَلَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَلَفْظُهُ : وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ لَمْ يَذْكُرْ الْأُذُنَيْنِ . وَقَالَ الْحَافِظُ : كَذَا هُوَ فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ ، عَنِ ابْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ حَرْمَلَةَ ، وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ خَشْرَمٍ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ : وَرَدَ الْأَمْرُ بِتَجْدِيدِ الْمَاءِ لِلْأُذُنَيْنِ مِنْ حَدِيثِ نَمِرَانَ بْنِ جَارِيَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ بِأَنَّ الَّذِي فِي رِوَايَةِ جَارِيَةَ بِلَفْظِ : خَذَ لِلرَّأْسِ مَاءً جَدِيدًا رَوَاهُ الْبَزَّارُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، وَرَوَى فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ يَأْخُذُ الْمَاءَ بِأُصْبُعَيْهِ لِأُذُنَيْهِ . وَصَرَّحَ الْحَافِظُ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ حَدِيثَ الْبَيْهَقِيِّ السَّابِقَ أَنَّ الْمَحْفُوظَ مَا عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ : وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ . وَأَجَابَ الْقَائِلُونَ أَنَّهُمَا يُمْسَحَانِ بِمَاءِ الرَّأْسِ بِمَاء سَلَفَ مِنْ إِعْلَالِ هَذَا الْحَدِيثِ ، قَالُوا : فَيُوقَفُ عَلَى مَا ثَبَتَ مِنْ مَسْحِهِمَا مَعَ الرَّأْسِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالرُّبَيِّعِ وَغَيْرِهِمَا ، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ : لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ أَنَّهُ أَخَذَ لَهُمَا مَاءً جَدِيدًا وَإِنَّمَا صَحَّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ . انْتَهَى مَا فِي النَّيْلِ . قُلْتُ : لَمْ أَقِفْ عَلَى حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ صَحِيحٍ خَالٍ عَنِ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ بِمَاءٍ جَدِيدٍ ، نَعَمْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا مِنْ فِعْلِهِ . رَوَى الْإِمَامُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَأْخُذُ الْمَاءَ بِأُصْبُعَيْهِ لِأُذُنَيْهِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
بَاب مَا جَاءَ أَنَّ الْمَاءَ مِنْ الْمَاءِ 110 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ثنا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : إِنَّمَا كَانَ الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُهِيَ عَنْهَا . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ نَا ابْنُ الْمُبَارَكِ نَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَإِنَّمَا كَانَ الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَهَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فِي الْفَرْجِ وَجَبَ عَلَيْهِمَا الْغُسْلُ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلَا . ( بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْمَاءَ مِنَ الْمَاءِ ) مَقْصُودُ التِّرْمِذِيِّ مِنْ عَقْدِ هَذَا الْبَابِ أَنَّ حَدِيثَ الْمَاءِ مِنَ الْمَاءِ مَنْسُوخٌ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْاثْنَيْنِ إِلَى قُبَاءَ حَتَّى إِذَا كُنَّا فِي بَنِي سَالِمٍ وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَابِ عِتْبَانَ فَصَرَخَ بِهِ فَخَرَجَ يَجُرُّ إزاره ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْجَلْنَا الرَّجُلَ ، فَقَالَ عِتْبَانُ : أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْجَلُ عَنِ امْرَأَتِهِ وَلَمْ يُمْنِ مَاذَا عَلَيْهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ ، وَالْمُرَادُ بِالْمَاءِ الْأَوَّلِ مَاءُ الْغُسْلِ ، وَبِالثَّانِي الْمَنِيُّ وَفِيهِ جِنَاسٌ تَامٌّ . قَوْلُهُ : ( ثَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ) بْنُ أَبِي النِّجَادِ الْأَيْلِيُّ أَبُو يَزِيدَ مَوْلَى آلِ أَبِي سُفْيَانَ ، ثِقَةٌ إِلَّا أَنَّ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَهْمًا قَلِيلًا ، وَفِي غَيْرِ الزُّهْرِيِّ خَطَأً . قَالَهُ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ فِي مُقَدِّمَةِ فَتْحِ الْبَارِي : قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ عَبَّاسٍ الدُّورِيِّ : قَالَ ابْنُ مَعِينٍ : أَثْبَتُ النَّاسِ فِي الزَّهْرِيِّ ، مَالِكٌ ، وَمَعْمَرٌ ، وَيُونُسُ ، وَشُعَيْبٌ ، وَقَالَ عُثْمَانُ الدَّارِمِيُّ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ نَحْنُ لَا نُقَدِّمُ عَلَى يُونُسَ فِي الزُّهْرِيِّ أَحَدًا . قَالَ : وَثَّقَهُ الْجُمْهُورُ مُطْلَقًا ، وَإِنَّمَا ضَعَّفُوا بَعْضَ رِوَايَتِهِ حَيْثُ يُخَالِفُ أَقْرَانَهُ ، وَيُحَدِّثُ مِنْ حِفْظِهِ فَإِذَا حَدَّثَ مِنْ كِتَابِهِ فَهُوَ حُجَّةٌ ، قَالَ : وَاحْتَجَّ بِهِ الْجَمَاعَةُ . ( عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ) بْنِ مَالِكِ بْنِ خَالِدٍ الْأَنْصَارِيِّ الْخَزْرَجِيِّ السَّاعِدِيِّ ، لَهُ وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ ، مَشْهُورٌ مَاتَ سَنَةَ 88 ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَقِيلَ بَعْدَهَا . قَوْلُهُ : ( إِنَّمَا كَانَ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُهِيَ عَنْهَا ) أَيْ عَنْ هَذِهِ الرُّخْصَةِ وَفُرِضَ الْغُسْلُ بِمُجَرَّدِ الْإِيلَاجِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ أَنَّ الْفُتْيَا الَّتِي كَانُوا يُفْتُونَ أَنَّ الْمَاءَ مِنَ الْمَاءِ كَانَ رُخْصَةً رَخَّصَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَمَرَ بِالِاغْتِسَالِ بَعْدُ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْحَازِمِيِّ فِي كِتَابِ الِاعْتِبَارِ قَالَ : كَانَ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ شَيْئًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ تُرِكَ ذَلِكَ بَعْدُ وَأُمِرُوا بِالْغُسْلِ إِذَا مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالدَّارِمِيُّ ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : هُوَ إِسْنَادٌ صَالِحٌ لِأَنْ يُحْتَجَّ بِهِ ، وَقَالَ فِيهِ : صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ . قَوْلُهُ : ( وَإِنَّمَا كَانَ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ ) لَا شَكَّ فِي أَنَّ حَدِيثَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ الْمَذْكُورَ صَرِيحٌ فِي النَّسْخِ . عَلَى أَنَّ حَدِيثَ الْغُسْلِ وَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ أَرْجَحُ مِنْ حَدِيثِ الْمَاءِ مِنَ الْمَاءِ لِأَنَّهُ بِالْمَنْطُوقِ ، وَتَرْكُ الْغُسْلِ مِنْ حَدِيثِ الْمَاءِ مِنَ الْمَاءِ بِالْمَفْهُومِ أَوْ بِالْمَنْطُوقِ أَيْضًا . لَكِنَّ ذَلِكَ أَصْرَحُ مِنْهُ . كَذَا فِي الْفَتْحِ . ( مِنْهُمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ، وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ ) أَمَّا رِوَايَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَهِيَ مَذْكُورَةٌ فِي هَذَا الْبَابِ . أَمَّا رِوَايَةُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فَأَخْرَجَهَا الْحَازِمِيُّ فِي كِتَابِ الِاعْتِبَارِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ .
112 حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ أَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي الْجَحَّافِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ فِي الِاحْتِلَامِ . قَالَ أَبُو عِيسَى : سَمِعْت الْجَارُودَ يَقُولُ : سَمِعْتُ وَكِيعًا يَقُولُ : لَمْ نَجِدْ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا عِنْدَ شَرِيكٍ قَالَ أَبُو عِيسَى وَفِي الْبَاب عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرِ وَطَلْحَةَ وَأَبِي أَيُّوبَ وَأَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ . قَالَ أَبُو عِيسَى : وَأَبُو الْجَحَّافِ اسْمُهُ دَاوُدُ بْنُ أَبِي عَوْفٍ ، وَروَى عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ : نَا أَبُو الْجَحَّافِ وَكَانَ مَرْضِيًّا . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي الْجَحَّافِ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَثْقِيلِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرُهُ فَاءٌ ، اسْمُهُ دَاوُدُ بْنُ أَبِي عَوْفٍ ، مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ صَدُوقٌ شِيعِيٌّ رُبَّمَا أَخْطَأَ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : رَوَى عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَعَنْهُ شَرِيكٌ ، وَالسُّفْيَانَانِ ، وَثَّقَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَعِينٍ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ : لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ، قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : لَا يُحْتَجُّ بِهِ . انْتَهَى ، وَقَالَ فِي التَّهْذِيبِ : قَالَ ابْنُ مَعِينٍ يُخْطِئُ . قَوْلُهُ : ( إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ فِي الِاحْتِلَامِ ) يَعْنِي أَنَّ حَدِيثَ الْمَاءِ بِالْمَاءِ مَحْمُولٌ عَلَى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ ، وَهِيَ مَا يَقَعُ فِي الْمَنَامِ مِنْ رُؤْيَا الْجِمَاعِ ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ يَجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَعَارُضٍ ، قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ : إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ إِلَخْ ، قَالَهُ مِنْ طَرِيقِ التَّأْوِيلِ وَالِاحْتِمَالِ وَلَوْ انْتَهَى إِلَيْهِ الْحَدِيثُ بِطُولِهِ لَمْ يَكُنْ يُؤوِّلُهُ هَذَا التَّأْوِيلَ . انْتَهَى . قُلْتُ : أَرَادَ التُّورْبَشْتِيُّ بِالْحَدِيثِ بِطُولِهِ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَقَدْ نَقَلْنَاهُ مِنْ صَحِيحِهِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ ، وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْحَقِّ الدَّهْلَوِيُّ : يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا لَيْسَ تَأْوِيلًا لِلْحَدِيثِ ، وَإِخْرَاجًا لَهُ بِهَذَا التَّأْوِيلِ مِنْ كَوْنِهِ مَنْسُوخًا ، بَلْ غَرَضُهُ بَيَانُ حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِكَوْنِهِ مَنْسُوخًا ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ عُمُومَهُ مَنْسُوخٌ فَبَقِيَ الْحُكْمُ فِي الِاحْتِلَامِ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ الْجَارُودَ ) أَيْ الْجَارُودَ بْنَ مُعَينٍ السُّلَمِيَّ ، التِّرْمِذِيَّ ثِقَةٌ رُمِيَ بِالْإِرْجَاءِ ، رَوَى عَنْ جَرِيرٍ ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَالْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، وَعَنْهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ وَوَثَّقَهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ 244 أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ . ( لَمْ نَجِدْ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا عِنْدَ شَرِيكٍ ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيُّ صَدُوقٌ يُخْطِئُ كَثِيرًا تَغَيَّرَ حِفْظُهُ مُنْذُ وَلِيَ الْكُوفَةَ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ إِسْنَادُهُ لَيِّنٌ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ شَرِيكٍ ، عَنْ أَبِي الْجَحَّافِ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَالزُّبَيْرِ ، وَطَلْحَةَ ، وَأَبِي أَيُّوبَ ، وَأَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ ) لَمْ أَجِدْ عَنْهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا اللَّفْظِ لَكِنْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ : أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَلَمْ يُمْنِ . فَقَالَ عُثْمَانُ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ ، وَقَالَ عُثْمَانُ : سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ ، وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ ، وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : قَدْ حَكَى الْأَثْرَمُ ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ هَذَا مَعْلُولٌ لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ الْفَتْوَى بِخِلَافِ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدْ حَكَى يَعْقُوبُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ أَنَّهُ شَاذٌّ . وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الْحَدِيثَ ثَابِتٌ مِنْ جِهَةِ اتِّصَالِ إِسْنَادِهِ وَحِفْظِ رُوَاتِهِ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ أَيْضًا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ نَحْوَ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ ، فَلَيْسَ هُوَ فَرْدًا ، وَأَمَّا كَوْنُهُمْ أَفْتَوْا بِخِلَافِهِ فَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ نَاسِخُهُ فَذَهَبُوا إِلَيْهِ ، وَكَمْ مِنْ حَدِيثٍ مَنْسُوخٍ وَهُوَ صَحِيحٌ مِنْ حَيْثُ الصِّنَاعَةِ الْحَدِيثِيَّةِ . انْتَهَى كَلَامُهُ .
باب في تخلبل الأصابع 38 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، وَهَنَّادٌ ، قَالَا : نَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا تَوَضَّأْتَ فَخَلِّلْ الْأَصَابِعَ . وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْمُسَتَوْرِدِ وَأبِي أَيُّوبَ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ يُخَلِّلُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ فِي الْوُضُوءِ ، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وقَالَ إِسْحَاقُ : يُخَلِّلُ أَصَابِعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ . وَأَبُو هَاشِمٍ اسْمُهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ كَثِيرٍ . باب في تخلبل الأصابع قَوْلُهُ : ( عَنْ سُفْيَانَ ) هُوَ الثَّوْرِيُّ ( عَنْ أَبِي هَاشِمٍ ) اسْمُهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ كَثِيرٍ الْحِجَازِيُّ الْمَكِّيُّ ، ثِقَةٌ مِنَ السَّادِسَةِ ( عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ الْعُقَيْلِيِّ بِالتَّصْغِيرِ ، ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ( عَنْ أَبِيهِ ) لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ . قَوْلُهُ : ( إِذَا تَوَضَّأْتَ فَخَلِّلْ الْأَصَابِعَ ) صِيغَةُ أَمْرٍ مِنَ التَّخْلِيلِ ، وَهُوَ إِدْخَالُ الشَّيْءِ في خِلَالَ شَيْءٍ وَهُوَ وَسَطُهُ ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَخْلِيلِ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْمُسْتَوْرِدِ ، وَأَبِي أَيُّوبَ ) أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَأَمَّا حَدِيثُ الْمُسْتَوْرِدِ فَأَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا أَحْمَدَ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ . قُلْتُ : وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ عُثْمَانَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِلَفْظِ : أَنَّهُ خَلَّلَ أَصَابِعَ قَدَمَيْهِ ثَلَاثًا وَقَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ كَمَا فَعَلْتُ وَعَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ ، وَعَنْ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَفِيهِ عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ ، وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ ، وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ ، قَالَ الْحَافِظُ فِيهِ ضَعْفٌ وَانْقِطَاعٌ ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ خَلِّلُوا بَيْنَ أَصَابِعِكُمْ لَا يُخَلِّلُهَا اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالنَّارِ وَفِي الْبَابِ أَيْضًا أَحَادِيثُ أُخْرَى عَنْ غَيْرِ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ مَنْ شَاءَ الْوُقُوفَ عَلَيْهَا فَلْيَرْجِعْ إِلَى النَّيْلِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْجَارُودِ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا ، وَصَحَّحَهُ أَيْضًا الْبَغَوِيُّ ، وَابْنُ الْقَطَّانِ . قَوْلُهُ : ( وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ يُخَلِّلُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ فِي الْوُضُوءِ ، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ) قَالَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ تَخْلِيلُ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ فِي غَسْلِهِمَا ، قَالَ : وَهَذَا إِذَا كَانَ الْمَاءُ يَصِلُ إِلَيْهَا مِنْ غَيْرِ تَخْلِيلٍ ، فَلَوْ كَانَتِ الْأَصَابِعُ مُلْتَفَّةً لَا يَصِلُ الْمَاءُ إِلَيْهَا إِلَّا بِالتَّخْلِيلِ ، فَحِينَئِذٍ يَجِبُ التَّخْلِيلُ لَا لِذَاتِهِ ، لَكِنْ لِأَدَاءِ فَرْضِ الْغُسْلِ . انْتَهَى . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ بَعْدَ ذِكْرِ كَلَامِ ابْنِ سَيِّدِ النَّاسِ هَذَا : وَالْأَحَادِيثُ قَدْ صَرَّحَتْ بِوُجُوبِ التَّخْلِيلِ وَثَبَتَ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْلِهِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ إِمْكَانِ وُصُولِ الْمَاءِ بِدُونِ تَخْلِيلٍ وَعَدَمِهِ وَلَا بَيْنَ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ ، فَالتَّقْيِيدُ بِأَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ أَوْ بِعَدَمِ إِمْكَانِ وُصُولِ الْمَاءِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ . انْتَهَى . قُلْتُ : الْأَمْرُ كَمَا قَالَ الشَّوْكَانِيُّ ( وَقَالَ إِسْحَاقُ : يُخَلِّلُ أَصَابِعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ) قَوْلُ إِسْحَاقَ هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ لِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَخَلِّلْ الْأَصَابِعَ ، وَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي فِي هَذَا الْبَابِ .
39 حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ ، قال : حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، قال : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : إِذَا تَوَضَّأْتَ فَخَلِّلْ أَصَابِعِ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ ) الْجَوْهَرِيُّ أَبُو إِسْحَاقَ الطَّبَرِيُّ نَزِيلُ بَغْدَادَ ، ثِقَةٌ حَافِظٌ تُكُلِّمَ فِيهِ بِلَا حُجَّةٍ مِنَ الْعَاشِرَةِ ( قَالَ : ثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ ) الْأَنْصَارِيُّ أَبُو مُعَاذٍ الْمَدَنِيُّ نَزِيلُ بَغْدَادَ ، صَدُوقٌ لَهُ أَغَالِيطُ مِنْ كِبَارِ الْعَاشِرَةِ ( قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ ) الْمَدَنِيُّ مَوْلَى قُرَيْشٍ صَدُوقٌ تَغَيَّرَ حِفْظُهُ لَمَّا قَدِمَ بَغْدَادَ وَكَانَ فَقِيهًا مِنَ السَّابِعَةِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : قَالَ ابْنُ مَعِينٍ : مَا حَدَّثَ بِالْمَدِينَةِ فَهُوَ صَحِيحٌ ، وَقَالَ فِي هَامِشِ الْخُلَاصَةِ نَقْلًا عَنِ التَّهْذِيبِ : وَمَا حَدَّثَ بِهِ بِبَغْدَادَ وَالْعِرَاقِ فَمُضْطَرِبٌ . ( عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ) بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ : ثِقَةٌ فَقِيهٌ إِمَامٌ فِي الْمَغَازِي ، مِنَ الْخَامِسَةِ ، لَمْ يَصِحَّ أَنَّ ابْنَ مَعِينٍ لَيَّنَهُ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : قَالَ مَالِكٌ : عَلَيْكُمْ بِمَغَازِي ابن عُقْبَةَ فَإِنَّهُ ثِقَةٌ وَهِيَ أَصَحُّ الْمَغَازِي . مَاتَ سَنَةَ 141 إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ . ( عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ صَدُوقٌ اخْتَلَطَ بِأَخَرَه . قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : لَا بَأْسَ بِرِوَايَةِ الْقُدَمَاءِ عَنْهُ كَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ ، مِنَ الرَّابِعَةِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، قُلْتُ سَمَاعُ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِطَ . قَوْلُهُ : ( إِذَا تَوَضَّأْتَ فَخَلِّلْ بَيْنَ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ ) هَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ قَيَّدَ التَّخْلِيلَ بِأَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ ، وَأَمَّا مَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ ذِكْرِ الرِّجْلَيْنِ فَقَطْ فَهُوَ تَنْصِيصٌ بِبَعْضِ الْأَفْرَادِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) قَالَ فِي النَّيْلِ : فِيهِ صَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَلَكِنْ حَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ صَالِحٍ ، وَسَمَاعُ مُوسَى عَنْهُ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِطَ . انْتَهَى .
40 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، قال : ثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ ، عَنْ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ الْفِهْرِيِّ ، قَالَ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَوَضَّأَ دَلَكَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَمْرٍو ) الْمَعَافِرِيِّ الْمِصْرِيِّ ، صَدُوقٌ مِنَ الرَّابِعَةِ . ( عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ الْمَعَافِرِيِّ ، ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ : ( دَلَكَ ) ، أَيْ : خَلَّلَ ( بِخِنْصَرِهِ ) أَيْ بِخِنْصَرِ يَدِهِ الْيُسْرَى . قَوْلُهُ : ( قَوْلُهُ : هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ ) غَرَابَةُ هَذَا الْحَدِيثِ وَالَّذِي قَبْلَهُ تَرْجِعُ إِلَى الْإِسْنَادِ ، فَلَا يُنَافِي الْحَسَنَ ، قَالَهُ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ : وَقَدْ شَارَكَ ابْنَ لَهِيعَةَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَمْرٍو اللَّيْثُ ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، فَالْحَدِيثُ إِذَنْ صَحِيحٌ سَالِمٌ عَنِ الْغَرَابَةِ . كَذَا فِي النَّيْلِ .
بَاب كَرَاهِيَةِ مَا يُسْتَنْجَى بِهِ 18 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، نا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ ، وَلَا بِالْعِظَامِ ؛ فَإِنَّهُ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَلْمَانَ وَجَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ . قَالَ أَبُو عِيسَى : وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَغَيْرُهُ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجِنِّ . الْحَدِيثَ بِطُولِهِ . فَقَالَ الشَّعْبِيُّ : إِنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ ، وَلَا بِالْعِظَامِ ؛ فَإِنَّهُ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ ، وَكَأَنَّ رِوَايَةَ إِسْمَاعِيلَ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ . وَفِي الْبَاب عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ . ( بَابُ كَرَاهِيَةِ مَا يُسْتَنْجَى بِهِ ) أَيْ فِي بَيَانِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يُكْرَهُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ مَبْسُوطًا أَنَّ إِطْلَاقَ لَفْظِ الْكَرَاهِيَةِ جَاءَ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِمَعْنَى التَّحْرِيمِ ، وَالسَّلَفُ كَانُوا يَسْتَعْمِلُونَ هَذَا اللَّفْظَ فِي مَعْنَاهُ الَّذِي اُسْتُعْمِلَ فِيهِ كَلَامُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَلَكِنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ اِصْطَلَحُوا عَلَى تَخْصِيصِ لَفْظِ الْكَرَاهِيَةِ بِمَا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ ، وَتَرْكهُ أَرْجَحُ مِنْ فِعْلِهِ ، ثُمَّ حَمَلَ مَنْ حَمَلَ مِنْهُمْ كَلَامَ الْأَئِمَّةِ عَلَى الْاصْطلَاحِ الْحَادِثِ فَغَلِطَ فِي ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( نَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ) بِمُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ وَيَاءٍ وَمُثَلَّثَةٍ اِبْنُ طَلْقِ بْنِ مُعَاوِيَةَ النَّخَعِيِّ ، أَبُو عُمَرَ الْكُوفِيُّ الْقَاضِي ، ثِقَةٌ فَقِيهٌ ، تَغَيَّرَ حِفْظُهُ قَلِيلًا فِي الْآخِرِ ، مِنْ الثَّامِنَةِ ؛ أَيْ : مِنْ الطَّبَقَةِ الْوُسْطَى مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ . وَقَالَ فِي مُقَدِّمَةِ فَتْحِ الْبَارِي : أَجْمَعُوا عَلَى تَوْثِيقِهِ وَالِاحْتِجَاجِ بِهِ ، إِلَّا أَنَّهُ سَاءَ حِفْظُهُ فِي الْآخِرِ ، فَمَنْ سَمِعَ مِنْ كِتَابِهِ أَصَحُّ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْ حِفْظِهِ ، رَوَى لَهُ الْجَمَاعَةُ ( عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ) الْقُشَيْرِيِّ مَوْلَاهُمْ ، ثِقَةٌ مُتْقِنٌ ، إِلَّا أَنَّهُ يَهِمُ بِآخره ، رَوَى عَنْ اِبْنِ الْمُسِيِّبِ ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ ، وَالشَّعْبِيِّ وَخَلْقٍ ، وَعَنْهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَرِينُهُ وَقَتَادَةُ كَذَلِكَ وَشُعْبَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ وَخَلْقٌ ، وَثَّقَهُ أَحْمَدُ ، وَالْعِجْلِيُّ ، وَأَبُو حَاتِمٍ ، وَالنَّسَائِيُّ ، مَاتَ سَنَةَ 139 تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ . كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَالْخُلَاصَةِ . ( عَنْ الشَّعْبِيِّ ) هُوَ عَامِرُ بْنُ شَرَاحِيلَ الشَّعْبِيُّ : بِفَتْحِ الشِّينِ : أَبُو عَمْرٍو ثِقَةٌ مَشْهُورٌ فَقِيهٌ فَاضِلٌ ، مِنْ الطَّبَقَةِ الْوُسْطَى مِنْ التَّابِعِينَ . قَالَ مَكْحُولٌ : مَا رَأَيْتُ أَفْقَهَ مِنْهُ ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو مَجَلزٍ ، قَالَ الشَّعْبِيُّ : أَدْرَكْتُ خَمْسَ مِائَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ . قَالَ اِبْنُ عُيَيْنَةَ : كَانَتْ النَّاسُ تَقُولُ : اِبْنُ عَبَّاسٍ فِي زَمَانِهِ ، وَالشَّعْبِيُّ فِي زَمَانِهِ ، تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَمِائَةٍ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَالْخُلَاصَةِ . ( عَنْ عَلْقَمَةَ ) بْنِ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيِّ الْكُوفِيِّ . ثِقَةٌ ثَبْتٌ فَقِيهٌ عَابِدٌ ، مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ وَطَائِفَةٍ ، وَعَنْهُ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَخَلْقٌ . قَالَ اِبْنُ الْمَدِينِيِّ : أَعْلَمُ النَّاسِ بِابْنِ مَسْعُودٍ ، عَلْقَمَةُ ، وَالْأَسْوَدُ ، قَالَ اِبْنُ سَعْدٍ : مَاتَ سَنَةَ 62 اِثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَالْخُلَاصَةِ . قَوْلُهُ : ( لَا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ وَلَا بِالْعِظَامِ ) جَمْعُ عَظْمٍ ، وَتَقَدَّمَ مَعْنَى الرَّوْثِ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ . ( فَإِنَّهُ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ ) قَالَ الطِّيبِيُّ : الضَّمِيرُ فِي فَإِنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى الرَّوْثِ وَالْعِظَامِ بِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ ، كَمَا وَرَدَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَجَامِعِ الْأُصُولِ ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ ، وَفِي بَعْضِهَا وَجَامِعِ التِّرْمِذِيِّ فَإِنَّهَا ، فَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْعِظَامِ وَالرَّوْثُ تَابِعٌ لَهَا ، وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا انتهى . وَقَالَ اِبْنُ حَجَرٍ : وَإِنَّمَا سَكَتَ عَنْ الرَّوْثِ ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ زَادًا لَهُمْ إِنَّمَا هُوَ مَجَازٌ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لِدَوَابِّهِمْ ، انْتَهَى . كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فِي قِصَّةِ لَيْلَةِ الْجِنِّ : وَسَأَلُوهُ عَنْ الزَّادِ ، فَقَالَ : لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اِسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا ، وَكُلُّ بَعْرَةٍ لِدَوَابِّكُمْ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا ؛ فَإِنَّهُمَا طَعَامُ الْجِنِّ ، وَحَدِيثُ الْبَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالرَّوْثِ وَالْعَظْمِ ، وَالْعِلَّةُ أَنَّهُمَا مِنْ طَعَامِ الْجِنِّ : الْعِظَامُ لَهُمْ ، وَالرَّوْثُ لِدَوَابِّهِمْ . وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ أَوْ عَظْمٍ . وَقَالَ : إِنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ بَعْدَ رِوَايَتِهِ : إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ . وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ أَنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ ، قَالَ فِي سُبُلِ السَّلَامِ : عَلَّلَ فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ بِأَنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ ، وَعَلَّلَ بِأَنَّهُمَا مِنْ طَعَامِ الْجِنِّ ، وَعُلِّلَتْ الرَّوْثَةُ بِأَنَّهَا رِكْسٌ وَالتَّعْلِيلُ بِعَدَمِ التَّطْهِيرِ فِيهَا عَائِدٌ إِلَى كَوْنِهَا رِكْسًا ، وَأَمَّا عَدَمُ تَطْهِيرِ الْعَظْمِ فَإِنَّهُ لَزِجٌ لَا يَتَمَاسَكُ ، فَلَا يُنَشِّفُ النَّجَاسَةَ وَلَا يَقْطَعُ الْبِلَّةَ ، قَالَ : وَلَا تَنَافِي بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ ، فَقَدْ يُعَلَّلُ الْأَمْرُ الْوَاحِدُ بِعِلَلٍ كَثِيرَةٍ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَسَلْمَانَ ، وجابر ، وَابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهم ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ ، وَفِي بَابِ ذِكْرِ الْجِنِّ ، وَأَمَّا حَدِيثُ سَلْمَانَ فَأَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيَّ ، كَذَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْهُ بِلَفْظِ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُتَمَسَّحَ بِعَظْمٍ أَوْ بَعْرٍ . وَحَدِيثُ اِبْنِ مَسْعُودٍ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ أَخْرَجَهُ أَيْضًا النَّسَائِيُّ ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ : زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ ، كَذَا فِي الْمِشْكَاةِ . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ) بْنُ مِقْسَمٍ الْأَسَدِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو بِشْرٍ الْبَصْرِيُّ الْمَعْرُوفُ ابْنِ عُلَيَّةَ ، ثِقَةٌ حَافِظٌ ، مِنْ الطَّبَقَةِ الْوُسْطَى مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ ، رَوَى عَنْ أَيُّوبَ ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رَفِيعٍ ، وَرَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ وَخَلْقٍ ، وَعَنْهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ رَاهْوَيْهِ ، وَعَلِيُّ بْنُ حَجَرٍ وَخَلْقٌ كَثِيرٌ . قَالَ شُعْبَةُ : اِبْنُ عُلَيَّةَ رَيْحَانَةُ الْفُقَهَاءِ ، قَالَ أَحْمَدُ : إِلَيْهِ الْمُنْتَهَى فِي التَّثَبُّتِ ، وَقَالَ اِبْنُ مَعِينٍ : كَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا وَرِعًا تَقِيًّا . ( الْحَدِيثَ بِطُولِهِ ) بِالنَّصْبِ ؛ أَيْ : أَتَمَّ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ بِطُولِهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَحْقَافِ ، وَمُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي بَابِ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ وَالْقِرَاءَةِ عَلَى الْجِنِّ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي التَّفْسِيرِ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ مَسْعُودٍ : هَلْ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجِنِّ مِنْكُمْ أَحَدٌ ؟ قَالَ : مَا صَحِبَهُ مِنَّا أَحَدٌ ، وَلَكِنْ اِفْتَقَدْنَاهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَهُوَ بِمَكَّةَ اُغْتِيلَ اُسْتُطِيرَ مَا فُعِلَ بِهِ ، فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ ، حَتَّى إِذَا أَصْبَحْنَا أَوْ كَانَ فِي وَجْهِ الصُّبْحِ إِذَا نَحْنُ بِهِ يَجِيءُ مِنْ قِبَلِ حِرَاءٍ ، قَالَ : فَذَكَرُوا الَّذِي كَانُوا فِيهِ قَالَ : فَقَالَ : أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ ، فَأَتَيْتُهُمْ ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمْ . قَالَ : فَانْطَلَقَ ، فَأَرَانَا آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ . قَالَ الشَّعْبِيُّ : سَأَلُوهُ الزَّادَ وَكَانُوا مِنْ الْجَزِيرَةِ ، فَقَالَ : كُلُّ عَظْمٍ يُذْكَرُ اِسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا كَانَ لَحْمًا ، وَكُلُّ بَعْرَةٍ أَوْ رَوْثَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّهمْ; فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا ؛ فَإِنَّهُمَا زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ( وَكَأَنَّ رِوَايَةَ إِسْمَاعِيلَ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ) وَالْفَرْقُ بَيْنَ رِوَايَتيهِمَا أَنَّ رِوَايَةَ إِسْمَاعِيلَ مَقْطُوعَةٌ ، وَرِوَايَةَ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ مُسْنَدَةٌ ، وَوَجْهُ كَوْنِ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ أَصَحَّ أَنَّ حَفْصًا خَالَفَ أَصْحَابَ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، فَرَوَى هَذِهِ الرِّوَايَةَ مُسْنَدَةً ، وَهُمْ رَوَوْهَا مِنْ قَوْلِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : انْتَهَى حَدِيثُ اِبْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ قَوْلِهِ : فَأَرَانَا آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ ، وَمَا بَعْدَهُ مِنْ كَلَامِ الشَّعْبِيِّ ، كَذَا رَوَاهُ أَصْحَابُ دَاوُدَ الرَّاوِي عَنْ الشَّعْبِيِّ ، وَابْنِ عُلَيَّةَ ، وَابْنِ زُرَيْعٍ ، وَابْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، وَابْنِ إِدْرِيسَ وَغَيْرِهِمْ ، هَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ : إِنَّهُ مِنْ كَلَامِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ مَرْوِيًّا عَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَإِلَّا فَالشَّعْبِيُّ لَا يَقُولُ هَذَا الْكَلَامَ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . انْتَهَى . قَوْلُهُ ( وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ) كَذَا فِي النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ عِنْدَنَا وَهُوَ تَكْرَارٌ .
بَاب فِي الْجُنُبِ يَنَامُ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ 118 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ وَلَا يَمَسُّ مَاءً . حَدَّثَنَا هَنَّادٌ نَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفِيانَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ نَحْوَهُ . قَالَ أَبُو عِيسَى : وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَغَيْرِهِ ، وَقَدْ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ ، وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ الْأَسْوَدِ ، وَقَدْ رَوَى عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ شُعْبَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ ، وَيَرَوْنَ أَنَّ هَذَا غَلَطٌ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ . ( باب في الجنب ينام قبل أن يغتسل ) قَوْلُهُ : ( ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ) بِتَحْتَانِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ ابْنُ سَالِمٍ الْأَسَدِيُّ الْكُوفِيُّ الْمُقْرِئُ الْحَنَّاطُ ، مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا اسْمُهُ ، وَقِيلَ : اسْمُهُ مُحَمَّدٌ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ، ثِقَةٌ عَابِدٌ إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَبُرَ سَاءَ حِفْظُهُ ، وَكِتَابُهُ صَحِيحٌ وَرِوَايَتُهُ فِي مُقَدِّمَةِ مُسْلِمٍ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ فِي مُقَدِّمَةِ فَتْحِ الْبَارِي : قَالَ أَحْمَدُ : ثِقَةٌ وَرُبَّمَا غَلِطَ ، وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ : لَمْ يَكُنْ فِي شُيُوخِنَا أَكْثَرُ غَلَطًا مِنْهُ ، وَسُئِلَ أَبُو حَاتِمٍ عَنْهُ وَعَنْ شَرِيكٍ فَقَالَ : هُمَا فِي الْحِفْظِ سَوَاءٌ غَيْرَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَصَحُّ كِتَابًا ، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ وَقَالَ : لَمْ أَجِدْ لَهُ حَدِيثًا مُنْكَرًا مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ عَنْهُ ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : كَانَ يَحْيَى الْقَطَّانُ ، وَعَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ يُسِيئَانِ الرَّأْيَ فِيهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَبُرَ سَاءَ حِفْظُهُ فَكَانَ يَهِمُ ، وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ كَانَ ثِقَةً صَدُوقًا عَالِمًا بِالْحَدِيثِ إِلَّا أَنَّهُ كَثِيرُ الْغَلَطِ ، وَقَالَ الْعِجْلِيُّ : كَانَ ثِقَةً صَاحِبَ سُنَّةٍ وَكَانَ يُخْطِئُ بَعْضَ الْخَطَأِ ، وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ : كَانَ لَهُ فِقْهٌ وَعِلْمٌ وَرِوَايَةٌ وَفِي حَدِيثِهِ اضْطِرَابٌ . قُلْتُ : لَمْ يَرْوِ لَهُ مُسْلِمٌ إِلَّا شَيْئًا فِي مُقَدِّمَةِ صَحِيحِهِ ، وَرَوَى لَهُ الْبُخَارِيُّ أَحَادِيثَ . قُلْتُ : ثُمَّ ذَكَرَ الْحَافِظُ أَحَادِيثَ أَكْثَرُهَا بِمُتَابَعَةِ غَيْرِهِ . قَوْلُهُ : ( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ وَلَا يَمَسُّ الْمَاءَ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجُنُبَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنَامَ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ وَقَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ لَكِنَّ الْحَدِيثَ فِيهِ مَقَالٌ كَمَا سَتَقِفُ ، وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ ) يَعْنِي أَنَّ غَيْرَ وَاحِدٍ رَوَوْا عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ هَذَا اللَّفْظَ ، وَخَالَفَهُمْ أَبُو إِسْحَاقَ فَرَوَى عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ وَلَا يَمَسُّ مَاءً . ( وَيَرَوْنَ أَنَّ هَذَا غَلَطٌ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْعَارِضَةِ : تَفْسِيرُ غَلَطِ أَبِي إِسْحَاقَ هُوَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ هَهُنَا مُخْتَصَرًا اقْتَطَعَهُ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ فَأَخْطَأَ فِي اخْتِصَارِهِ إِيَّاهُ ، وَنَصُّ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ مَا رَوَاهُ أَبُو غَسَّانَ حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ : أَتَيْتُ الْأَسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ وَكَانَ لِي أَخًا وَصَدِيقًا ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا عَمْرٍو حَدِّثْنِي مَا حَدَّثَتْكَ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَيُحْيِي آخِرَهُ ، ثُمَّ إِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ قَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ يَنَامُ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ مَاءً ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ النِّدَاءِ الْأَوَّلِ وَثَبَ ، وَرُبَّمَا قَالَتْ قَامَ ، فَأَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ - وَمَا قَالَتِ اغْتَسَلَ وَأَنَا أَعْلَمُ مَا تُرِيدُ - وَإِنْ نَامَ جُنُبًا تَوَضَّأَ وُضُوءَ الرَّجُلِ لِلصَّلَاةِ . فَهَذَا الْحَدِيثُ الطَّوِيلُ فِيهِ : وَإِنْ نَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ وُضُوءَ الصَّلَاةِ ، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ : فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ قَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ يَنَامُ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ مَاءً ، أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَحَدَ وَجْهَيْنِ : إِمَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْحَاجَةِ حَاجَةَ الْإِنْسَانِ مِنَ الْبَوْلِ وَالْغَاية فَيَقْضِيهَا ثُمَّ يَسْتَنْجِي وَلَا يَمَسُّ مَاءً وَيَنَامُ ، فَإِنْ وَطِئَ تَوَضَّأَ كَمَا فِي آخِرِ الْحَدِيثِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْحَاجَةِ حَاجَةَ الْوَطْءِ ، وَبِقَوْلِهِ : ثُمَّ يَنَامُ وَلَا يَمَسُّ مَاءً ، يَعْنِي مَاءَ الِاغْتِسَالِ ، وَمَتى لَمْ يُحْمَلْ الْحَدِيثُ عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ تَنَاقَضَ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ ، فَتَوَهَّمَ أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّ الْحَاجَةَ هِيَ حَاجَةُ الْوَطْءِ فَنَقَلَ الْحَدِيثَ عَلَى مَعْنَى مَا فَهِمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ . قُلْتُ : وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ . قَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ بِصَحِيحٍ ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : هُوَ وَهْمٌ ، وقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ : هُوَ خَطَأٌ ، وَقَالَ مُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ : لَا يَحِلُّ أَنْ يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ ، وَفِي عِلَلِ الْأَثْرَمِ لَوْ لَمْ يُخَالِفْ أَبَا إِسْحَاقَ فِي هَذَا إِلَّا إِبْرَاهِيمُ وَحْدَهُ لَكَفَى ، قَالَ ابْنُ مُفَوَّزٍ : أَجْمَعَ الْمُحَدِّثُونَ أَنَّهُ خَطَأٌ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَتَسَاهَلَ فِي نَقْلِ الْإِجْمَاعِ فَقَدْ صَحَّحَ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ : إِنَّ أَبَا إِسْحَاقَ قَدْ بَيَّنَ سَمَاعَهُ مِنَ الْأَسْوَدِ فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ عَنْهُ .
بَاب فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرَيْنِ 17 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، وَقُتَيْبَةُ قَالَا : نا وَكِيعٌ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَتِهِ ، فَقَالَ : الْتَمِسْ لِي ثَلَاثَةَ أَحْجَارٍ . قَالَ : فَأَتَيْتُهُ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ ، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ ، وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ ، وَقَالَ : إِنَّهَا رِكْسٌ . قَالَ أَبُو عِيسَى : وَهَكَذَا رَوَى قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ ، وَرَوَى مَعْمَرٌ ، وَعَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، وَرَوَى زُهَيْرٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِيهِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، وَرَوَى زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ . وَهَذَا حَدِيثٌ فِيهِ اضْطِرَابٌ قَالَ أَبُو عِيسَى : سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَيُّ الرِّوَايَاتِ فِي هَذَا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَصَحُّ ؟ فَلَمْ يَقْضِ فِيهِ بِشَيْءٍ . وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا ، فَلَمْ يَقْضِ فِيهِ بِشَيْءٍ ، وَكَأَنَّهُ رَأَى حَدِيثَ زُهَيْرٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَشْبَهَ ، وَوَضَعَهُ فِي كِتَابِ الْجَامِعِ . وَأَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا عِنْدِي حَدِيثُ إِسْرَائِيلَ ، وَقَيْسٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ؛ لِأَنَّ إِسْرَائِيلَ أَثْبَتُ وَأَحْفَظُ لِحَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ مِنْ هَؤُلَاءِ ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ . وَسَمِعْت أَبَا مُوسَى مُحَمَّدَ بْنَ الْمُثَنَّى يَقُولُ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ يَقُولُ : مَا فَاتَنِي الَّذِي فَاتَنِي مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ إِلَّا لِمَا اتَّكَلْتُ بِهِ عَلَى إِسْرَائِيلَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَأْتِي بِهِ أَتَمَّ . قَالَ أَبُو عِيسَى : وَزُهَيْرٌ فِي أَبِي إِسْحَاقَ لَيْسَ بِذَاكَ ؛ لِأَنَّ سَمَاعَهُ مِنْهُ بِأخِرَةٍ . سَمِعْت أَحْمَدَ بْنَ الْحَسَنِ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ : إِذَا سَمِعْتَ الْحَدِيثَ عَنْ زَائِدَةَ ، وَزُهَيْرٍ فَلَا تُبَالِي أَنْ لَا تَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِهِمَا إِلَّا حَدِيثَ أَبِي إِسْحَاقَ ، وَأَبُو إِسْحَاقَ اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّبِيعِيُّ الْهَمْدَانِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ ، وَلَا نعْرفُ اسْمهُ . باب في الاستنجاء بالحجرين : قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ) هُوَ اِبْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ لَا اِسْمَ لَهُ غَيْرُهَا . وَيُقَالُ : اِسْمُهُ عَامِرٌ ، كُوفِيٌّ ثِقَةٌ ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ سَمَاعُهُ مِنْ أَبِيهِ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ . ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ) هُوَ اِبْنُ مَسْعُودِ بْنُ غَافِلٍ بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ فَاءٍ مَكْسُورَةٍ اِبْنُ حَبِيبٍ ، أبو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكُوفِيُّ ، أَحَدُ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ وَصَاحِبُ النَّعْلَيْنِ ، شَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ اِثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ عَنْ بِضْعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً . قَوْلُهُ : ( فَأَتَيْتُهُ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ ) زَادَ اِبْنُ خُزَيْمَةَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِنَّهَا كَانَتْ رَوْثَةَ حِمَارٍ ، وَنَقَلَ التَّمِيمِيُّ أَنَّ الرَّوْثَ مُخْتَصٌّ بِمَا يَكُونُ مِنْ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ : فَوَجَدْتُ الْحَجَرَيْنِ وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْ ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً ، فَأَتَيْتُ بِهَا ، أَيْ بِالثَّلَاثَةِ مِنْ الْحَجَرَيْنِ وَالرَّوْثَةِ ( فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ ) اِسْتَدَلَّ بِهِ الطَّحَاوِيُّ عَلَى عَدَمِ اِشْتِرَاطِ الثَّلَاثَةِ ، قَالَ : لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُشْتَرَطًا لَطَلَبَ ثَالِثًا ، كَذَا قَالَ ، وَغَفَلَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَمَّا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَإِنَّ فِيهِ : فَأَلْقَى الرَّوْثَةَ ، وَقَالَ : إِنَّهَا رِكْسٌ ، اِئْتِنِي بِحَجَرٍ ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ أَثْبَاتٌ ، وَقَدْ تَابَعَ عَلَيْهِ مَعْمَرًا ، أَبُو شَيْبَةَ الْوَاسِطِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَتَابَعَهُمَا عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ أَحَدُ الثِّقَاتِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ أَبَا إِسْحَاقَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَلْقَمَةَ ، لَكِنْ أَثْبَتَ سَمَاعَهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْهُ الْكَرَابِيسِيُّ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ عَنْهُ ، فَالْمُرْسَلُ حُجَّةٌ عِنْدَ الْمُخَالِفِينَ وَعِنْدَنَا أَيْضًا إِذَا اُعْتُضِدَ ، قَالَهُ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي . وَتَعَقَّبَ عَلَيْهِ الْعَيْنِيُّ فِي عُمْدَةِ الْقَارِي ص 737 ج 1 شَرْحِ الْبُخَارِيِّ فَقَالَ : لَمْ يَغْفُلْ الطَّحَاوِيُّ عَنْ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا الَّذِي نَسَبَهُ إِلَى الْغَفْلَةِ هُوَ الْغَافِلُ ، وَكَيْفَ يَغْفُلُ عَنْ ذَلِكَ وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَهُ عَدَمُ سَمَاعِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، فَالْحَدِيثُ عِنْدَهُ مُنْقَطِعٌ ، وَالْمُحَدِّثُ لَا يَرَى الْعَمَلَ بِهِ ، وَأَبُو شَيْبَةَ الْوَاسِطِيُّ ضَعِيفٌ ، فَلَا يُعْتَبَرُ بِمُتَابَعَتِهِ ، فَاَلَّذِي يَدَّعِي صَنْعَةَ الْحَدِيثِ كَيْفَ يَرْضَى بِهَذَا الْكَلَامِ . انْتَهَى . قُلْتُ : هَذَا غَفْلَةٌ شَدِيدَةٌ مِنْ الْعَيْنِيِّ ، فَإِنَّ الطَّحَاوِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَدْ اِحْتَجَّ بِحَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ شَرْحِ الْآثَارِ فَمِنْهَا مَا قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ قَالَ : ثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : ثَنَا حدَيْجُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عن ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : لَيْتَ الَّذِي يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ مُلِئَ فُوهُ تُرَابًا . سَلَّمْنَا أَنَّ أَبَا شَيْبَةَ ضَعِيفٌ ، فَلَا يُعْتَبَرُ بِمُتَابَعَتِهِ ، لَكِنَّ عَمَّارَ بْنَ رُزَيْقٍ ثِقَةٌ وَهُوَ قَدْ تَابَعَهُمَا ، فَمُتَابَعَتُهُ مُعْتَبَرَةٌ بِلَا شَكٍّ عَلَا أَنَّ قَوْلَ الطَّحَاوِيِّ : لَوْ كَانَ مُشْتَرَطًا لَطَلَبَ ثَالِثًا فِيهِ نَظَرٌ ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ ثَالِثًا بِنَفْسِهِ مِنْ دُونِ طَلَبٍ ، أَوْ اِسْتَنْجَى بِحَجَرٍ وَطَرَفَيْ حَجَرٍ آخَرَ ، وَبِالِاحْتِمَالِ لَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ ، قَالَ الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ : قَالَ اِبْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ : وَحَدِيثُ الْبُخَارِيِّ لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَخَذَ حَجَرًا ثَالِثًا مَكَانَ الرَّوْثَةِ ، وَبِالِاحْتِمَالِ لَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَالُ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ : إِنَّهَا رِكْسٌ ) كَذَا وَقَعَ هَاهُنَا بِكَسْرِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْكَافِ ، فَقِيلَ : هِيَ لُغَةٌ فِي رِجْسٍ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ اِبْنِ مَاجَهْ ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَإِنَّهَا عِنْدَهُمَا بِالْجِيمِ ، وَقِيلَ الرِّكْسُ الرَّجِيعُ ، رُدَّ مِنْ حَالَةِ الطَّهَارَةِ إِلَى حَالَةِ النَّجَاسَةِ ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ : رُدَّ مِنْ حَالَةِ الطَّعَامِ إِلَى حَالَةِ الرَّوْثِ ، كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي . قَوْلُهُ : ( وَهَكَذَا رَوَى قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ ) الْأَسَدِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْكُوفِيُّ ، صَدُوقٌ تَغَيَّرَ لَمَّا كَبِرَ ، وَأَدْخَلَ عَلَيْهِ اِبْنُهُ مَا لَيْسَ مِنْ حَدِيثِهِ ، فَحَدَّثَ بِهِ . ( وَهَذَا حَدِيثٌ فِيهِ اِضْطِرَابٌ ) أَيْ فِي سَنَدِهِ اِضْطِرَابٌ ، فَأَصْحَابُ أَبِي إِسْحَاقَ يَخْتَلِفُونَ عَلَيْهِ ، كَمَا بَيَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ ( سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) هُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ الدَّارِمِيُّ الحافظ صَاحِبُ الْمُسْنَدِ ، وَتَقَدَّمَ تَرْجَمَتُهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ . ( وسَأَلْتُ مُحَمَّدًا ) هُوَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ( وَكَأَنَّهُ ) أَيْ مُحَمَّد الْبُخَارِيُّ ( أَشْبَهُ ) أَيْ بِالصِّحَّةِ وَأَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ ( وَوَضَعَهُ فِي كِتَابِهِ الْجَامِعِ ) أَيْ الْجَامِعِ الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ بِصَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي بَابٍ لَا يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ . ( لِأَنَّ إِسْرَائِيلَ أَثْبَتُ وَأَحْفَظُ لِحَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ مِنْ هَؤُلَاءِ ) أَيْ مَعْمَرٍ ، وَعَمَّارِ ابْنِ رُزَيْقٍ ، وَزُهَيْرٍ ، وَزَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ . ( وَتَابَعَهُ ) أَيْ إِسْرَائِيلُ ( عَلَى ذَلِكَ ) أَيْ عَلَى رِوَايَتِهِ عَنْ أبي إسحاق ، عن أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ . ( قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ ) بِالرَّفْعِ فَاعِلُ تَابَعَ ( وَزُهَيْرُ فِي أَبِي إِسْحَاقَ ) أَيْ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ليس بذاك ؛ أي : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ( لِأَنَّ سَمَاعَهُ مِنْهُ ) أَيْ لِأَنَّ سَمَاعَ زُهَيْرٍ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ ( بِأَخَرَةِ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْخَاءِ ؛ أَيْ : فِي آخِرِ عُمُرِهِ وفِي نُسْخَةٍ قَلَمِيَّةٍ صَحِيحَةٍ بِآخِرِه . اِعْلَمْ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ رحمه الله رَجَّحَ رِوَايَةَ إِسْرَائِيلَ عَلَى رِوَايَةِ زُهَيْرٍ الَّتِي وَضَعَهَا الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، وَعَلَى رِوَايَاتِ مَعْمَرٍ وَغَيْرِهِ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ إِسْرَائِيلَ أَثْبَتُ وَأَحْفَظُ لِحَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ مِنْ زُهَيْرٍ ، وَمَعْمَرٍ وَغَيْرِهِمَا . الثَّانِي : أَنَّ قَيْسَ بْنَ الرَّبِيعِ تَابَعَ إِسْرَائِيلَ عَلَى رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ . الثَّالِثُ : أَنَّ سَمَاعَ إِسْرَائِيلَ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ لَيْسَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ ، وَسَمَاعَ زُهَيْرٍ مِنْهُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ . قُلْتُ : فِي كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ نَظَرٌ ، فَمَا قَالَ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَهُوَ مُعَارَضٌ بِمَا قَالَ الْآجُرِّيُّ : سَأَلْتُ أَبَا دَاوُدَ ، عَنْ زُهَيْرٍ ، وَإِسْرَائِيلَ فِي أَبِي إِسْحَاقَ فَقَالَ : زُهَيْرُ فَوْقَ إِسْرَائِيلَ بِكَثِيرٍ ، وَمَا قَالَ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي مِنْ مُتَابَعَةِ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ لِرِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ ، فَإِنَّ شَرِيكًا الْقَاضِيَ تَابَعَ زُهَيْرًا ، وَشَرِيكُ أَوْثَقُ مِنْ قَيْسٍ ، وَأَيْضًا تَابَعَ زُهَيْرًا ، إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ ، وَابْنُ حَمَّادٍ الْحَنَفِيُّ ، وَأَبُو مَرْيَمَ ، وَزَكَرِيَّا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، وَمَا قَالَ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ فَهُوَ مُعَارَضٌ بِمَا قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ : قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : حَدِيثُ زَكَرِيَّا ، وَإِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ لَيِّنٌ ، سَمِعَا مِنْهُ بِآخِرِه ، فَظَهَرَ الْآنَ أَنَّهُ لَيْسَ لِتَرْجِيحِ رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ وَجْهٌ صَحِيحٌ ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ التَّرْجِيحَ لِرِوَايَةِ زُهَيْرٍ الَّتِي رَجَّحَهَا الْبُخَارِيُّ وَوَضَعَهَا فِي صَحِيحِهِ . قَالَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ فِي مُقَدِّمَةِ فَتْحِ الْبَارِي ص 403 : حَكَى اِبْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي زُرْعَةَ أَنَّهُمَا رَجَّحَا رِوَايَةَ إِسْرَائِيلَ ، وَكَانَّ التِّرْمِذِيَّ تَبِعَهُمَا فِي ذَلِكَ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الَّذِي رَجَّحَهُ الْبُخَارِيُّ هُوَ الْأَرْجَحُ ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ مَجْمُوعَ كَلَامِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ مُشْعِرٌ بِأَنَّ الرَّاجِحُ عَلَى الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا أمَّا طَرِيقُ إِسْرَائِيلَ وَهِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ فَيَكُونُ الْإِسْنَادُ مُنْقَطِعًا ، أَوْ رِوَايَةُ زُهَيْرٍ وَهِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ فَيَكُونُ مُتَّصِلًا ، وَهُوَ تَصَرُّفٌ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ الْأَسَانِيدَ فِيهِ إِلَى زُهَيْرٍ وَإِلَى إِسْرَائِيلَ أَثْبَتُ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَسَانِيدِ ، وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ كَانَ دَعْوَى الِاضْطِرَابِ فِي الْحَدِيثِ مَنْفِيَّةً ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ عَلَى الْحُفَّاظِ فِي الْحَدِيثِ لَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مُضْطَرِبًا إِلَّا بِشَرْطَيْنِ : أَحَدُهُمَا اِسْتِوَاءُ وُجُوهِ الِاخْتِلَافِ ؛ فَمَتَى رَجَحَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ قُدِّمَ ، وَلَا يُعَلُّ الصَّحِيحُ بِالْمَرْجُوحِ ، وَثَانِيهِمَا مَعَ الِاسْتِوَاءِ أَنْ يَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ عَلَى قَوَاعِدِ الْمُحَدِّثِينَ أَوْ يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ ذَلِكَ الْحَافِظَ لَمْ يَضْبِطْ ذَلِكَ الْحَدِيثَ بِعَيْنِهِ ، فَحِينَئِذٍ يُحْكَمُ عَلَى تِلْكَ الرِّوَايَةِ وَحْدَهَا بِالِاضْطِرَابِ ، وَيَتَوَقَّفُ عَلَى الْحُكْمِ بِصِحَّةِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ لِذَلِكَ ، وَهَاهُنَا يَظْهَرُ عَدَمُ اِسْتِوَاءِ وُجُوهِ الِاخْتِلَافِ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ فِيهِ; لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ الْمُخْتَلِفَةَ عَنْهُ لَا يَخْلُو إِسْنَادٌ مِنْهَا مِنْ مَقَالٍ غَيْرِ الطَّرِيقَيْنِ الْمُقَدَّمُ ذِكْرُهُمَا عَنْ زُهَيْرٍ وَعَنْ إِسْرَائِيلَ ، مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ رَدُّ أَكْثَرِ الطُّرُقِ إِلَى رِوَايَةِ زُهَيْرٍ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ بَعْدَ ذَلِكَ تَقْدِيمُ رِوَايَةِ زُهَيْرٍ ؛ لِأَنَّ يُوسُفَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ قَدْ تَابَعَ زُهَيْرًا ، وَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ كَرِوَايَةِ زُهَيْرٍ ، وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ مِنْ طَرِيقِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سَلِيمٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ ، كَرِوَايَةِ زُهَيْرٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، وَلَيْثٌ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفَ الْحِفْظِ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ بِهِ وَيُسْتَشْهَدُ ، فَيُعْرَفُ أَنَّ لَهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ أَصْلًا . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ الْحَسَنِ ) اِبْنَ جُنَيْدِبٍ التِّرْمِذِيَّ الْحَافِظَ الْجَوَّالَ كَانَ مِنْ تَلَامِذَةِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ . رَوَى عَنْ : أَبِي عَاصِمٍ ، وَالْفِرْيَابِيِّ ، وَيَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ ، وَعَنْهُ : الْبُخَارِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَكَانَ أَحَدَ أَوْعِيَةِ الْحَدِيثِ ، مَاتَ سَنَةَ 205 خَمْسٍ وَمِائَتَيْنِ . ( إِذَا سَمِعْتُ الْحَدِيثَ عَنْ زَائِدَةَ ) هُوَ اِبْنُ قُدَامَةَ الثَّقَفِيُّ أَبُو الصَّلْتِ الْكُوفِيُّ أَحَدُ الْأَعْلَامِ ، رَوَى عَنْ : سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، وَزِيَادِ بْنِ عَلَاقَةَ ، وَعَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ ، وَعَنْهُ : اِبْنُ عُيَيْنَةَ ، وَابْنُ مَهْدِيٍّ وَغَيْرُهُمَا ، وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ ، مَاتَ غَازِيًا بِأَرْضِ الرُّومِ سَنَةَ 162 اِثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ . كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ ، وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ : ثِقَةٌ ثَبْتٌ صَاحِبُ سُنَّةٍ ( وَزُهَيْرٍ ) تَقَدَّمَ تَرْجَمَتُهُ آنِفًا . ( إِلَّا حَدِيثَ أَبِي إِسْحَاقَ ) قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : قَالَ أَحْمَدُ : زُهَيْرٌ سَمِعَ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ بِأَخَرَةٍ ، وَقَالَ فِي هَامِشِهَا نَقْلًا عَنْ التَّهْذِيبِ : وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ : ثِقَةٌ ، إِلَّا أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ بَعْدَ الِاخْتِلَاطِ . انْتَهَى . ( وَأَبُو إِسْحَاقَ اِسْمُهُ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّبِيعِيُّ الْهَمْدَانِيُّ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : مُكْثِرٌ ثِقَةٌ عَابِدٌ مِنْ الثَّالِثَةِ ، يَعْنِي مِنْ أَوْسَاطِ التَّابِعِينَ ، اِخْتَلَطَ بِآخِرِه ، مَاتَ سَنَةَ 129 تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ، وَقِيلَ قَبْلَ ذَلِكَ . انْتَهَى ، وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : أَحَدُ أَعْلَامِ التَّابِعِينَ . قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : ثِقَةٌ ، يُشْبِهُ الزُّهْرِيَّ فِي الْكَثْرَةِ . وَقَالَ حُمَيْدٌ الرُّؤَاسِيُّ : سَمِعَ مِنْهُ اِبْنُ عُيَيْنَةَ بَعْدَمَا اِخْتَلَطَ . انْتَهَى . قُلْتُ : هُوَ مُدَلِّسٌ ، صَرَّحَ بِهِ الْحَافِظُ فِي طَبَقَاتِ الْمُدَلِّسِينَ ( وَلَا يُعْرَفُ اِسْمُهُ ) اِسْمُهُ عَامِرٌ ، لَكِنَّهُ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ) الْهُذَلِيُّ مَوْلَاهُمْ الْكُوفِيُّ ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكَرَابِيسِيُّ الْحَافِظُ ، رَبِيبُ شُعْبَةٍ ، جَالَسَهُ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً ، لَقَبُهُ غُنْدَرٌ . قَالَ اِبْنُ مَعِينٍ : كَانَ مِنْ أَصَحِّ النَّاسِ كِتَابًا . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : مَاتَ سَنَةَ 193 ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ . وَقَالَ اِبْنُ سَعْدٍ : سَنَةَ أَرْبَعٍ ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ : ثِقَةٌ ، صَحِيحُ الْكِتَابِ ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ غَفْلَةً . انْتَهَى . ( عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَارِقٍ الْجُمَلِيِّ الْمُرَادِيِّ الْكُوفِيِّ الْأَعْمَى ، ثِقَةٌ ، عَابِدٌ ، كَانَ لَا يُدَلِّسُ ، وَرُمِيَ بِالْإِرْجَاءِ . قَوْلُهُ : ( سَأَلْتُ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : هَلْ تَذْكُرُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ شَيْئًا ؟ قَالَ : لَا ) هَذَا نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ فِي أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ شَيْئًا وَهُوَ الْقَوْلُ الرَّاجِحُ . قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ لَا اِسْمَ لَهُ غَيْرُهَا ، وَيُقَالُ : اِسْمُهُ عَامِرٌ ، كُوفِيٌّ ، ثِقَةٌ ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ سَمَاعُهُ مِنْ أَبِيهِ ، وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ . ذَكَرَهُ اِبْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ، وَقَالَ : لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ شَيْئًا . وَقَالَ اِبْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْمَرَاسِيلِ : قُلْتُ لِأَبِي : هَلْ سَمِعَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ أَبِيهِ؟ قَالَ : يُقَالُ : إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ . انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : أَبُو عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ . انْتَهَى . تَنْبِيهٌ : قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ رَادًّا عَلَى الْحَافِظِ مَا لَفْظُهُ : وَأَمَّا قَوْلُ هَذَا الْقَائِلِ : أَبُو عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ فَمَرْدُودٌ بِمَا ذُكِرَ فِي الْمُعْجَمِ الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَتَّابٍ الْكُوفِيُّ ، سَمِعْتُ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ : كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ . الْحَدِيثَ . وَبِمَا أَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ فِي ذِكْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَصَحَّحَ إِسْنَادَهُ ، وَبِمَا حَسَّنَ التِّرْمِذِيُّ عِدَّةَ أَحَادِيثَ رَوَاهَا عَنْ أَبِيهِ ، مِنْهَا : لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ ، وجِيءَ بِالْأَسْرَى ، وَمِنْهَا كَانَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمِنْ شَرْطِ الْحَدِيثِ الْحَسَنِ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلَ الْإِسْنَادِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ ، انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ . قُلْتُ : لَا بُدَّ لِلْعَيْنِيِّ أَنْ يُثْبِتَ أَوَّلًا صِحَّةَ رِوَايَةِ الْمُعْجَمِ الْأَوْسَطِ ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَسْتَدِلَّ بِهَا عَلَى صِحَّةِ سَمَاعِ أَبِي عُبَيْدَةَ من أبيه ، وَدُونهُ خَرْطُ الْقَتَادِ ، وَأَمَّا اِسْتِدْلَالُهُ عَلَى سَمَاعِهِ مِنْ أَبِيهِ بِمَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَتَصْحِيحُهُ فَعَجِيبٌ جِدًّا . فَإِنَّ تَسَاهُلَهُ مَشْهُورٌ ، وَقَدْ ثَبَتَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ نَفْسِهِ عَدَمُ سَمَاعِهِ مِنْ أَبِيهِ كَمَا عَرَفْتُ ، وَأَمَّا اِسْتِدْلَالُهُ عَلَى ذَلِكَ بِمَا حَسَّنَ التِّرْمِذِيُّ عِدَّةَ أَحَادِيثَ رَوَاهَا عَنْ أَبِيهِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى أَنَّ التِّرْمِذِيَّ قَدْ يُحَسِّنُ الْحَدِيثَ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِانْقِطَاعِهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي الْمُقَدِّمَةِ .
بَاب مَا جَاءَ : ويل للأعقاب من النار 41 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ . وَفِي الْبَاب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَعَائِشَةَ وَجَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ وَمُعَيْقِيبٍ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَشُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ . قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ وَبُطُونِ الْأَقْدَامِ مِنْ النَّارِ . وَفِقْهُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْقَدَمَيْنِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا خُفَّانِ أَوْ جَوْرَبَانِ . بَاب مَا جَاءَ : ويل للأعقاب من النار قَوْلُهُ : ( ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ) بْنِ عُبَيْدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُهَنِيُّ مَوْلَاهُمْ الْمَدَنِيُّ صَدُوقٌ كَانَ يُحَدِّثُ مِنْ كُتُبِ غَيْرِهِ فَيُخْطِئُ ، قَالَ النَّسَائِيُّ : حَدِيثُهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيِّ مُنْكَرٌ مِنَ الثَّامِنَةِ . قَوْلُهُ : ( وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ ) الْوَيْلُ الْحُزْنُ وَالْهَلَاكُ وَالْمَشَقَّةُ مِنَ الْعَذَابِ ، كَذَا فِي الْمَجْمَعِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : اخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ عَلَى أَقْوَالٍ ، أَظْهَرُهَا مَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا ، وَيْلٌ : وَادٍ فِي جَهَنَّمَ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَجَازَ الِابْتِدَاءُ بِالنَّكِرَةِ ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ . انْتَهَى ، وَالْأَعْقَابُ جَمْعُ عَقِبٍ بِفَتْحِ عَيْنٍ وَكَسْرِ قَافٍ ، وَبِفَتْحِ عَيْنٍ وَكَسْرِهَا مَعَ سُكُونِ قَافٍ : مُؤَخَّرُ الْقَدَمِ ، قَالَ الْبَغَوِيُّ مَعْنَاهُ : وَيْلٌ لِأَصْحَابِ الْأَعْقَابِ الْمُقَصِّرِينَ فِي غَسْلِهَا ، وَقِيلَ : أَرَادَ أَنَّ الْعَقِبَ مُخْتَصٌّ بِالْعِقَابِ ، وحديث أبي هريرة هذا مختصر ، وَرَوَاهُ غَيْرُهُ مُطَوَّلًا ، فَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : تَخَلَّفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنَّا فِي سُفْرَةٍ ، فَأَدْرَكَنَا -وَقَدْ أُرْهِقْنَا- الْعَصْرُ ، فَجَعَلْنَا نَتَوَضَّأُ وَنَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ ، وَأَنَّ الْمَسْحَ لَا يُجْزِئُ ، قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ : لَوْ كَانَ الْمَاسِحُ مُؤَدِّيًا لِلْفَرْضِ لَمَا تُوُعِّدَ بِالنَّارِ ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا كَتب الْخِلَافِ مِنَ الشِّيعَةِ أَنَّ الْوَاجِبَ الْمَسْحُ أَخْذًا بِظَاهِرِ قِرَاءَةِ : وَأَرْجُلِكُمْ بِالْخَفْضِ ، وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صِفَةِ وُضُوئِهِ أَنَّهُ غَسَلَ رِجْلَيْهِ وَهُوَ الْمُبَيِّنُ لِأَمْرِ اللَّهِ ، وَقد قَالَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَنْبَسَةَ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ مُطَوَّلًا فِي فَضْلِ الْوُضُوءِ : ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافُ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَنَسٍ ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُمْ الرُّجُوعُ عَنْ ذَلِكَ ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى : أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ ، رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ ، وَابْنُ حَزْمٍ أَنَّ الْمَسْحَ مَنْسُوخٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَعَائِشَةَ ، وَجَابِرِ ، بن عَبْدِ اللَّهِ ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، وَمُعَيْقِيبٍ ، وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ، وَشُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ) أَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ بِلَفْظِ : وَيْلٌ لِلْعَرَاقِيبِ مِنَ النَّارِ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا كَذَا فِي عُمْدَةِ الْقَارِي ص 656 ج 1 ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ فَسَيَجِيءُ تَخْرِيجُهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ مُعَيْقِيبٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِمِثْلِ حَدِيثِ الْبَابِ ، قَالَ الْهَيْثَمِيُّ : وَفِيهِ أَيُّوبُ بْنُ عُتْبَةَ وَالْأَكْثَرُ عَلَى تَضْعِيفِهِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ، وَشُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ، فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ : أَتِمُّوا الْوُضُوءَ وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ . قُلْتُ : وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، أَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ ، وَمِنْ حَدِيثِ أَخِيهِ ، وَمِنْ حَدِيثِهِمَا مَعًا وَمِنْ حَدِيثِ أَحَدِهِمَا عَلَى الشَّكِّ ، قَالَهُ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ ، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ كَذَا فِي النَّيْلِ ، وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ أُخْرَى ذَكَرَهَا الْعَيْنِيُّ فِي عُمْدَةِ الْقَارِي ص 656 ج 1 بِأَلْفَاظِهَا مَنْ شَاءَ الْوُقُوفَ عَلَيْهَا فَلْيَرْاجِعْ إِلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ( وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ وَبُطُونِ الْأَقْدَامِ مِنَ النَّارِ ) . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ : هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جُزْءٍ الزُّبَيْدِيِّ مَرْفُوعًا ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ . انْتَهَى ( وَفِقْهُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْقَدَمَيْنِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا خُفَّانِ أَوْ جَوْرَبَانِ ) إِذْ لَوْ جَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْقَدَمَيْنِ لَمْ يَدْعُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمَاسِحِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ بِالْوَيْلِ مِنَ النَّارِ ، وَقَوْلُهُ : جَوْرَبَانِ تَثْنِيَةُ جَوْرَبٍ وَيَجِيءُ تَفْسِيرُهُ وَحُكْمُ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا .
بَاب فِي الْوُضُوءِ لِلْجُنُبِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ 120 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَنَامُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ إِذَا تَوَضَّأَ . وَفِي الْبَاب عَنْ عَمَّارٍ وَعَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأُمِّ سَلَمَةَ قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ ابن عُمَرَ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَصَحُّ ، وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ قَالُوا : إِذَا أَرَادَ الْجُنُبُ أَنْ يَنَامَ تَوَضَّأَ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ . بَاب فِي الْوُضُوءِ لِلْجُنُبِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ قَوْلُهُ : ( قَالَ نَعَمْ إِذَا تَوَضَّأَ ) الْمُرَادُ بِهِ الْوُضُوءُ الشَّرْعِيُّ لَا اللُّغَوِيُّ ، لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ فَرْجَهُ وَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : أَيْ تَوَضَّأَ وُضُوءً كَمَا لِلصَّلَاةِ ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّهُ تَوَضَّأَ لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ تَوَضَّأَ وُضُوءًا شَرْعِيًّا لَا لُغَوِيًّا . انْتَهَى . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ غَيْرُ وَاجِبٍ؟ فَالْجُمْهُورُ قَالُوا بِالثَّانِي ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ وَلَا يَمَسُّ مَاءً ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِيهِ مَقَالًا لَا يَنْتَهِضُ بِهِ لِلِاسْتِدْلَالِ ، وَبِحَدِيثِ طَوَافِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ عَلَى الْمُدَّعَى هُنَا دَلِيلٌ ، وَبِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا : إِنَّمَا أُمِرْتُ بِالْوُضُوءِ إِذَا قُمْتُ إِلَى الصَّلَاةِ . وَلَيْسَ فِيهِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى الْمُدَّعَى كَمَا لَا يَخْفَى ، وَذَهَبَ دَاوُدُ وَجَمَاعَةٌ إِلَى الْأَوَّلِ لِوُرُودِ الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ ، فَفِي رِوَايَةِ لِلْبُخَارِيِّ ، وَمُسْلِمٍ : لِيَتَوَضَّأْ ثُمَّ لِيَنَمْ ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا : تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ نَمْ . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ بِحَمْلِ الْأَمْرِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَنَامُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ : نَعَمْ وَيَتَوَضَّأُ إِنْ شَاءَ . انْتَهَى . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ ، عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ وَلَا يَمَسُّ مَاءً . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ فَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَلَوْ صَحِّ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا يَعْنِي لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ ، بَلْ كَانَ لَهُ جَوَابَانِ : أَحَدُهُمَا جَوَابُ الْإِمَامَيْنِ الْجَلِيلَيْنِ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ شريح ، وَأَبِي بَكْرٍ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ لَا يَمَسُّ مَاءً لِلْغُسْلِ وَالثَّانِي وَهُوَ عِنْدِي حَسَنٌ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ كَانَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لَا يَمَسُّ مَاءً أَصْلًا لِبَيَانِ الْجَوَازِ إِذْ لَوْ وَاظَبَ عَلَيْهِ لَتُوُهِّمَ وُجُوبُهُ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَمَّارٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَجَابِرٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ عَمَّارٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْهَا قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ فَرْجَهُ وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ . وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَطْعَمَ غَسَلَ يَدَيْهِ . قَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ : رِجَالُهُ ثِقَاتٌ . قَوْلُهُ : ( قَالُوا : إِذَا أَرَادَ الْجُنُبُ أَنْ يَنَامَ تَوَضَّأَ ) أَيْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ . وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ كَمَا تَقْدَمَ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً 42 حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، وَهَنَّادٌ ، وَقُتَيْبَةُ ، قَالُوا : ثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ . ح وَثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قال : ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً . وَفِي الْبَاب عَنْ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَبُرَيْدَةَ وَأبِي رَافِعٍ وَابْنِ الْفَاكِهِ . قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَصَحُّ ، وَرَوَى رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ شُرَحْبِيلَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً . وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ ، وَالصَّحِيحُ مَا رَوَى ابْنُ عَجْلَانَ ، وَهِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . بَاب مَا جَاءَ فِي الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً قَوْلُهُ ( عَنْ سُفْيَانَ ) هُوَ الثَّوْرِيُّ ؛ لِأَنَّ أَبَا نُعَيْمٍ صَرَّحَ بِهِ فِي كِتَابِهِ ، قَالَهُ الْعَيْنِيُّ ( تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ مِنَ الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً ، وَلِهَذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَوْ كَانَ الْوَاجِبُ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثَلَاثًا لَمَا اقْتَصَرَ عَلَى مَرَّةً مَرَّةً . قَالَ النَّوَوِيُّ : قَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي غَسْلِ الْأَعْضَاءِ مَرَّةً مَرَّةً ، وَعَلَى أَنَّ الثَّلَاثَ سُنَّةٌ ، وَقَدْ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِالْغَسْلِ مَرَّةً مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ، وَثَلَاثًا ثَلَاثًا ، وَبَعْضِ الْأَعْضَاءِ ثَلَاثًا وَبَعْضِهَا مَرَّتَيْنِ ، وَالِاخْتِلَافُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَأَنَّ الثَّلَاثَ هِيَ الْكَمَالُ ، وَالْوَاحِدَةُ تُجْزِئُ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ ، وَجَابِرٍ ، وَبُرَيْدَةَ ، وَأَبِي رَافِعٍ ، وَابْنِ الْفَاكِهِ ) أَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَأَمَّا حَدِيثُ بُرَيْدَةَ فَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ فَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ أَيْضًا والدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ الْفَاكِهِ فَأَخْرَجَهُ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِهِ ، وَفِيهِ عَدِيُّ بْنُ الْفَضْلِ ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ حَدِيثَ ابْنِ الْفَاكِهِ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ . قُلْتُ : وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ ، وَعَنْ عِكْرَاشِ بْنِ ذُؤَيْبٍ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ ، وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَصَحُّ ) أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا مُسْلِمًا . قَوْلُهُ : ( وَرَوَى رِشْدِينُ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ( بْنُ سَعْدٍ ) الْمَهْرِيُّ أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِصْرِيُّ ضَعِيفٌ ، رَجَّحَ أَبُو حَاتِمٍ عَلَيْهِ ابْنَ لَهِيعَةَ ، وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ : كَانَ صَالِحًا فِي دِينِهِ ، فَأَدْرَكَتْهُ غَفْلَةُ الصَّالِحِينَ فخلط فِي الْحَدِيثِ ، مِنَ السَّابِعَةِ ( وَغَيْرُهُ ) كَابْنِ لَهِيعَةَ ( عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ شُرَحْبِيلَ ) الْغَافِقِيِّ الْمِصْرِيِّ صَدُوقٌ يَهِمُ مِنَ الرَّابِعَةِ ، وَرِوَايَةُ رِشْدِينَ هَذِهِ أَخْرَجَهَا ابْنُ مَاجَهْ ( وَالصَّحِيحُ مَا رَوَى ابْنُ عَجْلَانَ ، وَهِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ) الْمَدَنِيُّ صَدُوقٌ لَهُ أَوْهَامٌ وَرُمِيَ بِالتَّشَيُّعِ ، مِنْ كِبَارِ السَّابِعَةِ ( وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ) بْنِ عُبَيْدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُهَنِيُّ مَوْلَاهُمْ ، الْمَدَنِيُّ صَدُوقٌ كَانَ يُحَدِّثُ مِنْ كُتُبِ غَيْرِهِ فَيُخْطِئُ ، قَالَ النَّسَائِيُّ : حَدِيثُهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيِّ مُنْكَرٌ ، مِنَ الثَّامِنَةِ .
بَاب الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحِجَارَةِ 16 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، نا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ : قِيلَ لِسَلْمَانَ : قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ . فَقَالَ سَلْمَانُ : أَجَلْ ، نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ ببَوْلٍ ، أو أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ ، أَوْ أَنْ يَسْتَنْجِيَ أَحَدُنَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ . وَفِي الْبَاب عَنْ عَائِشَةَ وَخُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ وَجَابِرٍ وَخَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ . قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ سَلْمَانَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وقَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ رَأَوْا أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْحِجَارَةِ يُجْزِئُ ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَنْجِ بِالْمَاءِ إِذَا أَنْقَى أَثَرَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ ، وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ . باب الاستنجاء بالحجارة : قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ) تَقَدَّمَ ( عَنْ الْأَعْمَشِ ) تَقَدَّمَ ( عَنْ إِبْرَاهِيمَ ) هُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ قَيْسِ بْنِ الْأَسْوَدِ النَّخَعِيُّ الْكُوفِيُّ الْفَقِيهُ ، ثِقَةٌ إِلَّا أَنَّهُ يُرْسِلُ كَثِيرًا ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ) بْنِ قَيْسٍ النَّخَعِيِّ أَبُو بَكْرٍ الْكُوفِيُّ ، ثِقَةٌ . قَوْلُهُ : ( قِيلَ لِسَلْمَانَ ) الْفَارِسِيِّ ، وَيُقَالُ لَهُ : سَلْمَانُ الْخَيْرُ ، وَسُئِلَ عَنْ نَسَبِهِ ، فَقَالَ : أَنَا سَلْمَانُ بْنُ الْإِسْلَامِ ، أَصْلُهُ مِنْ فَارِسَ ، أَسْلَمَ مَقْدَمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الصَّحَابَةِ وَزُهَّادِهِمْ وَفُضَلَائِهِمْ ، وَالْقَائِلُونَ هُمْ الْمُشْرِكُونَ كَمَا فِي رِوَايَةِ اِبْنِ مَاجَهْ ، قَالَ لَهُ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : قَالَ لَنَا الْمُشْرِكُونَ . ( حَتَّى الْخِرَاءَةَ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْخِرَاءَةُ بِكَسْرِ الْخَاءِ مَمْدُودَةَ الْأَلِفِ : أَدَبُ التَّخَلِّي وَالْقُعُودِ عِنْدَ الْحَاجَةِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الْخِرَاءَةُ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَبِالْمَدِّ وَهُوَ اِسْمٌ لِهَيْئَةِ الْحَدَثِ ، وَأَمَّا نَفْسُ الْحَدَثِ فَبِحَذْفِ التَّاءِ وَبِالْمَدِّ مَعَ فَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِهَا . انْتَهَى . ( أَجَلْ ) بِسُكُونِ اللَّامِ : حَرْفُ إِيجَابٍ ، بِمَعْنَى نَعَمْ ( أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ ) الِاسْتِنْجَاءُ إزالة النجاسة بالماء ، أو الحجارة ، والنهي عن الاستنجاء بِالْيَمِينِ ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى إِكْرَامِهَا وَصِيَانَتِهَا عَنْ الْأَقْذَارِ وَنَحْوِهَا . ( أَوْ أَنْ يَسْتَنْجِيَ أَحَدُنَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ : وَلَا نَكْتَفِي بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ بَيَانُ أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْأَحْجَارِ أَحَدُ الطُّهْرَيْنِ ، وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَسْتَعْمِلْ الْمَاءَ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ الْحِجَارَةِ ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ . وَفِي قَوْلِهِ : وأَنْ يَسْتَنْجِيَ أَحَدُنَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ : الْبَيَانُ الْوَاضِحُ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ لَا يَجُوزُ ، وَإِنْ وَقَعَ الْإِنْقَاءُ بِمَا دُونَهَا ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْإِنْقَاءَ حَسْبُ لَمْ يَكُنْ لِاشْتِرَاطِ عَدَدِ الثَّلَاثِ مَعْنًى ، إِذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْإِنْقَاءَ يَقَعُ بِالْمَسْحَةِ الْوَاحِدَةِ وَبِالْمَسْحَتَيْنِ ، فَلَمَّا اِشْتَرَطَ الْعَدَدَ لَفْظًا وَعَلِمَ الْإِنْقَاءَ فِيهِ مَعْنًى دَلَّ عَلَى إِيجَابِ الْأَمْرَيْنِ . انْتَهَى مُخْتَصَرًا . قَالَ الْمُظْهِر : الِاسْتِنْجَاءُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ وَاجِبٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَإِنْ حَصَلَ النَّقَاءُ بِأَقَلَّ ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ النَّقَاءُ مُتَعَيَّنٌ لَا الْعَدَدُ . انْتَهَى . وَاسْتَدَلَّ لِلشَّافِعِيِّ بِحَدِيثِ الْبَابِ ، وَاسْتَدَلَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ اِسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ . قَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ : هَذَا يَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى جَوَازِ الِاسْتِنْجَاءِ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ، وَعَدَمِ شَرْطِ الْإِيتَارِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ . انْتَهَى . قُلْتُ : حَدِيثُ مَنْ اِسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَهُوَ بِظَاهِرِهِ مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ سَلْمَانَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ ، وَحَدِيثُ سَلْمَانَ أَصَحُّ مِنْهُ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ ، أَوْ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِمَا قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ مَا لَفْظُهُ : وَأَخَذَ بِهَذَا - أَيْ بِحَدِيثِ سَلْمَانَ - الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ ، فَاشْتَرَطُوا أَنْ لَا يَنْقُصَ مِنْ الثَّلَاثِ مَعَ مُرَاعَاةِ الْإِنْقَاءِ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ بِهَا ، فَيُزَادُ مَتَى يُنْقَى ، وَيُسْتَحَبُّ حِينَئِذٍ الْإِيتَارُ ؛ لِقَوْلِهِ : مَنْ اِسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ لِزِيَادَةٍ فِي أَبِي دَاوُدَ حَسَنَةِ الْإِسْنَادِ قَالَ : وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ ، وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ فِي هَذَا الْبَابِ . انْتَهَى . وَقَالَ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الْمُنْتَقَى بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ مَا لَفْظُهُ : وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْقَطْعَ عَلَى وِتْرٍ سَنَةٌ فِيمَا زَادَ عَلَى ثَلَاثَ جَمْعًا بَيْنَ النُّصُوصِ . انْتَهَى . ( أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ عَظْمٍ ) لَفْظُ : أَوْ لِلْعَطْفِ لَا لِلشَّكِّ ، وَمَعْنَاهُ الْوَاوُ ؛ أَيْ : نَهَانَا عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِهِمَا ، وَالرَّجِيعُ هُوَ الرَّوْثُ وَالْعَذِرَةُ ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ; لِأَنَّهُ رَجَعَ عَنْ حَالَتِهِ الْأُولَى بَعْدَ أَنْ كَانَ طَعَامًا أَوْ عَلَفًا ، وَالرَّوْثُ هُوَ رَجِيعُ ذَوَاتِ الْحَوَافِرِ . وَجَاءَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ فِي رِوَايَةِ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ : رَجِيعُ دَابَّةٍ ، وَأَمَّا عَذِرَةُ الْإِنْسَانِ فَهِيَ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّهَا رِكْسٌ . وَأَمَّا عِلَّةُ النَّهْيِ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالرَّجِيعِ وَالْعَظْمِ فَيَأْتِي بَيَانُهَا فِي بَابِ كَرَاهِيَةِ مَا يُسْتَنْجَى بِهِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَخُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ ، وَجَابِرٍ ، وَخَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ ) أَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالدَّارِمِيُّ بِلَفْظِ : قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْغَائِطِ فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ يَسْتَطِيبُ بِهِنَّ ، فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ ثُمَّ الْمُنْذِرِيُّ . وَأَمَّا حَدِيثُ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ : سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الِاسْتِطَابَةِ ، فَقَالَ : بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ لَيْسَ فِيهَا رَجِيعٌ ، وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ ثُمَّ الْمُنْذِرِيُّ . وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا اِسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ ثَلَاثًا . قَالَ الْهَيْثَمِيُّ : رِجَالُهُ ثِقَاتٌ . وَأَمَّا حَدِيثُ السَّائِبِ وَالِدِ خَلَّادٍ فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْخَلَاءَ فَلْيَمْسَحْ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ . قَالَ الْهَيْثَمِيُّ : وَفِيهِ حَمَّادُ بْنُ الْجَعْدِ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى ضَعْفِهِ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ سَلْمَانَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَخْ ) وَهُوَ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ ، يَدُلُّ عَلَيْهِ أَحَادِيثُ الْبَابِ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ 43 حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، قَالَا : نَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ . قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ ثَوْبَانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ ، وَهذا إِسْنَادٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَفِي الْبَاب عَنْ جَابِرٍ وَقَدْ رَوَي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا . بَاب مَا جَاءَ فِي الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ) الْقُشَيْرِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ ، ثِقَةٌ عَابِدٌ ، مِنَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ( نَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ أَبُو الْحُسَيْنِ الْعُكْلِيُّ ؛ أَصْلُهُ مِنْ خُرَاسَانَ وَكَانَ بِالْكُوفَةِ وَرَحَلَ فِي الْحَدِيثِ فَأَكْثَرَ مِنْهُ ، وَهُوَ صَدُوقٌ يُخْطِئُ فِي حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ ، مِنَ التَّاسِعَةِ ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ ) الْعَنْسِيِّ الدِّمَشْقِيِّ الزَّاهِدِ ، صَدُوقٌ يُخْطِئُ وَرُمِيَ بِالْقَدَرِ ، وَتَغَيَّرَ بِأَخَرَه ، مِنَ السَّابِعَةِ ( حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ ) الْهَاشِمِيُّ الْمَدَنِيُّ ثِقَةٌ ، مِنَ الرَّابِعَةِ ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الْأَعْرَجِ ) الْمَدَنِيِّ ثِقَةٌ ثبت عَالِمٌ ، مِنَ الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ : ( تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ) أَيْ غَسَلَ أَعْضَاءَ وُضُوئِهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّوَضُّؤَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ يَجُوزُ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ إِلَخْ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ ) أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبُخَارِيُّ ( وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ) يَجِيءُ تَخْرِيجُهُ فِي الْبَابِ الْآتِي .
بَاب مَا جَاءَ إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ 108 حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : إِذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ وَجَبَ الْغُسْلُ فَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاغْتَسَلْنَا . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ . ( بَابُ مَا جَاءَ إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ إِلَخْ ) الْمُرَادُ بِالْخِتَانَانِ خِتَانُ الرَّجُلِ وَخِفَاضُ الْمَرْأَةِ ، وَخِتَانُ الرَّجُلِ هُوَ مَقْطَعُ جِلْدَةِ كَمَرَتِهِ ، وَخِفَاضُ الْمَرْأَةِ هُوَ مَقْطَعُ جُليدَةٍ فِي أَعْلَى فَرْجِهَا تُشْبِهُ عُرْفَ الدِّيكِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَدْخَلِ الذَّكَرِ جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ ، وَإِنَّمَا ثُنِّيَا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ تَغْلِيبًا ، وَلَهُ نَظَائِرُ وَقَاعِدَتُهُ رَدُّ الْأَثْقَلِ إِلَى الْأَخَفِّ وَالْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ التَّيْمِيِّ الْمَدَنِيِّ ثِقَةٌ جَلِيلٌ ، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : كَانَ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ ، عَنْ أَبِيهِ وَأَسْلَمَ الْعَدَوِيِّ ، وَعَنْهُ شُعْبَةُ ، وَمَالِكٌ وَخَلْقٌ ، وَثَّقَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ سَعْدٍ ، وَأَبُو حَاتِمٍ مَاتَ سَنَةَ 126 سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ . ( عَنْ أَبِيهِ ) أَيْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ثِقَةٌ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ بِالْمَدِينَةِ . قَالَ أَيُّوبُ : مَا رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْهُ ، مِنَ الثَّالِثَةِ ، مَاتَ سَنَةَ 106 سِتٍّ وَمِائَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، قُلْتُ : هُوَ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ بِالْمَدِينَةِ ، رَوَى عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ وَطَائِفَةٍ ، وَعَنْهُ الشَّعْبِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ وَخَلْقٌ ، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : كَانَ ثِقَةً عَالِمًا فَقِيهًا إِمَامًا كَثِيرَ الْحَدِيثِ . قَوْلُهُ : ( إِذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ ) الْأَوَّلُ بِالرَّفْعِ وَالثَّانِي بِالنَّصْبِ ، وَالْخِتَانُ هُوَ مَوْضِعُ الْقَطْعِ مِنْ فَرْجِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَخْتُونًا أَمْ لَا وَالْمُرَادُ بِمُجَاوَزَةِ الْخِتَانِ الْخِتَانَ الْجِمَاعُ وَهُوَ غَيْبُوبَةُ الْحَشَفَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَتَوَارَتِ الْحَشَفَةُ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ . ( وَجَبَ الْغُسْلُ ) بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ اسْمٌ لِلِاغْتِسَالِ ( فَعَلْتُهُ ) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى مَصْدَرِ جَاوَزَ ( أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) بِالرَّفْعِ أَوْ النَّصْبِ ( فَاغْتَسَلْنَا ) ظَاهِرُهُ أَنَّهَا تَعْنِي بِغَيْرِ إِنْزَالٍ وَأَنَّهُ نَاسِخٌ لِمَفْهُومِ حَدِيثِ : إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَلَفْظُهُ : إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ ، وَلِمُسْلِمٍ ، وَأَحْمَدَ : وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَتَقَدَّمَ لَفْظُهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْحَازِمِيُّ فِي كِتَابِ الِاعْتِبَارِ وَلَفْظُهُ قَالَ : نَادَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا عَلَى بَطْنِ امْرَأَتِي فَقُمْتُ وَلَمْ أُنْزِلْ فَاغْتَسَلْتُ وَخَرَجْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا عَلَيْكَ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ ، قَالَ رَافِعٌ : ثُمَّ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْغُسْلِ ، قَالَ الْحَازِمِيُّ بَعْدَ رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : فِي تَحْسِينِهِ نَظَرٌ; لِأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ رِشْدِينَ وَلَيْسَ مِنْ رِجَالِ الْحَسَنِ ، وَفِيهِ أَيْضًا مَجْهُولٌ . انْتَهَى . قُلْتُ : الْأَمْرُ كَمَا قَالَ الشَّوْكَانِيُّ .
109 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ نَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ وَجَبَ الْغُسْلُ . قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، قَالَ : وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ إِذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ وَجَبَ الْغُسْلُ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَعَائِشَةُ ، وَالْفُقَهَاءِ مِنْ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِثْلِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ قَالُوا : إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ) ابْنِ جُدْعَانَ التَّيْمِيِّ الْبَصْرِيِّ أَصْلُهُ حِجَازِيٌّ ضَعِيفٌ ، رَوَى عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَعَنْهُ قَتَادَةُ ، وَالسُّفْيَانَانِ ، وَالْحَمَّادَانِ وَخَلْقٌ . قَالَ أَحْمَدُ ، وَأَبُو زُرْعَةَ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ : سَيِّئُ الْحِفْظِ ، وَقَالَ شُعْبَةُ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِطَ ، وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ : ثِقَةٌ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : صَدُوقٌ إِلَّا أَنَّهُ رُبَّمَا يَرْفَعُ الشَّيْءَ الَّذِي يُوقِفُهُ غَيْرُهُ . قَوْلُهُ : ( إِذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ ) قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ : أَيْ حَاذَى أَحَدُهُمَا الْآخَرَ سَوَاءٌ تَلَامَسَا أَوْ لَا ، كَمَا إِذَا لَفَّ الذَّكَرَ بِالثَّوْبِ وَأَدْخَلَ . انْتَهَى ، قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : وَرَدَ الْحَدِيثُ بِلَفْظِ الْمُحَاذَاةِ وَبِلَفْظِ الْمُلَاقَاةِ وَبِلَفْظِ الْمُلَامَسَةِ وَبِلَفْظِ الْإِلْصَاقِ ، وَالْمُرَادُ بِالْمُلَاقَاةِ الْمُحَاذَاةُ ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ : إِذَا غَابَتِ الْحَشَفَةُ فِي الْفَرْجِ فَقَدْ وَقَعَتِ الْمُلَاقَاةُ . قَالَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ : وَهَكَذَا مَعْنَى مَسِّ الْخِتَانِ الْخِتَانَ أَيْ قَارَبَهُ وَدَانَاهُ ، وَمَعْنَى إِلْزَاقِ الْخِتَانِ بِالْخِتَانِ إِلْصَاقُهُ بِهِ ، وَمَعْنَى الْمُجَاوَزَةِ ظَاهِرٌ . قَالَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ حَاكِيًا عَنِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ : وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ اللَّمْسِ وَلَا حَقِيقَةَ الْمُلَاقَاةِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْمَجَازِ ، وَالْكِنَايَةِ عَنِ الشَّيْءِ بِمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مُلَابَسَةٌ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَذَلِكَ أَنَّ خِتَانَ الْمَرْأَةِ فِي أَعْلَى الْفَرْجِ وَلَا يَمَسُّهُ الذَّكَرُ فِي الْجِمَاعِ . وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ وَضَعَ ذَكَرَهُ عَلَى خِتَانِهَا وَلَمْ يُولِجْهُ لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَا بُدَّ مِنْ قَدْرٍ زَائِدٍ عَلَى الْمُلَاقَاةِ وَهُوَ مَا وَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِ بِلَفْظِ : إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَتَوَارَتِ الْحَشَفَةُ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ . انْتَهَى ، قُلْتُ : فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَالْحَدِيثُ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَابْنُ الْقَطَّانِ ، وَأَعَلَّهُ الْبُخَارِيُّ بِأَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ أَخْطَأَ فِيهِ ، وَرَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ مُرْسَلًا ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ أَبَا الزِّنَادِ قَالَ : سَأَلْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ سَمِعْتُ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْئًا ؟ فَقَالَ : لَا ، وَأَجَابَ مَنْ صَحَّحَهُ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْقَاسِمُ كَانَ نَسِيَهُ ثُمَّ تَذَكَّرَ فَحَدَّثَ بِهِ ابْنَهُ أَوْ كَانَ حَدَّثَ بِهِ ابنه ثُمَّ نَسِيَ ، وَلَا يَخْلُو الْجَوَابُ عَنْ نَظَرٍ . قَالَ الْحَافِظُ : وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ بِلَفْظِ : إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلُهُ صَحِيحٌ لَكِنْ فِيهِ تَغَييرٌ ، وَتَبِعَ فِي ذَلِكَ ابْنَ الصَّلَاحِ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَخْ ) ، قَالَ النَّوَوِيُّ : اعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ مُجْتَمِعَةٌ الْآنَ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ بِالْجِمَاعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِنْزَالٌ ، وَكَانَتْ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ إِلَّا بِالْإِنْزَالِ ثُمَّ رَجَعَ بَعْضُهُمْ وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ بَعْدَ الْآخَرِينَ . انْتَهَى ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : إِيجَابُ الْغُسْلِ أَطْبَقَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَمَا خَالَفَ فِيهِ إِلَّا دَاوُدُ وَلَا عِبْرَةَ بِخِلَافِهِ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَأَمَّا نَفْيُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ الْخِلَافَ فَمُعْتَرَضٌ ، فَإِنَّهُ مَشْهُورٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ثَبَتَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ ، لَكِنْ ادَّعَى ابْنُ الْقَصَّارِ أَنَّ الْخِلَافَ ارْتَفَعَ بَيْنَ التَّابِعِينَ ، وَهُوَ مُعْتَرَضٌ أَيْضًا ، فَقَدْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّهُ قَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَسَمَّى بَعْضَهُمْ ، قَالَ : وَمِنَ التَّابِعِينَ الْأَعْمَشُ ، وَتَبِعَهُ عِيَاضٌ لَكِنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ بَعْدَ الصَّحَابَةِ غَيْرُهُ ، وَهُوَ مُعْتَرَضٌ أَيْضًا ، فَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ : حَدِيثُ الْمَاءِ مِنَ الْمَاءِ ثَابِتٌ لَكِنَّهُ مَنْسُوخٌ ، إِلَى أَنْ قَالَ : فَخَالَفَنَا بَعْضُ أَهْلِ نَاحِيَتِنَا يَعْنِي مِنَ الْحِجَازِيِّينَ فَقَالُوا : لَا يَجِبُ الْغُسْلُ حَتَّى يُنْزِلَ اهـ ، فَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ الْخِلَافَ كَانَ مَشْهُورًا بَيْنَ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، لَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى إِيجَابِ الْغُسْلِ وَهُوَ الصَّوَابُ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . قُلْتُ : لَا شَكَّ فِي أَنَّ مَذْهَبَ الْجُمْهُورِ هُوَ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ . وَأَمَّا حَدِيثُ الْمَاءِ مِنَ الْمَاءِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ فَهُوَ مَنْسُوخٌ ، وَيَأْتِي بَيَانُ النَّسْخِ فِي الْبَابِ الْآتِي .
بَاب مَا جَاءَ فِي الْوُضُوءِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا 44 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي حَيَّةَ ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا . وَفِي الْبَاب عَنْ عُثْمَانَ وَعَائِشَةَ وَالرُّبَيِّعِ وَابْنِ عُمَرَ وعائشة وَأَبِي أُمَامَةَ وَأَبِي رَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْروٍ وَمُعَاوِيَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَأُبَيِّ ذر . قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ عَلِيٍّ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَصَحُّ ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْوُضُوءَ يُجْزِئُ مَرَّةً مَرَّةً ، وَمَرَّتَيْنِ أَفْضَلُ ، وَأَفْضَلُهُ ثَلَاثٌ ، وَلَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ . وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : لَا آمَنُ إِذَا زَادَ فِي الْوُضُوءِ عَلَى الثَّلَاثِ أَنْ يَأْثَمَ . وَقَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ : لَا يَزِيدُ عَلَى الثَّلَاثِ إِلَّا رَجُلٌ مُبْتَلًى . بَاب مَا جَاءَ فِي الْوُضُوءِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا قَوْلُهُ : ( نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ) بْنُ حَسَّانٍ الْعَنْبَرِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو سَعِيدٍ الْبَصْرِيُّ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ حَافِظٌ عَارِفٌ بِالرِّجَالِ وَالْحَدِيثِ ، قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : مَا رَأَيْتُ أَعْلَمَ مِنْهُ ، مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ بِالْبَصْرَةِ عَنْ ثَلَاثَ وَسِتِّينَ سَنَةً ( عَنْ سُفْيَانَ ) هُوَ الثَّوْرِيُّ ( عَنْ أَبِي حَيَّةَ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ ابْنِ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيِّ الْوَادِعِيِّ قِيلَ : اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ نَصْرٍ ، وَقِيلَ : اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ ، وَقِيلَ : اسْمُهُ عَامِرُ بْنُ الْحَارِثِ ، وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ : لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ ، مَقْبُولٌ ، مِنَ الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ : ( تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ) قَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَأَنَّ الثَّلَاثَ سُنَّةٌ لِثُبُوتِ الِاقْتِصَارِ مِنْ فِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَمَرَّتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عُثْمَانَ ، وَالرُّبَيِّعِ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَعَائِشَةَ ، وَأَبِي أُمَامَةَ ، وَأَبِي رَافِعٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَمُعَاوِيَةَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَجَابِرٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، وَأَبِي ذَرٍّ ) أَمَّا حَدِيثُ عُثْمَانَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ بِلَفْظِ حَدِيثِ الْبَابِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ الرُّبَيِّعِ وَهِيَ بِنْتُ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَرَفَعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ فَأَخْرَجَهُ ثَابِتُ بْنُ الْقَاسِمِ السَّرَقُسْطِيُّ فِي كِتَابِ الدَّلَائِلِ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَمَّا حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ فَفِي كِتَابِ الْمُفْرَدِ لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي جَمَلَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدِ الْمَلِكِ : حَدَّثَنِي أَبُو خَالِدٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا . كَذَا فِي عُمْدَةِ الْقَارِي ص 748 ج 1 وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ أَخْرَجَهَا أَصْحَابُ الصِّحَاحِ السِّتَّةِ وَغَيْرُهُمْ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ عَلِيٍّ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَصَحُّ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : لَا آمَنُ إِذَا زَادَ فِي الْوُضُوءِ عَلَى الثَّلَاثِ أَنْ يَأْثَمَ ) يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ عَنِ الْوُضُوءِ ، فَأَرَاهُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا الْوُضُوءُ ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، قَالَ الْإِمَامُ حَافِظُ الدِّينِ النَّسَفِيُّ : هَذَا إِذَا زَادَ مُعْتَقِدًا أَنَّ السُّنَّةَ هَذَا ، فَأَمَّا لَوْ زَادَ لِطُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ عِنْدَ الشَّكِّ أَوْ نِيَّةِ وُضُوءٍ آخَرَ فَلَا بَأْسَ ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ أَمَرَ بِتَرْكِ مَا يَرِيبُهُ إِلَى مَا لَا يَرِيبُهُ . انْتَهَى ، قَالَ الْقَارِي : قُلْتُ : أَمَّا قَوْلُهُ : لِطُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ عِنْدَ الشَّكِّ ، فَفِيهِ أَنَّ الشَّكَّ بَعْدَ التَّثْلِيثِ لَا وَجْهَ لَهُ ، وَإِنْ وَقَعَ بَعْدَهُ فَلَا نِهَايَةَ لَهُ وَهُوَ الْوَسْوَسَةُ ، وَلِهَذَا أَخَذَ ابْنُ الْمُبَارَكِ بِظَاهِرِهِ فَقَالَ : لَا آمَنُ إِذَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ أَنْ يَأْثَمَ . انْتَهَى ، قَالَ الْقَارِي : وَأَمَّا قَوْلُهُ : أَوْ بِنِيَّةِ وُضُوءٍ آخَرَ . فِيهِ : إِنَّ قَبْلَ الْإِتْيَانِ بِعِبَادَةٍ بَعْدَ الْوُضُوءِ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّجْدِيدُ مَعَ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ التَّجْدِيدُ إِلَّا بَعْدَ تَمَامِ الْوُضُوءِ لَا فِي الْأَثْنَاءِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : لِأَنَّهُ أَمَرَ بِتَرْكِ مَا يَرِيبُهُ إِلَخْ . فَفِيهِ أَنَّ غَسْلَ الْمَرَّةِ الْأُخْرَى مِمَّا يَرِيبُهُ فَيَنْبَغِي تَرْكُهُ إِلَى مَا لَا يَرِيبُهُ وَهُوَ مَا عَيَّنَهُ الشَّارِعُ لِيَتَخَلَّصَ عَنِ الرِّيبَةِ وَالْوَسْوَسَةِ . انْتَهَى كَلَامُ الْقَارِي . قُلْتُ : قَوْلُهُ : قَبْلَ الْإِتْيَانِ بِعِبَادَةٍ بَعْدَ الْوُضُوءِ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّجْدِيدُ . يَخْدِشُهُ إِطْلَاقُ حَدِيثِ : الْوُضُوءُ عَلَى الْوُضُوءِ نُورٌ عَلَى نُورٍ ، لَكِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ ، قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ فِي تَخْرِيجِ الْإِحْيَاءِ : لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : هُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ رَوَاهُ رَزِينٌ فِي مُسْنَدِهِ . ( وَقَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ لَا يَزِيدُ على الثَّلَاثَ إِلَّا رَجُلٌ مُبْتَلًى ) أَيْ بِالْجُنُونِ لِمَظِنَّةِ أَنَّهُ بِالزِّيَادَةِ يَحْتَاطُ لِدِينِهِ ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ : وَلَقَدْ شَاهَدْنَا مِنَ الْمُوَسْوِسِينَ مَنْ يَغْسِلُ يَدَهُ بِالْمِئِينَ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَعْتَقِدُ أَنَّ حَدَثَهُ هُوَ الْيَقِينُ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ .
بَاب كَرَاهيةِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ 15 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ ، نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ . وَفِي هَذَا الْبَاب عَنْ عَائِشَةَ وَسَلْمَانَ وَأبِي هُرَيْرَةَ وَسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَأَبُو قَتَادَةَ اسْمُهُ الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيٍّ ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ كَرِهُوا الِاسْتِنْجَاءَ بِالْيَمِينِ . باب كراهية الاستنجاء باليمين : قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيُّ ، نَزِيلُ مَكَّةَ ، وَيُقَالُ : إِنَّ أَبَا عُمَرَ كُنْيَتُهُ يَحْيَى ، صَدُوقٌ ، صَنَّفَ الْمُسْنَدَ ، وَكَانَ لَازَمَ اِبْنَ عُيَيْنَةَ ، لَكِنْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : فِيهِ غَفْلَةٌ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : رَوَى عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ ، وَخَلْقٍ ، وَعَنْهُ مُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، مَاتَ سَنَةَ 243 ثَلَاثَ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ ( عَنْ مَعْمَرِ ) بْنِ رَاشِدٍ الْأَزْدِيِّ مَوْلَاهُمْ الْبَصْرِيُّ ، نَزِيلُ الْيَمَنِ ، ثِقَةٌ ، ثَبْتٌ ، فَاضِلٌ ، إِلَّا أَنَّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ ثَابِتِ ، وَالْأَعْمَشِ ، وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ شَيْئًا ، وَكَذَا فِيمَا حَدَّثَ بِهِ بِالْبَصْرَةِ ، مِنْ كِبَارِ السَّابِعَةِ ( عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ) الطَّائِيِّ مَوْلَاهُمْ الْيَمَامِيُّ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ لَكِنَّهُ يُدَلِّسُ وَيُرْسِلُ ، مِنْ الْخَامِسَة . ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ) الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ ، ثِقَةٌ مِنْ الثَّانِيَةِ ( عَنْ أَبِيهِ ) أَيْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ السُّلَمِيِّ ، فَارِسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اِسْمُهُ الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيٍّ ، شَهِدَ أُحُدًا وَالْمَشَاهِدَ ، مَاتَ سَنَةَ 54 أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ . قَوْلُهُ : ( نَهَى أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ ) أَيْ بِيَدِهِ الْيُمْنَى ؛ تَكْرِيمًا لِلْيَمِينِ ، وَالنَّهْيُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُطْلَقٌ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِحَالَةِ الْبَوْلِ ، وَقَدْ جَاءَ مُقَيَّدًا ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بِلَفْظِ : لَا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْهُ : إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ . قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ : بَابٌ لَا يُمْسِكُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ إِذَا بَالَ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ الْمُطْلَقَ عَنْ مَسِّ الذَّكَرِ بِالْيَمِينِ كَمَا فِي الْبَابِ قَبْلَهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِحَالَةِ الْبَوْلِ ، فَيَكُونُ مَا عَدَاهُ مُبَاحًا . وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : يَكُونُ مَمْنُوعًا أَيْضًا مِنْ بَابِ الْأَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ ، مَعَ مَظِنَّةِ الْحَاجَةِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ، وَتَعَقَّبَهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ بِأَنَّ مَظِنَّةَ الْحَاجَةِ لَا تَخْتَصُّ بِحَالَةِ الِاسْتِنْجَاءِ ، وَإِنَّمَا خَصَّ النَّهْيَ بِحَالَةِ الْبَوْلِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ مُجَاوِرَ الشَّيْءِ يُعْطَى حُكْمَهُ ، فَلَمَّا مَنَعَ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْيَمِينِ مَنَعَ مَسَّ آلَتِهِ حَسْمًا لِلْمَادَّةِ ، ثُمَّ اِسْتَدَلَّ عَلَى الْإِبَاحَةِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ حِينَ سَأَلَهُ عَنْ مَسِّ ذَكَرِهِ : إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ ، فَدَلَّ عَلَى الْجَوَازِ فِي كُلِّ حَالٍ ، فَخَرَجَتْ حَالَةُ الْبَوْلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، وَبَقِيَ مَا عَدَاهَا عَلَى الْإِبَاحَةِ . انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ صَحِيحٌ أَوْ حَسَنٌ ، وَقَدْ يُقَالُ : حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، وَمَنْ قَالَ بِهِ اِشْتَرَطَ فِيهِ شُرُوطًا ، لَكِنْ نَبَّهَ اِبْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ الِاخْتِلَافِ ، إِنَّمَا هُوَ حَيْثُ يَتَغَايَرُ مَخَارِجُ الْحَدِيثِ ، بِحَيْثُ يُعَدُّ حَدِيثَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، فأَمَّا إِذَا اِتَّحَدَ الْمَخْرَجُ وَكَانَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ فَيَنْبَغِي حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِلَا خِلَافٍ ؛ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ حِينَئِذٍ يَكُونُ زِيَادَةً مِنْ عَدْلٍ فَتُقْبَلْ . انْتَهَى مَا فِي فَتْحِ الْبَارِي . قُلْتُ : لَا شَكَّ فِي أَنَّ حَدِيثَ أَبِي قَتَادَةَ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ مُطْلَقٌ ، فَالظَّاهِرُ هُوَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمُقَيَّدِ لِاتِّحَادِ الْمَخْرَجِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِلَفْظِ : وَإِذَا أَتَى الْخَلَاءَ فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْحَافِظُ بِقَوْلِهِ : أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ الْمُطْلَقَ عَنْ مَسِّ الذَّكَرِ بِالْيَمِينِ كَمَا فِي الْبَابِ قَبْلَهُ إِلَخْ ، فَفِي كَوْنِهِ مُطْلَقًا كَلَامٌ ، فَتَدَبَّرْ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَسَلْمَانَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ) أَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ عَنْهَا بِلَفْظِ قَالَتْ : كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيُمْنَى لِطَهُورِهِ وَطَعَامِهِ ، وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : إِبْرَاهِيمُ لَمْ يَسْمَعَ مِنْ عَائِشَةَ ، فَهُوَ مُنْقَطِعٌ ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ بِمَعْنَاهُ ، وَأَخْرَجَهُ فِي اللِّبَاسِ مِنْ حَدِيثِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ، وَمِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ . انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ . أَمَّا حَدِيثُ سَلْمَانَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ قَالَ : نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ . الْحَدِيثَ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ اِبْنُ مَاجَهْ ، وَالدَّارِمِيُّ ، وَفِيهِ : وَنَهَى أَنْ يَسْتَنْجِيَ الرَّجُلُ بِيَمِينِهِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ بِلَفْظِ : إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ ، وَإِذَا أَتَى الْخَلَاءَ فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ . قَوْلُهُ : ( وَأَبُو قَتَادَةَ اِسْمُهُ الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيٍّ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ ، اِبْنُ بُلْدُمَةَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ بَيْنَهُمَا لَامٌ سَاكِنَةٌ ، السَّلَمِيُّ بِفَتْحَتَيْنِ ، الْمَدَنِيُّ ، شَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا ، وَلَمْ يَصِحَّ شُهُودُهُ بَدْرًا .
بَاب مَا جَاءَ فِي الْوُضُوءِ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا 45 حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى الْفَزَارِيُّ ، نَا شَرِيكٌ ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ أَبِي صَفِيَّةَ ، قَالَ : قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ : حَدَّثَكَ جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً ، وَمَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ، وَثَلَاثًا ثَلَاثًا ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ أَبُو عِيسَى : وَرَوَى وَكِيعٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ أَبِي صَفِيَّةَ ، قَالَ : قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ : حَدَّثَكَ جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً ؟ قَالَ : نَعَمْ . حَدَّثَنَا بِذَلِكَ هَنَّادٌ ، وَقُتَيْبَةُ ، قَالَا : ثنَا وَكِيعٌ ، عَنْ ثَابِتِ . وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ هَذَا عَنْ ثَابِتٍ نَحْوَ رِوَايَةِ وَكِيعٍ ، وَشَرِيكٌ كَثِيرُ الْغَلَطِ وَثَابِتُ بْنُ أَبِي صَفِيَّةَ هُوَ أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي الْوُضُوءِ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا ) قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ السِّنْدِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : أَيْ بَابِ الْحَدِيثِ الَّذِي وَرَدَ فِي الْوُضُوءِ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا ، يَعْنِي فِي الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى ثَلَاثِ أَحْوَالٍ فِي ثَلَاث أَوْقَاتٍ ، فَيَرْجِعُ مَآلُ هَذَا الْبَابِ الْوَاحِدِ إِلَى مَجْمُوعِ الْأَبْوَابِ الثَّلَاثَةِ إِلَّا أَنَّ الْأَبْوَابَ الثَّلَاثَةَ السَّابِقَةَ بِاعْتِبَارِ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ ، وَهَذَا الْبَابُ بِاعْتِبَارِ حَدِيثٍ وَاحِدٍ لَا بِاعْتِبَارِ حَالَةٍ واحدة ، لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجْمَعْ الْأَحْوَالَ الْمَذْكُورَةَ فِي وُضُوءٍ وَاحِدٍ . انْتَهَى . ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى الْفَزَارِيُّ ) الْكُوفِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ أَوْ أَبُو إِسْحَاقَ نَسِيبُ السُّدِّيِّ أَوْ ابْنُ أُخْتِهِ أَوْ ابْنُ بِنْتِهِ ، صَدُوقٌ يُخْطِئُ ، وَرُمِيَ بِالرَّفْضِ ، مِنَ الْعَاشِرَةِ . ( عَنْ ثَابِتِ بْنِ أَبِي صَفِيَّةَ ) الثُّمَالِيِّ بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ كُنْيَتُهُ أَبُو حَمْزَةَ وَاسْمُ أَبِيهِ دِينَارٌ ، وَقِيلَ : سَعِيدٌ ، كُوفِيٌّ ضَعِيفٌ رَافِضِيٌّ ، مِنَ الْخَامِسَةِ ، مَاتَ فِي خِلَافَةِ أَبِي جَعْفَرٍ . قَوْلُهُ : ( قَالَ : قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ ) هُوَ مُحَمَّدٌ الْبَاقِرُ ( حَدَّثَكَ جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً ) أَيْ تَارَةً ( وَمَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ) أَيْ أُخْرَى ( وَثَلَاثًا ثَلَاثًا ) أَيْ أُخْرَى ( قَالَ : نَعَمْ ) . قَالَ الطِّيبِيُّ : مِنْ عَادَةِ الْمُحَدِّثِينَ أَنْ يَقُولَ الْقَارِئُ بَيْنَ يَدَيْ الشَّيْخِ : حَدَّثَكَ فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ ، برْفَعُ إِسْنَادَهُ ، وَهُوَ سَاكِتٌ يُقَرِّرُ ، وَذَلِكَ كَمَا يَقُولُ الشَّيْخُ : حَدَّثَنِي فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ ، وَيَسْمَعُهُ الطَّالِبُ . انْتَهَى . وَتَوْضِيحُهُ مَا قَالَه ابْنُ حَجَرٍ أَنَّ مِنْ أَحَدِ طُرُقِ الرِّوَايَةِ أَنْ يَقُولَ التِّلْمِيذُ لِلشَّيْخِ : حَدَّثَكَ فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ كَذَا وَالشَّيْخُ يَسْمَعُ ، فَإِذَا فَرَغَ قَالَ : نَعَمْ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الشَّيْخِ : حَدَّثَنِي فُلَانٌ إِلَخْ ، وَالتِّلْمِيذُ سَاكِتٌ ، أَيْ : يَسْمَعُ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . قُلْتُ : قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي تَدْرِيبِ الرَّاوِي : إِذَا قُرِئَ عَلَى الشَّيْخِ قَائِلًا : أَخْبَرَكَ فُلَانٌ أَوْ نَحْوُهُ كَقُلْتُ أَخْبَرَنَا فُلَانٌ وَالشَّيْخُ مُصْغٍ إِلَيْهِ فَاهِمٌ لَهُ غَيْرُ مُنْكِرٍ وَلَا مُقِرٌّ لَفْظًا صَحَّ السَّمَاعُ وَجَازَتِ الرِّوَايَةُ بِهِ اكْتِفَاءً بِالْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ نُطْقُ الشَّيْخِ بِالْإِقْرَارِ كَقَوْلِهِ : نَعَمْ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ جَمَاهِيرُ أَصْحَابِ الْفُنُونِ ، وَشَرَطَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالظَّاهِرِيِّينَ نُطْقَهُ بِهِ . انْتَهَى كَلَامُ السُّيُوطِيِّ . قَوْلُهُ : ( وَرَوَى وَكِيعٌ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَخْ ) الْفَرْقُ بَيْنَ رِوَايَةِ وَكِيعٍ ، وَشَرِيكٍ أَنَّ وَكِيعًا رَوَاهُ مُخْتَصَرًا بِلَفْظِ : تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً ، قَالَ : نَعَمْ ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ : مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا ثَلَاثًا ، وَأَمَّا شَرِيكٌ فَرَوَاهُ بِلَفْظِ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا . قَالَ : نَعَمْ ، وَحَدِيثُ شَرِيكٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا ، وَقَالَ عَلِيٌّ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ : سَنَدُهُ حَسَنٌ . قُلْتُ : فِي سَنَدِهِ شَرِيكٌ وَقَدْ عَرَفْتَ حَالَهُ ، وَأَيْضًا فِي سَنَدِهِ ثَابِتُ بْنُ أَبِي صَفِيَّةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا عَرَفْتَ ، وَلَكِنْ فِي الْبَابِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ ( وَشَرِيكٌ كَثِيرُ الْغَلَطِ ) شَرِيكٌ هَذَا هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ الْكُوفِيُّ الْقَاضِي بِوَاسِطٍ تَقَدَّمَ تَرْجَمَتُهُ .
بَاب مَا جَاءَ فِي مُصَافَحَةِ الْجُنُبِ 121 حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ نَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَهُ وَهُوَ جُنُبٌ قَالَ : فَانْخَنَسْتُ فَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ فَقَالَ : أَيْنَ كُنْتَ أَوْ أَيْنَ ذَهَبْتَ ؟ قُلْتُ : إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا ، قَالَ : إِنَّ المؤمن لَا يَنْجُسُ . وَفِي الْبَاب عَنْ حُذَيْفَةَ . قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَدْ رَخَّصَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي مُصَافَحَةِ الْجُنُبِ وَلَمْ يَرَوْا بِعَرَقِ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ بَأْسًا . بَاب مَا جَاءَ فِي مُصَافَحَةِ الْجُنُبِ قَوْلُهُ : ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَهُ ) أَيْ أَبَا هُرَيْرَةَ ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ لَقِيَنِي ( وَهُوَ جُنُبٌ ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ جُنُبًا ( قَالَ ) أَيْ أَبُو هُرَيْرَةَ ( فَانْخَنَسْتُ ) بِنُونٍ ثُمَّ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ نُونٍ ثُمَّ سِينٍ مُهْمَلَةٍ أَيْ تَنَحَّيْتُ . قَالَ فِي الْقَامُوسِ انْخَنْسَ : تَأَخَّرَ وَتَخَلَّفَ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ فَانْسَلَلْتُ ، قَالَ الْحَافِظُ : أَيْ ذَهَبْتُ فِي خُفْيَةٍ . ( فَقَالَ : أَيْنَ كُنْتَ أَوْ أَيْنَ ذَهَبْتَ ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ( إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجَسُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : يُقَالُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ وَفِي مَاضِيهِ لُغَتَانِ نَجِسَ وَنَجُسَ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَضَمِّهَا فَمَنْ كَسَرَهَا فِي الْمَاضِي فَتَحَهَا فِي الْمُضَارِعِ وَمَنْ ضَمَّهَا فِي الْمَاضِي ضَمَّهَا فِي الْمُضَارِعِ أَيْضًا . انْتَهَى . قَالَ الْحَافِظُ : تَمَسَّكَ بِمَفْهُومِهِ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ فَقَالَ : إِنَّ الْكَافِرَ نَجِسُ الْعَيْنِ ، وَقَوَّاهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ طَاهِرُ الْأَعْضَاءِ لِاعْتِيَادِهِ مُجَانَبَةَ النَّجَاسَةِ بِخِلَافِ الْمُشْرِكِ لِعَدَمِ تَحَفُّظِهِ عَنِ النَّجَاسَةِ ، وَعَنِ الْآيَةِ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمْ نَجَسٌ فِي الِاعْتِقَادِ . وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ نِكَاحَ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ عَرَقَهُنَّ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ مَنْ يُضَاجِعُهُنَّ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ مِنْ غُسْلِ الْكِتَابِيَّةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ غُسْلِ الْمُسْلِمَةِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْآدَمِيَّ الْحَيَّ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ . انْتَهَى . قَالَ الْقَارِي نَقْلًا عَنِ ابْنِ الْمَلَكِ : وَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ أَنَّ أَعْيَانَهُمْ نَجِسَةٌ كَالْخِنْزِيرِ ، وَعَنِ الْحَسَنِ مَنْ صَافَحَهُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ فَمَحْمُولٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي التَّبَعُّدِ عَنْهُمْ وَالِاحْتِرَازِ مِنْهُمْ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ حُذَيْفَةَ ) أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ عَنْهُ قَالَ : صَافَحَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا جُنُبٌ ، قَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ : فِيهِ مِنْدَلُ بْنُ عَلِيٍّ وَقَدْ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ فِي رِوَايَةٍ ، وَوَثَّقَهُ فِي أُخْرَى ، وَوَثَّقَهُ مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رَخَّصَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي مُصَافَحَةِ الْجُنُبِ وَلَمْ يَرَوْا بِعَرَقِ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ بَأْسًا ) فِي شَرْحِ السُّنَّةِ : فِيهِ - يَعْنِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ - جَوَازُ مُصَافَحَةِ الْجُنُبِ وَمُخَالَطَتِهِ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَاتَّفَقُوا عَلَى طَهَارَةِ عَرَقِ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الِاغْتِسَالِ لِلْجُنُبِ وَأَنْ يَسْعَى فِي حَوَائِجِهِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ عَلَى طَهَارَةِ عَرَقِ الْجُنُبِ لِأَنَّ بَدَنَهُ لَا يَنْجُسْ بِالْجَنَابَةِ فَكَذَلِكَ مَا تَحَلَّبَ مِنْهُ .
بَاب فِيمَنْ تَوَضَّأُ بَعْضَ وُضُوئِهِ مَرَّتَيْنِ وَبَعْضَهُ ثَلَاثًا 47 حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ، وَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ مَرَّتَيْنِ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ بَعْضَ وُضُوئِهِ مَرَّةً ، وَبَعْضَهُ ثَلَاثًا ، وَقَدْ رَخَّصَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ ، لَمْ يَرَوْا بَأْسًا أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بَعْضَ وُضُوئِهِ ثَلَاثًا وَبَعْضَهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ مَرَّةً . بَاب فِيمَنْ تَوَضَّأُ بَعْضَ وُضُوئِهِ مَرَّتَيْنِ وَبَعْضَهُ ثَلَاثًا قَوْلُهُ : ( عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ) بْنِ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي حَسَنٍ الْمَازِنِيِّ الْمَدَنِيِّ سَبْطِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ ، ثِقَةٌ ، وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ ، وَالنَّسَائِيُّ ( عَنْ أَبِيهِ ) يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ : ( تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ) كَذَا فِي النُّسْخَةِ الْحَاضِرَةِ الْمَطْبُوعَةِ وَفِي نُسْخَةٍ قَلَمِيَّةٍ عَتِيقَةٍ صَحِيحَةٍ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ مَرَّتَيْنِ بِزِيَادَةِ لَفْظِ مَرَّتَيْنِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حسن صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ مُطَوَّلًا . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ ذُكِرَ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ ) أَيْ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ . ( وَقَدْ رَخَّصَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ لَمْ يَرَوْا بَأْسًا أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بَعْضَ وُضُوئِهِ ثَلَاثًا وَبَعْضَهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ مَرَّةً ) وَهُوَ الْقَوْلُ الرَّاجِحُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ لِأَحَادِيثِ الْبَابِ .
بَاب فِي الِاسْتِتَارِ عِنْدَ الْحَاجَةِ 14 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله تعالى عنه قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ لَمْ يَرْفَعْ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنْ الْأَرْضِ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَكَذَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَنَسٍ هَذَا الْحَدِيثَ . وَرَوَى وَكِيعٌ ، والْحِمَّانِيُّ ، عَنْ الْأَعْمَشِ قَالَ : قَالَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ لَمْ يَرْفَعْ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنْ الْأَرْضِ . وَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ مُرْسَلٌ ، وَيُقَالُ : لَمْ يَسْمَعْ الْأَعْمَشُ مِنْ أَنَس بن مالك وَلَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ نَظَرَ إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : رَأَيْتُهُ يُصَلِّي . فَذَكَرَ عَنْهُ حِكَايَةً فِي الصَّلَاةِ ، وَالْأَعْمَشُ اسْمُهُ سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْكَاهِلِيُّ ، وَهُوَ مَوْلًى لَهُمْ ، قَالَ الْأَعْمَشُ : كَانَ أَبِي حَمِيلًا فَوَرَّثَهُ مَسْرُوقٌ . باب في الاستتار عند الحاجة : قَوْلُهُ : ( نَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ ) الْمُلَائِيُّ أَبُو بَكْرٍ الْكُوفِيُّ ، أَصْلُهُ بَصْرِيٌّ ، ثِقَةٌ ، حَافِظٌ . قَوْلُهُ : ( إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ ) أَيْ قَضَاءَ الْحَاجَةِ ، وَالْمَعْنَى : إِذَا أَرَادَ الْقُعُودَ لِلْغَائِطِ أَوْ لِلْبَوْلِ ( حَتَّى يَدْنُوَ مِنْ الْأَرْضِ ) أَيْ حَتَّى يَقْرُبَ مِنْهَا مُحَافَظَةً عَلَى التَّسَتُّرِ ، وَاحْتِرَازًا عَنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ . وَهَذَا مِنْ أَدَبِ قَضَاءِ الْحَاجَة . قَالَ الطِّيبِيُّ : يَسْتَوِي فِيهِ الصَّحْرَاءُ وَالْبُنْيَانُ ؛ لِأَنَّ فِي رَفْعِ الثَّوْبِ كَشْفَ الْعَوْرَةِ ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ ، وَلَا ضَرُورَةَ فِي الرَّفْعِ قَبْلَ الْقُرْبِ مِنْ الْأَرْضِ . قَوْلُهُ : ( هَكَذَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ ) الْكِلَابِيُّ الرُّؤَاسِيُّ ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ اِبْنُ عَمِّ وَكِيعٍ الْكُوفِيِّ ، عَنْ : الْأَعْمَشِ ، وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ ، وَطَائِفَةٍ . وَعَنْهُ : أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَعِينٍ ، وَزِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ ، وَخَلْقٌ . وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، والدَّارَقُطْنِيُّ . ( وَرَوَى وَكِيعٌ ، والْحِمَّانِيُّ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدَّةِ الْمِيمِ : هُوَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَبُو يَحْيَى الْكُوفِيُّ ، عَنْ الْأَعْمَشِ . وَعَنْهُ اِبْنُهُ يَحْيَى ، وَأَبُو كُرَيْبٍ . وَثَّقَهُ اِبْنُ مَعِينٍ وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ سَعْدٍ ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ . وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ : لَقَبُهُ : بَشُمَيْنٍ ، صَدُوقٌ ، يُخْطِئُ ، وَرُمِيَ بِالْإِرْجَاءِ ، مِنْ التَّاسِعَةِ ، مَاتَ سَنَةَ اِثْنَتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ . انْتَهَى . ( عَنْ الْأَعْمَشِ قَالَ : قَالَ اِبْنُ عُمَرَ إِلَخْ ) فَحَدِيثُ وَكِيعٍ والْحِمَّانِيِّ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ اِبْنِ عُمَرَ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ ومُحَمَّدِ بْنِ رَبِيعَةَ فَعَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَنَسٍ ( وَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ ) أَيْ حَدِيثُ أَنَسٍ وَحَدِيثُ اِبْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم ( مُرْسَلٌ ) أَيْ مُنْقَطِعٌ ، وَصُورَةُ الْمُرْسَلِ : أَنْ يَقُولَ التَّابِعِيُّ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَا ، أَوْ فَعَلَ كذا ، أو فعل بِحَضْرَتِهِ كَذَا ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، وَلَا يَذْكُرُ الصَّحَابِيَّ ، وَقَدْ يَجِيءُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ رَحِمَهُمْ اللَّهُ الْمُرْسَلُ وَالْمُنْقَطِعُ بِمَعْنًى ، وَالِاصْطِلَاحُ الْأَوَّلُ أَشْهَرُ ، وَذَكَرَ السُّيُوطِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَقَالَ : رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَالطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ جَابِرٍ . انْتَهَى . وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ : وَبَعْضُ أَسَانِيدِهِ صَحِيحٌ . قُلْتُ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُدَ ، وَالدَّارِمِيُّ . ( وَيُقَالُ : لَمْ يَسْمَعْ الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَنَسٍ إِلَخْ ) قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ : الْأَعْمَشُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، إِنَّمَا رَآهُ رُؤْيَةً بِمَكَّةَ يُصَلِّي خَلْفَ الْمَقَامِ . فَأَمَّا طُرُقُ الْأَعْمَشِ ، عن أَنَسٍ ، فَإِنَّمَا يَرْوِيهَا عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ . كَذَا فِي كِتَابِ الْمَرَاسِيلِ لِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ ، وَيَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ هَذَا هُوَ يَزِيدُ بْنُ أَبَانَ الرَّقَاشِيُّ ، أَبُو عَمْرٍو الْبَصْرِيُّ الْقَاصُّ ، زَاهِدٌ ضَعِيفٌ . وَقَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَلْخِيصِ السُّنَنِ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ هَذَا : وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ أَنَّ الْأَعْمَشَ رَأَى أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ، وَابْنَ أَبِي أَوْفَى وَسَمِعَ مِنْهُمَا . وَالَّذِي قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ هُوَ الْمَشْهُورُ . انْتَهَى . ( وَالْأَعْمَشُ اِسْمُهُ سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ ، ثِقَةٌ ، حَافِظٌ ، عَارِفٌ بِالْقِرَاءَةِ ، وَرِعٌ ، لَكِنَّهُ يُدَلِّسُ ، وَهُوَ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ الَّذِينَ رَأَوْا الْوَاحِدَ وَالِاثْنَيْنِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ لِبَعْضِهِمْ السَّمَاعُ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وُلِدَ سَنَةَ 61 إِحْدَى وَسِتِّينَ ، وَمَاتَ سَنَةَ 148 ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ( الْكَاهِلِيُّ وَهُوَ مَوْلَى لَهُمْ ) أَيْ نِسْبَةُ الْأَعْمَشِ إِلَى قَبِيلَةِ كَاهِلٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مَوْلَى لَهُمْ ، لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ هُوَ مِنْهُمْ صُلْبِيَّةً . قَالَ اِبْنُ الصَّلَاحِ فِي مُقَدِّمَتِهِ : النَّوْعُ الرَّابِعُ وَالسِّتُّونَ : مَعْرِفَةُ الْمَوَالِي مِنْ الرُّوَاةِ وَالْعُلَمَاءِ ، وَأَهَمُّ ذَلِكَ مَعْرِفَةُ الْمَوَالِي الْمَنْسُوبِينَ إِلَى الْقَبَائِلِ بِوَصْفِ الْإِطْلَاقِ ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ فِي الْمَنْسُوبِ إِلَى قَبِيلَةٍ - كَمَا إِذَا قِيلَ فُلَانٌ الْقُرَشِيُّ - أَنَّهُ مِنْهُمْ صُلْبِيَّةً ، فَإِذًا بَيَانُ مَنْ قِيلَ فِيهِ قُرَشِيٌّ مِنْ أَجْلِ كَوْنِهِ مَوْلًى لَهُمْ مُهِمٌّ . انْتَهَى . فَائِدَةٌ : اِعْلَمْ أَنَّ مِنْ الْمَوَالِي مَنْ يُقَالُ لَهُ مَوْلَى فُلَانٍ أَوْ لِبَنِي فُلَانٍ ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَوْلَى الْعَتَاقَةِ ، وَهَذَا هُوَ الْأَغْلَبُ فِي ذَلِكَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الْمَوْلَى وَالْمُرَادُ بِهِ وَلَاءُ الْإِسْلَامِ ، وَمِنْهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيُّ ، فَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْجُعْفِيُّ مَوْلَاهُمْ ، نُسِبَ إِلَى وَلَاءِ الْجُعْفِيِّينَ ؛ لِأَنَّ جَدَّهُ وَأَظُنُّهُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْأَحْنَفُ أَسْلَمَ ، وَكَانَ مَجُوسِيًّا ، عَلَى يَدِ الْيَمَانِ بْنِ أَخْنَسَ الْجُعْفِيِّ ، وَكَذَلِكَ الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى الْمَاسَرْخسِيُّ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ إِنَّمَا وَلَاؤُهُ لَهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ أَسْلَمَ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا عَلَى يَدَيْهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ مَوْلًى بِوَلَاءِ الْحِلْفِ وَالْمُوَالَاةِ ، كَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ الْإِمَامِ وَنَفَرِهِ هُمْ أَصْبَحِيُّونَ صُلْبِيَّةٌ ، وَيُقَالُ لَهُ : التَّيْمِيُّ ؛ لِأَنَّ نَفَرَهُ أَصْبَحَ مُوَالٍ لِتَيْمِ قُرَيْشٍ بِالْحِلْفِ ، وَقِيلَ : لِأَنَّ جَدَّهُ مَالِكَ بْنَ أَبِي عَامِرٍ كَانَ عَسِيفًا عَلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ ؛ أَيْ : أَجِيرًا ، وَطَلْحَةُ يَخْتَلِفُ بِالتِّجَارَةِ ، فَقِيلَ : هُوَ مَوْلَى التَّيْمِيِّينَ لِكَوْنِهِ مَعَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ ، وَهَذَا قِسْمٌ رَابِعٌ ، كَمَا قِيلَ فِي مِقْسَمٍ إِنَّهُ مَوْلَى اِبْنِ عَبَّاسٍ لِلُزُومِهِ إِيَّاهُ ، كَذَا فِي مُقَدِّمَةِ اِبْنِ الصَّلَاحِ . فَائِدَةٌ أُخْرَى : قَالَ اِبْنُ الصَّلَاحِ فِي مُقَدِّمَتِهِ : رَوَيْنَا عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : قَدِمْتُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَقَالَ : مِنْ أَيْنَ قَدِمْتَ يَا زُهْرِيٌّ؟ قُلْتُ : مِنْ مَكَّةَ . قَالَ : فَمَنْ خَلّفْتَ بِهَا يَسُودُ أَهْلَهَا؟ قُلْتُ : عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ . قَالَ : فَمِنْ الْعَرَبِ أَمْ مِنْ الْمَوَالِي؟ قَالَ : قُلْتُ : مِنْ الْمَوَالِي . قَالَ : وَبِمَ سَادَهُمْ؟ قُلْتُ : بِالدِّيَانَةِ وَالرِّوَايَةِ . قَالَ : إِنَّ أَهْلَ الدِّيَانَةِ وَالرِّوَايَةِ لَيَنْبَغِي أَنْ يَسُودُوا . قَالَ : فَمَنْ يَسُودُ أَهْلَ الْيَمَنِ؟ قَالَ : قُلْتُ : طَاوُسُ بْنُ كَيْسَانَ . قَالَ : فَمِنْ الْعَرَبِ أَمْ مِنْ الْمَوَالِي؟ قَالَ : قُلْتُ مِنْ الْمَوَالِي . قَالَ : وَبِمَ سَادَهُمْ؟ قُلْتُ : بِمَا سَادَهُمْ بِهِ عَطَاءٌ ، قَالَ : إِنَّهُ لَيَنْبَغِي . قَالَ : فَمَنْ يَسُودُ أَهْلَ مِصْرَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ . قَالَ : فَمِنْ الْعَرَبِ أَمْ مِنْ الْمَوَالِي؟ قَالَ : قُلْتُ مِنْ الْمَوَالِي . قَالَ : فَمَنْ يَسُودُ أَهْلَ الشَّامِ؟ قَالَ : قُلْتُ مَكْحُولٌ . قَالَ : فَمِنْ الْعَرَبِ أَمْ مِنْ الْمَوَالِي؟ قَالَ : قُلْتُ : مِنْ الْمَوَالِي ، عَبْدٌ نُوبِيٌّ أَعْتَقَتْهُ اِمْرَأَةٌ مِنْ هُذَيْلٍ . قَالَ : فَمَنْ يَسُودُ أَهْلَ الْجَزِيرَةِ؟ قُلْتُ : مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ ، قَالَ : فَمِنْ الْعَرَبِ أَمْ مِنْ الْمَوَالِي؟ قَالَ : قُلْتُ : مِنْ الْمَوَالِي . قَالَ : فَمَنْ يَسُودُ أَهْلَ خُرَاسَانَ؟ قَالَ : قُلْتُ الضَّحَّاكُ بْنَ مُزَاحِمٍ ، قَالَ : فَمِنْ الْعَرَبِ أَم مِنْ الْمَوَالِي؟ قَالَ : قُلْتُ : مِنْ الْمَوَالِي . قَالَ : فَمَنْ يَسُودُ أَهْلَ الْبَصْرَةِ؟ قَالَ : قُلْتُ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ . قَالَ : فَمِنْ الْعَرَبِ أَمْ مِنْ الْمَوَالِي؟ قَالَ : قُلْتُ : مِنْ الْمَوَالِي . قَالَ : فَمَنْ يَسُودُ أَهْلَ الْكُوفَةِ؟ قَالَ : قُلْتُ : إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ . قَالَ : فَمِنْ الْعَرَبِ أَمْ مِنْ الْمَوَالِي؟ قَالَ : قُلْتُ : مِنْ الْعَرَبِ . قَالَ : وَيْلَكَ يَا زُهْرِيٌّ ، فَرَّجْت عَنِّي ، وَاللَّهِ لَيَسُودَنَّ الْمَوَالِي عَلَى الْعَرَبِ حَتَّى يُخْطَبَ لَهَا عَلَى الْمَنَابِرِ وَالْعَرَبُ تَحْتَهَا ، قَالَ : قُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِذًا هُوَ أَمْرُ اللَّهِ وَدِينُهُ ، مَنْ حَفِظَهُ سَادَ ، وَمَنْ ضَيَّعَهُ سَقَطَ . وَفِيمَا نَرْوِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ : لَمَّا مَاتَ الْعَبَادِلَةُ صَارَ الْفِقْهُ فِي جَمِيعِ الْبُلْدَانِ إِلَى جَمِيعِ الْمَوَالِي إِلَّا الْمَدِينَةَ ، فَإِنَّ اللَّهَ حَصَّنَهَا بِقُرَشِيٍّ ، فَكَانَ فَقِيهُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ غَيْرَ مُدَافِعٍ ، قُلْتُ : وَفِي هَذَا بَعْضُ الْمَيْلِ ، لَقَدْ كَانَ حِينَئِذٍ مِنْ الْعَرَبِ غَيْرِ اِبْنِ الْمُسَيِّبِ فُقَهَاءُ أَئِمَّةٌ مَشَاهِيرُ . انْتَهَى كَلَامُ اِبْنِ الصَّلَاحِ . ( قَالَ الْأَعْمَشُ : كَانَ أَبِي حَمِيلًا فَوَرِثَهُ مَسْرُوقٌ ) أَيْ جَعَلَهُ وَارِثًا ، وَالْحَمِيلُ الَّذِي يُحْمَلُ مِنْ بِلَادِهِ صَغِيرًا إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ، كَذَا فِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ ، وَفِي تَوْرِيثِهِ مِنْ أُمِّهِ الَّتِي جَاءَتْ مَعَهُ وَقَالَتْ : إِنَّهُ هُوَ اِبْنُهَا خِلَافٌ ، فَعِنْدَ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ يَرِثُهَا ، فَلِذَلِكَ وَرِثَ وَالِدَ الْأَعْمَشِ ، أَيْ جَعَلَهُ وَارِثًا ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَرِثُ مِنْ أُمِّهِ . قَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ فِي مُوَطَّئِهِ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، أَخْبَرَنَا بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسِيِّبِ ، قَالَ : أَبَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يُوَرِّثَ أَحَدًا مِنْ الْأَعَاجِمِ إِلَّا مَا وُلِدَ فِي الْعَرَبِ ، قَالَ مُحَمَّدٌ : وَبِهَذَا نَأْخُذُ لَا يُورَثُ الْحَمِيلُ الَّذِي يُسْبَى وَتُسْبَى مَعَهُ اِمْرَأَةٌ ، وَتَقُولُ هُوَ وَلَدِي أَوْ تَقُولُ هُوَ أَخِي ، أَوْ يَقُولُ هِيَ أُخْتِي ، وَلَا نَسَبَ مِنْ الْأَنْسَابِ يُورَثُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ إِلَّا الْوَالِدُ وَالْوَلَدُ ، فَإِنَّهُ إِذَا اِدَّعَى الْوَالِدُ أَنَّهُ اِبْنُهُ وَصَدَّقَهُ فَإِنَّهُ اِبْنُهُ وَلَا يَحْتَاجُ فِي هَذَا إِلَى بَيِّنَةٍ . انْتَهَى . وَمَسْرُوقٌ هَذَا هُوَ اِبْنُ الْأَجْدَعِ بْنِ مَالِكٍ الْهَمْدَانِيُّ الْوَدَاعِيُّ ، أَبُو عَائِشَةَ الْكُوفِيُّ ، ثِقَةٌ ، فَقِيهٌ ، عَابِدٌ ، مُخَضْرَمٌ ، مِنْ الثَّانِيَةِ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ . وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : أَخَذَ عَنْ : عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَمُعَاذٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْهُ : إِبْرَاهِيمُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَخَلْقٌ . وَعَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : مَا عَلِمْتُ أَحَدًا كَانَ أَطْلَبَ لِلْعِلْمِ مِنْهُ ، وَكَانَ أَعْلَمَ للْفَتْوَى مِنْ شُرَيْحٍ ، وَكَانَ شُرَيْحٌ يَسْتَشِيرُهُ ، وَكَانَ مَسْرُوقٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى شُرَيْحٍ ، مَاتَ سَنَةَ 63 ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ ، كَذَا فِي تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ ، وَقَالَ أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ : سُمِّيَ مَسْرُوقًا ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَهُ إِنْسَانٌ فِي صِغَرِهِ ثُمَّ وُجِدَ ، وَغَيَّرَ عُمَرُ رضي الله عنه اِسْمَ أَبِيهِ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، فَأُثْبِتَ فِي الدِّيوَانِ مَسْرُوقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ . كَذَا فِي التَّهْذِيبِ . تَنْبِيهٌ : لَمْ يُشِرْ التِّرْمِذِيُّ إِلَى حَدِيثٍ آخَرَ فِي الْبَابِ . فَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَعَنْ جَابِرٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَعَنْ الْمُغِيرَةِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ .
بَاب فِي وُضُوءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ كَانَ 48 حَدَّثَنَا ، قُتَيْبَةُ وَهَنَّادٌ ، قَالَا : نَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي حَيَّةَ ، قَالَ : رَأَيْتُ عَلِيًّا تَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ حَتَّى أَنْقَاهُمَا ، ثُمَّ مَضْمَضَ ثَلَاثًا وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ، وَذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً ثُمَّ غَسَلَ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ، ثُمَّ قَامَ فَأَخَذَ فَضْلَ طَهُورِهِ فَشَرِبَهُ وَهُوَ قَائِمٌ ، ثُمَّ قَالَ : أَحْبَبْتُ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ كَانَ طُهُورُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِي الْبَاب عَنْ عُثْمَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وعائشة وَالرُّبَيِّعِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ . حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، وَهَنَّادٌ ، قَالَا : نَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ ذَكَرَ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي حَيَّةَ إِلَّا أَنَّ عَبْدَ خَيْرٍ قَالَ : كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ طُهُورِهِ أَخَذَ مِنْ فَضْلِ طَهُورِهِ بِكَفِّهِ فَشَرِبَهُ . قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ عَلِيٍّ رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ ، عَنْ أَبِي حَيَّةَ ، وَعَبْدِ خَيْرٍ ، وَالْحَارِثِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، وَقَدْ رَوَاهُ زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ ، عَنْ عَلِيٍّ حَدِيثَ الْوُضُوءِ بِطُولِهِ وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَرَوَى شُعْبَةُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ خَالِدِ بْنِ عَلْقَمَةَ فَأَخْطَأَ فِي اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ ، فَقَالَ : مَالِكُ بْنُ عُرْفُطَةَ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ ، عَنْ عَلِيٍّ . وَرُوِيَ عَنْهُ عَنْ مَالِكِ بْنِ عُرْفُطَةَ مِثْلُ رِوَايَةِ شُعْبَةَ ، وَالصَّحِيحُ خَالِدُ بْنُ عَلْقَمَةَ . بَاب فِي وُضُوءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ كَانَ قَوْلُهُ : ( نَا أَبُو الْأَحْوَصِ ) هُوَ سَلَامُ بْنُ سَلِيمٍ الْحَنَفِيُّ مَوْلَاهُمْ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ مُتْقِنٌ صَاحِبُ حَدِيثٍ مِنَ السَّابِعَةِ ( عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ) هُوَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَمْدَانِيُّ السَّبِيعِيُّ ثِقَةٌ مُدَلِّسٌ ( عَنْ أَبِي حَيَّةَ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ الْمَفْتُوحَةِ هُوَ ابْنُ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيُّ الْوَادِعِيُّ ، عَنْ عَلِيٍّ ، وَعَنْهُ أَبُو إِسْحَاقَ فَقَطْ ، قَالَ أَحْمَدُ : شَيْخٌ ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : قِيلَ : اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ نَصْرٍ ، وَقِيلَ : اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ ، وَقِيلَ : اسْمُهُ عَامِرُ بْنُ الْحَارِثِ ، وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ ، مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( تَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ) أَيْ شَرَعَ فِي الْوُضُوءِ أَوْ أَرَادَهُ فَالْفَاءُ تَعْقِيبِيَّةٌ ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا لِتَفْصِيلِ مَا أُجْمِلَ فِي قَوْلِهِ : تَوَضَّأَ قَالَهُ الْقَارِي . ( فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ) الْمُرَادُ مِنَ الْكَفَّيْنِ الْيَدَانِ إِلَى الرُّسْغَيْنِ ( حَتَّى أَنْقَاهُمَا ) أَيْ أَزَالَ الْوَسَخَ عَنْهُمَا ( وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ أَنْ يَكُونَ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَذَا فِي بَابِ مَا جَاءَ أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ مَرَّةٌ ( ثُمَّ غَسَلَ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ جَوَّزَ الْمَسْحَ عَلَى الرِّجْلَيْنِ بِغَيْرِ خُفٍّ أَوْ جَوْرَبٍ ( ثُمَّ قَامَ فَأَخَذَ فَضْلَ طَهُورِهِ ) بِفَتْحِ الطَّاءِ أَيْ بَقِيَّةَ مَائِهِ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ ( فَشَرِبَهُ وَهُوَ قَائِمٌ ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ ثُمَّ قَالَ : إِنَّ أُنَاسًا يَكْرَهُونَ الشُّرْبَ قَائِمًا وَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُ . قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ : أَمَّا شُرْبُ فَضْلِهِ فَلِأَنَّهُ مَاءٌ أَدَّى بِهِ عِبَادَةً وَهِيَ الْوُضُوءُ ، فَيَكُونُ فِيهِ بَرَكَةٌ فَيَحْسُنُ شُرْبُهُ قَائِمًا تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ أَنَّ الشُّرْبَ قَائِمًا جَائِزٌ فِيهِ . قُلْتُ : هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الشُّرْبِ قَائِمًا ، وَثَبَتَ الشُّرْبُ قَائِمًا عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ ، وَفِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيًّا كَانُوا يَشْرَبُونَ قِيَامًا ، وَكَانَ سَعْدٌ ، وَعَائِشَةُ لَا يَرَوْنَ بِذَلِكَ بَأْسًا وَثَبَتَتِ الرُّخْصَةُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ ، وَقَدْ ثَبَتَ الْمَنْعُ عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَجَرَ عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَهُ : نَهَى أَنْ يَشْرَبَ الرَّجُلُ قَائِمًا ، وَفِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدُكُمْ قَائِمًا ، فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئ ، فَسَلَكَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا مَسَالِكَ : فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِنَّ أَحَادِيثَ الْجَوَازِ أَثْبَتُ مِنْ أَحَادِيثِ النَّهْيِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِنَّ أَحَادِيثَ النَّهْيِ مَنْسُوخَةٌ بِأَحَادِيثِ الْجَوَازِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِنَّ أَحَادِيثَ النَّهْيِ مَحْمُولَةٌ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ ، وَأَحَادِيثَ الْجَوَازِ عَلَى بَيَانِهِ . قَالَ الْحَافِظُ : هَذَا أَحْسَنُ الْمَسَالِكِ وَأَسْلَمُهَا وَأَبْعَدُهَا مِنَ الِاعْتِرَاضِ ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ مَبْسُوطًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي مَوْضِعِهَا . ( ثُمَّ قَالَ ) أَيْ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( كَيْفَ كَانَ طُهُورُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) بِضَمِّ الطَّاءِ أَيْ وُضُوءُهُ وَطَهَارَتُهُ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عُثْمَانَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَعَائِشَةَ ، وَالرُّبَيِّعِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ ) أَمَّا حَدِيثُ عُثْمَانَ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ وَأَمَّا حَدِيثُ الرُّبَيِّعِ وَهِيَ بِنْتُ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ ) بْنِ يَزِيدَ الْهَمْدَانِيِّ أَبِي عُمَارَةَ الْكُوفِيِّ ، مُخَضْرَمٌ ثِقَةٌ مِنَ الثَّانِيَةِ ، لَمْ يَصِحَّ لَهُ صُحْبَةٌ ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( حَدِيثُ عَلِيٍّ رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ ) هُوَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّبِيعِيُّ ، أَيْ : رَوَى أَبُو إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ حَدِيثَ عَلِيٍّ عَنْ ثَلَاثَةَ شُيُوخِ : أَبِي حَيَّةَ ، وَعَبْدِ خَيْرٍ ، وَالْحَارِثِ ، وَهَؤُلَاءِ رَوَوْا عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رَوَاهُ زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ ، عَنْ عَلِيٍّ حَدِيثَ الْوُضُوءِ بِطُولِهِ ) أَخْرَجَ حَدِيثَ قُدَامَةَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ ، عَنْ عَلِيٍّ ، أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالدَّارِمِيُّ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ . قوله ( فَقَالَ مَالِكُ بْنُ عُرْفُطَةَ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِ الطَّاءِ ، أَيْ قَالَ شُعْبَةُ : مَالِكَ بْنَ عُرْفُطَةَ مَكَانَ خَالِدِ بْنِ عَلْقَمَةَ . وَاتَّفَقَ الْحُفَّاظُ كَالتِّرْمِذِيِّ ، وَأَبِي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ عَلَى وَهْمِ شُعْبَةَ فِي تَسْمِيَةِ شَيْخِهِ بِمَالِكِ بْنِ عُرْفُطَةَ ، وَإِنَّمَا هُوَ خَالِدُ بْنُ عَلْقَمَةَ ، قَالَ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ : قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا خَطَأٌ ، وَالصَّوَابُ : خَالِدُ بْنُ عَلْقَمَةَ لَيْسَ مَالِكَ بْنَ عُرْفُطَةَ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ إِلَخْ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ رُوِيَ مَرَّةً عَنْ أَبِي عَوَانَةَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ ، عَنْ عَلِيٍّ ، وَرُوِيَ مَرَّةً أُخْرَى عَنْ أَبِي عَوَانَةَ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ عُرْفُطَةَ ، كَمَا رَوَى شُعْبَةُ ، وَالصَّحِيحُ خَالِدُ بْنُ عَلْقَمَةَ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ : مَالِكُ بْنُ عُرْفُطَةَ إِنَّمَا هُوَ خَالِدُ بْنُ عَلْقَمَةَ ، أَخْطَأَ فِيهِ شُعْبَةُ ، قَالَ : أبو دَاوُدُ : قَالَ أَبُو عَوَانَةَ يَوْمًا : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ عُرْفُطَةَ ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ ، فَقَالَ عَمْرٌو الْأَعْصَفُ : رَحِمَكَ اللَّهُ أَبَا عَوَانَةَ هَذَا خَالِدُ بْنُ عَلْقَمَةَ ، وَلَكِنَّ شُعْبَةَ مُخْطِئٌ فِيهِ ، فَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ : هُوَ فِي كِتَابِي خَالِدُ بْنُ عَلْقَمَةَ ، وَلَكِنْ قَالَ شُعْبَةُ : هُوَ مَالِكُ بْنُ عُرْفُطَةَ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ عُرْفُطَةَ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَسَمَاعُهُ قَدِيمٌ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَلْقَمَةَ ، وَسَمَاعُهُ مُتَأَخِّرٌ ، كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ رَجَعَ إِلَى الصَّوَابِ . انْتَهَى . اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ لَيْسَتْ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ أَبِي دَاوُدَ ، قَالَ الْحَافِظُ الْمَزِّيُّ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ : وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ . انْتَهَى .
بَاب الْوُضُوءِ بَعْدَ الْغُسْلِ 107 حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى ثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْلِ . قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ أَنْ لَا يَتَوَضَّأَ بَعْدَ الْغُسْلِ . هذا حديث صحيح . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى ) الْفَزَارِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ ابْنُ بِنْتِ السُّدِّيِّ ، قَالَ النَّسَائِيُّ : لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ، قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : أَنْكَرُوا مِنْهُ الْغُلُوَّ فِي التَّشَيُّعِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ ، وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ : صَدُوقٌ يُخْطِئُ وَرُمِيَ بِالرَّفْضِ . قَوْلُهُ : ( كَانَ لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْلِ ) أَيْ اكْتِفَاءً بِوُضُوئِهِ الْأَوَّلِ فِي الْغُسْلِ أَوْ بِانْدِرَاجِ ارْتِفَاعِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ تَحْتَ ارْتِفَاعِ الْأَكْبَرِ بِإِيصَالِ الْمَاءِ إِلَى جَمِيعِ أَعْضَائِهِ وَهُوَ رُخْصَةٌ قَالَهُ الْقَارِي ، قُلْتُ : الْمُعْتَمَدُ هُوَ الْأَوَّلُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ : لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ ، قَالَ فِي الْمُنْتَقَى بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : رَوَاهُ الْخَمْسَةُ ، وَقَالَ فِي النَّيْلِ : قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، قُلْتُ لَيْسَ فِي النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ عِنْدَنَا قَوْلُ التِّرْمِذِيِّ ، وَقَالَ الْقَاضِي الشَّوْكَانِيُّ : قَالَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : تَخْتَلِفُ نُسَخُ التِّرْمِذِيِّ فِي تَصْحِيحِ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِأَسَانِيدَ جَيِّدَةٍ . وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا وَعَنْهُ مَوْقُوفًا أَنَّهُ قَالَ لَمَّا سُئِلَ عَنِ الْوُضُوءِ بَعْدَ الْغُسْلِ : وَأَيُّ وُضُوءٍ أَعَمُّ مِنَ الْغُسْلِ ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ قَالَ لَهُ إِنِّي أَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْلِ فَقَالَ : لَقَدْ تَعَمَّقْتَ ، وَرُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ قَالَ : أَمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَغْسِلَ مِنْ قَرْنِهِ إِلَى قَدَمِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ حَتَّى قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ : إِنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْوُضُوءَ دَاخِلٌ تَحْتَ الْغُسْلِ وَأَنَّ نِيَّةَ طَهَارَةِ الْجَنَابَةِ تَأْتِي عَلَى طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَتَقْضِي عَلَيْهَا لِأَنَّ مَوَانِعَ الْجَنَابَةِ أَكْثَرُ مِنْ مَوَانِعِ الْحَدَثِ ، فَدَخَلَ الْأَقَلُّ فِي نِيَّةِ الْأَكْثَرِ وَأَجْزَأَتْ نِيَّةُ الْأَكْثَرِ عَنْهُ . انْتَهَى . فَإِنْ قُلْتَ : كَيْفَ يَكُونُ حَدِيثُ الْبَابِ صَحِيحًا وَفِي إِسْنَادِهِ شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ صَدُوقًا لَكِنَّهُ يُخْطِئُ كَثِيرًا وَتَغَيَّرَ حِفْظُهُ مُنْذُ وَلِيَ قَضَاءَ الْكُوفَةِ . قُلْتُ : قَالَ أَحْمَدُ : هُوَ فِي أَبِي إِسْحَاقَ أَثْبَتُ مِنْ زُهَيْرٍ ، وَقَدْ رَوَى حَدِيثَ الْبَابِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ثُمَّ لَمْ يَنْفَرِدْ هُوَ فِي رِوَايَتِهِ بَلْ تَابَعَهُ زُهَيْرٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ كَمَا عَرَفْتَ . قَوْلُهُ : ( هَذَا قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَخْ ) بَلْ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ الْعُلَمَاءُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ .
بَاب فِي النَّضْحِ بَعْدَ الْوُضُوءِ 50 حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ السَّلِمِيُّ الْبَصْرِيُّ ، قَالَا : نَا أَبُو قُتَيْبَةَ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْهَاشِمِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : جَاءَنِي جِبْرِيلُ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، إِذَا تَوَضَّأْتَ فَانْتَضِحْ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، وَسَمِعْت مُحَمَّدًا يَقُولُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍ الْهَاشِمِيُّ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ ، وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي الْحَكَمِ بْنِ سُفْيَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : سُفْيَانُ بْنُ الْحَكَمِ أَوْ الْحَكَمُ بْنُ سُفْيَانَ ، وَاضْطَرَبُوا فِي هَذَا الْحَدِيثِ . ( بَابٌ فِي النَّضْحِ بَعْدَ الْوُضُوءِ ) الْمُرَادُ بِالنَّضْحِ هَاهُنَا هُوَ أَنْ يَأْخُذَ قَلِيلًا مِنَ الْمَاءِ فَيَرُشَّ بِهِ مَذَاكِيرَهُ بَعْدَ الْوُضُوءِ لِيَنْفِيَ عَنْهُ الْوِسْوَاسَ ، وَقَدْ نَضَحَ عَلَيْهِ الْمَاءَ وَنَضَحَهُ بِهِ إِذَا رَشَّهُ عَلَيْهِ ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ . قَوْلُهُ : ( وَأَحْمَدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ السَّلِمِيُّ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ ( الْبَصْرِيُّ ) الْوَرَّاقُ ، ثِقَةٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ ( نَا أَبُو قُتَيْبَةَ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ ) الْخُرَاسَانِيُّ نَزِيلُ الْبَصْرَةِ صَدُوقٌ مِنَ التَّاسِعَةِ ( عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْهَاشِمِيِّ ) هُوَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ النَّوْفَلِيُّ الْهَاشِمِيُّ ، ضَعِيفٌ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) وَفِي نُسْخَةٍ قَلَمِيَّةٍ عَتِيقَةٍ صَحِيحَةٍ عَنِ ، عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأعرج ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ ثِقَةٌ ثَبْتٌ ، مِنَ الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ : ( يَا مُحَمَّدُ ، إِذَا تَوَضَّأْتَ ) أَيْ إِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْوُضُوءِ ( فَانْتَضِحْ ) قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْعَارِضَةِ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : مَعْنَاهُ إِذَا تَوَضَّأْتَ فَصُبَّ الْمَاءَ عَلَى الْعُضْوِ صَبًّا وَلَا تَقْتَصِرْ عَلَى مَسْحِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِيهِ إِلَّا الْغَسْلُ . الثَّانِي : مَعْنَاهُ اسْتَبْرِئْ الْمَاءَ بِالنَّثْرِ وَالتَّنَحْنُحِ ، يُقَالُ نَضَحْتُ اسْتَبْرَأْتُ ، وَانْتَضَحْتُ تَعَاطَيْتُ الِاسْتِبْرَاءَ لَهُ . الثَّالِثُ : مَعْنَاهُ إِذَا تَوَضَّأْتَ فَرُشَّ الْإِزَارَ الَّذِي يَلِي الْفَرْجَ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُذْهِبًا لِلْوِسْوَاسِ . الرَّابِعُ : مَعْنَاهُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ إِشَارَةً إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَحْجَارِ ، فَإِنَّ الْحَجَرَ يُخَفِّفُ الْوَسَخَ وَالْمَاءَ يُطَهِّرُهُ . وَقَدْ حَدَّثَنِي أَبُو مُسْلِمٍ الْمَهْدِيُّ قَالَ : مِنَ الْفِقْهِ الرَّائِقِ الْمَاءُ يُذْهِبُ الْمَاءَ ، مَعْنَاهُ أَنَّ مَنِ اسْتَنْجَى بِالْأَحْجَارِ لَا يَزَالُ الْبَوْلُ يَرْشَحُ فَيَجِدُ مِنْهُ الْبَلَلَ فَإِذَا اسْتَعْمَلَ الْمَاءَ نَسَبَ الْخَاطِرُ مَا يَجِدُ مِنَ الْبَلَلِ إِلَى الْمَاءِ وَارْتَفَعَ الْوِسْوَاسُ ، انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ مُلَخَّصًا . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ : الِانْتِضَاحُ هَاهُنَا الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ ، وَكَانَ مِنْ عَادَةِ أَكْثَرِهِمْ أَنْ يَسْتَنْجُوا بِالْحِجَارَةِ لَا يَمَسُّونَ الْمَاءَ ، وَقَدْ يُتَأَوَّلُ الِانْتِضَاحُ أَيْضًا عَلَى رَشِّ الْفَرْجِ بِالْمَاءِ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ لِيَدْفَعَ بِذَلِكَ وَسْوَسَةَ الشَّيْطَانِ . انْتَهَى ، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ عَنِ الْجُمْهُورِ أَنَّ الثَّانِيَ هُوَ الْمُرَادُ هَاهُنَا ، وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ : الِانْتِضَاحُ رَشُّ الْمَاءِ عَلَى الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَرُشَّ عَلَى فَرْجِهِ بَعْدَ الْوُضُوءِ مَاءً لِيَذْهَبَ عَنْهُ الْوِسْوَاسُ الَّذِي يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنْ ذَكَرِهِ بَلَلٌ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْمَكَانُ بَلَلًا ذَهَبَ ذَلِكَ الْوِسْوَاسُ ، وَقِيلَ : أَرَادَ بِالِانْتِضَاحِ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ كَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ أَنَّهُمْ يَسْتَنْجُونَ بِالْحِجَارَةِ . انْتَهَى . قُلْتُ : وَالْحَقُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِانْتِضَاحِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ الرَّشُّ عَلَى الْفَرْجِ بَعْدَ الْوُضُوءِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَلْفَاظُ أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي هَذَا الْبَابِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ( وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ : الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْهَاشِمِيُّ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ ) قَالَ فِي شَرْحِ النُّخْبَةِ : قَوْلُهُمْ : مَتْرُوكٌ أَوْ سَاقِطٌ أَوْ فَاحِشُ الْغَلَطِ وَمُنْكَرُ الْحَدِيثِ أَشَدُّ مِنْ قَوْلِهِمْ ضَعِيفٌ أَوْ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ أَوْ فِيهِ مَقَالٌ . انْتَهَى ، قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ : ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَأَبُو حَاتِمٍ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : مُنْكَرُ الْحَدِيثِ . انْتَهَى . قُلْتُ : فَحَدِيثُ الْبَابِ ضَعِيفٌ ، وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ عَدِيدَةٌ مَجْمُوعُهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ أَصْلًا . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي الْحَكَمِ بْنِ سُفْيَانَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ) أَمَّا حَدِيثُ الْحَكَمِ بْنِ سُفْيَانَ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَلَفْظُهُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ ثُمَّ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَنَزحَ بِهِ فَرْجَهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي جَامِعِهِ أَنَّهُ شَكَا إِلَيْهِ رَجُلٌ ، فَقَالَ : إِنِّي أَكُونُ فِي الصَّلَاةِ ، فَيُتَخَيَّلُ أَنَّ بِذَكَرِي بَلَلًا ، فَقَالَ : قَاتَلَ اللَّهُ الشَّيْطَانَ إِنَّهُ يَمَسُّ ذَكَرَ الْإِنْسَانِ لِيُرِيَهُ أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ ، فَإِذَا تَوَضَّأْتَ فَانْضَحْ فَرْجَكَ بِالْمَاءِ فَإِنْ وَجَدْتَ فَقُلْ هُوَ مِنَ الْمَاءِ ، فَفَعَلَ الرَّجُلُ ذَلِكَ فَذَهَبَ . كَذَا فِي شَرْحِ سِرَاجِ أَحْمَدَ ، وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَلَفْظُهُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلَّمَنِي جِبْرِيلُ الْوُضُوءَ ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْضَحَ تَحْتَ ثَوْبِي لِمَا يَخْرُجُ مِنَ الْبَوْلِ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا ، وَفِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ ، وَفِيهِ مَقَالٌ مَشْهُورٌ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَنْ أَخْرَجَهُ ، وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ : قَالَ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَضَحَ فَرْجَهُ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَّمَهُ الْوُضُوءَ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ أَخَذَ حَفْنَةً مِنْ مَاءٍ فَرَشَّ بِهَا نَحْوَ الْفَرْجِ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرُشُّ بَعْدَ وُضُوئِهِ رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَفِيهِ رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ ، وَثَّقَهُ هَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي رِوَايَةٍ وَضَعَّفَهُ آخَرُونَ ، كَذَا فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ بَعْضُهُمْ ) أَيْ بَعْضُ الرُّوَاةِ ( سُفْيَانُ بْنُ الْحَكَمِ أَوْ الْحَكَمُ بْنُ سُفْيَانَ ) أَيْ بِالشَّكِّ ( وَاضْطَرَبُوا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ) أَيْ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْأَثِيرِ : وَرَوَاهُ رُوحُ بْنُ الْقَاسِمِ ، وَشُعْبَةُ ، وَشَيْبَانُ ، وَمَعْمَرٌ ، وَأَبُو عَوَانَةَ ، وَزَائِدَةُ ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، وَإِسْرَائِيلُ ، وَهَرَيمُ بْنُ سُفْيَانَ مِثْلُ سُفْيَانَ عَلَى الشَّكِّ ، وَقَالَ شُعْبَةُ ، وَأَبُو عَوَانَةَ ، وَجَرِيرٌ ، عَنِ الْحَكَمِ أَوْ ابْنُ الْحَكَمِ ، وَرَوَاهُ عَامَّةُ أَصْحَابِ الثَّوْرِيِّ عَلَى الشَّكِّ إِلَّا عَفِيفَ بْنَ سَالِمٍ ، وَالْفِرْيَابِيَّ ، فَإِنَّهُمَا رَوَيَاهُ فَقَالَا : الْحَكَمُ بْنُ سُفْيَانَ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ : وَرَوَاهُ وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ أَبِيهِ . وَرَوَاهُ مِسْعَرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، فَقَالَ : عَنْ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ وَلَمْ يُسَمِّهِ ، وَمِمَّنْ رَوَاهُ وَلَمْ يَشُكَّ سَلَامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ ، وَقَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ ، وَشَرِيكٌ ، فَقَالُوا : عَنِ الْحَكَمِ بْنِ سُفْيَانَ وَلَمْ يَشُكُّوا . انْتَهَى ، وَقَالَ الْحَافِظُ : هُوَ الْحَكَمُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَامِرِ بْنِ مُعْتِبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ ثَقِيفٍ الثَّقَفِيُّ ، قَالَ أَبُو زُرْعَةَ : وَأَبُو إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى مُجَاهِدٍ ، فَقِيلَ : هَكَذَا ، وَقِيلَ : سُفْيَانُ بْنُ الْحَكَمُ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَقَالَ أَحْمَدُ ، وَالْبُخَارِيُّ : لَيْسَتْ لِلْحَكَمِ صُحْبَةٌ ، وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ ، وَالْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو حَاتِمٍ : الصَّحِيحُ الْحَكَمُ بْنُ سُفْيَانَ . انْتَهَى ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ وَهُوَ مُضْطَرِبُ الْإِسْنَادِ . انْتَهَى . تَنْبِيهٌ : كَوْنُ هَذَا الْحَدِيثِ مُضْطَرِبَ الْإِسْنَادِ ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِ الْحَافِظِ ابْنِ الْأَثِيرِ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبِرِّ وَلَمْ يَقِفْ عَلَى هَذَا صَاحِبُ الطِّيبِ الشَّذِيِّ فَاعْتَرَضَ عَلَى الْإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ رحمه الله الَّذِي هُوَ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ ، حَيْثُ قَالَ : إِنَّ مَا جَرَحَ التِّرْمِذِيُّ بِالاضْطِرَابٍ لَيْسَ بِسَدِيدٍ . انْتَهَى . فَالْعَجَبُ أَنَّهُ مَعَ عَدَمِ وُقُوفِهِ كَيْفَ ارْتَكَبَ هَذِهِ الْجُرْأَةَ الشَّنِيعَةَ ، ثُمَّ قَالَ : قَوْلُهُ وَاضْطَرَبُوا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، الْحَدِيثُ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ أَيْ فِي لَفْظِ الْحَكَمِ بْنِ سُفْيَانَ . انْتَهَى ، قُلْتُ : هَذَا جَهْلٌ عَلَى جَهْلٍ .
بَاب ما جاء من الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ 13 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، نا وَكِيعٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ : أَنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ ، فَبَالَ عَلَيْهَا قَائِمًا ، فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوءٍ ، فَذَهَبْتُ لِأَتَأَخَّرَ عَنْهُ ، فَدَعَانِي ، حَتَّى كُنْتُ عِنْدَ عَقِبَيْهِ ، فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ . قَالَ أَبُو عِيسَى : وَهَكَذَا رَوَى مَنْصُورٌ ، وَعُبَيْدَةُ الضَّبِّيُّ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ مِثْلَ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ ، وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَعَاصِمُ ابْنُ بَهْدَلَةَ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَحَدِيثُ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ أَصَحُّ . وَقَدْ رَخَّصَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْبَوْلِ قَائِمًا . باب ما جاء من الرخصة في ذلك : ( قَوْلُهُ : حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ) تَقَدَّمَ ( نَا وَكِيعٌ ) تَقَدَّمَ ( عَنْ الْأَعْمَشِ ) هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ مَهْرَانَ الْأَسَدِيُّ الْكَاهِلِيُّ ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْكُوفِيُّ ، ثِقَةٌ ، حَافِظٌ ، عَارِفٌ بِالْقِرَاءَةِ ، وَرِعٌ ، لَكِنَّهُ يُدَلِّسُ ، مِنْ الْخَامِسَةِ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ فِي مُقَدِّمَتِهِ : الْخَامِسَةُ : الطَّبَقَةُ الصُّغْرَى مِنْ التَّابِعِينَ الَّذِينَ رَأَوْا الْوَاحِدَ وَالِاثْنَيْنِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ لِبَعْضِهِمْ السَّمَاعُ مِنْ الصَّحَابَةِ كَالْأَعْمَشِ . انْتَهَى . وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : رَأَى أَنَسًا يَبُولُ . انْتَهَى . ( عَنْ أَبِي وَائِلٍ ) اِسْمُهُ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ الْأَسَدِيُّ ، الْكُوفِيُّ ، ثِقَةٌ ، مُخَضْرَمٌ ، مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَلَهُ مِائَةُ سَنَةٍ . قَوْلُهُ : ( أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ ) بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ : هِيَ الْمَزْبَلَةُ وَالْكُنَاسَةُ ، تَكُونُ بِفِنَاءِ الدُّورِ ، مِرْفَقًا لِأَهْلِهَا ، وَتَكُونُ فِي الْغَالِبِ سَهْلَةً لَا يَرْتَدُّ فِيهَا الْبَوْلُ عَلَى الْبَائِلِ ، وَإِضَافَتُهَا إِلَى الْقَوْمِ إِضَافَةُ اِخْتِصَاصٍ لَا مِلْكٍ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ النَّجَاسَةِ . ( فَأَتَيْته بِوَضُوءٍ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ ( فَدَعَانِي ، حَتَّى كُنْتُ عِنْدَ عَقِبَيْهِ ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : فَأَشَارَ إِلَيَّ . قَالَ الْحَافِظُ : لَيْسَتْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الْكَلَامِ فِي حَالِ الْبَوْلِ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ بَيَّنَتْ أَنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ كَانَ بِالْإِشَارَةِ لَا بِاللَّفْظِ ، قَالَ : وَأَمَّا مُخَالَفَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِ مِنْ الْإِبْعَادِ عَنْد قَضَاءِ الْحَاجَةِ عَنْ الطُّرُقِ الْمَسْلُوكَةِ وَعَنْ أَعْيُنِ النَّظَّارَةِ ، فَقَدْ قِيلَ فِيهِ : إَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَشْغُولًا بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ، فَلَعَلَّهُ طَالَ عَلَيْهِ الْمَجْلِسُ ، حَتَّى اِحْتَاجَ إِلَى الْبَوْلِ ، فَلَوْ أَبْعَدَ لَتَضَرَّرَ ، وَاسْتَدْنى حُذَيْفَةَ لِيَسْتُرَهُ مِنْ خَلْفِهِ عَنْ رُؤْيَةِ مَنْ لَعَلَّهُ يَمُرُّ بِهِ ، وَكَانَ قُدَّامَهُ مَسْتُورا بِالْحَائِطِ ، أَوْ لَعَلَّهُ فَعَلَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، ثُمَّ هُوَ فِي الْبَوْلِ ، وَهُوَ أَخَفُّ مِنْ الْغَائِطِ لِاحْتِيَاجِهِ إِلَى زِيَادَةِ تَكَشُّفٍ ، وَلِمَا يَقْتَرِنُ بِهِ مِنْ الرَّائِحَةِ ، وَالْغَرَضُ مِنْ الْإِبْعَادِ التَّسَتُّرُ ، وَهُوَ يَحْصُلُ بِإِرْخَاءِ الذَّيْلِ وَالدُّنُوِّ مِنْ السَّاتِرِ . ورَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عِصْمَةَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ سِكَكِ الْمَدِينَةِ ، فَانْتَهَى إِلَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ ، فَقَالَ : يَا حُذَيْفَةُ ، اُسْتُرْنِي ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَظَهَرَ مِنْهُ الْحِكْمَةُ فِي إِدْنَائِهِ حُذَيْفَةَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ، وَكَان حُذَيْفَة لَمَّا وَقَفَ خَلْفَهُ عِنْدَ عَقِبِهِ اِسْتَدْبَرَهُ ، وَظَهَرَ أَيْضًا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْحَضَرِ لَا فِي السَّفَرِ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَهَكَذَا رَوَى مَنْصُورٌ ) هُوَ اِبْنُ الْمُعْتَمِرِ السُّلَمِيُّ ، أَبُو عَتَّابٍ الْكُوفِيُّ ، أَحَدُ الْأَعْلَامِ الْمَشَاهِيرِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، وَأَبِي وَائِلٍ ، وَخَلْقٍ ، وَعَنْهُ أَيُّوبُ ، وَشُعْبَةُ ، وَزَائِدَةُ ، وَخَلْقٌ . قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : مُتْقِنٌ ، لَا يَخْتلطُ وَلَا يُدَلِّسُ . وَقَالَ الْعِجْلِيُّ : ثِقَةٌ ثَبْتٌ ، لَهُ نَحْوُ أَلْفَا حَدِيثٍ ، قَالَ زَائِدَةُ : صَامَ مَنْصُورٌ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَقَامَ لَيْلَهَا ، تُوُفِّيَ سَنَةَ 132 اِثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ . ( عُبَيْدَةُ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ مُصَغَّرًا ( الضَّبِّيُّ ) بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَشَدَّةِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَكْسُورَةِ هُوَ عُبَيْدَةُ بْنُ مُعْتِبٍ ، رَوَى عَنْ : إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَأَبِي وَائِلٍ ، وَعَنْهُ : شُعْبَةُ ، وَهُشَيْمٌ . قَالَ اِبْنُ عَدِيٍّ : مَعَ ضَعْفِهِ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ ، عَلَّقَ لَهُ الْبُخَارِيُّ فَرْدَ حَدِيثٍ ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ ، وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ : ضَعِيفٌ ، وَاخْتَلَطَ بِآخِرِهِ . ( وَحَدِيثُ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ أَصَحُّ ) يَعْنِي مِنْ حَدِيثِهِ عَنْ الْمُغِيرَةِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : هُوَ كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ ، وَإِنْ جَنَحَ اِبْنُ خُزَيْمَةَ إِلَى تَصْحِيحِ الرِّوَايَتَيْنِ ؛ لِكَوْنِ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَافَقَ عَاصِمًا عَلَى قَوْلِهِ عَنْ الْمُغِيرَةِ ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ أَبُو وَائِلٍ سَمِعَهُ مِنْهُمَا ، فَيَصِحُّ الْقَوْلَانِ مَعًا ، لَكِنْ مِنْ حَيْثُ التَّرْجِيحُ رِوَايَةُ الْأَعْمَشِ ، وَمَنْصُورٍ ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادٍ ، وَعَاصِمٍ لِكَوْنِهِمَا فِي حِفْظِهِمَا مَقَالٌ . انْتَهَى . قُلْتُ : الظَّاهِرُ أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ صَحِيحَتَانِ ، وَرِوَايَةُ الْأَعْمَشِ ، وَمَنْصُورٍ أَصَحُّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَحَدِيثُ حُذَيْفَةَ هَذَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَغَيْرُهُمْ . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رَخَّصَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْبَوْلِ قَائِمًا ) وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ الْبَابِ . وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ بِأَنَّهُ مُسْتَنِدٌ إِلَى عِلْمِهَا ، فَيُحْمَلُ عَلَى مَا وَقَعَ مِنْهُ فِي الْبُيُوتِ . وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْبُيُوتِ فَلَمْ تَطَّلِعْ هِيَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ حَفِظَهُ حُذَيْفَةُ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ ، وَعَنْ حَدِيثِهَا الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ قَالَتْ : مَا بَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا مُنْذُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ بِأَنَّهُ أَيْضًا مُسْتَنِدٌ إِلَى عِلْمِهَا ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ بوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ سُبَاطَةِ قَوْمٍ كَانَ بِالْمَدِينَةِ ، كَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ ، فَتَضَمَّنَ الرَّدَّ عَلَى مَا نَفَتْهُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ بَعْدَ نُزُولِ الْقُرْآنِ ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ بَالُوا قِيَامًا ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى الْجَوَازِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ إِذَا أَمِنَ الرَّشَاشَ ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّهْيِ عَنْهُ شَيْءٌ . انْتَهَى . وقَالَ قَوْمٌ بِكَرَاهَةِ الْبَوْلِ قَائِمًا إِلَّا مِنْ عُذْرٍ ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثَيْ عَائِشَةَ الْمَذْكُورَيْنِ ، وَقَدْ عَرَفْتَ الْجَوَابَ عَنْهُمَا ، وَقَالُوا : إِنَّ بَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا كَانَ لِعُذْرٍ ، فَقِيلَ : فَعَلَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ مَكَانًا لِلْجُلُوسِ لِامْتِلَاءِ الْمَوْضِعِ بِالنَّجَاسَةِ . وَقِيلَ : كَانَ مَا يُقَابِلُهُ مِنْ السُّبَاطَةِ عَالِيًا وَمِنْ خَلْفِهِ مُنْحَدَرًا مستفلا ، لَوْ جَلَسَ مُسْتَقْبِلَ السُّبَاطَةِ سَقَطَ إِلَى خَلْفِهِ ، وَلَوْ جَلَسَ مُسْتَدْبِرًا لَهَا بَدَتْ عَوْرَتُهُ لِلنَّاسِ . وَقِيلَ : إِنَّمَا بَالَ قَائِمًا ؛ لِأَنَّهَا حَالَةٌ يُؤْمَنُ مَعَهَا خُرُوجُ الرِّيحِ بِصَوْتٍ ، فَفَعَلَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ قَرِيبًا مِنْ الدَّارِ . قَالَ الْحَافِظُ : مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : الْبَوْلُ قَائِمًا أَحْصَنُ لِلدُّبُرِ . وَقِيلَ : السَّبَبُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ : أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَسْتَشْفِي لِوَجَعِ الصُّلْبِ بِذَلِكَ ، فَلَعَلَّهُ كَانَ بِهِ . وَرَوَى الْحَاكِمُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : إِنَّمَا بَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا لِجُرْحٍ كَانَ فِي مَأْبِضِهِ ، وَالْمَأْبِضُ بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ مُعْجَمَةٌ : بَاطِنُ الرُّكْبَةِ ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ لِأَجْلِهِ مِنْ الْقُعُودِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : لَوْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ لَكَانَ فِيهِ غِنًى عَنْ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ ، لَكِنْ ضَعَّفَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ . وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، وَكَانَ أَكْثَرُ أَحْوَالِهِ الْبَوْلَ عَنْ قُعُودٍ ، وَسَلَكَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَابْنُ شَاهِينٍ فِيهِ مَسْلَكًا آخَرَ ، فَزَعَمَا أَنَّ الْبَوْلَ عَنْ قِيَامٍ مَنْسُوخٌ ، وَاسْتَدَلَّا عَلَيْهِ بِحَدِيثَيْ عَائِشَةَ يَعْنِي الْمَذْكُورَيْنِ ، والصَّوَابُ أَنَّهُ غَيْرُ مَنْسُوخٍ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . تَنْبِيهٌ : قَالَ صَاحِبُ الْعَرْفِ الشَّذِيِّ : إِنَّ فِي الْبَوْلِ قَائِمًا رُخْصَةً ، وَيَنْبَغِي الْآنَ الْمَنْعُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ عَمَلُ غَيْرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ . انْتَهَى بِلَفْظِهِ . قُلْتُ : بَعْدَ تسْلِيمِ أَنَّ الْبَوْلَ قَائِمًا رُخْصَةٌ ، لَا وَجْهَ لِلْمَنْعِ عَنْهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ ، وَأَمَّا عَمَلُ غَيْرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ فَلَيْسَ مُوجِبًا لِلْمَنْعِ .
بَاب فِي إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ 51 حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ ؟ قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ، فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ . حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، قال : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ الْعَلَاءِ ، نَحْوَهُ . وَقَالَ قُتَيْبَةُ فِي حَدِيثِهِ : فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ ثَلَاثًا . وَفِي الْبَاب عَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَبِيدَةَ ، وَيُقَالُ : عُبَيْدَةُ بْنُ عَمْرٍو ، وَعَائِشَةَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِشٍ الْحَضْرَمِيِّ ، وَأَنَسٍ . قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَالْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ يَعْقُوبَ الْجُهَنِيُّ الْحُرَقِيُّ ، وَهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ . ( بَابُ فِي إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ ) قَوْلُهُ : ( فِي إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ ) أَيْ إِتْمَامِهِ وَإِكْمَالِهِ ، وَالْإِسْبَاغُ فِي اللُّغَةِ الْإِتْمَامُ ، وَمِنْهُ دِرْعٌ سَابِغٌ . قَوْلُهُ : ( نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ) بْنِ أَبِي كَثِيرٍ الْأَنْصَارِيُّ الزُّرَقِيُّ أَبُو إِسْحَاقَ الْقَارِي ثِقَةٌ ثَبْتٌ . ( عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) بْنِ يَعْقُوبَ الْحَرْقِيِّ أَبِي شِبْلٍ ، صَدُوقٌ رُبَّمَا وَهَمَ ( عَنْ أَبِيهِ ) ثِقَةٌ . قَوْلُهُ : ( أَلَا أَدُلُّكُمْ ) الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ وَ لَا نَافِيَةٌ . وَلَيْسَ أَلَا لِلتَّنْبِيهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ بَلَى ( يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا ) . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : مَحْوُ الْخَطَايَا كِنَايَةٌ عَنْ غُفْرَانِهَا ، قَالَ : وَيُحْتَمَلُ مَحْوُهَا مِنْ كِتَابِ الْحَفَظَةِ وَيَكُونُ دَلِيلًا عَلَى غُفْرَانِهَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ . ( وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ ) أَيْ يُعْلِي بِهِ الْمَنَازِلَ فِي الْجَنَّةِ ( قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ) فَائِدَةُ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ : أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ أَوْقَعَ فِي النَّفْسِ بِحُكْمِ الْإِبْهَامِ وَالتَّبْيِينِ . ( قَالَ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ ) أَيْ إِتْمَامُهُ وَإِكْمَالُهُ بِاسْتِيعَابِ الْمَحَلِّ بِالْغُسْلِ وَتَطْوِيلِ الْغُرَّةِ وَتَكْرَارِ الْغُسْلِ ثَلَاثًا ( عَلَى الْمَكَارِهِ ) جَمْعُ مَكْرَهٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ مَا يَكْرَهُهُ شَخْصٌ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ ، وَالْكُرْهُ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ الْمَشَقَّةُ أَيْ يَتَوَضَّأُ مَعَ بَرْدٍ شَدِيدٍ وَعِلَلٍ يَتَأَذَّى مَعَهَا بِمَسِّ الْمَاءِ ، وَمَعَ إِعْوَازِهِ وَالْحَاجَةِ إِلَى طَلَبِهِ وَالسَّعْيِ فِي تَحْصِيلِهِ وَابْتِيَاعِهِ بِالثَّمَنِ الْغَالِي وَنَحْوِهَا مِمَّا يَشُقُّ ، كَذَا فِي الْمَجْمَعِ ( وَكَثْرَةُ الْخُطَى إِلَى الْمَسَاجِدِ ) الْخُطَى بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ خُطْوَةٍ وَهِيَ مَا بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ كَثْرَةُ الْخُطَى تَكُونُ بِبُعْدِ الدَّارِ وَكَثْرَةِ التَّكْرَارِ ( وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ ) أَيْ وَقْتِهَا أَوْ جَمَاعَتِهَا ( بَعْدَ الصَّلَاةِ ) يَعْنِي إِذَا صَلَّى بِالْجَمَاعَةِ أَوْ مُنْفَرِدًا ، ثُمَّ يَنْتَظِرُ صَلَاةً أُخْرَى وَيُعَلِّقُ فِكْرَهُ بِهَا بِأَنْ يَجْلِسَ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ فِي بَيْتِهِ يَنْتَظِرُهَا أَوْ يَكُونُ فِي شُغْلِهِ وَقَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِهَا ( فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَأَصْلُ الرِّبَاطِ أَنْ يَرْبِطَ الْفَرِيقَانِ خُيُولَهُمْ فِي ثَغْرٍ كُلٌّ مِنْهُمَا مُعِدًّا لِصَاحِبِهِ ، يَعْنِي أَنَّ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى الطَّهَارَةِ وَنَحْوِهَا كَالْجِهَادِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّ هَذِهِ الْخِلَالَ تَرْبِطُ صَاحِبَهَا عَنِ الْمَعَاصِي وَتَكُفُّهُ عَنِ الْمَحَارِمِ كَذَا فِي الْمَجْمَعِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ : قَوْلُهُ : فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ ؛ أَيْ الرِّبَاطُ الْمُرَغَّبُ فِيهِ ، وَأَصْلُ الرِّبَاطِ الْحَبْسُ عَلَى الشَّيْءِ كَأَنَّهُ حَبَسَ نَفْسَهُ عَلَى هَذِهِ الطَّاعَةِ ، وَقِيلَ : إِنَّهُ أَفْضَلُ الرِّبَاطِ كَمَا قِيلَ : الْجِهَادُ جِهَادُ النَّفْسِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ الرِّبَاطُ الْمُتَيَسِّرُ الْمُمْكِنُ ، أَيْ إِنَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الرِّبَاطِ . انْتَهَى ، وَقَالَ الْقَاضِي : إِنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ هِيَ الْمُرَابَطَةُ الْحَقِيقِيَّةُ ؛ لِأَنَّهَا تَسُدُّ طُرُقَ الشَّيْطَانِ عَلَى النَّفْسِ ، وَتَقْهَرُ الْهَوَى وَتَمْنَعُهَا مِنْ قَبُولِ الْوَسَاوِسِ ، فَيَغْلِبُ بِهَا حِزْبُ اللَّهِ جُنُودَ الشَّيْطَانِ ، وَذَلِكَ هُوَ الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ . قَوْلُهُ : ( ثَلَاثًا ) أَيْ قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَحِكْمَةُ تَكْرَارِهَا لِلِاهْتِمَامِ بِهَا وَتَعْظِيمِ شَأْنِهَا ، وَقِيلَ : كَرَّرَهَا عَلَى عَادَتِهِ فِي تَكْرَارِ الْكَلَامِ لِيُفْهَمَ عَنْهُ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعُبَيْدَةَ ، وَيُقَالُ : عُبَيْدَةُ بْنُ عَمْرٍو ، وَعَائِشَةَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِشٍ ، وَأَنَسٍ ) أَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى ، وَالْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَالْحَاكِمُ . وَقَالَ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ، وَلَفْظُهُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي الْمَكَارِهِ وَإِعْمَالُ الْأَقْدَامِ إِلَى الْمَسَاجِدِ وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ يَغْسِلُ الْخَطَايَا غَسْلًا كَذَا فِي التَّرْغِيبِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالدَّارِمِيُّ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي ، وَفِي رِوَايَةٍ : رَأَيْتُ رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ ، فَقَالَ لِي : يَا مُحَمَّدُ . قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَبِّ وَسَعْدَيْكَ ، قَالَ : هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى الْحَدِيثَ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عُبَيْدَةَ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبَزَّارُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ ، وَرِجَالُ أَحْمَدَ ثِقَاتٌ وَلَفْظُهُ : قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ . كَذَا فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِشٍ فَأَخْرَجَهُ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ ، كَذَا فِي الْمِشْكَاةِ ص 62 ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأخَرَّجَهُ الْبَزَّارُ وَلَفْظُهُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يُكَفِّرُ اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا : إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ وَكَثْرَةُ الْخُطَى إِلَى الْمَسَاجِدِ . قَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ : عَاصِمُ ابْنُ بَهْدَلَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَنَسٍ وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( وَالْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ يَعْقُوبَ الْجُهَنِيُّ ) ضَمِيرُ هُوَ يَرْجِعُ إِلَى الْعَلَاءِ لَا إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ ( وَهُوَ ) أَيْ الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، فَهَذَا الضَّمِيرُ أَيْضًا يَرْجِعُ إِلَى الْعَلَاءِ لَا إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ ( ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَةِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ . انْتَهَى . فَظَهَرَ أَنَّ ضَمِيرَ هُوَ فِي قَوْلِهِ : وَهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الْمَرْأَةِ تَرَى فِي الْمَنَامِ مِثْلَ مَا يَرَى الرَّجُلُ 122 حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ ابنة مِلْحَانَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ تَعْنِي غُسْلًا إِذَا هِيَ رَأَتْ فِي الْمَنَامِ مِثْلَ مَا يَرَى الرَّجُلُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إِذَا هِيَ رَأَتْ الْمَاءَ فَلْتَغْتَسِلْ ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : قُلْتُ لَهَا : فَضَحْتِ النِّسَاءَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا رَأَتْ فِي الْمَنَامِ مِثْلَ مَا يَرَى الرَّجُلُ فَأَنْزَلَتْ أَنَّ عَلَيْهَا الْغُسْلَ ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ وَفِي الْبَاب عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ وَخَوْلَةَ وَعَائِشَةَ وَأَنَسٍ . بَاب مَا جَاءَ فِي الْمَرْأَةِ تَرَى فِي الْمَنَامِ مِثْلَ مَا يَرَى الرَّجُلُ قَوْلُهُ : ( جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ ابْنَةُ مِلْحَانَ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ هِيَ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَفِي اسْمِهَا خِلَافٌ ، تَزَوَّجَهَا مَالِكُ بْنُ النَّضْرِ أَبُو أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَوَلَدَتْ لَهُ أَنَسًا ثُمَّ قُتِلَ عَنْهَا مُشْرِكًا فَأَسْلَمَتْ فَخَطَبَهَا أَبُو طَلْحَةَ وَهُوَ مُشْرِكٌ فَأَبَتْ وَدَعَتْهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ وَقَالَتْ : إنِّي أَتَزَوَّجُكَ وَلَا آخُذُ مِنْكَ صَدَاقًا لِإِسْلَامِكَ ، فَتَزَوَّجَهَا أَبُو سَلَمَةَ ، رَوَى عَنْهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ . ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ) قَدَّمَتْ هَذَا الْقَوْلَ تَمْهِيدًا لِعُذْرِهَا فِي ذِكْرِ مَا يُسْتَحْيَى مِنْهُ ، وَالْمُرَادُ بِالْحَيَاءِ هُنَا مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ إِذْ الْحَيَاءُ الشَّرْعِيُّ خَيْرٌ كُلُّهُ ، وَالْحَيَاءُ لُغَةً تَغَيُّرٌ وَانْكِسَارٌ وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَيُحْمَلُ هُنَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ الله لَا يَأْمُرَ بِالْحَيَاءِ فِي الْحَقِّ أَوْ لَا يَمْنَعَ مِنْ ذِكْرِ الْحَقِّ ، وَقَدْ يُقَالُ إِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَى التَّأْوِيلِ فِي الْإِثْبَاتِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي النَّفْيِ أَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْمَفْهُومُ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَسْتَحْيِي مِنْ غَيْرِ الْحَقِّ عَادَ إِلَى جَانِبِ الْإِثْبَاتِ فَاحْتِيجَ إِلَى تَأْوِيلِهِ ، قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ كَذَا فِي الْفَتْحِ . ( فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ - تَعْنِي غُسْلًا - إِذَا هِيَ رَأَتْ فِي الْمَنَامِ مِثْلَ مَا يَرَى الرَّجُلُ ) وفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ أَنَّهَا قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ زَوْجَهَا يُجَامِعُهَا فِي الْمَنَامِ أَتَغْتَسِلُ؟ ( قَالَ : نَعَمْ إِذَا هِيَ رَأَتِ الْمَاءَ ) أَيْ الْمَنِيَّ بَعْدَ الِاسْتِيقَاظِ . ( فَلْتَغْتَسِلْ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَى الْمَرْأَةِ بِالْإِنْزَالِ وَكَأَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ لَمْ تَسْمَعْ حَدِيثَ : الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ ، أَوْ سَمِعَتْهُ وَقَامَ عِنْدَهَا مَا يُوهِمُ خُرُوجَ الْمَرْأَةِ عَنْ ذَلِكَ ، وَهُوَ نُدُورُ بُرُوزِ الْمَاءِ مِنْهَا ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ في هَذِهِ الْقِصَّةَ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ لِلْمَرْأَةِ مَاءٌ؟ فَقَالَ : هُنَّ شَقَائِقُ الرِّجَالِ ، وَرَوَى مِنْ حَدِيثِ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ : لَيْسَ عَلَيْهَا غُسْلٌ حَتَّى تُنْزِلَ كَمَا يُنْزِلُ الرَّجُلُ . ( فَضَحْتِ النِّسَاءَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ ) إِذْ حَكَيْتِ عَنْهُنَّ مَا يَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ شَهْوَتِهِنَّ ، قَالَهُ فِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كِتْمَانَ مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ عَادَتِهِنَّ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ شَهْوَتِهِنَّ لِلرِّجَالِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ وَخَوْلَةَ وَعَائِشَةَ ، وَأَنَسٍ ) ، أَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سُلَيْمٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَمَّا حَدِيثُ خَوْلَةَ فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مُسْلِمٌ .
54 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، قال : ثَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، قَالَ : رسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَوَضَّأَ مَسَحَ وَجْهَهُ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَرِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ الْأَفْرِيقِيُّ يُضَعَّفَانِ فِي الْحَدِيثِ . قَالَ أَبُو عِيسَى : حديث عائشة ليس يالقائم ، ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب شيء ، وأبو معاذ يقولون : هو سلسمان بن أرقم ، وهو ضعيف عند أهل الحديث . وَقَدْ رَخَّصَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي المَنْدُيلِ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَمَنْ كَرِهَهُ إِنَّمَا كَرِهَهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قِيلَ : إِنَّ الْوُضُوءَ يُوزَنُ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالزُّهْرِيِّ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ ، قال : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ مُجَاهِدٍ ، عَنِّي - وَهُوَ عِنْدِي ثِقَةٌ - عَنْ ثَعْلَبَة ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : إِنَّمَا أكُرِهَ الْمِنْدِيلُ بَعْدَ الْوُضُوءِ ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ يُوزَنُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى وَزْنِ مِسْكِينٍ ، قَالَ الْحَافِظُ : ضَعِيفٌ ، وَحَجَّ أَبُو حَاتِمٍ عَلَيْهِ ابْنَ لَهِيعَةَ . وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ : كَانَ صَالِحًا فِي دِينِهِ فَأَدْرَكَتْهُ غَفْلَةُ الصَّالِحِينَ ، فَخَلَطَ فِي الْحَدِيثِ . انْتَهَى . وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ : كَانَ صَالِحًا عَابِدًا سَيِّئَ الْحِفْظِ غَيْرَ مُعْتَمَدٍ . انْتَهَى . ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ النُّونِ وَضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ الْإِفْرِيقِيُّ ، قَالَ الْحَافِظُ : ضَعِيفٌ فِي حِفْظِهِ وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا . انْتَهَى ، قُلْتُ : هُوَ مَعَ ضَعْفِهِ مُدَلِّسٌ أَيْضًا صَرَّحَ بِهِ الْحَافِظُ فِي طَبَقَاتِ الْمُدَلِّسِينَ ( عَنْ عُتْبَةَ بْنِ حُمَيْدٍ ) الضَّبِّيِّ الْبَصْرِيِّ يُكَنَّى أَبَا مُعَاذٍ ، وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : صَالِحٌ . كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ ، وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ : صَدُوقٌ لَهُ أَوْهَامٌ . ( عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ ) بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدَّةِ التَّحْتَانِيَّةِ الْخَفِيفَةِ الْكِنْدِيِّ قَاضِي طَبَرِيَّةَ ، ثِقَةٌ فَاضِلٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ، قَالَهُ الْحَافِظُ ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غُنْمٍ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ النُّونِ الْأَشْعَرِيِّ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ ، وَذَكَرَهُ الْعِجْلِيُّ فِي كِبَارِ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ ، قَالَهُ الْحَافِظُ . قَوْلُهُ : ( إِذَا تَوَضَّأَ مَسَحَ وَجْهَهُ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ ) أَيْ نَشَّفَ بِهِ بَعْدَ الْوُضُوءِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّنْشِيفِ لَكِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا ضَعِيفٌ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ عَائِشَةَ لَيْسَ بِالْقَائِمِ ) وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ ضَعِيفٌ . قَوْلُهُ : ( وَأَبُو مُعَاذٍ يَقُولُونَ : هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ) قَالَ الْخَزْرَجِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ : سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ الْبَصْرِيُّ أَبُو مُعَاذٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ ، وَعَنْهُ الثَّوْرِيُّ ، وَيَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : مَتْرُوكٌ . انْتَهَى . وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ : قَالَ خ هُوَ مَوْلَى قُرَيْظَةَ أَوْ النَّضِيرِ ، رَوَي عَنِ الْحَسَنِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، تَرَكُوهُ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : لَا يَرْوِى عَنْهُ ، وَقَالَ عَبَّاسٌ ، وَعُثْمَانُ ، عَنِ ابْنِ مَعِينٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَقَالَ الْجُوزَجَانِيُّ سَاقِطٌ ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مَتْرُوكٌ ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ ذَاهِبٌ الحديث ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ : كُنَّا نُنْهَى عَنْ مُجَالَسَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ فَذَكَرَ مِنْهُ أَمْرًا عَظِيمًا . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رَخَّصَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي الْمِنْدِيلِ بَعْدَ الْوُضُوءِ ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَخَذَ الْمِنْدِيلِ بَعْدَ الْوُضُوءِ عُثْمَانُ ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَأَنَسٌ ، وَبَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ ، وَرَخَّصَ فِيهِ الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَعَلْقَمَةُ ، وَالْأَسْوَدُ ، وَمَسْرُوقٌ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَكَانَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا . كَذَا فِي عُمْدَةِ الْقَارِي ، وَاحْتَجَّ الْمُرَخِّصُونَ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ وَبِحَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ : قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى غَسْلِهِ فَسَتَرَتْ عَلَيْهِ فَاطِمَةُ ثُمَّ أَخَذَ ثَوْبَهُ فَالْتَحَفَ بِهِ ، قَالَ الْعَيْنِيُّ : هَذَا ظَاهِرٌ فِي التَّنْشِيفِ وبِحَدِيثِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ : أَتَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعْنَا لَهُ مَاءً فَاغْتَسَلَ ثُمَّ أَتَيْنَاهُ بِمِلْحَفَةٍ وَرْسِيَّةٍ فَاشْتَمَلَ بِهَا فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَثَرِ الْوَرْسِ عَلَيْهِ . قُلْتُ : فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى جَوَازِ التَّنْشِيفِ بَعْدَ الْوُضُوءِ تَأَمُّلٌ ، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ ( وَمَنْ كَرِهَهُ إِنَّمَا كَرِهَهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قِيلَ : إِنَّ الْوُضُوءَ يُوزَنُ ) : أَيْ مِنْ جِهَةِ أَنَّ مَاءَ الْوُضُوءِ يُوزَنُ فَيُكْرَهُ إِزَالَتُهُ بِالتَّنْشِيفِ ، وَفِيهِ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ مَا اسْتُعْمِلَ فِي الْوُضُوءِ يُوزَنُ لَا الْبَاقِي عَلَى الْأَعْضَاءِ . وَقِيلَ : لِأَنَّ مَاءَ الْوُضُوءِ نُورٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَفِيهِ مِثْلُ مَا فِي مَا قَبْلِهِ . وَقِيلَ : لِأَنَّهُ إِزَالَةٌ لِأَثَرِ الْعِبَادَةِ ، وَفِيهِ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ نَفْضُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ بَعْدَ الْغُسْلِ . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : نَفْضُهُ الْمَاءَ بِيَدِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا كَرَاهَةَ فِي التَّنْشِيفِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إِزَالَةٌ . انْتَهَى . وَقِيلَ : لِأَنَّ الْمَاءَ يُسَبِّحُ مَا دَامَ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ، وَفِيهِ مَا قَالَ الْقَارِي مِنْ أَنَّ عَدَمَ تَسْبِيحِ مَاءِ الْوُضُوءِ إِذَا نُشِّفَ يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ صَحِيحٍ . انْتَهَى . قُلْتُ : قَدْ كَرِهَ التَّنْشِيفَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَابْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، كَمَا ذَكَرَ الْعَيْنِيُّ ، وَاحْتَجُّوا بِمَا ذُكِرَ ، وَقَدْ عَرَفْتَ مَا فِيهِ ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَنَسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِالْمِنْدِيلِ بَعْدَ الْوُضُوءِ ، وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ وَلَا ابْنُ مَسْعُودٍ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ شَاهِينَ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ . وَفِيهِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ ، صَرَّحَ بِهِ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ ، فَلَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ ، وَبِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ فِي غَسْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِيهِ : فَنَاوَلْتُهُ ثَوْبًا فَلَمْ يَأْخُذْهُ ، فَانْطَلَقَ وَهُوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ . قَالُوا : هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْشِيفِ بَعْدَ الْغُسْلِ ، فَيَثْبُتُ بِهِ كَرَاهَتُهُ بَعْدَ الْوُضُوءِ أَيْضًا . وَفِيهِ مَا قَالَ الْحَافِظُ مِنْ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ ; لِأَنَّهَا وَاقِعَةُ حَالٍ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ الِاحْتِمَالُ ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ الْأَخْذِ لِأَمْرٍ آخَرَ لَا يَتَعَلَّقُ بِكَرَاهَةِ التَّنْشِيفِ ، بَلْ لِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالْخِرْقَةِ أَوْ لِكَوْنِهِ كَانَ مُسْتَعْجِلًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ . قَالَ الْمُهَلَّبُ : يُحْتَمَلُ تَرْكُهُ الثَّوْبَ لِإِبْقَاءِ بَرَكَةِ الْمَاءِ أَوْ لِلتَّوَاضُعِ ، أَوْ لِشَيْءٍ آخَرَ رَآهُ فِي الثَّوْبِ مِنْ حَرِيرٍ أَوْ وَسَخٍ ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أحمد والْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِالْمِنْدِيلِ ، وَإِنَّمَا رَدَّهُ مَخَافَةَ أَنْ يَصِيرَ عَادَةً . وَقَالَ التَّيْمِيُّ فِي شَرْحِهِ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُنَشِّفُ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ تَأْتِهِ بِالْمِنْدِيلِ . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : نَفْضُهُ الْمَاءَ بِيَدِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا كَرَاهَةَ فِي التَّنْشِيفِ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إِزَالَةٌ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . وَالْقَوْلُ الرَّاجِحُ عِنْدِي : هُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ التَّنْشِيفِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ ) بْنِ حَيَّانَ الرَّازِيُّ حَافِظٌ ضَعِيفٌ ، وَكَانَ ابْنُ مَعِينٍ حَسَنَ الرَّأْيِ فِيهِ ( قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنُ قُرْطٍ الضَّبِّيُّ الْكُوفِيُّ ، نَزِيلُ الرَّيِّ وَقَاضِيهَا ، ثِقَةٌ صَحِيحُ الْكِتَابِ ، قِيلَ : كَانَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ يَهِمُ مِنْ حِفْظِهِ ، ( حَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ مُجَاهِدٍ ) بْنِ مُسْلِمٍ الْقَاضِي الْكَابُلِيُّ - بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ - مَتْرُوكٌ وَلَيْسَ فِي شُيُوخِ أَحْمَدَ أَضْعَفُ مِنْهُ ( عَنِّي ) كَانَ جَرِيرٌ حَدَّثَ بِهِ أَوَّلًا عَلِيُّ بْنُ مُجَاهِدٍ ثُمَّ نَسِيَ جَرِيرٌ فَأَخْبَرَهُ عَلِيُّ بْنُ مُجَاهِدٍ بِأَنَّكَ حَدَّثْتَنِي بِهِ عَنْ ثَعْلَبَةَ ، فَرَوَاهُ جَرِيرٌ بَعْدَمَا نَسِيَ وَقَالَ : حَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ مُجَاهِدٍ عَنِّي . قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : وَقَدْ رَوَى كَثِيرٌ مِنَ الْأَكَابِرِ أَحَادِيثَ نَسُوهَا بَعْدَمَا حَدَّثُوا بِهَا ، وَكَانَ أَحَدُهُمْ يَقُولُ : حَدَّثَنِي فُلَانٌ عَنِّي عَنْ فُلَانٍ بِكَذَا ، وَصَنَّفَ فِي ذَلِكَ الْخَطِيبُ أَخْبَارَ مَنْ حَدَّثَ وَنَسِيَ ، وَكَذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيُّ . ( وَهُوَ عِنْدِي ثِقَةٌ ) هَذَا قَوْلُ جَرِيرٍ ( عَنْ ثَعْلَبَةَ ) بْنِ سُهَيْلٍ التَّمِيمِيِّ الطَّهْوِيِّ الْكُوفِيِّ ، كَانَ يَكُونُ بِالرَّيِّ ، وَكَانَ مُتَطَبًّا ، رَوَى عَنِ الزُّهْرِيِّ وَغَيْرِهِ ، وَعَنْهُ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ وَغَيْرُهُ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : رَوَى لَهُ التِّرْمِذِيُّ أَثَرًا مَوْقُوفًا فِي الْوُضُوءِ . انْتَهَى . قُلْتُ : أَشَارَ الْحَافِظُ إِلَى أَثَرِ الزُّهْرِيِّ هَذَا .
بَاب المَندُيلِ بَعْدَ الْوُضُوءِ 53 حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعِ ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ حُبَابٍ ، عَنْ أَبِي مُعَاذٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : كَانَت لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِرْقَةٌ يُنَشِّفُ بِهَا بَعْدَ الْوُضُوءِ وَفِي الْبَاب عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ . ( بَابُ الْمِنْدِيلِ بَعْدَ الْوُضُوءِ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْمِنْدِيلُ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ ، وَكَمِنْبَرٍ الَّذِي يَتَمَسَّحُ بِهِ ، وَتَنْدَلَ بِهِ وَتَمَنْدَلَ تَمَسَّحَ . انْتَهَى . أَيْ بَابُ اسْتِعْمَالِ الْمِنْدِيلِ بَعْدَ الْوُضُوءِ لِتَنْشِيفِ الْمَاءِ . قَوْلُهُ ( حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ ) أَبُو مُحَمَّدٍ الرَّؤاسُي الْكُوفِيُّ كَانَ صَدُوقًا إِلَّا أَنَّهُ ابْتُلِيَ بِوَرَّاقِهِ . فَأَدْخَلَ عَلَيْهِ مَا لَيْسَ مِنْ حَدِيثِهِ فَنُصِحَ فَلَمْ يَقْبَلْ فَسَقَطَ حَدِيثُهُ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ( عَنْ أَبِي مُعَاذٍ ) اسْمُهُ سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ التِّرْمِذِيُّ فِيمَا بَعْدَهُ . قَوْلُهُ : ( كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِرْقَةٌ يُنَشِّفُ بِهَا بَعْدَ الْوُضُوءِ ) مِنَ التَّنْشِيفِ ، قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : أَصْلُ النَّشْفِ دُخُولُ الْمَاءِ فِي الْأَرْضِ وَالثَّوْبِ ، يُقَالُ : نَشَّفَتِ الْأَرْضُ الْمَاءَ تُنَشِّفُهُ نَشْفًا شَرِبَتْهُ ، وَنَشَّفَ الثَّوْبُ الْعَرَقَ وَتَنَشَّفَهُ ، وَأَرْضٌ نَشْفَةٌ ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَشَّافَةٌ يُنَشِّفُ بِهَا غُسَالَةَ وَجْهِهِ ؛ يَعْنِي مِنْدِيلًا يَمْسَحُ بِهَا وُضُوءَهُ . انْتَهَى ، وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ : نَشِفَ الثَّوْبُ الْعَرَقَ كَسَمِعَ وَنَصَرَ شَرِبَهُ ، وَالْحَوْضُ الْمَاءَ شَرِبَهُ كَتَنَشَّفَهُ ، وَقَالَ فِيهِ : نَشَّفَ الْمَاءَ تَنْشِيفًا أَخَذَهُ بِخِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا . انْتَهَى ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلُ جَوَازِ التَّنْشِيفِ بَعْدَ الْوُضُوءِ ، لَكِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ . قُلْتُ : وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ أُخْرَى ، فَمِنْهَا حَدِيثُ الْوَضِينِ بْنِ عَطَار ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ مَحْفُوظِ بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنْ سَلْمَانَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ فَقَلَبَ جُبَّةَ صُوفٍ كَانَتْ عَلَيْهِ فَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ ، وَهَذَا ضَعِيفٌ عِنْدَ جَمَاعَةٍ ، وَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِرْقَةٌ يَتَنَشَّفُ بِهَا بَعْدَ الْوُضُوءِ ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ : إِسْنَادُهُ غَيْرُ قَوِيٍّ . وَمِنْهَا حَدِيثُ أَنَسٍ مِثْلَهُ وَأَعَلَّهُ . وَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي مَرْيَمَ إِيَاسِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ فُلَانٍ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَهُ مِنْدِيلٌ أَوْ خِرْقَةٌ يَمْسَحُ بِهَا وَجْهَهُ إِذَا تَوَضَّأَ . أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي الْكُنَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ . ومِنْهَا حَدِيثُ مُنِيبِ بْنِ مُدْرِكٍ الْمَكِّيِّ الْأَزْدِيِّ قَالَ : رَأَيْتُ جَارِيَةً تَحْمِلُ وَضُوءًا وَمِنْدِيلًا فَأَخَذَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَاءَ فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ بِالْمِنْدِيلِ وَجْهَهُ . أَسْنَدَهُ الْإِمَامُ مُغْلَطَايْ فِي شَرْحِهِ ، كَذَا فِي عُمْدَةِ الْقَارِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ لِلْعَيْنِيِّ رحمه الله . قُلْتُ : هَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ إِلَّا حَدِيثَ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، فَقَالَ الْعَيْنِيُّ : أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي الْكُنَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ ، وَإِنِّي لَمْ أَقِفْ عَلَى سَنَدِهِ وَلَمْ أَظْفَرْ بِكِتَابِ الْكُنَى لِلنَّسَائِيِّ .
بَاب النَّهْيِ عَنْ الْبَوْلِ قَائِمًا 12 حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، أنا شَرِيكٌ ، عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبُولُ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ ، مَا كَانَ يَبُولُ إِلَّا قَاعِدًا . وَفِي الْبَاب عَنْ عُمَرَ وَبُرَيْدَةَ . قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ عَائِشَةَ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَصَحُّ ، وَحَدِيثُ عُمَرَ إِنَّمَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَبِي الْمُخَارِقِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ قَالَ : رَآنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُولُ قَائِمًا ، فَقَالَ : يَا عُمَرُ ، لَا تَبُلْ قَائِمًا . فَمَا بُلْتُ قَائِمًا بَعْدُ . وَإِنَّمَا رَفَعَ هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي الْمُخَارِقِ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، ضَعَّفَهُ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ . وَرَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ عُمَرُ : مَا بُلْتُ قَائِمًا مُنْذُ أَسْلَمْتُ . وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْكَرِيمِ ، وَحَدِيثُ بُرَيْدَةَ فِي هَذَا غَيْرُ مَحْفُوظٍ . وَمَعْنَى النَّهْيِ عَنْ الْبَوْلِ قَائِمًا عَلَى التَّأْدِيبِ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : إِنَّ مِنْ الْجَفَاءِ أَنْ تَبُولَ وَأَنْتَ قَائِمٌ . باب النهي عن البول قائما : قَوْلُهُ : ( ثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ اِبْنُ إِيَاسٍ السَّعْدِيُّ الْمَرْوَزِيُّ ، نَزِيلُ بَغْدَادَ ، ثُمَّ مَرْوٍ . ثِقَةٌ ، حَافِظٌ ، رَوَى عَنْ : شَرِيكٍ ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ ، وَهِقْلِ بْنِ زِيَادٍ ، وَهُشَيْمٍ وَخَلَائِقَ ، وَعَنْهُ : الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ وَوَثَّقَهُ ، مَاتَ سَنَةَ 244 أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ ( أَنَا شَرِيكُ ) بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ الْكُوفِيُّ الْقَاضِي ، صَدُوقٌ ، يُخْطِئُ كَثِيرًا ، تَغَيَّرَ حِفْظُهُ مُنْذُ وَلِيَ قَضَاءَ الْكُوفَةِ . كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : رَوَى عَنْ : زِيَادِ بْنِ عَلَاقَةَ ، وَزُبَيْدٍ ، وَسَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، وَسِمَاكِ ، وَخَلْقٍ ، وَعَنْهُ : هُشَيْمٌ ، وَعَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، وَأُمَمٌ . قَالَ أَحْمَدُ : هُوَ فِي أَبِي إِسْحَاقَ أَثْبَتُ مِنْ زُهَيْرٍ . وَقَالَ اِبْنُ مَعِينٍ : ثِقَةٌ يَغْلَطُ . وَقَالَ الْعِجْلِيُّ : ثِقَةٌ . قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ : ثِقَةٌ ، سَيِّئُ الْحِفْظِ . مَاتَ سَنَةَ 177 سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ . ( عَنْ الْمِقْدَامِ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ ( بْنِ شُرَيْحٍ ) بِضَمِّ الشِّينِ مُصَغَّرًا اِبْنِ هَانِئ بْنِ يَزِيدَ الْحَارِثِيِّ الْكُوفِيِّ ، ثِقَةٌ ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَعَنْه اِبْنِهِ يَزِيدَ ، وَمِسْعَرٍ وَغَيْرِهِمَا ، وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ ، وَأَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ( عَنْ أَبِيهِ ) شُرَيْحٍ بْنِ هَانِئ أَبِي الْمِقْدَامِ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ عَلِيٍّ ، رَوَى عَنْ : أَبِيهِ وَعُمَرَ ، وَبِلَالٍ ، وَعَنْهُ : اِبْنُهُ الْمِقْدَامُ ، وَالشَّعْبِيُّ . وَثَّقَهُ اِبْنُ مَعِينٍ ، وَهُوَ مُخَضْرَمٌ . قَوْلُهُ : ( مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبُولُ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ يَبُولُ قَائِمًا ، بَلْ كَانَ هَدْيُهُ فِي الْبَوْلِ الْقُعُودَ ، وَلَكِنَّ قَوْلَ عَائِشَةَ هَذَا لَا يَنْفِي إِثْبَاتَ مَنْ أَثْبَتَ وُقُوعَ الْبَوْلِ مِنْهُ حَالَ الْقِيَامِ ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ ، وَبُرَيْدَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ اِبْنُ مَاجَهْ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَأَمَّا حَدِيثُ بُرَيْدَةَ فَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ : ثَلَاثٌ مِنْ الْجَفَاءِ : أَنْ يَبُولَ الرَّجُلُ قَائِمًا ، أَوْ يَمْسَحَ جَبْهَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ ، أَوْ يَنْفُخَ فِي سُجُودِهِ . كَذَا فِي النَّيْلِ . وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبُولَ الرَّجُلُ قَائِمًا . أَخْرَجَهُ اِبْنُ مَاجَهْ وَفِي إِسْنَادِهِ عَدِيُّ بْنُ الْفَضْلِ وَهُوَ مَتْرُوكٌ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ عَائِشَةَ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَصَحُّ ) حَدِيثُ عَائِشَةَ هَذَا أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَفِي إِسْنَادِهِ شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ . وَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ صَدُوقٌ يُخْطِئُ كَثِيرًا ، وَتَغَيَّرَ حِفْظُهُ مُنْذُ وَلِيَ الْكُوفَةَ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : لَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّهْيِ عَنْ الْبَوْلِ قَائِمًا شَيْءٌ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي أَوَائِلِ شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . قُلْتُ : فَالْمُرَادُ بِقَوْلِ التِّرْمِذِيِّ : حَدِيثُ عَائِشَةَ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَصَحُّ ؛ أَيْ : هُوَ أَقَلُّ ضَعْفًا وَأَرْجَحُ مِمَّا وَرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَحَدِيثُ عُمَرَ إِنَّمَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَبِي الْمُخَارِقِ إِلَخْ ) أَخْرَجَهُ اِبْنُ مَاجَهْ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ . ( فَمَا بُلْتُ قَائِمًا بَعْدُ ) بِالْبِنَاءِ عَلَى الضَّمِّ ؛ أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ . ( وَإِنَّمَا رَفَعَ هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي الْمُخَارِقِ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، أَبُو أُمَيَّةَ الْمُعَلِّمُ الْبَصْرِيُّ ، نَزِيلُ مَكَّةَ . ( وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ) قَالَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ فِي مُقَدِّمَةِ فَتْحِ الْبَارِي : عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي الْمُخَارِقِ أَبُو أُمَيَّةَ الْبَصْرِيُّ ، نَزِيلُ مَكَّةَ ، مَتْرُوكٌ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ . انْتَهَى . ( ضَعَّفَهُ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ سَاكِنَةٌ ، ثُمَّ مُثَنَّاةٌ فَوْقِيَّةٌ مَكْسُورَةٌ ، ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ ، وَآخِرُهُ نُونٌ : هُوَ أَيُّوبُ بْنُ أَبِي تَمِيمَةَ كَيْسَانَ الْبَصْرِيُّ ، ثِقَةٌ ، ثَبْتٌ ، حُجَّةٌ ، مِنْ كِبَارِ الْفُقَهَاءِ ، تَقَدَّمَ تَرْجَمَتُهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ . ( وَرَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ اِبْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ عُمَرُ : مَا بُلْتُ قَائِمًا مُنْذُ أَسْلَمْتُ ) أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ ، قَالَ الْحَافِظُ الْهَيْثَمِيُّ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ : رِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، وَهَذَا الْأَثَرُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه مَا بَالَ قَائِمًا مُنْذُ أَسْلَمَ . لَكِنْ قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي : قَدْ ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ بَالُوا قِيَامًا . انْتَهَى . ( وَهَذَا ) أَيْ حَدِيثُ عُمَرَ الْمَوْقُوفُ ( أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أبي المخارق ) لِضَعْفِهِ ( وَحَدِيثُ بُرَيْدَةَ فِي هَذَا غَيْرُ مَحْفُوظٍ ) قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ : فِي قَوْلِ التِّرْمِذِيِّ فِي هَذَا نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ الْبَزَّارَ أَخْرَجَهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مِنْ الْجَفَاءِ أَنْ يَبُولَ الرَّجُلُ قَائِمًا . الْحَدِيثَ ، وَقَالَ : لَا أَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ اِبْنِ بُرَيْدَةَ إِلَّا سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ . قُلْتُ : التِّرْمِذِيُّ مِنْ أَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ ، فَقَوْلُهُ : حَدِيثُ بُرَيْدَةَ فِي هَذَا غَيْرُ مَحْفُوظٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا إِخْرَاجُ الْبَزَّارِ حَدِيثَهُ بِسَنَدٍ ظَاهِرُهُ الصِّحَّةُ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ غَيْرَ مَحْفُوظٍ . قَوْلُهُ : ( وَمَعْنَى النَّهْيِ عَنْ الْبَوْلِ قَائِمًا عَلَى التَّأْدِيبِ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ ) يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي حُذَيْفَةَ الْآتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ . ( وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : إِنَّ مِنْ الْجَفَاءِ ) قَالَ فِي الصُّرَاحِ : جَفَاء بِالْمَدِّ بدى وستم يُقَالُ : جَفَوْتُهُ ، فَهُوَ مَجْفُوٌّ ، وَلَا تَقُلْ : جَفَيْتُ ، وَفُلَانٌ ظَاهِرُ الْجِفْوَةِ بِالْكَسْرِ ؛ أَيْ : ظَاهِرُ الْجَفَاءِ . انْتَهَى . وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ : الْجَفَاءُ تَرْكُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَغِلَظُ الطَّبْعِ . ( وَأَنْتَ قَائِمٌ ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ، وَهَذَا الْأَثَرُ ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ هَكَذَا مُعَلَّقًا ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَنْ وَصَلَهُ .
بَاب مَا جَاءَ أَنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً 106 حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ نَا الْحَارِثُ بْنُ وَجِيهٍ نَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَانْقُوا الْبَشَرَة ، وَفِي الْبَاب عَنْ عَلِيٍّ وَأَنَسٍ ، قَالَ أَبُو عِيسَى حَدِيثُ الْحَارِثِ بْنِ وَجِيهٍ حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ وَهُوَ شَيْخٌ لَيْسَ بِذَلكَ ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ ، وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ ، وَيُقَالُ الْحَارِثُ بْنُ وَجِيهٍ وَيُقَالُ ابْنُ وَجْبَةَ . بَاب مَا جَاءَ أَنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً قَوْلُهُ : ( نَا الْحَارِثُ بْنُ وَجِيهٍ ) بِالْوَاوِ وَالْجِيمِ وَالْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْهَاءِ بِوَزْنِ فَعِيلٍ ، وَقِيلَ : بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْجِيمِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ الرَّاسبِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَصْرِيُّ ضَعِيفٌ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ . ( نَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ ) الْبَصْرِيُّ الزَّاهِدُ أَبُو يَحْيَى صَدُوقٌ عَابِدٌ وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ مَاتَ سَنَةَ 130 ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ . ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ) الْأَنْصَارِيِّ الْبَصْرِيِّ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ عَابِدٌ كَبِيرُ الْقَدْرِ ، كَانَ لَا يَرَى الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى ، مِنَ الثَّالِثَةِ مَاتَ 110 سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ ، رَوَى عَنْ مَوْلَاهُ أَنَسٍ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَطَائِفَةٍ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ ، وَعَنْهُ الشَّعْبِيُّ ، وَثَابِتٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ وَخَلْقٌ كَثِيرٌ ، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : كَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا عَالِيًا رَفِيعًا فَقِيهًا إِمَامًا كَثِيرَ الْعِلْمِ ، وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ : رَأَيْتُ ابْنَ سِيرِينَ فِي السُّوقِ فَمَا رَآهُ أَحَدٌ إِلَّا ذَكَرَ اللَّهَ ، وَرُوِيَ أَنَّهُ اشْتَرَى بَيْتًا فَأَشْرَفَ فِيهِ عَلَى ثَمَانِينَ أَلْفِ دِينَارٍ فَعَرَضَ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ فَتَرَكَهُ . قَوْلُهُ : ( تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ ) فَلَوْ بَقِيَتْ شَعْرَةٌ وَاحِدَةٌ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا الْمَاءُ بَقِيَتْ جَنَابَةٌ ، وَالشَّعْرُ بِفَتْحِ الشِّينِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ لِلْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ ، فَيُجْمَعُ عَلَى شُعُورٍ مِثْلَ فَلْسٍ وَفُلُوسٍ وَبِفَتْحِ الْعَيْنِ فَيُجْمَعُ عَلَى أَشْعَارٍ مِثْلَ سَبَبٍ وَأَسْبَابٍ وَهُوَ مُذَكَّرٌ الْوَاحِدَةُ شَعْرَةُ وَالشِّعْرَةُ بِكَسْرِ الشِّينِ عَلَى وَزْنِ سِدْرَةٍ شَعْرُ الرُّكَبِ لِلنِّسَاءِ خَاصَّةً ، قَالَهُ فِي الْعُبَابِ . ( فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِهَا أَيْ جَمِيعَهُ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ يُوجِبُ نَقْضَ الْقُرُونِ وَالضَّفَائِرِ إِذَا أَرَادَ الِاغْتِسَالَ مِنَ الْجَنَابَةِ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ شَعْرُهُ مَغْسُولًا إِلَّا أَنْ يَنْقُضَهَا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَقَالَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَى أُصُولِ الشَّعْرِ وَإِنْ لَمْ يَنْقُضْ شَعْرَهُ يَجْزِيهِ ، وَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ . انْتَهَى . ( وَانْقُوا الْبَشَرَ ) مِنْ الْإِنْقَاءِ أي نَظِّفُوا الْبَشَرَ مِنَ الْأَوْسَاخِ لِأَنَّهُ لَوْ مَنَعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وُصُولَ الْمَاءِ لَمْ يَرْتَفِعْ الْجَنَابَةُ ، وَالْبَشَرُ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالشِّينِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ : الْبَشَرُ ظَاهِرُ جِلْدِ الْإِنْسَانِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ ، وَأَنَسٍ ) أَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ فَعَلَ اللَّهُ بِهِ كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ ، قَالَ عَلِيٌّ : فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ شَعْرِي ، زَادَ أَبُو دَاوُدَ : وَكَانَ يَجُزُّ شَعْرَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، كَذَا فِي الْمُنْتَقَى ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ وَقَدْ سَمِعَ مِنْهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادٍ لَكِنْ قِيلَ : إِنَّ الصَّوَابَ وَقْفُهُ عَلَى عَلِيٍّ . انْتَهَى ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ وَفِيهِ : وَيَا أَنَسُ بَالِغْ فِي الِاغْتِسَالِ فِي الْجَنَابَةِ فَإِنَّكَ تَخْرُجُ مِنْ مُغْتَسَلِكَ وَلَيْسَ عَلَيْكَ ذَنْبٌ وَلَا خَطِيئَةٌ قَالَ : قُلْتُ كَيْفَ الْمُبَالَغَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ : تَبُلُّ أُصُولَ الشَّعْرِ وَتُنْقِي الْبَشَرَةَ ، الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، قَالَهُ الْهَيْثَمِيُّ ، وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ أَبِي أَيُّوبَ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي حَدِيثٍ فِيهِ أَدَاءُ الْأَمَانَةِ غُسْلُ الْجَنَابَةِ فَإِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ كَذَا فِي التَّلْخِيصِ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ الْحَارِثِ بْنِ وَجِيهٍ غَرِيبٌ إِلَخْ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : مَدَارُهُ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ وَجبة وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : الْحَارِثُ حَدِيثُهُ مُنْكَرٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْحَدِيثُ لَيْسَ بِثَابِتٍ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : أَنْكَرَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ ، الْبُخَارِيِّ ، وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمَا . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . ( وَهُوَ شَيْخٌ لَيْسَ بِذَلِكَ ) ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : وهو شيخ لَيْسَ بِذَاكَ أَيْ بِذَاكَ الْمَقَامِ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ أَيْ رِوَايَتُهُ لَيْسَتْ بِقَوِيَّةٍ كَذَا فِي الطِّيبِيِّ ، وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَهُ وَهُوَ شَيْخٌ لِلْجَرْحِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ عَامَّةُ أَصْحَابِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُمْ شَيْخٌ مِنْ أَلْفَاظِ مَرَاتِبِ التَّعْدِيلِ ، فَعَلَى هَذَا يَجِيءُ إِشْكَالٌ آخَرُ فِي قَوْلِ التِّرْمِذِيِّ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ : لَيْسَ بِذَاكَ ، مِنْ أَلْفَاظِ الْجَرْحِ اتِّفَاقًا ، فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ جَمْعٌ بَيْنَ الْمُتَنَافِيَيْنِ فَالصَّوَابُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ وَهُوَ شَيْخٌ عَلَى الْجَرْحِ بِقَرِينَةِ مُقَارَنَة بِقَوْلِهِ : لَيْسَ بِذَاكَ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَلْفَاظِ التَّعْدِيلِ وَلِإِشْعَارِهِ بِالْجَرْحِ لِأَنَّهُمْ وَإِنْ عَدَّوْهُ فِي أَلْفَاظِ التَّعْدِيلِ صَرَّحُوا أَيْضًا بِإِشْعَارِهِ بِالْقُرْبِ مِنَ التَّجْرِيحِ ، أَوْ نَقُولُ : لَا بُدَّ فِي كَوْنِ الشَّخْصِ ثِقَةً مِنْ شَيْئَيْنِ الْعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ كَمَا بُيِّنَ فِي مَوْضِعِهِ ، فَإِذَا وُجِدَ فِي الشَّخْصِ الْعَدَالَةُ دُونَ الضَّبْطِ يَجُوزُ أَنْ يُعَدَّلَ بِاعْتِبَارِ الصِّفَةِ الْأُولَى ، وَيَجُوزُ أَنْ يُجَرَّحَ بِاعْتِبَارِ الصِّفَةِ الثَّانِيَةِ ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا جَمْعًا بَيْنَ الْمُتَنَافِيَيْنِ كَذَا فِي السَّيِّدِ جَمَالِ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ .
بَاب مَا يُقَالُ بَعْدَ الْوُضُوءِ 55 حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ الثَّعْلَبِيُّ الْكُوفِيُّ ، نَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيِّ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ، وَأَبِي عُثْمَانَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ، ثُمَّ قَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ من الْجَنَّةِ ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَنَسٍ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ عُمَرَ قَدْ خُولِفَ زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ وَغَيْرُهُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، عَنْ عُمَرَ وَعَنْ ، أَبِي عُثْمَانَ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، عَنْ عُمَرَ . وَهَذَا حَدِيثٌ فِي إِسْنَادِهِ اضْطِرَابٌ ، وَلَا يَصِحُّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ كَثيرُ شَيْءٍ . قَالَ مُحَمَّدٌ : ، أَبُو إِدْرِيسَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُمَرَ شَيْئًا . بَاب مَا يُقَالُ بَعْدَ الْوُضُوءِ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ الثَّعْلَبِيُّ ) بِالْمُثَلَّثَةِ ثُمَّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ ، وَقَدْ يُنْسَبُ إِلَى جَدِّهِ ، صَدُوقٌ رَوَى عَنْ وَكِيعٍ ، وَيَحْيَى بْنِ سَلِيمٍ ، وَعَنْهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : صَدُوقٌ ، قَالَ الذَّهَبِيُّ : تُوُفِّيَ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ . ( عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ) بْنِ حُدَيْرٍ الْحَضْرَمِيِّ ، أَحَدُ الْأَعْلَامِ وَقَاضِي الْأَنْدَلُسِ ، وَثَّقَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَعِينٍ ، رَوَى عَنْ مَكْحُولٍ ، وَرَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ وَخَلْقٍ ، وَعَنْهُ الثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَابْنُ وَهْبٍ وَخَلْقٌ ، قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : هُوَ عِنْدِي ثِقَةٌ إِلَّا أَنَّهُ يَقَعُ فِي حَدِيثِهِ إِفْرَادَاتٌ ، مَاتَ سَنَةَ 158 ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ . ( عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيِّ ) قَالَ الْحَافِظُ : ثِقَةٌ عَابِدٌ ، وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : أَحَدُ الْأَعْلَامِ ، رَوَى عَنْ وَاثِلَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ ، وَجُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، وَعَنْهُ جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ ، وَحَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ ، قُتِلَ سَنَةَ 123 ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ . ( عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ) اسْمُهُ عَائذ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وُلِدَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ ، وَسَمِعَ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ ، وَمَاتَ سَنَةَ 80 ثَمَانِينَ ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : كَانَ عَالِمَ الشَّامِ بَعْدَ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، ( وَأَبِي عُثْمَانَ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : أَبُو عُثْمَانُ شَيْخٌ لِرَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيِّ ، قِيلَ : هُوَ سَعِيدُ بْنُ هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ ، وَقِيلَ : جَرِيرُ بْنُ عُثْمَانَ ، وَإِلَّا فَمَجْهُولٌ . قُلْتُ : قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ، وَأَظُنُّهُ سَعِيدَ بْنَ هَانِئٍ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، عَنْ عُقْبَةَ قَالَ مُعَاوِيَةُ : وَحَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ ، عَنْ عُقْبَةَ إِلَخْ ، فَرِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ هَذَهِ تُؤَيِّدُ أَنَّ أَبَا عُثْمَانَ هُوَ سَعِيدُ بْنُ هَانِئٍ ، وَأَيْضًا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ : وَأَبِي عُثْمَانَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مَعْطُوفٌ عَلَى رَبِيعَةَ . تَنْبِيهٌ : اعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ قَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِدُونِ زِيَادَةِ : اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ إِلَخْ بِإِسْنَادَيْنِ ، أَحَدُهُمَا عَنْ شَيْخِهِ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ : نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ : نَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ - يَعْنِي ابْنَ يَزِيدَ - عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، وَثَانِيهِمَا رَوَى عَنْ شَيْخِهِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ . قَالَ : نَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ ، قَالَ : نَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ، وَأَبِي عُثْمَانَ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرِ بْنِ مَالِكٍ الْحَضْرَمِيِّ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ . وَحَقَّقَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ قَائِلَ : وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ فِي السَّنَدِ الْأَوَّلِ هُوَ مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، وَأَنَّ قَوْلَهُ وَأَبِي عُثْمَانَ فِي السَّنَدِ الثَّانِي مَعْطُوفٌ عَلَى رَبِيعَةَ ، وَأَطْنَبَ فِي تَصْوِيبِهِ نَقْلًا عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْغَسَّانِيِّ الْجَيَّانِيِّ . ثُمَّ قَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ أَبُو عَلِيٍّ : وَقَدْ خَرَّجَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ فِي مُصَنَّفِهِ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ عَنْ شَيْخٍ لَهُ لَمْ يَقُمْ إِسْنَادُهُ عَنْ زَيْدٍ ، وَحَمَلَ أَبُو عِيسَى فِي ذَلِكَ عَلَى زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ ، وَزَيْدٌ بَرِيءٌ مِنْ هَذِهِ الْعُهْدَةِ ، وَالْوَهْمُ فِي ذَلِكَ مِنْ أَبِي عِيسَى أَوْ مِنْ شَيْخِهِ الَّذِي حَدَّثَهُ بِهِ ; لِأَنَّا قَدَّمْنَا مِنْ رِوَايَةِ أَئِمَّةٍ حُفَّاظٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ مَا خَالَفَ مَا ذَكَرَهُ أَبُو عِيسَى . انْتَهَى . قُلْتُ : قَوْلُهُ : وَحَمَلَ أَبُو عِيسَى فِي ذَلِكَ عَلَى زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ إِلَخْ يُشِيرُ بِهِ إِلَى قَوْلِ أَبِي عِيسَى فِيمَا بَعْدُ قَدْ خُولِفَ زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِلَخْ قَوْلُهُ : ( اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ ) جَمَعَ بَيْنَهَا إِلْمَامًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ وَلَمَّا كَانَتِ التَّوْبَةُ طَهَارَةَ الْبَاطِنِ عَنْ أَدْرَانِ الذُّنُوبِ ، وَالْوُضُوءُ طَهَارَةَ الظَّاهِرِ عَنِ الْأَحْدَاثِ الْمَانِعَةِ عَنِ التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ تَعَالَى نَاسَبَ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ) وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . قَوْلُهُ : ( خُولِفَ زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ) خَالَفَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ وَغَيْرُهُ وَبَيَّنَ التِّرْمِذِيُّ صُورَةَ الْمُخَالَفَةِ بِقَوْلِهِ : رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ وَغَيْرُهُ إِلَخْ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ فِي إِسْنَادِهِ اضْطِرَابٌ ، وَلَا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثيرُ شَيْءٍ ) اعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ عُمَرَ هَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِدُونِ زِيَادَةِ : اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ ، وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ فَهُوَ صَحِيحٌ سَالِمٌ مِنَ الْاِضْطِرَابِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ بَعْدَ ذِكْرِ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ هَذَا مَا لَفْظُهُ : لَكِنَّ رِوَايَةَ مُسْلِمٍ سَالِمَةٌ مِنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ ، وَالزِّيَادَةُ الَّتِي عِنْدَهُ رَوَاهَا الْبَزَّارُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ ثَوْبَانَ وَلَفْظُهُ : مَنْ دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ فَسَاعَةَ فَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ يَقُولُ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ . الْحَدِيثَ ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ . انْتَهَى مَا فِي التَّلْخِيصِ . ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فِي هَذَا الْبَابِ غَيْرُ حَدِيثِ عُمَرَ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَقَدْ جَاءَ فِي هَذَا الْبَابِ أَحَادِيثُ ضِعَافٌ ، مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ : مَنْ تَوَضَّأَ ، فَقَالَ : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ كُتِبَ فِي رَقٍّ ثُمَّ طُبِعَ بِطَابَعٍ ، فَلَمْ يُكْسَرْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَاخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ وَالْمَرْفُوعُ ضَعِيفٌ ، وَأَمَّا الْمَوْقُوفُ فَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا حَقَّقَ ذَلِكَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ . ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ فِي كُتُبِهِمْ مِنَ الدُّعَاءِ عِنْدَ كُلِّ عُضْوٍ كَقَوْلِهِمْ : يُقَالُ عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ : اللَّهُمَّ بَيِّضْ وَجْهِي يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ، وَعِنْدَ غَسْلِ الْيَدِ الْيُمْنَى اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كِتَابِي بِيَمِينِي وَحَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا إِلَخْ ، فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ حَدِيثٌ . قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَرَدَ بِهَا الْأَثَرُ عَنِ الصَّالِحِينَ ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ : هَذَا الدُّعَاءُ لَا أَصْلَ لَهُ . وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : لَمْ يَصِحَّ فِيهِ حَدِيثٌ . قَالَ الْحَافِظُ : رُوِيَ فِيهِ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ طُرُقٍ ضَعِيفَةٍ جِدًّا أَوْرَدَهَا الْمُسْتَغْفِرِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ وَابْنُ عَسَاكِرَ فِي أَمَالِيهِ . انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ : وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عَلَى وُضُوئِهِ شَيْئًا غَيْرَ التَّسْمِيَةِ ، وَكُلُّ حَدِيثٍ فِي أَذْكَارِ الْوُضُوءِ الَّذِي يُقَالُ عَلَيْهِ فَكَذِبٌ مُخْتَلَقٌ لَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا مِنْهُ وَلَا عَلَّمَهُ لِأُمَّتِهِ ، وَلَا يَثْبُتُ عَنْهُ غَيْرُ التَّسْمِيَةِ فِي أَوَّلِهِ وَقَوْلُهُ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ ، وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ ، فِي آخِرِهِ . انْتَهَى .
بَاب فِي الرَّجُلِ يَسْتَدْفِئُ بِالْمَرْأَةِ بَعْدَ الْغُسْلِ 123 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ نَا وَكِيعٌ ، عَنْ حُرَيْثٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : رُبَّمَا اغْتَسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْجَنَابَةِ ثُمَّ جَاءَ فَاسْتَدْفَأَ بِي فَضَمَمْتُهُ إِلَيَّ وَلَمْ أَغْتَسِلْ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ بِإِسْنَادِهِ بَأْسٌ ، وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالتَّابِعِينَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا اغْتَسَلَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَسْتَدْفِئَ بِامْرَأَتِهِ وَيَنَامَ مَعَهَا قَبْلَ أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ . ( بَابٌ فِي الرَّجُلِ يَسْتَدْفِئُ بِالْمَرْأَةِ بَعْدَ الْغُسْلِ ) أَيْ يَطْلُبُ الدَّفَاءَةَ بِفَتْحَتَيْنِ وَالْمَدِّ وَهِيَ الْحَرَارَةُ بِأَنْ يَضَعَ أَعْضَاءَهُ عَلَى أَعْضَائِهَا . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ جَاءَ فَاسْتَدْفَأَ بِي ) أَيْ طَلَبَ الْحَرَارَةَ مِنِّي بِأَنْ وَضَعَ أَعْضَاءَهُ الشَّرِيفَةَ عَلَى أَعْضَائِي مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ وَجَعَلَنِي مَكَانَ الثَّوْبِ الَّذِي يُسْتَدْفَأُ بِهِ لِيَجِدَ السُّخُونَةَ مِنْ بَدَنِي ، كَذَا فِي اللُّمَعَاتِ ، وَفِي الْمِرْقَاةِ : قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ أَيْ يَطْلُبُ مِنِّي الْحَرَارَةَ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ أَيْ مَا تَسْتَدْفِئُونَ بِهِ ، وَفِيهِ أَنَّ بَشَرَةَ الْجُنُبِ طَاهِرَةٌ لِأَنَّ الِاسْتِدْفَاءَ إِنَّمَا يَحْصُلُ مِنْ مَسِّ الْبَشَرَةِ الْبَشَرَةَ كَذَا فِي الطِّيبِيِّ وَفِيهِ بَحْثٌ . انْتَهَى . قَالَ الْقَارِي : وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّ الِاسْتِدْفَاءَ يُمْكِنُ مَعَ الثَّوْبِ أَيْضًا . ( فَضَمَمْتُهُ إِلَيَّ وَلَمْ أَغْتَسِلْ ) وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَلَفْظُهُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ يَسْتَدْفِئُ بِي قَبْلَ أَنْ أَغْتَسِلَ . قَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ : سَنَدُهُ حَسَنٌ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌُ لَيْسَ بِإِسْنَادِهِ بَأْسٌ ) ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَتَقَدَّمَ لَفْظُهُ آنِفًا .
بَاب الْوُضُوءِ بِالْمُدِّ 56 وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، وَعَليُّ بْنُ حُجْرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ ، عَنْ سَفِينَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ . وَفِي الْبَاب عَنْ عَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ . قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ سَفِينَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَأَبُو رَيْحَانَةَ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَطَرٍ ، وَهَكَذَا رَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْوُضُوءَ بِالْمُدِّ ، وَالْغُسْلَ بِالصَّاعِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ : لَيْسَ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى التَّوَقِّيتِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْهُ وَلَا أَقَلُّ مِنْهُ وَهُوَ قَدْرُ مَا يَكْفِي . بَاب الْوُضُوءِ بِالْمُدِّ قَوْلُهُ : ( قَالَا : نَا إِسْمَاعِيلُ اِبْنُ عُلَيَّةَ ) هُوَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنُ مِقْسَمٍ الْأَسَدِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو بِشْرٍ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ ، ثِقَةٌ حَافِظٌ ، مِنَ الثَّامِنَةِ ( عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ ) اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَطَرٍ الْبَصْرِيُّ ، مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ ، صَدُوقٌ تَغَيَّرَ بِأَخَرَةٍ ، مِنَ الثَّالِثَةِ ( عَنْ سَفِينَةَ ) هُوَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، يُقَالُ : كَانَ اسْمُهُ مِهْرَانَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَلُقِّبَ سَفِينَةَ لِكَوْنِهِ حَمَلَ شَيْئًا كَبِيرًا فِي السَّفَرِ ، مَشْهُورٌ لَهُ أَحَادِيثُ . قَوْلُهُ : ( كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي : الْمُدُّ بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ إِنَاءٌ يَسَعُ رِطْلًا وَثُلُثًا بِالْبَغْدَادِيِّ ، قَالَهُ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَخَالَفَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ ، فَقَالُوا : الْمُدُّ رِطْلَانِ . انْتَهَى . وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي عُمْدَةِ الْقَارِي : وَهُوَ - أَيْ الْمُدُّ - رِطْلَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رِطْلٌ وَثُلُثٌ بِالْعِرَاقِ ، وَأَمَّا الصَّاعُ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثُ رِطْلٍ عِرَاقِيَّةٍ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٌ : الصَّاعُ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ . انْتَهَى . وَقَالَ الْعَيْنِيُّ مُعْتَرِضًا عَلَى الْحَافِظِ مَا لَفْظُهُ : مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُدَّ رِطْلَانِ ، وَمَا خَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ أَصْلًا ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَدِلُّ فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ جَابِرٌ ، قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ رِطْلَيْنِ ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ . أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ ، وَبِمَا رَوَاهُ أَنَسٌ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ رِطْلَيْنِ ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ . انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ . قُلْتُ : هَذَانِ الْحَدِيثَانِ ضَعِيفَانِ لَا يقُومُ بِهِمَا الْحُجَّةُ ، أَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى بْنِ وَجِيهٍ الْوَجِيهِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْهُ ، وَضَعَّفَ عِمْرَانَ بْنَ مُوسَى هُنَا عَنِ الْبُخَارِيِّ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَابْنِ مَعِينٍ ، وَوَافَقَهُمْ ، وَقَالَ : إِنَّهُ فِي عِدَادِ مَنْ يَضَعُ الْحَدِيثَ كَذَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الدِّرَايَةِ : فِيهِ عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى ، وَهُوَ هَالِكٌ . انْتَهَى . وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَقَالَ الْحَافِظُ فِي الدِّرَايَةِ بَعْدَ ذِكْرِهِ : هُوَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ ، عَنْ أَنَسٍ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى ، وَفِيهِ مُوسَى بْنُ نَصْرٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا ، وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْوَزْنِ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ : أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ طُرُقٍ ثُمَّ ذَكَرَهَا ، ثُمَّ قَالَ : وَضَعَّفَ الْبَيْهَقِيُّ هَذِهِ الْأَسَانِيدَ الثَّلَاثَةَ ، وَقَالَ : الصَّحِيحُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ . انْتَهَى كَلَامُ الزَّيْلَعِيِّ . وَالْعَجَبُ مِنَ الْعَيْنِيِّ رحمه الله أَنَّهُ اسْتَدَلَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ الضَّعِيفَيْنِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا فِيهِمَا مِنَ الْمَقَالِ الَّذِي يُسْقِطُهُمَا عَنِ الِاحْتِجَاجِ . وَاسْتَدَلَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله بِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ : حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : جَرَتِ السُّنَّةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ صَاعٌ مِنْ ثَمَانِيَةِ أَرْطَالٍ ، وَفِي الْوُضُوءِ رِطْلَانِ وَهَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا ضَعِيفٌ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ بَعْدَ رِوَايَتِهِ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ مَنْصُورٍ غَيْرُ صَالِحٍ وَهُوَ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ . انْتَهَى . وَالْحَاصِلُ : أَنَّهُ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ صَحِيحٌ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله مِنْ أَنَّ الْمُدَّ رِطْلَانِ ، ولِذَلِكَ تَرَكَ الْإِمَامُ أَبُو يُوسُفَ رحمه الله مَذْهَبَهُ وَاخْتَارَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْمُدَّ رِطْلٌ وَثُلُثُ رِطْلٍ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ : بَابُ صَاعِ الْمَدِينَةِ وَمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَرَكَتُهُ وَمَا تَوَارَثَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذَلِكَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ . انْتَهَى . قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي عُمْدَةِ الْقَارِي : قَوْلُهُ : وَمَا تَوَارَثَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ، أَيْ في بَيَانُ مَا تَوَارَثَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ قَرْنًا أَيْ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ إِلَى زَمَنِهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا يُوسُفَ لَمَّا اجْتَمَعَ مَعَ مَالِكٍ فِي الْمَدِينَةِ ، فَوَقَعَتْ بَيْنَهُمَا الْمُنَاظَرَةُ فِي قَدْرِ الصَّاعِ فَزَعَمَ أَبُو يُوسُفَ أَنَّهُ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ ، وَقَامَ مَالِكٌ وَدَخَلَ بَيْتَهُ وَأَخْرَجَ صَاعًا ، وَقَالَ : هَذَا صَاعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو يُوسُفَ : فَوَجَدْتُهُ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا فَرَجَعَ أَبُو يُوسُفَ إِلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَخَالَفَ صَاحِبَيْهِ فِي هَذَا . انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ . وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عِمْرَانَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ ، وَبِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ جَمِيعًا عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، قَالَ : قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَأَخْرَجَ إِلَى مَنْ أَثِقُ بِهِ صَاعًا ، فَقَالَ : هَذَا صَاعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَدَّرْتُهُ فَوَجَدْتُهُ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثَ رِطْلٍ ، وَسَمِعْتُ ابْنَ أَبِي عِمْرَانَ يَقُولُ : يُقَالُ : إِنَّ الَّذِي أَخْرَجَ هَذَا لِأَبِي يُوسُفَ هُوَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ . انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ الْحَبِيرِ : قَوْلُهُ والدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ فَقَطْ بِنَقْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ وَلِمَالِكٍ مَعَ أَبِي يُوسُفَ فِيهِ قِصَّةٌ مَشْهُورَةٌ ، وَالْقِصَّةُ رَوَاهَا الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أُمِّهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُخْرِجُونَ زَكَاةَ الْفِطْرِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُدِّ الَّذِي يَقْتَاتُ بِهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَلِلْبُخَارِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَانَ يُعْطِي زَكَاةَ رَمَضَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُدِّ الْأَوَّلِ . انْتَهَى مَا فِي التَّلْخِيصِ . وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ : وَالْمَشْهُورُ مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْوَلِيدِ الْقُرَشِيِّ - وَهُوَ ثِقَةٌ - قَالَ : قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو يُوسُفَ رحمه الله مِنَ الْحَجِّ ، فَقَالَ : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَفْتَحَ عَلَيْكُمْ بَابًا مِنَ الْعِلْمِ أَهَمَّنِي فَفَحَصْتُ عَنْهُ فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَسَأَلْتُ عَنِ الصَّاعِ ، فَقَالُوا : صَاعُنَا هَذَا صَاعُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قُلْتُ لَهُمْ : مَا حُجَّتُكُمْ فِي ذَلِكَ ، فَقَالُوا : نَأْتِيكَ بِالْحُجَّةِ غَدًا ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَانِي نَحْوٌ مِنْ خَمْسِينَ شَيْخًا مِنْ أَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ الصَّاعُ تَحْتَ رِدَائِهِ ، كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يُخْبِرُ عَنْ أَبِيهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ أَنَّ هَذَا صَاعُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا هِيَ سَوَاءٌ ، قَالَ : فَعَيَّرْتُهُ فَإِذَا هُوَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ بِنُقْصَانٍ يَسِيرٍ فَرَأَيْتُ أَمْرًا قَوِيًّا ، فَتَرَكْتُ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الصَّاعِ وَأَخَذْتُ بِقَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ مَالِكًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَاظَرَهُ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِالصِّيعَانِ الَّتِي جَاءَ بِهَا أُولَئِكَ الرَّهْطُ فَرَجَعَ أَبُو يُوسُفَ إِلَى قَوْلِهِ ، وَقَالَ : عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ ، سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ يَقُولُ : عَيَّرْتُ صَاعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَوَجَدْتُهُ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثَ رِطْلٍ بِالثَّمَرِ انْتَهَى مَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ . وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ص 280 جزء 27 بِإِسْنَادِهِ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُدًّا وَثُلُثًا بِمُدِّكُمْ الْيَوْمَ فَزِيدَ فِيهِ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُدَّهُمْ حِينَ حَدَّثَ بِهِ السَّائِبُ كَانَ أَرْبَعَةَ أَرْطَالٍ فَإِذَا زِيدَ عَلَيْهِ ثُلُثُهُ وَهُوَ رِطْلٌ وَثُلُثٌ قَامَ مِنْهُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ ، وَهُوَ الصَّاعُ بِدَلِيلِ أَنَّ مُدَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِطْلٌ وَثُلُثٌ وَصَاعُهُ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ . انْتَهَى . ثُمَّ رَوَى الْبُخَارِيُّ ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي زَكَاةَ رَمَضَانَ بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُدِّ الْأَوَّلِ ، وَفِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ أَبُو قُتَيْبَةَ : قَالَ لَنَا مَالِكٌ : مُدُّنَا أَعْظَمُ مِنْ مُدِّكُمْ ، وَلَا نَرَى الْفَضْلَ إِلَّا فِي مُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ لِي مَالِكٌ : لَوْ جَاءَكُمْ أَمِيرٌ فَضَرَبَ مُدًّا أَصْغَرَ مِنْ مُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تُعْطُونَ؟ قُلْتُ : كُنَّا نُعْطِي بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : أَفَلَا تَرَى أَنَّ الْأَمْرَ إِنَّمَا يَعُودُ إِلَى مُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . انْتَهَى . وَيَأْتِي بَاقِي الْكَلَامِ فِي مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُدِّ وَالصَّاعِ فِي بَابِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَجَابِرٍ ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ) أَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، قَالَتْ : كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ قَدَحٍ يُقَالُ لَهُ : الْفَرَقُ ، وَلَهَا رِوَايَاتٌ أُخْرَى ، فَفِي بَعْضِهَا : كَانَ يَغْتَسِلُ بِخَمْسِ مَكَاكِيكَ وَيَتَوَضَّأُ بِمَكُّوكٍ ، وَفِي أُخْرَى يُغَسِّلُهُ الصَّاعُ وَيُوَضِّئُهُ الْمُدُّ . وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ والأثرم قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُجْزِئُ مِنَ الْغُسْلِ الصَّاعُ وَمِنَ الْوَضُوءِ الْمُدُّ ، كَذَا فِي الْمُنْتَقَى . وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ : وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ مَاجَهْ بِنَحْوِهِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ سَفِينَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ ، وَابْنُ مَاجَهْ كَذَا فِي الْمُنْتَقَى . قَوْلُهُ : ( هَكَذَا رَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْوُضُوءُ بِالْمُدِّ وَالْغُسْلُ بِالصَّاعِ ) أَيْ بِالتَّوْقِيتِ وَالتَّحْدِيدِ ( وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ : لَيْسَ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى التَّوَقِّيتِ إِلَخْ ) . هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الرَّاجِحُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ، قَالَ الحافظ ابْنُ حَجَرٍ : قَدْ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ هِيَ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ هُوَ الْفَرَقُ . قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا : هُوَ ثَلَاثَةُ آصُعٍ ، وَرَوَى مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِهَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ إِنَاءٍ يَسَعُ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ الْحَالِ فِي ذَلِكَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَدَّرَ الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ بِمَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ كَابْنِ شَعْبَانَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ ، وَكَذَا مَنْ قَالَ بِهِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ مَعَ مُخَالَفَتِهِمْ لَهُ فِي مِقْدَارِ الْمُدِّ وَالصَّاعِ ، وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَنْ قَدَّرَ وُضُوءَهُ وَغُسْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الصَّحَابَةِ قَدَّرَهُمَا بِذَلِكَ ، فَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ سَفِينَةَ مِثْلُهُ ، وَلِأَحْمَدَ ، وَأَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرٍ مِثْلُهُ . وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمْ ، وَهَذَا إِذَا لَمْ تَدْعُ الْحَاجَةُ إِلَى الزِّيَادَةِ ، وَهُوَ أَيْضًا فِي حَقِّ مَنْ يَكُونُ خُلُقُهُ مُعْتَدِلًا . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . وَاعْتَرَضَ الْعَيْنِيُّ عَلَى قَوْلِهِ : فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَدَّرَ الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ بِمَا ذُكِرَ إِلخ بِأَنَّهُ لَا رَدَّ فِيهِ عَلَى مَنْ قَالَ بِهِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ كَمَا قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : لَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِهِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ فَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ الْمُغْتَسِلَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَعُمَّ جَسَدَهُ بِأَقَلَّ مِنْ مُدٍّ ، وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَجْسَادِ الْأَشْخَاصِ . انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ ، قُلْتُ : قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمَذْكُورُ يَدُلُّ دَلَالَةً ظَاهِرَةً عَلَى أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ ، فَإِنَّهُ إِذًا لَا يُمْكِنُ عِنْدَهُ أَنْ يَعُمَّ الْمُغْتَسِلُ جَسَدَهُ بِأَقَلَّ مِنْ مُدٍّ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ مُدًّا أَوْ أَكْثَرَ وَلَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ ، وَأَمَّا قَوْلُ الْعَيْنِيِّ : وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَجْسَادِ الْأَشْخَاصِ . فَلَا يُجْدِي نَفْعًا لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ لَمْ يَخُصَّ مُغْتَسِلًا عَنْ مُغْتَسِلٍ فَتَفَكَّرْ ، ثُمَّ قَالَ الْعَيْنِيُّ : إِنَّ الرِّوَايَاتِ مُخْتَلِفَةٌ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ ، وَفِي حَدِيثِ أُمِّ عُمَارَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ فَأُتِيَ بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَدْرَ ثُلُثَيْ الْمُدِّ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِمِ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِثُلُثَيْ مُدٍّ مِنْ مَاءٍ فَتَوَضَّأَ فَجَعَلَ يُدَلِّكُ ذِرَاعَيْهِ ، وَقَالَ الْحَاكِمُ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ، وَذَكَرَ رِوَايَاتٍ كَثِيرَةً مُخْتَلِفَةً; ثُمَّ قَالَ : قَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ : الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهَا كَانَتِ اغْتِسَالَاتٍ فِي أَحْوَالٍ وَجَدَ فِيهَا أَكْثَرَ مَا اسْتَعْمَلَهُ وَأَقَلَّهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا حَدَّ فِي قَدْرِ مَاءِ الطَّهَارَةِ يَجِبُ اسْتِيفَاؤُهُ ، ثُمَّ قَالَ : الْإِجْمَاعُ قَائِمٌ عَلَى ذَلِكَ . انْتَهَى . قُلْتُ : فِي دَعْوَى الْإِجْمَاعِ كَلَامٌ ، كَيْفَ وَقَدْ عَرَفْتَ مَذْهَبَ ابْنِ شَعْبَانَ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ .
بَاب هَلْ تَنْقُضُ الْمَرْأَةُ شَعْرَهَا عِنْدَ الْغُسْلِ 105 حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ نَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ ؟ قَالَ : لَا إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تُحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مِنْ مَاءٍ ثُمَّ تُفِيضِي عَلَى سَائِرِ جَسَدِكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ ، أَوْ قَالَ : فَإِذَا أَنْتِ قَدْ تَطَهَّرْتِ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا اغْتَسَلَتْ مِنْ الْجَنَابَةِ فَلَمْ تَنْقُضْ شَعْرَهَا أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهَا بَعْدَ أَنْ تُفِيضَ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهَا . بَاب هَلْ تَنْقُضُ الْمَرْأَةُ شَعْرَهَا عِنْدَ الْغُسْلِ قَوْلُهُ : ( نَا سُفْيَانُ ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ كَمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ . ( عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى ) بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ الْأُمَوِيُّ ، الْفَقِيهُ الْكُوفِيُّ ، مِنْ رِجَالِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ ، قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : لَهُ نَحْوُ أَرْبَعِينَ حَدِيثًا . وَثَّقَهُ أَحْمَدُ وَقَالَ يَحْيَى : أُصِيبَ مَعَ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ فِي سَنَةَ ثَلَاثٍ ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ، لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ فَرْدُ حَدِيثٍ . ( عَنِ الْمَقْبُرِيِّ ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : ثقة مِنَ الثَّالِثَةِ تَغَيَّرَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ . انْتَهَى . قُلْتُ : هُوَ مِنْ رِجَالِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ . ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ ) الْمَخْزُومِيِّ الْمَدَنِيِّ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ ثِقَةٌ ، مِنَ الثَّالِثَةِ ، رَوَى عَنْ مَوْلَاتِهِ أُمِّ سَلَمَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَنْهُ سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ ، وَابْنُ إِسْحَاقَ . وَثَّقَهُ أَبُو زُرْعَةَ . ( عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ) بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَاسْمُهَا هِنْدُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ وَاسْمُ أَبِي أُمَيَّةَ سُهَيْلٌ وَيُقَالُ لَهُ : زَادُ الرَّاكِبِ ، كَانَتْ عِنْدَ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ فَهَاجَرَ بِهَا إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ الْهِجْرَتَيْنِ جميعا فَوَلَدَتْ لَهُ هُنَاكَ زَيْنَبَ وَوَلَدَتْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ سَلَمَةَ ، وَعُمَرَ وَدُرَّةَ ، وَمَاتَ أَبُو سَلَمَةَ فِي جُمَادَى الأُخْرَى سَنَةَ 4 أَرْبَعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ فَتَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّ سَلَمَةَ فِي لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتُوُفِّيَتْ سَنَةَ 59 تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَقِيلَ : سَنَةَ 62 ثِنْتَيْنِ وَسِتِّينَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ . قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ : وَصَلَّى عَلَيْهَا سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ وَهُوَ غَلَطٌ وَالصَّحِيحُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَقُبِرَتْ بِالْبَقِيعِ وَهِيَ ابْنَةُ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً كَذَا فِي تَلْقِيحِ فُهُومِ أَهْلِ الْأَثَرِ فِي عُيُونِ التَّارِيخِ وَالسِّيَرِ لِلْحَافِظِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ . قَوْلُهُ : ( إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الشِّينِ أَيْ أُحْكِمُ ( ضَفْرَ رَأْسِي ) أَوْ بِنَسْجِهِ أَوْ فَتْلَهُ بِالضَّادِ الْمَفْتُوحَةِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ السَّاكِنَةِ نَسْجُ الشَّعْرِ وَإِدْخَالُ بَعْضِهِ فِي بَعْضٍ ، وَالضَّفِيرَةُ الذُّؤَابَةُ ، قَالَ الْقَارِي : وَقَالَ النَّوَوِيُّ : بِفَتْحِ الضَّادِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الْمَعْرُوفُ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ وَالْمُسْتَفِيضُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ ، وَمَعْنَاهُ أَحْكُمُ فَتْلَ شَعْرِي . وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ أَبْزَى فِي الْجُزْءِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي لَحْنِ الْفُقَهَاءِ : مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي يَقُولُونَهُ بِفَتْحِ الضَّادِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ وَصَوَابُهُ ضَمُّ الضَّادِ وَالْفَاءِ جَمْعُ ضَفِيرَةٍ كَسَفِينَةِ وَسُفُنٍ ، وَهَذَا الَّذِي أَنْكَرَهُ لَيْسَ كَمَا زَعَمَهُ بَلْ الصَّوَابُ جَوَازُ الْأَمْرَيْنِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْنًى صَحِيحٌ وَلَكِنْ يَتَرَجَّحُ مَا قَدَّمْنَاهُ لِكَوْنِهِ الْمَرْوِيَّ الْمَسْمُوعَ فِي الرِّوَايَاتِ الثَّابِتَةِ الْمُتَّصِلَةِ . ( أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ ) أَيْ أُفَرِّقُهُ لِأَجْلِهِ حَتَّى يَصِلَ الْمَاءُ إِلَى بَاطِنِهِ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَفَأَنْقُضُهُ لِلْحَيْضَةِ وَالْجَنَابَةِ . ( قَالَ لَا إِنَّمَا يَكْفِيكِ ) بِكَسْرِ الْكَافِ ( أَنْ تَحْثِي ) بِكَسْرِ مُثَلَّثَةٍ وَسُكُونِ يَاءٍ أَصْلُهُ تَحْثوينَ كَتَضْرِبِينَ أَوْ تَنْصُرِينَ فَحُذِفَ حَرْفُ الْعِلَّةِ بَعْدَ نَقْلِ حَرَكَتِهِ أَوْ حَذْفِهِ وَحَذْفِ النُّونِ لِلنَّصْبِ كَذَا فِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ ، قَالَ الْقَارِي : وَلَا يَجُوزُ فِيهِ النَّصْبُ ، وَالْحَثْيُ الْإِثَارَةُ أَيْ تَصُبِّي . ( ثُمَّ تُفِيضِي ) مِنَ الْإِفَاضَةِ عَطْفٌ عَلَى تَحْثِي أَيْ تَسِيلِي ( فَتَطْهُرِينَ ) أَيْ فَأَنْتِ تَطْهُرِينَ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيَّ . قَوْلُهُ : ( وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا اغْتَسَلَتْ مِنَ الْجَنَابَةِ فَلَمْ تَنْقُضْ شَعْرَهَا إِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهَا بَعْدَ أَنْ تُفِيضَ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهَا ) مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا اغْتَسَلَتْ مِنَ الْجَنَابَةِ أَوْ الْحَيْضِ يَكْفِيهَا أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِهَا ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا نَقْضُ شَعْرِهَا ، وَقَالَ الْحَسَنُ ، وَطَاوُسٌ يَجِبُ النَّقْضُ فِي غَسْلِ الْحَيْضِ دُونَ الْجَنَابَةِ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَرَجَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لِلِاسْتِحْبَابِ فِيهِمَا . وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ النَّقْضِ فِي غُسْلِ الْحَيْضِ دُونَ الْجَنَابَةِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ : وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي . وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : لِلْحَيْضَةِ وَالْجَنَابَةِ . وَحَمَلُوا الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَانْقُضِي رَأْسَكِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ ، أَوْ يُجْمَعُ بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ مَنْ لَا يَصِلُ الْمَاءُ إِلَى أُصُولِهِ إلا بِالنَّقْض فَيَلْزَمُ وَإِلَّا فَلَا ، هَذَا خُلَاصَةُ مَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ . وَقِيلَ : إِنَّ شَعْرَ أُمِّ سَلَمَةَ كَانَ خَفِيفًا فَعَلِمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يَصِلُ الْمَاءُ إِلَى أُصُولِهِ . وَقِيلَ بِأَنَّهُ إِنْ كَانَ مَشْدُودًا نُقِضَ وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ نَقْضُهُ لِأَنَّهُ يَبْلُغُ الْمَاءُ أُصُولَهُ . قَالَ صَاحِبُ سُبُلِ السَّلَامِ : لَا يَخْفَى أَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ كَانَ فِي الْحَجِّ فَإِنَّهَا أَحْرَمَتْ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ حَاضَتْ قَبْلَ دُخُولِ مَكَّةَ فَأَمَرَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَنْقُضَ رَأْسَهَا وَتَمْتَشِطَ وَتَغْتَسِلَ بِالْحَجِّ وَهِيَ حِينَئِذٍ لَمْ تَطْهُرْ مِنْ حَيْضِهَا ، فَلَيْسَ إِلَّا غُسْلُ تَنْظِيفٍ لَا حَيْضٍ ، فَلَا يُعَارِضُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ أَصْلًا فَلَا حَاجَةَ إِلَى هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ الَّتِي فِي غَايَةِ الرَّكَاكَةِ ، فَإِنَّ خِفَّةَ شَعْرِ هَذِهِ دُونَ هَذِهِ يَفْتَقِرُ إِلَى دَلِيلٍ ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ هَذَا مَشْدُودٌ وَهَذَا غَيْرُ مَشْدُودٍ وَالْعِبَارَةُ عَنْهُمَا مِنَ الرَّاوِي بِلَفْظِ النَّقْضِ دَعْوَى بِغَيْرِ دَلِيلٍ . انْتَهَى .
بَاب كَرَاهِيَةِ الْإِسْرَافِ فِي الْوُضُوءِ 57 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نَا أَبُو دَاودَ نَا خَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ عُتَيِّ بْنِ ضَمْرَةَ السَّعْدِيِّ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطَانًا ، يُقَالُ لَهُ : الْوَلَهَانُ ، فَاتَّقُوا وَسْوَاسَ الْمَاءِ ، وَفِي الْبَاب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ؛ لَأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَهُ غَيْرَ خَارِجَةَ ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ الْحَسَنِ قَوْلَهُ : وَلَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْءٌ ، وَخَارِجَةُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ، وَضَعَّفَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، باب كراهية الإسراف في الوضوء قَوْلُهُ : ( نَا أَبُو دَاوُدَ ) هُوَ الطَّيَالِسِيُّ ، وَاسْمُهُ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ الْجَارُودِ الْفَارِسِيُّ - مَوْلَى الزُّبَيْرِ - الطَّيَالِسِيُّ الْبَصْرِيُّ ، أَحَدُ الْأَعْلَامِ الْحُفَّاظِ ، رَوَى عَنِ ابْنِ عَوْن ، وَهِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَخَلَائِقَ ، وَعَنْهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ الْمَدِينِيِّ ، وَابْنُ بَشَّارٍ وَخَلْقٌ ، قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ : أَبُو دَاوُدَ أَصْدَقُ النَّاسِ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : ثِقَةٌ ، يُحْتَمَلُ خَطَؤُهُ ، وَقَالَ وَكِيعٌ : جَبَلُ الْعِلْمِ ، مَاتَ سَنَةَ 204 أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ عَنْ إِحْدَى وَسَبْعِينَ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ . وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ : ثِقَةٌ حَافِظٌ غَلِطَ فِي أَحَادِيثَ . ( نَا خَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ ) أَبُو الْحَجَّاجِ السَّرَخْسِيُّ ، مَتْرُوكٌ ، وَكَانَ يُدَلِّسُ عَنِ الْكَذَّابِينَ ، وَيُقَالُ : إِنَّ ابْنَ مَعِينٍ كَذَّبَهُ ، قَالَهُ الْحَافِظُ ( عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ ) الْعَبْدِيِّ مَوْلَاهُمْ ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ ، أَحَدُ الْأَئِمَّةِ ، وَثَّقَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو حَاتِمٍ ( عَنِ الْحَسَنِ ) هُوَ الْبَصْرِيُّ ( عَنْ عُتَيٍّ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مُصَغَّرًا ، ثِقَةٌ ، مِنَ الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطَانًا ) أَيْ لِلْوَسْوَسَةِ فِيهَا ( يُقَالُ لَهُ الْوَلَهَانُ ) بِفَتْحَتَيْنِ مَصْدَرُ وَلِهَ يَوْلَهُ وَلَهَانًا ، وَهُوَ ذَهَابُ الْعَقْلِ وَالتَّحَيُّرُ مِنْ شِدَّةِ الْوَجْدِ وَغَايَةِ الْعِشْقِ ، سُمِّيَ بِهَا شَيْطَانُ الْوُضُوءِ إِمَّا لِشِدَّةِ حِرْصِهِ عَلَى طَلَبِ الْوَسْوَسَةِ فِي الْوُضُوءِ ، وَإِمَّا لِإِلْقَائِهِ النَّاسَ بِالْوَسْوَسَةِ فِي مَهْوَاةِ الْحِيرَةِ حَتَّى يُرَى صَاحِبُهُ حَيْرَانَ ذَاهِبَ الْعَقْلِ لَا يَدْرِي كَيْفَ يَلْعَبُ بِهِ الشَّيْطَانُ ، وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ وَصَلَ الْمَاءُ إِلَى الْعُضْوِ أَمْ لَا ، وكم مَرَّةً غَسَلَهُ ، فَهُوَ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ ، أَوْ بَاقٍ عَلَى مَصْدَرِيَّتِهِ لِلْمُبَالَغَةِ كَرَجُلٍ عَدْلٍ ، قَالَهُ الْقَارِّيُّ ( فَاتَّقُوا وَسْوَاسَ الْمَاءِ ) قَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ وَسْوَاسَهُ هَلْ وَصَلَ الْمَاءُ إِلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ أَمْ لَا ، وَهَلْ غَسَلَ مَرَّتَيْنِ أَوْ مَرَّةً ، وَهَلْ هُوَ طَاهِرٌ أَوْ نَجِسٌ ، أَوْ بَلَغَ قُلَّتَيْنِ أَوْ لَا ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ أَيْ وَسْوَاسَ الْوَلَهَانِ ، وَضَعَ الْمَاءَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِ مُبَالَغَةً فِي كَمَالِ الْوَسْوَاسِ فِي شَأْنِ الْمَاءِ ، أَوْ لِشِدَّةِ مُلَازَمَتِهِ لَهُ ، كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى كَرَاهِيَةِ الْإِسْرَافِ فِي الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى النَّهْيِ عَنِ الْإِسْرَافِ فِي الْمَاءِ وَلَوْ عَلَى شَاطِئِ النَّهْرِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ) أَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَلَفْظُهُ : قَالَ : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْأَلُهُ عَنِ الْوُضُوءِ فَأَرَاهُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا الْوُضُوءُ فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَلَفْظُهُ : سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الطَّهُورِ وَالدُّعَاءِ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ( لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَهُ ) أَيْ رَوَاهُ مَرْفُوعًا ( وَخَارِجَةُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ عنا أَصْحَابِنَا ) أَيْ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ ، قُلْتُ : الْأَمْرُ كَمَا قَالَ الطِّيبِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ تَحْقِيقُ ذَلِكَ ( وَضَعَّفَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ ) قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ : وَهَّاهُ أَحْمَدُ ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ لَيْسَ بِثِقَةٍ ، وَقَالَ أَيْضًا : كَذَّابٌ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : تَرَكَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَوَكِيعٌ ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ : ضَعِيفٌ ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : هُوَ مِمَّنْ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ ، قَالَ الذَّهَبِيُّ : انْفَرَدَ بِخَبَرِ : إِنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ : الْوَلَهَانُ ، مَاتَ سَنَةَ 138 ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ ، وَكَانَ لَهُ جَلَالَةٌ بِخُرَاسَانَ . انْتَهَى .
11 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، نَا عَبْدَةُ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : رَقِيتُ يَوْمًا عَلَى بَيْتِ حَفْصَةَ ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَاجَتِهِ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( نا عَبْدَةُ ) هُوَ اِبْنُ سُلَيْمَانَ الْكِلَابِيُّ ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْكُوفِيُّ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، وَالْأَعْمَشِ وَطَائِفَةٍ ، وَعَنْهُ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ ، وَأَبُو كُرَيْبٍ وَخَلْقٌ ، وَثَّقَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ سَعْدٍ ، وَالْعِجْلِيُّ ، مَاتَ سَنَةَ 187 سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ ( عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ) اِبْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْعُمَرِيِّ الْمَدَنِيِّ ، أَحَدِ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ ، وَالْعُلَمَاءِ الْأَثْبَاتِ ، قَالَ النَّسَائِيُّ : ثِقَةٌ ثَبْتٌ ، مَاتَ سَنَةَ 147 سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ ، اِبْنِ مُنْقِذٍ الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ ; ثِقَةٌ ، فَقِيهٌ ، وَثَّقَهُ اِبْنُ مَعِينٍ ، وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا . مَاتَ سَنَةَ 121 إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ( عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ ، اِبْنِ مُنْقِذِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ الْمَازِنِيِّ الْمَدَنِيِّ ، صَحَابِيٌّ اِبْنُ صَحَابِيٍّ . وقيل : بل ثِقَةٌ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ . قَالَهُ الْحَافِظُ . قَوْلُهُ : ( رَقِيت ) أَيْ عَلَوْت وَصَعِدْت ( عَلَى بَيْتِ حَفْصَةَ ) هِيَ أُخْتُ اِبْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما . قَالَ اِبْنُ سَيِّدِ النَّاسِ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : قَوْلُهُ : عَلَى بَيْتِ حَفْصَةَ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ : عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا ، وَفِي أُخْرَى : على ظَهْرِ بَيْتِنَا ، وَكُلُّهَا فِي الصَّحِيحِ . وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ خُزَيْمَةَ : دَخَلْت عَلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ، فَصَعِدْت ظَهْرَ الْبَيْتِ ، وَطَرِيقُ الْجَمْعِ أَنْ يُقَالَ : أَضَافَ الْبَيْتَ إِلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ ; لِكَوْنِهَا أُخْتَهُ ، وَأَضَافَهُ إِلَى حَفْصَةَ ؛ لِأَنَّهُ الْبَيْتُ الَّذِي أَسْكَنَهَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ ، بِاعْتِبَارِ مَا آلَ إِلَيْهِ الحالة ؛ لِأَنَّهُ وَرِثَ حَفْصَةَ دُونَ إِخْوَتِهِ ؛ لِكَوْنِهِ شَقِيقَهَا . اِنْتَهَى . ( فَرَأَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَاجَتِهِ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ ) اِسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ ، وَرَأَى أَنَّهُ نَاسِخٌ ، وَاعْتَقَدَ الْإِبَاحَةَ مُطْلَقًا ، وَبِهِ اِحْتَجَّ مَنْ خَصَّ عَدَمَ الْجَوَازِ بِالصَّحَارِيِ وَمَنْ خَصَّ الْمَنْعَ بِالِاسْتِقْبَالِ دُونَ الِاسْتِدْبَارِ فِي الصَّحَارِيِ وَالْبُنْيَانِ ، وَقَدْ عَرَفْت مَا فِيهِ مِنْ أَنَّهَا حِكَايَةُ فِعْلٍ لَا عُمُومَ لَهَا ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِعُذْرٍ ، وَأَنَّ فِعْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُعَارِضُ الْقَوْلَ الْخَاصَّ بِالْأُمَّةِ ، قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ .
بَاب مَا جَاءَ مِنْ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ 9 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا : نَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، نَا أَبِي ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ ، فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي قَتَادَةَ وَعَائِشَةَ وَعَمَّارِ . قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ جَابِرٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ . ( بَابُ مَا جَاءَ مِنْ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ ) أَيْ فِي اِسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ) هُوَ بُنْدَارٌ الْحَافِظُ ، ثِقَةٌ ( وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ) بْنِ عُبَيْدٍ الْعَنَزِيُّ أَبُو مُوسَى الْبَصْرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالزَّمِنِ ، مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ وَبِاسْمِهِ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ مِنْ الْعَاشِرَةِ وَكَانَ هُوَ وَبُنْدَارٌ فَرَسَيْ رِهَانٍ وَمَاتَا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، رَوَى عَنْ مُعْتَمِرٍ ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَغُنْدَرٍ وَخَلْقٍ ، وَعَنْهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ وَخَلْقٌ ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى حُجَّةٌ مَاتَ سَنَةَ 252 اِثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ . ( قَالَا نَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ) بْنِ حَازِمِ بْنِ زَيْدٍ ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيُّ الْبَصْرِيُّ ، ثِقَةٌ عَنْ أَبِيهِ وَابْنِ عَوْنٍ ، وَشُعْبَةَ وَخَلْقٍ ، وَعَنْهُ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ مَعِينٍ وَوَثَّقَهُ ، مَاتَ سَنَةَ 206 سِتٍّ وَمِائَتَيْنِ . ( نَا أَبِي ) جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ثِقَةٌ لَكِنْ فِي حَدِيثِهِ عَنْ قَتَادَةَ ضَعْفٌ ، وَلَهُ أَوْهَامٌ إِذَا حَدَّثَ مِنْ حِفْظِهِ ، مَاتَ سَنَةَ 170 سَبْعِينَ وَمِائَةٍ بَعْدَمَا اِخْتَلَطَ ، لَكِنْ لَمْ يُحَدِّثْ فِي حَالِ اِخْتِلَاطِهِ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ . ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ) بْنِ يَسَارٍ الْمَطْلَبِيِّ الْمَدَنِيِّ ، نَزِيلِ الْعِرَاقِ ، إِمَامِ الْمَغَازِي ، صَدُوقٍ يُدَلِّسُ وَرُمِيَ بِالتَّشَيُّعِ وَالْقَدَرِ مَاتَ سَنَةَ 150 خَمْسِينَ وَمِائَةٍ ، وَيُقَالُ بَعْدَهَا ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَقَالَ فِي الْقَوْلِ الْمُسَدَّدِ : وَأَمَّا حَمْلُهُ أَيْ اِبْنِ الْجَوْزِيِّ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ فَلَا طَائِلَ فِيهِ ، فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ قَبِلُوا حَدِيثَهُ ، وَأَكْثَرُ مَا عِيبَ فِيهِ التَّدْلِيسُ وَالرِّوَايَةُ عَنْ الْمَجْهُولِينَ ، وَأَمَّا هُوَ فِي نَفْسِهِ فَصَدُوقٌ ، وَهُوَ حُجَّةٌ فِي الْمَغَازِي عِنْدَ الْجُمْهُورِ . انْتَهَى . قُلْتُ : الْأَمْرُ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ ، فَالْحَقُّ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ فِي نَفْسِهِ صَدُوقٌ صَالِحٌ لِلِاحْتِجَاجِ ، وَقَدْ اِعْتَرَفَ بِهِ الْعَيْنِيُّ ، وَابْنُ الْهُمَامِ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ ، قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي عُمْدَةِ الْقَارِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ : اِبْنُ إِسْحَاقَ مِنْ الثِّقَاتِ الْكِبَارِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ . انْتَهَى ، وَقَالَ اِبْنُ الْهُمَامِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ : أَمَّا اِبْنُ إِسْحَاقَ فَثِقَةٌ ثِقَةٌ لَا شُبْهَةَ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ ، وَلَا عِنْدَ مُحَقِّقِي الْمُحَدِّثِينَ . انْتَهَى . تَنْبِيهٌ : قَالَ صَاحِبُ الْعَرْفِ الشَّذِيِّ : اِخْتَلَفَ أَهْلُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ فِي اِبْنِ إِسْحَاقَ مَا لَمْ يُخْتَلَفْ فِي غَيْرِهِ حَتَّى إِنَّهُ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ : إِنْ قُمْتُ بَيْنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَبَابِ الْكَعْبَةِ لَحَلَفْتُ أَنَّهُ دَجَّالٌ كَذَّابٌ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : إِنَّهُ إِمَامُ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ اِبْنُ الْهُمَامِ : إِنَّهُ ثِقَةٌ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَقَالَ حَافِظُ الدُّنْيَا : إِنَّهُ ثِقَةٌ وَفِي حِفْظِهِ شَيْءٌ ، وَأَمَّا الْبَيْهَقِيُّ فَيَتَكَلَّمُ فِيهِ فِي كِتَابِهِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ ، وَاعتمد فِي كِتَابِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ ، فَالْعَجَبُ ، وَعِنْدِي أَنَّهُ مِنْ رُوَاةِ الْحِسَانِ ، كَمَا فِي الْمِيزَانِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي حِفْظِهِ شَيْءٌ . انْتَهَى كَلَامُهُ بِلَفْظِهِ . قُلْتُ : جُرُوحُ مَنْ جَرَّحَ فِي اِبْنِ إِسْحَاقَ كُلُّهَا مَدْفُوعَةٌ ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ ثِقَةٌ قَابِلٌ لِلِاحْتِجَاجِ قَالَ الْفَاضِلُ اللَّكْنَوِيُّ فِي إِمَامِ الْكَلَامِ : مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، وَإِنْ كَانَ مُتَكَلَّمًا فِيهِ مِنْ جَانِبِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ ، لَكِنَّ جُرُوحَهُمْ لَهَا مَحَامِلُ صَحِيحَةٌ ، وَقَدْ عَارَضَهَا تَعْدِيلُ جَمْعٍ مِنْ ثِقَاتِ الْأمَّةِ ، وَلِذَا صَرَّحَ جَمْعٌ مِنْ النُّقَّادِ بِأَنَّ حَدِيثَهُ لَا يَنْحَطُّ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ ، بَلْ صَحَّحَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْاسْتنَادِ . انتهى . وَقَالَ فِي السِّعَايَةِ : وَالْحَقُّ فِي اِبْنِ إِسْحَاقَ هُوَ التَّوْثِيقُ . انْتَهَى . وَقَالَ اِبْنُ الْهُمَامِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ : وَهُو -َ أَيْ تَوْثِيقُ اِبْنِ إِسْحَاقَ - هُوَ الْحَقُّ الْأَبْلَجُ ، وَمَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ لَا يَثْبُتُ ، وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَقْبَلْهُ أَهْلُ الْعِلْمِ ، كَيْفَ وَقَدْ قَالَ شُعْبَةُ فِيهِ : هُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ ؟ ! وَرَوَى عَنْهُ مِثْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَابْنُ إِدْرِيسَ ، وَحَمَّادُ ، بْنُ زَيْدٍ ، وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، وَابْنُ عُلَيَّةَ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَاحْتَمَلَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَعِينٍ ، وَعَامَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُمْ . إِلَى أَنْ قَالَ : وَإِنَّ مَالِكًا رَجَعَ عَنْ الْكَلَامِ فِي اِبْنِ إِسْحَاقَ وَاصْطَلَحَ مَعَهُ وَبَعَثَ إِلَيْهِ هَدِيَّةً . انْتَهَى كَلَامُ اِبْنِ الْهُمَامِ . وأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الْعَرْفِ الشَّذِيِّ : وَأَمَّا الْبَيْهَقِيُّ إِلَى قَوْلِهِ : فَالْعَجَبُ ، فَلَمْ يَذْكُرْ مَا تَكَلَّمَ بِهِ البَيْهَقِي فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ فِي اِبْنِ إِسْحَاقَ حَتَّى يُنْظَرَ فِيهِ أَنَّهُ هُوَ قَابِلٌ لِلْعَجَبِ أَمْ لَا؟ وَلَوْ سَلَّمَ أَنَّهُ قَابِلٌ لِلْعَجَبِ فَصَنِيعُ الْعَيْنِيِّ أَعْجَبُ ؛ فَإِنَّهُ يَتَكَلَّمُ فِي اِبْنِ إِسْحَاقَ وَيَجْرَحُهُ إِذَا وَقَعَ هُوَ فِي إِسْنَادِ حَدِيثٍ يُخَالِفُ مَذْهَبَ الْحَنَفِيَّةِ ، وَيُوَثِّقُهُ وَيَعْتَمِدُهُ إِذَا وَقَعَ فِي إِسْنَادِ حَدِيثٍ يُوَافِقُ مَذْهَبَهُمْ . أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ فِي الْبِنَايَةِ فِي تَضْعِيفِ حَدِيثِ عُبَادَةَ فِي الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ مَا لَفْظُهُ : فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنُ يَسَارٍ وَهُوَ مُدَلِّسٌ . قَالَ النَّوَوِيُّ : لَيْسَ فِيهِ إِلَّا التَّدْلِيسُ ، قُلْتُ : الْمُدَلِّسُ إِذَا قَالَ : عَنْ فُلَانٍ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ عِنْدَ جَمِيعِ الْمُحَدِّثِينَ ، مَعَ أَنَّهُ كَذَّبَهُ مَالِكٌ وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ ، وَقَالَ : لَا يَصِحُّ الْحَدِيثُ عَنْهُ ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ : لَا يَصِحُّ الْحَدِيثُ عَنْهُ ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ : لَا يُقْضَى لَهُ بِشَيْءٍ . انْتَهَى كَلَامُهُ . فَانْظُرْ كَيْفَ تَكَلَّمَ الْعَيْنِيُّ فِي اِبْنِ إِسْحَاقَ هَاهُنَا . وَقَالَ فِي عُمْدَةِ الْقَارِي فِي تَصْحِيحِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ ، وَمَنْ أَشَارَ فِي الصَّلَاةِ إِشَارَةً تُفْهَمُ عَنْهُ فَلْيُعِدْهَا مَا لَفْظُهُ . إِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ صَحِيحٌ ، وَتَعْلِيلُ اِبْنِ الْجَوْزِيِّ ، بِابْنِ إِسْحَاقَ لَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ اِبْنَ إِسْحَاقَ مِنْ الثِّقَاتِ الْكِبَارِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ . انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ . فَانْظُرْ هَاهُنَا كَيْفَ اِعْتَمَدَ عَلَى اِبْنِ إِسْحَاقَ ، وَلَمْ يُبَالِ بِتَدْلِيسِهِ أَيْضًا ، مَعَ أَنَّهُ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ بِعَنْ ، وَكَذَلِكَ صَنِيعُهُ فِي عِدَّةِ المَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ . فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ . ( عَنْ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ ) وَثَّقَهُ الْأَئِمَّةُ ، وَوَهَمَ اِبْنُ حَزْمٍ فَجَهَّلَهُ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَضَعَّفَهُ ، قَالَهُ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ . ( عَنْ مُجَاهِدٍ ) هُوَ اِبْنُ جَبْرٍ : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ ، أَبُو الْحَجَّاجِ الْمَخْزُومِيُّ مَوْلَاهُمْ الْمَكِّيُّ ، ثِقَةٌ إِمَامٌ فِي التَّفْسِيرِ وَفِي الْعِلْمِ ، مِنْ أَوْسَاطِ التَّابِعِينَ ، مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى أَوْ اِثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ ، وَلَهُ ثَلَاثٌ وَثَمَانُونَ . ( عَنْ جَابِرٍ ) هُوَ اِبْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو بْنِ حَرَامٍ ، بِمُهْمَلَةٍ وَرَاءٍ ، الْأَنْصَارِيُّ ثُمَّ السَّلَمِيُّ; بِفَتْحَتَيْنِ ، صَحَابِيٌّ اِبْنُ صَحَابِيٍّ ، غَزَا تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً ، وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ السَّبْعِينَ ، وَهُوَ اِبْنُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ . قَوْلُهُ : ( فَرَأَيْته قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا ) اِسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ فِي الصَّحْرَاءِ وَالْبُنْيَانِ ، وَجَعَلَهُ نَاسِخًا لِأَحَادِيثِ الْمَنْعِ ، وَفِيهِ مَا سَلَفَ مِنْ أَنَّهَا حِكَايَةُ فِعْلٍ لَا عُمُومَ لَهَا ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِعُذْرٍ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ، وَعَائِشَةَ ، وَعَمَّارٍ ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ : فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ هَذَا ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ : فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وابن ماجه ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَفْظُهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَمَّارٍ فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ قَال : رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ بَعْدَ النَّهْيِ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ . قَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ : فِيهِ جَعْفَرُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى ضَعْفِهِ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ جَابِرٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) قَالَ فِي الْمُنْتَقَى : رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ . انْتَهَى . قَالَ فِي النَّيْلِ . وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَزَّارُ ، وَابْنُ الْجَارُودِ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَنُقِلَ عَنْ الْبُخَارِيِّ تَصْحِيحُهُ ، وَحَسَّنَهُ أَيْضًا الْبَزَّارُ ، وَصَحَّحَهُ أَيْضًا اِبْنُ السَّكَنِ ، وَتَوَقَّفَ فِيهِ النَّوَوِيُّ لِعَنْعَنَةِ اِبْنِ إِسْحَاقَ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ ، وَضَعَّفَهُ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، بِابَانَ بْنِ صَالِحٍ الْقُرَشِيِّ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَوَهَمَ فِي ذَلِكَ ؛ فَإِنَّهُ ثِقَةٌ بِالِاتِّفَاقِ ، وَادَّعَى اِبْنُ حَزْمٍ أَنَّهُ مَجْهُولٌ فَغَلِطَ . انْتَهَى .
10 وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ، أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبُولُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ . أخبرنا بِذَلِكَ قُتَيْبَةُ ، قال : أخبرنا ابْنُ لَهِيعَةَ ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، وَابْنُ لَهِيعَةَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَغَيْرُهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ اِبْنُ لَهِيعَةَ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْهَاءِ ، اِبْنُ عُقْبَةَ الْحَضْرَمِيُّ ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمِصْرِيُّ الْقَاضِي ، صَدُوقٌ ، خَلّطَ بَعْدَ اِحْتِرَاقِ كُتُبِهِ ، وَرِوَايَةُ اِبْنِ الْمُبَارَكِ ، وَابْنِ وَهْبٍ عَنْهُ أَعْدَلُ مِنْ غَيْرِهِمَا ، وَلَهُ فِي مُسْلِمٍ بَعْضُ شَيْءٍ مَقْرُونٌ ، كَذَا قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ . وَيَجِيءُ بَاقِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ عِنْدَ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ عَلَيْهِ . ( عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ) اِسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ تَدْرُسَ ، بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الرَّاءِ ، الْأَسَدِيُّ الْمَكِّيُّ ، صَدُوقٌ ، إِلَّا أَنَّهُ يُدَلِّسُ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ . قُلْتُ : هُوَ مِنْ رِجَالِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ . ( عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ) الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ ، شَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا ، وَلَمْ يَصِحَّ شُهُودُهُ بَدْرًا ، مَاتَ سَنَةَ 54 أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ . قَوْلُهُ : ( وَابْنُ لَهِيعَةَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَغَيْرُهُ ) قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَقَالَ مُسْلِمٌ : تَرَكَهُ وَكِيعٌ ، وَيَحْيَى الْقَطَّانُ ، وَابْنُ مَهْدِيٍّ . كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ ، وَقَالَ : أَطَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ الْكَلَامَ فِي تَرْجَمَتِهِ فِي مِيزَانِ الِاعْتِدَالِ . قُلْتُ : وَمَعَ ضَعْفِهِ فَهُوَ مُدَلِّسٌ أَيْضًا كَمَا عَرَفْتُ ، وَكَانَ يُدَلِّسُ عَنْ الضُّعَفَاءِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي طَبَقَاتِ الْمُدَلِّسِينَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ الْحَضْرَمِيُّ ، قَاضِي مِصْرَ ، اِخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ ، وَكَثُرَ عَنْهُ الْمَنَاكِيرُ فِي رِوَايَتِهِ . وَقَالَ اِبْنُ حِبَّانَ : كَانَ صَالِحًا ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُدَلِّسُ عَنْ الضُّعَفَاءِ . انْتَهَى .
بَاب الْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ 58 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ نَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ قَالَ : قُلْتُ لِأَنَسٍ : فَكَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ ؟ قَالَ : كُنَّا نَتَوَضَّأُ وُضُوءًا وَاحِدًا ، قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ ، أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَالْمَشْهُورُ عَنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَى الْوُضُوءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ اسْتِحْبَابًا لَا عَلَى الْوُجُوبِ . باب الوضوء لكل صلاة قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ ) ابْنُ حَيَّانَ الرَّازِيُّ حَافِظٌ ضَعِيفٌ ، وَكَانَ ابْنُ مَعِينٍ حَسَنَ الرَّأْيِ فِيهِ ، مِنَ الْعَاشِرَةِ ، رَوَى عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقُمِّيِّ ، وَجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، وَسَلَمَةَ بْنِ الْفَضْلِ وَغَيْرِهِمْ ، وَعَنْهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُمْ . كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَتَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ ، وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : قَالَ ابْنُ مَعِينٍ : ثِقَةٌ ، كَيِّسٌ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : فِيهِ نَظَرٌ ، وَكَذَّبَهُ الْكَوْسَجُ ، وَأَبُو زُرْعَةَ ، وَصَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَابْنُ خِرَاشٍ ، مَاتَ سَنَةَ 248 ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ ( نَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ ) الْأَبْرَشُ بِالْمُعْجَمَةِ مَوْلَى الْأَنْصَارِ ، قَاضِي الرَّيِّ ، صَدُوقٌ ، كَثِيرُ الْخَطَأِ ، مِنَ التَّاسِعَةِ ، قَالَهُ الْحَافِظُ ، رَوَى عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، وَحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ وَعَنْهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَابْنُ مَعِينٍ ، وَوَثَّقَهُ ، وَقَالَ مَرَّةً : لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ، يَتَشَيَّعُ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ : عِنْدَهُ مَنَاكِيرُ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : مَحَلُّهُ الصِّدْقُ ، وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ : كَانَ ثِقَةً ، صَدُوقًا ، وَهُوَ صَاحِبُ مَغَازِي ابْنِ إِسْحَاقَ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ : ضَعِيفٌ ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَهَامِشِهَا . قَوْلُهُ : ( عَنْ حُمَيْدٍ ) هُوَ حُمَيْدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ الطَّوِيلُ الْبَصْرِيُّ ، ثِقَةٌ مُدَلِّسٌ رَوَى عَنْ أَنَسٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَعَنْهُ شُعْبَةُ ، وَمَالِكٌ وَالسُّفْيَانَانِ وَالْحَمَّادَانِ وَخَلْقٌ ، قَالَ الْقَطَّانُ : مَاتَ حُمَيْدٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي ، قَالَ شُعْبَةُ : لَمْ يَسْمَعْ حُمَيْدٌ مِنْ أَنَسٍ إِلَّا أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ حَدِيثًا ، مَاتَ سَنَةَ 142 ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ . قَوْلُهُ : ( كَانَ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ) أَيْ مَفْرُوضَةٍ ( كُنَّا نَتَوَضَّأُ وُضُوءًا وَاحِدًا ) أَيْ : كُنَّا نُصَلِّي الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ مَا لَمْ نُحْدِثْ ، كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) تَفَرَّدَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَهُوَ مُدَلِّسٌ وَرَوَاهُ عَنْ حُمَيْدٍ مُعَنْعَنًا . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَى الْوُضُوءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ اسْتِحْبَابًا لَا عَلَى الْوُجُوبِ ) بَلْ كَانَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ الْوُضُوءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ اسْتِحْبَابًا لَا عَلَى الْوُجُوبِ ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ : ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْحَاضِرِينَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَوَضَّئُوا لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، أَيْ بِحَدِيثِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ ، فَقَالُوا : لَا يَجِبُ الْوُضُوءُ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ . انْتَهَى ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ الْآيَةَ ، فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ : التَّقْدِيرُ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ مُحْدِثِينَ ، وَاسْتَدَلَّ الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا وُضُوءَ إِلَّا لِمَنْ حدثَ ، وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَقَالَ : كَانَ الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَاجِبًا ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ نُسِخَ أَوْ اسْتَمَرَّ حُكْمُهُ ، وَيَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بالوضوء لكل صلاة فلما شق عليه أمر بِالسِّوَاكِ ، وَذَهَبَ إِلَى اسْتِمْرَارِ الْوُجُوبِ قَوْمٌ كَمَا جَزَمَ بِهِ الطَّحَاوِيُّ ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، وَابْنِ سِيرِينَ وَغَيْرِهِمَا وَاسْتَبْعَدَهُ النَّوَوِيُّ وَجَنَحَ إِلَى تَأْوِيلِ ذَلِكَ إِنْ ثَبَتَ عَنْهُمْ ، وَجَزَم بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ اسْتَقَرَّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا مِنْ غَيْرِ نَسْخٍ وَيَكُونُ الْأَمْرُ فِي حَقِّ الْمُحْدِثِينَ عَلَى الْوُجُوبِ وَفِي حَقِّ غَيْرِهِمْ عَلَى النَّدْبِ ، وَحَصَلَ بَيَانُ ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ .
60 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَا : نَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ الْأنْصَارِيِّ ، قَال : سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ قُلْتُ : فَأَنْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ ؟ قَالَ : كُنَّا نُصَلِّي الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ مَا لَمْ نُحْدِثْ ، قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ قَوْلُهُ : ( نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ) هُوَ الْقَطَّانُ ( نَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ ) هُوَ الثَّوْرِيُّ ( عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيِّ ) الْكُوفِيِّ ثِقَةٌ . قَوْلُهُ : ( كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ) قَالَ الْحَافِظُ أَيْ مَفْرُوضَةٍ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ تِلْكَ كَانَتْ عَادَتَهُ ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ خَاصَّةً ، ثُمَّ نُسِخَ يَوْمَ الْفَتْحِ بِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ ، قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُ اسْتِحْبَابًا ثُمَّ خَشِيَ أَنْ يُظَنَّ وُجُوبُهُ فَتَرَكَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَهَذَا أَقْرَبُ ، وَعَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ فَالنَّسْخُ كَانَ قَبْلَ الْفَتْحِ بِدَلِيلِ حَدِيثِ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ فَإِنَّهُ كَانَ فِي خَيْبَرَ وَهِيَ قَبْلَ الْفَتْحِ بِزَمَانٍ . انْتَهَى ، قُلْتُ : وَحَدِيثُ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْحَافِظُ ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ ، قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ خَيْبَرَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعَصْرَ ، فَلَمَّا صَلَّى دَعَا بِالْأَطْعِمَةِ ، فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِالسَّوِيقِ ، فَأَكَلْنَا وَشَرِبْنَا ، ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْمَغْرِبِ فَمَضْمَضَ ، ثُمَّ صَلَّى لَنَا الْمَغْرِبَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ . ( قُلْتُ : فَأَنْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ ؟ ) وفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ قُلْتُ : كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ ، وَالْقَائِلُ : عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ وَالْمُرَادُ الصَّحَابَةُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ
59 وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهِ عَشْرَ حَسَنَاتٍ ، رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْأَفْرِيقِيُّ ، عَنْ أَبِي غُطَيْفٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ الْمَرْوَزِيُّ قال : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْوَاسِطِيُّ ، عَنْ الْأَفْرِيقِيِّ وَهُوَ إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ ، قَالَ عَلِيُّ : قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ : ذَكَرَ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ هَذَا الْحَدِيثُ ، فَقَالَ : هَذَا إِسْنَادٌ مَشْرِقِيٌ قَوْلُهُ : ( مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ ) أَيْ مَعَ كَوْنِهِ طَاهِرًا ( كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهِ عَشْرَ حَسَنَاتٍ ) قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ : يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهِ عَشَرَةَ وُضُوءَاتٍ ، فَإِنَّ أَقَلَّ مَا وَعَدَ بِهِ مِنَ الْأَضْعَافِ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ، وَقَدْ وَعَدَ بِالْوَاحِدَةِ سَبْعَمِائَةٍ وَوَعَدَ ثَوَابًا بِغَيْرِ حِسَابٍ ، قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ : تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ مُسْتَحَبٌّ إِذَا كَانَ قَدْ صَلَّى بِالْوُضُوءِ الْأَوَّلِ صَلَاةً ، وَكَرِهَهُ قَوْمٌ إِذَا لَمْ يُصَلِّ بِالْأَوَّلِ صَلَاةً ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ، قَالَ الْقَارِّيُّ : وَلَعَلَّ سَبَبَ الْكَرَاهَةِ هُوَ الْإِسْرَافُ . فَائِدَةٌ : قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ : وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : الْوُضُوءُ عَلَى الْوُضُوءِ نُورٌ عَلَى نُورٍ فَلَا يَحْضُرُنِي لَهُ أَصْلٌ مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَعَلَّهُ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ السَّلَفِ . قَوْلُهُ : ( رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْإِفْرِيقِيُّ ) هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ الْإِفْرِيقِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ . ( عَنْ أَبِي غُطَيْفٍ ) بِالتَّصْغِيرِ الْهُذَلِيِّ ، قَالَ الْحَافِظُ : مَجْهُولٌ ( حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ الْمَرْوَزِيُّ ) ثِقَةٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْوَاسِطِيُّ ) أَصْلُهُ شَامِيٌّ ، ثِقَةٌ ، ثَبْتٌ ، عَابِدٌ ، مِنْ كِبَارِ التَّاسِعَةِ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ ) لِأَنَّ الْإِفْرِيقِيَّ ضَعِيفٌ وَأَبَا غُطَيْفٍ مَجْهُولٌ ، وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( قَالَ عَلِيٌّ ) هُوَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ نمجِيحٍ السَّعْدِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو الْحَسَنِ ابْنُ الْمَدِينِيِّ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ ، ثَبْتٌ ، إِمَامٌ ، أَعْلَمُ أَهْلِ عَصْرِهِ بِالْحَدِيثِ وَعِلَلِهِ ، حَتَّى قَالَ الْبُخَارِيُّ : مَا اسْتَصْغَرْتُ نَفْسِي إِلَّا عِنْدَهُ ، وَقَالَ الْقَطَّانُ : كُنَّا نَسْتَفِيدُ مِنْهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَفِيدُ مِنَّا ، وَكَذَلِكَ قَالَ شَيْخُهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ : كَأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ عَلِيًّا لِهَذَا الشَّأْنِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا إِسْنَادٌ مَشْرِقِيٌّ ) أَيْ رُوَاةُ هَذَا الْحَدِيثِ أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَهُمْ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ كَذَا فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي .
بَاب التَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ إِذَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ 124 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَا : نَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ نَا سُفْيَانُ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ بُجْدَانَ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ ، وَقَالَ مَحْمُودٌ فِي حَدِيثِهِ : إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ . قَالَ أَبُو عِيسَى : وَهَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ بُجْدَانَ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَيُّوبُ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَلَمْ يُسَمِّهِ . وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْجُنُبَ وَالْحَائِضَ إِذَا لَمْ يَجِدَا الْمَاءَ تَيَمَّمَا وَصَلَّيَا . وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى التَّيَمُّمَ لِلْجُنُبِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ ، وَيُرْوَى عَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ فَقَالَ : يَتَيَمَّمُ إِذَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ . بَاب التَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ إِذَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ قَوْلُهُ : ( نَا سُفْيَانُ ) هُوَ الثَّوْرِيُّ ( عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ، وَخَالِدٌ هَذَا هُوَ ابْنُ مِهْرَانَ أَبُو الْمَنَازِلِ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ مِنْ رِجَالِ السِّتَّةِ ، وَقِيلَ لَهُ : الْحَذَّاءُ لِأَنَّهُ كَانَ يَجْلِسُ عِنْدَهُمْ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : احْذُ عَلَى هَذَا النَّحْوِ . ( عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ) بِكَسْرِ الْقَافِ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو أَوْ عَامِرٍ الْجَرْمِيُّ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ فَاضِلٌ كَثِيرُ الْإِرْسَالِ مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ ، وَقِيلَ سَنَةَ سِتٍّ ، وَقِيلَ سَنَةَ سَبْعٍ . ( عَنْ عَمْرِو بْنِ بُجْدَانَ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ الْعَامِرِيِّ الْبَصْرِيِّ تَفَرَّدَ عَنْهُ أَبُو قِلَابَةَ لَا يُعْرَفُ حَالُهُ ، قَالَهُ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ الْخَزْرَجِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ : وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَوَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ أَيْضًا كَمَا سَتَقِفُ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ ) أَيِ الطَّاهِرَ الْمُطَهِّرَ . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الصَّعِيدُ التُّرَابُ أَوْ وَجْهُ الْأَرْضِ ( طَهُورُ الْمُسْلِمِ ) ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ ( وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ ) كَلِمَةُ إِنْ لِلْوَصْلِ ، وَالْمُرَادُ مِنْ عَشْرَ سِنِينَ الْكَثْرَةُ لَا الْمُدَّةُ الْمُقَدَّرَةُ ، قَالَ الْقَارِي : وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ خُرُوجَ الْوَقْتِ غَيْرُ نَاقِضٍ لِلتَّيَمُّمِ بَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْوُضُوءِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا - يَعْنِي الْحَنَفِيَّةَ - قَالَ : وَمَا صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ . انْتَهَى ، قُلْتُ : الْأَمْرُ كَمَا قَالَ الْقَارِي . ( فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ مِنَ الْإِمْسَاسِ . ( بَشَرَتَهُ ) بِفَتْحَتَيْنِ ظَاهِرُ الْجِلْدِ أَيْ فَلْيُوصِلِ الْمَاءَ إِلَى بَشَرَتِهِ وَجِلْدِهِ ( فَإِنَّ ذَلِكَ ) أَيِ الْإِمْسَاسَ ( خَيْرٌ ) أَيْ مِنَ الْخُيُورِ ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ كِلَيْهِمَا جَائِزٌ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ لَكِنَّ الْوُضُوءَ خَيْرٌ ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ الْوُضُوءَ وَاجِبٌ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا مَعَ أَنَّهُ لَا خَيْرَ وَلَا أَحْسَنِيَّةَ لِمُسْتَقَرِّ أَهْلِ النَّارِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّعِيدُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيُمِسَّهُ بَشَرَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ . قَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ : رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يَغِيبُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ أَيُجَامِعُ أَهْلَهُ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ الْهَيْثَمِيُّ . فِيهِ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ وَفِيهِ ضَعْفٌ وَلَا يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ . وَأَمَّا حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْهُ قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَصَلَّى بِالنَّاسِ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ ، فَقَالَ : مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ؟ قَالَ : أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ ، قَالَ : عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَيُّوبُ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَلَمْ يُسَمِّهِ ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ نَا حَمَّادٌ ، عَنْ أَيُّوبَ إِلَخْ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَلْخِيصِهِ : وَهَذَا الرَّجُلُ الَّذِي مِنْ بَنِي عَامِرٍ هُوَ عَمْرُو بْنُ بُجْدَانَ الْمُتَقَدِّمُ فِي الْحَدِيثِ قَبْلَهُ ، سَمَّاهُ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، وَسَمَّاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ . وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَصَحَّحَهُ أَبُو حَاتِمٍ ، وَعَمْرُو بْنُ بُجْدَانَ قَدْ وَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَغَفَلَ ابْنُ الْقَطَّانِ فَقَالَ إِنَّهُ مَجْهُولٌ . انْتَهَى مَا فِي النَّيْلِ ، قُلْتُ : وَقَدْ غَفَلَ الْحَافِظُ أَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : لَا يُعْرَفُ حَالُهُ . تَنْبِيهٌ : قَدِ اخْتَلَفَتْ نُسَخُ التِّرْمِذِيِّ هَهُنَا فَوَقَعَ فِي النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ عِنْدَنَا : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَلْخِيصِ السُّنَنِ : قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . انْتَهَى ، وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الْمُنْتَقَى بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْجُنُبَ وَالْحَائِضَ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ ) أَيْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَفِي نُسْخَةٍ قَلَمِيَّةٍ عَتِيقَةٍ : إِذَا لَمْ يَجِدَا الْمَاءَ ، بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ . ( تَيَمَّمَا وَصَلَّيَا إِلَخْ ) ، قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : وَقَدْ أَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ وَلَمْ يُخَالِفْ فِيهِ أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إِلَّا مَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَحُكِيَ مِثْلُهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ مِنْ عَدَمِ جَوَازِهِ لِلْجُنُبِ ، وَقِيلَ : إِنَّ عُمَرَ ، وَعَبْدَ اللَّهِ رجعا عَنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ جَاءَت بِجَوَازِهِ لِلْجُنُبِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ ، وَإِذَا صَلَّى الْجُنُبُ بِالتَّيَمُّمِ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ وَجَبَ عَلَيْهِ الِاغْتِسَالُ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ إِلَّا مَا يُحْكَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْإِمَامِ التَّابِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَا يَلْزَمُهُ ، وَهُوَ مَذْهَبٌ مَتْرُوكٌ بِإِجْمَاعِ مَنْ بَعْدَهُ وَمَنْ قَبْلَهُ ، وَبِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ فِي أَمْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْجُنُبِ بِغَسْلِ بَدَنِهِ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ . انْتَهَى .
بَاب فِي النَّهْيِ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ 8 حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَطَاءَ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا أَتَيْتُمْ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا . قَالَ أَبُو أَيُّوبَ : فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ مُسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةِ ، فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ، وَفِي الْبَاب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، وَمَعْقِلِ بْنِ أَبِي الْهَيْثَمِ ، وَيُقَالُ : مَعْقِلُ بْنُ أَبِي مَعْقِلٍ ، وَأَبِي أُمَامَةَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ . قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَصَحُّ ، وَأَبُو أَيُّوبَ اسْمُهُ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالزُّهْرِيُّ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ وَكُنْيَتُهُ أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْمَكِّيُّ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ : إِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا إِنَّمَا هَذَا فِي الْفَيَافِي فأَمَّا فِي الْكُنُفِ الْمَبْنِيَّةِ لَهُ رُخْصَةٌ فِي أَنْ يَسْتَقْبِلَهَا ، وَهَكَذَا قَالَ إِسْحَاقُ ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : إِنَّمَا الرُّخْصَةُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ ، فأَمَّا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فَلَا يَسْتَقْبِلُهَا ، كَأَنَّهُ لَمْ يَرَ فِي الصَّحْرَاءِ وَلَا فِي الْكُنُفِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ . ( بَاب فِي النَّهْيِ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ ) قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ ) اِبْنُ حَسَّانٍ الْمَكِّيُّ الْقُرَشِيُّ رَوَى عَنْ اِبْنِ عُيَيْنَةَ وَالْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدٍ الْعَلَوِيِّ ، وَعَنْهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ وَوَثَّقَهُ ، مَاتَ سَنَةَ 249 تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ . : ( نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ) بْنُ أَبِي عِمْرَانَ مَيْمُونٌ الْهِلَالِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْكُوفِيُّ ثُمَّ الْمَكِّيُّ ، ثِقَةٌ حَافِظٌ فَقِيهٌ إِمَامٌ حُجَّةٌ إِلَّا أَنَّهُ تَغَيَّرَ حِفْظُهُ بِآخِرِهِ ، وَكَانَ رُبَّمَا دَلَّسَ لَكِنْ عَنْ الثِّقَاتِ ، مِنْ رُءُوسِ الطَّبَقَةِ الثَّامِنَةِ ، وَكَانَ أَثْبَتَ النَّاسِ فِي عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ( عَنْ الزُّهْرِيِّ ) يَأْتِي اِسْمُهُ وَتَرْجَمَتُهُ فِي هَذَا الْبَابِ ( عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ ) الْمَدَنِيِّ نَزِيلِ الشَّامِ ، ثِقَةٌ مِنْ الثَّالِثَةِ ( عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ) يَأْتِي اِسْمُهُ وَتَرْجَمَتُهُ . قَوْلُهُ : ( إِذَا أَتَيْتُمْ الْغَائِطَ ) أَيْ فِي مَوْضِعِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ ، وَالْغَائِطُ فِي الْأَصْلِ الْمُطْمَئِنُّ مِنْ الْأَرْضِ ، ثُمَّ صَارَ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مَكَانٍ أُعِدَّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ ، وَعَلَى النَّجوِ نَفْسِهِ ، أَيْ الْخَارِجِ مِنْ الدُّبُرِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَصْلُهُ الْمُطْمَئِنُّ مِنْ الْأَرْضِ كَانُوا يَأْتُونَهُ لِلْحَاجَةِ ، فَكَنَّوْا بِهِ عَنْ نَفْسِ الْحَدَثِ كَرَاهَةً لِذِكْرِهِ بِخَاصِّ اِسْمِهِ ، وَمِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ التَّعَفُّفُ فِي أَلْفَاظِهَا وَاسْتِعْمَالُ الْكِنَايَةِ فِي كَلَامِهَا وَصَوْنُ الْأَلْسِنَةِ عَمَّا تُصَانُ الْأَبْصَارُ وَالْأَسْمَاعُ عَنْهُ . ( فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ ) أَيْ جِهَةَ الْكَعْبَةِ ( بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ ) الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وَهُوَ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ لَا تَسْتَقْبِلُوا أَيْ لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ حَالَ كَوْنِكُمْ مُقْتَرِنِينَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ ، قَالَ السُّيُوطِيُّ : قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : أَصْلُ الْغَائِطِ الْمَكَانُ الْمُطْمَئِنُّ كَانُوا يَأْتُونَهُ لِلْحَاجَةِ ، فَكَنَّوْا بِهِ عَنْ نَفْسِ الْحَدَثِ كَرَاهَةً لِاسْمِهِ ، قَالَ : وَقَدْ اِجْتَمَعَ الْأَمْرَانِ فِي الْحَدِيثِ ، فَالْمُرَادُ بِالْغَائِطِ فِي أَوَّلِهِ الْمَكَانُ وَفِي آخِرِهِ الْخَارِجُ ، قَالَ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ : غَلَبَ هَذَا الِاسْمُ عَلَى الْحَاجَةِ حَتَّى صَارَ فِيهَا أَعْرَفَ مِنْهُ فِي مَكَانِهَا ، وَهُوَ أَحَدُ قِسْمَيْ الْمَجَازِ . انْتَهَى كَلَامُ السُّيُوطِيِّ . ( ولَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا ) أَيْ تَوَجَّهُوا إِلَى جِهَةِ الْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ ، هَذَا خِطَابٌ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ قِبْلَتُهُ عَلَى ذَلِكَ السَّمْتِ مِمَّنْ هُوَ فِي جِهَةِ الشِّمَالِ وَالْجَنُوبِ ، فَأَمَّا مَنْ قِبْلَتُهُ الْغَرْبُ أَوْ الشَّرْقُ فَإِنَّهُ يَنْحَرِفُ إِلَى الْجَنُوبِ أَوْ الشِّمَالِ ، كَذَا فِي الْمَجْمَعِ وَشَرْحِ السُّنَّةِ . ( فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ مِرْحَاضٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ ، وَهُوَ الْبَيْتُ الْمُتَّخَذُ لِقَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ ، أَيْ التَّغَوُّطِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ ، وَقَالَ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ : الْمَرَاحِيضُ وَاحِدُهَا مِرْحَاضٌ مِفْعَالٌ مِنْ رَحَضَ إِذَا غَسَلَ ، يُقَالُ : ثَوْبٌ رَحِيضٌ أَيْ غَسِيلٌ ، وَالرُّحَضَاءُ عَرَقُ الْحُمَّى ، وَالرَّحْضَةُ إِنَاءٌ يُتَوَضَّأُ بِهِ . انْتَهَى . ( فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا ) أَيْ عَنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ . ( وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ) قَالَ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ : يَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ وُجُوهٍ : الْأَوَّلَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ مِنْ الِاسْتِقْبَالِ ، الثَّانِيَ : أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ مِنْ ذُنُوبِهِ ، فَالذَّنْبُ يُذْكَرُ بِالذَّنْبِ ، الثَّالِثَ : أَنْ يسْتَغْفِرَ اللَّهَ لِمَنْ بَنَاهَا فَإِنَّ الِاسْتِغْفَارَ لِلْمُذْنِبِينَ سُنَّةٌ ، وَقَالَ اِبْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : قَوْلُهُ : وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ قِيلَ : يُرَادُ بِهِ لِبَانِي الْكَنِيفِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ الْمَمْنُوعَةِ عِنْدَهُ ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّهُ إِذَا اِنْحَرَفَ عَنْهَا لَمْ يَفْعَلْ مَمْنُوعًا فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ اِسْتِغْفَارٌ لِنَفْسِهِ ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ لِأَنَّهُ اِسْتَقْبَلَ وَاسْتَدْبَرَ بِسَبَبِ مُوَافَقَتِهِ لِمُقْتَضَى النَّهْيِ غَلَطًا أَوْ سَهْوًا فَيَتَذَكَّرُ فَيَنْحَرِفُ وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ، فَإِنْ قُلْتَ : فَالْغَالِطُ وَالسَّاهِي لَمْ يَفْعَلَا إِثْمًا فَلَا حَاجَةَ بِهِ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ ، قُلْتُ : أَهْلُ الْوَرَعِ وَالْمَنَاصِبِ الْعَلِيَّةِ فِي التَّقْوَى قَدْ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هَذَا بِنَاءً عَلَى نِسْبَتِهِمْ التَّقْصِيرَ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فِي عَدَمِ التَّحَفُّظِ اِبْتِدَاءً . انْتَهَى كَلَامُ اِبْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ . وقَالَ صَاحِبُ بَذْلِ الْمَجْهُودِ : يَعْنِي كُنَّا نَجْلِسُ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ نِسْيَانًا عَلَى وَفْقِ بِنَاءِ الْمَرَاحِيضِ ، ثُمَّ نَنْتَبِهُ عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ الْمَكْرُوهَةِ فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى عَنْهَا ، وَتَأْوِيلُ الِاسْتِغْفَارِ لِبَانِي الْكُنُفِ بَعِيدٌ غَايَةَ الْبُعْدِ ، قَالَ : وَكَانَ بِنَاؤُهَا مِنْ الْكُفَّارِ ، وَبَعِيدٌ غَايَةَ الْبُعْدِ أَنْ يَكُونَ بِنَاؤُهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ . انْتَهَى . قُلْتُ : يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِنَاؤُهَا مِنْ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ كَانَ مَذْهَبُهُمْ جَوَازَ اِسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارِهَا فِي الْكُنُفِ وَالْمَرَاحِيضِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ ، فَلَيْسَ فِيهِ بُعْدٌ غَايَةَ الْبُعْدِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ، ثُمَّ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْمُرَادَ كُنَّا نَجْلِسُ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ نِسْيَانًا إِلَخْ فِيهِ أَنَّ النِّسْيَانَ يَكُونُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ، وَلَفْظُ كُنَّا نَنْحَرِفُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ وَالتَّكْرَارِ فَتَفَكَّرْ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ) بْنِ جُزْءٍ الزُّبَيْدِيِّ ، صَحَابِيٌّ شَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ وَاخْتَطَّ بِهَا دَارًا ، مَاتَ سَنَةَ 86 سِتٍّ وَثَمَانِينَ بِمِصْرَ ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِهَا مِنْ الصَّحَابَةِ . ( وَمَعْقِلِ بْنِ أَبِي الْهَيْثَمِ ، وَيُقَالُ : مَعْقِلُ بْنُ أَبِي مَعْقِلٍ ) وَيُقَالُ أَيْضًا : مَعْقِلُ ابْنُ أُمِّ مَعْقِلٍ وَكُلُّهُ وَاحِدٌ ، يُعَدُّ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، رَوَى عَنْهُ أَبُو سَلَمَةَ ، وَأَبُو زَيْدٍ مَوْلَاهُ وَأُمُّ مَعْقِلٍ ، تُوُفِّيَ فِي أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَهُ اِبْنُ الْأَثِيرِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ : لَهُ وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ . ( وَأَبِي أُمَامَةَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ) أَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ فَأَخْرَجَهُ اِبْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ حِبَّانَ قَالَهُ الْحَافِظُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ مَعْقِلٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ : إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَةٍ فَلَا يَسْتَقْبِلن الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا اِبْنُ مَاجَهْ ، وَالدَّارِمِيُّ ، وَأَمَّا حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ فَأَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَصَحُّ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ . قَوْلُهُ : ( وأَبُو أَيُّوبَ اِسْمُهُ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : خَالِدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ كُلَيْبٍ الْأَنْصَارِيُّ ، أَبُو أَيُّوبَ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ ، شَهِدَ بَدْرًا وَنَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ عَلَيْهِ ، مَاتَ غَازِيًا بِالرُّومِ سَنَةَ 50 خَمْسِينَ وَقِيلَ بَعْدَهَا . انْتَهَى . ( وَالزُّهْرِيُّ اِسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ وَكُنْيَتُهُ أَبُو بَكْرٍ ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ الْقُرَشِيُّ الزُّهْرِيُّ ، مُتَّفَقٌ عَلَى جَلَالَتِهِ وَإِتْقَانِهِ وَهُوَ مِنْ رُءُوسِ الطَّبَقَةِ الرَّابِعَةِ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : هُوَ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ وَعَالِمُ الْحِجَازِ وَالشَّامِ ، قَالَ اللَّيْثُ : مَا رَأَيْتُ عَالِمًا قَطُّ أَجْمَعَ مِنْ اِبْنِ شِهَابٍ ، وَقَالَ مَالِكٌ : كَانَ اِبْنُ شِهَابٍ مِنْ أَسْخَى النَّاسِ ، وَتَقِيًّا مَا لَهُ فِي النَّاسِ نَظِيرٌ ، مَاتَ سَنَةَ 124 أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْمَكِّيُّ ) هُوَ مُوسَى بْنُ أَبِي الْجَارُودِ الْمَكِّيُّ ، أَبُو الْوَلِيدِ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ ، عَنْ اِبْنِ عُيَيْنَةَ ، وَالْبُوَيْطِيِّ وَجَمَاعَةٍ ، وَعَنْهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَثَّقَهُ اِبْنُ حِبَّانَ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ . ( قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ ) هُوَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْمَشْهُورِينَ اِسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ وَتَقَدَّمَ تَرْجَمَتُهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ . ( إِنَّمَا هَذَا فِي الْفَيَافِي ) عَلَى وَزْنِ الصَّحَارِي وَمَعْنَاهُ ، وَاحِدُهَا الْفَيْفَاءُ بِمَعْنَى الصَّحْرَاءِ . ( فَأَمَّا فِي الْكُنُفِ الْمَبْنِيَّةِ ) جَمْعُ كَنِيفٍ أَيْ الْبُيُوتِ الْمُتَّخَذَةِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ ( لَهُ رُخْصَةٌ فِي أَنْ يَسْتَقْبِلَهَا ) جَزَاءُ أَمَّا ، أَيْ فَجَائِزٌ لَهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فِيهَا ( وَهَكَذَا قَالَ إِسْحَاقُ ) هُوَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، ثِقَةٌ حَافِظٌ مُجْتَهِدٌ قَرِينُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ تَقَدَّمَ تَرْجَمَتُهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ; فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ أَنَّ اِسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارَهَا بِالْغَائِطِ وَالْبَوْلِ حَرَامٌ فِي الصَّحْرَاءِ وَجَائِزٌ فِي الْبُنْيَانِ; فَفَرَّقَا بَيْنَ الصَّحْرَاءِ وَالْبُنْيَانِ; قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَبِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْبُنْيَانِ وَالصَّحْرَاءِ مُطْلَقًا ، قَالَ الْجُمْهُورُ : وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ لِإِعْمَالِهِ جَمِيعَ الْأَدِلَّةِ . انْتَهَى . ( وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ) هُوَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْمَشْهُورِينَ تَقَدَّمَ تَرْجَمَتُهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ ( إِنَّمَا الرُّخْصَةُ إِلَخْ ) حَاصِلُ قَوْلِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِقْبَالُ فِي الصَّحْرَاءِ وَلَا فِي الْبُنْيَانِ وَيَجُوزُ الِاسْتِدْبَارُ فِيهِمَا ، وَعَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي هَذَا رِوَايَتَانِ : إِحْدَاهُمَا هَذِهِ الَّتِي ذَكَرَهَا التِّرْمِذِيُّ ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْهُ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ الْمَذْكُورِ ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ كَمَا سَتَعْرِفُ . اِعْلَمْ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ رحمه الله ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلَيْنِ ، قَوْلَ الشَّافِعِيِّ وَقَوْلَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَهَاهُنَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ فَلَنَا أَنْ نَذْكُرَهَا مَعَ بَيَانِ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا : قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : قَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي النَّهْيِ عَنْ اِسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ عَلَى مَذَاهِبَ : الْأَوَّلُ : مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ : أَنَّهُ يَحْرُمُ اِسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِي الصَّحْرَاءِ بِالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ بِالْبُنْيَانِ ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ . وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَا فِي الصَّحْرَاءِ وَلَا فِي الْبُنْيَانِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ الصَّحَابِيِّ وَمُجَاهِدٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ . وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ : جَوَازُ ذَلِكَ فِي الصَّحْرَاءِ وَالْبُنْيَانِ جَمِيعًا ، وَهُوَ مَذْهَبُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَرَبِيعَةَ شَيْخِ مَالِكٍ ، وَدَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ . وَالْمَذْهَبُ الرَّابِعُ : لَا يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِقْبَالُ فِي الصَّحْرَاءِ وَلَا فِي الْبُنْيَانِ وَيَجُوزُ الِاسْتِدْبَارُ فِيهِمَا ، وَهِيَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدَ . وَاحْتَجَّ الْمَانِعُونَ مُطْلَقًا بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْوَارِدَةِ فِي النَّهْيِ مُطْلَقًا كَحَدِيثِ سَلْمَانَ ، وَأَبِي أَيُّوبَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمْ . وَاحْتَجَّ مَنْ أَبَاحَ مُطْلَقًا بِحَدِيثِ اِبْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ : يَعْنِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ : أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ مُسْتَدْبِر الْقِبْلَةَ وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا يَكْرَهُونَ اِسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ بِفُرُوجِهِمْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوَقَدْ فَعَلُوهَا ؟ حَوِّلُوا مَقْعَدِي إِلَى الْقِبْلَةِ . رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ . وَاحْتَجَّ مَنْ أَبَاحَ الِاسْتِدْبَارَ دُونَ الِاسْتِقْبَالِ بِحَدِيثِ سَلْمَانَ يَعْنِي الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ : لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ . الْحَدِيثَ . وَاحْتَجَّ مَنْ حَرَّمَ الِاسْتِقْبَالَ وَالِاسْتِدْبَارَ فِي الصَّحْرَاءِ وَأَبَاحَهُمَا فِي الْبُنْيَانِ بِحَدِيثِ اِبْنِ عُمَرَ وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورَيْنِ وَبِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ ، وَبِحَدِيثِ مَرْوَانَ الْأَصْغَرِ قَالَ : رَأَيْتُ اِبْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إِلَيْهَا ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ : بَلَى إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ فَلَا بَأْسَ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ . فَهَذِهِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ بِالْجَوَازِ بَيْنَ الْبُنْيَانِ ، وَحَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ ، وَسَلْمَانَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمْ وَرَدَتْ بِالنَّهْيِ ، فَتُحْمَلُ عَلَى الصَّحْرَاءِ لِيُجْمَعَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ . وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ لَا يُصَارُ إِلَى تَرْكِ بَعْضِهَا ، بَلْ يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا وَالْعَمَلُ بِجَمِيعِهَا ، وَقَدْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ . انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ بِتَلْخِيصٍ . قُلْتُ : رَجَّحَ النَّوَوِيُّ مَذْهَبَ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا ، وَرَجَّحَهُ أَيْضًا الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ : هُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ لِإِعْمَالِهِ جَمِيعَ الْأَدِلَّةِ . وَعِنْدِي : أَوْلَى الْأَقْوَالِ وَأَقْوَاهَا دَلِيلًا هُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ مُطْلَقًا لَا فِي الْبُنْيَانِ وَلَا فِي الصَّحْرَاءِ ، فَإِنَّ الْقَانُونَ الَّذِي وَضَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ لِأُمَّتِهِ هُوَ قَوْلُهُ : لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ شَامِلٌ لِلْبُنْيَانِ وَالصَّحْرَاءِ ، وَلَمْ يُغَيِّرْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَقِّ أُمَّتِهِ لَا مُطْلَقًا وَلَا مِنْ وَجْهٍ . فَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا يَكْرَهُونَ اِسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ بِفُرُوجِهِمْ إِلَخْ الَّذِي ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ : إِسْنَادُهُ حَسَنٌ . فَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ مُنْكَرٌ لَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ ، قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ : خَالِدُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عَائِشَةَ : حَوِّلُوا مَقْعَدَتِي نَحْوَ الْقِبْلَةِ أَوَقَدْ فَعَلُوهَا؟ لَا يَكَادُ يُعْرَفُ ، تَفَرَّدَ عَنْهُ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ ، وَهَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ ، فَتَارَةً رَوَاهُ الْحَذَّاءُ ، عَنْ عِرَاكٍ ، وَتَارَةً يَقُولُ : عَنْ رَجُلٍ عَنْ عِرَاكٍ ، وَقَدْ رَوَى عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ ، سُفْيَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ، وَمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ وَغَيْرُهُمَا ، وَذَكَرَهُ اِبْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ، وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا يَعْرِضُ إِلَى لِينِهِ ، لَكِنَّ الْخَبَرَ مُنْكَرٌ . انْتَهَى . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : خَالِدُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ ، عَنْ عِرَاكٍ مُرْسَلٌ ، كَذَا فِي التَّهْذِيبِ ، وَقَالَ اِبْنُ حَزْمٍ فِي الْمُحَلَّى : إِنَّهُ سَاقِطٌ لِأَنَّ رَاوِيَه خَالِدٌ الْحَذَّاءُ وَهُوَ ثِقَةٌ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ وَهُوَ مَجْهُولٌ لَا نَدْرِي مَنْ هُوَ ، وَأَخْطَأَ فِيهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فَرَوَاهُ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ وَهَذَا أَبْطَلُ وَأَبْطَلُ; لِأَنَّ خَالِدًا الْحَذَّاءَ لَمْ يُدْرِكْ كَثِيرَ بْنَ الصَّلْتِ . انْتَهَى . وَلَوْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى تَغْيِيرِ ذَلِكَ الْقَانُونِ وَنَسْخِهِ; لِأَنَّ نَصَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَيِّنُ أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ; لِأَنَّ مِنْ الْبَاطِلِ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَاهُمْ عَنْ اِسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ ثُمَّ يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ طَاعَتَهُ فِي ذَلِكَ وَهَذَا مَا لَا يَظُنُّهُ مُسْلِمٌ ، وَلَا ذُو عَقْلٍ ، وَفِي هَذَا الْخَبَرِ إِنْكَارُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، فَلَوْ صَحَّ لَكَانَ مَنْسُوخًا بِلَا شَكٍّ . وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ ، فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا . فَهُوَ أَيْضًا لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى نَسْخِ ذَلِكَ الْقَانُونِ ، قَالَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ فِي التَّلْخِيصِ : فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ نَظَرٌ; لِأَنَّهَا حِكَايَةُ فِعْلٍ لَا عُمُومَ لَهَا ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِعُذْرٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي بُنْيَانٍ وَنَحْوِهِ . انْتَهَى . وَقَالَ الْقَاضِي الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : إِنَّ فِعْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُعَارِضُ الْقَوْلَ الْخَاصَّ بِنَا ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ . انْتَهَى . وَأَمَّا حَدِيثُ اِبْنِ عُمَرَ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ مُسْتَدْبِرًا الْقِبْلَةَ . فَهُوَ أَيْضًا لَا يَدُلُّ عَلَى نَسْخِ ذَلِكَ الْقَانُونِ لِمَا مَرَّ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ آنِفًا . وَأَمَّا حَدِيثُ مَرْوَانَ الْأَصْغَرِ فَهُوَ أَيْضًا لَا يَدُلُّ عَلَى نَسْخِ ذَلِكَ الْقَانُونِ; لِأَنَّ قَوْلَ اِبْنِ عُمَرَ فِيهِ إِنَّمَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ ، يُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ اِسْتِنَادًا إِلَى الْفِعْلِ الَّذِي شَاهَدَهُ وَرَوَاهُ ، فَكَأَنَّهُ لَمَّا رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ مُسْتَدْبِرًا الْقِبْلَةَ فَهِمَ اِخْتِصَاصَ النَّهْيِ بِالْبُنْيَانِ ، فَلَا يَكُونُ هَذَا الْفَهْمُ حُجَّةً ، فَإِذَا جَاءَ الِاحْتِمَالُ بَطَلَ الِاسْتِدْلَالُ . فَالْحَاصِلُ : أَنَّ أَوْلَى الْأَقْوَالِ وَأَقْوَاهَا عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - هُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِقْبَالُ وَالِاسْتِدْبَارُ مُطْلَقًا ، قَالَ الْقَاضِي الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : الْإِنْصَافُ الْحُكْمُ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا ، وَالْجَزْمُ بِالتَّحْرِيمِ ، حَتَّى يَنْتَهِضَ دَلِيلٌ يَصْلُحُ لِلنَّسْخِ أَوْ التَّخْصِيصِ أَوْ الْمُعَارَضَةِ وَلَمْ نَقِفْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ . انْتَهَى . وَقَالَ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : وَالْمُخْتَارُ - وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ - أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِقْبَالُ وَلَا الِاسْتِدْبَارُ فِي الصَّحْرَاءِ وَلَا فِي الْبُنْيَانِ; لِأَنَّا إِنْ نَظَرْنَا إِلَى الْمَعَانِي فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْحُرْمَةَ لِلْقِبْلَةِ ، وَلَا يَخْتَلِفُ فِي الْبَادِيَةِ وَلَا فِي الصَّحْرَاءِ ، وَإِنْ نَظَرْنَا إِلَى الْآثَارِ فَإِنَّ حَدِيثَ أَبِي أَيُّوبَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مُعَلَّلٌ بِحُرْمَةِ الْقِبْلَةِ ، وَحَدِيثَ اِبْنِ عُمَرَ لَا يُعَارِضُهُ وَلَا حَدِيثَ جَابِرٍ لِأَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ قَوْلٌ وَهَذَانِ فِعْلَانِ وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ . الثَّانِي : أَنَّ الْفِعْلَ لَا صِيغَةَ لَهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ حِكَايَةُ حَالٍ ، وَحِكَايَاتُ الْأَحْوَالِ مُعَرَّضَةٌ لِلْأَعْذَارِ وَالْأَسْبَابِ ، وَالْأَقْوَالُ لَا مُحْتَمَلَ فِيهَا مِنْ ذَلِكَ . الثَّالِثُ : أَنَّ الْقَوْلَ شَرْعٌ مُبْتَدَأٌ وَفِعْلُهُ عَادَةٌ ، وَالشَّرْعُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَادَةِ . الرَّابِعُ : أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَوْ كَانَ شَرْعًا لَمَا تَسَتَّرَ بِهِ . انْتَهَى . وَقَدْ قَالَ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ قَبْلَ هَذَا : اُخْتُلِفَ فِي تَعْلِيلِ الْمَنْعِ فِي الصَّحْرَاءِ ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِحُرْمَةِ الْمُصَلِّينَ ، وَقِيلَ ذَلِكَ لِحُرْمَةِ الْقِبْلَةِ ، وَلَكِنْ جَازَ فِي الْحَوَاضِرِ لِلضَّرُورَةِ ، وَالتَّعْلِيلُ بِحُرْمَةِ الْقِبْلَةِ أَوْلَى بخَمْسَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ قَالَهُ الشَّعْبِيُّ ، فَلَا يَلْزَمُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ . الثَّانِي : أَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنْ مَغِيبٍ ، فَلَا يَثْبُتُ إِلَّا عَنْ الشَّارِعِ . الثَّالِثُ : أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِحُرْمَةِ الْمُصَلِّينَ لَمَا جَازَ التَّغْرِيبُ وَالتَّشْرِيقُ أَيْضًا; لِأَنَّ الْعَوْرَةَ لَا تَخْفَى مَعَهُ أَيْضًا عَنْ الْمُصَلِّينَ ، وَهَذَا يُعْرَفُ بِاخْتِبَارِ الْمُعَايَنَةِ . الرَّابِعُ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا عَلَّلَ بِحُرْمَةِ الْقِبْلَةِ ، فَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ جَلَسَ لِبَوْلٍ قُبَالَةَ الْقِبْلَةِ ، فَذَكَرَ فَانْحَرَفَ عَنْهَا إِجْلَالًا لَهَا لَمْ يَقُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ حَتَّى يُغْفَرَ لَهُ . أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ . الْخَامِسُ : أَنَّ ظَاهِرَ الْأَحَادِيثِ يَقْتَضِي أَنَّ الْحُرْمَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلْقِبْلَةِ ، لِقَوْلِهِ : لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ ، فَذَكَرَهَا بِلَفْظِهَا فَأَضَافَ الِاحْتِرَامَ لَهَا . انْتَهَى . قُلْتُ : الظَّاهِرُ أَنَّ الْحُرْمَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلْقِبْلَةِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ، وَلَوْ صَحَّ حَدِيثُ الْبَزَّارِ الَّذِي ذَكَرَهُ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ لَكَانَ قَاطِعًا فِي ذَلِكَ; لَكِنْ لَمْ نَقِفْ عَلَى سَنَدِهِ ، فَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَالِ إِسْنَادِهِ .
بَاب فِي الْمُسْتَحَاضَةِ 125 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ نَا وَكِيعٌ ، وَعَبْدَةُ ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابنة أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ ؟ قَالَ : لَا ، إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي . قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ فِي حَدِيثِهِ : وَقَالَ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ . وَفِي الْبَاب عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ . قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيُّ أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ إِذَا جَاوَزَتْ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا اغْتَسَلَتْ وَتَوَضَّأَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ . ( بَابٌ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ ) الِاسْتِحَاضَةُ جَرَيَانُ الدَّمِ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ فِي غير أوانه وأنه يخرج من عِرْقٍ يُقَالُ لَهُ الْعَاذِلُ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ ، يُقَالُ : اسْتُحِيضَتِ الْمَرْأَةُ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ بَعْدَ أَيَّامِهَا الْمُعْتَادَةِ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ كَذَا فِي الْفَتْحِ . قَوْلُهُ : ( جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ أَبِي حُبَيْشٍ ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : صَحَابِيَّةٌ لَهَا حَدِيثٌ فِي الِاسْتِحَاضَةِ . ( إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( فَلَا أَطْهُرُ ) أَيْ لَا يَنْقَطِعُ عَنِّي الدَّمُ ( أَفَأَدْعُ الصَّلَاةَ ) كَانَتْ قَدْ عَلِمَتْ أَنَّ الْحَائِضَ لَا تُصَلِّي فَظَنَّتْ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ مُقْتَرِنٌ بِجَرَيَانِ الدَّمِ مِنَ الْفَرْجِ فَأَرَادَتْ تَحْقِيقَ ذَلِكَ فَقَالَتْ : أَفَأَدْعُ الصَّلَاةَ أَيْ أأَتْرُكُهَا ، وَالْعَطْفُ عَلَى مُقَدَّرٍ بَعْدَ الْهَمْزَةِ لِأَنَّ لَهَا صَدْرَ الْكَلَامِ ، أَيْ أَيَكُونُ لِي حُكْمُ الْحَائِضِ فَأَتْرُكَ الصَّلَاةَ . ( قَالَ لَا ) أَيْ لَا تَدَعِي الصَّلَاةَ ( إِنَّمَا ذَلِكِ ) بِكَسْرِ الْكَافِ أَيِ الَّذِي تَشْتَكِينَهُ . ( عِرْقٌ ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، أَيْ دَمُ عِرْقٍ انْشَقَّ وَانْفَجَرَ مِنْهُ الدَّمُ ، أَوْ إِنَّمَا سَبَبُهَا عِرْقٌ فمها فِي أَدْنَى الرَّحِمِ . ( وَلَيْسَتْ ) أَيِ الْعِلَّةُ الَّتِي تَشْتَكِينَهَا ، وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ عَلَى مَا فِي الْمِشْكَاةِ لَيْسَ وَهُوَ الظَّاهِرُ . ( بِالْحَيْضَةِ ) قَالَ الْحَافِظُ : بِفَتْحِ الْحَاءِ كَمَا نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ أَوْ كُلِّهِمْ وَإِنْ كَانَ قَدِ اخْتَارَ الْكَسْرَ عَلَى إِرَادَةِ الْحَالَةِ لَكِنَّ الْفَتْحَ هُنَا أَظْهَرُ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ أَوْ قَرِيبٌ مِنَ الْمُتَعَيِّنِ ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ إِثْبَاتَ الِاسْتِحَاضَةِ وَنَفْيَ الْحَيْضِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَيَجُوزُ فِيهِ الْوَجْهَانِ مَعًا جَوَازًا حَسَنًا . انْتَهَى كَلَامُهُ . قَالَ الْحَافِظُ : وَاَلَّذِي فِي رِوَايَتِنَا بِفَتْحِ الْحَاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ . ( فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ ) ، قَالَ الْقَارِي : بِالْكَسْرِ اسْمٌ لِلْحَيْضِ وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْفَتْحِ ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهَا الْحَالَةُ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ فِيهَا وَهِيَ تَعْرِفُهَا فَيَكُونُ رَدَّا إِلَى الْعَادَةِ ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهَا الْحَالَةُ الَّتِي تَكُونُ لِلْحَيْضِ مِنْ قُوَّةِ الدَّمِ فِي اللَّوْنِ وَالْقِوَامِ ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عُرْوَةَ الَّذِي يَتْلُوهُ وَهِيَ لَمْ تَعْرِفْ أَيَّامَهَا فَيَكُونُ رَدًّا إِلَى التَّمْيِيزِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ فَأَبُو حَنِيفَةَ مَنَعَ اعْتِبَارَ التَّمْيِيزِ مُطْلَقًا وَالْبَاقُونَ عَمِلُوا بِالتَّمْيِيزِ فِي حَقِّ الْمُبْتَدَأَةِ ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا تَعَارَضَتِ الْعَادَةُ وَالتَّمْيِيزُ فَاعْتَبَرَ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا التَّمْيِيزَ وَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى الْعَادَةِ ، وَعَكَسَ ابْنُ خَيْرَانَ . انْتَهَى . قُلْتُ : أَرَادَ بِحَدِيثِ عُرْوَةَ الَّذِي رَوَاهُ عُرْوَةُ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ أَنَّهَا كَانَتْ تُسْتَحَاضُ ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ ، فَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي فَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ . ( فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي ) ، أَيْ بَعْدَ الِاغْتِسَالِ . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي . قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ فِي حَدِيثِهِ وَقَالَ : تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ ) قَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّ هَذَا مَدْرَجٌ ، وَقَدْ رَدَّ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ عَلَيْهِ ، وَجَزَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى عُرْوَةَ ، وَقَدْ رَدَّ الْحَافِظُ عَلَيْهِ أَيْضًا وَقَالَ : وَلَمْ يَنْفَرِدْ أَبُو مُعَاوِيَةَ بِذَلِكَ ، فَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ هِشَامٍ ، وَادَّعَى أَنَّ حَمَّادًا تَفَرَّدَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ ، وَأَوْمَأَ مُسْلِمٌ أَيْضًا إِلَى ذَلِكَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، فَقَدْ رَوَاهَا الدَّارِمِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، وَالسِّرَاجُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمٍ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ . انْتَهَى . وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا مَيَّزَتْ دَمَ الْحَيْضِ مِنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ تَعْتَبِرُ دَمَ الْحَيْضِ وَتَعْمَلُ عَلَى إِقْبَالِهِ وَإِدْبَارِهِ ، فَإِذَا انْقَضَى قَدْرُهُ اغْتَسَلَتْ عَنْهُ ثُمَّ صَارَ حُكْمُ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ حُكْمَ الْحَدَثِ فَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ لَكِنَّهَا لَا تُصَلِّي بِذَلِكَ الْوُضُوءِ أَكْثَرَ مِنْ فَرِيضَةٍ وَاحِدَةٍ مُؤَادَّةٍ أَوْ مَقْضِيَّةٍ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ : ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْوُضُوءَ مُتَعَلِّقٌ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ فَلَهَا أَنْ تُصَلِّيَ بِهِ الْفَرِيضَةَ الْحَاضِرَةَ وَمَا شَاءَتْ مِنَ الْفَوَائِتِ مَا لَمْ يَخْرُجْ وَقْتُ الْحَاضِرَةِ ، عَلَى قَوْلِهِمِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ أي لوقت كل صلاة ، فَفِيهِ مَجَازُ الْحَذْفِ وَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُسْتَحَبُّ لَها الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَلَا يَجِبُ إِلَّا بِحَدَثٍ آخَرَ ، وَقَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ : إِنِ اغْتَسَلَتْ لِكُلِّ فَرْضٍ فَهُوَ أَحْوَطُ ، قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَيْسَ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ ذِكْرُ الْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ وَذُكِرَ فِي حَدِيثِ غَيْرِهِ ، فَلِذَا كَانَ مَالِكٌ يَسْتَحِبُّهُ لَهَا وَلَا يُوجِبُهُ كَمَا لَا يُوجِبُهُ عَلَى صَاحِبِ التسلسل ، قَالَه الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ . فَإِنْ قُلْتَ : قَالَ فِي الْهِدَايَةِ لَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ . قُلْتُ : قَالَ الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ فِي تَخْرِيجِ الْهِدَايَةِ : غَرِيبٌ جِدًّا ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الدِّرَايَةِ : لَمْ أَجِدْهُ هَكَذَا ، وَإِنَّمَا فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ . فَإِنْ قُلْتَ : قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ نَقْلًا عَنْ شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ : رَوَى أَبُو حَنِيفَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ تَوَضَّئِي لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ ، فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ بِلَفْظِ تَوَضَّئِي لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ ، تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ ، أَيْ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ . قُلْتُ : نَعَمْ لَوْ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ فِي هَذَا الطَّرِيقِ مَحْفُوظًا لَكَانَ دَلِيلًا عَلَى الْمَطْلُوبِ ، لَكِنَّ فِي كَوْنِهِ مَحْفُوظًا كَلَامًا فَإِنَّ الطُّرُقَ الصَّحِيحَةَ كُلَّهَا قَدْ وَرَدَتْ بِلَفْظِ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَأَمَّا هَذَا اللَّفْظُ فَلَمْ يَقَعْ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا ، وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ سَيِّئُ الْحِفْظِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ) أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيُّ كَذَا فِي الْمُنْتَقَى وَلَفْظُهُ : أَنَّهَا اسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي امْرَأَةِ تُهْرَاقُ الدَّمَ فَقَالَ : لِتَنْظُرْ قَدْرَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ وَقَدْرَهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ فَتَدَعَ الصَّلَاةَ ثُمَّ لِتَغْتَسِلْ وَتَسْتَثْفِرْ ثُمَّ تُصَلِّي . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .
بَاب مَا جَاءَ أَنَّهُ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ 61 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، فَلَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ صَلَّى الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ، فَقَالَ عُمَرُ : إِنَّكَ فَعَلْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ فَعَلْتَهُ ، قَالَ : عَمْدًا فَعَلْتُهُ ، قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَلِيُّ بْنُ قَادِمٍ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَزَادَ فِيهِ : تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَرَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَرَوَاهُ وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مُحَارِبٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ وروى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَغَيْرُهُ عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرْسَل ، وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ وَكِيعٍ ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ مَا لَمْ يُحْدِثْ ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ اسْتِحْبَابًا وَإِرَادَةَ الْفَضْلِ ، وَيُرْوَى عَنْ الْأَفْرِيقِيِّ ، عَنْ أَبِي غُطَيْفٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهِ عَشْرَ حَسَنَاتٍ وَهَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ ، وَفِي الْبَاب عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ . باب ما جاء أنه يصلي الصلوات بوضوء واحد قَوْلُهُ : ( عَنْ سُفْيَانَ ) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الثَّوْرِيُّ ( عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالثَّاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَيْنَهُمَا ، وَثَّقَهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ . قَوْلُهُ : ( عَمْدًا صَنَعْتُهُ ) أَيْ لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، قَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ شَرْحِ الْمِشْكَاةِ : الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلْمَذْكُورِ ، وَهُوَ جَمْعُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَعَمْدًا تَمْيِيزٌ أَوْ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ . فَقُدِّمَ اهْتِمَامًا بِشَرْعِيَّةِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي الدِّينِ وَاخْتِصَاصِهِمَا رَدًّا لِزَعْمِ مَنْ لَا يَرَى الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَوَاتٍ كَثِيرَةً بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ لَا يكْرَهُ صَلَاتُهُ إِلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ الْأَخْبَثَانِ كَذَا ذَكَرَهُ الشُّرَّاحُ ، لَكِنْ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إِلَى مَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ يُوهِمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ قَبْلَ الْفَتْحِ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ ، فَالْوَجْهُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إِلَى الْجَمْعِ فَقَطْ أَيْ جَمْعِ الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ . انْتَهَى كَلَامُهُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ . قَوْلُهُ : ( وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَلِيُّ بْنُ قَادِمٍ ) الْخُزَاعِيُّ الْكُوفِيُّ صَدُوقٌ ( وَرَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ) أَيْ كَمَا رَوَاهُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ ، فَهَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ سُفْيَانَ عَنْ شَيْخَيْنِ ، عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ ، وَمُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ . ( مُرْسَلٌ ) أَيْ هَذَا مُرْسَلٌ ، وَفِي نُسْخَةٍ قَلَمِيَّةٍ صَحِيحَةٍ مُرْسَلًا وَهُوَ الظَّاهِرُ . ( وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ وَكِيعٍ ) أَيْ هَذَا الْمُرْسَلُ الَّذِي رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَغَيْرُهُ عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ بِدُونِ ذِكْرِ عَنْ أَبِيهِ ، أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ وَكِيعٍ الَّذِي رَوَاهُ عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مُحَارِبٍ مُسْنَدًا بِذِكْرِ عَنْ أَبِيهِ ، وَوَجْهُ كَوْنِ الْمُرْسَلِ أَصَحَّ لِأَنَّ رُوَاتَهُ أَكْثَرُ ، وَالْمُرْسَلُ : قَوْلُ التَّابِعِيِّ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَا أَوْ فَعَلَ كَذَا ، وَالْمُسْنَدُ : مَا اتَّصَلَ سَنَدُهُ مَرْفُوعًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَنْبِيهٌ : اعْلَمْ أَنَّ سُفْيَانَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ شَيْخَيْنِ ، عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ ، وَمُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ، وَاخْتِلَافُ أَصْحَابِ سُفْيَانَ فِي رِوَايَتِهِ مُرْسَلًا وَمُسْنَدًا إِنَّمَا هُوَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مُحَارِبٍ لَا فِي رِوَايَتِهِ عَنْ عَلْقَمَةَ فَإِنَّ أَصْحَابَهُ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ عَلْقَمَةَ فِي الْإِسْنَادِ وَالْإِرْسَالِ بَلْ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ فِي رِوَايَتِهِ مُسْنَدًا ، وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى مَنْ وَقَفَ عَلَى طُرُقِ الْحَدِيثِ ، وَلَمْ يَقِفْ عَلَى هَذَا صَاحِبُ الطِّيبِ فَاعْتَرَضَ عَلَى التِّرْمِذِيِّ حَيْثُ قَالَ : وَلَعَلَّ الْحَقَّ خِلَافُهُ . ثُمَّ هَذَا الْمُعْتَرِضُ يَظُنُّ أَنَّ بَيْنَ الْإِرْسَالِ وَالرَّفْعِ مُنَافَاةً ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِ التِّرْمِذِيِّ : وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ وَكِيعٍ : أَيْ رِوَايَةُ الْإِرْسَالِ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ الرَّفْعِ ، وَجْهُ الصِّحَّةِ كَوْنُ الْمُرْسِلِينَ أَكْثَرَ مِمَّنْ رَفَعَهُ . انْتَهَى ، وَالْأَمْرُ لَيْسَ كَذَلِكَ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فَإِنَّ رِوَايَةَ الْإِرْسَالِ أَيْضًا مَرْفُوعَةٌ . قَوْلُهُ : ( وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَخْ ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنْوَاعٌ مِنَ الْعِلْمِ ، مِنْهَا جَوَازُ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ وَالنَّوَافِلِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ مَا لَمْ يُحْدِثْ وَهَذَا جَائِزٌ بِإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ ، وَحَكَى الطَّحَاوِيُّ ، وَابْنُ بَطَّالٍ عَنْ طَائِفَةٍ أَنَّهُمْ قَالُوا يَجِبُ الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَإِنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ الْآيَةَ ، وَمَا أَظُنُّ هَذَا الْمَذْهَبَ يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ ، وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا اسْتِحْبَابَ تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ، وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِنْهَا هَذَا الْحَدِيثُ وَحَدِيثُ أَنَسٍ وَحَدِيثُ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ ، وَفِي مَعْنَاهُ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ وَأَمَّا الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ ، فَالْمُرَادُ بِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ : إِذَا قُمْتُمْ مُحْدِثِينَ . انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ مُخْتَصَرًا ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي مَعْنَى الْآيَةِ ، فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ : التَّقْدِيرُ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ مُحْدِثِينَ ، وَقَالَ الْآخَرُونَ : بَلْ الْأَمْرُ عَلَى عُمُومِهِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ حَذْفٍ إِلَّا أَنَّهُ فِي حَقِّ الْمُحْدِثِ عَلَى الْإِيجَابِ ، وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ عَلَى النَّدْبِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ عَلَى الْإِيجَابِ ثُمَّ نُسِخَ فَصَارَ مَنْدُوبًا ، وَيَدُلُّ لِهَذَا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ الْأَنْصَارِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ ، فَلَمَّا شَقَّ عَلَيْهِ وَضَعَ عَنْهُ الْوُضُوءَ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ صَلَّى الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : إِنَّكَ فَعَلْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ ، فَقَالَ : عَمْدًا فَعَلْتُهُ . أَيْ لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، وَسَيَأْتِي حَدِيثُ أَنَسٍ فِي ذَلِكَ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ ، قُلْتُ : ( وَإِرَادَةَ الْفَضْلِ ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى اسْتِحْبَابًا أَيْ : وَطَلَبًا لِلْفَضِيلَةِ وَالثَّوَابِ لَا عَلَى الْوُجُوبِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .
بَاب مَا يَقُولُ إِذَا خَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ 7 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن حميد بْنُ إِسْمَاعِيلَ نَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ قَالَ : غُفْرَانَكَ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ غريب حَسَنٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ، وَأَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى اسْمُهُ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيُّ وَلَا يعْرِفُ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَّا حَدِيثَ عَائِشَةَ قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ ) . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ) كَذَا فِي النُّسَخِ الْمَطْبُوعَةِ فِي الْهِنْدِ ، وَإِنِّي لَمْ أَجِدْ فِي كُتُبِ الرِّجَالِ رَجُلًا اِسْمَهُ مُحَمَّدَ بْنَ حُمَيْدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ مِنْ شُيُوخِ التِّرْمِذِيِّ ، وَفِي النُّسْخَةِ الْمِصْرِيَّةِ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا حُمَيْدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ إِلَخْ ، وَإِنِّي لَمْ أَجِدْ فِي كُتُبِ الرِّجَالِ رَجُلًا اِسْمُهُ حُمَيْدٌ وَهُوَ مِنْ تَلَامِذَةِ مَالِكِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ وَمِنْ شُيُوخِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ فَتَفَكَّرْ وَتَأَمَّلْ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَعَلَّ لَفْظَ حُمَيْدٍ هَاهُنَا زَائِدٌ فِي كِلْتَا النُّسْخَتَيْنِ ، وَالصَّحِيحُ هَكَذَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا قَالَ فِي الدُّرِّ الْغَالِي شَرْحِ إِرْشَادِ الْمُتَجَلِّي بَعْدَمَا ذَكَرَ رِوَايَةَ أَنَسٍ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَرَجَ مِنْ الْغَائِطِ قَالَ : غُفْرَانَكَ . قَالَ عَقِبَ ذَلِكَ : وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ ، وَعَنْهُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ ، وَأَوْرَدَ رِوَايَةَ عَائِشَةِ هَذِهِ بِهَذَا الْمَتْنِ وَالسَّنَدِ ، وَقَالَ فِي اِبْتِدَاءِ السَّنَدِ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، فَظَهَرَ مِنْ هَذَا وَمِنْ النُّسْخَةِ الْمِصْرِيَّةِ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ أَعْنِي الْبُخَارِيَّ دُونَ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ . انْتَهَى كَلَامُهُ بِلَفْظِهِ . ( نَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ) بْنُ دِرْهَمٍ النَّهْدِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو غَسَّانَ الْكُوفِيُّ الْحَافِظُ ، رَوَى عَنْ إِسْرَائِيلَ وَأَسْبَاطِ بْنِ النَّصْرِ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَخَلْقٍ ، وَعَنْهُ الْبُخَارِيُّ وَالْبَاقُونَ بِوَاسِطَةٍ ، قَالَ اِبْنُ مَعِينٍ : لَيْسَ بِالْكُوفَةِ أَتْقَنَ مِنْهُ ، وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ : ثِقَةٌ صَحِيحُ الْحَدِيثِ مِنْ الْعَابِدِينَ ، مَاتَ سَنَةَ 219 تِسْعَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ ، وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ : ثِقَةٌ مُتْقِنٌ صَحِيحُ الْكِتَابِ عَابِدٌ مِنْ صِغَارِ التَّاسِعَةِ . انْتَهَى . ( عَنْ إِسْرَائِيلَ ) بْنِ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ الْهَمْدَانِيِّ الْكُوفِيِّ ، ثِقَةٌ تُكُلِّمَ فِيهِ بِلَا حُجَّةٍ ، قَالَ أَحْمَدُ ثِقَةٌ ثَبْتٌ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : صَدُوقٌ مِنْ أَتْقَنِ أَصْحَابِ أَبِي إِسْحَاقَ ، وُلِدَ سَنَةَ 100 مِائَةٍ وَمَاتَ سَنَةَ 162 اِثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ . ( عَنْ يُوسُفَ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ) بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ الْكُوفِيِّ ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَعَنْهُ إِسْرَائِيلُ ، وَسَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ ، وَثَّقَهُ اِبْنُ حِبَّانَ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ مَقْبُولٌ . ( عَنْ أَبِيهِ ) أَيْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، قِيلَ : اِسْمُهُ عَامِرٌ ، وَقِيلَ : الْحَارِثُ ، ثِقَةٌ مِنْ الثَّالِثَةِ ، قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : أَبُو بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ الْفَقِيهُ قَاضِي الْكُوفَةِ اِسْمُهُ الْحَارِثُ أَوْ عَامِرٌ ، عَنْ عَلِيٍّ ، وَالزُّبَيْرِ ، وَحُذَيْفَةَ وَطَائِفَةٍ ، وَعَنْهُ بَنُوهُ عَبْدُ اللَّهِ ، وَيُوسُفُ ، وَسَعِيدٌ ، وَبِلَالٌ وَخَلْقٌ ، وَثَّقَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ ، تُوُفِّيَ سَنَةَ 103 ثَلَاثٍ وَمِائَةٍ . قَوْلُهُ : ( إِذَا خَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ قَالَ : غُفْرَانَكَ ) إِمَّا مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أَيْ أَسْأَلُكَ غُفْرَانَكَ أَوْ أَطْلُبُ غُفْرَانَكَ ، أَوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَيْ اغْفِرُ غُفْرَانَكَ ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي تَعْقِيبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخُرُوجَ بِهَذَا الدُّعَاءِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ اِسْتَغْفَرَ مِنْ الْحَالَةِ الَّتِي اِقْتَضَتْ هِجْرَانَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى فِي سَائِرِ حَالَاتِهَ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ . وَثَانِيهِمَا : أَنَّ الْقُوَّةَ الْبَشَرِيَّةَ قَاصِرَةٌ عَنْ الْوَفَاءِ بِشُكْرِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ تَسْوِيغِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَتَرْتِيبِ الْغِذَاءِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُنَاسِبِ لِمَصْلَحَةِ الْبَدَنِ إِلَى أَوَانِ الْخُرُوجِ ، فَلَجَأَ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ اِعْتِرَافًا بِالْقُصُورِ عَنْ بُلُوغِ حَقِّ تِلْكَ النِّعَمِ ، كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . قُلْتُ : الْوَجْهُ الثَّانِي هُوَ الْمُنَاسِبُ لِحَدِيثِ أَنَسٍ رضي الله عنه ، قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي . رَوَاهُ اِبْنُ مَاجَهْ . قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : سَأَلَ الْمَغْفِرَةَ مِنْ تَرْكِهِ ذِكْرَ اللَّهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ، ثُمَّ قَالَ : فَإِنْ قِيلَ : إِنَّمَا تَرَكَهُ بِأَمْرِ رَبِّهِ فَكَيْفَ يَسْأَلُ الْمَغْفِرَةَ عَنْ فِعْلٍ كَانَ بِأَمْرِ اللَّهِ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ التَّرْكَ وَإِنْ كَانَ بِأَمْرِ اللَّهِ إِلَّا أَنَّهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ وَهُوَ الِاحْتِيَاجُ إِلَى الْخَلَاءِ . انْتَهَى . فَإِنْ قِيلَ : قَدْ غُفِرَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ فَمَا مَعْنَى سُؤَالِهِ الْمَغْفِرَةَ؟ يُقَالُ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطْلُبُ الْمَغْفِرَةَ مِنْ رَبِّهِ قَبْلَ أَنْ يُعْلِمَهُ أَنَّهُ قَدْ غَفَرَ لَهُ ، وَكَانَ يَسْأَلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ غُفِرَ لَهُ بِشَرْطِ اِسْتِغْفَارِهِ ، وَرُفِعَ إِلَى شَرَفِ الْمَنْزِلَةِ بِشَرْطِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالْكُلُّ لَهُ حَاصِلٌ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى ، قَالَهُ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ ) قَالَ الْقَاضِي الشَّوْكَانِيُّ فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ : هَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ، وَأَبُو حَاتِمٍ ، قَالَ فِي الْبَدْرِ الْمُنِيرِ : وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، انْتَهَى . ( وَلَا يعْرِفُ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَّا حَدِيثَ عَائِشَةَ ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ : وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَجَاءَ فِي الَّذِي يُقَالُ عَقِبَ الْخُرُوجِ مِنْ الْخَلَاءِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ ثَابِتٌ إِلَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ الْمَذْكُورُ ، قَالَ : وَهَذَا مُرَادُ التِّرْمِذِيِّ بِقَوْلِهِ : وَلَا يُعْرَفُ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ كَذَا فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي ، وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ : أَخْرَجَهُ اِبْنُ حِبَّانَ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ الْجَارُودِ ، وَالْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِمْ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : هُوَ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ . فَإِنْ قُلْتَ : لَمَّا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَأَبُو عَلِيٍّ الطَّرْطُوسِيُّ قَالَا : هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ، وَلَا يُعْرَفُ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ رضي الله عنها ، قُلْتُ : قَوْلُهُ غَرِيبٌ مَرْدُودٌ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَصْحِيحِهِ وَيُمْكِنُ أَنْ يكُونَ الْغَرَابَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّاوِي لَا إِلَى الْحَدِيثِ ، إِذْ الْغَرَابَةُ وَالْحُسْنُ فِي الْمَتْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ ، فَإِنْ قُلْتَ : غَرَابَةُ السَّنَدِ بِتَفَرُّدِ إِسْرَائِيلَ وَغَرَابَةُ الْمَتْنِ لِكَوْنِهِ لَا يُعْرَفُ غَيْرُهُ قُلْتُ : إِسْرَائِيلُ مُتَّفَقٌ عَلَى إِخْرَاجِ حَدِيثِهِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ ، وَالثِّقَةُ إِذَا اِنْفَرَدَ بِحَدِيثٍ وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ لَا يَنْقُصُ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ ، وَإِنْ لَمْ يَرْتَقِ إِلَى دَرَجَةِ الصِّحَّةِ ، وَقَوْلُهُمَا لَا يُعْرَفُ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ لَيْسَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّ فِيهِ أَحَادِيثَ وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً : مِنْهَا : حَدِيثُ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَوَاهُ اِبْنُ مَاجَهْ : قَالَ : كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي . وَمِنْهَا : حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ مِثْلُهُ ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ . وَمِنْهَا : حَدِيثُ اِبْنِ عَبَّاسٍ ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَرْفُوعًا : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَخْرَجَ عَنِّي مَا يُؤْذِينِي وَأَمْسَكَ عَلَيَّ مَا يَنْفَعُنِي . وَمِنْهَا : حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ خَيْثَمَةَ نَحْوُهُ ، وَذَكَرَهُ اِبْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْعِلَلِ . وَمِنْهَا : حَدِيثُ اِبْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذَاقَنِي لَذَّتَهُ وَأَبْقَى عَلَيَّ قُوَّتَهُ وَأَذْهَبَ عَنِّي أَذَاهُ . انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ رحمه الله . قُلْتُ : الْمُرَادُ بِقَوْلِ التِّرْمِذِيِّ غَرِيبٌ مِنْ جِهَةِ السَّنَدِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ غَرِيبًا مِنْ جِهَةِ السَّنَدِ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا أَوْ صَحِيحًا كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَقَرِّهِ ، فَقَوْلُ الْعَلَّامَةِ الْعَيْنِيِّ : قَوْلُهُ غَرِيبٌ مَرْدُودٌ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَصْحِيحِهِ ، مَرْدُودُ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا قَوْلُ التِّرْمِذِيِّ : لَا يُعْرَفُ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ ، فَقَدْ عَرَفْتُ مَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْهُ .
بَاب فِي وُضُوءِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ 62 حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : حَدَّثَتْنِي مَيْمُونَةُ قَالَتْ : كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ الْجَنَابَةِ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ أَنْ لَا بَأْسَ أَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ وَفِي الْبَاب عَنْ عَلِيٍّ ، وَعَائِشَةَ ، وَأَنَسٍ ، وَأُمِّ هَانِئٍ ، وَأُمِّ صُبَيَّةَ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ، وَابْنِ عمرو وَأَبُو الشَّعْثَاءِ اسْمُهُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ . باب في وضوء الرجل والمرأة من إناء واحد قَوْلُهُ : ( عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ) الْمَكِّيِّ أَبِي مُحَمَّدٍ الْأَثْرَمِ الْجُمَحِيِّ مَوْلَاهُمْ ، ثِقَةٌ ، ثَبْتٌ ، مِنَ الرَّابِعَةِ ( عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ ) اسْمُهُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ الْأَزْدِيُّ ثُمَّ الجوفي الْبَصْرِيُّ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ ، ثِقَةٌ ، فَقِيهٌ ، مِنَ الثَّالِثَةِ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : رَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَكْثَرَ وَمُعَاوِيَةَ ، وَابْنِ عَمْرٍو ، عَنْهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَقَتَادَةُ وَخَلْقٌ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هُوَ مِنَ الْعُلَمَاءِ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وُضُوءُ الرَّجُلِ ) بِضَمِّ الْوَاوِ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْفِعْلُ . قَوْلُه : ( كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مَعَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ ، وَهُوَ مِنْ بَابِ تَغْلِيبِ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى الْغَائِبِ لِكَوْنِهَا هِيَ السَّبَبَ فِي الِاغْتِسَالِ ، فَكَأَنَّهَا أَصْلٌ فِي الْبَابِ ، قَالَهُ الْحَافِظُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ إِلَخْ ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : وَأَمَّا تَطْهِيرُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ فَهُوَ جَائِزٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِي الْبَابِ . انْتَهَى ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : نَقَلَ الطَّحَاوِيُّ ثُمَّ الْقُرْطُبِيُّ ، وَالنَّوَوِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَى جَوَازِ اغْتِسَالِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مِنَ الْإِنَاءِ الْوَاحِدِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِمَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يُنْهَى عَنْهُ وَكَذَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ قَوْمٍ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ . انْتَهَى . وَتَعَقَّبَ الْعَيْنِيُّ عَلَى الْحَافِظِ فَقَالَ : فِي نَظَرِهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُمْ قَالُوا بِالِاتِّفَاقِ دُونَ الْإِجْمَاعِ فَهَذَا الْقَائِلُ لَمْ يَعْرِفْ الْفَرْقَ بَيْنَ الِاتِّفَاقِ وَالْإِجْمَاعِ . انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ ، قُلْتُ : قَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ جَائِزٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا عَرَفْتَ فَنَظَرُ الْحَافِظِ صَحِيحٌ بِلَا مِرْيَةٍ وَنَظَرُ الْعَيْنِيِّ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ ، وَعَائِشَةَ ، وَأَنَسٍ ، وَأُمِّ هَانِئٍ ، وَأُمِّ صَبِيَّةَ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ، وَابْنِ عُمَرَ ) أَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ وَأَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ صُبَيَّةَ بِصَادٍ مُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرًا فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالطَّحَاوِيُّ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَالطَّحَاوِيُّ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
104 حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ نَا سُفْيَانُ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنْ الْجَنَابَةِ بَدَأَ بِغَسْلِ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا الْإِنَاءَ ثُمَّ يَغْسِلُ فَرْجَهُ وَيَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ يُشَرِّبُ شَعْرَهُ الْمَاءَ ثُمَّ يُحْثِي عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ . قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ يُفْرِغُ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالُوا إِنْ انْغَمَسَ الْجُنُبُ فِي الْمَاءِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ أَجْزَأَهُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ . قَوْلُهُ : ( نا سُفْيَانُ ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ عِبَارَةِ الْحَافِظِ الْآتِيَةِ ( إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ ) أَيْ مِنْ أَجْلِ رَفْعِهَا أَوْ بِسَبَبِ حُدُوثِهَا . ( بَدَأَ بَغْسِلُ يَدَيْهِ ) ، وَفِي نُسْخَةٍ قلمية صَحِيحَةٍ : فَغَسَلَ يَدَيْهِ . قَالَ الْحَافِظُ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ غُسْلُهُمَا لِلتَّنْظِيفِ مِمَّا بِهِمَا مِنْ مُسْتَقْذَرٍ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْغُسْلُ الْمَشْرُوعُ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنَ النَّوْمِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ زِيَادَةُ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا فِي الْإِنَاءِ . رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَزَادَا أَيْضًا ثُمَّ يَغْسِلُ فَرْجَهُ . انْتَهَى . قُلْتُ : رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ اَلَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا الْحَافِظُ هِيَ هَذِهِ الَّتِي نَحْنُ فِي شَرْحِهَا ، وَظَهَرَ مِنْ كَلَامِ الْحَافِظِ هَذَا أَنَّ سُفْيَانَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ . ( ثُمَّ يَغْسِلُ ) ، وَفِي النُّسْخَةِ الْقَلَمِيَّةِ : ثُمَّ غَسَلَ . ( ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ ) بِالنَّصْبِ ، أَيْ كَوُضُوئِهِ لِلصَّلَاةِ ، ( ثُمَّ يُشَرِّبُ ) مِنَ التَّشْرِيبِ أَوْ الْإِشْرَابِ . ( شَعْرَهُ ) بِالنَّصْبِ ( الْمَاءَ ) بِالنَّصْبِ أَيْضًا وَهُمَا مَفْعُولَانِ لِيُشَرِّبَ : أَيْ يَسْقِيَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَعْرَهُ الْمُبَارَكَ الْمَاءَ ، قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ : تَشْرِيبُهُ بَلُّ جَمِيعِهِ بِالْمَاءِ . انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْعَارِضَةِ : قَوْلُهُ يُشَرِّبُ شَعْرَهُ الْمَاءَ يَعْنِي يَسْقِيهِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ أَيْ سَقَى فِي قُلُوبِهِمْ حُبَّهُ ، قَالَ : مَعْنَاهُ يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ فَيَسْرِي إِلَى مَدَاخِلِهِ ، كَسَرَيَانِهِ إِلَى بَوَاطِنِ الْبَدَنِ ، شَبَّهَهُ بِهِ وَسَمَّاهُ شَرَابًا لِأَجْلِهِ ، وَهَذَا مَجَازٌ بَدِيعٌ . انْتَهَى . ( وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ ) ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعْرِهِ ( ثُمَّ يَحْثِي عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ) أَيْ ثَلَاثَ غِرَفٍ بِيَدَيْهِ ، وَاحِدُهَا حَثْيَةٌ ، قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ ، وَالْمَعْنَى يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غِرَفٍ بِيَدَيْهِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ : ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ بِيَدَيْهِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ يُفْرِغُ ) مِنَ الْإِفْرَاغِ وَهُوَ الصَّبُّ ( ثُمَّ يُفِيضُ ) مِنَ الْإِفَاضَةِ وَهُوَ الْإِسَالَةُ . ( وَقَالُوا إِنْ انْغَمَسَ الْجُنُبُ فِي الْمَاءِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ أَجْزَأَهُ ) يَعْنِي أَنَّ الْوُضُوءَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ . ( وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ : فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى الْغُسْلَ مُطْلَقًا لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ شَيْئًا يَبْدَأُ بِهِ قَبْلَ شَيْءٍ فَكَيْفَ مَا جَاءَ بِهِ الْمُغْتَسِلُ أَجْزَأَهُ إِذَا أَتَى بِغُسْلِ جَمِيعِ بَدَنِهِ ، وَالِاحْتِيَاطُ فِي الْغُسْلِ مَا رَوَتْ عَائِشَةُ ، ثُمَّ حَدِيثُ عَائِشَةَ عَنْ مَالِكٍ بِسَنَدِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هُوَ أَحْسَنُ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي ذَلِكَ ، فَإِنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ قَبْلَ الْغُسْلِ وَلَكِنْ عَمَّ جَسَدَهُ وَرَأْسَهُ وَنَوَاهُ فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ ، لَكِنَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ ، كَذَا ذَكَرَهُ الزُّرْقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : نَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَجِبُ مَعَ الْغُسْلِ ، وَهُوَ مَرْدُودٌ فَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ وَغَيْرُهُمَا إِلَى أَنَّ الْغُسْلَ لَا يَنُوبُ عَنِ الْوُضُوءِ لِلْمُحْدِثِ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْعَارِضَةِ : قَالَ أَبُو ثَوْرٍ : يَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ ، كَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَنْهُ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِجَمْعٍ كَمَا بَيَّنَّاهُ وَإِنَّمَا هُوَ غُسْلٌ كُلُّهُ . الثَّانِي : أَنَّهُ إِنْ كَانَ جَمْعٌ بَيْنَهُمَا فَإِنَّمَا ذَلِكَ اسْتِحْبَابٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَقَوْلِهِ ؛ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا فَهَذَا هُوَ الْفَرْضُ الْمُلْزِمُ وَالْبَيَانُ الْمُكَمِّلُ وَمَا جَاءَ مِنْ بَيَانِ هَيْئَتِهِ لَمْ يَكُنْ بَيَانًا لِمُجْمَلٍ وَاجِبٍ فَيَكُونُ وَاجِبه ، وَإِنَّمَا كَانَ إِيضَاحًا لِسُنَّةٍ . الثَّالِثُ : أَنَّ سَائِرَ الْأَحَادِيثِ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الْوُضُوءِ ، وَمِنْهَا مَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمِّ سَلَمَةَ إِذْ قَالَتْ لَهُ : إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضفْرَ رَأْسِي فَأَنْقُضُهُ لِلْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ ، فَقَالَ لَهَا : لَا إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مِنْ مَاءٍ ، ثُمَّ تَضْغَثِيهِ ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَى جَسَدِكِ الْمَاءَ فَإِذَا أَنْتِ قَدْ طَهُرْتِ . انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ . قُلْتُ : فِي كُلٍّ مِنَ الْأَجْوِبَةِ الثَّلَاثَةِ عِنْدِي نَظَرٌ ، أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَلأِنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ وَحَدِيثِ عَائِشَةَ هُوَ الْجَمْعُ كَمَا عَرَفْتَ ، أَمَّا فِي الثَّانِي فَلِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : حَتَّى تَغْتَسِلُوا هُوَ الِاغْتِسَالُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ ، وَكَذَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَاطَّهَرُوا هُوَ التَّطَهُّرُ الشَّرْعِيُّ ، وَأَمَّا فِي الثَّالِثِ فَلِأَنَّ عَدَمَ ذِكْرِ الْوُضُوءِ فِي بَعْضِ أَحَادِيثِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ ، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ . هَذَا مَا عِنْدِي وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ 103 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ كُرَيْبٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ قَالَتْ : وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُسْلًا فَاغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ فَأَكْفَأَ الْإِنَاءَ بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَأَفَاضَ عَلَى فَرْجِهِ ثُمَّ دَلَكَ بِيَدِهِ الْحَائِطَ أَوْ الْأَرْضَ ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ فأَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَفِي الْبَاب عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَجَابِرٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ ) قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : الْجُنُبُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ بِالْجِمَاعِ أَوْ خُرُوجِ الْمَنِيِّ ، وَيَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ ، وَالْجَمْعِ وَالْمُؤَنَّثِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ، وَقَدْ يُجْمَعُ عَلَى أَجْنَابٍ وَجَنِبِينَ ، وَأَجْنَبَ يُجْنِبُ إِجْنَابًا - وَالْجَنَابَةُ الِاسْمُ - وَهِيَ فِي الْأَصْلِ الْبُعْدُ ، وَسُمِّيَ الْإِنْسَانُ جُنُبًا; لِأَنَّهُ نُهِيَ أَنْ يَقْرَبَ مَوَاضِعَ الصَّلَاةِ مَا لَمْ يَتَطَهَّرْ ، وَقِيلَ : لِمُجَانَبَتِهِ النَّاسَ حَتَّى يَغْتَسِلَ . انْتَهَى . وَفِي الْقَامُوسِ : الْجَنَابَةُ الْمَنِيُّ ، وَقَدْ أَجْنَبَ وَجَنُبَ وَجَنَبَ وَجَنِبَ وَأُجْنِبَ وَاسْتَجْنَبَ ، وَهُوَ جُنُبٌ بِضَمَّتَيْنِ يَسْتَوِي الْوَاحِدُ وَالْجَمْعِ . انْتَهَى . ( عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ) الْأَشْجَعِيِّ الْكُوفِيِّ ، ثِقَةٌ مِنْ رِجَالِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ ، وَكَانَ يُرْسِلُ كَثِيرًا مِنَ الثَّالِثَةِ ، مَاتَ سَنَةَ 97 سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَقِيلَ مِائَةٍ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ جَاوَزَ الْمِائَةَ . ( عَنْ كُرَيْبٍ ) بِالتَّصْغِيرِ هُوَ ابْنُ أَبِي مُسْلِمٍ الْهَاشِمِيُّ مَوْلَاهُمْ الْمَدَنِيُّ أَبُو رِشْدِينَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ثِقَةٌ مِنَ الطَّبَقَةِ الْوُسْطَى مِنَ التَّابِعِينَ ، رَوَى عَنْ مَوْلَاهُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَأُمِّ هَانِئٍ ، وَعَنْهُ أَبُو سَلَمَةَ ، وَبُكَيْرُ بْنُ الْأَشَجِّ ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ ، مَاتَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ . ( عَنْ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ ) بِنْتِ الْحَارِثِ الْعَامِرِيَّةِ الْهِلَالِيَّةِ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، تَزَوَّجَهَا سَنَةَ سَبْعٍ ، وَتُوُفِّيَتْ بِسَرَفٍ حَيْثُ بَنَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ، وَذَلِكَ سَنَةَ 51 إِحْدَى وَخَمْسِينَ . قَوْلُهُ : ( وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُسْلًا ) بِضَمِّ الْغَيْنِ وَسُكُونِ السِّينِ أَيْ مَاءَ الِاغْتِسَالِ ، وَفِي رِوَايَةِ لِلْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ : وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاءً لِلْغُسْلِ ( فَاغْتَسَلَ ) أَيْ أَرَادَ الِاغْتِسَالَ ( مِنَ الْجَنَابَةِ ) مِنْ سَبَبِيَّةٌ أَيْ لِأَجْلِ الْجَنَابَةِ ( فَأَكْفَأَ الْإِنَاءَ ) أَيْ أَمَالَهُ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : يُقَالُ كَفَأْتُ الْإِنَاءَ وَأَكْفَأْتُهُ إِذَا كَبَبْتُهُ وَإِذَا أَمَلْتُهُ ، وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ : أَكْفَأَ أَمَالَ وَقَلَبَ ( فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ غُسْلُهُمَا لِلتَّنْظِيفِ مِمَّا بِهِمَا مِنْ مُسْتَقْذَرٍ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْغُسْلُ الْمَشْرُوعُ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنَ النَّوْمِ وَهُوَ الرَّاجِحُ ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ مَيْمُونَةَ رضي الله عنها ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ ، وَقَوْلُ عَائِشَةَ رضي الله عنها فِي حَدِيثِهَا الْآتِي فَغَسَلَ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا الْإِنَاءِ . ( فَأَفَاضَ عَلَى فَرْجِهِ ) أَيْ صَبَّ الْمَاءَ عَلَيْهِ وَغَسَلَهُ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : وَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ مِنَ الْأَذَى ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ : فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ . ( ثُمَّ دَلَّكَ بِيَدِهِ الْحَائِطَ أَوْ الْأَرْضَ ) ، شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ مَسْحِ الْيَدِ بِالتُّرَابِ مِنَ الْحَائِطِ أَوْ التُّرَابِ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ ( فَأَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا ) ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَمْسَحْ رَأْسَهُ كَمَا يَفْعَلُ فِي الْوُضُوءِ ، قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَلَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ التَّنْصِيصُ عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ فِي هَذَا الْوُضُوءِ وَتَمَسَّكَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ ، لِقَوْلِهِمْ : إِنَّ وُضُوءَ الْغُسْلِ لَا تُمْسَحُ فِيهِ الرَّأْسُ بَلْ يَكْتَفِي عَنْهُ لِغَسْلِهَا . انْتَهَى . ( ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ) أَيْ أَسَالَ الْمَاءَ عَلَى بَاقِي جَسَدِهِ . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : السَّائِرُ الْبَاقِي لَا الْجَمِيعُ كَمَا تَوَهَّمَ جَمَاعَاتٌ ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ لَهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الأَحْوَصِ ، شعر : فَجَلَتْها لَنا لُبابَةُ لَمَّا وَقَذَ النَّوْمُ سائِرَ الحُرَّاسِ وَقَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : وَالسَّائِرُ مَهْمُوزٌ الْبَاقِي وَالنَّاسُ يَسْتَعْمِلُونَهُ فِي مَعْنَى الْجَمِيعِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ، وَقَدْ تَكَرَّرَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِي الْحَدِيثِ وَكُلُّهَا بِمَعْنَى بَاقِي الشَّيْءِ . انْتَهَى . قُلْتُ : قَدْ وَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا : ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ . قَالَ الْحَافِظُ : هَذَا التَّأْكِيدُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَمَّمَ جَمِيعَ جَسَدِهِ بِالْغُسْلِ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ . انْتَهَى . وَوَقَعَ فِي حَدِيثِهَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ ، قَالَ الْحَافِظُ : أَيْ بَقِيَّةَ جَسَدِهِ ، قَالَ : فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ سَائِرَ هُنَا بِمَعْنَى الْجَمِيعِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ . انْتَهَى . ( ثُمَّ تَنَحَّى ) أَيْ تَحَوَّلَ إِلَى نَاحِيَةٍ ( فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ) . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ رِجْلَيْهِ ، الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : ثُمَّ نَحَّى رِجْلَيْهِ فَغَسَلَهُمَا هَذِهِ غَسْلَةً مِنَ الْجَنَابَةِ . قَالَ الْحَافِظُ تَحْتَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ : فِيهِ التَّصْرِيحُ بِتَأْخِيرِ الرِّجْلَيْنِ فِي وُضُوءِ الْغُسْلِ إِلَى آخِرِهِ ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ رِوَايَةِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ بِغَسْلِ يَدَيْهِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ . الْحَدِيثَ ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا إِمَّا بِحَمْلِ رِوَايَةِ عَائِشَةَ عَلَى الْمَجَازِ بِأَنَّ الْمُرَادَ يَتَوَضَّأُ أَكْثَرَ الْوُضُوءِ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَهُوَ مَا سِوَى الرِّجْلَيْنِ وَبِحَمْلِهِ عَلَى حَالَةٍ أُخْرَى وَبِحَسَبِ اخْتِلَافِ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ اخْتَلَفَ نَظَرُ الْعُلَمَاءِ : فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى اسْتِحْبَابِ تَأْخِيرِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي الْغُسْلِ ، وَعَنْ مَالِكٍ : إِنْ كَانَ الْمَكَانُ غَيْرَ النَظِيفٍ فَالْمُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهُمَا وَإِلَّا فَالتَّقْدِيمُ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْأَفْضَلِ قَوْلَانِ : قَالَ النَّوَوِيُّ : أَصَحُّهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا وَمُخْتَارُهُمَا أَنَّهُ يُكْمِلُ وُضُوءَهُ ، قَالَ : لِأَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ عَائِشَةَ وَمَيْمُونَةَ كَذَلِكَ . قَالَ الْحَافِظُ : كَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ عَنْهُمَا التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ ، بَلْ هِيَ إِمَّا مُحْتَمَلَةٌ كَرِوَايَةِ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ أَوْ ظَاهِرَةٌ فِي تَأْخِيرِهِمَا كَرِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ . الْحَدِيثَ . وَفِي آخِرِهِ ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ بِلَفْظِ : فَإِذَا فَرَغَ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ، وَيُوَافِقُهَا أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ مَيْمُونَةَ ، أَوْ صَرِيحَةٌ فِي تَأْخِيرِهِمَا كَحَدِيثِ الْبَابِ ، وَرَاوِيهَا مُقَدَّمٌ فِي الْحِفْظِ وَالْفِقْهِ عَلَى جَمِيعِ مَنْ رَوَاهُ عَنِ الْأَعْمَشِ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ مُلَخَّصًا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَجَابِرٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ) ، أَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فَأَخْرَجَهُ مسلم وأما حديث جابر فأخرجه ابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا فِي أَرْضٍ بَارِدَةٍ فَكَيْفَ الْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّا أَنَا فَأَحْثُو عَلَى رَأْسِي ثَلَاثًا . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَأَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنِ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ فَقَالَ ثَلَاثًا ، فَقَالَ الرَّجُلُ إِنَّ شَعْرِي كَثِيرٌ ، فَقَالَ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَكْثَرَ شَعْرًا مِنْكَ وَأَطْيَبَ . وَأَمَّا حَدِيثُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ فَأَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ قَالَ : تَمَارَوْا فِي الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّا أَنَا فَأُفِيضُ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَ أَكُفٍّ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ بِلَفْظِ : سَأَلَهُ رَجُلٌ كَمْ أُفِيضُ عَلَى رَأْسِي وَأَنَا جُنُبٌ؟ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْثُو عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ، قَالَ الرَّجُلُ : إِنَّ شَعْرِي طَوِيلٌ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرَ شَعْرًا مِنْكَ وَأَطْيَبَ .
بَاب كَرَاهِيَةِ فَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ 63 حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ نا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي حَاجِبٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ فَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ ، وَفِي الْبَاب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ . قَالَ أَبُو عِيسَى : وَكَرِهَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْوُضُوءَ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ كَرِهَا فَضْلَ طَهُورِهَا وَلَمْ يَرَيَا بِفَضْلِ سُؤْرِهَا بَأْسًا باب كراهية فضل طهور المرأة قَوْلُهُ : ( عَنْ سُفْيَانَ ) هُوَ الثَّوْرِيُّ ( عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ) هُوَ ابْنُ طَرْخَانَ أَبُو الْمُعْتَمِرِ الْبَصْرِيُّ نَزَلَ فِي التَّيْمِ فَنُسِبَ إِلَيْهِمْ ، ثِقَةٌ ، عَابِدٌ ، مِنَ الرَّابِعَةِ . ( عَنْ أَبِي حَاجِبٍ ) اسْمُهُ سَوادَةُ بْنُ عَاصِمٍ الْعَنَزِيُّ الْبَصْرِيُّ ، صَدُوقٌ يُقَالُ : إِنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَ لَهُ ، مِنَ الثَّالِثَةِ . ( عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ ) هُوَ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو قَالَهُ الْحَافِظُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ فَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ ) أَيْ عَمَّا فَضَلَ مِنَ الْمَاءِ بَعْدَمَا تَوَضَّأَتِ الْمَرْأَةُ مِنْهُ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ ، صَحَابِيٌّ سَكَنَ الْبَصْرَةَ ، وَحَدِيثُهُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ ، وَالْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ وَلَكِنْ يَشْرَعَانِ جَمِيعًا . قَالَ ابْنُ مَاجَهْ بَعْدَ إِخْرَاجِهِ مَا لَفْظُهُ : الصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ ، وَالثَّانِي وَهْمٌ . انْتَهَى . قُلْتُ : أَرَادَ بِالْأَوَّلِ حَدِيثَ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو الْآتِيَ فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ قَبْلَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ وَأَرَادَ بِالثَّانِي حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ ، وَفِي الْبَابِ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ ، قَالَ : لَقِيتُ رَجُلًا صَحِبَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعَ سِنِينَ فَقَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ ، وَيَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ ، وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا . قَالَ الحافظ فِي الْفَتْحِ : رِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَلَمْ أَقِفْ لِمَنْ أَعَلَّهُ عَلَى حُجَّةٍ قَوِيَّةٍ . انْتَهَى ، وَقَالَ فِي الْبُلُوغِ : إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، قَالَ أَحْمَدُ وإسحاق : لكن قَيَّدَاهُ بِمَا إِذَا خَلَتْ بِهِ; لِأَنَّ أَحَادِيثَ الْبَابِ ظَاهِرَةٌ فِي الْجَوَازِ إِذَا اجْتَمَعَا ، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي مَنْعِ التَّطَهُّرِ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ وَفِي جَوَازِ ذَلِكَ مُضْطَرِبَةٌ قَالَ : لَكِنْ صَحَّ عَنْ عِدَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الْمَنْعُ فِيمَا إِذَا خَلَتْ بِهِ ، وَعُورِضَ بِصِحَّةِ الْجَوَازِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . انْتَهَى . اعْلَمْ أَنَّ لِأَحْمَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ ، وَالثَّانِي : كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي : اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إِذَا خَلَتْ بِهِ ، وَالثَّانِيَةُ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، اخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ
64 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَا : نَا أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ عَاصِمٍ قَال : سَمِعْتُ أَبَا حَاجِبٍ يُحَدِّثُ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ ، أَوْ قَالَ : بِسُؤْرِهَا ، قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَأَبُو حَاجِبٍ اسْمُهُ سَوَادَةُ بْنُ عَاصِمٍ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ فِي حَدِيثِهِ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ ، وَلَمْ يَشُكَّ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ . قَوْلُهُ : ( قَالَا : نَا أَبُو دَاوُدَ ) هُوَ الطَّيَالِسِيُّ ، فَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ يَعْنِي الطَّيَالِسِيَّ ، وَأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ اسْمُهُ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ الْجَارُودِ الْبَصْرِيُّ أَحَدُ حُفَّاظِ الْإِسْلَامِ ، وَالطَّيَالِسِيُّ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَخِفَّةِ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِ اللَّامِ مَنْسُوبٌ إِلَى بَيْعِ الطَّيَالِسَةِ جَمْعُ طَيْلَسَانٍ وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْأَرْدِيَةِ . ( عَنْ عَاصِمٍ ) هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَصْرِيُّ ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَأَبُو زُرْعَةَ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : ثِقَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ . ( عَنِ الْحَكَمِ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالْكَافِ ( بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ ) وَيُقَالُ لَهُ : الْحَكَمُ ابْنُ الْأَقْرَعِ ، صَحَابِيٌّ ، نَزَلَ الْبَصْرَةَ . قَوْلُهُ : ( نَهَى عَنْ أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ ) قِيلَ : النَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّنْزِيهِ بِقَرِينَةِ أَحَادِيثِ الْجَوَازِ الْآتِيَةِ فِي الْبَابِ الْآتِي ( أَوْ قَالَ بِسُؤْرِهَا ) شَكٌّ مِنْ شُعْبَةَ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : حَدِيثُ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَأَغْرَبَ النَّوَوِيُّ فَقَالَ : اتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى تَضْعِيفِهِ .
بَاب مَا جَاءَ أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ 126 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ نَا شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي الْيَقْظَانِ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ فِيهَا ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَتَصُومُ وَتُصَلِّي . حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ أَنَا شُرَيْكٌ نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ قَدْ تَفَرَّدَ بِهِ شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي الْيَقْظَانِ ، وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقُلْتُ عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ جَدُّ عَدِيٍّ مَا اسْمُهُ فَلَمْ يَعْرِفْ مُحَمَّدٌ اسْمَهُ ، وَذَكَرْتُ لِمُحَمَّدٍ قَوْلَ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ : اسْمَهُ دِينَارٌ ، فَلَمْ يَعْبَأْ بِهِ . وَقَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ إِنْ اغْتَسَلَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ هُوَ أَحْوَطُ لَهَا وَإِنْ تَوَضَّأَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَجْزَأَهَا وَإِنْ جَمَعَتْ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ أَجْزَأَهَا . بَاب مَا جَاءَ أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي الْيَقْظَانِ ) اسْمُهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَيْرٍ بِالتَّصْغِيرِ ، وَيُقَالُ ابْنُ قَيْسٍ ، وَالصَّوَابُ أَنَّ قَيْسًا جَدُّ أَبِيهِ وَهُوَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ أَيْضًا ، الْبَجَلِيُّ ، أَبُو الْيَقْظَانِ ، الْكُوفِيُّ الْأَعْمَى ، ضَعِيفٌ ، وَاخْتَلَطَ وَكَانَ يُدَلِّسُ وَيَغْلُو فِي التَّشَيُّعِ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَتَرَكَهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ . ( عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ) الْأَنْصَارِيِّ الْكُوفِيِّ ، ثِقَةٌ رُمِيَ بِالتَّشَيُّعِ ، مِنْ رِجَالِ السِّتَّةِ . ( عَنْ أَبِيهِ ) هُوَ ثَابِتٌ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : ثَابِتٌ الْأَنْصَارِيُّ وَالِدُ عَدِيٍّ ، قِيلَ هُوَ ابْنُ قَيْسِ بْنِ الْحَطِيمِ هُوَ جَدُّ عَدِيٍّ لَا أَبُوهُ ، وَقِيلَ اسْمُ أَبِيهِ دِينَارٌ ، وَقِيلَ عَمْرُو بْنُ أَخْطَبَ ، وَقِيلَ عُبَيْدُ بْنُ عَازِبٍ فَهُوَ مَجْهُولُ الْحَالِ . انْتَهَى ، قُلْتُ قَدْ أَطَالَ الْحَافِظُ الْكَلَامَ فِي تَرْجَمَةِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ مَنْ شاء الْوُقُوفَ عَلَى ذَلِكَ فَلْيُرَاجِعْ إِلَيْهِ ( عَنْ جَدِّهِ ) ، أَيْ جَدِّ عَدِيٍّ . قَوْلُهُ : ( قَالَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ ) ، أَيْ فِي شَأْنِهَا ( تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ) جَمْعُ قُرْءٍ وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ هَهُنَا الْحَيْضُ لِلسِّبَاقِ وَاللِّحَاقِ ، قَالَهُ الْقَارِي . ( الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ فِيهَا ) ، أَيْ قَبْلَ الِاسْتِحَاضَةِ ( ثُمَّ ) ، أَيْ بَعْدَ فَرَاغِ زَمَنِ حَيْضِهَا بِاعْتِبَارِ الْعَادَةِ ( تَغْتَسِلُ ) ، أَيْ مَرَّةً ( وَتَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ) قَوْلُهُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ تَتَوَضَّأُ لَا بِـ تَغْتَسِلُ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ تَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ، وَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ لَكِنْ لَهُ شَوَاهِدُ ذَكَرَهَا الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ وَالْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَخْرِيجِهِمَا وَمِنْهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ قَدْ تَفَرَّدَ بِهِ شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي الْيَقِظَانِ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَضَعَّفَهُ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا . ( وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقُلْتُ : عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ، جَدِّ عَدِيٍّ ، مَا اسْمُهُ فَلَمْ يَعْرِفْ مُحَمَّدٌ اسْمَهُ ، وَذَكَرْتُ لِمُحَمَّدٍ قَوْلَ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّ اسْمَهُ دِينَارٌ فَلَمْ يَعْبَأْ بِهِ ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ هَذَا مَا لَفْظُهُ : وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ جَدُّهُ أَبُو أُمِّهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْخَطْمِيُّ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَلَا يَصِحُّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ شَيْءٌ ، وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ : وَقَالَ غَيْرُ يَحْيَى : اسْمُهُ قَيْسٌ الْخَطْمِيُّ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ ، وَقِيلَ لَا يُعْلَمُ جَدُّهُ وَكَلَامُ الْأَئِمَّةِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَشَرِيكٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ قَاضِي الْكُوفَةِ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ ، وَأَبُو الْيَقْظَانِ هَذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عُمَيْرٍ الْكُوفِيُّ وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ . انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ إِنِ اغْتَسَلَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ هُوَ أَحْوَطُ لَهَا ، وَإِنْ تَوَضَّأَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَجْزَأَهَا ، وَإِنْ جَمَعَتْ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ أَجْزَأَهَا ) فَالِاغْتِسَالُ لِكُلِّ صَلَاةٍ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا : يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَالْقَوْلُ الرَّاجِحُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَسَيَجِيءُ الْكَلَامُ فِيهِ فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ أَنَّهَا تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ .
بَاب مَا يَقُولُ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ 5 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، وَهَنَّادٌ قَالَا نَا وَكِيعٌ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ . قَالَ شُعْبَةُ : وَقَدْ قَالَ مَرَّةً أُخْرَى : أَعُوذُ بِالله مِنْ الْخُبْثِ وَالْخَبِيثِ أَوْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ . وَفِي الْبَاب عَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَجَابِرٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ أَنَسٍ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَحْسَنُ ، وَحَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فِي إِسْنَادِهِ اضْطِرَابٌ . رَوَى هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، وقَالَ سَعِيدٌ : عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَوْفٍ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ . وَقَالَ هِشَامٌ : عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ . وَرَوَاهُ شُعْبَةُ ، وَمَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ . وقَالَ شُعْبَةُ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ . وَقَالَ مَعْمَرٌ : عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ . قَالَ أَبُو عِيسَى : سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا فَقَالَ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَتَادَةُ رَوَى عَنْهُمَا جَمِيعًا . ( بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ ) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالْمَدِّ أَيْ مَوْضِعُ قَضَاءِ الْحَاجَةِ سُمِّيَ بِهِ لِخَلَائِهِ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ ، وَهُوَ الْكَنِيفُ وَالْحَشُّ وَالْمِرْفَقُ وَالْمِرْحَاضُ أَيْضًا ، وَأَصْلُهُ الْمَكَانُ الْخَالِي ثُمَّ كَثُرَ اِسْتِعْمَالُهُ حَتَّى تُجُوِّزَ بِهِ عَنْ ذَلِكَ ، قَالَهُ الْعَيْنِيُّ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، وَهَنَّادٌ قَالَا : نَا وَكِيعٌ ) تَقَدَّمَ تَرَاجِمُ هَؤُلَاءِ ( عَنْ شُعْبَةَ ) بْنِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْوَرْدِ الْعَتْكِيِّ مَوْلَاهُمْ ، أَبُو بِسِطَامٍ الْوَاسِطِيُّ ثُمَّ الْبَصْرِيُّ ، ثِقَةٌ حَافِظٌ مُتْقِنٌ ، كَانَ الثَّوْرِيُّ يَقُولُ : هُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ فَتَّشَ بِالْعِرَاقِ عَنْ الرِّجَالِ وَذَبَّ عَنْ السُّنَّةِ ، وَكَانَ عَابِدًا ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ كَانَ شُعْبَةُ أُمَّةً وَاحْدَة فِي هَذَا الشَّأْنِ ، يَعْنِي فِي الرِّجَالِ وَبَصَرهُ بِالْحَدِيثِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَوْلَا شُعْبَةُ لَمَا عُرِفَ الْحَدِيثُ بِالْعِرَاقِ ، وُلِدَ شُعْبَةُ سَنَةَ 82 ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ ، وَمَاتَ سَنَةَ 160 سِتِّينَ وَمِائَةٍ . كَذَا فِي تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ ( عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ) الْبُنَانِيِّ ، بُنَانَةُ بْنُ سَعْدِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ مَوْلَاهُمْ الْبَصْرِيُّ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَشَهْرٍ ، وَعَنْهُ شُعْبَةُ ، وَالْحَمَّادَانِ ، وَثَّقَهُ أَحْمَدُ ، قَالَ اِبْنُ قَانِعٍ مَاتَ سَنَةَ 130 ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ ) ابْنِ النَّضْرِ الْأَنْصَارِيِّ الْخَزْرَجِيِّ خَادِمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، خَدَمَهُ عَشْرَ سِنِينَ ، صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ ، مَاتَ سَنَةَ 92 ، 93 اِثْنَتَيْنِ وَقِيلَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَقَدْ جَاوَزَ الْمِائَةَ . قَوْلُهُ : ( إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ ) أَيْ مَوْضِعَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ ، وَفِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ لِلْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ . وَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ تَبْيِينَ الْمُرَادِ مِنْ قَوْلِهِ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ ، أَيْ كَانَ يَقُولُ هَذَا الذِّكْرَ عِنْدَ إِرَادَةِ الدُّخُولِ لَا بَعْدَهُ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : الْكَلَامُ هَاهُنَا فِي مَقَامَيْنِ : الْأَوَّلُ : هَلْ يَخْتَصُّ هَذَا الذِّكْرُ بِالْأَمْكِنَةِ الْمُعَدَّةِ لِذَلِكَ لِكَوْنِهَا تَحْضُرُهَا الشَّيَاطِينُ كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فِي السُّنَنِ ، أَوْ يَشْمَلُ حَتَّى لَوْ بَالَ فِي إِنَاءٍ مَثَلًا فِي جَانِبِ الْبَيْتِ؟ الْأَصَحُّ الثَّانِي مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ . الْمَقَامُ الثَّانِي : مَتَى يَقُولُ ذَلِكَ؟ فَمَنْ يَكْرَهُ ذِكْرَ اللَّهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ يُفَصّلُ ، أَمَّا فِي الْأَمْكِنَةِ الْمُعَدَّةِ لِذَلِكَ فَيَقُولُ قُبَيْلَ دُخُولِهَا ، وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا فَيَقُولُهُ فِي أَوَّلِ الشُّرُوعِ كَتَشْمِيرِ ثِيَابِهِ مَثَلًا ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ ، وَقَالُوا فِي مَنْ نَسِيَ : يَسْتَعِيذُ بِقَلْبِهِ لَا بِلِسَانِهِ ، وَمَنْ يُجِيزُ مُطْلَقًا لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَفْصِيلٍ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . قُلْتُ : الْقَوْلُ الرَّاجِحُ الْمَنْصُورُ هُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ . ( قَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ ) أَيْ أَلُوذُ وَأَلْتَجِئُ ، قَالَ اِبْنُ الْأَثِيرِ : عُذْتُ بِهِ عَوْذًا وعياذا وَمَعَاذًا ، أَيْ لَجَأْتُ إِلَيْهِ وَالْمَعَاذُ الْمَصْدَرُ وَالْمَكَانُ والزَّمَانُ ( قَالَ شُعْبَةُ وَقَدْ قَالَ ) أَيْ عَبْدُ الْعَزِيزِ ( مَرَّةً أُخْرَى : أَعُوذُ بِاللَّهِ ) - أَيْ مَكَانَ اللَّهُمَّ - إِنِّي أَعُوذُ بِكَ ، يَعْنِي قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ مَرَّةً : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ ، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى : أَعُوذُ بِاللَّهِ ، قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي عُمْدَةِ الْقَارِي : وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ وَهْبٍ : فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ ، وَهُوَ يَشْمَلُ كُلَّ مَا يَأْتِي بِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الِاسْتِعَاذَةِ مِنْ قَوْلِهِ : أَعُوذُ بِكَ ، أَسْتَعِيذُ بِكَ ، أَعُوذُ بِاللَّهِ ، أَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ أَشْبَاهِ ذَلِكَ ، انْتَهَى . قُلْتُ : وَالْأَوْلَى أَنْ يَخْتَارَ مِنْ أَنْوَاعِ الِاسْتِعَاذَةِ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ، وَقَدْ ثَبَتَ زِيَادَةُ بِسْمِ اللَّهِ مَعَ التَّعَوُّذِ ، فَرَوَى الْعُمَرِيُّ حَدِيثَ الْبَابِ بِلَفْظِ : إِذَا دَخَلْتُمْ الْخَلَاءَ فَقُولُوا : بِسْمِ اللَّهِ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : إِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ( مِنْ الْخُبْثِ وَالْخَبِيثِ أَوْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي : وَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْخُبْثِ وَالْخَبِيثِ أَوْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ ، هَكَذَا عَلَى الشَّكِّ : الْأَوَّلُ بِالْإِسْكَانِ مَعَ الْإِفْرَادِ ، وَالثَّانِي بِالتَّحْرِيكِ مَعَ الْجَمْعِ ، أَيْ مِنْ الشَّيْءِ الْمَكْرُوهِ وَمِنْ الشَّيْءِ الْمَذْمُومِ ، أَوْ مِنْ ذُكْرَانِ الشَّيَاطِينِ وَإِنَاثِهِمْ ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . قُلْتُ : وَجَاءَ فِي رِوَايَةِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَعَامَّةِ الرِّوَايَاتِ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ ، مِنْ غَيْرِ شَكٍّ ، قَالَ الْحَافِظُ تَحْتَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ : الْخُبُثُ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ كَذَا فِي الرِّوَايَةِ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّهُ لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ إِسْكَانُ الْمُوَحَّدَةِ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ مِمَّا جَاءَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، كَكُتُبٍ وَكُتْبٍ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَقَدْ صَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِأَنَّ الْبَاءَ ههُنَا سَاكِنَةٌ ، مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ : إِنَّ تَرْكَ التَّخْفِيفِ أَوْلَى لِئَلَّا يُشَبَّهُ بِالْمَصْدَرِ . وَالْخُبُثِ جَمْعُ خَبِيثٍ وَالْخَبَائِثُ جَمْعُ خَبِيثَةٍ ، يُرِيدُ ذُكْرَانَ الشَّيَاطِينِ وَإِنَاثَهُمْ ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمَا . وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ اِبْنِ عَسَاكِرَ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَيْ الْبُخَارِيُّ : وَيُقَالُ الْخُبْثُ أَيْ بِإِسْكَانِ الْمُوَحَّدَةِ ، فَإِنْ كَانَتْ مُخَفَّفَةً عَنْ الْمُحَرَّكَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ ، وَإِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى الْمُفْرَدِ فَمَعْنَاهُ كَمَا قَالَ اِبْنُ الْأَعْرَابِيِّ الْمَكْرُوهُ ، قَالَ : فَإِنْ كَانَ مِنْ الْكَلَامِ فَهُوَ الشَّتْمُ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمِلَلِ فَهُوَ الْكُفْرُ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الطَّعَامِ فَهُوَ الْحَرَامُ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الشَّرَابِ فَهُوَ الضَّارُّ ، وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِالْخَبَائِثِ الْمَعَاصِي أَوْ مُطْلَقُ الْأَفْعَالِ الْمَذْمُومَةِ لِيَحْصُلَ التَّنَاسُبُ ، وَلِهَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ إِلَى آخِرِ مَا نَقَلْتُ عِبَارَتِهِ آنِفًا . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، وَجَابِرٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ) أَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ اِبْنِ مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي مُعْجَمِهِ - قَالَ الْعَيْنِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ - : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْغَائِطَ قَالَ : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ . قَوْلُهُ : ( وَحَدِيثُ أَنَسٍ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَحْسَنُ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا . قَوْلُهُ : ( وَحَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فِي إِسْنَادِهِ اِضْطِرَابٌ ) يَعْنِي رَوَى بَعْضُ رُوَاتِهِ عَلَى وَجْهٍ وَبَعْضُهُمْ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ مُخَالِفٍ لَهُ ( رَوَى هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ إِلَخْ ) هَذَا بَيَانُ الِاضْطِرَابِ ، وَالدَّسْتُوَائِيُّ مَنْسُوبٌ إِلَى دَسْتُوَاءَ بِفَتْحِ الدَّالِ كُورَةٍ مِنْ الْأَهْوَازِ أَوْ قَرْيَةٍ ، كَذَا فِي الْمُغْنِي ، وَتَوْضِيحُ الِاضْطِرَابِ عَلَى مَا فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ لِلْعَلَّامَةِ أَبِي الطَّيِّبِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ، أَنَّ هِشَامًا ، وَسَعِيدَ بْنَ أَبِي عَرُوبَةَ ، وَشُعْبَةَ ، وَمَعْمَرًا كُلَّهُمْ يَرْوُونَ عَنْ قَتَادَةَ عَلَى اِخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ ، فَرَوَى سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَوْفٍ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، وَرَوَى هِشَامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَبَيْنَ قَتَادَةَ ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَاسِطَةُ الْقَاسِمِ فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ ، وَلَيْسَتْ هِيَ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ ، وَرَوَى شُعْبَةُ ، وَمَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ ، ثُمَّ اِخْتَلَفَا فَرَوَى شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، وَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ ، فَالِاضْطِرَابُ فِي مَوْضِعَيْنِ : الْأَوَّلُ : فِي شَيْخِ قَتَادَةَ ، فَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ أَنَّ قَتَادَةَ يَرْوِيهِ عَنْ الْقَاسِمِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ أَنَّهُ يَرْوِيهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ أَنَّهُ يَرْوِيهِ عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ . وَالثَّانِي : فِي شَيْخِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ ، فَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ أَنَّ النَّضْرَ يَرْوِيهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ أَنَّهُ يَرْوِيهِ عَنْ أَبِيهِ . انْتَهَى مَا فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ . ( قَالَ أَبُو عِيسَى : سَأَلْتُ مُحَمَّدًا ) يَعْنِي الْبُخَارِيَّ رحمه الله ( عَنْ هَذَا ) أَيْ عَنْ هَذَا الِاضْطِرَابِ ( فَقَالَ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَتَادَةُ رَوَى عَنْهُمَا جَمِيعًا ) قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو الطَّيِّبِ فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ : أَيْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَتَادَةُ سَمِعَ مِنْ الْقَاسِمِ ، وَالنَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ ، وَأَخْطَأَ مَنْ أَرْجَعَ الضَّمِيرَ مِنْ مُحَشِّي التِّرْمِذِيِّ إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، وَالنَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ ، انْتَهَى . قُلْتُ : الْأَمْرُ كَمَا قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ إِرْجَاعُ ضَمِيرِ عَنْهُمَا إِلَى الْقَاسِمِ ، وَالنَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ هُوَ الْحَقُّ ، وَأَمَّا إِرْجَاعُهُ إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، وَالنَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ فَخَطَأٌ ، قَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِيُّ فِي عُمْدَةِ الْقَارِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ : قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فِي إِسْنَادِهِ اِضْطِرَابٌ وَأَشَارَ إِلَى اِخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ فِيهِ ، وَسَأَلَ التِّرْمِذِيُّ ، الْبُخَارِيَّ عَنْهُ فَقَالَ : لَعَلَّ قَتَادَةَ سَمِعَهُ مِنْ القَاسِمِ بْنِ عَوْفٍ الشَّيْبَانِيِّ ، وَالنَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَنَسٍ وَلَمْ يَقْضِ فِيهِ بِشَيْءٍ ، انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ هَكَذَا : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ أَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلخ ، قَالَ السُّيُوطِيُّ : قَوْلُهُ : أَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ إِلَخْ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ هَكَذَا : رَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، وَابْنِ عُلَيَّةَ ، وَأَبُو الْجُمَاهِرِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، وَرَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ وَجَمَاعَةٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَوْفٍ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، قَالَ أَبُو عِيسَى : قُلْتُ لِمُحَمَّدٍ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ أَيُّ الرِّوَايَاتِ عِنْدَكُمْ أَصَحُّ؟ فَقَالَ : لَعَلَّ قَتَادَةَ سَمِعَ مِنْهُمَا جَمِيعًا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَلَمْ يَقْضِ فِي هَذَا بِشَيْءٍ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَقِيلَ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَنَسٍ وَهُوَ وَهْمٌ . انْتَهَى . فَثَبَتَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ إِرْجَاعَ ضَمِيرٍ عَنْهُمَا إِلَى الْقَاسِمِ ، وَالنَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ هُوَ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ . تَنْبِيهٌ : قَوْلُ الْبُخَارِيِّ الْمَذْكُورُ فِي كَلَامِ الْعَيْنِيِّ بلفظ : لَعَلَّ قَتَادَةَ سَمِعَهُ مِنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَوْفٍ الشَّيْبَانِيِّ ، وَالنَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَنَسٍ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ الْمَذْكُورِ فِي كَلَامِ الْبَيْهَقِيِّ بِلَفْظِ : لَعَلَّ قَتَادَةَ سَمِعَ مِنْهُمَا جَمِيعًا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، وَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّ لَفْظَ عَنْ أَنَسٍ الْمَذْكُورَ فِي كَلَامِ الْعَيْنِيِّ سَهْوٌ مِنْ النَّاسِخِ فَتَأَمَّلْ . فَإِنْ قُلْتَ : لَا يَنْدَفِعُ الِاضْطِرَابُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِقَوْلِ الْبُخَارِيِّ ، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَتَادَةُ رَوَى عَنْهُمَا جَمِيعًا . قُلْتُ : نَعَمْ ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ : إِنَّ قَتَادَةَ رَوَى عَنْهُمَا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، وَرَوَى عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ فَوَهْمٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
6 حدثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ ) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، وَأَبِي عَوَانَةَ ، وَعَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ وَخَلْقٍ ، وَعَنْهُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ ، وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ ، وَالنَّسَائِيُّ ، مَاتَ سَنَةَ 245 خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ ، وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ : وَقَالَ اِبْنُ خِرَاشٍ : تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهِ فَلَمْ يَصْدُقْ اِبْنُ خِرَاشٍ فِي قَوْلِهِ هَذَا ، فَالرَّجُلُ حُجَّةٌ . انْتَهَى . ( نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ) بْنِ دِرْهَمٍ الْأَزْدِيُّ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْأَزْرَقُ الْبَصْرِيُّ الْحَافِظُ مَوْلَى جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ وَأَحَدُ الْأَعْلَامِ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ ، وَثَابِتٍ ، وَعَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ ، وَابْنِ وَاسِعٍ ، وَأَيُّوبَ وَخَلْقٍ كَثِيرٍ ، وَعَنْهُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ مَهْدِيٍّ ، وَابْنُ الْمَدِينِيِّ وَخَلَائِقُ ، قَالَ اِبْنُ مَهْدِيٍّ : مَا رَأَيْتُ أَحْفَظَ مِنْهُ وَلَا أَعْلَمَ بِالسُّنَّةِ وَلَا أَفْقَهَ بِالْبَصْرَةِ مِنْهُ ، تُوُفِّيَ سَنَةَ 197 سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ عَنْ إِحْدَى وَثَمَانِينَ سَنَةً ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ ، وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ : ثِقَةٌ ثَبْتٌ فَقِيهٌ . قَوْلُهُ : ( قَالَ : اللَّهُمَّ ) مَعْنَاهُ يَا اللَّهُ ( إِنِّي أَعُوذُ بِكَ ) قَالَ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ : يَعْنِي أَلْجَأُ وَأَلُوذُ ، وَالْعَوْذُ بِإِسْكَانِ الْعَيْنِ وَالْعِيَاذُ وَالْمَعَاذُ وَالْمَلْجَأُ مَا سَكَنْتَ إِلَيْهِ تَقِيَّةً عَنْ مَحْذُورٍ ، قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْصُومًا مِنْ الشَّيْطَانِ حَتَّى مِنْ الْمُوَكَّلِ بِهِ بِشَرْطِ اِسْتِعَاذَتِهِ مِنْهُ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ كَانَ اللَّعِينُ يَعْرِضُ لَهُ ، عَرَضَ لَهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ فَدَفَعَهُ بِالِاسْتِعَاذَةِ ، وَعَرَضَ لَهُ فِي الصَّلَاةِ فَشَدَّ وَثَاقَهُ ثُمَّ أَطْلَقَهُ ، وَكَانَ يَخُصُّ الِاسْتِعَاذَةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أنَّهُ خَلَاءٌ وَلِلشَّيْطَانِ - بِعَادَةِ اللَّهِ وقدره - في الخلاء تسلط له لَيْسَ لَهُ فِي الْمَلَاءِ ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ . الثَّانِي : أنَّهُ مَوْضِعٌ قَذِرٌ يُنَزَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ عَنْ الْجَرَيَانِ فِيهِ عَلَى اللِّسَانِ فَيَغْتَنم الشَّيْطَانُ عدم ذِكْرِ اللَّهِ فَإِنَّ ذِكْرَهُ يَطْرُدُهُ ، فَلَجَأَ إِلَى الِاسْتِعَاذَةِ قَبْلَ ذَلِكَ لِيَعْقِدَهَا عِصْمَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّيْطَانِ حَتَّى يَخْرُجَ ، وَلِيُعَلِّمَ أُمَّتَهُ . انْتَهَى كَلَامُهُ . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَعِيذُ إِظْهَارًا لِلْعُبُودِيَّةِ وَيَجْهَرُ بِهَا لِلتَّعْلِيمِ . انْتَهَى . ( مِنْ الْخُبُثِ ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ جَمْعُ خَبِيثٍ أَيْ ذُكْرَانُ الشَّيَاطِينِ ( وَالْخَبَائِثِ ) جَمْعُ خَبِيثَةٍ أَيْ إِنَاثُ الشَّيَاطِينِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .
بَاب الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ 65 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ نَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جَفْنَةٍ ، فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا فَقَالَ : إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ ، قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ . باب الرخصة في ذلك قَوْلُهُ : ( نَا أَبُو الْأَحْوَصِ ) اسْمُهُ سَلَامُ بْنُ سَلِيمٍ الْكُوفِيُّ الْحَافِظُ ، قَالَ ابْنُ مَعِينٍ : ثِقَةٌ مُتْقِنٌ . ( عَنْ عِكْرِمَةَ ) هُوَ عِكْرِمَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَصْلُهُ بَرْبَرِيٌّ ، ثِقَةٌ ، ثَبْتٌ ، عَالِمٌ بِالتَّفْسِيرِ ، لَمْ يَثْبُتْ تَكْذِيبُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَلَا يَثْبُتُ عَنْهُ بِدْعَةٌ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ . قَوْلُهُ : ( بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) هِيَ مَيْمُونَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - لِمَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ : أَجْنَبْتُ فَاغْتَسَلْتُ مِنْ جَفْنَةٍ فَفَضَلَتْ فِيهَا فَضْلَةٌ ، فَجَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغتْسِلُ مِنْهُ فَقُلْتُ لَهُ ، فَقَالَ : الْمَاءُ لَيْسَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ ، وَاغْتَسَلَ مِنْهُ . ( فِي جَفْنَةٍ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْفَاءِ أَيْ : قَصْعَةٍ كَبِيرَةٍ ، وَجَمْعُهُ جِفَانٌ . ( إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَالنُّونِ ، وَالْجَنَابَةُ مَعْرُوفَةٌ ، يُقَالُ : مِنْهَا أَجْنَبَ بِالْأَلِفِ ، وَجَنُبَ عَلَى وَزْنِ قَرُبَ ، فَهُوَ جُنُبٌ ، وَيُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ، وَالْمُفْرَدِ وَالتَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ ( إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ النُّونِ ، وَيَجُوزُ فَتْحُ الْيَاءِ وَضَمُّ النُّونِ . قَالَ الزَّعْفَرَانِيُّ : أَيْ لَا يَصِيرُ جُنُبًا ، كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّطَهُّرِ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ ، وَحَدِيثُ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ يَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ النَّهْيَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا تَسَاقَطَ مِنَ الْأَعْضَاءِ لِكَوْنِهِ قَدْ صَارَ مُسْتَعْمَلًا ، وَالْجَوَازُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنَ الْمَاءِ ، وَبِذَلِكَ جَمَعَ الْخَطَّابِيُّ ، وَبِأَنَّ النَّهْيَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّنْزِيهِ بِقَرِينَةِ أَحَادِيثِ الْجَوَازِ ، وقِيلَ : إِنَّ قَوْلَ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا ، عِنْدَ إِرَادَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّوَضُّأَ بِفَضْلِهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ كَانَ مُتَقَدَّمًا ، فَحَدِيثُ الْجَوَازِ نَاسِخٌ لِحَدِيثِ النَّهْيِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْبُلُوغِ : وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَقَالَ فِي الْفَتْحِ : وَقَدْ أَعَلَّهُ قَوْمٌ بِسِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ رَاوِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ لِأَنَّهُ كَانَ يَقْبَلُ التَّلْقِينَ ، لَكِنْ قَدْ رَوَاهُ عَنْهُ شُعْبَةُ وَهُوَ لَا يَحْمِلُ عَنْ مَشَايِخِهِ إِلَّا صَحِيحَ حَدِيثِهِمْ . انْتَهَى . وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ بِفَضْلِ غُسْلِهَا مِنَ الْجَنَابَةِ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : وَأَمَّا تَطْهِيرُ الرَّجُلِ بِفَضْلِهَا فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ ، سَوَاءٌ خَلَتْ بِهِ أَوْ لَمْ تَخْلُ ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : وَلَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْوَارِدَةِ بِهِ ، وَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَدَاوُدُ إِلَى أَنَّهَا إِذَا خَلَتْ بِالْمَاءِ وَاسْتَعْمَلَتْهُ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ اسْتِعْمَالُ فَضْلِهَا ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ كَمَذْهَبِنَا ، وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ كَرَاهَةُ فَضْلِهَا مُطْلَقًا ، وَالْمُخْتَارُ مَا قَالَهُ الْجَمَاهِيرُ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي تَطْهِيرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَزْوَاجِهِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَعْمِلُ فَضْلَ صَاحِبِهِ ، وَلَا تَأْثِيرَ لِلْخَلْوَةِ . انْتَهَى . قُلْتُ : هَذَا الِاخْتِلَافُ فِي تَطْهِيرِ الرَّجُلِ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ ، وَأَمَّا تَطْهِيرُ الْمَرْأَةِ بِفَضْلِ الرَّجُلِ فَقَالَ النَّوَوِيُّ : جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ ، وَتَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ بِأَنَّ الطَّحَاوِيَّ قَدْ أَثْبَتَ فِيهِ الْخِلَافَ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ وَمَنْ تَبِعَهُ حَمَلُوا حَدِيثَ مَيْمُونَةَ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَخْلُ بِهِ ، قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الْمُنْتَقَى : أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى الرُّخْصَةِ لِلرَّجُلِ مِنْ فَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ وَالْأِخْبَارُ بِذَلِكَ أَصَحُّ ، وَكَرِهَهُ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ إِذَا خَلَتْ بِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ ، وَحَمَلُوا حَدِيثَ مَيْمُونَةَ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَخْلُ بِهِ ، جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ الْحَكَمِ . انْتَهَى . قُلْتُ : فِي هَذَا الْحَمْلِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْخَلْوَةَ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ كَمَا فِي الْمُغْنِي لِابْنِ قُدَامَةَ : اسْتِعْمَالُهَا لِلْمَاءِ مِنْ غَيْرِ مُشَارَكَةِ الرَّجُلِ فِي اسْتِعْمَالِهِ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ : إِذَا خَلَتْ بِهِ فَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَغْتَسِلَ بِهِ ، وَإِذَا شَرَعَا فِيهِ جَمِيعًا فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَظَاهِرٌ أَنَّ مَيْمُونَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - خَلَتْ بِهِ ، كَيْفَ وَقَدْ قَالَتْ : أَجْنَبْتُ فَاغْتَسَلْتُ مِنْ جَفْنَةٍ ، فَفَضَلَتْ فِيهَا فَضْلَةٌ ، فَجَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَخْ كَمَا فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ ، فَكَيْفَ يَصِحُّ حَمْلُ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَخْلُ بِهِ ، وَأَمَّا مَا نَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ ، عَنْ أَحْمَدَ مِنْ أَنَّهُ قَالَ : الْأَحَادِيثُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ مُضْطَرِبَةٌ ، فَأَجَابَ عَنْهُ الْحَافِظُ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ ، وَهُوَ مُمْكِنٌ بِأَنْ يَحْمِلَ أَحَادِيثَ النَّهْيِ عَلَى مَا تَسَاقَطَ مِنَ الْأَعْضَاءِ ، وَالْجَوَازَ عَلَى مَا بَقِيَ مِنَ الْمَاءِ ، أَوْ يَحْمِلَ النَّهْيَ عَلَى التَّنْزِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ . انْتَهَى . قُلْتُ : حَمْلُ النَّهْيِ عَلَى التَّنْزِيهِ هُوَ أَوْلَى ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
بَاب فِي الْمُسْتَحَاضَةِ أَنَّهَا تَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ 128 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نَا أَبُو عَامَرٍ الْعَقَدِيُّ نَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَمِّهِ عِمْرَانَ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أُمِّهِ حَمْنَةَ ابنة جَحْشٍ قَالَتْ : كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَبيرَةً شَدِيدَةً فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْتَفْتِيهِ وَأُخْبِرُهُ فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِ أُخْتِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَبيرَةً شَدِيدَةً فَمَا تَأْمُرُنِي فِيهَا فقَدْ مَنَعَتْنِي الصِّيَامَ وَالصَّلَاةَ ؟ قَالَ : أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ ، قَالَتْ : هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، قَالَ : فَتَلَجَّمِي ، قَالَتْ : هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، قَالَ : فَاتَّخِذِي ثَوْبًا ، قَالَتْ : هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، إِنَّمَا أَثُجُّ ثَجًّا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَآمُرُكِ بِأَمْرَيْنِ أَيَّهُمَا صَنَعْتِ أَجْزَأَ عَنْكِ فَإِنْ قَوِيتِ عَلَيْهِمَا فَأَنْتِ أَعْلَمُ ، فَقَالَ : إِنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنْ الشَّيْطَانِ فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمِ اللَّهِ ثُمَّ اغْتَسِلِي ، فَإِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّي أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا وَصُومِي وَصَلِّي فَإِنَّ ذَلِكِ يُجْزِئُكِ ، وَكَذَلِكِ فَافْعَلِي كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ لِمِيقَاتِ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ ، فَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ حِينَ تَطْهُرِينَ وَتُصَلِّينَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فَافْعَلِي وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الصُّبْحِ وَتُصَلِّينَ ، وَكَذَلِكِ فَافْعَلِي وَصُومِي إِنْ قَوِيتِ عَلَى ذَلِكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَهُوَ أَعْجَبُ الْأَمْرَيْنِ إِلَيَّ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَرَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الرَّقِّيُّ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَشَرِيكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَمِّهِ عِمْرَانَ عَنْ أُمِّهِ حَمْنَةَ إِلَّا أَنَّ ابْنَ جُرَيجٍ يَقُولُ : عُمَرُ بْنُ طَلْحَةَ ، وَالصَّحِيحُ عِمْرَانُ بْنُ طَلْحَةَ ، وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَهَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَقَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ : إِذَا كَانَتْ تَعْرِفُ حَيْضَهَا بِإِقْبَالِ الدَّمِ وَإِدْبَارِهِ ، فَإِقْبَالُهُ أَنْ يَكُونَ أَسْوَدَ وَإِدْبَارُهُ أَنْ يَتَغَيَّرَ إِلَى الصُّفْرَةِ ، فَالْحُكْمُ فيهَا عَلَى حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ ، وَإِنْ كَانَتْ الْمُسْتَحَاضَةُ لَهَا أَيَّامٌ مَعْرُوفَةٌ قَبْلَ أَنْ تُسْتَحَاضَ فَإِنَّهَا تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَتُصَلِّي ، وَإِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَيَّامٌ مَعْرُوفَةٌ وَلَمْ تَعْرِفْ الْحَيْضَ بِإِقْبَالِ الدَّمِ وَإِدْبَارِهِ فَالْحُكْمُ لَهَا عَلَى حَدِيثِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْمُسْتَحَاضَةُ إِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فِي أَوَّلِ مَا رَأَتْ فَدَامَتْ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهَا تَدَعُ الصَّلَاةَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَإِذَا طَهُرَتْ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّهَا أَيَّامُ حَيْضٍ ، فَإِذَا رَأَتْ الدَّمَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَإِنَّهَا تَقْضِي صَلَاةَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا ثُمَّ تَدَعُ الصَّلَاةَ بَعْدَ ذَلِكَ أَقَلَّ مَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَهُوَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ . قَالَ أَبُو عِيسَى : فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ وَأَكْثَرِهِ ، فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةٌ وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةٌ ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ وَبِهِ يَأْخُذُ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَرُوِيَ عَنْهُ خِلَافُ هَذَا . وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ : أَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَهُوَ قَوْلُ ، الْأَوْزَاعِيِّ ، ومالك ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي عُبَيْدة . بَاب فِي الْمُسْتَحَاضَةِ أَنَّهَا تَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ قَوْلُهُ : ( نَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْقَافِ اسْمُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو الْقَيْسِيُّ الْبَصْرِيُّ ، ثِقَةٌ مِنْ رِجَالِ السِّتَّةِ ، قَالَ النَّسَائِيُّ : ثِقَةٌ مَأْمُونٌ مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ . ( نَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ) التَّمِيمِيُّ أَبُو الْمُنْذِرِ الْخُرَاسَانِيُّ سَكَنَ الشَّامَ ثُمَّ الْحِجَازَ ، رِوَايَةُ أَهْلِ الشَّامِ عَنْهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ فَضُعِّفَ بِسَبَبِهَا . قَالَ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ أَحْمَدَ كَانَ زُهَيْرٌ الَّذِي يَرْوِي عَنْهُ الشَّامِيُّونَ آخَرَ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : حَدَّثَ بِالشَّامِ مِنْ حِفْظِهِ فَكَثُرَ غَلَطُهُ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : قَالَ الْبُخَارِيُّ لِلشَّامِيِّينَ عَنْهُ مَنَاكِيرُ ، وَهُوَ ثِقَةٌ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ( عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ ) التَّيْمِيِّ الْمَدَنِيِّ ، ثِقَةٌ وَكَانَ يُسَمَّى أَسَدَ قُرَيْشٍ ( عَنْ عَمِّهِ عِمْرَانَ بْنِ طَلْحَةَ ) بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ الْمَدَنِيِّ ، لَهُ رُؤْيَةٌ ، ذَكَرَهُ الْعِجْلِيُّ فِي ثِقَاتِ التَّابِعِينَ . ( عَنْ أُمِّهِ حَمْنَةَ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَبِالنُّونِ ( ابْنَةِ جَحْشٍ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ هِيَ أُخْتُ زَيْنَبَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَامْرَأَةُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ . قَوْلُهُ : ( كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَهُوَ مَصْدَرُ اسْتَحَاض عَلَى حَدِّ أَنْبَتَهُ اللَّهُ نَبَاتًا وَلَا يَضُرُّهُ الْفَرْقُ فِي اصْطِلَاحِ الْعُلَمَاءِ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ إِذِ الْكَلَامُ وَارِدٌ عَلَى أَصْلِ اللُّغَةِ ( كَبِيرَةً ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ كَثِيرَةً ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ ( شَدِيدَةً ) قَالَ الْقَارِي : كَثِيرَةٌ فِي الْكَمِّيَّةِ شَدِيدَةٌ فِي الْكَيْفِيَّةِ ( أَسْتَفْتِيهِ وَأُخْبِرُهُ ) الْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ ، وَإِلَّا كَانَ حَقُّهَا أَنْ تَقُولَ أُخْبِرُهُ وَأَسْتَفْتِيهِ . ( فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِ أُخْتِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ) أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها ( فَمَا تَأْمُرُنِي ) مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ ( فِيهَا ) ، أَيْ فِي الْحَيْضَةِ يَعْنِي فِي حَالِ وُجُودِهَا ( فَقَدْ مَنَعَتْنِي الصِّيَامَ وَالصَّلَاةَ ) ، أَيْ عَلَى زَعْمِهَا ( أَنْعَتُ ) ، أَيْ أَصِفُ ( الْكُرْسُفَ ) بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَضَمِّ السِّينِ أَيِ الْقُطْنَ ( فَإِنَّهُ ) أَيِ الْكُرْسُفَ ( يُذْهِبُ الدَّمَ ) مِنَ الْإِذْهَابِ ، أَيْ يَمْنَعُ خُرُوجَهُ إِلَى ظَاهِرِ الْفَرْجِ ، أَوْ مَعْنَاهُ فَاسْتَعْمِلِيهِ لَعَلَّ دَمَكِ يَنْقَطِعُ . ( هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ) ، أَيِ الدَّمُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يَنْقَطِعَ بِالْكُرْسُفِ ( قَالَ فَتَلَجَّمِي ) ، أَيْ شُدِّي اللِّجَامَ يَعْنِي خِرْقَةً عَلَى هَيْئَةِ اللِّجَامِ كَالِاسْتِثْفَارِ . ( قَالَ فَاتَّخِذِي ثَوْبًا ) ، أَيْ تَحْتَ اللِّجَامِ ، وَقَالَ الْقَارِي ، أَيْ مُطْبِقًا . ( إِنَّمَا أَثُجُّ ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ ( ثَجًّا ) مِنْ ثَجَّ الْمَاءُ ، وَالدَّمُ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ ، أَيْ أَنْصَبُّ أَوْ أَصُبُّهُ ، فَعَلَى الثَّانِي تَقْدِيرُه أَثُجُّ الدَّمَ وَعَلَى الْأَوَّلِ إِسْنَادُ الثَّجِّ إِلَى نَفْسِهَا لِلْمُبَالَغَةِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ النَّفْسَ جُعِلَتْ كَأَنَّ كُلَّهَا دَمٌ ثَجَّاجٌ وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الْمَعْنَى . ( سَآمُرُكِ ) السِّينُ لِلتَّأْكِيدِ ( بِأَمْرَيْنِ ) ، أَيْ بِحُكْمَيْنِ أَوْ صنْعيْنِ ( أَيَّهُمَا صَنَعْتِ ) قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ فِي إِعْرَابِهِ : إِنَّهَا بِالنَّصْبِ لَا غَيْرُ وَالنَّاصِبُ لَهَا صَنَعْتِ ، كَذَا فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي . ( وَإِنْ قَوِيتِ ) ، أَيْ قَدَرْتِ ( فَأَنْتِ أَعْلَمُ ) بِمَا تَخْتَارِينَهُ مِنْهُمَا فَاخْتَارِي أَيَّهمَا شِئْتِ ( فَقَالَ إِنَّمَا هِيَ ) ، أَيِ الثَّجَّةُ أَوِ الْعِلَّةُ ( رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ ) قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : أَصْلُ الرَّكْضِ الضَّرْبُ بِالرِّجْلِ وَالْإِصَابَةُ بِهَا كَمَا تَرْكُضُ الدَّابَّةُ وَتُصَابُ بِالرِّجْلِ أَرَادَ الْإِضْرَارَ بِهَا وَالْإِيذَاءَ لِمَعْنَى أنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ وَجَدَ بِذَلِكَ طَرِيقًا إِلَى التَّلْبِيسِ عَلَيْهَا فِي أَمْرِ دِينِهَا وَطُهْرِهَا وَصَلَاتِهَا حَتَّى أَنْسَاهَا ذَلِكَ عَادَتَهَا وَصَارَ فِي التَّقْدِيرِ كَأَنَّهُ رَكَضَة بِآلَةٍ مِنْ رَكَضَاتِهِ . انْتَهَى . ( فَتَحَيَّضِي ) ، أَيِ اجْعَلِي نَفْسَكِ حَائِضًا ، يُقَالُ : تَحَيَّضَتِ الْمَرْأَةُ ، أَيْ قَعَدَتْ أَيَّامَ حَيْضِهَا مِنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ ( سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ التَّحْدِيدِ مِنَ السِّتَّةِ وَالسَّبْعَةِ ، لَكِنْ عَلَى مَعْنَى اعْتِبَارِ حَالِهَا بِحَالِ مَنْ هِيَ مِثْلُهَا وَفِي مِثْلِ سِنِّهَا مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ بَيْتِهَا ، فَإِنْ كَانَتْ عَادَةُ مِثْلِهَا أَنْ تَقْعُدَ سِتًّا قَعَدَتْ سِتًّا ، وَإِنْ سَبْعًا فَسَبْعًا ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمَرْأَةُ قَدْ ثَبَتَ لَهَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَيَّامٌ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ إِلَّا أَنَّهَا قَدْ نَسِيَتْهَا فَلَا تَدْرِي أَيَّتَهُمَا كَانَتْ ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَتَحَرَّى وَتَجْتَهِدَ وَتَبْنِيَ أَمْرَهَا عَلَى مَا تَيَقَّنَتْهُ مِنْ أَحَدِ الْعَدَدَيْنِ ، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ فِي عِلْمِ اللَّهِ ، أَيْ فِيمَا عَلِمَ اللَّهُ مِنْ أَمْرِكِ سِتَّةً أَوْ سَبْعَةً . انْتَهَى . ( فِي عِلْمِ اللَّهِ ) ، أَيْ فِي عِلْمِ اللَّهِ مِنْ أَمْرِكِ مِنَ السِّتِّ أَوِ السَّبْعِ ، أَيْ هَذَا شَيْءٌ بَيْنَكِ وَبَيْنَ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلِينَ مِنَ الْإِتْيَانِ بِمَا أَمَرْتُكِ بِهِ أَوْ تَرْكِهِ ، وَقِيلَ فِي عِلْمِ اللَّهِ ، أَيْ في حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى ، أَيْ مَا أَمَرْتُكِ فَهُوَ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقِيلَ فِي عِلْمِ اللَّهِ ، أَيْ أَعْلَمَكِ اللَّهُ مِنْ عَادَةِ النِّسَاءِ مِنَ السِّتِّ أَوِ السَّبْعِ ، قَالَهُ ابْنُ رَسْلَانَ ، قَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ : قِيلَ أَوْ لِلشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي ، وَقَدْ ذَكَرَ أَحَدَ الْعَدَدَيْنِ اعْتِبَارًا بِالْغَالِبِ مِنْ حَالِ نِسَاءِ قَوْمِهَا ، وَقِيلَ لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَدَدَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ الْعُرْفُ الظَّاهِرُ وَالْغَالِبُ مِنْ أَحْوَالِ النِّسَاءِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : أَوْ لِلتَّقْسِيمِ ، أَيْ سِتَّةً إِنِ اعْتَادَتْهَا أَوْ سَبْعَةً إِنِ اعْتَادَتْهَا إِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً لَا مُبْتَدَأَةً ، أَوْ لَعَلَّهَا شَكَّتْ هَلْ عَادَتُهَا سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ ، فَقَالَ لَهَا سِتَّةً إِنْ لَمْ تَذْكُرِي عَادَتَكِ أَوْ سَبْعَةً إِنْ ذَكَرْتِ أَنَّهَا عَادَتُكِ ، أَوْ لَعَلَّ عَادَتَهَا كَانَتْ مُخْتَلِفَةً فِيهِمَا فَقَالَ : سِتَّةً فِي شَهْرِ السِّتَّةِ وَسَبْعَةً فِي شَهْرِ السَّبْعَةِ ، انْتَهَى . وَقِيلَ وهُوَ الظَّاهِرُ : إِنَّهَا كَانَتْ مُعْتَادَةً وَنَسِيَتْ أَنَّ عَادَتَهَا كَانَتْ سِتًّا أَوْ سَبْعًا ، فَذَكَرَ الْقَارِي مِثْلَ مَا ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ بِقَوْلِهِ ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ إِلَخْ ، ثُمَّ قَالَ الْقَارِي : وَمَعْنَاهُ ، أَيْ مَعْنَى قَوْلِهِ : فِي عِلْمِ اللَّهِ ، عَلَى قَوْلِ الشَّكِّ فِي عِلْمِهِ الَّذِي بَيَّنَهُ وَشَرَعَهُ لَنَا كَمَا يُقَالُ فِي حُكْمِ اللَّهِ وَفِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَقِيلَ : فِيمَا أَعْلَمَكِ اللَّهُ مِنْ عَادَاتِ النِّسَاءِ مِنَ السِّتِّ أَوِ السَّبْعِ ، وَفِي قَوْلٍ التَّخْيِيرُ فِيمَا عَلِمَ اللَّهُ مِنْ سِتَّةٍ أَوْ سَبْعَةٍ . انْتَهَى مَا فِي الْمِرْقَاةِ . ( ثُمَّ اغْتَسِلِي ) ، أَيْ بَعْدَ السِّتَّةِ أَوِ السَّبْعَةِ مِنَ الْحَيْضِ . ( فَإِذَا رَأَيْتِ ) ، أَيْ عَلِمْتِ ( أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَأْتِ ) قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ : كَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِالْأَلِفِ ، وَالصَّوَابُ وَاسْتَنْقَيْتِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ نَقَى الشَّيْءُ وَأَنْقَيْتُهُ إِذَا نَظَّفْتُهُ ، وَلَا وَجْهَ فِيهِ لِلْأَلِفِ وَلَا الْهَمْزَةِ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ : قَالَ فِي الْمُغْرِبِ : الِاسْتِنْقَاءُ مُبَالَغَةٌ فِي تَنْقِيَةِ الْبَدَنِ قِيَاسٌ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ : إِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَيْتِ ، وَالْهَمْزَةُ فِيهِ خَطَأٌ . انْتَهَى . قَالَ : وَهُوَ فِي النُّسَخِ كُلِّهَا - يَعْنِي نسَخَ الْمُشكاة - بِالْهَمْزِ مَضْبُوطٌ ، فَيَكُونُ جُرْأَةً عَظِيمَةً مِنْ صَاحِبِ الْمُغْرِبِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعُدُولِ الضَّابِطِينَ الْحَافِظِينَ مَعَ إِمْكَانِ حَمْلِهِ عَلَى الشُّذُوذِ إِذِ الْيَاءُ مِنْ حَرْفِ الْإِبْدَالِ ، وَقَدْ جَاءَ شِئْمَةٌ مَهْمُوزًا بَدَلًا مِنْ شِيمَةٍ شَاذًّا عَلَى مَا فِي الشَّافِيَةِ . ( فَصَلِّي أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً ) ، يَعْنِي وَأَيَّامَهَا إِنْ كَانَتْ مُدَّةُ الْحَيْضَةِ سِتَّةً ( أَوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا ) إِنْ كَانَتْ مُدَّةُ الْحَيْضِ سَبْعَةً ( فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُكِ ) ، أَيْ يَكْفِيكِ ، يُقَالُ : أَجْزَأَنِي الشَّيْءُ أَيْ كَفَانِي . ( فَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ حِينَ تَطْهُرِينَ وَتُصَلِّينَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ) ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : ثُمَّ تَغْتَسِلِي وَتُصَلِّي ، بِحَذْفِ النُّونِ وَهُوَ الظَّاهِرُ ، وَهَذَا هُوَ الْأَمْرُ الثَّانِي بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : وَهُوَ أَعْجَبُ الْأَمْرَيْنِ إِلَيَّ ، وَأَمَّا الْأَمْرُ الْأَوَّلُ ، فَقَالَ صَاحِبُ سُبُلِ السَّلَامِ : هُوَ الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ بَعْدَ الِاغْتِسَالِ عَنِ الْحَيْضِ بِمُرُورِ السِّتَّةِ أَوِ السَّبْعَةِ الْأَيَّامِ ، فَإِنَّ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ سَآمُرُكِ بِأَمْرَيْنِ ، ثُمَّ ذَكَرَ لَهَا الْأَمْرَ الْأَوَّلَ أَنَّهَا تَحِيضُ سِتًّا أَوْ سَبْعًا ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ؛ لِأَنَّ اسْتِمْرَارَ الدَّمِ نَاقِضٌ فَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي غَيْرِهَا ثُمَّ ذَكَرَ الْأَمْرَ الثَّانِيَ مِنْ جَمْعِ الصَّلَاتَيْنِ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْقَارِي وَغَيْرُهُ : الْأَمْرُ الْأَوَّلُ هُوَ الِاغْتِسَالُ لِكُلِّ صَلَاةٍ . قُلْتُ : لَمْ يُصَرِّحْ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَهُوَ إِمَّا الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَوِ الِاغْتِسَالُ لِكُلِّ صَلَاةٍ لَا غَيْرُهُمَا ، وَأَعْجَبُهُمَا إِلَيَّ هُوَ الثَّانِي ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . ( ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ ، ثُمَّ تَغتْسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فَافْعَلِي ) ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِحَذْفِ النُّونِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي . ( وَصُومِي ) ، أَيْ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ الَّتِي تُصَلِّي ( إِنْ قَوِيتِ عَلَى ذَلِكَ ) بَدَلٌ مِنَ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ . ( وَهُوَ أَعْجَبُ الْأَمْرَيْنِ إِلَيَّ ) أَيِ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ أَحَبُّ الْأَمْرَيْنِ إِلَيَّ وَالْأَمْرُ الْأَوَّلُ هُوَ الِاغْتِسَالُ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَوِ الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ كَمَا تَقَدَّمَ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَأَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالدّارَقُطْنيُّ ، وَالْحَاكِمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَلْخِيصِهِ : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَدْ تَرَكَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْقَوْلَ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِأَنَّ ابْنَ عَقِيلٍ رَاوِيَهُ لَيْسَ بِذَاكَ ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ : تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ ، هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَالَ أَيْضًا : وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا - يَعْنِي الْبُخَارِيَّ - عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَقَالَ أَحْمَدُ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . انْتَهَى . قَالَ صَاحِبُ سُبُلِ السَّلَامِ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ الْمُنْذِرِيِّ هَذَا : فَعَرَفْتُ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ حَدِيثٌ غَيْرُ صَحِيحٍ غَيْرُ صَحِيحٍ ، بَلْ قَدْ صَحَّحَهُ الْأَئِمَّةُ ، انْتَهَى . قُلْتُ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ عَقِيلٍ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ رحمه الله قَالَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ -يَعْنِي الْبُخَارِيَّ - يَقُولُ : كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَالْحُمَيْدِيُّ ، يَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، قَالَ مُحَمَّدٌ : هُوَ مُقَارِبُ الْحَدِيثِ . انْتَهَى كَلَامُ التِّرْمِذِيِّ ، وَقَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ فِي تَرْجَمَتِهِ بَعْدَ ذِكْرِ أَقْوَالِ الْجَارِحِينَ وَالْمُعَدِّلِينَ : حَدِيثُهُ فِي مَرْتَبَةِ الْحَسَنِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ إِذَا كَانَتْ تَعْرِفُ حَيْضَهَا بِإِقْبَالِ الدَّمِ وَإِدْبَارِهِ فَإِقْبَالُهُ ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَإِقْبَالُهُ بِالْوَاوِ وَهُوَ الظَّاهِرُ . ( أَنْ يَكُونَ أَسْوَدَ وَإِدْبَارُهُ أَنْ يَتَغَيَّرَ إِلَى الصُّفْرَةِ ) كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ : إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضَةِ فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ إِلَخْ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُ وَلَفْظُهُ . ( فَالْحُكْمُ لَهَا عَلَى حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ ) أَيِ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْمُسْتَحَاضَةِ ، وَقَدْ عَرَفْتَ هُنَاكَ أَنَّ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا مَيَّزَتْ دَمَ الْحَيْضِ مِنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ تَعْتَبِرُ دَمَ الْحَيْضِ وَتَعْمَلُ عَلَى إِقْبَالِهِ وَإِدْبَارِهِ ، فَإِذَا انْقَضَى قَدْرُهُ اغْتَسَلَتْ مِنْهُ . ( وَإِنْ كَانَتِ الْمُسْتَحَاضَةُ لَهَا أَيَّامٌ مَعْرُوفَةٌ قَبْلَ أَنْ تُسْتَحَاضَ فَإِنَّهَا تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَتُصَلِّي ) كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي بَابِ مَا جَاءَ أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَكَذَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ الَّذِي ذَكَرْنَا تَخْرِيجَهُ وَلَفْظَهُ فِي بَابِ الْمُسْتَحَاضَةِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا حَدِيثُ عَائِشَةَ ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ جَحْشٍ ، وَفِيهِ : امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ ثُمَّ اغْتَسِلِي . رَوَاهُ مُسْلِمٌ ( وَإِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَيَّامٌ مَعْرُوفَةٌ ) بِأَنْ كَانَتْ مُبتْدَأَةً غَيْرَ مُعْتَادَةٍ ( وَلَمْ تَعْرِفِ الْحَيْضَ بِإِقْبَالِ الدَّمِ وَإِدْبَارِهِ فَالْحُكْمُ لَهَا عَلَى حَدِيثِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ ) فَتَرْجِعُ إِلَى حَالِ مَنْ هِيَ مِثْلُهَا وَفِي مِثْلِ سِنِّهَا مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ بَيْتِهَا ، فَإِنْ كَانَتْ عَادَةُ مِثْلِهَا أَنْ تَقْعُدَ سِتًّا قَعَدَتْ سِتًّا ، وَإِنْ سَبْعًا فَسَبْعًا كَمَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ ، أَوْ تَرْجِعُ إِلَى الْحَالَةِ الْغَالِبَةِ فِي النِّسَاءِ كَمَا قَالَ غَيْرُهُ ، فَحَمَلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ حَدِيثَ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ عَلَى عَدَمِ مَعْرِفَتِهَا لِعَادَتِهَا وَعَدَمِ التَّمْيِيزِ بِصِفَاتِ الدَّمِ ، وَمُحَصَّلُ مَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً تَرْجِعُ إِلَى عَادَتِهَا الْمَعْرُوفَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ مُمَيِّزَةً أَوْ غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُعْتَادَةٍ وَهِيَ مُمَيِّزَةٌ أَعْنِي تَعْرِفُ حَيْضَهَا بِإِقْبَالِ الدَّمِ وَإِدْبَارِهِ ، تَعْتَبِرُ دَمَ الْحَيْضِ ، وَتَعْمَلُ عَلَى إِقْبَالِهِ وَإِدْبَارِهِ ، لِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ ، وَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ ترْجعُ إِلَى الْحَالَةِ الْغَالِبَةِ فِي النِّسَاءِ سِتًّا أَوْ سَبْعًا ؛ لِحَدِيثِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ ، وَهَذَا الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ هُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . قَالَ الطِّيبِيُّ : قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ ، يَعْنِي فِي اعْتِبَارِ التَّمْيِيزِ ، فَأَبُو حَنِيفَةَ مَنَعَ اعْتِبَارَ التَّمْيِيزِ مُطْلَقًا ، وَالْبَاقُونَ عَمِلُوا بِالتَّمْيِيزِ فِي حَقِّ الْمُبْتَدَأَةِ ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا تَعَارَضَتِ الْعَادَةُ وَالتَّمْيِيزُ ، فَاعْتَبَرَ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا التَّمْيِيزَ ، وَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى الْعَادَةِ ، وَعَكَسَ ابْنُ خَيْرَانَ . انْتَهَى كَلَامُ الطِّيبِيِّ . ( وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْمُسْتَحَاضَةُ إِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فِي أَوَّلِ مَا رَأَتْ فَدَامَتْ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهَا تَدَعُ الصَّلَاةَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَإِذَا طَهُرَتْ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّهَا أَيَّامُ حَيْضٍ ) بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ طَهَارَتُهَا بَعْدَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، فَإِنَّهَا إِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَا يَكُونُ ذَلِكَ الدَّمُ حَيْضًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ . ( فَإِذَا رَأَتِ الدَّمَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَإِنَّهَا تَقْضِي صَلَاةَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا ) وَذَلِكَ لِأَنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ الْحَيْضِ عِنْدَهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَأَكْثَرُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَلَمَّا رَأَتْ مُبْتَدَأَةٌ الدَّمَ فَمَا لَمْ يَزِدْ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَكُلُّهُ حَيْضٌ ، وَمَتَى زَادَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ فَالزَّائِدُ دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ أَلْبَتَةَ ، وَوَقَعَ بِهِ الشَّكُّ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ أَيْضًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ انْقِطَاعُ الْحَيْضِ بَعْدَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ أَوَّلِ مَا رَأَتْ ، أَوْ بَعْدَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ إِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَبَنَى الْأَمْرَ عَلَى الْيَقِينِ وَطَرَحَ الشَّكَّ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ، كَذَا فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي . وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ هَذَا فِي الْمُسْتَحَاضَةِ الْمُبْتَدَأَةِ الَّتِي لَا تَمْيِيزَ لَهَا ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ ذَاتَ تَمْيِيزٍ بِأَنْ تَرَى فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ دَمًا أَسْوَدَ ، وَفِي بَعْضِهَا دَمًا أَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ ، فَالدَّمُ الْأَسْوَدُ حَيْضٌ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَنْقُصَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، وَلَا يَزِيدَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، كَذَا حَرَّرَهُ الشَّافِعِيُّ ، كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . قَوْلُهُ : ( فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ وَأَكْثَرِهِ ، فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثٌ ، وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةٌ . وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ ، وَبِهِ يَأْخُذُ ابْنُ الْمُبَارَكِ ) قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي : قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ : أَقَلُّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةٌ لِمَا رَوَى وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةٌ ، وَقَالَ أَنَسٌ : قُرْءُ الْمَرْأَةِ ثَلَاثٌ أَرْبَعٌ خَمْسٌ سِتٌّ سَبْعٌ ثَمَانٍ تِسْعٌ عَشَرَةٌ ، وَلَا يَقُولُ أَنَسٌ ذَلِكَ إِلَّا تَوْقِيفًا . ثُمَّ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ مُجِيبًا عَنْ حَدِيثِ وَاثِلَةَ وَأَثَرِ أَنَسٍ مَا لَفْظُهُ : وَحَدِيثُ وَاثِلَةَ يَرْوِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الشَّامِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ الْمُنْهَالِ وَهُوَ مَجْهُولٌ ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ يَرْوِيهِ الْجَلْدُ بْنُ أَيُّوبَ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : هُوَ مُحْدَثٌ لَا أَصْلَ لَهُ ، وَقَالَ أَحْمَدُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ : لَيْسَ هُوَ شَيْئًا ، هَذَا مِنْ قِبَلِ الْجَلْدِ بْنِ أَيُّوبَ ، قِيلَ : إِنَّ أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ رَوَاهُ وَقَالَ : مَا أَرَاهُ سَمِعَهُ إِلَّا مِنَ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ وَضَعَّفَهُ جِدًّا ، قَالَ : وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ : ذَاكَ أَبُو حَنِيفَةَ لَمْ يَحْتَجَّ إِلَّا بِالْجَلْدِ بْنِ أَيُّوبَ ، وَحَدِيثُ الْجَلْدِ قَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه مَا يُعَارِضُهُ فَإِنَّهُ قَالَ : مَا زَادَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ اسْتِحَاضَةٌ ، وَأَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ . انْتَهَى مَا فِي الْمُغْنِي . وَاسْتَدَلَّ لَهُمْ أَيْضًا بِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَقَلُّ الْحَيْضِ لِلْجَارِيَةِ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ ثَلَاثٌ وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ ، فَإِذَا زَادَ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ مَكْحُولٍ عَنْهُ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ مَجْهُولٌ ، وَالْعَلَاءُ بْنُ كَثِيرٍ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ ، وَمَكْحُولٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي أُمَامَةَ . وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ أُخْرَى كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ ، ذَكَرَهَا الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ ، وَالْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الدِّرَايَةِ ، مَعَ بَيَانِ ضَعْفِهَا . ( وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ : أَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ ) وَاسْتَدَلَّ عَلَى هَذَا بِمَا رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : تَمْكُثُ إِحْدَاكُنَّ شَطْرَ دَهْرِهَا لَا تُصَلِّي قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : لَا أَصْلَ لَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ ، قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مِنْدَهْ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي الْإِمَامِ عَنْهُ : ذِكْرُ بَعْضِهِمْ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يَثْبُتُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ : هَذَا الْحَدِيثُ يَذْكُرُهُ بَعْضُ فُقَهَائِنَا ، وَقَدْ طَلَبْتُهُ كَثِيرًا فَلَمْ أَجِدْهُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ ، وَلَمْ أَجِدْ لَهُ إِسْنَادًا ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ : هَذَا لَفْظٌ يَذْكُرُهُ أَصْحَابُنَا وَلَا أَعْرِفُهُ ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي الْمُهَذَّبِ : لَمْ أَجِدْهُ بِهَذَا اللَّفْظِ إِلَّا فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ : بَاطِلٌ لَا يُعْرَفُ . انْتَهَى مَا فِي التَّلْخِيصِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ . قُلْتُ : لَمْ أَجِدْ حَدِيثًا لَا صَحِيحًا وَلَا ضَعِيفًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ ، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ بَلْ هُوَ بَاطِلٌ ، وَأَمَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ ، لَكِنَّهَا كُلَّهَا ضَعِيفَةٌ كَمَا عَرَفْتَ . تَنْبِيهٌ : قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي : أَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، ثُمَّ قَالَ مُسْتَدِلًّا عَلَى هَذَا مَا لَفْظُهُ : وَلَنَا أَنَّهُ وَرَدَ فِي الشَّرْعِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ وَلَا حَدَّ لَهُ فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الشَّرِيعَةِ ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ فِيهِ إِلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ كَمَا فِي الْقَبْضِ وَالْإِحْرَازِ وَالتَّفَرُّقِ وَأَشْبَاهِهَا ، وَقَدْ وُجِدَ حَيْضٌ مُعْتَادٌ يَوْمًا ، قَالَ عَطَاءٌ : رَأَيْتُ مِنَ النِّسَاءِ مَنْ تَحِيضُ يوما وتحيض خَمْسَةَ عَشَرَ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ : سَمِعْتُ شَرِيكًا يَقُولُ : عِنْدَنَا امْرَأَةٌ تَحِيضُ كُلَّ شَهْرٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا حَيْضًا مُسْتَقِيمًا ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : عِنْدَنَا امْرَأَةٌ تَحِيضُ غَدْوَةً وَتَطْهُرُ عَشِيًّا ، يَرَوْنَ أَنَّهُ حَيْضٌ تَدَعُ لَهُ الصَّلَاةَ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : رَأَيْتُ امْرَأَةً أُثْبِتَ لِي عَنْهَا أَنَّهَا لَمْ تَزَلْ تَحِيضُ يَوْمًا لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ ، وَأُثْبِتَ لِي عَنْ نِسَاءٍ أَنَّهُنَّ لَمْ يَزَلْنَ يَحِضْنَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، وَذَكَرَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ : تَحِيضُ امْرَأَتِي يَوْمَيْنِ ، وَقَالَ إِسْحَاقُ : قَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِنَا مَعْرُوفَةٌ : لَمْ أُفْطِرْ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَّا يَوْمَيْنِ ، وَقَوْلُهُنَّ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ فَلَوْلَا أَنَّ قَوْلَهُنَّ مَقْبُولٌ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِنَّ الْكِتْمَانُ ، وَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى قَوْلِهِ : وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَلَمْ يُوجَدْ حَيْضٌ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ عَادَةً مُسْتَمِرَّةً فِي عَصْرٍ مِنَ الْأَعْصَارِ ، فَلَا يَكُونُ حَيْضًا بِحَالٍ ، انْتَهَى مَا فِي الْمُغْنِي . قُلْتُ : كَلَامُ ابْنِ قُدَامَةَ هَذَا يَدُلُّ صَرَاحَةً عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ : إِنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَيْسَ لَهُ دَلِيلٌ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَإِنَّمَا اعْتِمَادُهُ عَلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ ، حَتَّى قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : عِنْدَنَا امْرَأَةٌ تَحِيضُ غَدْوَةً وَتَطْهُرُ عَشِيًّا ، فَتَفَكَّرْ .
بَاب مَا جَاءَ أَنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ 66 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا : نَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ وَلُحُومُ الْكِلَابِ وَالنَّتْنُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَقَدْ جَوَّدَ أَبُو أُسَامَةَ هَذَا الْحَدِيثَ ، لَمْ يَرْوِ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ أَحْسَنَ مِمَّا رَوَى أَبُو أُسَامَةَ ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ . باب ما جاء أن الماء لا ينجسه شيئ قَوْلُهُ : ( وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ ) الْحَلْوَانِيُّ الرَّيْحَانِيُّ الْمَكِّيُّ ، رَوَى عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَوَكِيعٍ ، وَعَبْدِ الصَّمَدِ ، وَخَلْقٍ ، وَعَنْهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ ، كَانَ ثِقَةً ، ثَبْتًا ، مُتْقِنًا ، تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ سَنَةَ 242 اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ . ( نَا أَبُو أُسَامَةَ ) هُوَ حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ الْقُرَشِيُّ ، مَوْلَاهُمْ ، الْكُوفِيُّ ، مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ ، ثِقَةٌ ، ثَبْتٌ ، رُبَّمَا دَلَّسَ ، وَكَانَ بِأخَرَةٍ يُحَدِّثُ مِنْ كُتُبِ غَيْرِهِ ، مِنْ كِبَارِ التَّاسِعَةِ ، مَاتَ سَنَةَ 201 إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ . ( عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ ) الْمَدَنِيِّ ثُمَّ الْكُوفِيِّ ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَأَبُو دَاوُدَ ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبِ ) ابْنِ سَلِيمِ بْنِ أَسَدٍ الْقُرَظِيِّ الْمَدَنِيِّ ، وَكَانَ قَدْ نَزَلَ الْكُوفَةَ مُدَّةً ، ثِقَةٌ ، عَالِمٌ ، مِنَ الثَّالِثَةِ ، وُلِدَ سَنَةَ 40 أَرْبَعِينَ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَوَهَمَ مَنْ قَالَ : وُلِدَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَا فِي التَّقْرِيبِ . ( عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ يَأْتِي فِي عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ : عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ الْأَنْصَارِيَّ ، وَيُقَالُ : ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ رَاوِي حَدِيثِ بِئْرِ بُضَاعَةَ ، مَسْتُورٌ مِنَ الرَّابِعَةِ . انْتَهَى . قُلْتُ : والْحَقُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَسْتُورٍ كَمَا سَتَعْرِفُ . ( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ اسْمُهُ سَعْدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ لَهُ وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ اسْتُصْغِرَ بِأُحُدٍ ثُمَّ شَهِدَ مَا بَعْدَهَا ، وَرَوَى الْكَثِيرَ ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ وَسِتِّينَ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ . قَوْلُهُ : ( قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَتَوَضَّأُ ؟ ) كَذَا فِي النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ بِالنُّونِ وَالتَّاءِ بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ مَعَ الْغَيْرِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : قَوْلُهُ : أَتَتَوَضَّأُ بِتَاءَيْنِ خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى . قُلْتُ : وَالظَّاهِرُ هُوَ مَا قَالَ الْحَافِظُ ، فَفِي رِوَايَةِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ فِي مُصَنَّفِهِ . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ . الْحَدِيثَ ( مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ ) بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَأُجِيزَ كَسْرُهَا وَبِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ، وَحُكِيَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ ، وَهِيَ بِئْرٌ مَعْرُوفَةٌ بِالْمَدِينَةِ ، قَالَهُ ابْنُ الملك ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ نَقْلًا عَنِ التُّورْبَشْتِيِّ : بُضَاعَةُ دَارُ بَنِي سَاعِدَةَ بِالْمَدِينَةِ ، وَهُمْ بَطْنٌ مِنَ الْخَزْرَجِ ، وَأَهْلُ اللُّغَةِ يَضُمُّونَ الْبَاءَ وَيَكْسِرُونَهَا ، وَالْمَحْفُوظُ فِي الْحَدِيثِ الضَّمُّ . ( وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ جَمْعُ حِيضَةٍ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ ، وَهِيَ الْخِرْقَةُ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ فِي دَمِ الْحَيْضِ ( وَلُحُومُ الْكِلَابِ وَالنَّتْنُ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ التَّاءِ وَتُكْسَرُ ، وَهِيَ الرَّائِحَةُ الْكَرِيهَةُ ، وَالْمُرَادُ هَاهُنَا الشَّيْءُ المنَّتِنُ كَالْقذِرَةِ وَالْجِيفَةِ . قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ فِي شَرْحِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ : وَيَنْبَغِي أَنْ يُضْبَطَ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ التَّاءِ ، وَهُوَ الشَّيْءُ الَّذِي لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ ، مِنْ قَوْلِهِمْ نَتِنَ الشَّيْءُ بِكَسْرِ التَّاءِ يَنْتَنُ بِفَتْحِهَا فَهُوَ نَتِنٌ . انْتَهَى . قَالَ الطِّيبِيُّ : مَعْنَى قَوْلِهِ يُلْقَى فِيهَا أَنَّ الْبِئْرَ كَانَتْ بِمَسِيلٍ مِنْ بَعْضِ الْأَوْدِيَةِ الَّتِي يُحْتَمَلُ أَنْ يَنْزِلَ فِيهَا أَهْلُ الْبَادِيَةِ فَتُلْقَى تِلْكَ الْقَاذُورَاتُ بِأَفْنِيَةِ مَنَازِلِهِمْ فَيَكْسَحُهَا السَّيْلُ فَيُلْقِيهَا فِي الْبِئْرِ ، فَعَبَّرَ عَنْهُ الْقَائِلُ بِوَجْهٍ يُوهِمُ أَنَّ الْإِلْقَاءَ مِنَ النَّاسِ لِقِلَّةِ تَدَيُّنِهِمْ ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُجَوِّزُهُ مُسْلِمٌ ، فَأَنَّى يُظَنُّ ذَلِكَ بِالَّذِينَ هُمْ أَفْضَلُ الْقُرُونِ وَأَزْكَاهُمْ . انْتَهَى . قُلْتُ : كَذَلِكَ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ الظَّاهِرُ الْمُتَعَيَّنُ . ( إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ ) أَيْ طَاهِرٌ مُطَهَّرٌ ، قَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ : قِيلَ : الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ الْخَارِجِيِّ ، فَتَأْوِيلُهُ : إِنَّ الْمَاءَ الَّذِي تَسْأَلُونَ عَنْهُ ، وَهُوَ مَاءُ بِئْرِ بُضَاعَةَ فَالْجَوَابُ مُطَابِقِيٌّ لَا عُمُومٌ كُلِّيٌّ ، كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ . انْتَهَى . وَإِنْ كَانَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْجِنْسِ فَالْحَدِيثُ مَخْصُوصٌ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا سَتَقِفُ . ( لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ ) لِكَثْرَتِهِ فَإِنَّ بِئْرَ بُضَاعَةَ كَانَ بِئْرًا كَثِيرَ الْمَاءِ يَكُونُ مَاؤُهَا أَضْعَافَ قُلَّتَيْنِ لَا يَتَغَيَّرُ بِوُقُوعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ، وَالْمَاءُ الْكَثِيرُ لَا يُنَجِّسُهُا شَيْءٌ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ . قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّاهُ وَلِيُّ اللَّهِ الدَّهْلَوِيُّ فِي حُجَّةِ اللَّهِ الْبَالِغَةِ : قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ مَعْنَاهُ : الْمَعَادِنُ لَا تُنَجَّسُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ إِذَا أُخْرِجَتْ وَرُمِيَتْ ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ أَحَدُ أَوْصَافِهِ وَلَمْ تَفْحُشْ ، وَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ يُظَنَّ بِبِئْرِ بُضَاعَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَسْتَقِرُّ فِيهَا النَّجَاسَاتُ كَيْفَ وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ بَنِي آدَمَ بِالِاجْتِنَابِ عَمَّا هَذَا شَأْنُهُ ، فَكَيْفَ يَسْتَقِي بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلْ كَانَتْ تَقَعُ فِيهَا النَّجَاسَاتُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقْصَدَ إِلْقَاؤُهَا كَمَا تُشَاهِدُ مِنْ آبَارِ زَمَانِنَا ثُمَّ تَخْرُجُ تِلْكَ النَّجَاسَاتُ ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ سَأَلُوا عَنِ الطَّهَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ الزَّائِدَةِ عَلَى مَا عِنْدَهُمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ ، يَعْنِي لَا يُنَجَّسُ نَجَاسَةَ غَيْرَ مَا عِنْدَكُمْ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقَدْ جَوَّدَ أَبُو أُسَامَةَ هَذَا الْحَدِيثَ ) أَيْ رَوَاهُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ قَالَهُ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ ، وَزَادَ فِي الْبَدْرِ الْمُنِيرِ وَالْحَاكِمُ وَآخَرُونَ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ . فَإِنْ قُلْتَ : فِي سَنَدِ هَذَا الْحَدِيثِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، وَهُوَ مَسْتُورٌ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ ، فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحًا أَوْ حَسَنًا؟ قُلْتُ : صَحَّحَ هَذَا الْحَدِيثَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَهُمَا إِمَامَا الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ ، وَأَيْضًا صَحَّحَ هَذَا الْحَدِيثَ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ ، وَذَكَرَ ابْنُ حِبَّانَ عُبَيْدَ اللَّهِ هَذَا فِي الثِّقَاتِ ، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ مَسْتُورًا ، وَالْعِبْرَةُ لِقَوْلِ مَنْ عَرَفَ لَا بِقَوْلِ مَنْ جَهِلَ . فَإِنْ قُلْتَ : قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ الْوَهْمِ وَالْإِيهَامِ : إِنَّ فِي إِسْنَادِهِ اخْتِلَافًا فَقَوْمٌ يَقُولُونَ : عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : عَبْدَ اللَّهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ ، فَيَحْصُلُ فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ ، وَكَيْفَ مَا كَانَ فَهُوَ لَا يُعْرَفُ لَهُ حَالٌ وَلَا عَيْنٌ ، كَذَا فِي تَخْرِيجِ الْهِدَايَةِ لِلزَّيْلَعِيِّ . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : وَأَعَلَّهُ ابْنُ الْقَطَّانِ بِجَهَالَةِ رَاوِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَاخْتِلَافِ الرُّوَاةِ فِي اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ . قُلْتُ : أَمَّا إِعْلَالُهُ بِجَهَالَةِ الرَّاوِي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، فَإِنَّهُ إِنْ جَهِلَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ فَقَدْ عَرَفَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُمَا ، وَأَمَّا إِعْلَالُهُ بِاخْتِلَافِ الرُّوَاةِ فِي اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ فَهُوَ أَيْضًا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الرُّوَاةِ فِي السَّنَدِ أَوْ الْمَتْنِ لَا يُوجِبُ الضَّعْفَ إِلَّا بِشَرْطِ اسْتِوَاءِ وُجُوهِ الِاخْتِلَافِ ، فَمَتَى رَجَحَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ قُدِّمَ وَلَا يُعَلُّ الصَّحِيحُ بِالْمَرْجُوحِ ، وَهَاهُنَا وُجُوهُ الِاخْتِلَافِ لَيْسَتْ بمُسْتَوِيَةً بَلْ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ رَاجِحَةٌ ، وَبَاقِي الرِّوَايَاتِ مَرْجُوحَةٌ ، فَإِنَّ مَدَارَ تِلْكَ الرِّوَايَاتِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، وَهُوَ مُضْطَرِبٌ فِيهَا ، وَتِلْكَ الرِّوَايَاتُ مَذْكُورَةٌ فِي سُنَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ ، فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الرَّاجِحَةُ تُقَدَّمُ عَلَى تِلْكَ الرِّوَايَاتِ الْمَرْجُوحَةِ وَلَا تُعَلُّ هَذِهِ بِتِلْكَ . قوله : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ بِلَفْظِ : إِنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ . وَرَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ بِلَفْظِ : إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ وَفِيهِ قِصَّةٌ . وَقَالَ الْحَازِمِيُّ لَا يُعْرَفُ مُجَوَّدًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، وَسِمَاكٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ كَذَا فِي التَّلْخِيصِ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَأَبُو يَعْلَى ، وَالْبَزَّارُ ، وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ فِي صِحَاحِهِ مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ بِلَفْظِ إِنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى صَحِيحَةٍ لَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ ، كَذَا فِي التَّلْخِيصِ . قُلْتُ : وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ بِلَفْظِ إِنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ ، وَفِيهِ قِصَّةٌ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَفِي إِسْنَادِهِ أَبُو سُفْيَانَ طَرِيفُ بْنُ شِهَابٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ مَتْرُوكٌ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى شَرِيكٍ الرَّاوِي عَنْهُ . وَهَاهُنَا فَوَائِدُ مُتَعَلِّقَةٌ بِحَدِيثِ الْبَابِ فَلَنَا أَنْ نَذْكُرَهَا : الْفَائِدَةُ الْأُولَى : اعْلَمْ أَنَّ بِئْرَ بُضَاعَةَ كَانَتْ بِئْرًا مَعْرُوفَةً بِالْمَدِينَةِ ، وَلَمْ تَكُنْ غَدِيرًا ولا طَرِيقًا لِلْمَاءِ إِلَى الْبَسَاتِينِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ غَدِيرًا أَوْ طَرِيقًا لِلْمَاءِ إِلَى الْبَسَاتِينِ لَمْ تُسَمَّ بِئْرًا ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : بِئْرُ بُضَاعَةَ بِالضَّمِّ وَقَدْ يُكْسَرُ ، بِالْمَدِينَةِ ، قُطْرُ رَأْسِهَا سِتَّةُ أَذْرُعٍ . انْتَهَى ، وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : هِيَ بِئْرٌ مَعْرُوفَةٌ بِالْمَدِينَةِ . انْتَهَى ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ : سَمِعْتُ قُتَيْبَةَ بْنَ سَعِيدٍ قَالَ : سَأَلْتُ قَيِّمَ بِئْرِ بُضَاعَةَ عَنْ عُمْقِهَا ، قَالَ : أَكْثَرُ مَا يَكُونُ الْمَاءُ إِلَى الْعَانَةِ ، قُلْتُ : فَإِذَا نَقَصَتْ قَالَ : دُونَ الْعَوْرَةِ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَقَدَّرْتُ أَنَا بِئْرَ بُضَاعَةَ بِرِدَائِي مَدَدْتُهُ عَلَيْهَا ثُمَّ ذَرَعْتُهُ فَإِذَا عَرْضُهَا سِتَّةُ أَذْرُعٍ ، وَسَأَلْتُ الَّذِي فَتَحَ لِي بَابَ الْبُسْتَانِ فَأَدْخَلَنِي إِلَيْهِ هَلْ غُيِّرَ بِنَاؤُهَا؟ قَالَ لَا ، وَرَأَيْتُ فِيهَا مَاءً مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ . انْتَهَى . وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ : إِنَّ مَاءَ بِئْرِ بُضَاعَةَ كَانَ جَارِيًا بَيْنَ الْبَسَاتِينِ ، وَكَذَا زَعَمَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ بِئْرَ بُضَاعَةَ كَانَتْ طَرِيقًا لِلْمَاءِ إِلَى الْبَسَاتِينِ فَغَلَطٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ . قَالَ الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ : وَقَوْلُ صَاحِبِ الْكِتَابِ : إِنَّ مَاءَهَا كَانَ جَارِيًا إِلَى الْبَسَاتِينِ ، هَذَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ عَنِ الْوَاقِدِيِّ ، فَقَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ شُجَاعٍ الثَّلْجِيِّ عَنِ الْوَاقِدِيِّ قَالَ : كَانَتْ بِئْرُ بُضَاعَةَ طَرِيقًا لِلْمَاءِ إِلَى الْبَسَاتِينِ . انْتَهَى . وَهَذَا سَنَدٌ ضَعِيفٌ مُرْسَلٌ ، وَمَدْلُولُهُ عَلَى جَرَيَانِهِ غَيْرُ ظَاهِرٍ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ : وَزَعَمَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ بِئْرَ بُضَاعَةَ كَانَ مَاؤُهَا جَارِيًا لَا يَسْتَقِرُّ ، وَأَنَّهَا كَانَتْ طَرِيقًا إِلَى الْبَسَاتِينِ ، وَنَقَلَ ذَلِكَ عَنِ الْوَاقِدِيِّ ، وَالْوَاقِدِيُّ لَا يُحْتَجُّ بِمَا يُسْنِدُ فَضْلًا عَمَّا يُرْسِلُهُ . وَحَالُ بِئْرِ بُضَاعَةَ مَشْهُورٌ بَيْنَ أَهْلِ الْحِجَازِ بِخِلَافِ مَا حَكَاهُ . انْتَهَى مَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ . وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الدِّرَايَةِ : وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّ مَاءَ بِئْرِ بُضَاعَةَ كَانَ جَارِيًا بَيْنَ الْبَسَاتِينِ ، فَهُوَ كَلَامٌ مَرْدُودٌ عَلَى مَنْ قَالَهُ ، وَقَدْ سَبَقَ إِلَى دَعْوَى ذَلِكَ ، وَجَزَمَ بِهِ الطَّحَاوِيُّ ، فَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شُجَاعٍ الثَّلْجِيِّ عَنِ الْوَاقِدِيِّ قَالَ : كَانَتْ بِئْرُ بُضَاعَةَ طَرِيقًا لِلْمَاءِ إِلَى الْبَسَاتِينِ ، وَهَذَا إِسْنَادٌ وَاهٍ جِدًّا ، وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ الْمُرَادُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الْمَاءَ كَانَ يُنْقَلُ مِنْهَا بِالسَّانِيَةِ إِلَى الْبَسَاتِينِ ، وَلَوْ كَانَتْ سَيْحًا جَارِيًا لَمْ تُسَمَّ بِئْرًا . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . قُلْتُ : الْعَجَبُ مِنَ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ أَسْنَدَهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ شُجَاعٍ الثَّلْجِيِّ ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ وَجَزَمَ بِهِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ الثَّلْجِيُّ كَذَّابٌ ، قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ : مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ الثَّلْجِيُّ الْفَقِيهُ الْبَغْدَادِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ صَاحِبُ التَّصَانِيفِ ، قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : كَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ فِي التَّشْبِيهِ وَيَنْسُبُهَا إِلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ يَثْلِبُهُمْ بِذَلِكَ ، قَالَ الذَّهَبِيُّ : جَاءَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ كَانَ يَنَالُ مِنْ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ يَقُولُ : أَيْشٍ قَامَ بِهِ أَحْمَدُ ، وَقَالَ زَكَرِيَّا السَّاجِي : مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ كَذَّابٌ احْتَالَ فِي إِبْطَالِ الْحَدِيثِ نُصْرَةً لِلرَّأْيِ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ الذَّهَبِيِّ . وَالْوَاقِدِيُّ مَتْرُوكٌ قَدِ اسْتَقَرَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى وَهَنِهِ ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يُدْرِكْ عَهْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَصْرَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَإِنَّهُ مَاتَ سَنَةَ 207 سَبْعٍ وَمِائَتَيْنِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْ أَخَذَ هَذَا عَنْهُ ، فَكَيْفَ يُعْبَأُ بِقَوْلِهِ هَذَا . ثُمَّ قَوْلُ الْوَاقِدِيِّ هَذَا مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ الْآخَرِ فَحَكَى الْبَلَاذِرِيُّ فِي تَارِيخِهِ عَنِ الْوَاقِدِيِّ أَنَّهُ قَالَ : تَكُونُ بِئْرُ بُضَاعَةَ سَبْعًا فِي سَبْعٍ وَعُيُونُهَا كَثِيرَةٌ فَهِيَ لَا تُنْزَحُ . انْتَهَى . الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ : حَدِيثُ الْبَابِ قَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ الظَّاهِرِيَّةُ عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَتَنَجَّسُ مُطْلَقًا وَإِنْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ وطَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَكُلُّهُمْ خَصَّصُوهُ ، أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فبَحَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا : إِنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ . وَمَذْهَبُهُمْ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَتَنَجَّسُ إِلَّا مَا تَغَيَّرَ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ ، وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَبِحَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا سَتَعْرِفُ ، وَمَذْهَبُهُمْ أَنَّ الْمَاءَ إِنْ كَانَ قُلَّتَيْنِ لَا يَتَنَجَّسُ إِلَّا إِنْ تَغَيَّرَ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ ، وَإِنْ كَانَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ يَتَنَجَّسُ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ أَحَدُ أَوْصَافِهِ ، وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَبِالرَّأْيِ ، وَلَهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ اثْنَا عَشَرَ مَذْهَبًا : الْأَوَّلُ التَّحْدِيدُ بِالتَّحْرِيكِ ، قَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ فِي مُوَطَّئِهِ ص 66 إِذَا كَانَ الْحَوْضُ عَظِيمًا إِنْ حُرِّكَتْ مِنْهُ نَاحِيَةٌ لَمْ تَتَحَرَّكْ بِهِ النَّاحِيَةُ الْأُخْرَى لَمْ يَفْسُدْ ذَلِكَ الْمَاءُ مَا وَلَغَ فِيهِ سَبُعٌ وَلَا مَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ قَذَرٍ إِلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى رِيحٍ أَوْ طَعْمٍ ، فَإِذَا كَانَ حَوْضًا صَغِيرًا إِنْ حُرِّكَتْ مِنْهُ نَاحِيَةٌ تَحَرَّكَتِ النَّاحِيَةُ الْأُخْرَى فَوَلَغَ فِيهِ السِّبَاعُ أَوْ وَقَعَ فِيهِ الْقَذَرُ لَا يُتَوَضَّأُ مِنْهُ ، قَالَ : وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رحمه الله انْتَهَى كَلَامُهُ . قُلْتُ : وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِهِ الْقُدَمَاءِ ، وَالثَّانِي : التَّحْدِيدُ بِالْكَدِرَةِ ، وَالثَّالِثُ : التَّحْدِيدُ بِالصَّبْغِ ، وَالرَّابِعُ : التَّحْدِيدُ بِالسَّبْعِ فِي السَّبْعِ ، وَالْخَامِسُ : التَّحْدِيدُ بِالثَّمَانِيَةِ فِي الثَّمَانِيَةِ ، وَالسَّادِسُ : عِشْرِينَ فِي عِشْرِينَ ، وَالسَّابِعُ : الْعَشْرِ فِي الْعَشْرِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْحَنَفِيَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ ، وَالثَّامِنُ : خَمْسَةَ عَشَرَ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ ، وَالتَّاسِعُ : اثْنَا عَشَرَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ ، قَالَ صَاحِبُ التَّعْلِيقِ الْمُمَجَّدِ - بَعْدَ ذِكْرِ مَذْهَبِ الظَّاهِرِيَّةِ وَمَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ وَمَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ - وَهَذِهِ الْمَذَاهِبِ الِاثْنَيْ عَشَرَ لِلْحَنَفِيَّةِ مَا لَفْظُهُ : وَلَقَدْ خُضْتُ فِي بِحَارِ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ وَطَالَعْتُ لِتَحْقِيقِهَا كُتُبَ أَصْحَابِنَا - يَعْنِي الْحَنَفِيَّةَ - وَكُتُبَ غَيْرِهِمْ الْمُعْتَمَدَةَ فَوَضَحَ لَنَا مَا هُوَ الْأَرْجَحُ مِنْهَا وَهُوَ الثَّانِي - يَعْنِي مَذْهَبَ الْمَالِكِيَّةِ - ثُمَّ الثَّالِثَ - يَعْنِي مَذْهَبَ الشَّافِعِيَّةِ - ثُمَّ الرَّابِعَ وَهُوَ مَذْهَبُ قُدَمَاءِ أَصْحَابِنَا وَأَئِمَّتِنَا ، وَالْبَاقِيَةُ مَذَاهِبُ ضَعِيفَةٌ . انْتَهَى كَلَامُهُ . قُلْتُ : وَالْمَذْهَبُ الرَّابِعُ أَعْنِي مَذْهَبَ قُدَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا ضَعِيفٌ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ . فَإِنْ قُلْتَ : قَدِ احْتَجَّ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ بِمَا رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَرَجَ فِي رَكْبٍ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ حَتَّى وَرَدُوا حَوْضًا فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ : يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ هَلْ تَرِدُ حَوْضَكَ السِّبَاعُ؟ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ لَا تُخْبِرْنَا فَإِنَّا نَرِدُ عَلَى السِّبَاعِ وَتَرِدُ عَلَيْنَا ، قَالَ الْحَنَفِيَّةُ : إِنَّ غَرَضَ عُمَرَ - رضي الله عنه - مِنْ قَوْلِهِ : لَا تُخْبِرْنَا أَنَّكَ لَوْ أَخْبَرْتَنَا لَضَاقَ الْحَالُ فَلَا تُخْبِرْنَا فَإِنَّا نَرِدُ عَلَى السِّبَاعِ وَتَرِدُ عَلَيْنَا وَلَا يَضُرُّنَا وُرُودُهَا عِنْدَ عَدَمِ عِلْمِنَا وَلَا يَلْزَمُنَا الِاسْتِفْسَارُ مِنْ ذَلِكَ . وَلَوْ كَانَ سُؤْرُ السِّبَاعِ طَاهِرًا لَمَا مَنَعَ صَاحِبَ الْحَوْضِ عَنِ الْإِخْبَارِ ؛ لِأَنَّ إِخْبَارَهُ لَا يَضُرُّ ، قَالُوا : وَالْحَوْضُ كَانَ صَغِيرًا يَتَنَجَّسُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ كَبِيرًا لَمَا سَأَلَ ، فَكَيْفَ قُلْتُمْ : إِنَّ الْمَذْهَبَ الرَّابِعَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ . قُلْتُ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ غَرَضُ عُمَرَ - رضي الله عنه - مِنْ قَوْلِهِ : لَا تُخْبِرْنَا أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ عِنْدَنَا سَوَاءٌ أَخْبَرْتَنَا أَوْ لَمْ تُخْبِرْنَا فَلَا حَاجَةَ إِلَى إِخْبَارِكَ ، وَعَلَى هَذَا حَمَلَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ قَوْلَهُ : لَا تُخْبِرْنَا لَمْ يَقُمْ ، وَإِذَا جَاءَ الِاحْتِمَالُ بَطَلَ الِاسْتِدْلَالُ ، ثُمَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ مَوْقُوفٌ عَلَى نَجَاسَةِ سُئُورِ السِّبَاعِ وَهِيَ لَيْسَتْ بِمُتَّفَقٍ عَلَيْهَا بَلْ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ قَائِلُونَ بِطَهَارَتِهِ . وَقَدْ وَرَدَ بِذَلِكَ بَعْضُ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ : زَادَ رَزِينٌ قَالَ : زَادَ بَعْضُ الرُّوَاةِ فِي قَوْلِ عُمَرَ : وإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَهَا مَا أَخَذَتْ فِي بُطُونِهَا ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَنَا طَهُورٌ وَشَرَابٌ . انْتَهَى . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنِ الْحِيَاضِ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ تَرِدُهَا السِّبَاعُ وَالْكِلَابُ وَالْحُمُرُ وَعَنِ الطَّهَارَةِ مِنْهَا فَقَالَ : : لَهَا مَا حَمَلَتْ فِي بُطُونِهَا وَلَنَا مَا غَبَرَ طَهُورٌ وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ جَابِرٍ قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أَفْضَلَتِ الْحُمُرُ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَبِمَا أَفْضَلَتِ السِّبَاعُ . وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تُؤَيِّدُ مَا قَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ مِنْ أَنَّ غَرَضَ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ لَا تُخْبِرْنَا أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ عِنْدَنَا سَوَاءٌ أَخْبَرْتَنَا أَوْ لَمْ تُخْبِرْنَا فَلَا حَاجَةَ إِلَى إِخْبَارِكَ فَتَفَكَّرْ . وَالْحَاصِلُ : أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِقَوْلِ عُمَرَ - رضي الله عنه - الْمَذْكُورِ عَلَى الْمَذْهَبِ الرَّابِعِ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ ، عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا فِي الْمَذْهَبِ الرَّابِعِ مِنَ التَّحْرِيكِ وَتَحْدِيدِهِ . فَإِنْ قُلْتَ : كَيْفَ قُلْتُمْ : إِنَّ الْمَذْهَبَ الرَّابِعَ أَيْضًا ضَعِيفٌ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ دَلَائِلَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ . قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ الرَّائِقِ : اسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الرَّازِيُّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَالنَّجَاسَاتُ لَا مَحَالَةَ مِنَ الْخَبَائِثِ فَحَرَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى تَحْرِيمًا مُبْهَمًا ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ حَالَةِ اخْتِلَاطِهَا وَانْفِرَادِهَا بِالْمَاءِ فَوَجَبَ تَحْرِيمُ كُلِّ مَا تَيَقَّنَّا فِيهِ جُزْءًا مِنَ النَّجَاسَةِ وَيَكُونُ جِهَةُ الْحَظْرِ مِنَ النَّجَاسَةِ أَوْلَى مِنْ جِهَةِ الْإِبَاحَةِ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ الْمُحَرِّمُ وَالْمُبِيحُ قُدِّمَ الْمُحَرِّمُ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ السُّنَّةِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ ، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ : وَلَا يَغْتَسِلُ فِيهِ مِنْ جَنَابَةٍ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْبَوْلَ الْقَلِيلَ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ لَا يُغَيِّرُ لَوْنَهُ وَلَا طَعْمَهُ وَلَا رَائِحَتَهُ ، وَيَدُلُّ أَيْضًا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ - : إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا الْإِنَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ فَأَمَرَ بِغَسْلِ الْيَدِ احْتِيَاطًا مِنْ نَجَاسَةٍ أَصَابَتْهُ مِنْ مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا لَا تُغَيِّرُ الْمَاءَ وَلَوْلَا أَنَّهَا مُفْسِدَةٌ عِنْدَ التَّحْقِيقِ لَمَا كَانَ لِلْأَمْرِ بِالِاحْتِيَاطِ مَعْنًى ، وَحَكَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَجَاسَتِهِ بِوُلُوغِ الْكَلْبِ بِقَوْلِهِ طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يُغْسَلَ سَبْعًا وَهُوَ لَا يُغَيِّرُ وَهَذَا كَلَامُ الرَّازِيِّ . وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ وُجُودُ نَجَاسَةٍ فِي الْمَاءِ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ لِهَذِهِ الدَّلَائِلِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قُلَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ تَغَيَّرَ أَوْ لَا ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالتَّقْدِيرُ بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ لَا بُدَّ مِنْ نَصٍّ وَلَمْ يُوجَدْ . انْتَهَى كَلَامُ صَاحِبِ الْبَحْرِ الرَّائِقِ . وَقَالَ أَيْضًا : وَمَا صِرْنَا إِلَيْهِ يَشْهَدُ لَهُ الشَّرْعُ وَالْعَقْلُ ، أَمَّا الشَّرْعُ فَقَدْ قَدَّمْنَا الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ ، وَأَمَّا الْعَقْلُ فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَتَيَقَّنْ بِعَدَمِ النَّجَاسَةِ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ أَوْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّنَا - وَالظَّنُّ كَالْيَقِينِ - فَقَدِ اسْتَعْمَلْتَ الْمَاءَ الَّذِي فِيهِ نَجَاسَةٌ يَقِينًا ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَمْ يُقَدِّرْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ بَلْ اعْتَبَرَ غَلَبَةَ ظَنِّ الْمُكَلَّفِ فَهَذَا دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ مُؤَيَّدٌ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، فَكَانَ الْعَمَلُ بِهِ مُتَعَيَّنًا . انْتَهَى . قُلْتُ : هَذِهِ الدَّلَائِلُ كُلُّهَا غَيْرُ مُفِيدَةٍ : أَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِآيَةِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ فَلِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ إنما تُفِيدُ تَحْرِيمَ أَكْلِ الْخَبَائِثِ لَا مُطْلَقَ اسْتِعْمَالِهَا ، بِقَرِينَةِ مَا قَبْلَهُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ فَإِنَّ الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ غَالِبًا يُسْتَعْمَلَانِ فِي الْمَأْكُولَاتِ ، وَلِذَا فَسَّرَ الْمُفَسِّرُونَ الْخَبَائِثَ بِالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَالْخِنْزِيرِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ ، فَالْمَعْنَى يُحِلُّ لَهُمْ أَكْلَ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ أَكْلَ الْخَبَائِثِ فَإِذَنْ لَا تُفِيدُ الْآيَةُ إِلَّا حُرْمَةُ النَّجَاسَةِ الْمَخْلُوطَةِ بِالْمَاءِ أَكْلًا لَا حُرْمَةَ مُطْلَقِ اسْتِعْمَالِهَا ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ تَحْرِيمُ اسْتِعْمَالِ مُطْلَقِ النَّجَاسَةِ فَلَا يُفِيدُ أَيْضًا إِذْ الْمَاءُ سَيَّالٌ بِالطَّبْعِ مُغَيِّرٌ لِمَا اخْتَلَطَ بِهِ إِلَى نَفْسِهِ إِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ فَإِذَا وَقَعَتِ النَّجَاسَةُ فِي مَاءٍ وَلَمْ يَغْلِبْ رِيحُهُ أَوْ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ عَلَيْهِ حَصَلَ الْعِلْمُ بِأَنَّ تِلْكَ النَّجَاسَةَ فِيهِ قَدْ تَغَيَّرَتْ إِلَى طَبِيعَةِ الْمَاءِ الْغَالِبِ ، وَلَمْ تَبْقَ نَجَاسَةٌ وَخَبِيثَةٌ فَيَنْبَغِي الْوُضُوءُ حِينَئِذٍ سَوَاءٌ تَحَرَّكَ جَانِبٌ مِنْهُ بِتَحْرِيكِ جَانِبٍ مِنْهُ أَوْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِخِلَافِ مَا إِذَا غَلَبَ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ فَإِنَّهُ حينئذ يَعْلَمْ مَغْلُوبِيَّةَ الْمَاءِ وَبَقَاءَ النَّجَاسَةِ عَلَى حَالِهَا فَلَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ حينئذ ، وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِحَدِيثِ لَا يَبُولَنَّ فَلأَنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ دَلَالَتِهِ عَلَى التَّحْرِيمِ وَالتَّنَجُّسِ ، إِنَّمَا يُفِيدُ تَنَجُّسَ الْمَاءِ الدَّائِمِ فِي الْجُمْلَةِ لَا عَلَى تَنَجُّسِ كُلِّ مَاءٍ ، وَلَوْ حُمِلَ عَلَى الْكُلِّيَّةِ لَلَزِمَ تَنَجُّسُ الْحَوْضِ الْكَبِيرِ أَيْضًا بِالْبَوْلِ وَلَا قَائِلَ بِهِ ، وَكَذَا الِاسْتِدْلَالُ بِحَدِيثِ الِاسْتِيقَاظِ فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ إِلَّا عَلَى تَنَجُّسِ الْمَاءِ فِي الْجُمْلَةِ لَا عَلَى الْكُلِّيَّةِ ، فَلَا يَنْتَهِضُ هَذَا وَأَمْثَالُهُ إِلَّا إِلْزَامًا عَلَى مَنْ قَالَ بِالطَّهَارَةِ مُطْلَقًا لَا تَحْقِيقًا لِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَكَذَا حَدِيثُ وُلُوغِ الْكَلْبِ وَأَمْثَالُهُ . وَأَمَّا شَهَادَةُ الْعَقْلِ فَتُعَارِضُهُ شَهَادَةٌ أُخْرَى وَهِيَ مَا مَرَّ مِنْ كَوْنِ الْمَاءِ مُغَيِّرًا إِلَى نَفْسِهِ ، وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ الدَّلَائِلُ لَا تُثْبِتُ التَّحْدِيدَ بِالتَّحْرِيكِ ، وَأَمَّا التَّحْدِيدُ بِالْقُلَّتَيْنِ فَقَدْ ثَبَتَ مِنْ كَلَامِ الشَّارِعِ بِنَفْسِهِ ، وَكَذَا التَّحْدِيدُ بِالتَّغَيُّرِ وَعَدَمِهِ ثَابِتٌ مِنْ كَلَامِ الشَّارِعِ وَمُؤَيَّدٌ بِشَهَادَةِ الْعَقْلِ أَيْضًا ، فالْقِيَاسَاتُ الْعَقْلِيَّةُ وَالِاسْتِنْبَاطَاتُ الْفِقْهِيَّةُ مِنَ الْآيَاتِ الْمُبْهَمَةِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُطْلَقَةِ لَا تُعَارِضُ هَذِهِ التَّحْدِيدَاتِ الْمُصَرِّحَةَ ، كَذَا أَجَابَ صَاحِبُ السِّعَايَةِ حَاشِيَةِ شَرْحِ الْوِقَايَةِ وَهُوَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ . وَقَدْ أَجَادَ وَأَصَابَ ثُمَّ قَالَ : وَالَّذِي أَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الْأَخْبَارَ لَمْ تَصِلْ إِلَى الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْ وَصَلَتْهُ وَحَمَلَهَا عَلَى مَعْنًى لَاحَ لَهُ وَإِلَّا لَقَالَ بِهَا حَتْمًا ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى الِاسْتِنْبَاطِ قَطْعًا ، وَلِقُوَّةِ دَلِيلِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ جَوَّزَ أَصْحَابُنَا تَقْلِيدَهُمْ فِي ذَلِكَ ، بَلْ قد قَلَّدَهُمْ أَبُو يُوسُفَ فِي بَعْضِ الْوَقَائِعِ مَعَ كَوْنِهِ مُجْتَهِدًا ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّقْلِيدُ كَمَا فِي الطَّرِيقَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَشَرْحِهَا الْحَدِيقَةِ النَّدِيَّةِ ، وَقَدْ جَوَّزَ أَئِمَّتُنَا الْحَنَفِيَّةُ الْأَخْذَ فِي بَابِ الطَّهَارَةِ بِمَذْهَبِ الْغَيْرِ وَلَوْ كَانَ الْأَخْذُ بَعْدَ صُدُورِ الْفِعْلِ فَاسِدًا فِي مَذْهَبِهِ ، كَمَا حُكِيَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ اغْتَسَلَ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ وَصَلَّى بِالنَّاسِ إِمَامًا بِبَغْدَادَ فَوَجَدُوا فِي الْبِئْرِ الَّذِي اغْتَسَلَ مِنْ مَائِهِ فَأْرَةً مَيِّتَةً فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ : نَأْخُذُ بِقَوْلِ إِخْوَانِنَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ تَمَسُّكًا بِالْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا . كَذَا فِي التَّتارْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا ، وَلَعَلَّ حُرْمَةَ التَّقْلِيدِ لِلْمُجْتَهِدِ مُقَيَّدَةٌ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَا قَلَّدَهُ حُكْمًا قَوِيًّا مُوَافِقًا لِلْقِيَاسِ دَاخِلًا فِي ظَاهِرِ النَّصِّ ، فَإِذَا كَانَ حُكْمًا ضَعِيفًا مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ غَيْرَ دَاخِلٍ فِي ظَاهِرِ النَّصِّ يَحْرُمُ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ فِيهِ لِمُجْتَهِدٍ آخَرَ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الْحُكْمُ فِيهَا قَوِيٌّ ؛ لِأَنَّ عَدَمَ التَّغَيُّرِ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ دَلِيلٌ عَلَى بَقَاءِ الطَّهَارَةِ مُوَافِقٌ لِلْقِيَاسِ دَاخِلٌ فِي ظَاهِرِ النَّصِّ وَهُوَ حَدِيثُ الْقُلَّتَيْنِ . انْتَهَى كَلَامُهُمَا مُلَخَّصًا . انْتَهَى كَلَامُ صَاحِبِ السِّعَايَةِ . الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ : تَمَسَّكَ الظَّاهِرِيَّةُ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى أَنَّ الْبِئْرَ لَا تَتَنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهَا قَلِيلًا كَانَ الْمَاءُ فِيهَا أَوْ كَثِيرًا ، تَغَيَّرَ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ أَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ ، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ وَعُمُومِهِ بَلْ هُوَ مَخْصُوصٌ بِأَحَادِيثَ أُخْرَى صَحِيحَةٍ . وَلَنَا أَنْ نَذْكُرَ هَاهُنَا مَذَاهِبَ أُخْرَى فِي طَهَارَةِ الْبِئْرِ وَنَجَاسَتِهَا : فَاعْلَمْ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ فِي الْبِئْرِ هَلْ تَتَنَجَّسُ أَمْ لَا؟ عَلَى مَذَاهِبَ : الْأَوَّلُ : مَذْهَبُ الظَّاهِرِيَّةِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ آنِفًا . وَالثَّانِي : أَنَّهُ إِنْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ يَتَنَجَّسُ وَإِلَّا لَا ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَتَمَسَّكُوا بِحَدِيثِ الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا تَغَيَّرَ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُ . وَالثَّالِثُ : أَنَّ الْمَاءَ فِي الْبِئْرِ إِنْ كَانَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ يَتَنَجَّسُ وَإِنْ كَانَ قَدْرَ الْقُلَّتَيْنِ فَصَاعِدًا لَا يَتَنَجَّسُ إِلَّا إِذَا تَغَيَّرَ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ ، وَتَمَسَّكُوا بِحَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ الرَّاجِحُ ، وَبِهِ عَمِلَ الْإِمَامُ أَبُو يُوسُفَ فِي بَغْدَادَ كَمَا عَرَفْتَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَصَلَّى بِالنَّاسِ إِمَامًا بِبَغْدَادَ فَوَجَدُوا فِي الْبِئْرِ الَّذِي اغْتَسَلَ مِنْ مَائِهِ فَأْرَةً مَيِّتَةً فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ : نَأْخُذُ بِقَوْلِ إِخْوَانِنَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ تَمَسُّكًا بِالْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا كَذَا فِي التَّتارْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا . وَالرَّابِعُ : إِنْ كَانَ غَدِيرًا عَظِيمًا بِحَيْثُ لَا يَتَحَرَّكُ أَحَدُ طَرَفَيْهِ بِتَحْرِيكِ الْآخَرِ لَمْ يَتَنَجَّسْ وَإِلَّا تَنَجَّسُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ . الْخَامِسُ : إِنْ كَانَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ لَا يَتَنَجَّسُ وَإِلَّا يَتَنَجَّسُ وَهُوَ مَسْلَكُ أَكْثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ ، وَقَدْ مَرَّ فِي الْفَائِدَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ لِلْحَنَفِيَّةِ فِي الْمَاءِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَذْهَبًا فَكُلُّهَا تَجْرِي هَاهُنَا . وَهَاهُنَا مَذْهَبٌ آخَرُ زَائِدٌ عَلَى مَا مَرَّ خَاصٌّ بِالْآبَارِ وَهُوَ : مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ اجْتَمَعَ رَأْيِي وَرَأْيُ أَبِي يُوسُفَ عَلَى أَنَّ مَاءَ الْبِئْرِ فِي حُكْمِ الْمَاءِ الْجَارِي لِأَنَّهُ يَنْبُعُ مِنْ أَسْفَلِهِ وَيُؤْخَذُ مِنْ أَعْلَاهُ فَهُوَ كَحَوْضِ الْحَمَّامِ يَصُبُّ مِنْ جَانِبٍ وَيَخْرُجُ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ فَلَا يَتَنَجَّسُ ، كَذَا نَقَلَهُ فِي الْغُنْيَةِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِمَا . ثُمَّ إِذَا تَنَجَّسَ مَاءُ الْبِئْرِ هَلْ يَطْهُرُ بِنَزْحِ الْمَاءِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ : إِنَّهُ لَا يَطْهُرُ أَبَدًا لِأَنَّهُ وَإِنْ نَزَحَ جَمِيعَ مَا فِيهَا يَبْقَى الطِّينُ وَالْحِجَارَةُ نَجَسًا فَيَتَنَجَّسُ الْمَاءُ الْجَدِيدُ فَلَا سَبِيلَ إِلَى طَهَارَتِهِ . كَذَا حَكَاهُ ابْنُ الْهُمَامِ ، وَالْعَيْنِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْهُ ، وَقَالَ غَيْرُ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَطْهُرُ الْبِئْرُ بِنَزْحِ الْمَاءِ . وَاسْتَدَلَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى تَنَجُّسِ مَاءِ الْبِئْرِ وَإِنْ كَانَ زَائِدًا عَلَى قَدْرِ الْقُلَّتَيْنِ وَطَهَارَتُهُ بِنَزْحِ الْمَاءِ : بِمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ حَبَشِيًّا وَقَعَ فِي زَمْزَمَ ، فَمَاتَ ، فَأَمَرَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَنَزَحَ مَاءَهَا فَجَعَلَ الْمَاءُ لَا يَنْقَطِعُ فَنَظَرَ فَإِذَا عَيْنٌ تَجْرِي مِنْ قِبَلِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ : حَسْبُكُمْ ، قَالُوا : إِسْنَادُ هَذَا الْأَثَرِ صَحِيحٌ وَيَرُدُّونَ بِهِ حَدِيثَ الْقُلَّتَيْنِ . قُلْتُ : سَلَّمْنَا أَنَّ إِسْنَادَهُ صَحِيحٌ لَكِنْ قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ صِحَّةَ الْإِسْنَادِ لَا تَسْتَلْزِمُ صِحَّةَ الْمَتْنِ ، وَلَوْ سَلِمَ صِحَّةُ الْمَتْنِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نُزِحَ الماء لِنَجَاسَةٍ ظَهَرَتْ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ أَوْ تَطْيِيبًا لِلْقُلُوبِ وَتَنْظِيفًا لِلْمَاءِ ، فَإِنَّ زَمْزَمَ لِلشُّرْبِ لَا مِنْ جِهَةِ الْوُجُوبِ الشَّرْعِيِّ ، وَقَدِ اعْتَرَفَ بِهِ صَاحِبُ السِّعَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ قَالَ : فِيهَا : ص 422 وَمَا رُوِيَ عَنْهُمْ مِنَ النَّزْحِ لَا يَدُلُّ عَلَى النَّجَاسَةِ بَلْ يَحْتَمِلُ التَّنْظِيفَ وَالتَّنَزُّهَ . انْتَهَى ، وأَمَّا مَا قَالَ صَاحِبُ الْجَوْهَرِ النَّقِيِّ مِنْ أَنَّ الرَّاوِيَ جَعَلَ عِلَّةَ نَزْحِهَا مَوْتَهُ دُونَ غَلَبَةِ دَمِهِ لِقَوْلِهِ : مَاتَ فَأَمَرَ أَنْ تُنْزَحَ كَقَوْلِهِ : زَنَى مَاعِزٌ فَرُجِمَ . انْتَهَى . فَفِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَوْتَ كَانَ عِلَّةً لِلنَّزْحِ ، إِنَّمَا فِيهِ أَنَّ الزِّنْجِيَّ مَاتَ فِي زَمْزَمَ فَأَمَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ تُنْزَحَ ، وَأَمَّا أَنَّ عِلَّةَ النَّزْحِ هَلْ هِيَ الْمَوْتُ أَوْ أَمْرٌ آخَرُ فَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ مَاتَ فَأَمَرَ أَنْ تُنْزَحَ كَمَا قَالَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ : لَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَثَوْبَانَ : قَاءَ فَأَفْطَرَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَيْءَ كَانَ مُفْطِرًا لَهُ إِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ قَاءَ فَأَفْطَرَ بَعْدَ ذَلِكَ . انْتَهَى . وَقَالَ الشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ مُحَدِّثُ الْهِنْدِ الشَّاهُ وَلِيُّ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ حُجَّةِ اللَّهِ الْبَالِغَةِ ص 142 ج 1 : وَقَدْ أَطَالَ الْقَوْمُ فِي فُرُوعِ مَوْتِ الْحَيَوَانِ فِي الْبِئْرِ وَالْعَشْرِ فِي الْعَشْرِ وَالْمَاءِ الْجَارِي وَلَيْسَ فِي كُلِّ ذَلِكَ حَدِيثٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلْبَتِّةَ ، وَأَمَّا الْآثَارُ الْمَنْقُولَةُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كَأَثَرِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي الزِّنْجِيِّ ، وَعَلِيٍّ فِي الْفَأْرَةِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالشَّعْبِيِّ فِي نَحْوِ السِّنَّوْرِ ، فَلَيْسَتْ مِمَّا يَشْهَدُ لَهُ الْمُحَدِّثُونَ بِالصِّحَّةِ وَلَا مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْقُرُونِ الْأُولَى ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَطْيِيبًا لِلْقُلُوبِ وَتَنْظِيفًا لِلْمَاءِ لَا مِنْ جِهَةِ الْوُجُوبِ الشَّرْعِيِّ كَمَا ذُكِرَ فِي كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ ، وَدُونَ نَفْيِ هَذَا الِاحْتِمَالِ خَرْطُ الْقَتَادِ . وَبِالْجُمْلَةِ فَلَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ يُعْتَدُّ بِهِ وَيَجِبُ الْعَمَلُ عَلَيْهِ ، وَحَدِيثُ الْقُلَّتَيْنِ أَثْبَتُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِغَيْرِ شُبْهَةٍ ، وَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى شَرَعَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ لِعِبَادِهِ شَيْئًا زِيَادَةً عَلَى مَا لَا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ مِنَ الِارْتِفَاقَاتِ وَهِيَ مِمَّا يَكْثُرُ وُقُوعُهُ وَتَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى ثُمَّ لَا يَنُصَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَصًّا جَلِيًّا وَلَا يَسْتَفِيضُ فِي الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَلَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ فِيهِ . انْتَهَى كَلَامُهُ . وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الدِّرَايَةِ : رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ : كُنْتُ أَنَا بِمَكَّةَ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً لَمْ أَرَ صَغِيرًا وَلَا كَبِيرًا يَعْرِفُ حَدِيثَ الزِّنْجِيِّ وَلَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَقُولُ : نُزِحَتْ زَمْزَمُ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنْ ثَبَتَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَلَعَلَّ نَجَاسَتَهُ ظَهَرَتْ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ أَوْ نَزَحَهَا لِلتَّنْظِيفِ . انْتَهَى . وقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى بَعْدَ ذِكْرِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ : وَعَنْ أَبِي عُبَيْد قَالَ : وَكَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي لِأَنَّ الْآثَارَ جَاءَتْ فِي نَعْتِهَا أَنَّهَا لَا تُنْزَحُ وَلَا تُذَمُّ . انْتَهَى . قُلْتُ فَهَذِهِ الْآثَارُ أَيْضًا تَخْدِشُ فِي صِحَّةِ وَاقِعَةِ نَزْحِ زَمْزَمَ فَإِنَّ صِحَّتَهَا تُخَالِفُ قَوْلَهُ لَا تُنْزَحُ ، وَكَذَلِكَ تُخَالِفُ قَوْلَهُ لَا تُذَمُّ ، فَأَيُّ مَذَمَّةٍ لِزَمْزَمَ تَكُونُ أَقْبَحَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَاؤُهَا نَجِسًا خَبِيثًا . فَإِنْ قُلْتَ : أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ صَاحِبُ الْجَوْهَرِ النَّقِيِّ حَيْثُ قَالَ : لَيْسَ فِيهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ، وَابْنَ الزُّبَيْرِ قَدَرَا عَلَى اسْتِئْصَالِ الْمَاءِ بِالنَّضْحِ حَتَّى يَكُونَ مُخَالِفًا لِلْآثَارِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَبُو عُبَيْدٍ بَلْ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِأَنَّ الْمَاءَ لَمْ يَنْقَطِعْ ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ بِأَنَّ الْعَيْنَ غَلَبَتْهُمْ حَتَّى دَسَّتْ بِالْقَبَاطِيِّ وَالْمَطَارِفِ . انْتَهَى . قُلْتُ : ظَنَّ صَاحِبُ الْجَوْهَرِ النَّقِيِّ أَنَّ نَزْحَ الْبِئْرِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِاسْتِئْصَالِ مَائِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، فَفِي الْقَامُوسِ نَزَحَ الْبِئْرَ : اسْتَقَى مَاءَهَا حَتَّى يَنْفَدَ أَوْ يَقِلَّ . انْتَهَى . وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ : عَدَمُ عِلْمِهِمَا لَا يَصِحُّ دَلِيلًا ، فَإِنَّهُمَا لَمْ يُدْرِكَا ذَلِكَ الْوَقْتَ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا قَرِيبٌ مِنْ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً . فَفِيهِ : أَنَّ وُقُوعَ الزِّنْجِيِّ فِي زَمْزَمَ وَمَوْتَهُ فِيهَا ثُمَّ نَزْحَهَا مِنَ الْوَقَائِعِ الْعِظَامِ وَالْحَوَادِثِ الْجِسَامِ فَلَوْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ نَسْيًا مَنْسِيًّا بِحَيْثُ لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ لَا صَغِيرٌ وَلَا كَبِيرٌ إِذْ بَعِيدٌ كُلَّ الْبُعْدِ أَنْ يَحْدُثَ مِثْلُ هَذِهِ الْحَادِثَةِ بِمَكَّةَ فِي زَمَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَهُمَا مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ ، ثُمَّ لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فِي زَمَنِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَهُوَ مِنْ أَوْسَاطِ التَّابِعِينَ ، وَلَوْ سَلِمَ ثُبُوتُ وَاقِعَةِ نَزْحِ زَمْزَمَ فَلَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَزْحَهَا كَانَ لِنَجَاسَةٍ كَمَا قَدْ عَرَفْتَ .
بَاب مَا جَاءَ مِفْتَاحَ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ 3 حَدَّثَنَا هناد ، وقُتَيْبَةُ ، وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالُوا : نَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، وَثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ نَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، عَنْ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا الْحَدِيثُ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَحْسَنُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ هُوَ صَدُوقٌ ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ ، وَسَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ : كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَالْحُمَيْدِيُّ يَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، قَالَ مُحَمَّدٌ : وَهُوَ مُقَارِبُ الْحَدِيثِ ، وَفِي الْبَاب عَنْ جَابِرٍ وَأَبِي سَعِيدٍ قَوْلُهُ : ( بَابٌ : مَا جَاءَ مِفْتَاحَ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ ) بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، وَقُتَيْبَةُ ) تَقَدَّمَ تَرْجَمَتُهُمَا ( وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ) الْعَدَوِيُّ مَوْلَاهُمْ الْمَرْوَزِيُّ ، أَبُو أَحْمَدَ أَحَدُ أَئِمَّةِ الْأَثَرِ ، حَدَّثَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَالْفَضْلِ بْنِ مُوسَى السِّينَانِيِّ ، وَالْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، وَأَبِي عَوَانَةَ ، وَوَكِيعٍ وَخَلْقٍ ، وَعَنْهُ الْجَمَاعَةُ سِوَى أَبِي دَاوُدَ ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : أَعْرَفُ بِالْحَدِيثِ صَاحِبُ سُنَّةٍ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ : ثِقَةٌ ، كَذَا فِي تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ تُوُفِّيَ سَنَةَ 239 تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ . ( قَالُوا : نَا وَكِيعٌ ) تَقَدَّمَ ( عَنْ سُفْيَانَ ) هُوَ الثَّوْرِيُّ وَهُوَ سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ الثَّوْرِيُّ ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيُّ ، ثِقَةٌ حَافِظٌ فَقِيهٌ عَابِدٌ إِمَامٌ حُجَّةٌ ، مِنْ رُءُوسِ الطَّبَقَةِ السَّابِعَةِ ، وَكَانَ رُبَّمَا دَلَّسَ ، مَاتَ سَنَةَ 161 إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ 77 سَبْعٍ وَسَبْعِينَ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَالْخُلَاصَةِ ، قُلْتُ : قَالَ الْحَافِظُ فِي طَبَقَاتِ الْمُدَلِّسِينَ : وَهُمْ - أَيْ الْمُدَلِّسُونَ - عَلَى خمس مَرَاتِبَ : الْأُولَى مَنْ لَمْ يُوصَفْ بِذَلِكَ إِلَّا نَادِرًا كَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، الثَّانِيَةُ مَنْ اِحْتَمَلَ الْأَئِمَّةُ تَدْلِيسَهُ وَأَخْرَجُوا لَهُ فِي الصَّحِيحِ لِإِمَامَتِهِ وَقِلَّةِ تَدْلِيسِهِ فِي جَنْبِ مَا رَوَى كَالثَّوْرِيِّ ، أَوْ كَانَ لَا يُدَلِّسُ إِلَّا عَنْ ثِقَةٍ كَابْنِ عُيَيْنَةَ . انْتَهَى . ( وثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ) لَقَبُهُ بُنْدَارٌ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ النُّونِ ، قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ : بُنْدَارٌ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ بشار بن عُثْمَانَ الْعَبْدِيُّ الْبَصْرِيُّ النَّسَّاجُ ، كَانَ عَالِمًا بِحَدِيثِ الْبَصْرَةِ مُتْقِنًا مُجَوِّدًا ، لَمْ يَرْحَلْ بِرًّا بِأُمِّهِ ثُمَّ اِرْتَحَلَ بَعْدَهَا ، سَمِعَ مُعْتَمِرَ بْنَ سُلَيْمَانَ ، وَغُنْدُرًا ، وَيَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ وَطَبَقَتَهُمْ ، حَدَّثَ عَنْه الْجَمَاعَةُ وَخَلْقٌ كَثِيرٌ ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : صَدُوقٌ ، وَقَالَ الْعِجْلِيُّ : ثِقَةٌ كَثِيرُ الْحَدِيثِ حَائِكٌ ، قَالَ اِبْنُ خُزَيْمَةَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ لَهُ : حَدَّثَنَا إِمَامُ أَهْلِ زَمَانِهِ فِي الْعِلْمِ وَالْأَخْبَارِ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ . قَالَ الذَّهَبِيُّ : لَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ مَنْ ضَعَّفَهُ ، تُوُفِّيَ سَنَةَ 252 اِثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ . انْتَهَى . وَقَالَ الْخَزْرَجِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ : قَالَ النَّسَائِيُّ : لَا بَأْسَ بِهِ ، وَقَالَ الذَّهَبِيُّ : اِنْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ بَعْدُ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِبُنْدَارٍ ، انْتَهَى مَا فِي الْخُلَاصَةِ . ( نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ) بْنُ مَهْدِيِّ بْنِ حَسَّانٍ الْأَزْدِيُّ مَوْلَاهُمْ ، أَبُو سَعِيدٍ الْبَصْرِيُّ اللُّؤْلُؤِيُّ الْحَافِظُ الْعِلْمَ عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ ، وَعِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ ، وَشُعْبَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَمَالِكٍ وَخَلْقٍ ، وَعَنْهُ اِبْنُ الْمُبَارَكِ ، وَابْنُ وَهْبٍ أَكْبَرُ مِنْهُ ، وَأَحْمَدُ ، وَابْنُ مَعِينٍ ، قَالَ اِبْنُ الْمَدِينِيِّ : أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْحَدِيثِ اِبْنُ مَهْدِيٍّ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : إِمَامٌ ثِقَةٌ أَثْبَتُ مِنْ الْقَطَّانِ وَأَتْقَنُ مِنْ وَكِيعٍ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : إِذَا حَدَّثَ اِبْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ رَجُلٍ فَهُوَ حُجَّةٌ ، وَقَالَ الْقَوَارِيرِيُّ : أَمْلَى عَلَيْنَا اِبْنُ مَهْدِيٍّ عِشْرِينَ أَلْفًا مِنْ حِفْظِهِ ، قَالَ اِبْنُ سَعْدٍ : مَاتَ سَنَةَ 198 ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ بِالْبَصْرَةِ عَنْ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً ، وَكَانَ يَحُجُّ كُلَّ سَنَةٍ ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ . ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ اِبْنِ أَبِي طَالِبٍ الْهَاشِمِيِّ أَبِي مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ وَخَالِهِ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، وَعَنْهُ اِبْنُ عَجْلَانَ ، وَالسُّفْيَانَانِ ، وَسَيَجِيءُ كَلَامُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فِيهِ . ( عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْهَاشِمِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْإِمَامُ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، أُمُّهُ خَوْلَةُ بِنْتُ جَعْفَرٍ الْحَنَفِيَّةُ نُسِبَ إِلَيْهَا ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَعُثْمَانَ وَغَيْرِهِمَا ، وَعَنْهُ بَنُوهُ إِبْرَاهِيمُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ ، وَالْحَسَنُ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَخَلْقٌ ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْجُنَيْدِ : لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَ عَنْ عَلِيٍّ أَكْثَرَ وَلَا أَصَحَّ مِمَّا أَسْنَدَ مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ ، مَاتَ سَنَةَ 80 ثَمَانِينَ ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ ، وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ : ثِقَةٌ عَالِمٌ مِنْ الثَّانِيَةِ مَاتَ بَعْدَ الثَّمَانِينَ . قَوْلُهُ : مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ بِالضَّمِّ وَيُفْتَحُ ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَصْدَرُ ، وَسَمَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطُّهُورَ مِفْتَاحًا مَجَازًا ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ مَانِعٌ مِنْ الصَّلَاةِ ، فَالْحَدَثُ كَالْقُفْلِ مَوْضُوعٌ عَلَى الْمُحْدِثِ حَتَّى إِذَا تَوَضَّأَ اِنْحَلَّ الْغَلْقُ ، وَهَذِهِ اِسْتِعَارَةٌ بَدِيعَةٌ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إِلَّا النُّبُوَّةُ ، وَكَذَلِكَ مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ الصَّلَاةُ ؛ لِأَنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ مُغْلَقَةٌ يَفْتَحُهَا الطَّاعَاتُ ، وَرُكْنُ الطَّاعَاتِ الصَّلَاةُ ، قَالَهُ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ . وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ قَالَ الْمُظْهِر : سَمَّى الدُّخُولَ فِي الصَّلَاةِ تَحْرِيمًا لِأَنَّهُ يُحَرِّمُ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ وَغَيْرَهُمَا عَلَى الْمُصَلِّي ، فَلَا يَجُوزُ الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ إِلَّا بِالتَّكْبِيرِ مُقَارِنًا بِهِ النِّيَّةَ . انْتَهَى . قَالَ الْقَارِي : وَهُوَ رُكْنٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَشَرْطٌ عِنْدَنَا ، ثُمَّ الْمُرَادُ بِالتَّكْبِيرِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ هُوَ التَّعْظِيمُ ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ خُصُوصِ اللَّهُ أَكْبَرُ وَغَيْرُهُ مِمَّا أَفَادَهُ التَّعْظِيمُ ، وَالثَّابِتُ بِبَعْضِ الْأَخْبَارِ اللَّفْظُ الْمَخْصُوصُ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ حَتَّى يُكْرَهَ لِمَنْ يُحْسِنُهُ تَرْكُهُ ، كَمَا قُلْنَا فِي الْقِرَاءَةِ مَعَ الْفَاتِحَةِ وَفِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مَعَ التَّعْدِيلِ كَذَا فِي الْكَافِي . قَالَ اِبْنُ الْهُمَامِ : وَهَذَا يُفِيدُ وُجُوبَهُ ظَاهِرًا وَهُوَ مُقْتَضَى الْمُوَاظَبَةِ الَّتِي لَمْ تَقْتَرِنْ بِتَرْكٍ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ عَلَى هَذَا . انْتَهَى مَا فِي الْمِرْقَاةِ . قَالَ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ : قَوْلُهُ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ يَقْتَضِي أَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا كَالْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، خِلَافًا لِسَعِيدٍ ، وَالزُّهْرِيِّ فَإِنَّهُمَا يَقُولَانِ : إِنَّ الْإِحْرَامَ يَكُونُ بِالنِّيَّةِ . وَقَوْلُهُ : التَّكْبِيرُ يَقْتَضِي اِخْتِصَاصَ إِحْرَامِ الصَّلَاةِ بِالتَّكْبِيرِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ صِفَاتِ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى وَجَلَالِهِ ، وَهُوَ تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ : وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى فَخَصَّ التَّكْبِيرَ بِالسُّنَّةِ مِنْ الذِّكْرِ الْمُطْلَقِ فِي الْقُرْآنِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ اِتَّصَلَ فِي ذَلِكَ فِعْلُهُ بِقَوْلِهِ ، فَكَانَ يُكَبِّرُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَقُولُ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ بِكُلِّ لَفْظٍ فِيهِ تَعْظِيم الله تعالى لِعُمُومِ الْقُرْآنِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ ، ضَعِيفٌ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَجُوزُ بِقَوْلِكَ : اللَّهُ الْأَكْبَرُ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَجُوزُ بِقَوْلِكَ اللَّهُ الْكَبِيرُ ، أَمَّا الشَّافِعِيُّ فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ زِيَادَةٌ لَمْ تُخِلَّ بِاللَّفْظِ وَلَا بِالْمَعْنَى ، وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَتَعَلَّقَ بِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ اللَّفْظِ الَّذِي هُوَ التَّكْبِيرُ ، قُلْنَا لِأَبِي يُوسُفَ : إِنْ كَانَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ اللَّفْظِ الَّذِي هُوَ فِي الْحَدِيثِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ اللَّفْظِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْفِعْلُ فَفَسَّرَ الْمُطْلَقَ فِي الْقَوْلِ ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي الْعِبَاداتِ الَّتِي لا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا التَّعْلِيلُ ، وَبِهَذَا يَرُدُّ عَلَى الشَّافِعِيِّ أَيْضًا ، فَإِنَّ الْعِبَادَاتِ إِنَّمَا تُفْعَلُ عَلَى الرَّسْمِ الْوَارِدِ دُونَ نَظَرٍ إِلَى شَيْءٍ مِنْ الْمَعْنَى ، قَالَ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : قَوْلُهُ : تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ يَقْتَضِي اِخْتِصَاصَ التَّكْبِيرِ بِالصَّلَاةِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ اللَّفْظِ ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ الَّذِي هُوَ بَابٌ شَأْنُهُ التَّعْرِيفُ كَالْإِضَافَةِ ، وَحَقِيقَةُ الْأَلِفِ وَاللَّامِ إِيجَابُ الْحُكْمِ لِمَا ذُكِرَ وَنَفْيُهُ عَمَّا لَمْ يُذْكَرْ وَسَلْبُهُ عَنْهُ ، وَعَبَّرَ عَنْهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ الْحَصْرُ ، قَالَ : وَقَوْلُهُ : تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ مِثْلُهُ فِي حَصْرِ الْخُرُوجِ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى التَّسْلِيمِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الْأَفْعَالِ والأقوال الْمُنَاقِضَةِ لِلصَّلَاةِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ - رحمه الله - حَيْثُ يَرَى الْخُرُوجَ مِنْهَا بِكُلِّ فِعْلٍ وَقَوْلٍ يُضَادُّ كَالْحَدَثِ وَنَحْوِهِ حَمْلًا عَلَى السَّلَامِ وَقِيَاسًا عَلَيْهِ ، وَهَذَا يَقْتَضِي إِبْطَالَ الْحَصْرِ . انْتَهَى كَلَامُ اِبْنِ الْعَرَبِيِّ مُلَخَّصًا . وقَالَ الْحَافِظُ اِبْنُ الْقَيِّمِ فِي إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ : الْمِثَالُ الْخَامِسَ عَشَرَ رَدُّ الْمُحْكَمِ الصَّرِيحِ مِنْ تَعْيِينِ التَّكْبِيرِ لِلدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ : إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَكَبِّرْ ، وَقَوْلُهُ : تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ ، وَقَوْلُهُ : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَضَعَ الْوَضُوءَ مَوَاضِعَهُ ثُمَّ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ وَيَقُولُ : اللَّهُ أَكْبَرُ . وَهِيَ نُصُوصٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ ، فَرُدَّتْ بِالْمُتَشَابِهِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى . انْتَهَى . وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ التَّحْلِيلُ جَعْلُ الشَّيْءِ الْمُحَرَّمِ حَلَالًا ، وَسُمِّيَ التَّسْلِيمُ بِهِ لِتَحْلِيلِ مَا كَانَ حَرَامًا عَلَى الْمُصَلِّي لِخُرُوجِهِ عَنْ الصَّلَاةِ وَهُوَ وَاجِبٌ ، قَالَ اِبْنُ الْمَلَكِ : وإِضَافَةُ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ إِلَى الصَّلَاةِ لِمُلَابَسَةٍ بَيْنَهُمَا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَيْ سَبَبِ كَوْنِ الصَّلَاةِ مُحَرَّمَةً مَا لَيْسَ مِنْهَا التَّكْبِيرُ وَمُحَلَّلَةً التَّسْلِيمُ ، أَيْ إِنَّهَا صَارَتْ بِهِمَا كَذَلِكَ ، فَهُمَا مَصْدَرَانِ مُضَافَانِ إِلَى الْفَاعِلِ ، كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ اِبْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ : كَأَنَّ الْمُصَلِّيَ بِالتَّكْبِيرِ وَالدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ صَارَ مَمْنُوعًا مِنْ الْكَلَامِ وَالْأَفْعَالِ الْخَارِجَةِ عَنْ كَلَامِ الصَّلَاةِ وَأَفْعَالِهَا فَقِيلَ لِلتَّكْبِيرِ تَحْرِيمٌ لِمَنْعِهِ الْمُصَلِّي مِنْ ذَلِكَ ، وَلِهَذَا سُمِّيَتْ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ أَيْ الْإِحْرَامُ بِالصَّلَاةِ ، وَقَالَ : قَوْلُهُ : تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ أَيْ صَارَ الْمُصَلِّي بِالتَّسْلِيمِ يَحِلُّ لَهُ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ بِالتَّكْبِيرِ مِنْ الْكَلَامِ وَالْأَفْعَالِ الْخَارِجَةِ عَنْ كَلَامِ الصَّلَاةِ وَأَفْعَالِهَا كَمَا يَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ مَا كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ . انْتَهَى . قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ فِي مُسْنَدِهِ هَذَا الْحَدِيثَ بِلَفْظِ : وَإِحْرَامُهَا التَّكْبِيرُ وَإِحْلَالُهَا التَّسْلِيمُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا الْحَدِيثُ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَحْسَنُ ) هَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَالْبَزَّارُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ إِلَّا النَّسَائِيَّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ، وَابْنُ السَّكَنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيل ، عَنْ اِبْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ الْبَزَّارُ : لَا نعْلَمُ عَنْ عَلِيٍّ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَقَالَ أَبُو نَعِيمٍ : تَفَرَّدَ بِهِ اِبْنُ عَقِيلٍ ، عَنْ اِبْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، وَقَالَ الْعَقِيلِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ لِينٌ وَهُوَ أَصْلَحُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ، كَذَا فِي التَّلْخِيصِ . وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ : قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ . انْتَهَى . ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، هُوَ صَدُوقٌ ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ ) قَالَ أَبُو حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ : لَيِّنُ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ اِبْنُ خُزَيْمَةَ : لَا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَقَالَ اِبْنُ حِبَّانَ : رَدِيءُ الْحِفْظِ يَجِيءُ بِالْحَدِيثِ عَلَى غَيْرِ سُنَنِهِ فَوَجَبَتْ مُجَانَبَةُ أَخْبَارِهِ ، وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ : لَيْسَ بِالْمَتِينِ عِنْدَهُمْ ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ : يُخْتَلَفُ عَنْهُ فِي الْأَسَانِيدِ ، وَقَالَ الْفَسَوِيُّ : فِي حَدِيثِهِ ضَعْفٌ ، وَهُوَ صَدُوقٌ ، كَذَا فِي الْمِيزَانِ . ( وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ ) يَعْنِي الْبُخَارِيَّ رحمه الله ( يَقُولُ : كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَالْحُمَيْدِيُّ يَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، قَالَ مُحَمَّدٌ : وَهُوَ مُقَارِبُ الْحَدِيثِ ) هَذَا مِنْ أَلْفَاظِ التَّعْدِيلِ ، وَتَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ ، قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ بَعْدَ ذِكْرِ أَقْوَالِ الْجَارِحِينَ وَالْمُعَدِّلِينَ : حَدِيثُهُ فِي مَرْتَبَةِ الْحَسَنِ . انْتَهَى . فَالرَّاجِحُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ هُوَ أَنَّ حَدِيثَ عَلِيٍّ الْمَذْكُورَ حَسَنٌ يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ ، وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ أُخْرَى كُلُّهَا يَشْهَدُ لَهُ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ) أَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبَزَّارُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ قَرْمٍ ، عَنْ أَبِي يَحْيَى الْقَتَّاتِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْهُ ، وَأَبُو يَحْيَى الْقَتَّاتُ ضَعِيفٌ ، وَقَالَ اِبْنُ عَدِيٍّ : أَحَادِيثُهُ عِنْدِي حِسَانٌ ، وَقَالَ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ : حَدِيثُ جَابِرٍ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ ، كَذَا قَالَ . وَقَدْ عَكَسَ ذَلِكَ الْعَقِيلِيُّ وَهُوَ أَقْعَدُ مِنْهُ بِهَذَا الْفَنِّ ، كَذَا فِي التَّلْخِيصِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَفِي إِسْنَادِهِ أَبُو سُفْيَانَ طَرِيفٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثُ عَلِيٍّ أَجْوَدُ إِسْنَادًا مِنْ هَذَا كَذَا فِي التَّلْخِيصِ . قُلْتُ : قَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ وَتَحْلِيلِهَا ، وَقَالَ بَعْدَ إِخْرَاجِهِ : حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه : أَجْوَدُ إِسْنَادًا وَأَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ . انْتَهَى . وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا ، ذَكَرَ أَحَادِيثَهُمْ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ فِي التَّلْخِيصِ ، وَالْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ .
بَاب مِنْهُ آخَرُ 67 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ نَا عَبْدَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُسْأَلُ عَنْ الْمَاءِ يَكُونُ فِي الْفَلَاةِ مِنْ الْأَرْضِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنْ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ ، قَالَ : إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : الْقُلَّةُ هِيَ الْجِرَارُ ، وَالْقُلَّةُ الَّتِي يُسْتَقَى فِيهَا ، قَالَ أَبُو عِيسَى : وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، قَالُوا : إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ ، وَقَالُوا : يَكُونُ نَحْوًا مِنْ خَمْسِ قِرَبٍ . باب منه آخر قَوْلُهُ : ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ) هُوَ إِمَامُ الْمَغَازِي ، صَدُوقٌ ، يُدَلِّسُ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ : أَمَّا ابْنُ إِسْحَاقَ فَثِقَةٌ لَا شُبْهَةَ عِنْدَنَا وَلَا عِنْدَ مُحَقِّقِي الْمُحَدِّثِينَ . انْتَهَى . وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي عُمْدَةِ الْقَارِي : ابْنُ إِسْحَاقَ مِنَ الثِّقَاتِ الْكِبَارِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ . انْتَهَى ، وَتَقَدَّمَ تَرْجَمَتُهُ فِي بَابِ الرُّخْصَةِ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا . ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ) ابْنِ الْعَوَّامِ الْأَسَدِيِّ ثِقَةٌ ( عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ) ابْنِ الْخَطَّابِ ، شَقِيقُ سَالِمٍ ، ثِقَةٌ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ يُسْأَلُ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ( عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ فِي الْفَلَاةِ مِنَ الْأَرْضِ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْفَلَاةُ الْقَفْرُ أَوْ الْمَفَازَةُ لَا مَاءَ فِيهَا ، أَوْ الصَّحْرَاءُ الْوَاسِعَةُ ج فَلًا ، وَفَلَوَاتٌ ، وَفُلِيٌّ ، وَفِلِيٌّ ( وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ ) عَطْفٌ عَلَى الْمَاءِ ، يُقَالُ : نَابَ الْمَكَانَ وَأَنَابَهُ إِذَا تَرَدَّدَ إِلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى ( قَالَ ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ ) تَثْنِيَةُ الْقُلَّةِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَعْنَى الْقُلَّةِ ( لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ ) بِفَتْحَتَيْنِ النَّجَسَ ، أَيْ لَمْ يُنَجَّسْ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ : إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يُنَجَّسُ ، وَلَفْظُ الْحَاكِمِ : فَقَالَ إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ . قَالَ الْقَاضِي : الْحَدِيثُ بِمَنْطُوقِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ إِذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجَّسْ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ ، فَإِنَّ مَعْنَى لَمْ يَحْمِلْ لَمْ يَقْبَلْ النَّجَاسَةَ ، كَمَا يُقَالُ : فُلَانٌ لَا يحمل ضَيْمًا إِذَا امْتَنَعَ عَنْ قَبُولِهِ ، وَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ فَإِنْ تَغَيَّرَ نُجِّسَ ، وَيَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ أَقَلَّ يُنَجَّسُ بِالْمُلَاقَاةِ ، وَهَذَا الْمَفْهُومُ يُخَصِّصُ حَدِيثَ خُلِقَ الْمَاءُ طَهُورًا عِنْدَ مَنْ قَالَ بِالْمَفْهُومِ وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَجْرَاهُ عَلَى عُمُومِهِ كَمَالِكٍ ، فَإِنَّ الْمَاءَ قَلَّ أَوْ كَثُرَ لَا يُنَجَّسُ عِنْدَهُ إِلَّا بِالتَّغَيُّرِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : قَوْلُهُ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ مَعْنَاهُ لَمْ يُنَجَّسْ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ كَمَا فَسَّرَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الَّتِي رَوَاهَا أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمَا إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجَّسْ وَالتَّقْدِيرُ لَا يَقْبَلُ النَّجَاسَةَ بَلْ يَدْفَعُهَا عَنْ نَفْسِهِ ، وَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى يَضْعُفُ عَنْ حَمْلِهِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْيِيدِ بالقلتين مَعْنًى ، فَإِنَّ مَا دُونَهَا أَوْلَى بِذَلِكَ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ لَا يَقْبَلُ حُكْمَ النَّجَاسَةِ ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا أَيْ لَمْ يَقْبَلُوا حُكْمَهَا . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقُلَّةُ : هِيَ الْجِرَارُ ) جَمْعُ جَرَّةٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ بِالْفَارِسِيَّةِ سبوى وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْقُلَّةُ بِالضَّمِّ : الْحُبُّ الْعَظِيمُ وَالْجَرَّةُ الْعَظِيمَةُ أَوْ عَامَّةٌ أَوْ مِنَ الْفَخَّارِ وَالْكُوزُ الصِّغَارُ ضِدٌّ ج كَصُرَدٍ وَجِبَالٍ . انْتَهَى . وَالْحُبُّ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ بِالْفَارِسِيَّةِ خم وَقَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : الْقُلَّةُ : الْحُبُّ الْعَظِيمُ ، وَالْجَمْعُ قِلَالٌ ، وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ بِالْحِجَازِ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ قَالُوا : إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ ) أَيْ أَوْ لَوْنُهُ ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ الْبَابِ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَابِلٌ لِلِاحْتِجَاجِ ، وَضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ لَكِنَّ الْحَقَّ أَنَّهُ صَحِيحٌ قابل للاحتجاج ، قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ الْعِرَاقِيُّ فِي أَمَالِيهِ : قَدْ صَحَّحَ هَذَا الْحَدِيثَ الْجَمُّ الْغَفِيرُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ : الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَالطَّحَاوِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَابْنُ مِنْدَهْ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالْخَطَّابِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَابْنُ حَزْمٍ وَآخَرُونَ كَذَا فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي : رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ . انْتَهَى ، وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا : الْفَصْلُ بِالْقُلَّتَيْنِ أَقْوَى لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ فِيهِ ، وَقَدِ اعْتَرَفَ الطَّحَاوِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِذَلِكَ ، وَقَالَ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ : صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ . انْتَهَى . وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ : قَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا وَقَدِ احْتَجَّا بِجَمِيعِ رُوَاتِهِ ، وَقَالَ ابْنُ مِنْدَهْ : إِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : الْحَدِيثُ جَيِّدُ الْإِسْنَادِ ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : هَذَا الْحَدِيثُ قَدْ صَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى طَرِيقِ الْفُقَهَاءِ . لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُضْطَرِبَ الْإِسْنَادِ مُخْتَلَفًا فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ فَإِنَّهُ يُجَابُ عَنْهُ بِجَوَابٍ صَحِيحٍ بِأَنْ يُمْكِنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ . انْتَهَى مَا فِي التَّلْخِيصِ . وَالَّذِينَ لَمْ يَقُولُوا بِحَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ فَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَرَفَ بِصِحَّتِهِ وَاعْتَذَرَ مِنَ الْعَمَلِ بِهِ بِالْإِجْمَالِ فِي مَعْنَى الْقُلَّةِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : قَوْلُ مَنْ لَا يَعْتَبِرُ إِلَّا التَّغَيُّرَ وَعَدَمَهُ قَوِيٌّ لَكِنَّ الْفَصْلَ بِالْقُلَّتَيْنِ أَقْوَى لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ فِيهِ وَقَدِ اعْتَرَفَ الطَّحَاوِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِذَلِكَ لَكِنَّهُ اعْتَذَرَ مِنَ الْقَوْلِ بِهِ فَإِنَّ الْقُلَّةَ فِي الْعُرْفِ تُطْلَقُ عَلَى الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ كَالْجَرَّةِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ مِنَ الْحَدِيثِ تَقْدِيرُهُمَا فَيَكُونُ مُجْمَلًا فَلَا يُعْمَلُ بِهِ . وَقَوَّاهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ، لَكِنْ اسْتَدَلَّ لَهُ غَيْرُهُمَا ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ الْمُرَادُ الْقُلَّةُ الْكَبِيرَةُ إِذْ لَوْ أَرَادَ الصَّغِيرَةَ لَمْ يَحْتَجْ لِذِكْرِ الْعَدَدِ فَإِنَّ الصَّغِيرَ بَيْنَ قَدْرِ وَاحِدَةٍ كَبِيرَةٍ ، وَيَرْجِعُ فِي الْكَبِيرَةِ إِلَى الْعُرْفِ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ الشَّارِعَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَرَكَ تَحْدِيدَهَما عَلَى سَبِيلِ التَّوْسِعَةِ وَالْعِلْمُ مُحِيطٌ بِأَنَّهُ مَا خَاطَبَ الصَّحَابَةَ إِلَّا بِمَا يَفْهَمُونَ فَانْتَهَى الْإِجْمَالُ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ : قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ : وَقِلَالُ هَجَرَ كَانَتْ مَشْهُورَةً عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ وَلِشُهْرَتِهَا عِنْدَهُمْ شَبَّهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا رَأَى لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ مِنْ نَبْقِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى بِقِلَالِ هَجَرَ ، فَقَالَ فِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ : رُفِعْتُ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى فَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ وَإِذَا نَبْقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ ، قَالَ : وَاعْتِذَارُ الطَّحَاوِيِّ فِي تَرْكِ الْحَدِيثِ أَصْلًا بِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مِقْدَارَ الْقُلَّتَيْنِ لَا يَكُونُ عُذْرًا عِنْدَ مَنْ عَلِمَهُ . انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ ذِكْرِ كَلَامِ الْبَيْهَقِيِّ هَذَا : فَإِنْ قِيلَ : أَيُّ مُلَازَمَةٍ بَيْنَ هَذَا التَّشْبِيهِ وَبَيْنَ ذِكْرِ الْقُلَّةِ فِي حَدِّ الْمَاءِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِهَا فِي حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ دَالٌّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مَعْلُومَةً عِنْدَهُمْ بِحَيْثُ يُضْرَبُ بِهَا الْمَثَلُ فِي الْكِبَرِ كَمَا أَنَّ التَّقْيِيدَ الْمُطْلَقَ إِنَّمَا يَنْصَرِفُ إِلَى التَّقْيِيدِ الْمَعْهُودِ . وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : الْقِلَالُ مُخْتَلِفَةٌ فِي قُرَى الْعَرَبِ ، وَقِلَالُ هَجَرَ أَكْبَرُهَا ، وَقِلَالُ هَجَرَ مَشْهُورَةُ الصَّنْعَةِ ، مَعْلُومَةُ الْمِقْدَارِ ، وَالْقُلَّةُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ ، وَبَعْدَ صَرْفِهَا إِلَى أَحَدِ مَعْلُومَاتِهَا وَهِيَ : الْأَوَانِي تَبْقَى مُتَرَدِّدَةً بَيْنَ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا مِنَ الْكِبَارِ جَعْلُ الشَّارِعِ الْحَدَّ مُقَدَّرًا بِعَدَدٍ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَكْبَرِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي تَقْدِيرِهِ بِقُلَّتَيْنِ صَغِيرَتَيْنِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى تَقْدِيرِهِ بِوَاحِدَةٍ كَبِيرَةٍ . انْتَهَى . قُلْتُ : وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ ضَعِيفٍ تَقْيِيدُ الْقُلَّتَيْنِ بِقِلَالِ هَجَرَ ، وَهُوَ مَا رَوَى ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ مِنْ قِلَالِ هَجَرَ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : فِي إِسْنَادِهِ الْمُغِيرَةُ بْنُ صِقْلَابٍ وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ ، قَالَ النُّفَيْلِيُّ : لَمْ يَكُنْ مُؤْتَمَنًا عَلَى الْحَدِيثِ . وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : لَا يُتَابَعُ عَلَى عَامَّةِ حَدِيثِهِ . انْتَهَى . قُلْتُ : قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ فِي تَرْجَمَةِ الْمُغِيرَةِ بْنِ صِقْلَابٍ : قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : صَالِحُ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ : لَا بَأْسَ بِهِ . انْتَهَى . فَالِاعْتِذَارُ مِنَ الْقَوْلِ بِحَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ بِزَعْمِ الْإِجْمَالِ فِي مَعْنَى الْقُلَّةِ اعْتِذَارٌ بَارِدٌ ، وَمِنَ الَّذِينَ لَمْ يَقُولُوا بِهِ اعْتَذَرُوا بِأَنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ مُضْطَرِبُ الْإِسْنَادِ ، قَالُوا : إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ يَرْوِي تَارَةً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَتَارَةً عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَتَارَةً عَنْهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، ثُمَّ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي شَيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ فَقَالَ مَرَّةً : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُكَبَّرِ ، وَمَرَّةً : عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُصَغَّرِ . قُلْتُ : هَذَا الِاعْتِذَارُ أَيْضًا بَارِدٌ ، فَإِنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ لَيْسَ قَادِحًا مُورِثًا لِضَعْفِ الْحَدِيثِ ، فَإِنَّ وُجُوهَ الِاخْتِلَافِ لَيْسَتْ بِمُسْتَوِيَةٍ ، فَإِنَّ الرِّوَايَةَ الصَّحِيحَةَ الْمَحْفُوظَةَ هِيَ رِوَايَةُ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ كَمَا رَوَاهَا التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ . كَذَلِكَ رَوَاهَا جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ : رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، وَعَبْدُ اللَّهُ بْنُ الْمُبَارَكِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، وَعَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَهْبِيُّ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَسَعْيدُ بْنُ زَيْدٍ أَخُو حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، وَزَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بن عبد الله بْنِ عُمَرَ ، عْنِ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى . وَقَالَ الدَّارقُطْنِيُّ فِيهِ : وَرَوَاهُ عَاصِمُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ، عَنْ عَبْيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ قُوَّةٌ لِرِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ . انْتَهَى . وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَمَدَارُهَا عَلَى عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَطَاءٍ وَهُوَ مُدَلِّسٌ ، وَرَوَاهَا عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ بِالْعَنْعَنَةِ فَهِيَ ضَعِيفَةٌ لِمَظِنَّةِ التَّدْلِيسِ ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ خَالَفَ جَمِيعَ أَصْحَابِ ابْنِ إِسْحَاقَ . وَأَمَّا رِوَايَتُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَيْسَتْ بِمَحْفُوظَةٍ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : نَا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنُ دِينَارٍ قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ نَا مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبٍ الْمُسْلِمِيُّ نَا ابْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بن عبد الله بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْقَلِيبِ ، الْحَدِيثَ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : كَذَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَالْمَحْفُوظُ عَنِ ابْنِ عَيَّاشٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ . انْتَهَى . وَقَدِ اعْتَذَرُوا أَيْضًا بِأَنَّ الْحَدِيثَ مُضْطَرِبُ الْمَتْنِ فَفِي بَعْضِهَا قُلَّتَيْنِ ، وَفِي بَعْضِهَا قُلَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا . وَفِي رِوَايَةٍ مَوْقُوفَةٍ أَرْبَعِينَ قُلَّةً ، وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ مَرْفُوعَةٍ أَرْبَعِينَ قُلَّةً . قُلْتُ : هَذَا الِاعْتِذَارُ أَيْضًا بَارِدٌ فَإِنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ أَيْضًا لَيْسَ قَادِحًا مُورِثًا لِلضَّعْفِ فَإِنَّ رِوَايَةَ أَرْبَعِينَ قُلَّةً الَّتِي هِيَ مَرْفُوعَةٌ ضَعِيفَةٌ جِدًّا ، فَإِنَّ فِي سَنَدِهَا الْقَاسِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيَّ ، قَالَ ابْنُ التُّرْكُمَانِيِّ فِي الْجَوْهَرِ النَّقِيِّ : حَكَى الْبَيْهَقِيُّ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيِّ : كَانَ ضَعِيفًا كَثِيرَ الْخَطَأِ . وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ : قَالَ أَحْمَدُ لَيْسَ هُوَ عِنْدِي بِشَيْءٍ كَانَ يَكْذِبُ وَيَضَعُ الْحَدِيثَ تَرَكَ النَّاسُ حَدِيثَهُ ، وَقَالَ يَحْيَى : لَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَقَالَ مَرَّةً : كَذَّابٌ ، خَبِيثٌ ، وَقَالَ الرَّازِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالْأَزْدِيُّ : مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ : لَا يُسَاوِي شَيْئًا ، مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ . انْتَهَى . وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ : رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ وَابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ وَالْعَقِيلِيُّ فِي كِتَابِهِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ أَرْبَعِينَ قُلَّةً فَإِنَّهُ لَا يَحْمِلُ الْخَبَثَ . انْتَهَى . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : كَذَا رَوَاهُ الْقَاسِمُ الْعُمَرِيُّ ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَوَهَمَ فِي إِسْنَادِهِ ، وَكَانَ ضَعِيفًا ، كَثِيرَ الْخَطَأِ ، وَخَالَفَهُ رُوحُ بْنُ الْقَاسِمِ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَمَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ ، رَوَوْهُ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَوْقُوفًا ، وَرَوَاهُ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ مِنْ قَوْلِهِ لَمْ يُجَاوِزْهُ ، ثُمَّ رَوَى بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ جِهَةِ رُوحِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ أَرْبَعِينَ قُلَّةً لَمْ يُنَجَّسْ . انْتَهَى . فَرِوَايَةُ أَرْبَعِينَ قُلَّةً الَّتِي هِيَ مَرْفُوعَةٌ لِشِدَّةِ ضَعْفِهَا لَا تُسَاوِي رِوَايَةَ قُلَّتَيْنِ . وَأَمَّا رِوَايَةُ أَرْبَعِينَ قُلَّةً الَّتِي هِيَ مَوْقُوفَةٌ ، فَهِيَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَقَوْلُهُ : هَذَا وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا مِنْ جِهَةِ السَّنَدِ فَهُوَ لَا يُسَاوِي رِوَايَةَ قُلَّتَيْنِ الَّتِي قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّا رِوَايَةُ قُلَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَقَدْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ : قَوْلُهُ أَوْ ثَلَاث شَكٌّ وَقَعَ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ . انْتَهَى . فَرِوَايَةُ قُلَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا بِالشَّكِّ تَرْجِعُ إِلَى رِوَايَةِ قُلَّتَيْنِ الَّتِي هِيَ خَالِيَةٌ عَنِ الشَّكِّ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ الشَّكَّ مِنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، فَإِنَّ بَعْضَ أَصْحَابِهِ يَرْوُونَ عَنْهُ قُلَّتَيْنِ وَبَعْضُهُمْ قُلَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا . أَوْ مِنْ عَاصِمِ بْنِ الْمُنْذِرِ فَإِنَّ كُلَّ مَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرَهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إِنَّمَا رَوَاهُ بِلَفْظِ قُلَّتَيْنِ بِغَيْرِ شَكٍّ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَقَدِ اعْتَذَرُوا أَيْضًا بِأَنَّ الْحَدِيثَ مُضْطَرِبٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى فَإِنَّ الْقُلَّةَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ رَأْسِ الرَّجُلِ ، وَرَأْسِ الْجَبَلِ وَالْجَرَّةِ وَالْقِرْبَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ مَعْنَاهَا ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهَا الْأَوَانِي كَالْجَرَّةِ وَالْخَابِيَةِ فَلَمْ يَثْبُتْ مِقْدَارُهَا مَعَ أَنَّهَا مُتَقَارِبَةٌ جِدًّا . قُلْتُ : هَذَا الِاعْتِذَارُ أَيْضًا لَيْسَ بِشَيْءٍ فَإِنَّ الْقُلَّةَ بِمَعْنَى رَأْسِ الرَّجُلِ أَوْ رَأْسِ الْجَبَلِ لَا يَحْصُلُ بِهَا التَّحْدِيدُ أَلْبَتَّةَ . وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْحَدِيثِ لَيْسَ إِلَّا التَّحْدِيدَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ مِنَ الْقُلَّةِ رَأْسُ الرَّجُلِ أَوْ رَأْسُ الْجَبَلِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ من الْقُلَّةِ الْأَوَانِي . وَلَمَّا كَانَ قِلَالُ هَجَرَ مَشْهُورَةً مَعْرُوفَةَ الْمِقْدَارِ عِنْدَ الْعَرَبِ كَثِيرَةَ الِاسْتِعْمَالِ فِي أَشْعَارِهِمْ ، وَلِذَلِكَ شَبَّهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَبْقَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى بِقِلَالِ هَجَرَ تَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ هِيَ مُرَادَةً فِي الْحَدِيثِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا فَتَذَكَّرْ . وَالْحَاصِلُ : أَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ صَحِيحٌ قَابِلٌ لِلِاحْتِجَاجِ وَكُلُّ مَا اعْتَذَرُوا بِهِ عَنِ الْعَمَلِ وَالْقَوْلِ بِهِ فَهُوَ مَدْفُوعٌ . قَوْلُهُ : ( وَقَالُوا : يَكُونُ نَحْوًا مِنْ خَمْسِ قِرَبٍ ) جَمْعُ قِرْبَةٍ أَيْ يَكُونُ مِقْدَارُ الْقُلَّتَيْنِ قَرِيبًا مِنْ خَمْسِ قِرَبٍ ، وَذَلِكَ نَحْوُ خَمْسِمِائَةِ رِطْلٍ كَمَا فِي السُّبُلِ . وَقَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : الْقُلَّةُ الْحُبُّ الْعَظِيمُ وَالْجَمْعُ قِلَالٌ وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ بِالْحِجَازِ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ فِي صِفَةِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى نَبْقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ . وَهَجَرُ : قَرْيَةٌ قَرِيبَةٌ مِنَ الْمَدِينَةِ وَلَيْسَتْ هَجَرَ الْبَحْرَيْنِ ، وَكَانَتْ تُعْمَلُ بِهَا الْقِلَالُ تَأْخُذُ الْوَاحِدَةُ مِنْهَا مَزَادَةً مِنَ الْمَاءِ ، سُمِّيَتْ قُلَّةً لِأَنَّهَا تُقَلُّ أَيْ تُرْفَعُ وَتُحْمَلُ . انْتَهَى كَلَامُ الْجَزَرِيِّ . وَقَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ طَاهِرٌ فِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ : الْقُلَّةُ جَرَّةٌ عَظِيمَةٌ تَسَعُ خَمْسَمِائَةِ رِطْلٍ . انْتَهَى .
بَاب مَا جَاءَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الجوربين والْعِمَامَةِ 100 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ ابْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ ، قَالَ بَكْرٌ : وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنَ ابْنِ الْمُغِيرَةِ ، وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ وَعِمَامَتِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، وذَكَرَ بَعْضُهُمْ الْمَسْحَ عَلَى النَّاصِيَةِ وَالْعِمَامَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْضُهُمْ النَّاصِيَةَ ، سمِعْت أَحْمَدَ بْنَ الْحَسَنِ يَقُولُ سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ : مَا رَأَيْتُ بِعَيْنِي مِثْلَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ ، وَفِي الْبَاب عَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةِ وَسَلْمَانَ وَثَوْبَانَ وَأَبِي أُمَامَةَ ، قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَأَنَسٌ ، وَبِهِ يَقُولُ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، قَالُوا : يَمْسَحُ عَلَى الْعِمَامَةِ ، قَالَ وَسَمِعْت الْجَارُودَ بْنَ مُعَاذٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ وَكِيعَ بْنَ الْجَرَّاحِ يَقُولُ : إِنْ مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ يُجْزِئُهُ لِلْأَثَرِ . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ والْعِمَامَةِ ) فِي نُسْخَةٍ قَلَمِيَّةٍ عَتِيقَةٍ : بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ ، وَلَيْسَ فِيهَا لَفْظُ الْجَوْرَبَيْنِ وَهُوَ الظَّاهِرُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ ) الْبَصْرِيِّ ثِقَةٌ مِنْ أَوْسَاطِ التَّابِعِينَ ( عَنِ الْحَسَنِ ) هُوَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ( عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ) اسْمُ ابْنِ الْمُغِيرَةِ هَذَا حَمْزَةُ ، وَلِلْمُغِيرَةِ ابْنَانِ حَمْزَةُ ، وَعُرْوَةُ ، وَالْحَدِيثُ مَرْوِيٌّ عَنْهُمَا جَمِيعًا ، لَكِنَّ رِوَايَةَ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ إِنَّمَا هِيَ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَعَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ غَيْرَ مُسَمًّى ، وَلَا يَقُولُ : بَكْرُ بْنُ عُرْوَةَ ، وَمَنْ قَالَ : عُرْوَةُ عَنْهُ فَقَدْ وَهَمَ ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ، وَحَمْزَةُ بْنُ الْمُغِيرَةِ هَذَا ثِقَةٌ مِنْ أَوْسَاطِ التَّابِعِينَ . قَوْلُهُ : ( وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَجَمْعُهُ الْعَمَائِمُ ( قَالَ بَكْرٌ وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنَ ابْنِ الْمُغِيرَةِ ) أَيْ بِلَا وَاسِطَةِ الْحَسَنِ ( وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ وَعِمَامَتِهِ ) النَّاصِيَةُ مُقَدَّمُ الرَّأْسِ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَمُقَدَّمِ رَأْسِهِ وَعَلَى عِمَامَتِهِ . ( وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ الْمَسْحَ عَلَى النَّاصِيَةِ وَالْعِمَامَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْضُهُمْ النَّاصِيَةَ ) وَالذَّاكِرُونَ ثِقَاتٌ حُفَّاظٌ فَزِيَادَةُ النَّاصِيَةِ مَقْبُولَةٌ بِلَا شَكٍّ ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : قَوْلُهُ وَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ هَذَا مِمَّا احْتَجَّ بِهِ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ مَسْحَ بَعْضِ الرَّأْسِ يَكْفِي ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْجَمِيعُ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ الْجَمِيعُ لَمَا اكْتَفَى بِالْعِمَامَةِ عَنِ الْبَاقِي ، فَإِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْبَدَلِ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ لَا يَجُوزُ ، كَمَا لَوْ مَسَحَ عَلَى خُفٍّ وَاحِدٍ وَغَسَلَ الرِّجْلَ الْأُخْرَى . وَأَمَّا التَّتميمُ بِالْعِمَامَةِ فَهُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِيَكُونَ الطَّهَارَةُ عَلَى جَمِيعِ الرَّأْسِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لُبْسُ الْعِمَامَةَ عَلَى طُهْرٍ أَوْ عَلَى حَدَثٍ ، وَكَذَا لَوْ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ قَلَنْسُوَةٌ وَلَمْ يَنْزِعْهَا مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَيَمَّمَ عَلَى الْقَلَنْسُوَةِ كَالْعِمَامَةِ ، وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْعِمَامَةِ وَلَمْ يَمْسَحْ شَيْئًا مِنَ الرَّأْسِ لَمْ يَجْزِهِ ذَلِكَ عِنْدَنَا بِلَا خِلَافٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ رحمهم الله ، وَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رحمه الله إِلَى جَوَازِ الِاقْتِصَارِ وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ . انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ . قُلْتُ : وَالْرَّاجِحُ عِنْدِي هُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لِأَحَادِيثِ الْبَابِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ ، وَسَلْمَانَ ، وَثَوْبَانَ ، وَأَبِي أُمَامَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبُخَارِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ ، قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ سَلْمَانَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا قَدْ أَحْدَثَ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَخْلَعَ خُفَّيْهِ فَأَمَرَهُ سَلْمَانُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ وَعَلَى عِمَامَتِهِ ، وَقَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ وَعَلَى خِمَارِهِ . وَحَدِيثُ سَلْمَانَ هَذَا أَخْرَجَهُ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ وَلَكِنَّهُ قَالَ : مَكَانَ وَعَلَى خِمَارِهِ ، وَعَلَى نَاصِيَتِهِ ، وَفِي إِسْنَادِهِ أَبُو شُرَيْحٍ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ عَنْهُ مَا اسْمُهُ؟ فَقَالَ : لَا أَدْرِي لَا أَعْرِفُ اسْمَهُ ، وَفِي إِسْنَادِهِ أَيْضًا أَبُو مُسْلِمٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ وَهُوَ مَجْهُولٌ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : لَا أَعْرِفُ اسْمَهُ وَلَا أَعْرِفُ لَهُ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ . وَأَمَّا حَدِيثُ ثَوْبَانَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنْهُ قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً فَأَصَابَهُمْ الْبَرْدُ ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَكَوْا إِلَيْهِ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْبَرْدِ ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ وَالتَّسَاخِينِ ، قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى : الْعَصَائِبُ الْعَمَائِمُ ، وَالتَّسَاخِينُ الْخِفَافُ ، قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : فِي إِسْنَادِهِ رَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ ثَوْبَانَ ، قَالَ الْخَلَّالُ فِي عِلَلِهِ : إِنَّ أَحْمَدَ قَالَ : لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ رَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ سَمِعَ مِنْ ثَوْبَانَ لِأَنَّهُ مَاتَ قَدِيمًا . انْتَهَى . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِلَفْظِ : مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ . وَعَنْ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الصَّغِيرِ . وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْمُوقَيْنِ وَالْخِمَارِ ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ ، وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ عَلَى الْمُوقَيْنِ وَالْخِمَارِ ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْأَوْسَطِ ، وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ أُخْرَى ذَكَرَهَا الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ مَنْ شَاءَ الْوُقُوفَ عَلَيْهَا فَلْيَرْجِعْ إِلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ : فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ وَعَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَلَمْ يَخْرُجْهُ الْبُخَارِيُّ . قَالَ الْحَافِظُ : وَقَدْ وَهَمَ الْمُنْذِرِيُّ فَعَزَّاهُ إِلَى الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ ، وَتَبِعَ فِي ذَلِكَ ابْنَ الْجَوْزِيِّ فَوَهَمَ ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ الْهَادِي ، وَصَرَّحَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَأَنَسٌ ، وَبِهِ يَقُولُ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ قَالُوا : يَمْسَحُ عَلَى الْعِمَامَةِ ) ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَالطَّبَرِيُّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُمْ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنْ يُطِعْ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ يَرْشُدُوا . انْتَهَى . وقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنْ صَحَّ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبِهِ أَقُولُ . انْتَهَى . وَقَالَ فِيهِ : وَرَوَاهُ - أَيْ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ - ابْنُ رَسْلَانَ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، وَسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ ، وَمَكْحُولٍ ، وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ لَمْ يُطَهِّرْهُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ فَلَا طَهَّرَهُ اللَّهُ . انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ : وَمَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهَا وَمَعَ النَّاصِيَةِ ، وَثَبَتَ عَنْهُ ذَلِكَ فِعْلًا وَأَمْرًا فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ ، لَكِنْ فِي قَضَايَا أَعْيَانٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَاصَّةً بِحَالِ الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ ، وَيُحْتَمَلُ الْعُمُومُ كَالْخُفَّيْنِ وَهُوَ أَظْهَرُ . انْتَهَى . وَفِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ لِلزُّرْقَانِيِّ : وَأَجَازَ الْمَسْحَ عَلَيْهَا أَحْمَدُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَدَاوُدُ وَغَيْرُهُمْ ، لِلْآثَارِ وَقِيَاسًا عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَمَنَعَهُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْآثَارِ لَا مِنْ الْقِيَاسِ . وَلَوْ كَانَ مِنْهُ لَجَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْقُفَّازَيْنِ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : فَرَضَ اللَّهُ مَسْحَ الرَّأْسِ ، وَحَدِيثُ مَسْحِ الْعِمَامَةِ مُحْتَمِلٌ لِلتَّأْوِيلِ فَلَا يُتْرَكُ الْمُتَيَقَّنُ لِلْمُحْتَمِلِ وَقِيَاسُهُ عَلَى الْخُفِّ بَعِيدٌ لِمَشَقَّةِ نَزْعِهِ بِخِلَافِهَا . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْآيَةَ لَا تَنْفِي الِاقْتِصَارَ عَلَى الْمَسْحِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ مَنْ يَحْمِلُ الْمُشْتَرَكَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ . لِأَنَّ مَنْ قَالَ قَبَّلْتُ رَأْسَ فُلَانٍ يَصْدُقُ وَلَوْ عَلَى حَائِلٍ . وَبِأَنَّ الْمُجِيزِينَ الِاقْتِصَارَ عَلَى مَسْحِ الْعِمَامَةِ شَرَطُوا فِيهِ مَشَقَّةَ نَزْعِهَا كَالْخُفِّ ، وَرُدَّ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْأَصْلَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ مَا لَمْ يَرِدْ نَصٌّ صَرِيحٌ بِخِلَافِهِ ، وَالنُّصُوصُ وَرَدَتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِعْلًا وَأَمْرًا بِمَسْحِ الرَّأْسِ ، فَتُحْمَلُ رِوَايَةُ مَسْحِ الْعِمَامَةِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لِعُذْرٍ بِدَلِيلِ الْمَسْحِ عَلَى النَّاصِيَةِ مَعَهَا كَمَا فِي مُسْلِمٍ . انْتَهَى كَلَامُ الزُّرْقَانِيِّ . قُلْتُ : قَدْ ثَبَتَتْ وَصَحَّتْ أَحَادِيثُ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْقِيَاسِ عَلَى الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى تَأْوِيلِ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنْ تُحْمَلَ عَلَى ظَوَاهِرِهَا . فَائِدَةٌ : اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ هَلْ يَحْتَاجُ الْمَاسِحُ عَلَى الْعِمَامَةِ إِلَى لُبْسِهَا عَلَى طَهَارَةٍ أَوْ لَا يَحْتَاجُ ، فَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَا يَمْسَحُ عَلَى الْعِمَامَةِ إِلَّا مَنْ لَبِسَهَا عَلَى طَهَارَةٍ قِيَاسًا عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ الْبَاقُونَ ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي التَّوْقِيتِ ، فَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ أَيْضًا : إِنَّ وَقْتَهُ كَوَقْتِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ . وَالْبَاقُونَ لَمْ يُوَقِّتُوا . قَالَ ابْنُ حَزْمٍ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْخِمَارِ وَلَمْ يُوَقِّتْ ذَلِكَ بِوَقْتٍ ، وَفِيهِ أَنَّ الطَّبَرَانِيَّ قَدْ رَوَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ ثَلَاثًا فِي السَّفَرِ وَيَوْمًا وَلَيْلَةً فِي الْحَضَرِ . لَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ مَرْوَانُ أَبُو سَلَمَةَ ، قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : مُنْكَرُ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ الْأَزْدِيُّ : لَيْسَ بِشَيْءٍ . وَسُئِلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : لَيْسَ بِصَحِيحٍ . انْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ . قَوْلُهُ : ( يَقُولُ سَمِعْتُ وَكِيعَ بْنَ الْجَرَّاحِ يَقُولُ : إِنْ مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ يُجْزِئُهُ لِلْأَثَرِ ) أَيْ لِلْحَدِيثِ ، وَالْأَمْرُ عِنْدِي كَمَا قَالَ وَكِيعٌ ، فَإِنَّ أَحَادِيثَ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى إِجْزَاءِ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ .
101 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ : سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَقَالَ : السُّنَّةُ يَا ابْنَ أَخِي وَسَأَلْتُهُ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ فَقَالَ : مَسَّ الشَّعَرَ . وقال غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين : لا يمسح على العمامة إلا أن يمسح برأسه مع العمامة ، وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك والشافعي . 102 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ نَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ الْحَكَمِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، عَنْ بِلَالٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ كِنَانَةِ الْقُرَشِيِّ الْعَامِرِيِّ الْمَدَنِيِّ ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَالزُّهْرِيِّ وَعَنْهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طِهْمَانَ ، وَبِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : ثِقَةٌ قَدَرِيٌّ ، قَالَ الْفَسَوِيُّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ : لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ، قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : أَكْثَرُ أَحَادِيثِهِ صِحَاحٌ وَلَهُ مَا يُنْكَرُ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ . ( عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ) ، قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَخُو سَلَمَةَ ، وَقِيلَ : هُوَ هُوَ مَقْبُولٌ . انْتَهَى . وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَفِيهِ كَلَامُ أَبِي حَاتِمٍ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : السُّنَّةُ يَا ابْنَ أَخِي ) أَيْ هُوَ السُّنَّةُ يَا ابْنَ أَخِي ( فَقَالَ : مِسَّ الشَّعْرَ ) أَمْرٌ مِنَ الْمَسِّ يَعْنِي لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ فَعَلَيْكَ أَنْ تَمَسَّ الشَّعْرَ . وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي مُوَطَّئِهِ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ قَالَ : بَلَغَنِي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْعِمَامَةِ فَقَالَ : لَا حَتَّى يَمَسَّ الشَّعْرَ الْمَاءُ . قَالَ صَاحِبُ التَّعْلِيقِ الْمُمَجَّدِ : قَوْلُهُ حَتَّى يَمَسَّ ، مِنَ الْإِمْسَاسِ أَوْ الْمَسِّ أَيْ يُصِيبَ الشَّعْرَ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ . الْمَاءُ بِالرَّفْعِ أَوْ النَّصْبِ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ لَا يَمْسَحُ عَلَى الْعِمَامَةِ إِلَّا أَنْ يَمْسَحَ بِرَأْسِهِ وَمَعَ الْعِمَامَةِ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيِّ ) . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي مَعْنَى الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ ، فَقِيلَ : إِنَّهُ كَمَّلَ عَلَيْهَا بَعْدَ مَسْحِ النَّاصِيَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِلَى عَدَمِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْمَسْحِ عَلَيْهَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : فَرَضَ اللَّهُ مَسْحَ الرَّأْسِ ، وَالْحَدِيثُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ مُحْتَمِلٌ لِلتَّأْوِيلِ فَلَا يُتْرَكُ الْمُتَيَقَّنُ لِلْمُحْتَمَلِ ، قَالَ : وَقِيَاسُهُ عَلَى مَسْحِ الْخُفِّ بَعِيدٌ لِأَنَّهُ يَشُقُّ نَزْعُهُ بِخِلَافِهَا . وَتُعُقِّبَ : بِأَنَّ الَّذِينَ أَجَازُوا الِاقْتِصَارَ عَلَى مَسْحِ الْعِمَامَةِ شَرَطُوا فِيهِ الْمَشَقَّةَ فِي نَزْعِهَا كَمَا فِي الْخُفِّ . وَطَرِيقُهُ أَنْ تَكُونَ مُحْكَمَةً كَعَمَائِمِ الْعَرَبِ . وَقَالُوا عُضْوٌ يَسْقُطُ فَرْضُهُ فِي التَّيَمُّمِ فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَى حَائِلِهِ كَالْقَدَمَيْنِ ، وَقَالُوا : الْآيَةُ لَا تَنْفِي ذَلِكَ وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ مَنْ يَحْمِلُ الْمُشْتَرَكَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ . لِأَنَّ مَنْ قَالَ قَبَّلْتُ رَأْسَ فُلَانٍ يَصْدُقُ وَلَوْ كَانَ عَلَى حَائِلٍ . انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي : يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَمِمَّنْ مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَبِهِ قَالَ عُمَرُ ، وَأَنَسٌ ، وَأَبُو أُمَامَةَ ، وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَالِكٍ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَمَكْحُولٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَقَالَ عُرْوَةُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالْقَاسِمُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا يَمْسَحُ عَلَيْهَا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَلِأَنَّهُ لَا تَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ فِي نَزْعِهَا فَلَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهَا كَالْكُمَّيْنِ ، وَلَنَا مَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَالَ : تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حسن صَحِيحٌ ، قَالَ أَحْمَدُ : هُوَ مِنْ خَمْسَةِ وُجُوهٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، رَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ لَمْ يُطَهِّرْهُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ فَلَا طَهَّرَهُ اللَّهُ ، قَالَ : وَمِنْ شَرْطِ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ أَنْ تَكُونَ سَاتِرَةً لِجَمِيعِ الرَّأْسِ إِلَّا مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ كَمُقَدَّمِ الرَّأْسِ وَالْأُذُنَيْنِ وَشِبْهِهِمَا مِنْ جَوَانِبِ الرَّأْسِ فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ ، قَالَ : وَمِنْ شَرْطِ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهَا أَنْ تَكُونَ عَلَى صِفَةِ عَمَائِمِ الْمُسْلِمِينَ ، إِمَّا بِأَنْ يَكُونَ تَحْتَ الْحَنَكِ مِنْهَا شَيْءٌ لِأَنَّ هَذِهِ عَمَائِمُ الْعَرَبِ وَهِيَ أَكْثَرُ سِتْرًا مِنْ غَيْرِهَا وَيَشُقُّ نَزْعُهَا فَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا سَوَاءٌ كَانَتْ لَهَا ذُؤَابَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ ، قَالَهُ الْقَاضِي ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً . فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَحْتَ الْحَنَكِ مِنْهَا شَيْءٌ وَلَا لَهَا ذُؤَابَةٌ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا عَلَى صِفَةِ عَمَائِمِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا يَشُقُّ نَزْعُهَا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَمَرَ بِالتَّلَحِّي وَنَهَى عَنِ الِاقْتِعَاطِ ، رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدِ ، وَالِاقْتِعَاطُ أَنْ لَا يَكُونَ تَحْتَ الْحَنَكِ مِنْهَا شَيْءٌ . وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَأَى رَجُلًا لَيْسَ تَحْتَ حَنَكِهِ مِنْ عِمَامَتِهِ شَيْءٌ فَحَنَّكَهُ بِكَوْرٍ مِنْهَا وَقَالَ : مَا هَذِهِ الْفَاسِقِيَّةُ . فَامْتَنَعَ الْمَسْحُ عَلَيْهَا لِلنَّهْيِ عَنْهَا وَسُهُولَةِ نَزْعِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ ذُؤَابَةٍ وَلَمْ تَكُنْ مُحَنَّكَةً فَفِي الْمَسْحِ عَلَيْهَا وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا : جَوَازُهُ لِأَنَّهَا لَا تُشْبِهُ عَمَائِمَ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِذْ لَيْسَ مِنْ عَادَتِهِمْ الذُّؤَابَةُ ، وَالثَّانِي : لَا يَجُوزُ لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي عُمُومِ النَّهْيِ وَلَا يَشُقُّ نَزْعُهَا . قَالَ : وَإِنْ نَزَعَ الْعِمَامَةَ بَعْدَ الْمَسْحِ عَلَيْهَا بَطَلَتْ طَهَارَتُهُ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ . قَالَ : وَالتَّوْقِيتُ فِي مَسْحِ الْعِمَامَةِ كَالتَّوْقِيتِ فِي مَسْحِ الْخُفِّ ، لِمَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يُمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ ثَلَاثًا فِي السَّفَرِ وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ ، رَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ إِلَّا أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ وَلَا مَمْسُوحَ عَلَى وَجْهِ الرُّخْصَةِ فَتَوَقَّتْ بِذَلِكَ كَالْخُفِّ . انْتَهَى مَا فِي الْمُغْنِي . قُلْتُ : لَا رَيْبَ فِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَحَادِيثُ الْبَابِ . وَأَمَّا هَذِهِ الشَّرَائِطُ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ قُدَامَةَ فَلَمْ أَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَمَرَ بِالتَّلَحِّي وَنَهَى عَنِ الِاقْتِعَاطِ فَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ قُدَامَةَ سَنَدَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ تَحْسِينَهُ وَلَا تَصْحِيحَهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى سَنَدِهِ وَلَا عَلَى مَنْ حَسَّنَهُ أَوْ صَحَّحَهُ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ كَيْفَ هُوَ . وَأَمَّا مَا رَوَاهُ فِي تَوْقِيتِ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ فَفِي إِسْنَادِهِ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ الْأَشْعَرِيُّ الشَّامِيُّ مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ ، صَدُوقٌ كَثِيرُ الْإِرْسَالِ وَالْأَوْهَامِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا وَفِي إِسْنَادِهِ مَرْوَانُ أَبُو سَلَمَةَ ، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ قَالَ : إِنَّهُ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَقَدْ عَرَفْتَ أَيْضًا أَنَّهُ سُئِلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : لَيْسَ بِصَحِيحٍ . تَنْبِيهٌ : قَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ فِي مُوَطَّئِهِ : بَلَغَنَا أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ كَانَ فَتُرِكَ . انْتَهَى . قَالَ صَاحِبُ التَّعْلِيقِ الْمُمَجَّدِ : لَمْ نَجِدْ إِلَى الْآنِ مَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ مَنْسُوخًا ، لَكِنْ ذَكَرُوا أَنَّ بَلَاغَاتِ مُحَمَّدٍ مُسْنَدَةٌ فَلَعَلَّ عِنْدَهُ وَصْلٌ بِإِسْنَادِهِ . انْتَهَى كَلَامُهُ . قُلْتُ : لَا بُدَّ لِمَنْ يَدَّعِي أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ كَانَ فَتُرِكَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْحَدِيثِ النَّاسِخِ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ ، وَلَا يَثْبُتُ النَّسْخُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ الْمَذْكُورِ ، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْعَالِمِ الْمُنْصِفِ .
بَاب كَرَاهِيَةِ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ 68 حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَفِي الْبَاب عَنْ جَابِرٍ . ( بَابُ كَرَاهِيَةِ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ ) أَيْ السَّاكِنِ الَّذِي لَا يَجْرِي . قَوْلُهُ : ( عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ) ابْنِ كَامِلٍ الْإِبْنَاوِيِّ الصَّنْعَانِيِّ الْيَمَانِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نُسْخَةٌ صَحِيحَةٌ ، وَمُعَاوِيَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَطَائِفَةٍ ، وَعَنْهُ أَخُوهُ وَهْبٌ ، وَمَعْمَرٌ ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ . قَوْلُهُ : ( لَا يَبُولَنَّ ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَبِنُونِ التَّأْكِيدِ الثَّقِيلَةِ ( فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ الَّذِي لَا يَجْرِي ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِلدَّائِمِ وَإِيضَاحٌ لِمَعْنَاهُ ( ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ ) كَذَا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَابْنِ حِبَّانَ ، وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا : ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : بِضَمِّ اللَّامِ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ : يَجُوزُ الْجَزْمُ عَطْفًا عَلَى يَبُولَنَّ لِأَنَّهُ مَجْزُومُ الْمَوْضِعِ بِلَا النَّاهِيَةِ وَلَكِنَّهُ بُنِيَ عَلَى الْفَتْحِ لِتَوْكِيدِهِ بِالنُّونِ . وَمَنَعَ ذَلِكَ الْقُرْطُبِيُّ فَقَالَ : لَوْ أُرِيدَ النَّهْيُ يُقَالُ : ثُمَّ لَا يَغْتَسِلَنَّ فَحِينَئِذٍ يَتَسَاوَى الْأَمْرَانِ فِي النَّهْيِ عَنْهُمَا لِأَنَّ الْمَحَلَّ الَّذِي تَوَارَدَا عَلَيْهِ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْمَاءُ ، قَالَ : فَعُدُولُهُ عَنْ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ الْعَطْفَ بَلْ نَبَّهَ عَلَى مَآلِ الْحَالِ ، وَالْمَعْنَى : أَنَّهُ إِذَا بَالَ فِيهِ قَدْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ ، وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَضْرِبَنَّ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ ضَرْبَ الْأَمَةِ ثُمَّ يُضَاجِعُهَا فَإِنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ بِالْجَزْمِ ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ النَّهْيُ عَنِ الضَّرْبِ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي مَآلِ حَالِهِ إِلَى مُضَاجَعَتِهَا فَتَمْتَنِعُ لِإِسَاءَتِهِ إِلَيْهَا فَلَا يَحْصُلُ لَهُ مَقْصُودُهُ ، وَتَقْدِيرُ اللَّفْظِ ثُمَّ هُوَ يُضَاجِعُهَا ، وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ ثُمَّ هُوَ يَغْتَسِلُ مِنْهُ . وَتُعُقِّبَ : بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَأْكِيدِ النَّهْيِ أَنْ لَا يُعْطَفَ عَلَيْهِ نَهْيٌ آخَرُ غَيْرُ مُؤَكَّدٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لِلتَّأْكِيدِ فِي أَحَدِهِمَا مَعْنًى لَيْسَ لِلْآخَرِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَلَا يَجُوزُ النَّصْبُ إِذْ لَا تُضْمَرُ أَنْ بَعْدَ ثُمَّ وَأَجَازَهُ ابْنُ مَالِكٍ بِإِعْطَاءِ ثُمَّ حُكْمَ الْوَاوِ . وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ : بِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ دُونَ إِفْرَادِ أَحَدِهِمَا . وَضَعَّفَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَدُلَّ عَلَى الْأَحْكَامِ الْمُتَعَدِّدَةِ لَفْظٌ وَاحِدٌ ، فَيُؤْخَذُ النَّهْيُ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ تَثْبُتَ رِوَايَةُ النَّصْبِ وَيُؤْخَذُ النَّهْيُ عَنِ الْإِفْرَادِ مِنْ حَدِيثٍ آخَرَ . قَالَ الْحَافِظُ : وَهُوَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ وَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي السَّائِبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ لَا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ النَّهْيُ عَنْهُمَا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ وَلَفْظُهُ : لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَلَا يَغْتَسِلُ فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . فَكُلُّ مَا ذُكِرَ فِي يَغْتَسِلُ مِنَ الْإِعْرَابِ يَجْرِي فِي يَتَوَضَّأُ . وَالْحَدِيثُ بِظَاهِرِهِ يَدُلُّ عَلَى تَنَجُّسِ الْمَاءِ الرَّاكِدِ مُطْلَقًا قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمَحْمُولٍ عَلَى ظَاهِرِهِ بِالِاتِّفَاقِ ، قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي عُمْدَةِ الْقَارِي : هَذَا الْحَدِيثُ عَامٌّ فَلَا بُدَّ مِنْ تَخْصِيصِهِ اتِّفَاقًا بِالْمَاءِ الْمُتَبَحِّرِ الَّذِي لَا يَتَحَرَّكُ أَحَدُ طَرَفَيْهِ بِتَحْرِيكِ الطَّرَفِ الْآخَرِ أَوْ بِحَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَوْ بِالْعُمُومَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى طَهُورِيَّةِ الْمَاءِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ أَحَدُ أَوْصَافِهِ الثَّلَاثَةِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : لَا فَرْقَ فِي الْمَاءِ الَّذِي لَا يَجْرِي فِي الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ بَيْنَ بَوْلِ الْآدَمِيِّ وَغَيْرِهِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ ، وَلَا بَيْنَ أَنْ يَبُولَ فِي الْمَاءِ أَوْ يَبُولَ فِي مَاءٍ ثُمَّ يَصُبُّهُ فِيهِ خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّةِ ، وَهَذَا كُلُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَاءِ الْقَلِيلِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي حَدِّ الْقَلِيلِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ مَنْ لَا يَعْتَبِرُ إِلَّا التَّغَيُّرَ وَعَدَمَهُ وَهُوَ قَوِيٌّ ، لَكِنَّ الْفَصْلَ بِالْقُلَّتَيْنِ أَقْوَى لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ فِيهِ . انْتَهَى . قُلْتُ : الْأَمْرُ عِنْدِي كَمَا قَالَ الْحَافِظُ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ، قَالَ : وَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ حَمَلَ النَّهْيَ عَلَى التَّنْزِيهِ فِيمَا لَا يَتَغَيَّرُ ، وَهُوَ قَوْلُ الْبَاقِينَ فِي الْكَثِيرِ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى التَّحْرِيمِ مُطْلَقًا عَلَى قَاعِدَةِ سَدِّ الذَّرِيعَةِ ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى تَنْجِيسِ الْمَاءِ . انْتَهَى . قُلْتُ : مَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ حَسَنٌ جَيِّدٌ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِلَفْظِ لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ إِلَّا أَنَّ فِيهِ مِنْهُ مَكَانَ فِيهِ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ النَّاقِعِ .
بَاب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الطُّهُورِ 2 حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ نَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى نَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ . ح . وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ أَوْ الْمُؤْمِنُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتْ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ أَوْ نَحْوَ هَذَا ، وَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتْ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ ، حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنْ الذُّنُوبِ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَهُوَ حَدِيثُ مَالِكٍ ، عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبُو صَالِحٍ وَالِدُ سُهَيْلٍ هُوَ أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ وَاسْمُهُ ذَكْوَانُ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ اخْتُلِفَوا فِي اسْمِهِ فَقَالُوا عَبْدُ شَمْسٍ وَقَالُوا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، وَهَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَهُذا أَصَحُّ . وَفِي الْبَاب عَنْ عُثْمَانَ وَثَوْبَانَ وَالصُّنَابِحِيِّ وَعَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ وَسَلْمَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَالصُّنَابِحِيُّ الَّذِي رَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ لَيْسَ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُسَيْلَةَ ، وَيُكْنَى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، رَحَلَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ ، وَقَدْ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ ، وَالصُّنَابِحُ بْنُ الْأَعْسَرِ الْأَحْمَسِيُّ صَاحِبُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يُقَالُ لَهُ الصُّنَابِحِيُّ أَيْضًا ، وَإِنَّمَا حَدِيثُهُ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ فَلَا تَقْتَتِلُنَّ بَعْدِي . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الطُّهُورِ ) بِضَمِّ الطَّاءِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّهُ يُقَالُ : الطُّهُورُ بِالضَّمِّ إِذَا أُرِيدَ بِهِ الْفِعْلُ ، وَيُقَالُ بِالْفَتْحِ إِذَا أُرِيدَ بِهِ الْمَاءُ ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْفِعْل . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ ) الْخَطْمِيُّ الْمَدِينِيُّ الْفَقِيهُ الْحَافِظُ الثَّبَتُ أَبُو مُوسَى قَاضِي نَيْسَابُورَ ، سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ ، وَعَبْدَ السَّلَامِ بْنَ حَرْبٍ ، وَمَعْنَ بْنَ عِيسَى وَكَانَ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ صَاحِبَ سُنَّةٍ ، ذَكَرَهُ أَبُو حَاتِمٍ فَأَطْنَبَ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهِ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ : ثِقَةٌ ، حَدَّثَ عَنْهُ مُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ وَآخَرُونَ ، قِيلَ : إِنَّهُ تُوُفِّيَ بِجُوسِيَّةَ بُلَيْدَةٍ مِنْ أَعْمَالِ حِمْصَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ ، كَذَا فِي تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ . وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ : ثِقَةٌ مُتْقِنٌ . فَائِدَةٌ : قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ : إِذَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ : اِبْنَ الْأَنْصَارِيِّ فَيَعْنِي بِهِ إِسْحَاقَ بْنَ مُوسَى الْأَنْصَارِيَّ . انْتَهَى . قُلْتُ : الْأَمْرُ كَمَا قَالَ الذَّهَبِيُّ ، لَكِنْ يَقُولُ التِّرْمِذِيُّ : الْأَنْصَارِيَّ لَا اِبْنَ الْأَنْصَارِيِّ كَمَا قَالَ فِي بَابِ مَاءِ الْبَحْرِ أَنَّهُ طَهُورٌ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، عَنْ مَالِكٍ . ح . وَحَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْنٌ إِلَخْ . وَكَمَا قَالَ فِي بَابِ التَّغْلِيسِ بِالْفَجْرِ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ . ح . قَالَ : ونا الْأَنْصَارِيُّ نَا مَعْنٌ إِلَخْ ، ثُمَّ قَالَ : قَالَ الْأَنْصَارِيُّ : فَتمَرّ النِّسَاءُ مُتَلَفِّفَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ إِلَخْ ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ إِذَا قَالَ فِي شُيُوخِهِ : الْأَنْصَارِيَّ ، فَيَعْنِي بِهِ إِسْحَاقَ بْنَ مُوسَى الْأَنْصَارِيَّ لَا غَيْرُ ، فَاحْفَظْ هَذَا فَإِنَّهُ نَافِعٌ . تَنْبِيهٌ : قَدْ غَفَلَ صَاحِبُ الطِّيبِ الشَّذِيِّ عَمَّا ذَكَرْنَا آنِفًا مِنْ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ إِذَا يقول : الْأَنْصَارِيَّ فَيَعْنِي بِهِ إِسْحَاقَ بْنَ مُوسَى الْأَنْصَارِيَّ فَلِذَلِكَ قَدْ وَقَعَ فِي مَغْلَطَةٍ عَظِيمَةٍ; وَهِيَ أَنَّهُ قَالَ فِي بَابِ مَاءِ الْبَحْرِ أَنَّهُ طَهُورٌ مَا لَفْظُهُ : قَوْلُهُ : الْأَنْصَارِيَّ هُوَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ تَصْرِيحِ الْحَافِظِ فِي التَّلْخِيصِ كَمَا سَيَأْتِي فِي تَصْحِيحِ الْحَدِيثِ . انْتَهَى . قُلْتُ : الْعَجَبَ أَنَّهُ مع هَذِهِ الْغَفْلَةِ الشَّدِيدَةِ كَيْفَ جَوَّزَ أَنَّ الْأَنْصَارِيَّ هَذَا هُوَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَالْأَنْصَارِيُّ هَذَا هُوَ شَيْخُ التِّرْمِذِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ ، فَبَيْنَ التِّرْمِذِيِّ وَبَيْنَهُ مَفَاوِزُ تَنْقَطِعُ فِيهَا أَعْنَاقُ الْمَطَايَا ، فَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ التِّرْمِذِيُّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، كَلَّا ثُمَّ كَلَّا ثُمَّ الْعَجَبَ عَلَى الْعَجَبِ أَنَّهُ قَالَ : كَمَا يَظْهَرُ مِنْ تَصْرِيحِ الْحَافِظِ فِي التَّلْخِيصِ ، وَلَمْ يُصَرِّحْ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ أَنَّ الْأَنْصَارِيَّ هَذَا هُوَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَلَا يَظْهَرُ هَذَا مِنْ كَلَامِهِ البتة ، وَقَدْ وَقَعَ هُوَ فِي هَذَا فِي مَغْلَطَةٍ أُخْرَى ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا تَكَلَّمَ فِي غَيْرِ فَنِّهِ يَأْتِي بِمِثْلِ هَذِهِ الْعَجَائِبِ . ( نَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى ) أَبُو يَحْيَى الْمَدَنِيُّ الْقَزَّازُ الْأَشْجَعِيُّ مَوْلَاهُمْ ، أَخَذَ عَنْ اِبْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، وَمَالِكٍ وَطَبَقَتِهِمْ , وهو من كبار أصحاب مالك ومتقنيهم ، رَوَى عَنْهُ اِبْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ ، وَهَارُونُ الْجَمَّالُ وَخَلْقٌ ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ اِبْنِ وَهْبٍ ، وَهُوَ أَثْبَتُ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، تُوُفِّيَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ 198 ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ ، كَذَا فِي تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ ، وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ : ثِقَةٌ ثَبْتٌ . ( نَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ) هُوَ مَالِكُ بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْأَصْبَحِيُّ الْمَدَنِيُّ إِمَامُ دَارِ الْهِجْرَةِ رَأْسُ الْمُتْقِنِينَ وَكَبِيرُ الْمُثْبِتِينَ ، تَقَدَّمَ تَرْجَمَتُهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ . ( عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ) الْمَدَنِيِّ صَدُوقٌ تَغَيَّرَ حِفْظُهُ بِآخِرِهِ ، رَوَى لَهُ الْبُخَارِيُّ مَقْرُونًا وَتَعْلِيقًا ، مِنْ السَّادِسَةِ ، مَاتَ فِي خِلَافَةِ الْمَنْصُورِ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، قُلْتُ : قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ : وَقَالَ غَيْرُهُ - أَيْ غَيْرُ اِبْنِ مَعِينٍ - : إِنَّمَا أَخَذَ عَنْهُ مَالِكٌ قَبْلَ التَّغَيُّرِ ، وَقَالَ الْحَاكِمُ : رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ الْكَثِيرَ وَأَكْثَرُهَا فِي الشَّوَاهِدِ . انْتَهَى . ( عَنْ أَبِيهِ ) أَيْ أَبِي صَالِحٍ وَاسْمُهُ ذَكْوَانُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : ذَكْوَانُ أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ الزَّيَّاتُ الْمَدَنِيُّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ وَكَانَ يَجْلِبُ الزَّيْتَ إِلَى الْكُوفَةِ ، مِنْ الثَّالِثَةِ مَاتَ سَنَةَ 101 إِحْدَى وَمِائَةٍ . تَنْبِيهٌ : اعْلَمْ أَنَّ أَبَا صَالِحٍ وَالِدَ سُهَيْلٍ هُوَ أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ ، وَاسْمُهُ ذَكْوَانُ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لِمَنْ لَهُ أَدْنَى مُنَاسَبَةٍ بِفَنِّ الْحَدِيثِ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَقَدْ وَقَعَ صَاحِبُ الطِّيبِ الشَّذِيِّ هَاهُنَا فِي مَغْلَطَةٍ عَظِيمَةٍ فَظَنَّ أَنَّ أَبَا صَالِحٍ وَالِدَ سُهَيْلٍ هَذَا هُوَ أَبُو صَالِحٍ الَّذِي اِسْمُهُ مِينَا ، حَيْثُ قَالَ : قَوْلُهُ عَنْ أَبِيهِ مَوْلَى ضُبَاعَةَ ، لَيِّنُ الْحَدِيثِ مِنْ الثَّالِثَةِ ، وَاسْمُهُ مِينَا بِكَسْرِ الْمِيمِ . انْتَهَى . وَالْعَجَبُ كُلَّ الْعَجَبِ أَنَّهُ كَيْفَ وَقَعَ فِي هَذِهِ الْمَغْلَطَةِ مَعَ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ قَدْ صَرَّحَ فِي هَذَا الْبَابِ بِأَنَّ أَبَا صَالِحٍ وَالِدَ سُهَيْلٍ هُوَ أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ وَاسْمُهُ ذَكْوَانُ . ثُمَّ قد حَكَمَ التِّرْمِذِيُّ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، فَكَيْفَ ظَنَّ أَنَّ أَبَا صَالِحٍ وَالِدَ سُهَيْلٍ هُوَ أَبُو صَالِحٍ الَّذِي اِسْمُهُ مِينَا ، وَهُوَ لَيِّنُ الْحَدِيثِ . قَوْلُهُ : إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ أَوْ الْمُؤْمِنُ هَذَا شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي ، وَكَذَا قَوْلُهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخر قَطْرِ الْمَاءِ ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ ( فَغَسَلَ وَجْهَهُ ) عُطِفَ عَلَى تَوَضَّأَ عَطْفَ تَفْسِيرٍ ، أَوْ الْمُرَادُ إِذَا أَرَادَ الْوُضُوءَ وَهُوَ الْأَوْجَهُ ( خَرَجَتْ مِنْ وَجْهِهِ ) جَوَابُ إِذَا ( كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا ) أَيْ إِلَى الْخَطِيئَةِ يَعْنِي إِلَى سَبَبِهَا إِطْلَاقًا لِاسْمِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ مُبَالَغَةً ( بِعَيْنَيْهِ ) قَالَ الطِّيبِيُّ : تَأْكِيدٌ ( مَعَ الْمَاءِ ) أَيْ مَعَ اِنْفِصَالِهِ ( أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ أَوْ نَحْوَ هَذَا ) قِيلَ : أَوْ ، لِشَكِّ الرَّاوِي وَقِيلَ لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ ، وَالْقَطْرُ إِجْرَاءُ الْمَاءِ وَإِنْزَالُ قَطْرِهِ ، كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ ، قُلْتُ : أَوْ هَاهُنَا لِلشَّكِّ لَا لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ أَوْ نَحْوَ هَذَا ، قَالَ الْقَاضِي : الْمُرَادُ بِخُرُوجِهَا مَعَ الْمَاءِ الْمَجَازُ وَالِاسْتِعَارَةُ فِي غُفْرَانِهَا ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِأَجْسَامٍ فَتَخْرُجُ حَقِيقَةً . وَقَالَ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَةِ الْأَحْوَذِيِّ : قَوْلُهُ خَرَجَتْ الْخَطَايَا يَعْنِي غُفِرَتْ لِأَنَّ الْخَطَايَا هِيَ أَفْعَالٌ وَأَعْرَاضٌ لَا تَبْقَى فَكَيْفَ تُوصَفُ بِدُخُولٍ أَوْ بِخُرُوجٍ؟ وَلَكِنَّ الْبَارِئَ لَمَّا أَوْقَفَ الْمَغْفِرَةَ عَلَى الطَّهَارَةِ الْكَامِلَةِ فِي الْعُضْوِ ضَرَبَ لِذَلِكَ مَثَلًا بِالْخُرُوجِ . انْتَهَى . قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ اِبْنِ الْعَرَبِيِّ هَذَا ، مَا لَفْظُهُ : بَلْ الظَّاهِرُ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْخَطَايَا تُورِثُ فِي الظاهر والباطن سَوَادًا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَرْبَابُ الْأَحْوَالِ وَالْمُكَاشَفَاتِ ، وَالطَّهَارَةُ تُزِيلُهُ ، وَشَاهِدُ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ ، وَإِنْ عَادَ زَادَتْ حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ ، وَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ : كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ يَاقُوتَةٌ بَيْضَاءُ مِنْ الْجَنَّةِ وَكَانَ أَشَدَّ بَيَاضًا مِنْ الثَّلْجِ وَإِنَّمَا سَوَّدَتْهُ خَطَايَا الْمُشْرِكِينَ . قَالَ السُّيُوطِيُّ : فَإِذَا أَثَّرَتْ الْخَطَايَا فِي الْحَجَرِ فَفِي جَسَدِ فَاعِلِهَا أَوْلَى ، فَإِمَّا أَنْ يُقَدَّرَ : خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ أَثَرُ خَطِيئَتِهِ أَوْ السَّوَادُ الَّذِي أَحْدَثَتْهُ ، وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ : إِنَّ الْخَطِيئَةَ نَفْسَهَا تَتَعَلَّقُ بِالْبَدَنِ عَلَى أَنَّهَا جِسْمٌ لَا عَرَضٌ بِنَاءً عَلَى إِثْبَاتِ عَالَمِ الْمِثَالِ ، وَأَنَّ كُلَّ مَا هُوَ فِي هَذَا الْعَالَمِ عَرَضٌ لَهُ صُورَةٌ فِي عَالَمِ الْمِثَالِ ، وَلِهَذَا صَحَّ عَرْضُ الْأَعْرَاضِ عَلَى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، ثُمَّ الْمَلَائِكَةِ وَقِيلَ لَهُمْ : أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ وَإِلَّا فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ عَرْضُ الْأَعْرَاضِ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا صُورَةٌ تُشَخَّصُ بِهَا ، قَالَ : وَقَدْ حَقَّقْتُ ذَلِكَ فِي تَأْلِيفٍ مُسْتَقِلٍّ وَأَشَرْتُ إِلَيْهِ فِي حَاشِيَتِي الَّتِي عَلَّقْتهَا عَلَى تَفْسِيرِ الْبَيْضَاوِيِّ ، وَمِنْ شَوَاهِدِهِ فِي الْخَطَايَا مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ اِبْنِ عُمَرَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَامَ يُصَلِّي أُتِيَ بِذُنُوبِهِ فَجُعِلَتْ عَلَى رَأْسِهِ وَعَاتِقِهِ فَكُلَّمَا رَكَعَ وَسَجَدَ تَسَاقَطَتْ عَنْهُ . وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمُسْلِمُ يُصَلِّي وَخَطَايَاهُ مَرْفُوعَةٌ عَلَى رَأْسِهِ كُلَّمَا سَجَدَ تَحَاتَّتْ عَنْهُ ، انْتَهَى كَلَامُ السُّيُوطِيِّ . قُلْتُ : لَا شَكَّ فِي أَنَّ الظَّاهِرَ هُوَ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَأَمَّا إِثْبَاتُ عَالَمِ الْمِثَالِ فَعِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ فَتَفَكَّرْ . قَوْلُهُ : ( بَطَشَتْهَا ) أَيْ أَخَذَتْهَا ( حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنْ الذُّنُوبِ ) قَالَ اِبْنُ الْمَلَكِ : أَيْ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُتَوَضِّئُ مِنْ وُضُوئِهِ طَاهِرًا مِنْ الذُّنُوبِ ، أَيْ الَّتِي اِكْتَسَبَهَا بِهَذِهِ الْأَعْضَاءِ أَوْ مِنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ ، قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ السِّنْدِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : قَوْلُهُ حَتَّى يَخْرُجَ مُتَرَتِّبٌ عَلَى تَمَامِ الْوُضُوءِ ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ : وَهَكَذَا بَاقِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ، كَمَا يُفِيدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ ، الْحَدِيثَ ، وَرِوَايَاتٌ غَيْرُه . انْتَهَى . قُلْتُ : الْأَمْرُ كَمَا قَالَ السِّنْدِيُّ ، فَرَوَى مَالِكٌ ، وَالنَّسَائِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ مَرْفُوعًا : إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ فَمَضْمَضَ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ فِيهِ وَإِذَا اِسْتَنْثَرَ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ أَنْفِهِ ، وَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ وَجْهِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ يَدَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ يَدَيْهِ ، فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ رِجْلَيْهِ ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أَظْفَارِ رِجْلَيْهِ ، ثُمَّ كَانَ مَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَصَلَاتُهُ نَافِلَةً لَهُ ، كَذَا فِي الْمِشْكَاةِ . قَالَ الطِّيبِيُّ : فَإِنْ قِيلَ : ذَكَرَ لِكُلِّ عُضْوٍ مَا يُخَصُّ بِهِ مِنْ الذُّنُوبِ وَمَا يُزِيلُهَا عَنْ ذَلِكَ ، وَالْوَجْهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْعَيْنِ وَالْأَنْفِ وَالْأُذُنِ فَلِمَ خُصَّتْ الْعَيْنُ بِالذِّكْرِ؟ أُجِيبُ بِأَنَّ الْعَيْنَ طَلِيعَةُ الْقَلْبِ وَرَائِدُهُ فَإِذَا ذُكِرَتْ أَغْنَتْ عَنْ سَائِرِهَا . انْتَهَى . قَالَ اِبْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ - مُعْتَرِضًا عَلَى الطِّيبِيِّ - : كَوْنُ الْعَيْنِ طَلِيعَةً كَمَا ذَكَرَهُ لَا يُنْتِجُ الْجَوَابَ عَنْ تَخْصِيصِ خَطِيئَتِهَا بِالْمَغْفِرَةِ كَمَا هُوَ جَلِيٌّ ، بَلْ الَّذِي يُتَّجَهُ فِي الْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ سَبَبَ التَّخْصِيصِ هُوَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْفَمِ وَالْأَنْفِ وَالْأُذُنِ لَهُ طَهَارَةٌ مَخْصُوصَةٌ خَارِجَةٌ عَنْ طَهَارَةِ الْوَجْهِ ، فَكَانَتْ مُتَكَفِّلَةً بِإِخْرَاجِ خَطَايَاهُ ، بِخِلَافِ الْعَيْنِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهَا طَهَارَةٌ إِلَّا فِي غَسْلِ الْوَجْهِ فَخُصَّتْ خَطِيئَتُهَا بِالْخُرُوجِ عِنْدَ غَسْلِهِ دُونَ غَيْرِهَا مِمَّا ذُكِرَ . ذَكَرَهُ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ ص 64 ج 2 . انْتَهَى . قُلْتُ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ اِبْنُ حَجَر ، يَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ مَالِكٍ ، وَالنَّسَائِيِّ الْمَذْكُورَةُ ، قَالَ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْعَارِضَةِ : الْخَطَايَا الْمَحْكُومُ بِمَغْفِرَتِهَا هِيَ الصَّغَائِرُ دُونَ الْكَبَائِرِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اُجْتُنِبَتْ الْكَبَائِرُ ، فَإِذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ مَقْرُونَةً بِالْوُضُوءِ لَا تُكَفِّرُ الْكَبَائِرَ فَانْفِرَادُ الْوُضُوءِ بِالتَّقْصِيرِ عَنْ ذَلِكَ أَحْرَى ، قَالَ : وَهَذَا التَّكْفِيرُ إِنَّمَا هُوَ لِلذُّنُوبِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِحُقُوقِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، وَأَمَّا الْمُتَعَلِّقَةُ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فَإِنَّمَا يَقَعُ النَّظَرُ فِيهَا بِالْمُقَاصَّةِ مَعَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، وَتَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ حَدُّ الْحَسَنِ وَالصَّحِيحِ مُفَصَّلًا . قَوْلُهُ : ( وَأَبُو صَالِحٍ وَالِدُ سُهَيْلٍ هُوَ أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ ) بِشَدَّةِ الْمِيمِ أَيْ بَائِعُ السَّمْنِ وَكَانَ يَجْلِبُ الزَّيْتَ وَالسَّمْنَ إِلَى الْكُوفَةِ ( وَاسْمُهُ ذَكْوَانُ ) الْمَدَنِيُّ مَوْلَى جُوَيْرِيَةَ الْغَطَفَانِيَّةِ ، شَهِدَ الدَّارَ وَحِصَارَ عُثْمَانَ وَسَأَلَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَسَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ، وَعَائِشَةَ وَعِدَّةً مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَعَنْهُ ابْنُهُ سُهَيْلٌ ، وَالْأَعْمَشُ وَطَائِفَةٌ ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ فَقَالَ : ثِقَةٌ مِنْ أَجَلِّ النَّاسِ وَأَوْثَقِهِمْ ، قَالَ الْأَعْمَشُ : سَمِعْتُ مِنْ أَبِي صَالِحٍ أَلْفَ حَدِيثٍ ، تُوُفِّيَ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَةٍ . قَوْلُهُ : ( وَأَبُو هُرَيْرَةَ اِخْتَلَفُوا فِي اِسْمِهِ فَقَالُوا : عَبْدَ شَمْسٍ وَقَالُوا : عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ، وَهَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، وَهَذَا أَصَحُّ ) قَالَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ فِي التَّقْرِيبِ : أَبُو هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيُّ الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ حَافِظُ الصَّحَابَةِ اُخْتُلِفَ فِي اِسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ قِيلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَخْرٍ وَقِيلَ اِبْنُ غُنْمٍ إِلَى أَنْ ذَكَرَ تِسْعَةَ عَشَرَ قَوْلًا ثُمَّ قَالَ : هَذَا الَّذِي وَقَفْنَا عَلَيْهِ مِنْ الِاخْتِلَافِ ، وَاخْتُلِفَ فِي أَيِّهَا أَرْجَحُ ، فَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى الْأَوَّلِ أَيْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَخْرٍ وَذَهَبَ جَمْعٌ مِنْ النَّسَّابِينَ إِلَى عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ . انْتَهَى ، وَفِي الْمِرْقَاةِ شَرْحِ الْمِشْكَاةِ : قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ : أَصَحُّ شَيْءٍ عِنْدَنَا فِي اِسْمِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَخْرٍ وَغَلَبَتْ عَلَيْهِ كُنْيَتُهُ فَهُوَ كَمَنْ لَا اِسْمَ لَهُ ، أَسْلَمَ عَامَ خَيْبَرَ وَشَهِدَهَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لَزِمَهُ وَوَاظَبَ عَلَيْهِ رَاغِبًا فِي الْعِلْمِ رَاضِيًا بِشِبَعِ بَطْنِهِ وَكَانَ يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُ مَا دَارَ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : رَوَى عَنْهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَانِمِائَةِ رَجُلٍ فَمِنْهُمْ اِبْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عَمْرٍو ، وَجَابِرٌ ، وَأَنَسٌ ، قِيلَ : سَبَبُ تَلْقِيبِهِ بِذَلِكَ مَا رَوَاهُ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : كُنْتُ أَحْمِلُ يَوْمًا هِرَّةً فِي كُمِّي فَرَآنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا هَذِهِ؟ فَقُلْتُ : هِرَّةٌ ، فَقَالَ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ . انْتَهَى مَا فِي الْمِرْقَاةِ ، وَذَكَرَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ فِي تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ أَنَّهُ قَالَ : كَنَّانِي أَبِي بِأَبِي هُرَيْرَةَ لِأَنِّي كُنْتُ أَرْعَى غَنَمًا فَوَجَدْتُ أَوْلَادَ هِرَّةٍ وَحْشِيَّةٍ ، فَلَمَّا أَبْصَرَهُنَّ وَسَمِعَ أَصْوَاتَهُنَّ أَخْبَرْته فَقَالَ : أَنْتَ أَبُو هِرٍّ ، وَكَانَ اِسْمِي عَبْدَ شَمْسٍ . انْتَهَى . قُلْتُ : رَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي مَنَاقِبِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِسَنَدِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ : قُلْتُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ : لِمَ كُنِّيتَ أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ : أَمَا تَفْرَقُ مِنِّي؟ قُلْتُ : بَلَى وَاللَّهِ إِنِّي لَأَهَابُكَ ، قَالَ : كُنْتُ أَرْعَى غَنَمَ أَهْلِي وَكَانَتْ لِي هُرَيْرَةٌ صَغِيرَةٌ ، فَكُنْتُ أَضَعُهَا بِاللَّيْلِ فِي شَجَرَةٍ ، فَإِذَا كَانَ النَّهَارُ ذَهَبْتُ بِهَا مَعِي فَلَعِبْتُ بِهَا فَكَنَّوْنِي أَبَا هُرَيْرَةَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ . فَائِدَةٌ : اُخْتُلِفَ فِي صَرْفِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَنْعِهِ ، قَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ : جَرُّ هُرَيْرَةَ هُوَ الْأَصْلُ وَصَوَّبَهُ جَمَاعَةٌ لِأَنَّهُ جُزْءُ عَلَمٍ ، وَاخْتَارَ آخَرُونَ مَنْعَ صَرْفِهِ كَمَا هُوَ الشَّائِعُ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ; لِأَنَّ الْكُلَّ صَارَ كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ . انْتَهَى ، قُلْتُ : وَقَدْ صَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ مَنْعَهُ مِنْ الصَّرْفِ هُوَ الْجَارِي عَلَى أَلْسِنَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ فَالرَّاجِحُ هُوَ مَنْعُهُ مِنْ الصَّرْفِ ، وَكَانَ هُوَ الْجَارِيَ عَلَى أَلْسِنَةِ جَمِيعِ شُيُوخِنَا غَفَرَ اللَّهُ لَهُمْ وَأَدْخَلَهُمْ جَنَّةَ الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى ، وَيُؤَيِّدُ مَنْعَ صَرْفِهِ مَنْعُ صَرْفِ اِبْنِ دَايَةَ عَلَمًا لِلْغُرَابِ ، قَالَ قَيْسُ بْنُ مُلَوَّحٍ الْمَجْنُونُ : أَقُولُ وَقَدْ صَاحَ اِبْنُ دَايَةَ غَدْوَةً بِبُعْدِ النَّوَى لَا أَخْطَأَتْكَ الشَّبَائِكُ قَالَ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ الْمُسَمَّى بِأَنْوَارِ التَّنْزِيلِ : فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ رَمَضَانُ مَصْدَرُ رَمَضَ إِذَا اِحْتَرَقَ فَأُضِيفَ إِلَيْهِ الشَّهْرُ وَجُعِلَ عَلَمًا وَمُنِعَ مِنْ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالْأَلِفِ وَالنُّونِ كَمَا مُنِعَ دَايَةُ فِي اِبْنِ دَايَةَ عَلَمًا لِلْغُرَابِ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ . انْتَهَى . فَائِدَةٌ : قَدْ تَفَوَّهَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا ، وَقَوْلُهُمْ هَذَا بَاطِلٌ مَرْدُودٌ عَلَيْهِمْ ، وَقَدْ صَرَّحَ أَجِلَّةُ الْعُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ فَقِيهًا ، قَالَ صَاحِبُ السِّعَايَةِ شَرْحِ شَرْحِ الْوِقَايَةِ : وَهُوَ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ رَدًّا عَلَى مَنْ قَالَ مِنْهُمْ : إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - كَانَ غَيْرَ فَقِيهٍ ، مَا لَفْظُهُ : كَوْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ غَيْرَ فَقِيهٍ غَيْرُ صَحِيحٍ ، بَلْ الصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ كَانُوا يُفْتُونَ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ اِبْنُ الْهُمَامِ فِي تَحْرِيرِ الْأُصُولِ وَابْنُ حَجَرٍ فِي الْإِصَابَةِ فِي أَحْوَالِ الصَّحَابَةِ . انْتَهَى . وَفِي بَعْضِ حَوَاشِي نُورِ الْأَنْوَارِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ فَقِيهًا صَرَّحَ بِهِ اِبْنُ الْهُمَامِ فِي التَّحْرِيرِ ، كَيْفَ وَهُوَ لَا يَعْمَلُ بِفَتْوَى غَيْرِهِ ، وَكَانَ يُفْتِي بِزَمَنِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ وَكَانَ يُعَارِضُ أَجِلَّةَ الصَّحَابَةِ كَابْنِ عَبَّاسٍ فَإِنَّهُ قَالَ : إِنَّ عِدَّةَ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَبْعَدُ الْأَجَلَيْنِ فَرَدَّهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَفْتَى بِأَنَّ عِدَّتَهَا وَضْعُ الْحَمْلِ ، كَذَا قِيلَ . انْتَهَى . قُلْتُ : كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ وَمِنْ كِبَارِ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى ، قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ فِي تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ : أَبُو هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيُّ الْيَمَانِيُّ الْحَافِظُ الْفَقِيهُ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنْ أَوْعِيَةِ الْعِلْمِ وَمِنْ كِبَارِ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى مَعَ الْجَلَالَةِ وَالْعِبَادَةِ وَالتَّوَاضُعِ . انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ اِبْنُ الْقَيِّمِ فِي إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ : ثُمَّ قَامَ بِالْفَتْوَى بَعْدَه أي بعد رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرْكُ الْإِسْلَامِ وَعِصَابَةُ الْإِيمَانِ وَعَسْكَرُ الْقُرْآنِ وَجُنْدُ الرَّحْمَنِ ، أُولَئِكَ أَصْحَابُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانُوا بَيْنَ مُكْثِرٍ مِنْهَا وَمُقِلٍّ وَمُتَوَسِّطٍ ، وَكَانَ الْمُكْثِرُونَ مِنْهُمْ سَبْعَةً : عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، وَعَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَالْمُتَوَسِّطُونَ مِنْهُمْ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُمْ مِنْ الْفُتْيَا : أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، وَأُمُّ سَلَمَةَ ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ إِلَخْ ، فَلَا شَكَّ فِي أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ فَقِيهًا مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ وَمِنْ كِبَارِ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى . فَإِنْ قِيلَ : قَدْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ أَيْضًا : إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا ، وَالنَّخَعِيُّ مِنْ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ . قُلْتُ : قَدْ نُقِمَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ لِقَوْلِهِ : إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا ، قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ فِي تَرْجَمَتِهِ : وَكَانَ لَا يُحْكِمُ الْعَرَبِيَّةَ رُبَّمَا لَحَنَ وَنَقَمُوا عَلَيْهِ قَوْلَهُ : لَمْ يَكُنْ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقِيهًا . انْتَهَى . عِبْرَةٌ : قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَةِ الْأَحْوَذِيِّ فِي بَحْثِ حَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ الْمَرْوِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : قَالَ بَعْضُهُمْ : هَذَا الْحَدِيثُ لَا يُقْبَلُ لِأَنَّهُ يَرْوِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَابْنُ عُمَرَ وَلَمْ يَكُونَا فَقِيهَيْنِ ، وَإِنَّمَا كَانَا صَالِحَيْنِ فَرِوَايَتُهُمَا إِنَّمَا تُقْبَلُ فِي الْمَوَاعِظِ لَا فِي الْأَحْكَامِ ، وَهَذِهِ جُرْأَةٌ عَلَى اللَّهِ وَاسْتِهْزَاءٌ فِي الدِّينِ عِنْدَ ذَهَابِ حَمَلَتِهِ وَفَقْدِ نَصَرَتِهِ ، وَمَنْ أَفْقَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عُمَرَ وَمَنْ أَحْفَظُ مِنْهُمَا ، خُصُوصًا مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَدْ بَسَطَ رِدَاءَهُ وَجَمَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ فَمَا نَسِيَ شَيْئًا أَبَدًا ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْمُعَافَاةَ مِنْ مَذْهَبٍ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالطَّعْنِ عَلَى الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَلَقَدْ كُنْتُ فِي جَامِعِ الْمَنْصُورِ مِنْ مَدِينَةِ السَّلَامِ فِي مَجْلِسِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّامَغَانِيِّ قَاضِي الْقُضَاةِ ، فَأَخْبَرَنِي بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَقَدْ جَرَى ذِكْرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ تَكَلَّمَ فِيهَا بَعْضُهُمْ يَوْمًا وَذَكَرَ هَذَا الطَّعْنَ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَسَقَطَ مِنْ السَّقْفِ حَيَّةٌ عَظِيمَةٌ فِي وَسَطِ الْمَسْجِدِ ، فَأَخَذَتْ فِي سَمْتِ الْمُتَكَلِّمِ بِالطَّعْنِ ، وَنَفَرَ النَّاسُ وَارْتَفَعُوا ، وَأَخَذَتْ الْحَيَّةُ تَحْتَ السَّوَارِي فَلَمْ يَدْرِ أَيْنَ ذَهَبَتْ ، فَارْعَوى مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ مِنْ التَّرَسُّلِ فِي هَذَا الْقَدْحِ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عُثْمَانَ ، وَثَوْبَانَ ، وَالصُّنَابِحِيِّ ، وَعَمْرو بْنِ عَبَسَةَ ، وَسَلْمَانَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ) أَمَّا حَدِيثُ عُثْمَانَ : فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ بِلَفْظِ : قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ثَوْبَانَ فَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالدَّارِمِيُّ . وَأَمَّا حَدِيثُ الصُّنَابِحِيِّ فَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا وَلَا عِلَّةَ لَهُ وَالصُّنَابِحِيُّ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ ، كَذَا فِي التَّرْغِيبِ لِلْمُنْذِرِيِّ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَمَّا حَدِيثُ سَلْمَانَ فَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ بِلَفْظِ : إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ تَحَاط عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَمَا تَحَاط وَرَقُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ . وَفِي الْبَابِ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِوَى الْمَذْكُورِينَ ذَكَرَ أَحَادِيثَهُمْ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ ، وَالْهَيْثَمِيُّ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ . قَوْلُهُ : ( وَالصُّنَابِحِيُّ هَذَا الَّذِي رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فَضْلِ الطُّهُورِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ الصُّنَابِحِيُّ ) هَذِهِ الْعِبَارَةُ لَيْسَتْ فِي النُّسَخِ الْمَطْبُوعَةِ ، إِنَّمَا هِيَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْقَلَمِيَّةِ الصَّحِيحَةِ ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ هَذَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ فَمَضْمَضَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ فِيهِ ، الْحَدِيثَ . قَالَ الْحَافِظُ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : قَدْ اُخْتُلِفَ عَلَى عَطَاءٍ فِيهِ ، قَالَ بَعْضُهُمْ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ وَهُوَ الصَّحِيحُ ، كَذَا فِي الْمُحَلَّى ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : وَهَمَ مَالِكٌ فِي قَوْلِهِ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ ، وَإِنَّمَا هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، كَذَا فِي إِسْعَافِ الْمُبْطَأِ ( وَالصُّنَابِحِيُّ الَّذِي رَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ لَيْسَ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُسَيْلَةَ وَيُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُسَيْلَةَ بِمُهْمَلَةٍ مُصَغَّرًا الْمُرَادِيُّ ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيُّ ، ثِقَةٌ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ ، قَدِمَ الْمَدِينَةَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ ، مَاتَ فِي خِلَافَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ . انْتَهَى ( رَحَلَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقبض النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ ) رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ الصُّنَابِحِيِّ أَنَّهُ قَالَ له : مَتَى هَاجَرْتُ؟ قَالَ : خَرَجْنَا مِنْ الْيَمَنِ مُهَاجِرِينَ فَقَدِمْنَا الْجُحْفَةَ ، فَأَقْبَلَ رَاكِبٌ فَقُلْتُ لَهُ : الْخَبَرَ الْخَبَرَ ، فَقَالَ : دَفَنَّا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذُ خَمْسٍ ، قُلْتُ : هَلْ سَمِعْتَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ شَيْئًا ؟ قَالَ : أَخْبَرَنِي بِلَالٌ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ فِي السَّبْعِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ( وَالصُّنَابِحُ بْنُ الْأَعْسَرِ الْأَحْمَسِيُّ صَاحِبُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَالُ لَهُ : الصُّنَابِحِيُّ أَيْضًا ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : الصُّنَابِحُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ ثُمَّ نُونٍ وَمُوَحَّدَةٍ وَمُهْمَلَةٍ اِبْنُ الْأَعْسَرِ الْأَحْمَسِيُّ صَحَابِيٌّ سَكَنَ الْكُوفَةَ ، وَمَنْ قَالَ فِيهِ : الصُّنَابِحِيَّ فَقَدْ وَهَمَ . انْتَهَى ( وَإِنَّمَا حَدِيثُهُ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ ) قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ : كَاثَرْتُهُ فكثرته أَيْ غَلَبْته وَكُنْتُ أَكْثَرَ مِنْهُ ، يَعْنِي : إِنِّي أُبَاهِي بِأَكْثَرِيَّةِ أُمَّتِي عَلَى الْأُمَمِ السَّالِفَةِ ( فَلَا تَقْتَتِلُنَّ بَعْدِي ) بِصِيغَةِ النَّهْيِ الْمُؤَكَّدِ بِنُونِ التَّأْكِيدِ مِنْ الِاقْتِتَالِ ، قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ السِّنْدِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : فَإِنْ قُلْتَ : مَا وَجْهُ تَرَتُّبِ قَوْلِهِ : لَا تَقْتَتِلُنَّ بَعْدِي عَلَى الْمُكَاثَرَةِ؟ قُلْتُ : وَجْهُهُ أَنَّ الِاقْتِتَالَ مُوجِبٌ لِقَطْعِ النَّسْلِ إِذْ لَا تَنَاسُلَ مِنْ الْأَمْوَاتِ فَيُؤَدِّي إِلَى قِلَّةِ الْأُمَّةِ فَيُنَافِي الْمَطْلُوبَ ، فَلِذَلِكَ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ ، فَإِنْ قُلْتَ : الْمَقْتُولُ مَيِّتٌ بِأَجَلِهِ فَلَا وَجْهَ لِقَطْعِ النَّسْلِ بِسَبَبِ الِاقْتِتَالِ ، قُلْتُ : إِمَّا أَنْ يُقَالَ : إِنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى الِاقْتِتَالِ مُفْضٍ بِقَطْعِ النَّسْلِ ، فَالنَّسْلُ بِاعْتِبَارِ فِعْلِهِمْ الِاخْتِيَارِيِّ ، أَوْ يُقَالُ : يَكُونُ لَهُمْ أَجَلَانِ أَجَلٌ عَلَى تَقْدِيرِ الِاقْتِتَالِ وَأَجَلٌ بِدُونِهِ ، وَيَكُونُ الثَّانِي أَطْوَلَ مِنْ الْأَوَّلِ وَبِالِاقْتِتَالِ يَقْصُرُ الْأَجَلُ فَتَقِلُّ الْأُمَّةُ ، وَهَذَا يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ عِنْدَ اللَّهِ لَا يَكُونُ إِلَّا أَجَلٌ وَاحِدٌ . انْتَهَى كَلَامُ أَبِي الطَّيِّبِ . وَحَدِيثُ الصُّنَابِحِيِّ هَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ص 351 ج 4 بِأَلْفَاظٍ . تَنْبِيهٌ : اِعْلَمْ أَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ الْمَذْكُورِ أَمْرَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ الصُّنَابِحِيَّ الَّذِي رَوَى فِي فَضْلِ الطُّهُورِ صَحَابِيٌّ ، وَالثَّانِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ الصُّنَابِحِيَّ هَذَا غَيْرُ الصُّنَابِحِيِّ الَّذِي اِسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُسَيْلَةَ وَكُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، لَكِنَّهُ لَيْسَ هَذَانِ الْأَمْرَانِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِمَا ، بَلْ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا اِخْتِلَافٌ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : عَبْدُ اللَّهِ الصُّنَابِحِيُّ مُخْتَلَفٌ فِي وُجُودِهِ ، فَقِيلَ : صَحَابِيٌّ مَدَنِيٌّ ، وَقِيلَ : هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُسَيْلَةَ ، وَقَالَ اِبْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي مَرَاسِيلِهِ : عَبْدُ اللَّهِ الصُّنَابِحِيُّ هُمْ ثَلَاثَةٌ فَاَلَّذِي يَرْوِي عَنْهُ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ الصُّنَابِحِيُّ وَلَمْ تَصِحَّ صُحْبَتُهُ . انْتَهَى . وَقَالَ السُّيُوطِيُّ فِي إِسْعَافِ الْمُبْطَأِ : عَبْدُ اللَّهِ الصُّنَابِحِيُّ وَيُقَالُ : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ ، رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، وَعَنْهُ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : وَهِمَ مَالِكٌ فِي قَوْلِهِ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ وَإِنَّمَا هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُسَيْلَةَ ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : عَبْدُ اللَّهِ الصُّنَابِحِيُّ يَرْوِي عَنْهُ الْمَدَنِيُّونَ يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ لَهُ صُحْبَةٌ . انْتَهَى .
بَاب فِي مَاءِ الْبَحْرِ أَنَّهُ طَهُورٌ 69 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، عَنْ مَالِكٍ ح وَحَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ قال : حَدَّثَنَا مَعْنٌ قال : حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ مِنْ آلِ ابْنِ الْأَزْرَقِ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنْ الْمَاءِ ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا ، أَفَنَتَوَضَّأُ مِنْ الْبَحْرِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ وَفِي الْبَاب عَنْ جَابِرٍ وَالْفِرَاسِيِّ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ لَمْ يَرَوْا بَأْسًا بِمَاءِ الْبَحْرِ ، وَقَدْ كَرِهَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوُضُوءَ بِمَاءِ الْبَحْرِ مِنْهُمْ ابْنُ عُمَرَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو : هُوَ نَارٌ . قَوْلُهُ : ( وَحَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ ) هُوَ إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الطَّهُورِ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ إِذَا قَالَ : الْأَنْصَارِيَّ ، يُرِيدُ بِهِ إِسْحَاقَ بْنَ مُوسَى الْأَنْصَارِيَّ . ( عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ ) بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ اللَّامِ الزُّهْرِيِّ مَوْلَاهُمْ الْمَدَنِيُّ ، رَوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ ، وَمَوْلَاهُ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَعَنْهُ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَخَلْقٌ ، قَالَ أَحْمَدُ : ثِقَةٌ مِنْ خِيَارِ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ يُسْتَشْفَى بِحَدِيثِهِ وَيَنْزِلُ الْقَطْرُ مِنَ السَّمَاءِ بِذِكْرِهِ ، وَقَالَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ : رَأَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ سُلَيْمٍ ، وَلَوْ قِيلَ لَهُ : غَدًا الْقِيَامَةُ ، مَا كَانَ عِنْدَهُ مَزِيدٌ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الْعِبَادَةِ ، مَاتَ سَنَةَ 132 اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ ، قُلْتُ هُوَ مِنْ رِجَالِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ . ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ مِنْ آلِ ابْنِ الْأَزْرَقِ ) وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ . ( أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ ) الْكِنَانِيَّ رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَنْهُ سَعِيدُ بْنُ سَلَمَةَ وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ . قَوْلُهُ : ( سَأَلَ رَجُلٌ ) سَمَّى ابْنُ بَشْكُوَالَ السَّائِلَ عَبْدَ اللَّهِ الْمُدْلِجِيَّ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ : اسْمُهُ عُبَيْدٌ ، وَقِيلَ : عَبْدٌ قَالَ : وَأَمَّا قَوْلُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْأَنْسَابِ اسْمُهُ الْعَرَكِيُّ فَفِيهِ إِيهَامُ أَنَّ الْعَرَكِيَّ اسْمُ عَلَمٍ لَهُ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْعَرَكِيُّ وَصْفٌ لَهُ ، وَهُوَ مَلَّاحُ السَّفِينَةِ كَذَا فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي . ( إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ ) زَادَ الْحَاكِمُ نُرِيدُ الصَّيْدَ قَالَ الزُّرْقَانِيُّ : الْمُرَادُ مِنَ الْبَحْرِ الْمِلْحُ ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَوَهَّمُ فِيهِ لِأَنَّهُ مَالِحٌ وَمُرٌّ ، وَرِيحُهُ مُنْتِنٌ . انْتَهَى . ( وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ ) وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ ، وَالْحَاكِمِ ، وَالْبَيْهَقِيِّ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمًا فَجَاءَ صَيَّادٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَنْطَلِقُ فِي الْبَحْرِ نُرِيدُ الصَّيْدَ فَيَحْمِلُ أَحَدُنَا مَعَهُ الْإِدَاوَةَ وَهُوَ يَرْجُو أَنْ يَأْخُذَ الصَّيْدَ قَرِيبًا فَرُبَّمَا وَجَدَهُ كَذَلِكَ وَرُبَّمَا لَمْ يَجِدْ الصَّيْدَ حَتَّى يَبْلُغَ مِنَ الْبَحْرِ مَكَانًا لَمْ يَظُنَّ أَنْ يَبْلُغَهُ فَلَعَلَّهُ يَحْتَلِمُ أَوْ يَتَوَضَّأُ فَإِنْ اغْتَسَلَ أَوْ تَوَضَّأَ بِهَذَا الْمَاءِ فَلَعَلَّ أَحَدُنَا يُهْلِكُهُ الْعَطَشُ فَهَلْ تَرَى فِي مَاءِ الْبَحْرِ أَنْ نَغْتَسِلَ بِهِ أَوْ نَتَوَضَّأَ إِذَا خِفْنَا ذَلِكَ . ( عَطِشْنَا ) بِكَسْرِ الطَّاءِ ( هُوَ الطَّهُورُ ) بِفَتْحِ الطَّاءِ ، أَيْ الْمُطَهِّرُ ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ ، وَقَالَ الْمَجْدُ فِي الْقَامُوسِ : الطَّهُورُ الْمَصْدَرُ وَاسْمُ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ أَوْ الطَّاهِرُ الْمُطَهِّرُ . انْتَهَى . قُلْتُ : الْمُرَادُ هَاهُنَا هُوَ الْمَعْنَى الْأَخِيرُ قَالَ الزُّرْقَانِيُّ : أَيْ الْبَالِغُ فِي الطَّهَارَةِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَأَنْـزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا أَيْ طَاهِرًا فِي ذَاتِهِ مُطَهِّرًا لِغَيْرِهِ ، قَالَ : وَلَمْ يَقُلْ فِي جَوَابِهِ : نَعَمْ ، مَعَ حُصُولِ الْغَرَضِ بِهِ لِيَقْرُنَ الْحُكْمَ بِعِلَّتِهِ وَهِيَ الطَّهُورِيَّةُ الْمُتَنَاهِيَةُ فِي بَابِهَا . انْتَهَى . ( مَاؤُهُ ) بِالرَّفْعِ فَاعِلُ الطَّهُورُ ( الْحِلُّ ) أَيْ الْحَلَالُ كَمَا فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَأَنَسٍ ، وَابْنِ عَمْرٍو ( مَيْتَتُهُ ) بِالرَّفْعِ فَاعِلُ الْحِلُّ . قَالَ الرَّافِعِيُّ : لَمَّا عَرَفَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اشْتِبَاهَ الْأَمْرِ عَلَى السَّائِلِ فِي مَاءِ الْبَحْرِ أَشْفَقَ أَنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِ حُكْمُ مَيْتَتِهِ وَقَدْ يُبْتَلَى بِهَا رَاكِبُ الْبَحْرِ فَعَقَّبَ الْجَوَابَ عَنْ سُؤَالِهِ بِبَيَانِ حُكْمِ الْمَيْتَةِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : سَأَلَهُ عَنْ مَائِهِ فَأَجَابَهُ عَنْ مَائِهِ وَطَعَامِهِ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ قَدْ يُعْوِزُهُمْ الزَّادُ فِيهِ كَمَا يُعْوِزُهُمْ الْمَاءُ فَلَمَّا جَمَعَتْهُمْ الْحَاجَةُ انْتَظَمَ الْجَوَابُ بِهِمَا . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَذَلِكَ مِنْ مَحَاسِنِ الْفَتْوَى أَنْ يُجَاءَ فِي الْجَوَابِ بِأَكْثَرَ مِمَّا يُسْأَلُ عَنْهُ تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ ، وَإِفَادَةً لِعِلْمٍ آخَرَ غَيْرِ المَسْئُولٍ عَنْهُ ، وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ عِنْدَ ظُهُورِ الْحَاجَةِ إِلَى الْحُكْمِ كَمَا هُنَا ، لِأَنَّ مَنْ تَوَقَّفَ فِي طَهُورِيَّةِ مَاءِ الْبَحْرِ فَهُوَ عَنِ الْعِلْمِ بَحِلِّ مَيْتَتِهِ مَعَ تَقَدُّمِ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ أَشَدَّ تَوَقُّفًا . قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَمِيرُ فِي السُّبُلِ : الْمُرَادُ بِالْمَيْتَةِ مَا مَاتَ فِيهِ مِنْ دَوَابِّهِ مِمَّا لَا يَعِيشُ إِلَّا فِيهِ ، لَا مَا مَاتَ فِيهِ مُطْلَقًا ، فَإِنَّهُ وَإِنْ صَدَقَ عَلَيْهِ لُغَةً أَنَّهُ مَيْتَةُ بَحْرٍ فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُرَادُ إِلَّا مَا ذَكَرْنَا ، قَالَ : وَظَاهِرُهُ حِلُّ كُلِّ مَا مَاتَ فِيهِ وَلَوْ كَانَ كَالْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ . انْتَهَى . قُلْتُ : اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي حِلِّ غَيْرِ السَّمَكِ مِنْ دَوَابِّ الْبَحْرِ ، فَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ : يَحْرُمُ أَكْلُ مَا سِوَى السَّمَكِ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : يُؤْكَلُ كُلُّ مَا فِي الْبَحْرِ إِلَّا الضُّفْدَعَ وَالتِّمْسَاحَ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَمَالِكٌ : يُبَاحُ كُلُّ مَا فِي الْبَحْرِ ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ مَا لَهُ نَظِيرٌ مِنَ الْبَرِّ يُؤْكَلُ فيؤكل نَظِيرُهُ مِنْ حَيَوَانِ الْبَحْرِ مِثْلَ بَقَرِ الْمَاءِ وَنَحْوِهِ ، وَلَا يُؤْكَلُ مَا لَا يُؤْكَلُ نَظِيرُهُ فِي الْبَرِّ مِثْلَ كَلْبِ الْمَاءِ وَخِنْزِيرِ الْمَاءِ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ ، وَعَنِ الشَّافِعِيَّةِ أَقْوَالٌ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي حِلِّ السَّمَكِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ ، وَإِنَّمَا اخْتُلِفَ فِيمَا كَانَ عَلَى صُورَةِ حَيَوَانِ الْبَرِّ كَالْآدَمِيِّ وَالْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَالثُّعْبَانِ ، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ يَحْرُمُ مَا عَدَا السَّمَكِ ، وَعَنِ الشَّافِعِيَّةِ الْحِلُّ مُطْلَقًا عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَّا الْخِنْزِيرَ فِي رِوَايَةٍ ، وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ تَعَالَى : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَحَدِيثُ هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ أَخْرَجَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمْ ، وَعَنِ الشَّافِعِيَّةِ مَا يُؤْكَلُ نَظِيرُهُ فِي الْبَرِّ حَلَالٌ ، وَمَا لَا فَلَا ، وَاسْتَثْنَوْا عَلَى الْأَصَحِّ مَا يَعِيشُ فِي الْبَحْرِ وَالْبَرِّ ، وَهُوَ نَوْعَانِ : النَّوْعُ الْأَوَّلُ : مَا وَرَدَ فِي مَنْعِ أَكْلِهِ شَيْءٌ يَخُصُّهُ كَالضُّفْدَعِ ، وَكَذَا اسْتَثْنَاهُ أَحْمَدُ لِلنَّهْيِ عَنْ قَتْلِهِ ، وَمِنَ الْمُسْتَثْنَى أَيْضًا التِّمْسَاحُ لِكَوْنِهِ يَعْدُو بِنَابِهِ ، وَمِثْلُهُ الْقِرْشُ فِي الْبَحْرِ الْمِلْحِ خِلَافًا لِمَا أَفْتَى بِهِ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ ، وَالثُّعْبَانُ وَالْعَقْرَبُ وَالسَّرَطَانُ وَالسُّلَحْفَاةُ لِلِاسْتِخْبَاثِ وَالضَّرَرِ اللَّاحِقِ مِنَ السُّمِّ . النَّوْعُ الثَّانِي : مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ مَانِعٌ فَيَحِلُّ أَكْلُهُ بِشَرْطِ التَّذْكِيَةِ كَالْبَطِّ وَطَيْرِ الْمَاءِ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ بِاخْتِصَارٍ . وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي عُمْدَةِ الْقَارِي ص 30 ج 1 : وَعِنْدَنَا يُكْرَهُ أَكْلُ مَا سِوَى السَّمَكِ مِنْ دَوَابِّ الْبَحْرِ كَالسَّرَطَانِ وَالسُّلَحْفَاةِ وَالضُّفْدَعِ وَخِنْزِيرِ الْمَاءِ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَمَا سِوَى السَّمَكِ خَبِيثٌ . انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ . وَأَجَابَ الْحَنَفِيَّةُ عَنْ قَوْلِهِ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْمَيْتَةِ السَّمَكُ لَا غَيْرُهُ بِدَلِيلِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ ، وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالطُّحَالُ وَالْكَبِدُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالُوا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ إِنَّ الْمُرَادَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ مَصِيدَاتُ الْبَحْرِ مِمَّا يُؤْكَلُ وَمِمَّا لَا يُؤْكَلُ وَالْمُرَادُ مِنْ طَعَامِهِ مَا يُطْعَمُ مِنْ صَيْدِهِ ، وَالْمَعْنَى أُحِلَّ لَكُمْ الِانْتِفَاعُ بِجَمِيعِ مَا يُصَادُ فِي الْبَحْرِ وَأُحِلَّ لَكُمْ أَكْلُ الْمَأْكُولِ مِنْهُ وَهُوَ السَّمَكُ وَحْدُهُ . وَقَالَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى حِلِّ جَمِيعِ مَا فِي الْبَحْرِ مِنْ دَوَابِّهِ مُطْلَقًا أَوْ مُسْتَثْنِيًا بَعْضَهَا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى هَذَا : إِنَّ الْمُرَادَ بِصَيْدِ الْبَحْرِ مَا صِيدَ مِنَ الْبَحْرِ ، وَالْمُرَادَ مِنْ طَعَامِهِ مَا قَذَفَهُ الْبَحْرُ وَرَمَاهُ إِلَى السَّاحِلِ ، وَالْمَعْنَى أُحِلَّ لَكُمْ أَكْلُ جَمِيعِ مَا صِدْتُمْ مِنَ الْبَحْرِ وَمَا قَذَفَهُ الْبَحْرُ ، قَالَ الْخَازِنُ فِي تَفْسِيرِهِ : الْمُرَادُ بِالصَّيْدِ مَا صِيدَ مِنَ الْبَحْرِ ، فَأَمَّا طَعَامُهُ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَقِيلَ : مَا قَذَفَهُ الْبَحْرُ وَرَمَى بِهِ إِلَى السَّاحِلِ ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأَيُّوبَ ، وَقَتَادَةَ ، وَقِيلَ : صَيْدُ الْبَحْرِ طَرِيُّهُ ، وَطَعَامُهُ مَالِحُهُ ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَالسُّدِّيِّ ، وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٍ كَالْقَوْلَيْنِ . انْتَهَى . وَقَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ : قَالَ عُمَرُ : صَيْدُهُ مَا اصْطِيدَ ، وَطَعَامُهُ مَا رَمَى بِهِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّارِيخِ ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : لَمَّا قَدِمْتُ الْبَحْرَيْنِ سَأَلَنِي أَهْلُهَا عَمَّا قَذَفَ الْبَحْرُ فَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يَأْكُلُوهُ ، فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ ، فَذَكَرَ قِصَّةً قَالَ : فَقَالَ عُمَرُ : قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي كِتَابِهِ : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ فَصَيْدُهُ مَا صِيدَ ، وَطَعَامُهُ مَا قَذَفَ بِهِ . فَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا كُلَّهُ فَاعْلَمْ أَنَّ السَّمَكَ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ حَلَالٌ بِلَا شَكٍّ ، وَأَمَّا غَيْرُ السَّمَكِ مِنْ سَائِرِ دَوَابِّ الْبَحْرِ فَمَا كَانَ مِنْهُ ضَارًّا يَضُرُّ أَكْلُهُ أَوْ مُسْتَخْبَثًا أَوْ وَرَدَ نَصٌّ فِي مَنْعِ أَكْلِهِ فَهُوَ حَرَامٌ ، وَأَمَّا مَا لَمْ يَثْبُتْ بِنَصٍّ صَرِيحٍ أَكْلُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ عَنِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مَعَ وُجُودِهِ فِي ذَلِكَ الْعَهْدِ ، فَالِاقْتِدَاءُ بِهِمْ فِي عَدَمِ الْأَكْلِ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ ، هَذَا مَا عِنْدِي ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ . تَنْبِيهٌ : قَالَ صَاحِبُ الْعَرْفِ الشَّذِيِّ مَا لَفْظُهُ : قَالَ مَوْلَانَا مَحْمُودُ حَسَنٍ : إِنَّ الْحِلَّ أَيْ فِي قَوْلِهِ : الْحِلُّ مَيْتَتُهُ بِمَعْنَى الطَّاهِرِ ، وَثَبَتَ الْحِلُّ بِمَعْنَى الطَّهَارَةِ كَمَا فِي قِصَّةِ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ حَلَّتْ بِالصَّهْبَاءِ أَيْ طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضِ . انْتَهَى . قُلْتُ : الْقَوْلُ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْحِلِّ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْحِلُّ مَيْتَتُهُ بِمَعْنَى الطَّاهِرِ غَيْرُ مَحْمُودٍ بَلْ هُوَ بَاطِلٌ جِدًّا ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِمَّنْ قَبْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِينَ عَلَيْهِمْ الِاعْتِمَادُ ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الْحِلِّ حَشْوًا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ ، فَإِنَّهُ يَكْفِي أَنْ يَقُولَ : هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ وَمَيْتَتُهُ ، وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رضي الله عنه - أَحَدُ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ فَهِمَ هُوَ مِنْ لَفْظِ الْحِلِّ : الْحَلَالَ دُونَ الطَّهَارَةِ ، فَفِي التَّلْخِيصِ ص : 3 : وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ : آكُلُ مَا طَفَا عَلَى الْمَاءِ؟ قَالَ : إِنَّ طَافِيَهُ مَيْتَتُهُ ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ مَاءَهُ طَهُورٌ وَمَيْتَتَهُ حِلٌّ فَانْظُرْ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رضي الله عنه - أَرَادَ مِنْ لَفْظِ الحل الْحَلَالِ ضِدَّ الْحَرَامِ دُونَ مَعْنَى الطَّاهِرِ ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ رَاوِيَ الْحَدِيثِ أَدْرَى بِمَعْنَاهُ . وَقَالَ أَيْضًا : وَالْمُرَادُ بِالْمَيْتَةِ غَيْرُ الْمَذْبُوحِ ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى حِلِّ الطَّافِي ، قَالَ : وَأَثَرُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فِي الطَّافِي مُضْطَرِبُ اللَّفْظِ . انْتَهَى . قُلْتُ : الْقَوْلُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَيْتَةِ غَيْرُ الْمَذْبُوحِ لِئَلَّا يَدُلُّ عَلَى حِلِّ الطَّافِي مِمَّا لَا يُصْغَى إِلَيْهِ ، فَإِنَّ الطَّافِيَ حَلَالٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَهُوَ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ ، يَدُلُّ عَلَى حِلِّهِ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ : غَزَوْنَا جَيْشَ الْخَبْطِ وَأُمِّرَ عَلَيْنَا أَبُو عُبَيْدَةَ فَجُعْنَا جُوعًا شَدِيدًا ، فَأَلْقَى الْبَحْرُ حُوتًا مَيِّتًا لَمْ يُرَ مِثْلُهُ يُقَالُ لَهُ : الْعَنْبَرُ فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ ، الْحَدِيثَ ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا ، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَهُمَا فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : كُلُوا رِزْقًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ أَطْعِمُونَا إِنْ كَانَ مَعَكُمْ فَأَتَاهُ بَعْضُهُمْ بِعُضْوٍ فَأَكَلَهُ قَالَ الْحَافِظُ : يُسْتَفَادُ مِنْهُ إِبَاحَةُ مَيْتَةِ الْبَحْرِ سَوَاءٌ مَاتَ بِنَفْسِهِ أَوْ مَاتَ بِالِاصْطِيَادِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ . انْتَهَى . وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ عُمَرَ - رضي الله عنه - صَيْدُهُ مَا اصْطِيدَ ، وَطَعَامُهُ مَا رَمَى به . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - : الطَّافِي حَلَالٌ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ مُعَلَّقًا ، قَالَ الْحَافِظُ : وَصَلَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَالطَّحَاوِيُّ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَشِيرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَشْهَدُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ : السَّمَكَةُ الطَّافِيَةُ حَلَالٌ زَادَ الطَّحَاوِيُّ لِمَنْ أَرَادَ أَكْلَهُ وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْ أَبِي بَكْرٍ إِنَّ اللَّهَ ذَبَحَ لَكُمْ مَا فِي الْبَحْرِ فَكُلُوهُ كُلَّهُ فَإِنَّهُ ذَكِيٌّ . وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ : مَا أَلْقَاهُ الْبَحْرُ أَوْ جَزَرَ عَنْهُ فَكُلُوهُ ، وَمَا مَاتَ فِيهِ فَطَفَا فَلَا تَأْكُلُوهُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ كَمَا حَقَّقَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَقَالَ : وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ إِلَّا مَوْقُوفًا فَقَدْ عَارَضَهُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهِ ، وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي حِلَّهُ ؛ لِأَنَّهُ سَمَكٌ لَوْ مَاتَ فِي الْبَرِّ لَأُكِلَ بِغَيْرِ تَذْكِيَةٍ ، وَلَوْ نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ أَوْ قَتَلَتْهُ سَمَكَةٌ أُخْرَى فَمَاتَ لَأُكِلَ ، فَكَذَلِكَ إِذَا مَاتَ وَهُوَ فِي الْبَحْرِ . انْتَهَى . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَأَثَرُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مُضْطَرِبُ اللَّفْظِ فَعَجِيبٌ جِدًّا فَإِنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ أَثَرٌ خِلَافُ قَوْلِهِ الطَّافِي حَلَالٌ أَلْبَتَةَ ، وَأَمَّا أَثَرُهُ بِلَفْظِ إِنَّ اللَّهَ ذَبَحَ لَكُمْ مَا فِي الْبَحْرِ إِلَخْ فَهُوَ لَيْسَ يُنَافِي أَثَرَهُ الْأَوَّلَ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ ( وَالْفِرَاسِيِّ ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَبِالْمُهْمَلَةِ صَحَابِيٌّ - رضي الله عنه أَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْهُ ، قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ : حَدِيثُ جَابِرٍ أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ الْمُعَافِي بْنِ عِمْرَانَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا مَا يُخْشَى مِنَ التَّدْلِيسِ . وأَمَّا حَدِيثُ الْفِرَاسِيِّ فَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ . وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَغَيْرِهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - ذَكَرَ أَحَادِيثَهُمْ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهَا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَقَدْ صَحَّحَ هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ التِّرْمِذِيِّ ، ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، وَابْنُ مِنْدَهْ ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ كَذَا فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي ، وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ عَنْهُ ، وَالْأَرْبَعَةُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَصَحَّحَهُ الْبُخَارِيُّ فِيمَا حَكَى عَنْهُ التِّرْمِذِيُّ كَذَا فِي التَّلْخِيصِ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَخْ ) وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَحَادِيثُ الْبَابِ ( وَقَدْ كَرِهَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوُضُوءَ بِمَاءِ الْبَحْرِ مِنْهُمْ ابْنُ عُمَرَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ) لَمْ يَقُمْ عَلَى الْكَرَاهَةِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ ، قَالَ الزُّرْقَانِيُّ : التَّطْهِيرُ بِمَاءِ الْبَحْرِ حَلَالٌ صَحِيحٌ كَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنْ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ بِهِ مُزَيَّفٌ ، أَوْ مُؤَوَّلٌ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ عِنْدَهُ . ( وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو هُوَ نَارٌ ) قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ أَرَادَ بِهِ طَبَقَ النَّارِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَارٍ فِي نَفْسِهِ . انْتَهَى . وَقِيلَ : إِنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ ضَارٌّ يُورِثُ الْمَرَضَ . قُلْتُ : مَا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ هُوَ الرَّاجِحُ وَهُوَ الظَّاهِرُ ، قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ شَكُّوا فِي جَوَازِ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟ قُلْنَا : يُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ لَمَّا سَمِعُوا قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَرْكَبْ الْبَحْرَ إِلَّا حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا ظَنُّوا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ التَّطَهُّرُ بِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ : مَاءُ الْبَحْرِ لَا يُجْزِئُ مِنْ وُضُوءٍ وَلَا جَنَابَةٍ إِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا ثُمَّ مَاءً ثُمَّ نَارًا حَتَّى عَدَّ سَبْعَةَ أَبْحُرٍ وَسَبْعَ أَنْيَارٍ ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ التَّطَهُّرُ بِهِ ، وَلَا حُجَّةَ فِي أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ لَا سِيَّمَا إِذَا عَارَضَتِ الْمَرْفُوعَ وَالْإِجْمَاعَ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمَرْفُوعُ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رُوَاتُهُ مَجْهُولُونَ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : ضَعَّفُوا إِسْنَادَهُ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ بِصَحِيحٍ ، وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى عِنْدَ الْبَزَّارِ ، وَفِيهَا لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ . قَالَ فِي الْبَدْرِ الْمُنِيرِ فِي الْحَدِيثِ : جَوَازُ الطَّهَارَةِ بِمَاءِ الْبَحْرِ ، وَبِهِ قَالَ جَمِيعُ الْعُلَمَاءِ إِلَّا ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَابْنَ عُمَرَ ، وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَرِوَايَتُهُ تَرُدُّهُ ، وَكَذَا رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَتَعْرِيفُ الطَّهُورِ بِلَامِ الْجِنْسِيَّةِ الْمُفِيدَةِ لِلْحَصْرِ لَا يَنْفِي طَهُورِيَّةَ غَيْرِهِ مِنَ الْمِيَاهِ لِوُقُوعِ ذَلِكَ جَوَابًا لِسُؤَالِ مَنْ شَكَّ فِي طَهُورِيَّةِ مَاءِ الْبَحْرِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لِلْحَصْرِ ، وَعَلَى تَسْلِيمِ أَنَّهُ لَا تَخْصِيصَ بِالسَّبَبِ ، وَلَا يُقْصَرُ الْخِطَابُ الْعَامُّ عَلَيْهِ ، فَمَفْهُومُ الْحَصْرِ الْمُفِيدِ لِنَفْيِ الطَّهُورِيَّةِ عَنْ غَيْرِ مَائِهِ عُمُومٌ مُخَصَّصٌ بِالْمَنْطُوقَاتِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ الْقَاضِيَةِ بِاتِّصَافِ غَيْرِهِ بِهَا . انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي : وَقَوْلُهُمْ هُوَ نَارٌ ، إِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ نَارٌ فِي الْحَالِ فَهُوَ خِلَافُ الْحِسِّ ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ يَصِيرُ نَارًا لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الْوُضُوءَ بِهِ حَالَ كَوْنِهِ مَاءً . انْتَهَى .
بَاب مَا جَاءَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ أَنَّهَا تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ 129 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، ثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : اسْتَفْتَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ ابْنَةُ جَحْشٍ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ ؟ فَقَالَ : لَا إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ فَاغْتَسِلِي ثُمَّ صَلِّي ، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ . قَالَ قُتَيْبَةُ : قَالَ اللَّيْثُ : لَمْ يَذْكُرْ ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أُمَّ حَبِيبَةَ أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ، وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ فَعَلَتْهُ هِيَ . قَالَ أَبُو عِيسَى : وَيُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : اسْتَفْتَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشٍ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : الْمُسْتَحَاضَةُ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ، وَرَوَى الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، وَعَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ . ( باب ما جاء في المستحاضة أنها تغتسل عند كل صلاة ) قَوْلُهُ : ( اسْتَفْتَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ ابْنَةُ جَحْشٍ ) بِتَقْدِيمِ الْجِيمِ الْمَفْتُوحَةِ عَلَى الْحَاءِ السَّاكِنَةِ بَعْدَهَا شِينٌ مُعْجَمَةٌ ، وَهِيَ أُخْتُ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ ، قَالَ فِي سُبُلِ السَّلَامِ : أُمُّ حَبِيبَةَ كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَبَنَاتُ جَحْشٍ ثَلَاثٌ : زَيْنَبُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَحَمْنَةُ ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ . قِيلَ : إِنَّهُنَّ كُنَّ مُسْتَحَاضَاتٍ كُلَّهُنَّ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً ، فَإِنْ صَحَّ أَنَّ الثَّلَاثَ مُسْتَحَاضَاتٌ فَهِيَ زَيْنَبُ ، وَقَدْ عَدَّ الْعُلَمَاءُ الْمُسْتَحَاضَاتِ فِي عَصْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَلَغْنَ عَشْرَ نِسْوَةٍ ، انْتَهَى . ( فَقَالَتْ إِنِّي أُسْتَحَاضُ ) بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ وَفَتْحِ تَاءٍ ، وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ تَرِدُ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ ، يُقَالُ اسْتُحِيضَتِ الْمَرْأَةُ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ إِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ بَعْدَ أَيَّامِ حَيْضِهَا وَنِفَاسِهَا . ( فَلَا أَطْهُرُ ) أَيْ مُدَّةً مَدِيدَةً ( أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ ، أَيْ أَفَأَتْرُكُهَا مَا دَامَتِ الِاسْتِحَاضَةُ مَعِي وَلَوْ طَالَتِ الْمُدَّةُ ( فَقَالَ لَا ) أَيْ لَا تَدَعِيهَا ( إِنَّمَا ذَلِكِ ) بِكَسْرِ الْكَافِ خِطَابا لَهَا وَتُفْتَحُ عَلَى خِطَابِ الْعَامِّ ، أَيِ الَّذِي تَشْتَكِينَهُ ( عِرْقٌ ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ، أَيْ دَمُ عِرْقٍ انْشَقَّ وَانْفَجَر مِنْهُ الدَّمُ ، أَوْ إِنَّمَا سَبَبُهَا عِرْقٌ فَمُهُ فِي أَدْنَى الرَّحِمِ . ( فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي ) أَيْ إِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ ؟ فَقَالَ : لَا . إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِحَيْضٍ ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عنْك الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي . ( فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ ) أَيْ أُمُّ حَبِيبَةَ ( لِكُلِّ صَلَاةٍ ) أَيْ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ( قَالَ اللَّيْثُ : لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أُمَّ حَبِيبَةَ أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ، وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ فَعَلَتْهُ هِيَ ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنَّمَا أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ . قَالَ : وَلَا أَشُكُّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّ غُسْلَهَا كَانَ تَطَوُّعًا غَيْرَ مَا أُمِرَتْ بِهِ ، وَذَلِكَ وَاسِعٌ لَهَا ، وَكَذَا قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ . قَوْلُهُ : ( وَيُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ : اسْتَفْتَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشٍ ) فَالزُّهْرِيُّ يَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ ، وَعَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، وَعَنْ عُرْوَةَ ، وَعَمْرَةَ كِلَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ، كَمَا بَيَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ بِقَوْلِهِ وَرَوَى الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ إِلَخْ . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : الْمُسْتَحَاضَةُ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ الْغُسْلُ لِشَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ ، وَلَا فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فِي وَقْتِ انْقِطَاعِ حَيْضِهَا ، وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَهُوَ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَمَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدَ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُمْ قَالُوا : يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَرُوِيَ هَذَا أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : تَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ غُسْلًا وَاحِدًا ، وَعَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنِ قَالَا : تَغْتَسِلُ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ إِلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ دَائِمًا . وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ ، فَلَا يَجِبُ إِلَّا مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِإِيجَابِهِ ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَمَرَهَا بِالْغُسْلِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً عِنْدَ انْقِطَاعِ حَيْضِهَا ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي ، وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَقْتَضِي تَكْرَارَ الْغُسْلِ . وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ، وَالْبَيْهَقِيِّ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا بِالْغُسْلِ ، فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ ثَابِتٌ ، وَقَدْ بَيَّنَ الْبَيْهَقِيُّ وَمَنْ قَبْلَهُ ضَعْفَهَا ، وَإِنَّمَا صَحَّ فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ اسْتُحِيضَتْ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ فَاغْتَسِلِي ثُمَّ صَلِّي ، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ . انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ ، وَنَقَلَ بَعْدَ هَذَا قَوْلَ الشَّافِعِيِّ الَّذِي ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ ، وَقَالَ وَكَذَا قَالَهُ شَيْخُهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُمَا . قُلْتُ : وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ أَحَادِيثَ الْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ مَحْمُولَةٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ، وَحَدِيثُ الْبَابِ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا .
بَاب التَّشْدِيدِ فِي الْبَوْلِ 70 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، وَقُتَيْبَةُ ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالُوا : نَا وَكِيعٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ قَال : سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ : إِنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ ، أَمَّا هَذَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ ، وَأَمَّا هَذَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ وَفِي الْبَاب عَنْ زيد بن ثابت ، وأبي بكرة ، وأبي هريرة ، وأبي موسى ، وعبد الرحمن بن حسنة ، قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَرَوَى مَنْصُورٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ طَاوُسٍ ، وَرِوَايَةُ الْأَعْمَشِ أَصَحُّ وَسَمِعْت أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبَانَ ، يَقُولُ : سَمِعْتُ وَكِيعًا يَقُولُ : الْأَعْمَشُ أَحْفَظُ لِإِسْنَادِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ مَنْصُورٍ . باب التشديد في البول قَوْلُهُ : ( عَنْ طَاوُسِ ) بْنِ كَيْسَانَ الْيَمَانِيِّ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ مَوْلَاهُمْ الْفَارِسِيُّ ، يُقَالُ : اسْمُهُ ذَكْوَانُ ، وَطَاوُسٌ لَقَبٌ ، ثِقَةٌ ، فَقِيهٌ ، فَاضِلٌ ، مِنَ الثَّالِثَةِ ، رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَائِشَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَغَيْرِهِمْ ، قَالَ طَاوُسٌ : أَدْرَكْتُ خَمْسِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَعَنْهُ مُجَاهِدٌ ، وَالزُّهْرِيُّ وَخَلْقٌ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنِّي لَأَظُنُّ طَاوُسًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : مَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : حَجَّ أَرْبَعِينَ حَجَّةً ، مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَمِائَةٍ . قَوْلُهُ : ( مَرَّ عَلَى قَبْرَيْنِ ) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ جَدِيدَيْنِ ( فَقَالَ إِنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ ) أَيْ إِنَّ صَاحِبَيْ الْقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : أَعَادَ الضَّمِيرَ عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ ؛ لِأَنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَأَنْ يُقَالَ : أَعَادَهُ عَلَى الْقَبْرَيْنِ مَجَازًا ، وَالْمُرَادُ مَنْ فِيهِمَا ، قَالَ : وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْمَقْبُورَيْنِ ، فَقِيلَ : كَانَا كَافِرَيْنِ ، وَبِهِ جَزَمَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ ، وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِسَنَدٍ فِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ عَلَى قَبْرَيْنِ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ هَلَكَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَسَمِعَهُمَا يُعَذَّبَانِ فِي الْبَوْلِ وَالنَّمِيمَةِ . قَالَ أَبُو مُوسَى : هَذَا وَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِقَوِيٍّ لَكِنَّ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ ; لِأَنَّهُمَا لَوْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ لَمَا كَانَ لِشَفَاعَتِهِ إِلَى أَنْ تَيْبَسَ الْجَرِيدَتَانِ مَعْنًى ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا رَآهُمَا يُعَذَّبَانِ لَمْ يَسْتَجِزْ لِلُطْفِهِ وَعَطْفِهِ حِرْمَانَهُمَا مِنْ إِحْسَانِهِ فَشَفَعَ لَهُمَا إِلَى الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ . قَالَ الْحَافِظُ : الْحَدِيثُ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ أَبُو مُوسَى ضَعِيفٌ كَمَا اعْتَرَفَ بِهِ ، وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ، وَلَيْسَ فِيهِ سَبَبُ التَّعْذِيبِ ، فَهُوَ مِنْ تَخْلِيطِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِحَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ الَّذِي قَدَّمْنَا أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ ، وَاحْتِمَالُ كَوْنِهِمَا كَافِرَيْنِ فِيهِ ظَاهِرٌ . وَأَمَّا حَدِيثُ الْبَابِ فَالظَّاهِرُ مِنْ مَجْمُوعِ طُرُقِهِ أَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ ، فَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ جَدِيدَيْنِ ، فَانْتَفَى كَوْنُهُمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بِالْبَقِيعِ ، فَقَالَ : مَنْ دَفَنْتُمْ الْيَوْمَ هَاهُنَا ؟ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْبَقِيعَ مَقْبَرَةُ الْمُسْلِمِينَ ، وَالْخِطَابُ لِلْمُسْلِمِينَ مَعَ جَرَيَانِ الْعَادَةِ بِأَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ يَتَوَلَّاهُ مَنْ هُوَ مِنْهُمْ ، وَيُقَوِّي كَوْنَهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ رِوَايَةُ أَبِي بَكْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ ، وَبَلَى وَمَا يُعَذَّبَانِ إِلَّا فِي الْغِيبَةِ وَالْبَوْلِ فَهَذَا الْحَصْرُ يَنْفِي كَوْنَهُمَا كَانَا كَافِرَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ وَإِنْ عُذِّبَ عَلَى تَرْكِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ مَعَ ذَلِكَ عَلَى الْكُفْرِ بِلَا خِلَافٍ . انْتَهَى . ( وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ ) أَيْ فِي أَمْرٍ كَانَ يَكْبُرُ عَلَيْهِمَا وَيَشُقُّ فِعْلُهُ لَوْ أَرَادَاهُ لَا أَنَّهُ فِي نَفْسِهِ غَيْرُ كَبِيرٍ ، كَيْفَ وَهُمَا يُعَذَّبَانِ فِيهِ ، فَإِنَّ عَدَمَ التَّنَزُّهِ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ ، وَالنَّمِيمَةَ سَعْيٌ بِالْفَسَادِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْمَجْمَعِ ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : أَيْ إِنَّهُ سَهْلٌ يَسِيرٌ عَلَى مَنْ يُرِيدُ التَّوَقِّيَ عَنْهُ ، وَلَا يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهُ صَغِيرٌ مِنَ الذُّنُوبِ غَيْرُ كَبِيرٍ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْحَدِيثِ وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ عَلَى كِبَرِ الذَّنْبِ ، وَقَوْلُهُ : وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ عَلَى سُهُولَةِ الدَّفْعِ وَالِاحْتِرَازِ ، انتهى . ( وَأَمَّا هَذَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ ) أَيْ لَا يَجْعَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَوْلِهِ سُتْرَةً ، يَعْنِي : لَا يَتَحَفَّظُ مِنْهُ ، وَلِمُسْلِمٍ ، وَأَبِي دَاوُدَ فِي حَدِيثِ الْأَعْمَشِ لَا يَسْتَتِرُ ، وَقَدْ وَقَعَ لِأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ : كَانَ لَا يَتَوَقَّى وَهِيَ مُفَسِّرَةٌ لِلْمُرَادِ ، كَذَا فِي الْفَتْحِ . وَفِيهِ التَّحْذِيرُ مِنْ مُلَابَسَةِ الْبَوْلِ ، وَيَلْتحقُ بِهِ غَيْرُهُ مِنَ النَّجَاسَاتِ . ( وَأَمَّا هَذَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ) هِيَ نَقْلُ كَلَامِ الْغَيْرِ بِقَصْدِ الْإِضْرَارِ ، وَهِيَ مِنْ أَقْبَحِ الْقَبَائِحِ ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ ، وَقَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : هِيَ نَقْلُ الْحَدِيثِ مِنْ قَوْمٍ إِلَى قَوْمٍ عَلَى جِهَةِ الْإِفْسَادِ وَالشَّرِّ ، وَقَدْ نَمَّ الْحَدِيثَ يَنِمُّهُ وَيَنُمُّهُ نَمًّا فَهُوَ نَمَّامٌ ، وَالِاسْمُ النَّمِيمَةُ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَأَبِي بَكْرَةَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي مُوسَى ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَنْ أَخْرَجَهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِمَعْنَى حَدِيثِ الْبَابِ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مُخْتَصَرًا ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ : أَكْثَرُ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنَ الْبَوْلِ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْحَاكِمُ ، وَقَالَ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ، وَلَا أَعْلَمُ لَهُ عِلَّةً ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِلَفْظِ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبُولُ قَاعِدًا قَدْ جَافَى بَيْنَ فَخْذَيْهِ حَتَّى جَعَلْتُ آوِيَ لَهُ مِنْ طُولِ الْجُلُوسِ ، الْحَدِيثَ ، قَالَ الْهَيْثَمِيُّ : فِيهِ عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ ، وَكَانَ كَثِيرَ الْخَطَأِ وَالْغَلَطِ ، وَيُنَبَّهُ عَلَى غَلَطِهِ فَلَا يَرْجِعُ وَيَحْتَقِرُ الْحُفَّاظَ . انْتَهَى ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ أُخْرَى ذَكَرَه الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ ، وَالْهَيْثَمِيُّ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ . قَوْلُهُ : ( وَرَوَى مَنْصُورٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) مَنْصُورٌ هَذَا هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ ( وَرِوَايَةُ الْأَعْمَشِ أَصَحُّ ) أَيْ رِوَايَةُ الْأَعْمَشِ بِذِكْرِ طَاوُسٍ بَيْنَ مُجَاهِدٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ مَنْصُورٍ ، ثُمَّ بَيَّنَ التِّرْمِذِيُّ وَجْهَ كَوْنِهَا أَصَحَّ بِقَوْلِهِ : سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ إِلَخْ ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي صَحِيحِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَإِخْرَاجُهُ لَهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ يَقْتَضِي صِحَّتَهُمَا عِنْدَهُ ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ مُجَاهِدًا سَمِعَهُ مِنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ثُمَّ سَمِعَهُ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَا وَاسِطَةٍ أَوْ الْعَكْسَ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي سِيَاقِهِ عَنْ طَاوُسٍ زِيَادَةً عَلَى مَا فِي رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَصَرَّحَ ابْنُ حِبَّانَ بِصِحَّةِ الطَّرِيقَيْنِ مَعًا ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : رِوَايَةُ الْأَعْمَشِ أَصَحُّ . انْتَهَى . قُلْتُ : وَقَالَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا : إِنَّ رِوَايَةَ الْأَعْمَشِ أَصَحُّ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ : سَأَلْتُ مُحَمَّدًا : أَيُّهُمَا أَصَحُّ ؟ فَقَالَ : رِوَايَةُ الْأَعْمَشِ أَصَحُّ . انْتَهَى ، وَيُؤَيِّدُ مَنْ قَالَ بِصِحَّةِ الطَّرِيقَيْنِ أَنَّ شُعْبَةَ بْنَ الْحَجَّاجِ رَوَاهُ عَنِ الْأَعْمَشِ كَمَا رَوَاهُ مَنْصُورٌ وَلَمْ يَذْكُرْ طَاوُسًا ، قَالَهُ الْعَيْنِيُّ . ( وَسَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبَانٍ ) بِفَتْحِ هَمْزَةٍ وَخِفَّةِ مُوَحَّدَةٍ وَبِنُونٍ بِالصَّرْفِ وَتَرْكِهِ وَالصَّرْفُ هُوَ الْمُخْتَارُ كَذَا فِي الْمُغْنِي ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبَانٍ هَذَا لَقَبُهُ حَمْدَوَيْهَ وَكَانَ مُسْتَمْلِي وَكِيعٍ ثِقَةٌ حَافِظٌ ، رَوَى عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَغُنْدُرٍ وَطَبَقَتِهِمَا ، وَعَنْهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ : كَانَ مِمَّنْ جَمَعَ وَصَنَّفَ ، مَاتَ بِبَلْخٍ سَنَةَ 144 أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الْمَنِيِّ وَالْمَذْيِ 114 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو السَّوَّاقُ الْبَلْخِيُّ نَا هُشَيْمٌ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ح ، وَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ نَا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمَذْيِ فَقَالَ : مِنْ الْمَذْيِ الْوُضُوءُ وَمِنْ الْمَنِيِّ الْغُسْلُ . وَفِي الْبَاب عَنْ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ : مِنْ الْمَذْيِ الْوُضُوءُ وَمِنْ الْمَنِيِّ الْغُسْلُ . وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ وَبِهِ يَقُولُ ، الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمَنِيِّ وَالْمَذْيِ ) الْمَنِيُّ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ ، وَهُوَ عَامٌّ يَشْمَلُ مَاءَ الرَّجُلِ وَمَاءَ الْمَرْأَةِ ، وَلَهُ خَوَاصُّ يُعْرَفُ بِهَا : إِحْدَاهَا الْخُرُوجُ بِشَهْوَةٍ مَعَ الْفُتُورِ عَقِبَهُ ، الثَّانِيَةُ الرَّائِحَةُ كَرَائِحَةِ الطَّلْعِ ، الثَّالِثَةُ الْخُرُوجُ بِدَفْقٍ وَدَفَعَاتٍ ، هَذَا كُلُّهُ فِي مَنِيِّ الرَّجُلِ . وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَهُوَ أَصْفَرُ رَقِيقٌ كَذَا فِي النَّوَوِيِّ . وَأَمَّا الْمَذْيُ وَهُوَ الْمَاءُ الرَّقِيقُ الَّذِي يَخْرُجُ عِنْدَ الشَّهْوَةِ الضَّعِيفَةِ وَالْمُلَاعَبَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ غَيْرِ دَفْقٍ ، وَالْوَدْيُ وَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ كَدِرٌ لَا رَائِحَةَ لَهُ يَخْرُجُ بَعْدَ الْبَوْلِ فَمُوجِبَانِ لِلْوُضُوءِ لَا لِلْغُسْلِ . وَقَالَ الْحَافِظُ : الْمَذْيُ فِيهِ لُغَاتٌ أَفْصَحُهَا بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ ثُمَّ بِكَسْرِ الذَّالِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ ، وَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ رَقِيقٌ لَزِجٌ يَخْرُجُ عِنْدَ الْمُلَاعَبَةِ أَوْ تَذَكُّرِ الْجِمَاعِ وَإِرَادَتِهِ وَقَدْ لَا يُحِسُّ بِخُرُوجِهِ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَلِيٍّ قَالَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَفْسِهِ ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ ، وَالْبُخَارِيِّ ، وَمُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ : فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ : أَمَرْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ ، وَجَمَعَ ابْنُ حِبَّانَ بَيْنَ هَذَا الِاخْتِلَافِ بِأَنَّ عَلِيًّا أَمَرَ عَمَّارًا أَنْ يَسْأَلَ ثم أمر المقداد بذلك ثُمَّ سَأَلَ بِنَفْسِهِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَهُوَ جَمْعٌ جَيِّدٌ إِلَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى آخِرِهِ لِكَوْنِهِ مُغَايِرًا لِقَوْلِهِ إِنَّهُ اسْتَحْيَى عَنِ السُّؤَالِ بِنَفْسِهِ لِأَجْلِ فَاطِمَةَ ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ بِأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ أَطْلَقَ أَنَّهُ سَأَلَ لِكَوْنِهِ الْآمِرَ بِذَلِكَ وَبِهَذَا جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ثُمَّ النَّوَوِيُّ . ( فَقَالَ مِنَ الْمَذْيِ الْوُضُوءُ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ خُرُوجَ الْمَذْيِ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَإِنَّمَا يَجِبُ بِهِ الْوُضُوءُ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ) أَمَّا حَدِيثُ الْمِقْدَادِ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ مُخْتَصَرًا ، وَفِي إِسْنَادِ التِّرْمِذِيِّ ، يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ وَقَدْ عَرَفْتَ مَا فِيهِ مِنَ الْكَلَامِ ، وَقَدْ صَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ يَزِيدَ هَذَا فِي مَوَاضِعَ وَحَسَّنَهُ فِي مَوْضِعٍ كَمَا عَرَفْتَ فِي الْمُقَدِّمَةِ ، فَلَعَلَّ تَصْحِيحَهُ وَتَحْسِينَهُ بِمُشَارَكَةِ الْأُمُورِ الْخَارِجَةِ عَنْ نَفْسِ السَّنَدِ مِنَ اشْتِهَارِ الْمُتُونِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَإِلَّا فَيَزِيدُ لَيْسَ مِنْ رِجَالِ الْحَسَنِ فَكَيْفَ الصَّحِيحُ ، وَأَيْضًا الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ عَلِيٍّ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَخْ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَهُوَ إِجْمَاعٌ .
بَاب مَا جَاءَ فِي نَضْحِ بَوْلِ الْغُلَامِ قَبْلَ أَنْ يُطْعَمَ 71 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، وَأَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ قَالَا : نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ ، قَالَتْ : دَخَلْتُ بِابْنٍ لِي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ ، فَبَالَ عَلَيْهِ ، فَدَعَا بِمَاءٍ ، فَرَشَّهُ عَلَيْهِ ، وَفِي الْبَاب عَنْ عَلِيٍّ ، وَعَائِشَةَ ، وَزَيْنَبَ ، وَلُبَابَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ ، وَهِيَ أُمُّ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَأَبِي السَّمْحِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَأَبِي لَيْلَى ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ أَبُو عِيسَى : وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِثْلِ أَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، قَالُوا : يُنْضَحُ بَوْلُ الْغُلَامِ ، وَيُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ ، وَهَذَا مَا لَمْ يَطْعَمَا ، فَإِذَا طَعِمَا غُسِلَا جَمِيعًا . باب ما جاء في نضح بول الغلام قبل أن يطعم قَوْلُهُ : ( عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ آخِرُهُ نُونٌ ، هِيَ أُخْتُ عُكَّاشَةَ ، صَحَابِيَّةٌ ، مَشْهُورَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ ، طَالَ عُمُرُهَا بِدَعْوَةٍ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يُعْلَمُ أَنَّ امْرَأَةً عَمَّرَتْ مَا عَمَّرَتْ . قَوْلُهُ : ( لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ ) صِفَةٌ لِابْنٍ ( فَبَالَ عَلَيْهِ ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( فَرَشَّهُ عَلَيْهِ ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ نَضَحَ بِالْمَاءِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَلَا تَخَالُفَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ ، أَيْ بَيْنَ نَضَحَ وَ رَشَّ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ : أَنَّ الِابْتِدَاءَ كَانَ بِالرَّشِّ وَهُوَ تَنْقِيطُ الْمَاءِ وَانْتَهَى إِلَى النَّضْحِ وَهُوَ صَبُّ الْمَاءِ ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ ، عَنْ هِشَامٍ فَدَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ ، وَلِأَبِي عَوَانَةَ فَصَبَّهُ عَلَى الْبَوْلِ يُتْبِعُهُ إِيَّاهُ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ ، وَعَائِشَةَ وَزَيْنَبَ وَلُبَابَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ وَهِيَ أُمُّ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَبِي السَّمْحِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَأَبِي لَيْلَى ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ) أَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ إِلَّا النَّسَائِيَّ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَلَفْظُهُ : يُنْضَحُ بَوْلُ الْغُلَامِ وَيُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ ، وَبَعْضُهُمْ رَوَاهُ مَوْقُوفًا وَلَيْسَ ذَلِكَ بِعِلَّةٍ قَادِحَةٍ قَالَهُ الْحَافِظُ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا وَلَفْظُهُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ ، فَيَدْعُو لَهُمْ ، فَأُتِيَ بِصَبِيٍّ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ زَادَ مُسْلِمٌ وَلَمْ يَغْسِلْهُ . وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْنَبَ وَهِيَ بِنْتُ جَحْشٍ فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مُطَوَّلًا ، وَفِيهِ : أَنَّهُ يُصَبُّ مِنَ الْغُلَامِ وَيُغْسَلُ مِنَ الْجَارِيَةِ ، وَفِي إِسْنَادِهِ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ . قَالَهُ الْعَيْنِيُّ ، وَقَالَ الْحَافِظُ : أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ . وَأَمَّا حَدِيثُ لُبَابَةَ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالْكَجِّيُّ فِي سُنَنِهِ وَلَفْظُهُ : قَالَتْ : كَانَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ - رضي الله عنه - فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَالَ عَلَيْهِ فَقُلْتُ : الْبَسْ ثَوْبًا وَأَعْطِنِي إِزَارَكَ حَتَّى أَغْسِلَهُ ، قَالَ : إِنَّمَا يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْأُنْثَى ، وَيُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا فِي سُنَنِهِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ، وَالطَّحَاوِيُّ أَيْضًا مِنْ وَجْهَيْنِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي السَّمْحِ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، قَالَ : كُنْتُ أَخْدُمُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَدِيثَ وَفِيهِ : يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ وَأَبُو السَّمْحِ لَا يُعْرَفُ لَهُ اسْمٌ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ كَذَا قَالَهُ أَبُو زُرْعَةَ ، وَقِيلَ : اسْمُهُ إِيَادٌ . أَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِصَبِيٍّ فَبَالَ عَلَيْهِ فَنَضَحَهُ وَأُتِيَ بِجَارِيَةٍ فَبَالَتْ عَلَيْهِ فَغَسَلَهُ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي لَيْلَى فَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْهُ قَالَ : أَصَابَ ثَوْبَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجِلْدَهُ بَوْلُ صَغِيرٍ وَهُوَ صَغِيرٌ ، فَصَبَّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَاءِ بِقَدْرِ مَا كَانَ مِنَ الْبَوْلِ . قَالَ الْحَافِظُ : إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَخْ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ أَصَحُّهَا الِاكْتِفَاءُ بِالنَّضْحِ فِي بَوْلِ الصَّبِيِّ لَا الْجَارِيَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ ، وَعَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وأحمد ، وَإِسْحَاقَ ، وَابْنِ وَهْبٍ وَغَيْرِهِمْ ، وَالثَّانِي : يَكْفِي النَّضْحُ فِيهِمَا ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ وَخَصَّصَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ النَّقْلَ فِي هَذَا بِمَا إِذَا كَانَا لَمْ يَدْخُلْ أَجْوَافَهُمَا شَيْءٌ أَصْلًا ، وَالثَّالِثُ : هُمَا سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الْغَسْلِ ، وَبِهِ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : اتَّبَعُوا فِي ذَلِكَ الْقِيَاسَ ، وَقَالُوا : الْمُرَادُ بِقَوْلِهَا : وَلَمْ يَغْسِلْهُ ، أَيْ غَسْلًا مُبَالَغًا فِيهِ ، وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ ، وَيُبْعِدُهُ مَا وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ الْأُخْرَى مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ بَوْلِ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ ، فَإِنَّهُمْ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا ، قَالَ : وَقَدْ ذُكِرَ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا أَوْجُهٌ ، مِنْهَا مَا هُوَ رَكِيكٌ ، وَأَقْوَى ذَلِكَ مَا قِيلَ : إِنَّ النُّفُوسَ أَعْلَقُ بِالذُّكُورِ مِنْهَا بِالْإِنَاثِ ، يَعْنِي فَحَصَلَتِ الرُّخْصَةُ فِي الذُّكُورِ لِكَثْرَةِ الْمَشَقَّةِ . انْتَهَى . قُلْتُ : احْتَجَّ الْأَوَّلُونَ الْقَائِلُونَ بِالِاكْتِفَاءِ بِالنَّضْحِ فِي بَوْلِ الصَّبِيِّ لَا الْجَارِيَةِ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ ، وَهِيَ نُصُوصٌ صَرِيحَةٌ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ ، وَأَمَّا الْمَذْهَبُ الثَّانِي : فَلَمْ أَقِفْ عَلَى دَلِيلِهِ وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَرُدُّهُ . وَأَمَّا الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ : وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ بَوْلِ الصَّبِيِّ وَبَوْلِ الصَّبِيَّةِ فِي النَّجَاسَةِ ، فَهُمَا نَجِسَانِ ، فَهُمَا سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الْغَسْلِ ، وَأَجَابُوا عَنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّشِّ وَالنَّضْحِ فِيهِمَا الْغَسْلُ ، فَإِنَّهُ قَدْ يُذْكَرُ النَّضْحُ وَيُرَادُ بِهِ الْغَسْلُ ، وَكَذَلِكَ قَدْ يُذْكَرُ الرَّشُّ وَيُرَادُ بِهِ الْغَسْلُ ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَكَمَا فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ - رضي الله عنه - عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ - أَيْ الْمَذْيَ -فَلْيَنْضَحْ فَرْجَهُ وَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فَلْيَنْضَحْ الْغَسْلُ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ ، وَوَقَعَ فِيهِ : يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ النَّضْحَ وَيُرَادُ بِهِ الْغَسْلُ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ : كُنْتُ أَلْقَى مِنَ الْمَذْيِ شِدَّةً وَكُنْتُ أُكْثِرُ مِنْهُ الْغَسْلَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ بِمَا يُصِيبُ ثَوْبِي مِنْهُ ؟ فَقَالَ : يَكْفِيَكَ أَنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَتَنْضَحَ بِهِ مِنْ ثَوْبِكَ حَيْثُ يُرَى أَنَّهُ أَصَابَهُ ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالنَّضْحِ هَاهُنَا الْغَسْلُ ، وَأَمَّا الثَّانِي : وَهُوَ أَنَّ الرَّشَّ قَدْ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ الْغَسْلُ فَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ : حُتِّيهِ ثُمَّ اقْرُصِيهِ ثُمَّ رُشِّيهِ وَصَلِّي فِيهِ ، أَرَادَ اغْسِلِيهِ ، فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ النَّضْحَ وَالرَّشَّ يُذْكَرَانِ وَيُرَادُ بِهِمَا الْغَسْلُ وَجَبَ حَمْلُ مَا جَاءَ فِي الْبَابِ مِنَ النَّضْحِ وَالرَّشِّ عَلَى الْغَسْلِ ، هَكَذَا أَجَابَ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ . وَفِيهِ : أَنَّهُ لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ قَدْ يُذْكَرُ النَّضْحُ وَيُرَادُ بِهِ الْغَسْلُ ، وَكَذَلِكَ الرَّشُّ لَكِنْ هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَانِعٌ يَمْنَعُ مِنْهُ ، بَلْ يَكُونُ هُنَاكَ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى أَنْ يُرَادَ بِالنَّضْحِ أَوْ الرَّشِّ الْغَسْلُ كَمَا فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ - رضي الله عنه - وَحَدِيثِ أَسْمَاءَ - رضي الله عنه - الْمَذْكُورَيْنِ ، وَأَمَّا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَلَيْسَ هَاهُنَا دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى أَنْ يُرَادَ بِالرَّشِّ أَوْ النَّضْحِ الْغَسْلُ بَلْ هَاهُنَا دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ إِرَادَةِ الْغَسْلِ فَفِي حَدِيثِ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ ، فَقَوْلُهُ : وَلَمْ يَغْسِلْهُ دَلِيلٌ صَرِيحٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالنَّضْحِ أَوْ الرَّشِّ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ الْغَسْلَ ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ لُبَابَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ : إِنَّمَا يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْأُنْثَى وَيُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ فِي جَوَابِ لُبَابَةَ حِينَ قَالَتِ : الْبَسْ ثَوْبًا وَأَعْطِنِي إِزَارَكَ حَتَّى أَغْسِلَهُ أَيْضًا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرَدْ بِالنَّضْحِ أَوْ الرَّشِّ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ الْغَسْلُ ، وَأَيْضًا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ يُنْضَحُ بَوْلُ الْغُلَامِ وَيُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالنَّضْحِ الْغَسْلَ وَإِلَّا لَكَانَ الْمَعْنَى يُغْسَلُ بَوْلُ الْغُلَامِ وَيُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ ، وَهُوَ كَمَا تَرَى ، فَجَوَابُهُمْ بِأَنَّ مَا جَاءَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ النَّضْحِ وَالرَّشِّ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَسْلِ غَيْرُ صَحِيحٍ . فَإِنْ قِيلَ : قَالَ الْعَيْنِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ : الْمُرَادُ بِالنَّضْحِ وَالرَّشِّ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ الْغَسْلُ مِنْ غَيْرِ عَرْكٍ وَبِالْغَسْلِ الْغَسْلُ بِعَرْكٍ أَوْ الْمُرَادُ بِهِمَا الْغَسْلُ مِنْ غَيْرِ مُبَالَغَةٍ فِيهِ وَبِالْغَسْلِ الْغَسْلُ بِالْمُبَالَغَةِ فِيهِ . قُلْنَا : قَوْلُهُمْ هَذَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ بَلْ ظَاهِرُ أَحَادِيثِ الْبَابِ يُبْطِلُهُ . فَإِنْ قِيلَ : الْمُرَادُ بِالرَّشِّ وَالنَّضْحِ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ الصَّبُّ وَإِتْبَاعُ الْمَاءِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ ، فَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ ، عَنْ هِشَامٍ فَدَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ وَلِأَبِي عَوَانَةَ فَصَبَّهُ عَلَى الْبَوْلِ يَتْبَعُهُ إِيَّاهُ وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ بِلَفْظِ إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِصَبِيٍّ ، فَبَالَ عَلَيْهِ ، فَأَتْبَعَهُ الْمَاءَ وَلَمْ يَغْسِلْهُ ، وَفِي حَدِيثِ أُمِّ الْفَضْلِ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ : إِنَّمَا يُصَبُّ عَلَى بَوْلِ الْغُلَامِ وَيُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي لَيْلَى عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ فَصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ ، وَإِتْبَاعُ الْمَاءِ وَالصَّبُّ نَوْعٌ مِنَ الْغَسْلِ ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْغَسْلِ أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ أَصَابَ ثَوْبَهُ عَذِرَةٌ فَأَتْبَعَهَا الْمَاءَ حَتَّى ذَهَبَ بِهَا أَنَّ ثَوْبَهُ قَدْ طَهُرَ . انْتَهَى ، فَثَبَتَ أَنَّ بَوْلَ الْغُلَامِ وَبَوْلَ الْجَارِيَةِ هُمَا سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الْغَسْلِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ . قُلْنَا : سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّضْحِ وَالرَّشِّ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ إِتْبَاعُ الْمَاءِ وَالصَّبُّ لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مُطْلَقَ الصَّبِّ وَإِتْبَاعِ الْمَاءِ نَوْعٌ مِنَ الْغَسْلِ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْغَسْلِ أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ أَصَابَ ثَوْبَهُ عَذِرَةٌ فَأَتْبَعَهَا الْمَاءَ وَصَبَّه عَلَيْهِ لَكِنْ لَمْ يَذْهَبْ بِهَا لَا يَطْهُرُ ثَوْبُهُ وَقَدْ وُجِدَ إِتْبَاعُ الْمَاءِ وَالصَّبُّ . وَالْعَجَبُ مِنَ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ كَيْفَ قَالَ إِتْبَاعُ الْمَاءِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْغَسْلِ ، وَقَدْ رَوَاه هُوَ حَدِيثَ عَائِشَةَ بِلَفْظِ فَأَتْبَعَهُ الْمَاءَ وَلَمْ يَغْسِلْهُ وَأَيْضًا رَوَاهُ بِلَفْظِ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ وَأَيْضًا رَوَى هُوَ حَدِيثَ أُمِّ قَيْسٍ بِلَفْظِ فَدَعَا فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ . وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي حَدِيثٍ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ النَّضْحُ أَوْ الرَّشُّ أَوْ الصَّبُّ أَوْ إِتْبَاعُ الْمَاءِ مُقَيَّدًا بِالذَّهَابِ بِالْبَوْلِ أَوْ بِأَثَرِ الْبَوْلِ أَعْنِي لَمْ يَرِدْ فِي حَدِيثٍ : فَصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ حَتَّى ذَهَبَ بِهِ أَوْ حَتَّى ذَهَبَ بِأَثَرِهِ أَوْ فَنَضَحَهُ أَوْ رَشَّهُ حَتَّى ذَهَبَ بِهِ أَوْ بِأَثَرِهِ بَلْ وَقَع هَذِهِ الْأَلْفَاظُ مُطْلَقَةً ، وَأَيْضًا لَمْ يَرِدْ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ بَيَانُ مِقْدَارِ الْمَاءِ إِلَّا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَفِيهِ فَصَبَّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَاءِ بِقَدْرِ مَا كَانَ مِنَ الْبَوْلِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ كَمَا عَرَفْتَ ، ثُمَّ الظَّاهِرُ مِنْ صَبِّ الْمَاءِ عَلَى الْبَوْلِ بِقَدْرِهِ أَنَّهُ لَا يَذْهَبُ بِهِ بِالْكُلِّيَّةِ فَتَأَمَّلْ . هَذَا مَا عِنْدِي ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . فَإِنْ قِيلَ : بَوْلُ الْغُلَامِ نَجِسٌ ، فَنَجَاسَتُهُ هِيَ مُوجِبَةٌ لِحَمْلِ النَّضْحِ وَالرَّشِّ وَصَبِّ الْمَاءِ وَإِتْبَاعِ الْمَاءِ عَلَى الْغَسْلِ ، فَإِنَّ الثَّوْبَ أَوْ الْبَدَنَ إِذَا أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ أَيَّةُ نَجَاسَةٍ كَانَتْ لَا يَطْهُرُ إِلَّا بِالْغَسْلِ . قُلْنَا : نَجَاسَةُ بَوْلِ الْغُلَامِ لَا تُوجِبُ حَمْلَ النَّضْحِ وَالرَّشِّ وَغَيْرَهُمَا عَلَى الْغَسْلِ ، وَقَوْلُكُمْ إِنَّ الثَّوْبَ أَوْ الْبَدَنَ إِذَا أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ أَيَّةُ نَجَاسَةٍ كَانَتْ لَا يَطْهُرُ إِلَّا بِالْغَسْلِ مَمْنُوعٌ أَلَا تَرَوْنَ أَنَّ الثَّوْبَ إِذَا أَصَابَهُ الْمَنِيُّ وَيَبِسَ كَفَى لِطَهَارَتِهِ الْفَرْكُ وَلَا يَجِبُ الْغَسْلُ مَعَ أَنَّ الْمَنِيَّ الْيَابِسَ نَجِسٌ كَمَا أَنَّ الْمَنِيَّ الرَّطْبَ نَجِسٌ ، فَنَقُولُ بَوْلُ الْغُلَامِ إِذَا أَصَابَ الْبَدَنَ أَوْ الثَّوْبَ كَفَى لِطَهَارَتِهِ النَّضْحُ وَالرَّشُّ وَلَا يَجِبُ الْغَسْلُ ، وَأَمَّا بَوْلُ الْجَارِيَةِ إِذَا أَصَابَ الثَّوْبَ فَلَا يَطْهُرُ إِلَّا بِالْغَسْلِ مَعَ أَنَّ بَوْلَ الْغُلَامِ نَجِسٌ كَمَا أَنَّ بَوْلَ الْجَارِيَةِ نَجِسٌ فَتَفَكَّرْ . فَإِنْ قِيلَ : إِنَّ بَيْنَ الْمَنِيِّ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ فَرْقًا بِالرُّطُوبَةِ وَالْيُبُوسَةِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ بَوْلِ الْجَارِيَةِ وَبَوْلِ الْغُلَامِ بِوَجْهٍ . قُلْنَا : لَا نُسَلِّمُ أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ بَوْلِ الْغُلَامِ وَبَوْلِ الْجَارِيَةِ بِوَجْهٍ ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ : وَأَمَّا غَسْلُ الثَّوْبِ مِنْ بَوْلِ الصَّبِيَّةِ وَنَضْحُهُ مِنْ بَوْلِ الصَّبِيِّ إِذَا لَمْ يَطْعَمَا فَهَذَا لِلْفُقَهَاءِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُمَا يُغْسَلَانِ جَمِيعًا ، وَالثَّانِي : يُنْضَحَانِ ، وَالثَّالِثُ : التَّفْرِقَةُ ، وَهُوَ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ ، وَهَذَا مِنْ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ وَتَمَامِ حِكْمَتِهَا وَمَصْلَحَتِهَا ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : كَثْرَةُ حَمْلِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لِلذَّكَرِ فَتَعُمُّ الْبَلْوَى بِبَوْلِهِ فَيَشُقُّ عَلَيْهِ غَسْلُهُ ، وَالثَّانِي : أَنَّ بَوْلَهُ لَا يَنْزِلُ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ بَلْ يَنْزِلُ مُتَفَرِّقًا هَاهُنَا وَهَاهُنَا فَيَشُقُّ غَسْلُ مَا أَصَابَهُ كُلَّهُ بِخِلَافِ بَوْلِ الْأُنْثَى ، الثَّالِثُ : أَنَّ بَوْلَ الْأُنْثَى أَخْبَثُ وَأَنْتَنُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ وَسَبَبُهُ حَرَارَةُ الذَّكَرِ وَرُطُوبَةُ الْأُنْثَى فَالْحَرَارَةُ تُخَفِّفُ مِنْ نَتْنِ الْبَوْلِ وَتُذِيبُ مِنْهَا مَا يَحْصُلُ مع الرُطُوبَةٍ ، وَهَذِهِ مَعَانٍ مُؤَثِّرَةٌ بحسن اعْتِبَارُهَا فِي الْفَرْقِ . انْتَهَى كَلَامُهُ . فَحَاصِلُ الْكَلَامِ : أَنَّ أَصَحَّ الْمَذَاهِبِ وَأَقْوَاهَا فِي هَذَا الْبَابِ : مَذْهَبُ مَنْ قَالَ بِالِاكْتِفَاءِ بِالنَّضْحِ فِي بَوْلِ الْغُلَامِ وَبِوُجُوبِ الْغَسْلِ فِي بَوْلِ الْجَارِيَةِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ بَعْدَ ذِكْرِ أَحَادِيثِ الْبَابِ مَا لَفْظُهُ : فَرَدَّتْ هَذِهِ السُّنَنُ بِقِيَاسٍ مُتَشَابِهٍ عَلَى بَوْلِ الشَّيْخِ وَبِعُمُومٍ لَمْ يَرِدْ بِهِ هَذَا الْخَاصُّ ، وَهُوَ قَوْلُهُ إِنَّمَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنْ أَرْبَعٍ مِنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْمَنِيِّ وَالدَّمِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يَثْبُتُ فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ حَمَّادٍ ، قَالَ ابن عَلِيٍّ : لَا أَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ غَيْرُ ثَابِتِ بْنِ حَمَّادٍ وَأَحَادِيثُهُ مَنَاكِيرُ وَمَعْلُولَاتٌ وصَحَّ وَجَبَ الْعَمَلُ بِالْحَدِيثَيْنِ ، وَلَا يُضْرَبُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ ، وَيَكُونُ الْبَوْلُ فِيهِ مَخْصُوصًا بِبَوْلِ الصَّبِيِّ كَمَا خَصَّ مِنْهُ بَوْلَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ بِأَحَادِيثَ دُونَ هَذِهِ فِي الصِّحَّةِ وَالشُّهْرَةِ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَهَذَا مَا لَمْ يَطْعَمَا فَإِذَا طَعِمَا غُسِلَا جَمِيعًا ) لِحَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : بَوْلُ الْغُلَامِ الرَّضِيعِ يُنْضَحُ وَبَوْلُ الْجَارِيَةِ يُغْسَلُ ، قَالَ قَتَادَةُ : وَهَذَا مَا لَمْ يَطْعَمَا ، فَإِذَا طَعِمَا غُسِلَا جَمِيعًا ، رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ ، كَذَا فِي الْمُنْتَقَى . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : قَوْلُهُ : بَوْلُ الْغُلَامِ الرَّضِيعِ ، هَذَا تَقْيِيدٌ لِلَفْظِ الْغُلَامِ بِكَوْنِهِ رَضِيعًا ، وَهَكَذَا يَكُونُ تَقْيِيدًا لِلَفْظِ الصَّبِيِّ وَالصَّغِيرِ وَالذَّكَرِ الْوَارِدَةِ فِي بَقِيَّةِ الْأَحَادِيثِ . انْتَهَى ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَوْقُوفًا ، قَالَ : يُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ وَيُنْضَحُ بَوْلُ الْغُلَامِ مَا لَمْ يَطْعَمْ وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ : إِنَّهَا أَبْصَرَتْ أُمَّ سَلَمَةَ تَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى بَوْلِ الْغُلَامِ مَا لَمْ يَطْعَمْ فَإِذَا طَعِمَ غَسَلَتْهُ ، وَكَانَتْ تَغْسِلُ بَوْلَ الْجَارِيَةِ قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ سَنَدُهُ صَحِيحٌ ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهَا مَوْقُوفًا أَيْضًا وَصَحَّحَهُ . انْتَهَى . وَفِي حَدِيثِ أُمِّ قَيْسٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ دَخَلْتُ بِابْنٍ لِي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : الْمُرَادُ بِالطَّعَامِ مَا عَدَا اللَّبَنَ الَّذِي يَرْتَضِعُهُ ، وَالتَّمْرَ الَّذِي يُحَنَّكُ بِهِ ، وَالْعَسَلَ الَّذِي يَلْعَقُهُ لِلْمُدَاوَاةِ وَغَيْرِهَا . فَكَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الِاغْتِذَاءُ بِغَيْرِ اللَّبَنِ عَلَى الِاسْتِقْلَالِ ، هَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ، وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ ، وَأَطْلَقَ فِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِأَصْلِهَا أَنَّهُ لَمْ يَطْعَمْ وَلَمْ يَشْرَبْ غَيْرَ اللَّبَنِ ، وَقَالَ فِي نُكَتِ التَّنْبِيهِ : الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ غَيْرَ اللَّبَنِ وَغَيْرَ مَا يُحَنَّكُ بِهِ وَمَا أَشْبَهَهُ ، وَحَمَلَ الْمُوَفِّقُ الْحَمَوِيُّ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ قَوْلَهُمَا : مَا لَمْ يَأْكُلْ ، عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ : مَعْنَاهُ : لَمْ يَسْتَقِلَّ بِجَعْلِ الطَّعَامِ فِي فِيهِ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ، وَبِهِ جَزَمَ الْمُوَفِّقُ ابْنُ قُدَامَةَ وَغَيْرُهُ ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : يُحْتَمَلُ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَوَّتْ بِالطَّعَامِ وَلَمْ يَسْتَغْنِ بِهِ عَنِ الرَّضَاعِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا إِنَّمَا جَاءَتْ بِهِ عِنْدَ وِلَادَتِهِ لِيُحَنِّكَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيُحْمَلُ النَّفْيُ عَلَى عُمُومِهِ . انْتَهَى .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أخبرنا الشيخ أبو الفتح عبد الملك بن أبي القاسم عبد الله بن أبي سهل الهروي الكروخي في العشر الأول من ذي الحجة سنة 547 سبع وأربعين وخمس مائة بمكة - شرفها الله - وأنا أسمع قال : أنا القاضي الزاهد أبو عامر محمود بن القاسم بن محمد الأزدي - رحمه الله - قراءة عليه وأنا أسمع في ربيع الأول من سنة اثنين وثمانين وأربعمائة ، قال الكروخي : وأخبرنا الشيخ أبو نصر عبد العزيز بن محمد بن علي بن إبراهيم الترياقي ، والشيخ أبو بكر أحمد بن عبد الصمد بن أبي الفضل بن أبي حامد الغورجي - رحمهما الله - قراءة عليهما وأنا أسمع في ربيع الآخر من سنة إحدى وثمانين وأربعمائة ، قالوا : أنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد بن عبد الله بن أبي الجراح الجراحي المروزي المرزباني قراءة عليه ، أنا أبو العباس محمد بن أحمد بن محبوب بن فضيل المحبوبي المروزي فأقر به الشيخ الثقة الأمين ، أنا أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى الترمذي الحافظ قَالَ : أَبْوَابُ الطَّهَارَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَاب مَا جَاءَ لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ 1 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ أنا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ . ح . قال : ونا هَنَّادٌ نا وَكِيعٌ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ . قَالَ هَنَّادٌ فِي حَدِيثِهِ : إِلَّا بِطُهُورٍ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا الْحَدِيثُ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَحْسَنُ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - وَأَنَسٍ - رضي الله عنه - وَأَبُو الْمَلِيحِ بْنُ أُسَامَةَ اسْمُهُ عَامِرٌ ، وَيُقَالُ : زَيْدُ بْنُ أُسَامَةَ بْنِ عُمَيْرٍ الْهُذَلِيُّ . قَوْلُهُ : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) افْتُتِحَ الْكِتَابُ بِالْبَسْمَلَةِ اقْتِدَاءً بِكِتَابِ اللَّهِ الْعَظِيمِ ، وَاقْتِفَاءً بِكُتُبِ نَبِيِّهِ الْكَرِيمِ ، وَعَمَلًا بِحَدِيثِهِ فِي بَدَاءَةِ كُلِّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ الْحَافِظُ عَبْدُ الْقَادِرِ الرَّهَاوِيُّ فِي أَرْبَعِينِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهُوَ أَقْطَعُ ، وَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ كَالْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ ، وَكَأَكْثَرِ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي تَصَانِيفِهِمْ ، وَلَمْ يَأْتِ بِالْحَمْدِ وَالشَّهَادَةِ ، مَعَ وُرُودِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهُوَ أَقْطَعُ . وَقَوْلُهُ : كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا شَهَادَةٌ فَهِي كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ . أَخْرَجَهُمَا أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، لَمَّا قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي : مِنْ أَنَّ الْحَديِثَيْنِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مَقَالٌ ، سَلَّمْنَا صَلَاحِيَتَهُمَا لِلْحُجَّةِ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِمَا أَنَّ ذَلِكَ يَتَعَيَّنُ بِالنُّطْقِ وَالْكِتَابَةِ مَعًا ، فَلَعَلَّهُ حَمِدَ وَتَشَهَّدَ نُطْقًا عِنْدَ وَضْعِ الْكِتَابِ ، وَلَمْ يَكْتُبْ ذَلِكَ اقْتِصَارًا عَلَى الْبَسْمَلَةِ ، لِأَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يَجْمَعُ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةَ ذِكْرُ اللَّهِ ، وَقَدْ حَصَلَ بِهَا ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . قُلْتُ : قَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ لَفْظُ ذِكْرِ اللَّهِ فَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ : حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ قُرَّةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عن أبي سلمة ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُفْتَتَحُ بِذِكْرِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ أَوْ أَقْطَعُ فَبِهَذِهِ الرِّوَايَةِ يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ الْمُخْتَلِفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ . قَالَ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيِّ فِي أَوَّلِ طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ الْمُخْتَلِفَةِ مَا لَفْظُهُ : وَأَمَّا الْحَمْدُ وَالْبَسْمَلَةُ فَجَائِزٌ أن يُعْنَى بِهِمَا مَا هُوَ الْأَعَمَّ مِنْهُمَا وَهُوَ ذِكْرُ اللَّهِ وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ عَلَى الْجُمْلَةِ ، إِمَّا بِصِيغَةِ الْحَمْدِ أَوْ غَيْرِهَا ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ رِوَايَةُ ذِكْرِ اللَّهِ ، وَحِينَئِذٍ فَالْحَمْدُ وَالذِّكْرُ وَالْبَسْمَلَةُ سَوَاءٌ ، وَجَائِزٌ أَنْ يُعْنَى خُصُوصَ الْحَمْدِ وَخُصُوصَ الْبَسْمَلَةِ ، وَحِينَئِذٍ فَرِوَايَةُ الذِّكْرِ أَعَمُّ ، فَيُقَضى لَهَا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ إِذَا قُيِّدَ بِقَيْدَيْنِ مُتَنَافِيَيْنِ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَيُرْجَعُ إِلَى أَصْلِ الْإِطْلَاقِ ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ خُصُوصَ الْحَمْدِ وَالبَسْمَلَةِ مُتَنَافِيَانِ ، لِأَنَّ الْبَدَاءَةَ إِنَّمَا تَكُونُ بِوَاحِدٍ ، وَلَوْ وَقَعَ الِابْتِدَاءُ بِالْحَمْدِ لَمَا وَقَعَ بِالْبَسْمَلَةِ وَعَكْسُهُ ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الذِّكْرَ ، فَتَكُونُ رِوَايَتُهُ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ أَنَّ غَالِبَ الْأَعْمَالِ الشَّرْعِيَّةِ غَيْرُ مُفْتَتَحَةٌ بِالْحَمْدِ كَالصَّلَاةِ فَإِنَّهَا مُفْتَتَحَةٌ بِالتَّكْبِيرِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَإِنْ قُلْتَ : لَكِنَّ رِوَايَةَ بِحَمْدِ اللَّهِ أَثْبَتُ مِنْ رِوَايَةِ بِذِكْرِ اللَّهِ ، قُلْتُ : صَحِيحٌ ، وَلَكِنْ لِمَ قُلْتَ : إِنَّ الْمَقْصُودَ بِحَمْدِ اللَّهِ خُصُوصُ لَفْظِ الْحَمْدِ ، وَلِمَ لَا يَكُونُ الْمُرَادُ مَا هُوَ أَعَمَّ مِنْ لَفْظِ الْحَمْدِ وَالْبَسْمَلَةِ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرْتُ لَكَ مِنَ الْأَعْمَالِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي لَمْ يُشَرِّعِ الشَّارِعُ افْتِتَاحَهَا بِالْحَمْدِ بِخُصُوصِهِ ، انْتَهَى كَلَامُ التَّاجِ السُّبْكِيِّ . ثُمَّ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَأْيِيدِ كَلَامِهِ الْمَذْكُورِ : وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ فَطَرِيقُ التَّأَسِّي بِهِ الِافْتِتَاحُ بِالْبَسْمَلَةِ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا وُقُوعُ كُتُبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُلُوكِ وَكُتُبِهِ فِي الْقَضَايَا مُفْتَتَحَةً بِالتَّسْمِيَةِ دُونَ حَمْدَلَةٍ وَغَيْرِهَا ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانٍ فِي قِصَّةِ هِرَقْلٍ ، وَحَدِيثِ الْبَرَاءِ فِي قِصَّةِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ وَغَيْرِذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ ، انْتَهَى . تَنْبِيهٌ : قَالَ الشَّيْخُ بَدْرُ الدِّينِ الْعَيْنِيِّ فِي عُمْدَةِ الْقَارِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ : اعْتَذَرُوا عَنِ الْبُخَارِيِّ - أَيْ عَنِ اقْتِصَارِهِ عَلَى الْبَسْمَلَةِ - بِأَعْذَارٍ هِيَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الْقَبُولِ ، ثُمَّ ذَكَرَ الْعَيْنِيُّ سَبْعَةَ أَعْذَارٍ ، وَاعْتَرَضَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا ، ثُمَّ قَالَ : وَالْأَحْسَنُ فِيهِ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ بَعْضِ أَسَاتِذَتِي الْكِبَارِ أَنَّهُ ذَكَرَ الْحَمْدَ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ كَمَا هُوَ دَأَبُ الْمُصَنِّفِينَ فِي مُسَوَّدَتِهِ ، كَمَا ذَكَرَهُ فِي بَقِيَّةِ مُصَنَّفَاتِهِ ، وَإِنَّمَا سَقَطَ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ الْمُبَيِّضِينَ فَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ ، انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ . قُلْتُ : هَذَا الِاعْتِذَارُ أَيْضًا بِمَعْزِلٍ عَنِ الْقَبُولِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحَسَنٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ أَحْسَنَ ، بَلْ هُوَ أَبْعَدُ الْأَعْذَارِ كُلِّهَا ، فَإِنَّ قَوْلَهُ : إِنَّهُ ذَكَرَ الْحَمْدَ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ فِي مُسَوَّدَتِهِ إلخ ادِّعَاءٌ مَحْضٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : كَمَا هُوَ دَأَبُ الْمُصَنِّفِينَ ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرَ تَصَانِيفَ الْأَئِمَّةِ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ وَشُيُوخِ شُيُوخِهِ ، وَأَهْلِ عَصْرِهِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ دَأَبُهُمْ فِي ابْتِدَاءِ تَصَانِيفِهِمْ ذِكْرُ الْحَمْدِ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ ، بَلْ كَانَ دَأَبُهُمْ الِاقْتِصَارُ عَلَى التَّسْمِيَةِ ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : كَمَا ذَكَرَهُ فِي بَقِيَّةِ مُصَنَّفَاتِهِ ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرَ بَقِيَّةَ مُصَنَّفَاتِ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا ، فَإِنَّ مِنْ مُصَنَّفَاتِهِ الْأَدَبُ الْمُفْرَدُ ، وَكِتَابُ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ ، وَالرَّدُ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ ، وَكِتَابُ الضُّعَفَاءِ ، وَالتَّارِيخُ الصَّغِيرِ ، وَجُزْءُ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ ، وَجُزْءُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي ابْتِدَاءِ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْكُتُبِ الْحَمْدَ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ ، بَلِ اقْتَصَرَ فِي كُلٍّ مِنْهَا عَلَى التَّسْمِيَةِ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَأَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُ مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ ابْتِدَاءُ الْخُطْبَةُ فِيهَا حَمْدٌ وَشَهَادَةٌ فَحَذَفَهَا بَعْضُ مَنْ حَمَلَ عَنْهُ الْكِتَابَ ، وَكَأَنَّ قَائِلَ هَذَا مَا رَأَى تَصَانِيفَ الْأَئِمَّةِ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ وَشُيُوخِ شُيُوخِهِ وَأَهْلِ عَصْرِهِ ، كَمَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي الْمُصَنَّفِ ، وَأَحْمَدَ فِي الْمُسْنَدِ ، وَأَبِي دَاوُدَ فِي السُّنَنِ ، إِلَى مَا لَا يُحْصَى مِمَّنْ لَمْ يُقَدِّمْ فِي ابْتِدَاءِ تَصْنِيفِهِ خُطْبَةً وَلَمْ يَزِدْ عَلَى التَّسْمِيَةِ وَهُمُ الْأَكْثَرُ ، وَالْقَلِيلُ مِنْهُمْ مَنِ افْتَتَحَ كِتَابَهُ بِخُطْبَةٍ ، أَفَيُقَالُ فِي كُلِّ هَؤُلَاءِ : إِنَّ الرُّوَاةَ عَنْهُ حَذَفُوا ذَلِكَ ؟ كَلَّا بَلْ يُحْمَلُ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعِهِمْ عَلَى أَنَّهُمْ حَمَدُوا لَفْظًا ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الْخَطِيبُ فِي الْجَامِعِ عَنْ أَحْمَدَ : أَنَّهُ كَانَ يَتَلَفَّظُ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَتَبَ الْحَدِيثَ ، وَلَا يَكْتُبُهَا ، وَالْحَامِلُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ إِسْرَاعٌ أَوْ غَيْرُهُ ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِالْخُطَبِ دُونَ الْكُتُبِ ، وَلِهَذَا مَنِ افْتَتَحَ كِتَابَهُ مِنْهُمْ بِخُطْبَةٍ حَمِدَ وَتَشَهَّدَ كَمَا صَنَعَ مُسْلِمٌ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . تَنْبِيهٌ آخَرٌ : قَدِ اخْتَلَفُوا فِي حَدِيثِ الْحَمْدِ الْمَذْكُورِ ، فَبَعْضُهُمْ ضَعَّفُوهُ كَالْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ ، وَبَعْضُهُمْ حَسَّنُوهُ كَالْحَافِظِ ابْنِ الصَّلَاحِ ، وَبَعْضُهُمْ صَحَّحُوهُ كَابْنِ حِبَّانَ . قَالَ الْعَيْنِيُّ - رحمه الله - فِي عُمْدَةِ الْقَارِي : الْحَدِيثُ صَحِيحٌ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَأَبُو عَوَانَةَ ، وَقَدْ تَابَعَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قُرَّةَ كَمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، انْتَهَى . قُلْتُ : قَدْ وَقَعَ فِي إِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ ، وَقَدِ اسْتَوْعَبَ طُرُقَهُ وَأَلْفَاظَهُ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ الْكُبْرَى ، وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِي بَيَانِ مَا وَقَعَ في إِسْنَادُهُ وَمَتْنُهُ مِنْ الِاخْتِلَافِ ، ثُمَّ فِي دَفْعِهِ ، وَقَاَلَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ مَا لَفْظُهُ : هَذَا مُنْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى الْحَدِيثِ ، وَلَا رَيْبَ فِي أَنَّهُ بَعْدَ ثُبُوتِ صِحَّتِهِ وَرَفْعِهِ مُسْنَدًا غَيْرُ بَالِغٍ مَبْلَغَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى أَنَّهَا مُسْنَدَةٌ صحيحة ، وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ مَرَاتِبُ ، انْتَهَى كَلَامُ السُّبْكِيُّ ، وَقَالَ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ : وَقَدْ قَضَى ابْنُ الصَّلَاحِ بَأَنَّ الْحَدِيثَ حَسَنٌ دُونَ الصَّحِيحِ وَفَوْقَ الضَّعِيفِ مُحَتَجًّا بِأَنَّ رِجَالَهُ رِجَالُ الصَّحِيحَيْنِ سِوَى قُرَّةَ ، قَالَ : فَإِنَّهُ مِمَّنِ انْفَرَدَ مُسْلِمٌ ، عَنِ الْبُخَارِيِّ بِالتَّخْرِيجِ لَهُ ، انْتَهَى . فَائِدَةٌ : قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : اخْتَلَفَ الْقُدَمَاءُ فِيمَا إِذَا كَانَ الْكِتَابُ كُلُّهُ شِعْرًا ، فَجَاءَ عَنِ الشَّعْبِيِّ مَنْعُ ذَلِكَ - يَعْنِي كِتَابَةَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِهِ - وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : مَضَتِ السُّنَّةُ أَنْ لَا يُكْتَبَ فِي الشِّعْرِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ جَوَازُ ذَلِكَ ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجُمْهُورُ ، وَقَالَ الْخَطِيبُ : هُوَ الْمُخْتَارُ ، انْتَهَى . قَالَ الْقَارِيُّ فِي الْمِرْقَاةِ : وَالْأَحْسَنُ التَّفْصِيلُ ، بَلْ هُوَ الصَّحِيحُ ، فَإِنَّ الشِّعْرَ حَسَنُهُ حَسَنٌ وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ ، فَيُصَانُ إِيْرَادُ الْبَسْمَلَةِ فِي الْهَجَوِيَّاتِ وَمَدَائِحِ الظَّلَمَةِ وَنَحْوِهَا ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ ( أَبُو الْفَتْحِ ) قَائِلُهُ عُمَرُ بْنُ طَبْرَزْدَ الْبَغْدَادِيُّ تِلْمِيذُ أَبِي الْفَتْحِ عَبْدِ الْمَلِكِ . ( عَبْدِ اللَّه بْنِ أَبِي سَهْلٍ ) بِالْجَرِّ هُوَ اسْمُ أَبِي الْقَاسِمِ ( الْهَرَوِيِّ ) بِالْهَاءِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ نِسْبَةً إِلَى الْهَرَاةِ مَدِينَةٍ مَشْهُورَةٍ بِخُرَاسَانَ كَذَا فِي الْمُغْنِي لِلْعَلَّامَةِ مُحَمَّد طَاهِر صَاحِبِ مَجْمَعِ الْبِحَارِ . ( الْكُرُوخِيِّ ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّ الرَّاءِ الْخَفِيفَةِ وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مَنْسُوبٌ إِلَى كَرُوخٍ مِنْ بِلَادِ خُرَاسَانَ ، وَالْمُرَادُ بِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ رَاوِي التِّرْمِذِيِّ ، كَذَا فِي الْمُغْنِي ، وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ : كَرُوخٍ كَصَبُورٍ قَرْيَةٌ بِهَرَاةَ ، انْتَهَى . فَائِدَةٌ : قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي مُقَدِّمَتِهِ : قَدْ كَانَتِ الْعَرَبُ إِنَّمَا تَنْتسِبُ إِلَى قَبَائِلِهَا ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ وَغَلَبَ عَلَيْهِمْ مَسْكَنُ الْقُرَى وَالْمَدَائِنِ حَدَثَ فِيمَا بَيْنَهُمْ الِانْتِسَابُ إِلَى الْأَوْطَانِ وَأَضَاعَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَنْسَابَهُمْ ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ غَيْرُ الِانْتِسَابِ إِلَى الْأَوْطَانِ ، قَالَ : وَمَنْ كَانَ مِنَ النَّاقِلَةِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ وَأَرَادَ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا بِالِانْتِسَابِ فَلْيَبْدَأْ بِالْأَوَّلِ ثُمَّ بِالثَّانِي الْمُنَتْقَلِ إِلَيْهِ ، وَحَسَنٌ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى الثَّانِي كَلِمَةَ ثُمَّ ، فَيُقَالُ فِي النَّاقِلَةِ مِنْ مِصْرَ إِلَى دِمَشْقَ مَثَلًا فُلَانٌ الْمِصْرِيُّ ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى بَلْدَةٍ فَجَائِزٌ أَنْ يَنْسِبَ إِلَى الْقَرْيَةِ أَوْ إِلَى الْبَلْدَةِ أَيْضًا وَإِلَى النَّاحِيَةِ الَّتِي تِلْكَ الْبَلْدَةُ مِنْهَا أَيْضًا ، انْتَهَى . ( وَأَنَا أَسْمَعُ ) جُمْلَةً حَالِيَّةً ، أَيْ قَالَ عُمَرُ بْنُ طَبْرَزْدَ : أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ ، وَالْحَالُ أَنِّي كُنْتُ سَامِعًا . ( قَالَ : أَنَا الْقَاضِي ) أَيْ قَالَ الْكَرُوخِيُّ : أَخْبَرَنَا الْقَاضِي ، فَقَوْلُهُ أَنَا رَمْزُ إِلَى أَخْبَرَنَا ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ شَرْحِ مُسْلِمٍ : جَرَتِ الْعَادَةُ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الرَّمْزِ فِي حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا ، وَاسْتَمَرَّ الِاصْطِلَاحُ عَلَيْهِ مِنْ قَدِيمِ الْأَعْصَارِ إِلَى زَمَانِنَا وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى ، فَيَكْتُبُونَ مِنْ حَدَّثَنَا ثَنَا وَهِيَ الثَّاءُ وَالنُّونُ وَالْأَلِفُ ، وَرُبَّمَا حُذِفَ الثَّاءُ ، وَيَكْتُبُونَ مِنْ أَخْبَرَنَا أَنَا وَلَا تَحْسُنُ زِيَادَةُ الْبَاءِ قَبْلَ نَا ، انْتَهَى . فَائِدَةٌ : قَالَ النَّوَوِيُّ : كَانَ مِنْ مَذْهَبِ مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ الْفَرْقُ بَيْنَ حَدَّثَنَا وَأْخَبَرَنَا : أَنَّ حَدَّثَنَا لَا يَجُوزُ إِطْلَاقُهُ إِلَّا لِمَا سَمِعَهُ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ خَاصَّةً ، وَأَخْبَرَنَا لِمَا قُرِئَ عَلَى الشَّيْخِ ، وَهَذَا الْفَرْقُ هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ ، وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْمَشْرِقِ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْجَوْهَرِيُّ الْمِصْرِيُّ : وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ الَّذِينَ لَا يُحْصِيهُمْ أَحَدٌ ، وَرُوِيَ هَذَا الْمَذْهَبَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَابْنِ وَهْبٍ ، وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ النُّخْبَةِ : وَتَخْصِيصُ التَّحْدِيثُ بِمَا سَمِعَ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ هُوَ الشَّائِعُ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ اصْطِلَاحًا ، انْتَهَى . قُلْتُ : وَكَذَا الْإِخْبَارُ مَخْصُوصٌ بِالْقِرَاءَةِ عَلَى الشَّيْخِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ التَّحْدِيثِ وَالْإِخْبَارِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ ، وَفِي ادِّعَاءِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا تَكَلُّفٌ شَدِيدٌ ، لَكِنْ لَمَّا تَقَرَّرَ فِي الِاصْطِلَاحِ صَارَ ذَلِكَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً ، فَتَقَدَّمَ عَلَى الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ ، مَعَ أَنَّ هَذَا الِاصْطَلَاحَ إِنَّمَا شَاعَ عِنْدَ الْمَشَارِقَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ ، وَأَمَّا غَالِبُ الْمَغَارِبَةِ فَلَمْ يَسْتَعْمِلُوا هَذَا الِاصْطِلَاحِ ، بَلِ الْإِخْبَارُ وَالتَّحْدِيثُ عِنْدَهُمْ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . قُلْتُ : وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَاهُنَا تَفْصِيلًا آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ سَمِعَ وَحْدَهُ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ قَالَ : حَدَّثَنِي ، وَمَنْ سَمِعَ مَعَ غَيْرِهِ جَمَعَ فَقَالَ : حَدَّثَنَا ، وَكَذَا الْفَرْقُ بَيْنَ أَخْبَرَنِي وَبَيْنَ أَخْبَرَنَا . ( الْأَزْدِيُّ ) مَنْسُوبٌ إِلَى الْأَزْدِ : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ الْمُعْجَمَةِ ، قَبِيلَةٌ ( قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ ) أَيْ أَخْبَرَنَا الْقَاضِي حَالَ كَوْنِهِ يُقْرَأُ عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ ، أَوْ حَالَ كَوْنِهِ قَارِئًا عَلَيْهِ غَيْرِي وَأَنَا أَسْمَعُ ، فَقَوْلُهُ قِرَاءَةً مَصْدَرٌ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ أَوْ اسْمِ الْفَاعِلِ ، مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِيَّةِ ، قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي تَدْرِيبِ الرَّاوِي : قَوْلُ الرَّاوِي : أَخْبَرَنَا سَمَاعًا أَوْ قِرَاءَةً هُوَ مِنْ بَابِ قَوْلِهِمْ : أَتَيْتُهُ سَعْيًا ، وَكَلَّمْتُهُ مُشَافَهَةً ، وَلِلنُّحَاةِ فِيهِ مَذَاهِبٌ : أَحَدُهَا وَهُوَ رَأْيُ سِيبَوَيْهِ أَنَّهَا مَصْادِرُ وَقَعَتْ مَوْقِعَ فَاعِلَ حَالًا ، كَمَا وَقَعَ الْمَصْدَرُ مَوْقِعَهُ نَعْتًا ، فِي زَيْدٌ عَدْلٌ وَأَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ مِنْهَا إِلَّا مَا سُمِعَ وَلَا يُقَاسُ ، فَعَلَى هَذَا اسْتِعْمَالُ الصِّيغَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الرِّوَايَةِ مَمْنُوعٌ لِعَدَمِ نُطْقِ الْعَرَبِ بِذَلِكَ . الثَّانِي وَهُوَ لِلْمُبَرِّدِ : لَيْسَتْ أَحْوَالًا بَلْ مَفْعُولَاتٍ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مِنْ لَفْظِهَا ، وَذَلِكَ الْمُضْمَرُ هُوَ الْحَالُ ، وَأَنَّهُ يُقَاسُ فِي كُلِّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْفِعْلُ الْمُتَقَدِّمُ ، وَعَلَى هَذَا تَتَخَرَّجُ الصِّيْغَةُ الْمَذْكُورَةُ ، بَلْ كَلَامُ ابْنُ حِبَّانَ فِي تَذْكِرَتِهِ يَقْتَضِي أَنَّ أَخْبَرَنَا سَمَاعًا مَسْمُوعٌ ، وَأَخْبَرَنَا قِرَاءَةً لَمْ يَسْمَعْ ، وَأَنَّهُ يُقَاسُ عَلَى الْأَوَّلِ عَلَى هَذَا . الْقَوْلُ الثَّالِثُ : وَهُوَ لِلزَّجَّاجِ ، قَالَ بِقَوْلِ سِيبَوَيْهِ فَلَا يُضْمَرُ لَكِنَّهُ مَقِيسٌ . الرَّابِعُ : وَهُوَ لِلسِّيرَافِيِّ ، قَالَ : هُوَ مِنْ بَابِ جَلَسْتُ قُعُودًا مَنْصُوبٌ بِالظَّاهِرِ ، مَصْدَرًا مْعَنَوِيًّا ، انْتَهَى كَلَامُ السُّيُوطِيِّ . ( التِّرْيَاقِيُّ ) مَنْسُوبٌ إِلَى التِّرْيَاقِ : بِالْكَسْرِ قَرْيَةٍ بِهَرَاةَ ( الْغَوْرَجِيُّ ) قَالَ فِي الْمُغْنِي : بِمَضْمُومَةٍ وَسُكُونِ وَاوٍ ، وَبِرَاءٍ وَجِيمٍ مَنْسُوبٌ كَذَا ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ أَبِي الْفَضْلِ أَحَدُ مَشَائخِ الْكَرُوخِيِّ فِي التِّرْمِذِيِّ ، انْتَهَى . قَالَ فِي الْقَامُوسِ فِي بَابِ الْغَوْرِ : الْغَوْرَةُ بِالضَّمِّ قَرْيَةٌ عِنْدَ بَابِ هَرَاةَ ، وَهُوَ غَوْرَجِيٌّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ ، انْتَهَى . ( قَالُوا ) أَيْ الْأَزْدِيُّ ، وَالتِّرْيَاقِيُّ ، وَالْغَوْرَجِيُّ ، وَهُمْ شُيُوخُ الْكَرُوخِيُّ . ( الْجَرَّاحِيُّ ) قَالَ فِي الْمُغْنِي : بِمَفْتُوحَةٍ وَشَدَّةِ رَاءٍ وَبِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مِنْهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، انْتَهَى . ( الْمَرْوَزِيُّ ) مْنَسُوبٌ إِلَى مَرْوٍ ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : بَلَدٌ بِفَارِسَ ، وَالنِّسْبَةُ مَرْوِيُّ وَمَرَوِيٌّ وَمَرْوَزِيٌّ . انْتَهَى . وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا : الْمَرْوَزِيُّ نِسْبَةً إِلَى مَرْوٍ بِزِيَادَةِ زَايٍ مَدِينَةٍ بِخُرَاسَانَ . انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ : الْمَرْوِيُّ بِسُكُونِ الرَّاءِ نِسْبَةً إِلَى قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الْكُوفَةِ ، وَأَمَّا النِّسْبَةُ إِلَى مَرْوٍ الْمَعْرُوفَةِ بِخُرَاسَانَ فَقَدِ الْتَزَمُوا فِيهَا زِيَادَةِ الزَّايِ ، فيقال : مروزي كَأَنَّهُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ . انْتَهَى . ( الْمَرْزُبَانِيُّ ) قَالَ فِي الْمُغْنِي : بِمَفْتُوحَةٍ وَسُكُونِ رَاءٍ وَضَمِّ زَايٍ وَبِمُوَحَّدَةٍ وَبِنُونٍ ، مَنْسُوبٌ إِلَى مَرْزَبَانَ : جَدِّ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ رَاوِي التِّرْمِذِيِّ . انْتَهَى . قُلْتُ فِيهِ : إنَّ الْمَرْزُبَانِيَّ وَقَعَ نَعْتًا لِأَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْجَبَّارِ لَا لِمُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ ، وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْمَرْزَبَةُ كَمَرْحَلَةٍ رِياسَةُ الْفُرْسِ ، وَهُوَ مَرْزُبَانُهُمْ بِضَمِّ الزَّايِ ج مَرَازِبَةٍ . ( أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَحْبُوبِ بْنِ فُضَيْلٍ الْمَحْبُوبِيُّ الْمَرْوَزِيُّ فَأَقَرَّ بِهِ الشَّيْخُ الثِّقَةُ الْأَمِينُ ) ، هَكَذَا وَقَعَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي النُّسَخِ الْمَطْبُوعَةِ فِي الْهِنْدِ بِزِيَادَةِ لَفْظٍ ( فَأَقَرَّ بِهِ الشَّيْخُ الثِّقَةُ الْأَمِينُ ) بَعْدَ لَفْظِ الْمَرْوَزِيِّ ، وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْقَلَمِيَّةِ الصَّحِيحَةِ هَكَذَا : أَنَا الشَّيْخُ الثِّقَةُ الْأَمِينُ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَحْبُوبِ بْنِ فُضَيْلٍ الْمَحْبُوبِيُّ الْمَرْوَزِيُّ ، بِحَذْفِ لَفْظٍ فَأَقَرَّ بِهِ ، وَوَقُوعِ لَفْظِ الشَّيْخِ الثِّقَةِ الْأَمِينِ بَعْدَ لَفْظِ أَنَا ، وَهَكَذَا وَقَعَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ فِي الْأَثْبَاتِ الصَّحِيحَةِ ، كَثَبَتِ الْكُرْدِيِّ وَالْكُزْبَرِيِّ وَالشَّنَوَانِيِّ وَالشَّاهِ وَلِيِّ اللَّهِ ، وَهَذَا مِمَّا أَفَادَنِي شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الْقَاضِي حُسَيْنُ بْنُ مُحْسِنٍ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ السَّعْدِيُّ الْيَمَانِيُّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ، وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي نُسْخَةٍ قَلَمِيَّةٍ صَحِيحَةٍ عَتِيقَةٍ هَكَذَا : قَالَ : أَنْبَأَ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبِ بْنِ فُضَيْلٍ الْمَحْبُوبِيُّ الْمَرْوَزِيُّ الشَّيْخُ الثِّقَةُ الْأَمِينُ قَالَ : أَنْبَأَ أَبُو عِيسَى بْنُ سَوْرَةَ التِّرْمِذِيُّ ، بِحَذْفِ لَفْظٍ فَأَقَرَّ بِهِ ، وَهَذِهِ النُّسْخَةُ مَوْجُودَةٌ فِي مَكْتَبَةِ خَدَا بخش خَانَ الْعَظيِمْ أَبَادِي . تَنْبِيهٌ : الْعِبَارَةُ الَّتِي وَقَعَتْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْقَلَمِيَّةِ وَالْأَثْبَاتِ الصَّحِيحَةِ مَعْنَاهَا ظَاهِرٌ وَاضِحٌ وَكَذَا الْعِبَارَةُ الَّتِي وَقَعَتْ فِي النُّسْخَةِ الْقَلَمِيَّةِ الْعَتِيقَةِ مَعْنَاهَا وَاضِحٌ ، وَأَمَّا الْعِبَارَةُ الَّتِي وَقَعَتْ فِي النُّسَخِ الْمَطْبُوعَةِ فَقَدْ جَزَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَنَّ جُمْلَةَ فَأَقَرَّ بِهِ الشَّيْخُ الثِّقَةُ الْأَمِينُ فِيهَا غَلَطٌ لَا يَسْتَقِيمُ مَعْنَاهَا . قُلْتُ : هَذِهِ الْجُمْلَةُ فِيهَا لَيْسَتْ عِنْدِي بِغَلَطٍ بَلْ هِيَ صَحِيحَةٌ مَعْنَاهَا مُسْتَقِيمٌ ، فَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّيْخِ الثِّقَةِ الْأَمِينِ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْقَاضِي الزَّاهِدَ أَبَا عَامِرٍ وَالشَّيْخَ أَبَا نَصْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَالشَّيْخَ أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ الصَّمَدِ مِنْ تَلَامِذَةِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْجَبَّارِ أَخَذُوا هَذَا الْكِتَابَ عَنْهُ بِالْعَرْضِ عَلَيْهِ ، بِأَنْ كَانَ أَحَدٌ مِنْ تَلَامِذَتِهِ يَقْرَؤُهُ عَلَيْهِ وَالْبَاقُونَ كَانُوا يَسْمَعُونَ ، وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ كَانَ مُصْغِيًا فَاهِمًا غَيْرَ مُنْكِرٍ ، وَكَانَ قِرَاءَةُ الْقَارِئِ عَلَيْهِ هَكَذَا : قُلْتُ : أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَحْبُوبِ بْنِ فُضَيْلٍ الْمَحْبُوبِيُّ الْمَرْوَزِيُّ إلخ فَأَقَرَّ بِهِ الشَّيْخُ الثِّقَةُ الْأَمِينُ . أَيْ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ يَعْنِي فَأَقَرَّ بِمَا قُرِئَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يُنْكِرْ فَصَحَّ سَمَاعُهُمْ مِنْهُ وَجَازَ لَهُمُ الرِّوَايَةُ عَنْهُ . وَيَنْبَغِي لِكُلِّ مَنْ يَقْرَأُ هَذَا الْكِتَابِ عَلَى شَيْخِهِ وَيَعْرِضُهُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ قَوْلِهِ قِرَاءَةً عَلَيْهِ : قِيلَ لَهُ قُلْتَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ إلخ . وَلَا بُدَّ لَنَا مِنْ أَنْ نَذْكُرَ هَاهُنَا بَعْضَ عِبَارَاتِ تَدْرِيبِ الرَّاوِي وَغَيْرِهِ لِيَتَّضِحَ لَكَ مَا قُلْنَا فِي تَصْحِيحِ الْجُمْلَةِ الْمَذْكُورَةِ ، قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي التَّدْرِيبِ : الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ وُجُوهِ التَّحَمُّلِ : الْقِرَاءَةُ عَلَى الشَّيْخِ ، وَيُسَمِّيهَا أَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ عَرْضًا ، سَوَاءٌ قَرَأْتَ عَلَيْهِ بِنَفْسِكَ أَوْ قَرَأَ عَلَيْهِ غَيْرُكَ وَأَنْتَ تَسْمَعُ ، وَالْأَحْوَطُ فِي الرِّوَايَةِ بِهَا أَنْ يَقُولَ : قَرَأْتُ عَلَى فُلَانٍ إِنْ قَرَأَ بِنَفْسِهِ ، أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ فَأَقَرَّ بِهِ ، ثُمَّ يَلِي ذَلِكَ عِبَارَاتُ السَّمَاعِ مُقَيَّدَةٌ بِالْقِرَاءَةِ : كَحَدَّثَنَا بِقِرَاءَتِي أَوْ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ ، أَوْ أَخْبَرَنَا بِقِرَاءَتِي أَوْ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ . انْتَهَى . وَقَالَ فِيهِ : وَإِذَا قَرَأَ عَلَى الشَّيْخِ قَائِلًا : أَخْبَرَكَ فُلَانٌ أَوْ نَحْوَهُ ، كَقُلْتَ : أَخْبَرَنَا فُلَانٌ وَالشَّيْخُ مُصْغٍ إِلَيْهِ فَاهِمٌ لَهُ غَيْرُ مُنْكِرٍ وَلَا مُقِرٍّ لَفْظًا صَحَّ السَّمَاعُ وَجَازَتِ الرِّوَايَةُ بِهِ اكْتِفَاءً بِالْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ نُطْقُ الشَّيْخِ بِالْإِقْرَارِ كَقَوْلِهِ نَعَمْ ، عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ جَمَاهِيرُ أَصْحَابِ الْفُنُونِ وَشَرَطَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيَّةِ وَالظَّاهِرِيِّينَ نُطْقَهُ بِهِ . انْتَهَى كَلَامُ السُّيُوطِيُّ مُلَخَّصًا . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ شَرْحِ مُسْلِمٍ : جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِحَذْفِ قَالَ وَنَحْوِهِ فِيمَا بَيْنَ رِجَالِ الْإِسْنَادِ فِي الْخَطِّ ، وَيَنْبَغِي لِلْقَارِئِ أَنْ يَلْفِظَ بِهَا ، وَإِذَا كَانَ فِي الْكِتَابِ : قُرِئَ عَلَى فُلَانٍ أَخْبَرَكَ فُلَانٌ فَلْيَقُلِ الْقَارِئُ : قُرِئَ عَلَى فُلَانٍ قِيلَ لَهُ أَخْبَرَكَ فُلَانٌ ، وَإِذَا كَانَ فِيهِ قُرِئَ عَلَى فُلَانٍ أَخْبَرَنَا فُلَانٌ فَلْيَقُلْ : قُرِئَ عَلَى فُلَانٍ قِيلَ لَهُ قُلْتَ أَخْبَرَنَا فُلَانٌ . انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيُّ . فَإِذَا وَقَفْتَ عَلَى هَذِهِ الْعِبَارَاتِ وَعَرَفْتَ مَدْلُولَهَا يَتَّضِحُ لَكَ مَا قُلْنَا فِي تَصْحِيحِ جُمْلَةٍ فَأَقَرَّ بِهِ الشَّيْخُ الثِّقَةُ الْأَمِينُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . تَنْبِيهٌ : قَالَ صَاحِبُ الْعَرْفِ الشَّذِيِّ فِي تَوْجِيهِ الْجُمْلَةِ الْمَذْكُورَةِ مَا لَفْظُهُ : الْمُرَادُ بِالشَّيْخِ هُوَ الْمَحْبُوبِيُّ كَمَا فِي ثَبَتِ ابْنِ عَابِدِينَ ، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ يَعْنِي فَأَقَرَّ بِهِ الشَّيْخُ الثِّقَةُ الْأَمِينُ لَيْسَتْ فِي النُّسَخِ الْمُعْتَبَرَةِ ، وَأَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهَا فِي الْكِتَابِ فَمُرَادُهَا أَنَّ الشَّيْخَ الْمَحْبُوبِيَّ نَسَخَ الْكِتَابَ ، وَكَانَ عِلْمُ مَنْ قَبْلَهُ بِالصُدُورِ ، فَإِذَا صَارَ الْعِلْمُ بِالْكِتَابِ فَاحْتَاجَ تَلَامِذَةُ الشَّيْخِ الْمَحْبُوبِيِّ إِلَى أَنْ يُقِرَّ الْمَحْبُوبِيُّ بِكِتَابِهِ وَصِحَّتِهِ ، فَلِذَا قَالَ تِلْمِيذُ الْمَحْبُوبِيُّ أَقَرَّ الشَّيْخُ الْمَحْبُوبِيُّ بِهَذَا الْكِتَابِ لِتَوْثِيقِ الْكِتَابِ . انْتَهَى كَلَامُهُ . قُلْتُ : هَذَا التَّوْجِيهُ بَاطِلٌ جِدًّا ، فَإِنَّ مَبْنَاهُ عَلَى أَنَّ عِلْمَ مَنْ قَبْلِ الشَّيْخِ الْمَحْبُوبِيِّ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ وَغَيْرِهِمْ كَانَ فِي الصُّدُورِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْكِتَابِ ، وَهَذَا بَاطِلٌ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ ، وَقَدْ عَرَفْتَ فِي الْمُقَدِّمَةِ أَنَّ تَدْوِينَ الْأَحَادِيثِ وَجَمْعِهَا فِي الْكِتَابِ قَدْ حَدَثَ فِي أَوَاخِرِ عصرِ التَّابِعِينَ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي مُقَدِّمَةِ الْفَتْحِ : إِنَّ آثَارَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ تَكُنْ فِي عَصْرِهِ وَعَصْرِ أَصْحَابِهِ وَتَبَعِهِمْ مُدَوَّنَةً فِي الْجَوَامِعِ . إِلَى أَنْ قَالَ : ثُمَّ حَدَثَ فِي أَوَاخِرِ عُمُرِ التَّابِعِينَ تَدْوِينُ الْآثَارِ وَتَبْوِيبُ الْأَخْبَارِ لَمَّا انْتَشَرَ الْعُلَمَاءُ بِالْأَمْصَارِ وَكَثُرَ الِابْتِدَاعُ ، انتهى . تَنْبِيهٌ آخَرٌ : قَالَ بَعْضُهُمْ فِي تَوْجِيهِ الْجُمْلَةِ الْمَذْكُورَةِ : إِنَّ قَوْلَهُ فَأَقَرَّ بِهِ الشَّيْخُ الثِّقَةُ الْأَمِينُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يُقَالَ : بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّيْخِ الثِّقَةِ الْأَمِينِ هُوَ أَبُو الْعَبَّاسِ الَّذِي تِلْمِيذُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ ، وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا الْوَجْهِ : أَنَّ الْقَاضِي الزَّاهِدَ أَبَا عَامِرٍ أَوِ الشَّيْخَ أَبَا نَصْرٍ أَوِ الشَّيْخَ أَبَا بَكْرٍ الَّذِينَ هُمْ تَلَامِذَةُ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَدْ سَـأَلَ أُسْتَاذَ أُسْتَاذِهِ - أَعْنِي أَبَا الْعَبَّاسِ - عَنْ أَنَّكَ أَخْبَرْتَ تِلْمِيذَكَ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ الْجَبَّارِ بِهَذَا الْكِتَابِ فَأَقَرَّ بِهِ ، أَيْ بِالْإِخْبَارِ بِهَذَا الْكِتَابِ أَبُو الْعَبَّاسِ وَأَجَابَ بِإِقْرَارِ الْإِخْبَارِ ، وَثَانِيهُمَا : أَنْ يُرَادَ بِالشَّيْخِ الثِّقَةِ الْأَمِينِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى عَلَى هَذَا أَنَّهُ سَأَلَهُ أَحَدُ تَلَامِذَتِهِ وَهُمْ الْقَاضِي الزَّاهِدُ أَبُو عَامِرٍ ، وَأَبُو نَصْرٍ ، وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ أَنَّكَ أَخْبَرَكَ شَيْخُكَ أَبُو الْعَبَّاسِ فَأَقَرَّ بِهِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بِأَخْذِ هَذَا الْكِتَابِ مِنْ شَيْخِهِ أَبِي الْعَبَّاسِ . هَذَا هُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي ، فَعَلى كِلَا الْوَجْهَيْنِ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ بِهِ رَاجِعٌ إِلَى الْإِخْبَارِ بِهَذَا الْكِتَابِ الَّذِي يُفْهَمُ ضِمْنًا ، وَفَاعِلُ قَوْلِهِ أَقَرَّ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالشَّيْخِ الثِّقَةِ الْأَمِينِ إِمَّا أَبُو الْعَبَّاسِ وَإِمَّا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ . انْتَهَى كَلَامُهُ . قُلْتُ : هَذَا التَّوْجِيهُ أَيْضًا لَيْسَ بِشَيْءٍ ، فَإِنَّ فِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ مِنْ هَذَا التَّوْجِيهِ نَظَرًا ، أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ : فَلِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى أَنَّ أَحَدًا مِنْ تَلَامِذَةِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْمَذْكُورِينَ قَدْ لَقِيَ أُسْتَاذَ أُسْتَاذِهِ أَعْنِي أَبَا الْعَبَّاسِ ، وَهَذَا ادِّعَاءٌ مَحْضٌ ، فَلَا بُدَّ لِهَذَا الْبَعْضُ أَنْ يَثْبُتَ أَوَّلًا لِقَاءَهُ مِنْهُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُتَوَجَّهُ إِلَى هَذَا الْوَجْهِ وَدُونَهُ خَرْطُ الْقَتَادِ . وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي : فَفِيهِ أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ لَمَّا حَدَّثَ تَلَامِذَتَهُ الْمَذْكُورِينَ بِلَفْظِ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ فَبَعْدَ سَمَاعِهِمْ هَذَا اللَّفْظَ مِنْهُ لَا مَعْنَى لِسُؤَالِ أَحَدِ تَلَامِذَتِه عَنْ أَنَّكَ أَخْبَرَكَ شَيْخُكَ أَبُو الْعَبَّاسِ ، فَتَفَكَّرَ . تَنْبِيهٌ آخَرٌ : قَالَ صَاحِبُ ( الطِّيبُ الشَّذِيِّ ) فِي تَوْجِيهِ الْجُمْلَةِ الْمَذْكُورَةِ مَا لَفْظُهُ : الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّيْخِ الثِّقَةِ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ ، فَقَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ هُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ الْجَرَّاحِيُّ فَالْمَعْنَى أَنَّ تَلَامِذَةَ أَبِي الْعَبَّاسِ لَمَّا قَرَءُوا الْكِتَابَ عَلَى أُسْتَاذِهِمْ أَبِي الْعَبَّاسِ فَقَالَ لَهُمْ : نَعَمْ هَكذَا كُنْتُ قَرَأْتُ عَلَيْكُمْ . انْتَهَى كَلَامُهُ . قُلْتُ : هَذَا التَّوْجِيهُ أَيْضًا بَاطِلٌ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ ، فَإِنَّ تَلَامِذَةَ أَبِي الْعَبَّاسِ إِمَّا كَانُوا قَرَءُوا الْكِتَابَ عَلَى أُسْتَاذِهِمْ أَبِي الْعَبَّاسِ وَكَانَ هُوَ سَاكِتًا مُصْغِيًا لِقِرَاءَتِهِمْ أَوْ كَانَ هُوَ الْقَارِئُ وَهُمْ كَانُوا سَاكِتِينَ مُصْغِينَ لِقِرَاءَتِهِ ، فَعَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ : فَقَالَ لَهُمْ : نَعَمْ هَكَذَا كُنْتُ قَرَأْتُ عَلَيْكُمْ ، وَعَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ : لَمَّا قَرَءُوا الْكِتَابَ فَتَفَكَّرَ ثُمَّ قَالَ : وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الثِّقَةِ الْأَمِينِ هُوَ عَبْدُ الْجَبَّارِ ، وَقَائِلُ قَوْلِهِ فَأَقَرَّ بِهِ أَيْضًا عَبْدُ الْجَبَّارِ ، فَاْلمَعْنَى أَنَّ تَلَامِذَةُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالُوا لَهُ : أأَخْبَرَكَ أَبُو الْعَبَّاسِ؟ فَقَالَ : نَعَمْ أَخْبَرَنِي أُسْتَاذِي أَبُو الْعَبَّاسِ . فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فَأَقَرَّ بِهِ الشَّيْخُ الثِّقَةُ الْأَمِينُ . انْتَهَى . قُلْتُ : قَدْ أَخَذَ هَذَا صَاحِبُ الطِّيبِ الشَّذِيِّ مِنَ الْوَجْهِ الثَّانِي مِنَ الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لِبَعْضِهِمْ ، وَلَكِنَّهُ قَدْ تَخَبَّطَ فِي قَوْلِهِ ، وَقَائِلُ قَوْلِهِ فأَقَرَّ بِهِ أَيْضًا عَبْدُ الْجَبَّارِ . قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنا أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنُ سَوْرَةَ ) بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الْوَاوِ ( التِّرْمِذِيُّ ) بِكَسْرِ التَّاءِ وَالْمِيمِ وَبِضَمِّهِمَا وَبِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ مَعَ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ، نِسْبَةً إِلَى مَدِينَةٍ قَدِيمَةٍ عَلَى طُرُقِ جَيْحُونَ : نَهْرُ بَلْخَ ، ( الْحَافِظُ ) تَقَدَّمَ حَدُّ الْحَافِظِ فِي الْمُقَدِّمَةِ ، وَتَقَدَّمَ فِيهَا أَيْضًا تَرْجَمَةُ أَبِي عِيَسى التِّرْمِذِيُّ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِكُنْيَتِهِ . قَوْلُهُ : ( أَبْوَابُ الطَّهَارَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَبْوَابُ جَمْعُ بَابٍ ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ لِمَا كَانَ حِسِّيًّا يُدْخَلُ مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ ، وَمَجَازٌ لِعِنْوَانِ جُمْلَةٍ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُتَنَاسِبَةِ . وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ جَرَتْ عَادَةُ أَكْثَرِ الْمُصَنِّفِينَ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُمْ يَذْكُرُونَ مَقَاصِدَهُمْ بِعِنْوَانِ الْكِتَابِ وَالْبَابِ وَالْفَصْلِ ، فَالْكِتَابُ عِنْدَهُمْ عِبَارَةٌ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْمَسَائِلِ اُعْتُبِرَتْ مُسْتَقِلَّةً شَمِلَتْ أَنْوَاعًا أَوْ لَمْ تَشْمَلْ ، فَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ فَكُلُّ نَوْعٍ يُسَمَّى بِالْبَابِ ، وَالْأَشْخَاصُ الْمُنْدَرِجَةُ تَحْتَ النَّوْعِ تُسَمَّى بِالْفُصُولِ ، وَقَالَ السَّيِّدُ نُورُ الدِّينِ فِي فُرُوقِ اللُّغَاتِ : الْكِتَابُ هُوَ الْجَامِعُ لِمَسَائِلَ مُتَّحِدَةٍ فِي الْجِنْسِ مُخْتَلِفَةٍ فِي النَّوْعِ ، وَالْفَصْلُ هُوَ الْجَامِعُ لِمَسَائِلَ مُتَّحِدَةٍ فِي النَّوْعِ مُخْتَلِفَةٍ فِي الصِّنْفِ ، وَالْفَصْلُ هُوَ الْجَامِعُ لِمَسَائِلَ مُتَّحِدَةٍ فِي الصِّنْفِ مُخْتَلِفَةٍ فِي الشَّخْصِ . انْتَهَى . وَهَكَذَا جَرَتْ عَادَةُ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ - رحمهم الله - أَنَّهُمْ يَذْكُرُونَ الْأَحَادِيثَ وَالْآثَارَ فِي كُتُبِهِمْ عَلَى طَرِيقَةِ الْفُقَهَاءِ بِعِنْوَانِ الْكِتَابِ وَالْبَابِ . لَكِنَّ التِّرْمِذِيَّ - رحمه الله - يَذْكُرُ مَكَانَ الْكِتَابِ لَفْظَ الْأَبْوَابِ ، فَيَقُولُ : أَبْوَابُ الطَّهَارَةِ وَأَبْوَابُ الصَّلَاةِ وَأَبْوَابُ الزَّكَاةِ وَهَكَذَا ، ثُمَّ يَزِيدُ بَعْدَ الْأَبْوَابِ لَفْظَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلًا يَقُولُ : أَبْوَابُ الطَّهَارَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَبْوَابُ الصَّلَاةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي تَوَجُّهِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ مَا لَفْظُهُ : فَائِدَةُ ذِكْرِهِ - أَيْ ذِكْرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِيهَا مَرْفُوعَاتٌ لَا مَوْقُوفَاتٌ ، وذَلِكَ لِأَنَّ قَبْلَ زَمَانِ التِّرْمِذِيِّ وَطَبَقَتِهِ كَانَتْ الْعَادَةُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَخْلِطُونَ الْأَحَادِيثَ وَالْآثَارَ ، كَمَا يُفْصِحُ عَنْهُ مُوَطَّأُ مَالِكٍ وَمَغَازِي مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَغَيْرُهُمَا ، ثُمَّ جَاءَ الْبُخَارِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَقْرَانُهُمَا فَمَيَّزُوا الْأَحَادِيثَ الْمَرْفُوعَةَ عَنْ الْآثَارِ . انْتَهَى . وَالْمُرَادُ مِنْ الطَّهَارَةِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ ، وَأَصْلُهَا النَّظَافَةُ وَالنَّزَاهَةُ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ حِسِّيٍّ أَوْ مَعْنَوِيٍّ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ وَالطَّهَارَةُ لَمَّا كَانَتْ مِفْتَاحَ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ عِمَادُ الدِّينِ اِفْتَتَحَ الْمُؤَلِّفُونَ بِهَا مُؤَلَّفَاتِهِمْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا جَاءَ لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ ) بِضَمِّ الطَّاءِ وَفَتْحِهَا . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ) بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ ( بْنُ سَعِيدٍ ) الثَّقَفِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو رَجَاءٍ الْبَغْلَانِيُّ ، مُحَدِّثُ خُرَاسَانَ وُلِدَ سَنَةَ 149 تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ، وَسَمِعَ مِنْ مَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ، وَابْنِ لَهِيعَةَ ، وَشَرِيكٍ وَطَبَقَتِهِمْ ، وَعَنْهُ الْجَمَاعَةُ سِوَى اِبْنِ مَاجَهْ ، وَكَانَ ثِقَةً عَالِمًا صَاحِبَ حَدِيثٍ وَرِحْلَاتٍ ، وَكَانَ غَنِيًّا مُتَمَوِّلًا ، قَالَ اِبْنُ مَعِينٍ : ثِقَةٌ . وَقَالَ النَّسَائِيُّ : ثِقَةٌ مَأْمُونٌ مَاتَ سَنَةَ 240 أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ عَنْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ سَنَةً . كَذَا فِي تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ . ( أنا أَبُو عَوَانَةَ ) اِسْمُهُ الْوَضَّاحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْيَشْكُرِيُّ الْوَاسِطِيُّ الْبَزَّازُ أَحَدُ الْأَعْلَامِ ، رَوَى عَنْ قَتَادَةَ ، وَابْنِ الْمُنْكَدِرِ وَخَلْقٍ ، وَعَنْهُ قُتَيْبَةُ ، وَمُسَدَّدٌ وَخَلَائِقُ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ ، مَاتَ سَنَةَ 176 سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ . فائدة : قَالَ النَّوَوِيُّ : جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِحَذْفِ قَالَ وَنَحْوِهِ فِيمَا بَيْنَ رِجَالِ الْإِسْنَادِ فِي الْخَطِّ ، وَيَنْبَغِي لِلْقَارِئِ أَنْ يَلْفِظَ بِهَا . انْتَهَى . قُلْتُ فَيَنْبَغِي لِلْقَارِئِ أَنْ يَقْرَأَ هَذَا السَّنَدَ هَكَذَا : قَالَ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ بِذِكْرِ لَفْظِ قَالَ قَبْلَ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ وَقَبْلَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ . ( عَنْ سِمَاكِ ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ ( بْنِ حَرْبٍ ) بْنِ أَوْسِ بْنِ خَالِدٍ الذُّهَلِيِّ الْبَكْرِيِّ الْكُوفِيِّ ، صَدُوقٌ ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ خَاصَّةٌ مُضْطَرِبَةٌ ، وَقَدْ تَغَيَّرَ بِآخِرِهِ فَكَانَ رُبَّمَا يُلَقِّنُ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : أَحَدُ الْأَعْلَامِ التَّابِعِينَ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ثُمَّ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ ، وَمُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ وَغَيْرِهِمْ ، وَعَنْهُ الْأَعْمَشُ ، وَشُعْبَةُ ، وَإِسْرَائِيلُ ، وَزَائِدَةُ ، وَأَبُو عَوَانَةَ وَخَلْقٌ ، قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : لَهُ نَحْوُ مِائَتَيْ حَدِيثٍ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : أَصَحُّ حَدِيثًا مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَمْرٍو ، ووَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ ، وَابْنُ مَعِينٍ فِي رِوَايَةِ اِبْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ ، وَابْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ ، عَنْ أَحْمَدَ : مُضْطَرِبُ الْحَدِيثِ . قُلْتُ عَنْ عِكْرِمَةَ فَقَطْ ، مَاتَ سَنَةَ 123 ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ . انْتَهَى . ( ح ) اِعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِلْحَدِيثِ إِسْنَادَانِ أَوْ أَكْثَرُ كَتَبُوا عِنْدَ الِانْتِقَالِ مِنْ إِسْنَادٍ إِلَى إِسْنَادٍ ح وَهِيَ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ مُفْرَدَةٌ ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ التَّحَوُّلِ; لِتَحَوُّلِهِ مِنْ إِسْنَادٍ إِلَى إِسْنَادٍ ، وَأَنَّهُ يَقُولُ الْقَارِئُ إِذَا انْتَهَى إِلَيْهَا ح وَيَسْتَمِرُّ فِي قِرَاءَةِ مَا بَعْدَهَا ، وَقِيلَ : إِنَّهَا مِنْ حَالَ الشَّيْءُ يَحُولُ إِذَا حَجَزَ لِكَوْنِهَا حَالَتْ بَيْنَ الْإِسْنَادَيْنِ وَأَنَّهُ لَا يَلْفِظُ عِنْدَ الِانْتِهَاءِ إِلَيْهَا بِشَيْءٍ وَلَيْسَتْ مِنْ الرِّوَايَةِ ، وَقِيلَ : إِنَّهَا رَمْزٌ إِلَى قَوْلِهِ الْحَدِيثَ ، وَإَنَّ أَهْلَ الْمَغْرِبِ كُلَّهُمْ يَقُولُونَ إِذَا وَصَلُوا إِلَيْهَا الْحَدِيثَ ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ . ( قَالَ ونا هَنَّادٌ ) أَيْ قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ : وَحَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، وَهُوَ اِبْنُ السَّرِيِّ بْنِ مُصْعَبٍ الْحَافِظُ الْقُدْوَةُ الزَّاهِدُ شَيْخُ الْكُوفَةِ أَبُو السَّرِيِّ التَّمِيمِيُّ الدَّارِمِيُّ ، رَوَى عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ سَلَّامٌ ، وَشَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ وَطَبَقَتُهُمْ ، وَعَنْهُ الْجَمَاعَةُ سِوَى الْبُخَارِيِّ وَخَلْقٍ ، سُئِلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَمَّنْ يَكْتُبُ بِالْكُوفَةِ قَالَ : عَلَيْكُمْ بِهَنَّادٍ . قَالَ قُتَيْبَةُ : مَا رَأَيْتُ وَكِيعًا يُعَظِّمُ أَحَدًا تَعْظِيمَهُ هَنَّادًا ، ثُمَّ يَسْأَلُهُ عَنْ الْأَهْلِ . قَالَ النَّسَائِيُّ : ثِقَةٌ ، تُوُفِّيَ سَنَةَ 243 ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ عَنْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ سَنَةً ، وَمَا تَزَوَّجَ قَطُّ وَلَا تَسَرَّى ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ : رَاهِبُ الْكُوفَةِ ، وَلَهُ مُصَنَّفٌ كَبِيرٌ فِي الزُّهْدِ كَذَا فِي تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظ . تَنْبِيهٌ : قَالَ صَاحِبُ الْعَرْفِ الشَّذِيِّ مَا لَفْظُهُ : رُبَّمَا تَجِدُ فِي كُتُبِ الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُمْ يَبْدَؤونَ السَّنَدَ مِنْ الْأَوَّلِ أَيْ الْأَعْلَى بِالْعَنْعَنَةِ ثُمَّ فِي الْأَسْفَلِ بِالْإِخْبَارِ وَالتَّحْدِيثِ; لِأَنَّ التَّدْلِيسَ لَمْ يَكُنْ فِي السَّلَفِ وَحَدَثَ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ ، فَاحْتَاجَ الْمُحَدِّثُونَ إِلَى التَّصْرِيحِ بِالسَّمَاعِ . انْتَهَى . قُلْتُ : قَوْلُهُ : التَّدْلِيسُ لَمْ يَكُنْ فِي السَّلَفِ وَحَدَثَ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ مَبْنِيٌّ عَلَى غَفْلَتِهِ عَنْ أَسْمَاءِ الرِّجَالِ ، فَقَدْ كَانَ التَّدْلِيسُ فِي السَّلَفِ وَكَانَ كَثِيرٌ مِنْ التَّابِعِينَ وَأَتْبَاعُهُمْ مُدَلِّسِينَ ، وَهَذَا أَمْرٌ جَلِيٌّ عِنْدَ مَنْ طَالَعَ كتب أَسْمَاءِ الرِّجَالِ وَالْكُتُبَ الْمُؤَلَّفَةَ فِي الْمُدَلِّسِينَ ، وَمِنْ التَّابِعِينَ الَّذِينَ كَانُوا مَوْصُوفِينَ بِالتَّدْلِيسِ مَعْرُوفِينَ بِهِ : قَتَادَةُ ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ الْمَكِّيُّ ، وَحَمِيد الطَّوِيلُ ، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّبِيعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ الْكُوفِيُّ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ الْمَكِّيُّ ، وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ مَهْرَانَ الْأَعْمَشُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ الْمَدَنِيُّ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ الْقِبْطِيُّ الْكُوفِيُّ ، وَعَطِيَّةُ بْنُ سَعِيدٍ الْعَوْفِيُّ وَغَيْرُهُمْ ، فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ مَوْصُوفُونَ بِالتَّدْلِيسِ . فَقَوْلُ هَذَا الْقَائِلِ : التَّدْلِيسُ لَمْ يَكُنْ فِي السَّلَفِ وَحَدَثَ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ بَاطِلٌ بِلَا مِرْيَةٍ بَلْ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ ، قَالَ الْفَاضِلُ اللَّكْنَوِيُّ فِي ظَفْرِ الْأَمَانِي ص 213 : قَالَ الْحَلَبِيُّ فِي التَّبْيِينِ : التَّدْلِيسُ بَعْدَ سَنَةِ ثَلَاثِمِائَةٍ يَقِلُّ جِدًّا ، قَالَ الْحَاكِمُ : لَا أَعْرِفُ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ يُذْكَرُ بِهِ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْبَاغَنْدِيَّ . انْتَهَى . تنبيه آخر : وَقَالَ هَذَا الْقَائِلُ : قَالَ شُعْبَةُ : إِنَّ التَّدْلِيسَ حَرَامٌ وَالْمُدَلِّسَ سَاقِطُ الْعَدَالَةِ ، وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا : السَّنَدُ الَّذِي فِيهِ شُعْبَةُ بَرِيءٌ مِنْ التَّدْلِيسِ وَإِنْ كَانَ بِالْعَنْعَنَةِ . انْتَهَى . قُلْتُ . لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ أَنَّ السَّنَدَ الَّذِي فِيهِ شُعْبَةُ بَرِيءٌ مِنْ التَّدْلِيسِ ، بَلْ قَالُوا : إِنَّ شُعْبَةَ لَا يَرْوِي عَنْ شُيُوخِهِ الْمُدَلِّسِينَ إِلَّا مَا هُوَ مَسْمُوعٌ لَهُمْ ، صَرَّحَ بِهِ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ : رَوَيْنَا عَنْ شُعْبَةَ قَالَ : كُنْتُ أَتَفَقَّدُ فَمَ قَتَادَةَ فَإِذَا قَالَ : ثَنَا وَسَمِعْتُ ، حَفِظْته ، وَإِذَا قَالَ : حَدَّثَ فُلَانٌ ، تَرَكْته ، قَالَ : ورَوَيْنَا عَنْ شُعْبَةَ أَنَّهُ قَالَ : كَفَيْتُكُمْ تَدْلِيسَ ثَلَاثَةٍ : الْأَعْمَشِ ، وَأَبِي إِسْحَاقَ ، وَقَتَادَةَ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي كِتَابِهِ تَعْرِيفِ أَهْلِ التَّقْدِيسِ بِمَرَاتِبِ الْمَوْصُوفِينَ بِالتَّدْلِيسِ بَعْدَ ذِكْرِ كَلَامِ الْبَيْهَقِيِّ هَذَا مَا لَفْظُهُ : فَهَذِهِ قَاعِدَةٌ جَيِّدَةٌ فِي أَحَادِيثِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ دَلَّتْ عَلَى السَّمَاعِ ، وَلَوْ كَانَتْ مُعَنْعَنَةً . انْتَهَى . وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ السَّنَدَ الَّذِي فِيهِ شُعْبَةُ بَرِيءٌ مِنْ التَّدْلِيسِ فَلَمْ يَقُلْ بِهَذَا الْإِطْلَاقِ أَحَدٌ فَتَفَكَّرْ . ( نَا وَكِيعٌ ) هُوَ اِبْنُ الْجَرَّاحِ بْنُ مَلِيحٍ الرَّوَّاسِيُّ الْكُوفِيُّ مُحَدِّثُ الْعِرَاقِ وُلِدَ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ سَمِعَ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ ، وَالْأَعْمَشَ ، وَابْنَ عَوْنٍ ، وَابْنَ جُرَيْجٍ ، وَسُفْيَانَ وَخَلَائِقَ ، وَعَنْهُ اِبْنُ الْمُبَارَكِ مَعَ تَقَدُّمِهِ ، وَأَحْمَدُ ، وَابْنُ الْمَدِينِيِّ ، وَيَحْيَى ، وَإِسْحَاقُ ، وَزُهَيْرٌ ، وَأُمَمٌ سِوَاهُمْ ، وَكَانَ أَبُوهُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ ، وَأَرَادَ الرَّشِيدُ أَنْ يُوَلِّيَ وَكِيعًا قَضَاءَ الْكُوفَةِ فَامْتَنَعَ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : مَا رَأَيْتُ أَوْعَى لِلْعِلْمِ وَلَا أَحْفَظَ مِنْ وَكِيعٍ تُوُفِّيَ سَنَةَ 197 سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ يَوْمَ عَاشُورَاءَ ، كَذَا فِي تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : ثِقَةٌ حَافِظٌ . تنبيه : قَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ : إِنَّ وَكِيعَ بْنَ الْجَرَّاحِ كَانَ يُفْتِي بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَكَانَ قَدْ سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا كَثِيرًا . انْتَهَى . وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ كَانَ حَنَفِيًّا يُفْتِي بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رحمه الله - وَيُقَلِّدُهُ ، قُلْتُ : الْقَوْلُ بِأَنَّ وَكِيعًا كَانَ حَنَفِيًّا يُقَلِّدُ أَبَا حَنِيفَةَ بَاطِلٌ جِدًّا ، أَلَا تَرَى أَنَّ التِّرْمِذِيَّ - رحمه الله - قَالَ فِي جَامِعِهِ هَذَا فِي بَابِ إِشْعَارِ الْبُدْنِ : سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ عِيسَى يَقُولُ : سَمِعْتُ وَكِيعًا يَقُولُ حِينَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ( يَعْنِي حَدِيثَ اِبْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَلَّدَ النَّعْلَيْنِ وَأَشْعَرَ الْهَدْيَ ) فَقَالَ : لَا تَنْظُرُوا إِلَى قَوْلِ أَهْلِ الرَّأْيِ فِي الْإِشْعَارِ فَإِنَّ الْإِشْعَارَ سُنَّةٌ ، وَقَوْلَهُمْ بِدْعَةٌ ، وَسَمِعْتُ أَبَا السَّائِبِ يَقُولُ : كُنَّا عِنْدَ وَكِيعٍ فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ يَنْظُرُ فِي الرَّأْيِ : أَشْعَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ : هُوَ مُثْلَةٌ ، قَالَ الرَّجُلُ : فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ الْإِشْعَارُ مُثْلَةٌ . قَالَ : فَرَأَيْتُ وَكِيعًا غَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وَقَالَ : أَقُولُ لَكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقُولُ : قَالَ إِبْرَاهِيمُ ، مَا أَحَقَّكَ بِأَنْ تُحْبَسَ ثُمَّ لَا تَخْرُجَ حَتَّى تَنْزِعَ عَنْ قَوْلِكَ هَذَا . انْتَهَى . فَقَوْلُ وَكِيعٍ هَذَا مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ يُنَادِي بِأَعْلَى نِدَاءٍ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُقَلِّدًا لِأَبِي حَنِيفَةَ - رحمه الله - وَلَا لِغَيْرِهِ بَلْ كَانَ مُتَّبِعًا لِلسُّنَّةِ مُنْكِرًا أَشَدَّ الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ يُخَالِفُ السُّنَّةَ وَعَلَى مَنْ يُذْكَرُ عِنْدَهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَذْكُرُ هُوَ قَوْلَ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ مُخَالِفًا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إِنَّ وَكِيعًا كَانَ يُفْتِي بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله فَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِقَوْلِهِ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ ، بَلْ مُرَادُهُ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ إِفْتَاؤُهُ فِي بَعْضِهَا تَقْلِيدًا لِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله بَلْ كَانَ اِجْتِهَادًا مِنْهُ فَوَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَهُ فَظُنَّ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِقَوْلِهِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا كُلِّهِ قَوْلُ وَكِيعٍ الْمَذْكُورُ . ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي يُفْتِي فِيهَا وَكِيعٌ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله هِيَ شُرْبُ نَبِيذِ الْكُوفِيِّينَ ، قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ فِي تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ فِي تَرْجَمَتِهِ : مَا فِيهِ إِلَّا شُرْبُهُ لِنَبِيذِ الْكُوفِيِّينَ وَمُلَازَمَتُهُ لَهُ ، جَاءَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْهُ . انْتَهَى . ( عَنْ إِسْرَائِيلَ ) هُوَ اِبْنُ يُونُسَ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ الْكُوفِيُّ ، قَالَ أَحْمَدُ : ثقة ثَبْتٌ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : صَدُوقٌ مِنْ أَتْقَنِ أَصْحَابِ إِسْحَاقَ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : ثِقَةٌ تُكُلِّمَ فِيهِ بِلَا حُجَّةٍ . ( عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ) بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الزُّهْرِيِّ الْمَدَنِيِّ ثِقَةٌ مِنْ أَوْسَاطِ التَّابِعِينَ ، أَرْسَلَ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ مَاتَ سَنَةَ 103 ثَلَاثٍ وَمِائَةٍ . ( عَنْ اِبْنِ عُمَرَ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ - رضي الله عنهما - بْنُ الْخَطَّابِ الْعَدَوِيُّ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وُلِدَ بَعْدَ الْمَبْعَثِ بِيَسِيرٍ ، وَاسْتُصْغِرَ يَوْمَ أُحُدٍ وَهُوَ اِبْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَهُوَ أَحَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالْعَبَادِلَةِ ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ اِتِّبَاعًا لِلْأَثَرِ ، مَاتَ سَنَةَ 73 ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِي آخِرِهَا أَوْ أَوَّلِ الَّتِي تَلِيَهَا . كَذَا فِي التَّقْرِيبِ . قَوْلُهُ : ( لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ ) بِضَمِّ الطَّاءِ وَالْمُرَادُ بِهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ اللُّغَةِ : يُقَالُ : الطُّهُورُ وَالْوُضُوءُ بِضَمِّ أَوَّلِهِمَا إِذَا أُرِيدَ بِهِ الْفِعْلُ الَّذِي هُوَ الْمَصْدَرُ ، وَيُقَالُ : الطَّهُورُ وَالْوَضُوءُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِمَا إِذَا أُرِيدَ بِهِ الْمَاءُ الَّذِي يُتَطَهَّرُ بِهِ . هَكَذَا نَقَلَهُ اِبْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ ، وَذَهَبَ الْخَلِيلُ ، وَالْأَصْمَعِيُّ ، وَأَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ وَجَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ بِالْفَتْحِ فِيهِمَا . انْتَهَى . وَالْمُرَادُ بِالْقَبُولِ هُنَا مَا يُرَادِفُ الصِّحَّةَ وَهُوَ الْإِجْزَاءُ ، وَحَقِيقَةُ الْقَبُولِ ثَمَرَةُ وُقُوعِ الطَّاعَةِ مُجْزِئَةً رَافِعَةً لِمَا فِي الذِّمَّةِ ، وَلَمَّا كَانَ الْإِتْيَانُ بِشُرُوطِهَا مَظِنَّةَ الْإِجْزَاءِ الَّذِي الْقَبُولُ ثَمَرَتُهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِالْقَبُولِ مَجَازًا ، وَأَمَّا الْقَبُولُ الْمَنْفِيُّ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَتَى عَرَّافًا لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ فَهُوَ الْحَقِيقِيُّ لِأَنَّهُ قَدْ يَصِحُّ الْعَمَلُ وَيَتَخَلَّفُ الْقَبُولُ لِمَانِعٍ ، وَلِهَذَا كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُولُ : لَأَنْ تُقْبَلَ لِي صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جَمِيعِ الدُّنْيَا . قَالَهُ اِبْنُ عُمَرَ ، قَالَ : لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي . وَالْحَدِيثُ نَصٌّ فِي وُجُوبِ الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ ، وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَأَجْمَعَتْ عَلَى تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مِنْ مَاءٍ أَوْ تُرَابٍ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَالنَّافِلَةِ ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الطَّهَارَةِ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَيْضًا لِأَنَّهَا صَلَاةٌ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ ، وَقَالَ : صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ ، وَقَالَ : صَلُّوا عَلَى النَّجَاشِيِّ ، قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ : سَمَّاهَا صَلَاةً ، لَيْسَ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ وَلَا يُتَكَلَّمُ فِيهَا وَفِيهَا تَكْبِيرٌ وَتَسْلِيمٌ ، وَكَانَ اِبْنُ عُمَرَ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا إِلَّا طَاهِرًا . انْتَهَى . قَالَ الْحَافِظُ : وَنَقَلَ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الِاتِّفَاقَ عَلَى اِشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ لَهَا يَعْنِي لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ إِلَّا عَنْ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : وَوَافَقَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُلَيَّةَ ، وَنَقَلَ غَيْرُهُ أَنَّ اِبْنَ جَرِيرٍ الطَّبَرِيَّ وَافَقَهُمَا عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ مَذْهَبٌ شَاذٌّ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . قُلْتُ : وَالْحَقُّ أَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَلَا اِلْتِفَاتَ إِلَى مَا نُقِلَ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَغَيْرِهِ . فائدة : قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ : إِذَا أَحْدَثَ يَوْمَ الْعِيدِ أَوْ عِنْدَ الْجِنَازَةِ يَطْلُبُ الْمَاءَ وَلَا يَتَيَمَّمُ ، انْتَهَى . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَقَدْ ذَهَبَ جَمْعٌ مِنْ السَّلَفِ إِلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ لَهَا التَّيَمُّمُ لِمَنْ خَافَ فَوَاتَهَا يَعْنِي فَوَاتَ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لَوْ تَشَاغَلَ بِالْوُضُوءِ ، وَحَكَاهُ اِبْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ عَطَاءٍ ، وَسَالِمٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَرَبِيعَةَ ، وَاللَّيْثِ وَالْكُوفِيِّينَ ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ، وَفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ اِبْنُ عَدِيٍّ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ ، انْتَهَى . ( وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ ) بِضَمِّ الْغَيْنِ ، وَالْغُلُولُ الْخِيَانَةُ وَأَصْلُهُ السَّرِقَةُ مِنْ مَالِ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : الْغُلُولُ الْخِيَانَةُ خُفْيَةً ، فَالصَّدَقَةُ مِنْ مَالٍ حَرَامٍ فِي عَدَمِ الْقَبُولِ وَاسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ كَالصَّلَاةِ بِغَيْرِ طُهُورٍ فِي ذَلِكَ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( قَالَ هَنَّادٌ فِي حَدِيثِهِ إِلَّا بِطُهُورٍ ) أَيْ مَكَانٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ ، وَمَقْصُودُ التِّرْمِذِيِّ بِهَذَا إِظْهَارُ الْفَرْقِ بَيْنَ حَدِيثِ قُتَيْبَةَ وَحَدِيثِ هَنَّادٍ فَقال قُتَيْبَةُ فِي حَدِيثِهِ : لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ ، وَقَالَ هَنَّادٌ فِي حَدِيثِهِ : لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ إِلَّا بِطُهُورٍ . قَوْلُهُ : ( هَذَا الْحَدِيثُ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَحْسَنُ ) وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيَّ كَذَا فِي الْمُنْتَقَى ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِلَفْظِ : لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا طُهُورَ لَهُ . ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَنَسٍ ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَلَفْظُهُ : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ وَلَا صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ ثُمَّ الْمُنْذِرِيُّ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ بِلَفْظِ : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ الْحَدِيثُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ اِبْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : وَفِي الْبَابِ عَنْ وَالِدِ أَبِي الْمَلِيحِ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَنَسٍ ، وَأَبِي بَكْرَةَ ، وَأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ، وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَغَيْرِهِمْ . وَقَدْ أَوْضَحْتُ طُرُقَهُ وَأَلْفَاظَهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَوَائِلِ التِّرْمِذِيِّ . انْتَهَى . قُلْتُ : وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ، وَأَبِي سَبْرَةَ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَرَبَاحِ بْنِ عبد الرحمن بن حُوَيْطِبٍ عَنْ جَدَّتِهِ وَسَعْدِ بْنِ عِمَارَةَ ، ذَكَرَ حَدِيثَ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ الْحَافِظُ الْهَيْثَمِيُّ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ فِي بَابِ فَرْضِ الْوُضُوءِ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهَا ، فَمَنْ شَاءَ الْوُقُوفَ عَلَيْهَا فَلْيَراجِعْ إِلَيْهِ . تَنْبِيهَانِ : الْأَوَّلُ : أَنَّ قَوْلَ التِّرْمِذِيِّ : هَذَا الْحَدِيثَ - يَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ - أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ فِيهِ نَظَرٌ ، بَلْ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ ، وَذَكَرْنَا لَفْظَهُ ، فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْه . الثَّانِي : قَدْ جَرَتْ عَادَةُ التِّرْمِذِيِّ فِي هَذَا الْجَامِعِ أَنَّهُ يَقُولُ بَعْدَ ذِكْرِ أَحَادِيثِ الْأَبْوَابِ : وَفِي الْبَابِ عَنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ فَإِنَّهُ لَا يُرِيدُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ بِعَيْنِهِ بَلْ يُرِيدُ أَحَادِيثَ أُخَرَ يَصِحُّ أَنْ تُكْتَبَ فِي الْبَابِ ، قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ : وَهُوَ عَمَلٌ صَحِيحٌ إِلَّا أَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَفْهَمُونَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ سُمِّيَ مِنْ الصَّحَابَةِ يَرْوُونَ ذَلِكَ الْحَدِيثَ بِعَيْنِهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ قَدْ يَكُونُ كَذَلِكَ وَقَدْ يَكُونُ حَدِيثًا آخَرَ يَصِحُّ إِيرَادُهُ فِي ذَلِكَ الْبَابِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي الْمُقَدِّمَةِ فَتَذَكَّرْ . قَوْلُهُ : ( وَأَبُو الْمَلِيحِ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ ( بْنُ أُسَامَةَ اِسْمُهُ عَامِرٌ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : أَبُو الْمَلِيحِ بْنُ أُسَامَةَ بْنُ عُمَيْرٍ أَوْ عَامِرِ بْنِ حُنَيْفِ بْنِ نَاجِيَةَ الْهُذَلِيُّ ، اِسْمُهُ عَامِرٌ ، وَقِيلَ زَيْدٌ ، وَقِيلَ زِيَادٌ ، ثِقَةٌ مِنْ الثَّالِثَةِ .
بَاب مَا جَاءَ فِي بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ 72 حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ نَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أنَا حُمَيْدٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَثَابِتٌ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ فَاجْتَوَوْهَا فَبَعَثَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي إِبِلِ الصَّدَقَةِ ، وَقَالَ : اشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا ، فَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ ، وَارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ ، فَأُتِيَ بِهِمْ للنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلَافٍ وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ وَأَلْقَاهُمْ بِالْحَرَّةِ ، قَالَ أَنَسٌ : فَكُنْتُ أَرَى أَحَدَهُمْ يَكُدُّ الْأَرْضَ بِفِيهِ حَتَّى مَاتُوا ، وَرُبَّمَا قَالَ حَمَّادٌ : يَكْدُمُ الْأَرْضَ بِفِيهِ حَتَّى مَاتُوا . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَنَسٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، قَالُوا : لَا بَأْسَ بِبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ . باب ما جاء في بول ما يؤكل لحمه قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ ) أَبُو عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَعُبَيْدة بْنِ حُمَيْدٍ وَغَيْرِهِمَا ، وَعَنْهُ الْبُخَارِيُّ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ ، وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ ، مَاتَ فِي بَعْضِ سَنَةِ 260 سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ . ( نَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ ) ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَاهِلِيُّ أَبُو عُثْمَانَ الصَّفَّارُ الْبَصْرِيُّ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ ، قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : كَانَ إِذَا شَكَّ فِي حَرْفٍ مِنَ الْحَدِيثِ تَرَكَهُ ، وَرُبَّمَا وَهَمَ ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : أَنْكَرْنَاهُ فِي صَفَرٍ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ ، وَمَاتَ بَعْدَهَا بِيَسِيرٍ ، مِنْ كِبَارِ الْعَاشِرَةِ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : اخْتَلَطَ سَنَةَ 19 تِسْعَ عَشْرَةَ ، وَمَاتَ سَنَةَ 220 عِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ ، قَالَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَمُطَيَّنٌ . انْتَهَى ( نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ) ابْنِ دِينَارٍ الْبَصْرِيُّ أَبُو سَلَمَةَ ، ثِقَةٌ ، عَابِدٌ ، أَثْبَتُ النَّاسِ فِي ثَابِتٍ ، وَتَغَيَّرَ حِفْظُهُ ، مِنْ كِبَارِ الثَّامِنَةِ ، رَوَى عَنْ ثَابِتٍ ، وَسِمَاكٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَحُمَيْدٍ ، وَخَلْقٍ ، وَعَنْهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَابْنُ إِسْحَاقَ شَيْخَاهُ وَشُعْبَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَأُمَمٌ ، قَالَ الْقَطَّانُ : إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَقَعُ فِي حَمَّادٍ فَاتَّهِمْهُ عَلَى الْإِسْلَامِ ، تُوُفِّيَ سَنَةَ 167 سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ . فَائِدَةٌ : إِذَا رَوَى عَفَّانُ ، عَنْ حَمَّادٍ غَيْرَ مَنْسُوبٍ فَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ ، قَالَهُ الْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ ( أَنَا حُمَيْدٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَثَابِتٌ ) أَمَّا حُمَيْدٌ ، فَهُوَ ابْنُ أَبِي حُمَيْدٍ الطَّوِيلُ أَبُو عُبَيْدَةَ الْبَصْرِيُّ ، اخْتُلِفَ فِي اسْمِ أَبِيهِ عَلَى عَشْرَةِ أَقْوَالٍ ، ثِقَةٌ ، مُدَلِّسٌ ، عَابَهُ زَائِدَةُ لِدُخُولِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْأُمَرَاءِ ، قَالَ الْقَطَّانُ : مَاتَ حُمَيْدٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي ، مَاتَ سَنَةَ 142 اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ . وَأَمَّا قَتَادَةُ فَهُوَ ابْنُ دِعَامَةَ ، وَأَمَّا ثَابِتٌ فَهُوَ ابْنُ أَسْلَمَ الْبُنَانِيُّ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَنُونَيْنِ مُخَفَّفَيْنِ ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَصْرِيُّ ، ثِقَةٌ ، عَابِدٌ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ أُنَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ ) بِالْعَيْنِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالنُّونِ مُصَغَّرًا ، حَيٌّ مِنْ قُضَاعَةَ ، وَحَيٌّ مِنْ بَجِيلَةَ ، وَالْمُرَادُ هَاهُنَا الثَّانِي ، كَذَا ذَكَرَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي ، كَذَا فِي الْفَتْحِ . ( قَدِمُوا ) بِكَسْرِ الدَّالِ أَيْ : نَزَلُوا وَجَاءُوا ( فَاجْتَوَوْهَا ) مِنَ الِاجْتِوَاءِ ، أَيْ كَرِهُوا هَوَاءَ الْمَدِينَةِ وَمَاءَهَا ، قَالَ ابْنُ فَارِسٍ : اجْتَوَيْتَ الْبَلَدَ إِذَا كَرِهْتَ الْمُقَامَ فِيهِ وَإِنْ كُنْتَ فِي نِعْمَةٍ ، وَقَيَّدَهُ الْخَطَّابِيُّ بِمَا إِذَا تَضَرَّرَ بِالْإِقَامَةِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِهَذِهِ الْقِصَّةِ ، وَقَالَ الْقَزَّازُ : اجْتَوَوْا أَيْ لَمْ يُوَافِقْهُمْ طَعَامُهَا ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : دَاءٌ يَأْخُذُ مِنَ الْوَبَاءِ ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : اسْتَوْخَمُوا ، قَالَ : وَهُوَ بِمَعْنَاهُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : دَاءٌ يُصِيبُ الْجَوْفَ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ ، عَنْ أَنَسٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ : فَعَظُمَتْ بُطُونُهُمْ . ( وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ ) مِنَ السُّوقِ ، وَهُوَ السَّيْرُ الْعَنِيفُ ، أَيْ سَاقُوهَا بِمُبَالَغَةٍ بَلِيغَةٍ وَاهْتِمَامٍ تَامٍّ ( فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ ) أَيْ أَمَرَ بِقَطْعِهَما ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : فَأَمَرَ فَقُطِعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ ( مِنْ خِلَافٍ ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ : إِنَّهُ قَطَعَ يَدَيْ كُلِّ وَاحِدٍ وَرِجْلَيْهِ . ( وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ قَلَمِيَّةٍ وَسَمَلَ بِاللَّامِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : السَّمْلُ : فَقْءُ الْعَيْنِ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ ، قَالَ أَبُو ذهب الْهُذَلِيُّ : وَالْعَيْنُ بَعْدَهُمْ كَأَنَّ حِدَاقَهَا ، سُمِلَتْ بِشَوْكٍ فَهِيَ عُورٌ تَدْمَعُ . قَالَ : وَالسَّمْرُ : لُغَةٌ فِي السَّمْلِ ، وَقَدْ يَكُونُ مِنَ الْمِسْمَارِ ، يُرِيدُ أَنَّهُمْ كُحِّلُوا بِأَمْيَالٍ قَدْ أُحْمِيَتْ ، قَالَ الْحَافِظُ : قَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بالمراد عِنْدَ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ مِنْ رِوَايَةِ وُهَيْبٍ ، عَنْ أَيُّوبَ وَمِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، وَلَفْظُهُ : ثُمَّ أَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأُحْمِيَتْ فَكَحَّلَهُمْ بِهَا . فَهَذَا يُوَضِّحُ مَا تَقَدَّمَ وَلَا يُخَالِفُ ذَلِكَ رِوَايَةُ السَّمْلِ ؛ لِأَنَّهُ فَقْءُ الْعَيْنِ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ كَمَا مَضَى . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . ( وَأَلْقَاهُمْ بِالْحَرَّةِ ) هِيَ أَرْضٌ ذَاتُ حِجَارَةٍ سُودٍ مَعْرُوفَةٌ بِالْمَدِينَةِ ، وَإِنَّمَا أَلْقَاهُمْ فِيهَا لِأَنَّهَا قُرْبُ الْمَكَانِ الَّذِي فَعَلُوا فِيهِ مَا فَعَلُوا . ( يَكُدُّ الْأَرْضَ ) أَيْ يَحُكُّهَا وَالْكَدُّ الْحَكُّ ( يَكْدُمُ الْأَرْضَ ) أَيْ : يَعَضُّ عَلَيْهَا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، قَالُوا : لَا بَأْسَ بِبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ) وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَحْمَدَ وَطَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ ، وَوَافَقَهُمْ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْإِصْطَخْرِيُّ ، وَالرُّويَانِيُّ ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ إِلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ الْأَبْوَالِ وَالْأَرْوَاثِ كُلِّهَا مِنْ مَأْكُولِ اللَّحْمِ وَغَيْرِهِ ، قَالَهُ الْحَافِظُ ، قُلْتُ : وَذَهَبَ إِلَى طَهَارَةِ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ - رحمه الله وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِطَهَارَةِ بَوْلِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ بِأَحَادِيثَ : مِنْهَا : حَدِيثُ الْبَابِ ، أَمَّا مِنَ الْإِبِلِ فَبِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَأَمَّا مِنْ مَأْكُولِ اللَّحْمِ فَبِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : تَعَلَّقَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ بِطَهَارَةِ أَبْوَالِ الْإِبِلِ . وَعُورِضُوا بِأَنَّهُ أُذِنَ لَهُمْ فِي شُرْبِهَا لِلتَّدَاوِي . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ التَّدَاوِي لَيْسَ حَالَ ضَرُورَةٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فَكَيْفَ يُبَاحُ الْحَرَامُ لِمَا لَا يَجِبُ . وَأُجِيبُ بِمَنْعِ أَنَّهُ لَيْسَ حَالَ ضَرُورَةٍ إِذَا أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ مَنْ يَعْتَمِدُ عَلَى خَبَرِهِ ، وَمَا أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ لَا يُسَمَّى حَرَامًا وَقْتَ تَنَاوُلِهِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ فَمَا اضْطُرَّ إِلَيْهِ الْمَرْءُ فَهُوَ غَيْرُ مُحَرَّمٍ عَلَيْهِ كَالْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْحَافِظُ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ هَذَا : وَمَا تَضَمَّنَهُ كَلَامُهُ مِنْ أَنَّ الْحَرَامَ لَا يُبَاحُ إِلَّا لِأَمْرٍ وَاجِبٍ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ، فَإِنَّ الْفِطْرَ فِي رَمَضَانَ حَرَامٌ وَمَعَ ذَلِكَ فَيُبَاحُ لِأَمْرٍ جَائِزٍ كَالسَّفَرِ . وَأَمَّا قَوْلُ غَيْرِهِ : لَوْ كَانَ نَجِسًا مَا جَازَ التَّدَاوِي بِهِ ؛ لِحَدِيثِ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْهَا وَالنَّجِسُ حَرَامٌ فَلَا يُتَدَاوَى بِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ شِفَاءٍ . فَجَوَابُهُ : أَنَّ الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الِاخْتِيَارِ ، وَأَمَّا فِي حَالِ الضَّرُورَةِ فَلَا يَكُونُ حَرَامًا كَالْمَيْتَةِ لِلضَّرُورَةِ ، وَلَا يَرِدُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْخَمْرِ : إِنَّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ إِنَّهَا دَاءٌ ، فِي جَوَابِ مَنْ سَأَلَ عَنِ التَّدَاوِي بِهَا ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالْخَمْرِ وَيَلْتَحِقُ بِهَا غَيْرُهَا مِنَ الْمُسْكِرِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُسْكِرِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ النَّجَاسَاتِ أَنَّ الْحَدَّ يَثْبُتُ بِاسْتِعْمَالِهِ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ شُرْبَهُ يَجُرُّ إِلَى مَفَاسِدَ كَثِيرَةٍ ، وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ فِي الْخَمْرِ شِفَاءً ، فَجَاءَ الشَّرْعُ بِخِلَافِ مُعْتَقَدِهِمْ ، قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ بِمَعْنَاهُ ، وَأَمَّا أَبْوَالُ الْإِبِلِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا : إِنَّ فِي أَبْوَالِ الْإِبِلِ شِفَاءً لِذَرِبَةِ بُطُونِهِمْ ، وَالذَّرَبُ : فَسَادُ الْمَعِدَةِ ، فَلَا يُقَاسُ مَا ثَبَتَ أَنَّ فِيهِ دَوَاءً عَلَى مَا ثَبَتَ نَفْيُ الدَّوَاءِ عَنْهُ ، وَبِهَذِهِ الطَّرِيقِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهَا كُلِّهَا . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . وَمِنْهَا : أَحَادِيثُ الْإِذْنِ بِالصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ . وَأُجِيبُ عَنْهَا بِأَنَّهَا لَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى جَوَازِ الْمُبَاشَرَةِ . وَرُدَّ هَذَا الْجَوَابُ بِأَنَّ أَحَادِيثَ الْإِذْنِ بِالصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ مُطْلَقَةٌ لَيْسَ فِيهَا تَخْصِيصُ مَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ وَلَا تَقْيِيدٌ بِحَائِلٍ ، فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ بِإِطْلَاقِهَا تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ فِيهَا بِحَائِلٍ وَبِغَيْرِ حَائِلٍ وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْهَا . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ : فَإِذَا أُطْلِقَ الْإِذْنُ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ حَائِلًا يَقِي مِنَ الْأَبْوَالِ ، وَأُطْلِقَ الْإِذْنُ فِي الشُّرْبِ لِقَوْمٍ حَدِيثِي الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ جَاهِلِينَ بِأَحْكَامِهِ ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِغَسْلِ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا يُصِيبُهُمْ مِنْهَا لِأَجْلِ صَلَاةٍ وَلَا لِغَيْرِهَا مَعَ اعْتِيَادِهِمْ شُرْبَهَا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ الْقَائِلِينَ بِالطَّهَارَةِ . انْتَهَى . كَذَا نَقَلَ الشَّوْكَانِيُّ قَوْلَهُ هَذَا فِي النَّيْلِ . وَمِنْهَا : حَدِيثُ الْبَرَاءِ مَرْفُوعًا لَا بَأْسَ بِبَوْلِ مَا أُكِلَ لَحْمُهُ ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ مَا أُكِلَ لَحْمُهُ فَلَا بَأْسَ بِبَوْلِهِ ، رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَهُمَا ضَعِيفَانِ لَا يَصْلُحَانِ لِلِاحْتِجَاجِ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : إِسْنَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا ضَعِيفٌ جِدًّا . انْتَهَى . وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِنَجَاسَةِ الْأَبْوَالِ وَالْأَرْوَاثِ كُلِّهَا ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ - كَمَا عَرَفْتَ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا اسْتَنْزِهُوا مِنَ الْبَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ ، قَالُوا : هَذَا الْحَدِيثُ بِعُمُومِهِ ظَاهِرٌ فِي تَنَاوُلِ جَمِيعِ الْأَبْوَالِ فَيَجِبُ اجْتِنَابُهَا لِهَذَا الْوَعِيدِ ، وَبِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ قَالَ : : مَرَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ : إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ الْحَدِيثَ ، قَالُوا : فَعَمَّ جِنْسَ الْبَوْلِ ، وَلَمْ يَخُصَّهُ بِبَوْلِ الْإِنْسَانِ . وَأُجِيبُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ بَوْلُ الْإِنْسَانِ لِمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ : كَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ : وَلَمْ يَذْكُرْ سِوَى بَوْلِ النَّاسِ . انْتَهَى . فَالتَّعْرِيفُ فِي الْبَوْلِ لِلْعَهْدِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : أَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ كَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ : بَوْلُ النَّاسِ ، لَا بَوْلُ سَائِرِ الْحَيَوَانِ ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْعُمُومِ فِي بَوْلِ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ . انْتَهَى . قُلْتُ : وَأُجِيبُ عَنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ أَيْضًا بِهَذَا الْجَوَابِ أَعْنِي أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : اسْتَنْزِهُوا مِنَ الْبَوْلِ : بَوْلُ النَّاسِ ، لَا بَوْلُ سَائِرِ الْحَيَوَانِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا دَلَائِلَ الْفَرِيقَيْنِ مَعَ بَيَانِ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا ، فَتَأَمَّلْ وَتَدَبَّرْ ، وَعِنْدِي الْقَوْلُ الظَّاهِرُ : قَوْلُ مَنْ قَالَ بِطَهَارَةِ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
73 حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الْأَعْرَجُ نَا يَحْيَى بْنُ غَيْلَانَ نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ نَا سُلَيْمَانُ الْتَّيْمِيُّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْيُنَهُمْ لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرُّعَاةِ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا ذَكَرَهُ غَيْرَ هَذَا الشَّيْخِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أنه قَالَ : إِنَّمَا فَعَلَ بِهِمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْحُدُودُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الْأَعْرَجُ ) الْبَغْدَادِيُّ أَصْلُهُ مِنْ خُرَاسَانَ ، صَدُوقٌ ، مِنَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ . ( نَا يَحْيَى بْنُ غَيْلَانَ ) ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَسْمَاءَ الْخُزَاعِيُّ أَوْ الْأَسْلَمِيُّ الْبَغْدَادِيُّ أَبُو الْفَضْلِ ، ثِقَةٌ ، مِنَ الْعَاشِرَةِ . ( إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْيُنَهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرُّعَاةِ ) تَقَدَّمَ مَعْنَى السَّمْلِ ، أَيْ فَعَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْقِصَاصِ ، قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي عُمْدَةِ الْقَارِي : السُّؤَالُ الثَّانِي مَا وَجْهُ تَعْذِيبِهِمْ بِالنَّارِ؟ الْجَوَابُ : أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْحُدُودِ وَآيَةِ الْمُحَارَبَةِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُثْلَةِ ، فَهُوَ مَنْسُوخٌ ، وَقِيلَ : لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ ، وَإِنَّمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِصَاصًا ؛ لِأَنَّهُمْ فَعَلُوا بِالرُّعَاةِ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ . انْتَهَى . ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ إِلَخْ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ( وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَيْ فِي التَّوْرَاةِ ، أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ أَيْ أَنَّ النَّفْسَ تُقْتَلُ بِالنَّفْسِ إِذَا قَتَلَتْهَا ، وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ أَيْ وَالْعَيْنُ تُفْقَأُ بِالْعَيْنِ ، وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ أَيْ : وَالْأَنْفُ يُجْدَعُ بِالْأَنْفِ ، وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ أَيْ : يُقْتَصُّ فِيهَا إِذَا أَمْكَنَ كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ وَالذَّكَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَمَا لَا يُمْكِنُ فِيهِ الْحُكُومَةُ ، وَهَذَا الْحُكْمُ وَإِنْ كُتِبَ عَلَيْهِمْ وهُوَ مُقَرَّرٌ فِي شَرْعِنَا ، كَذَا فِي تَفْسِيرِ الْجِلَالَيْنِ . ( وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا فَعَلَ بِهِمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْحُدُودُ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : مَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ الْجَوْزِيِّ إِلَى أَن وَقَعَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ عَلَى سَبِيلِ الْقِصَاصِ ، وَذَهَبَ آخرون إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ ، قَالَ ابْنُ شَاهِينَ عَقِبَ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي النَّهْيِ عَنِ الْمُثْلَةِ : هَذَا الْحَدِيثُ يَنْسَخُ كُلَّ مُثْلَةٍ ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِأَنَّ ادِّعَاءَ النَّسْخِ يَحْتَاجُ إِلَى تَارِيخٍ . قَالَ الْحَافِظُ : يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْجِهَادِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي النَّهْيِ عَنِ التَّعْذِيبِ بِالنَّارِ بَعْدَ الْإِذْنِ فِيهِ ، وَقِصَّةُ الْعُرَنِيِّينَ قَبْلَ إِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ حَضَرَ الْإِذْنُ ثُمَّ النَّهْيُ ، وَرَوَى قَتَادَةُ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ قِصَّتَهُمْ كَانَتْ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْحُدُودُ ، وَلِمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي : وَذَكَرُوا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى بَعْدَ ذَلِكَ عَنِ الْمُثْلَةِ بِالْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ ، وَإِلَى هَذَا مَالَ الْبُخَارِيُّ ، وَحَكَاهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ عَنِ الشَّافِعِيِّ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ بِالِاخْتِصَارِ .
( بَاب فِي الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ ) 99 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَا : نَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ ، عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ : تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ قَالُوا : يَمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَإِنْ لَمْ يكُنْ نَعْلَيْنِ إِذَا كَانَا ثَخِينَيْنِ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي مُوسَى باب في المسح على الجوربين والنعلين قَوْلُهُ : ( عَنْ سُفْيَانَ ) هُوَ الثَّوْرِيُّ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ أَبِي دَاوُدَ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ . ( عَنْ أَبِي قَيْسٍ ) اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَرْوَانَ الْأَوْدِيُّ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَالْعِجْلِيُّ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : يُخَالِفُ فِي أَحَادِيثِهِ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ : لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ، كَذَا فِي مُقَدِّمَةِ فَتْحِ الْبَارِي . وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ : صَدُوقٌ رُبَّمَا خَالَفَ . ( عَنْ هُزَيْلِ ) بِالتَّصْغِيرِ ( بْنِ شُرَحْبِيلَ ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ الْكُوفِيِّ ثِقَةٌ مُخَضْرَمٌ . قَوْلُهُ : ( تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ ) تَثْنِيَةُ الْجَوْرَبِ ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْجَوْرَبُ لِفَافَةُ الرِّجْلِ جمعه : جَوَارِبَةٌ وَجَوَارِبُ ، وَتَجَوْرَبَ لَبِسَهُ ، وَجَوْرَبْتُهُ أَلْبَسْتُهُ ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : الْجَوْرَبُ غِشَاءٌ لِلْقَدَمِ مِنْ صُوفٍ يُتَّخَذُ لِلدِّفاءِ ، وَهُوَ التِّسْخَانُ . وَفِي تَفْسِيرِ الْجَوْرَبِ أَقْوَالٌ أُخْرَى وَسَتَقِفُ عَلَيْهَا . ( والنَّعْلَيْنِ ) تَثْنِيَةُ النَّعْلِ ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : النَّعْلُ مَا وُقِيَتْ بِهِ الْقَدَمُ مِنَ الْأَرْضِ ، كَالنَّعْلَةِ مُؤَنَّثَةٌ جمعها نِعَالٍ بِالْكَسْرِ . انْتَهَى . وَقَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : النَّعْلُ مُؤَنَّثَةٌ ، وَهِيَ الَّتِي تُلْبَسُ فِي الْمَشْيِ تُسَمَّى الْآنَ : تَاسُومَةً . انْتَهَى . قَالَ الطِّيبِيُّ : مَعْنَى قَوْلِهِ : وَالنَّعْلَيْنِ هُوَ أَنْ يَكُونَ قَدْ لَبِسَ النَّعْلَيْنِ فَوْقَ الْجَوْرَبَيْنِ ، وَكَذَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ . قُلْتُ : هَذَا الْمَعْنَى هُوَ الظَّاهِرُ . قَالَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ فِي بَابِ الْمَسْحِ عَلَى النَّعْلَيْنِ : مَسَحَ عَلَى نَعْلَيْنِ تَحْتَهُمَا جَوْرَبَانِ ، وَكَانَ قَاصِدًا بِمَسْحِهِ ذَلِكَ إِلَى جَوْرَبَيْهِ لَا نَعْلَيْهِ ، وَجَوْرَبَاهُ لَوْ كَانَا عَلَيْهِ بِلَا نَعْلَيْنِ جَازَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا ، فَكَانَ مَسْحُهُ ذَلِكَ مَسْحًا أَرَادَ بِهِ الْجَوْرَبَيْنِ ، فَأَتَى ذَلِكَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ فَكَانَ مَسْحُهُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ هُوَ الَّذِي تَطْهُرُ بِهِ ، وَمَسْحُهُ عَلَى النَّعْلَيْنِ فَضْلٌ . انْتَهَى كَلَامُ الطَّحَاوِيِّ . وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ مَلِكٍ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ : وَالنَّعْلَيْنِ : أَيْ وَنَعْلَيْهِمَا فَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِمَا . انْتَهَى ، وَكَذَا قَوْلُ أَبِي الْوَلِيدِ : إِنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْنِ مُنَعَّلَيْنِ لَا أَنَّهُ جَوْرَبٌ عَلَى الِانْفِرَادِ . انْتَهَى ، فَبَعِيدٌ جدا . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي تَهْذِيبِ السُّنَنِ بَعْدَ ذِكْرِ قَوْلِ أَبِي الْوَلِيدِ هَذَا مَا لَفْظُهُ : هَذَا التَّأْوِيلُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ مَسْحُ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلِهِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ الْمَلْبُوسَيْنِ عَنهما نعلان مُنْفَصِلَانِ ، هَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْهُ ، فَإِنَّهُ فَصَلَ بَيْنَهُمَا وَجَعَلَهُمَا شَيْئَيْنِ ، وَلَوْ كَانَا جَوْرَبَيْنِ مُنَعَّلَيْنِ لَقَالَ : مَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ الْمُنَعَّلَيْنِ ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْجِلْدَ فِي أَسْفَلِ الْجَوْرَبِ لَا يُسَمَّى نَعْلًا فِي لُغَةِ الْعَرَبِ ، وَلَا أَطْلَقَ عَلَيْهِ أَحَدٌ هَذَا الِاسْمَ ، وَأَيْضًا الْمَنْقُولُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى سُيُورِ النَّعْلِ الَّتِي عَلَى ظَاهِرِ الْقَدَمِ ، مَعَ الْجَوْرَبِ ، فَأَمَّا أَسْفَلُهُ وَعَقِبُهُ فَلَا . انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ الْقَيِّمِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَضَعَّفَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ ، كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ ، وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ . ( وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ) مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ : وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، وَأَبُو أُمَامَةَ ، وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ ، وَعَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ . انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي تَهْذِيبِ السُّنَنِ : قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : يُرْوَى الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عَنْ تِسْعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلِيٍّ ، وَعَمَّارٍ ، وَأَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ، وَأَنَسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَالْبَرَاءِ ، وَبِلَالٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ : وَأَبُو أُمَامَةَ ، وَعَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ ، وَعَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا . انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ الْقَيِّمِ . قُلْتُ : قَدْ تَتَبَّعْتُ كُتُبَ الْحَدِيثِ لِأَقِفَ عَلَى أَسَانِيدِ جَمِيعِ هَذِهِ الْآثَارِ وَأَلْفَاظِهَا فَلَمْ أَقِفْ إِلَّا عَلَى بَعْضِهَا ، فَأَقُولُ : أَمَّا أَثَرُ عَلِيٍّ رضي الله عنه فَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ : أَخْبَرَنِي الثَّوْرِيُّ ، عَنْ زِبْرِقَانَ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : رَأَيْتُ عَلِيًّا بَالَ فَمَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْهِ وَنَعْلَيْهِ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي . وَأَمَّا أَثَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ ، وَيَمْسَحُ عَلَى جَوْرَبَيْهِ ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ . وأَمَّا أَثَرُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : رَأَيْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَمْسَحُ عَلَى جَوْرَبَيْهِ وَنَعْلَيْهِ . وَأَمَّا أَثَرُ أَنَسٍ رضي الله عنه فَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ . وَأَمَّا أَثَرُ أَبِي مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ أيضا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : كَانَ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ يَمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ لَهُ مِنْ شَعْرٍ وَنَعْلَيْهِ ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ . وَأَمَّا أَثَرُ ابْنِ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي حَيَّةَ ، عَنْ أَبِي خِلَاسٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى جَوْرَبَيْهِ وَنَعْلَيْهِ . كَذَا ذَكَرَ الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ أَسَانِيدَ هَذِهِ الْآثَارِ وَأَلْفَاظَهَا ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى أَسَانِيدِ بَقِيَّةِ الْآثَارِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . ( وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ قَالُوا : يَمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَعْلَيْنِ ) : أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْجَوْرَبَيْنِ نَعْلَيْنِ : أَيْ مُنَعَّلَيْنِ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا نَعْلَيْنِ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ رحمه الله أَرَادَ بِقَوْلِهِ نَعْلَيْنِ مُنَعَّلَيْنِ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مُنَعَّلَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ سِرَاجُ أَحْمَدُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ ، وَالْمُنَعَّلُ مِنَ التَّنْعِيلِ وَهُوَ مَا وُضِعَ الْجِلْدُ عَلَى أَسْفَلِهِ . ( إِذَا كَانَا ثَخِينَيْنِ ) : أَيْ غَلِيظَيْنِ ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : ثَخُنَ كَكَرُمَ ثُخُونَةً وَثِخَنًا كَعِنَبٍ : غَلُظَ وَصَلُبَ . انْتَهَى . وَقَالَ فِي مُنْتَهَى الْأَرَبِ : ثَوْبٌ ثَخِينُ النَّسْجِ " جامة سطير ياف " ثَخُنَ كَكَرُمَ ثُخُونَةً وَثَخَانَةً وَثِخَنًا كَعِنَبٍ " سطير وسخت كرديد " ثَخِينٌ كَأَمِينٍ " نعت است ازان " . انْتَهَى . وَعُلِمَ مِنْ هَذَا الْقَيْدِ أَنَّ الْجَوْرَبَيْنِ إِذَا كَانَا رَقِيقَيْنِ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ وَبِقَوْلِهِمْ قَالَ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ ، أَبُو يُوسُفَ ، رحمه الله ، وَمُحَمَّدٌ رحمه الله . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي مُوسَى ) ، وأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَالطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ . وَهَاهُنَا مَبَاحِثُ عَدِيدَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِحَدِيثِ الْبَابِ نَذْكُرُهَا إِفَادَةً لِلطُّلَّابِ : الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ : اعْلَمْ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ رحمه الله حَسَّنَ حَدِيثَ الْبَابِ وَصَحَّحَهُ ، وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ ضَعَّفُوهُ ، قَالَ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى : لَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَ أَبَا قَيْسٍ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَالصَّحِيحُ عَنِ الْمُغِيرَةِ ، أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ . انْتَهَى . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ : كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ لَا يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ عَنِ الْمُغِيرَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ قَالَ : وَرَوَى أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ ، وَلَيْسَ بِالْمُتَّصِلِ وَلَا بِالْقَوِيِّ ، وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ حَدِيثَ الْمُغِيرَةِ هَذَا وَقَالَ : إِنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ ضَعَّفَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، وَعَلَيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ ، وَمُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ، وَالْمَعْرُوفُ عَنِ الْمُغِيرَةِ حَدِيثُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَيُرْوَى عَنْ جَمَاعَةٍ أَنَّهُمْ فَعَلُوهُ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ لَوْ انْفَرَدَ قُدِّمَ عَلَى التِّرْمِذِيِّ مَعَ أَنَّ الْجَرْحَ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّعْدِيلِ ، قَالَ : وَاتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى تَضْعِيفِهِ ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ التِّرْمِذِيِّ : إِنَّهُ حَسَنٌ صَحِيحٌ . انْتَهَى . وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْإِمَامِ : أَبُو قَيْسٍ الْأَوْدِيُّ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَرْوَانَ ، احْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ يَحْيَى بْنَ مَنْصُورٍ قَالَ : رَأَيْتُ مُسْلِمَ بْنَ الْحَجَّاجِ ضَعَّفَ هَذَا الْخَبَرَ ، وَقَالَ : أَبُو قَيْسٍ الْأَوْدِيُّ ، وَهُزَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ لَا يُحْتَمَلَانِ وَخُصُوصًا مَعَ مُخَالَفَتِهِمَا الْأَجِلَّةَ الَّذِينَ رَوَوْا هَذَا الْخَبَرَ عَنِ الْمُغِيرَةِ ، فَقَالُوا مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَقَالُوا : لَا يُتْرَكُ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ بِمِثْلِ أَبِي قَيْسٍ ، وَهُزَيْلٍ ، قَالَ : فَذَكَرْتُ هَذِهِ الْحِكَايَةَ عَنْ مُسْلِمٍ ، لِأَبِي الْعَبَّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّغُولِيِّ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدِ بْنَ شَيْبَانَ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا قُدَامَةَ السَّرَخْسِيَّ يَقُولُ : قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ : قُلْتُ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ لَوْ حَدَّثْتَنِي بِحَدِيثِ أَبِي قَيْسٍ ، عَنْ هُزَيْلٍ مَا قِبْلَتُهُ مِنْكَ ، فَقَالَ سُفْيَانُ : الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ . ثُمَّ أَسْنَدَ الْبَيْهَقِيُّ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : لَيْسَ يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي قَيْسٍ الْأَوْدِيِّ ، وَأَبَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ أَنْ يُحَدِّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ : هُوَ مُنْكَرٌ . وَأَسْنَدَ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا عَنْ عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ قَالَ : قال حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فِي الْمَسْحِ رَوَاهُ عَنِ الْمُغِيرَةِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ ، وَرَوَاهُ هُزَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ ، فَخَالَفَ النَّاسَ . وَأَسْنَدَ أَيْضًا عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ قَالَ : النَّاسُ كُلُّهُمْ يَرْوُونَهُ عَلَى الْخُفَّيْنِ غَيْرَ أَبِي قَيْسٍ . قَالَ الشَّيْخُ : وَمَنْ يُصَحِّحُهُ يَعْتَمِدُ بَعْدَ تَعْدِيلِ أَبِي قَيْسٍ عَلَى كَوْنِهِ لَيْسَ مُخَالِفًا لِرِوَايَةِ الْجُمْهُورِ مُخَالَفَةً مُعَارِضَةً ، بَلْ هُوَ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى مَا رَوَوْهُ ، وَلَا يُعَارِضُهُ وَلَا سِيَّمَا وَهُوَ طَرِيقٌ مُسْتَقِلٌّ بِرِوَايَةِ هُزَيْلٍ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ ، لَمْ يُشَارِكْ الْمَشْهُورَاتِ فِي سَنَدِهَا . انْتَهَى . كَذَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ ص 57 ج 1 . قُلْتُ : قَوْلُهُ بَلْ هُوَ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى مَا رَوَوْهُ إِلَخْ فِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ رَوَوْا عَنِ الْمُغِيرَةِ بِلَفْظِ : مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَأَبُو قَيْسٍ يُخَالِفُهُمْ جَمِيعًا ، فَيَرْوِي عَنْ هُزَيْلٍ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بِلَفْظِ : مَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى مَا رَوَوْا بَلْ خَالَفَ مَا رَوَوْا ، نَعَمْ لَوْ رَوَى بِلَفْظِ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ لَصَحَّ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ رَوَى أَمْرًا زَائِدًا عَلَى مَا رَوَوْهُ ، وَإِذْ لَيْسَ فَلَيْسَ فَتَفَكَّرْ . فَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا كُلَّهُ ظَهَرَ لَكَ أَنَّ أَكْثَرَ الْأَئِمَّةِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ حَكَمُوا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ ضَعِيفٌ ، مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا غَافِلِينَ عَنْ مَسْأَلَةِ زِيَادَةِ الثِّقَةِ ، فَحُكْمُهُمْ عِنْدِي وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ مُقَدَّمٌ عَلَى حُكْمِ التِّرْمِذِيِّ بِأَنَّهُ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَفِي الْبَابِ حَدِيثَانِ آخَرَانِ : حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَحَدِيثُ بِلَالٍ وَهُمَا أَيْضًا ضَعِيفَانِ لَا يَصْلُحَانِ لِلِاحْتِجَاجِ . أَمَّا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى فَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سِنَانٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْهِ وَنَعْلَيْهِ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ سِنَانٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ حَكَمَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِالْمُتَّصِلِ وَلَا بِالْقَوِيِّ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ بَعْدَ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ : لَهُ عِلَّتَانِ إِحْدَاهُمَا أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَمْ يَثْبُتْ سَمَاعُهُ مِنْ أَبِي مُوسَى ، وَالثَّانِيَةُ أَنَّ عِيسَى بْنَ سِنَانٍ ضَعِيفٌ . انْتَهَى . قُلْتُ : أَبُو سِنَانٍ الَّذِي وَقَعَ فِي سَنَدِ الطَّحَاوِيِّ هُوَ عِيسَى بْنُ سِنَانٍ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ : قَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : أَبُو سِنَانٍ عِيسَى بْنُ سِنَانٍ ، فَضَعَّفَهُ ، قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ ، عَنِ ابْنِ مَعِينٍ : لَيِّنُ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ عَنِ ابْنِ مَعِينٍ : ضَعِيفُ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ : مُخَلِّطٌ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : لَيْسَ بِقَوِيٍّ فِي الْحَدِيثِ ، وَقَالَ الْعِجْلِيُّ : لَا بَأْسَ بِهِ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ : ضَعِيفٌ ، وَقَالَ ابْنُ خِرَاشٍ صَدُوقٌ ، وَقَالَ مَرَّةً : فِي حَدِيثِهِ نَكِرَةٌ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ، وَقَالُ الْكِنَانِيُّ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ : يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . فَإِنْ قُلْتَ : قَالَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْمَارِدِينِيُّ : إِنَّ التَّضْعِيفَ بِعَدَمِ ثُبُوتِ سَمَاعِ عِيسَى بْنِ سِنَانٍ ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، وَهُوَ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَشْتَرِطُ لِلِاتِّصَالِ ثُبُوتَ السَّمَاعِ ، قَالَ ثُمَّ هُوَ مُعَارَضٌ بِمَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الْغَنِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْكَمَالِ : سَمِعَ الضَّحَّاكُ مِنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : وَابْنُ سِنَانٍ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَضَعَّفَهُ غَيْرُهُ وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْجَنَائِزِ حَدِيثًا فِي سَنَدِهِ عِيسَى بْنُ سِنَانٍ هَذَا وَحَسَّنَهُ . انْتَهَى . كَذَا نَقَلَ بَعْضُ مُجَوِّزِي الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبِ مُطْلَقًا فِي رِسَالَتِهِ وَأَقَرَّهُ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى حَسَنٌ صَالِحٌ لِلِاحْتِجَاجِ . قُلْتُ : ذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ أَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْمَذْكُورِ عِلَّتَيْنِ لِضَعْفِهِ ، الْأُولَى الِانْقِطَاعُ ، وَالثَّانِيَةَ ضَعْفُ عِيسَى بْنِ سِنَانٍ ، فَإِنْ ثَبَتَ سَمَاعُ الضَّحَّاكِ مِنْ أَبِي موسى تَرْتَفِعُ الْعِلَّةُ الْأُولَى وَتَبْقَى الثَّانِيَةُ ، وَهِيَ كَافِيَةٌ لِضَعْفِ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْمَذكورِ . وَأَمَّا قَوْلُ الْمَارِدِينِيِّ : وَابْنُ سِنَانٍ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَضَعَّفَهُ غَيْرُهُ ، فَفِيهِ أَنَّ ابْنَ مَعِينٍ أَيْضًا ضَعَّفَهُ ، قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ : ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَعِينٍ وَهُوَ مِمَّا يُكْتَبُ عَلَى لِينِهِ إِلَخْ . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ ، عَنِ ابْنِ مَعِينٍ لَيِّنُ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ عَنِ ابْنِ مَعِينٍ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ كَمَا عَرَفْتَ آنِفًا . قُلْتُ : وَلِضَعْفِ هَذَا الْحَدِيثِ عِلَّةٌ ثَالِثَةٌ : وَهِيَ أَنَّ عِيسَى بْنَ سِنَانٍ مُخَلِّطٌ ، قَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ مُخَلِّطٌ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ كَمَا عَرَفْتَ آنِفًا فِي كَلَامِ الْحَافِظِ . وَأَمَّا قَوْلُ الْمَارِدِينِيِّ : وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْجَنَائِزِ حَدِيثًا فِي سَنَدِهِ عِيسَى بْنُ سِنَانٍ وَحَسَّنَهُ فَمِمَّا لَا يُصْغَى إِلَيْهِ ، فَإِنَّ التِّرْمِذِيَّ قَدْ يُحْسِنُ الْحَدِيثَ مَعَ تَصْرِيحِهِ بِالِانْقِطَاعِ ، وَكَذَا مَعَ تَصْرِيحِهِ بِضَعْفِ بَعْضِ رُوَاتِهِ ، ثُمَّ تَسَاهُلُ التِّرْمِذِيِّ مَشْهُورٌ . وَأَمَّا حَدِيثُ بِلَالٍ : فَهُوَ أَيْضًا ضَعِيفٌ ، قَالَ الزَّيْلَعِيُّ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، عَنْ بِلَالٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسح على الخفين والجوربين ، وأخرجه أيضا عن يزيد بن أبي زياد عن ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن بلال قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى مُسْتَضْعَفَانِ مَعَ نِسْبَتِهِمَا إِلَى الصِّدْقِ . انْتَهَى كَلَامُ الزَّيْلَعِيِّ . قُلْتُ : فِي سَنَدِهِ الْأَوَّلِ الْأَعْمَشُ وَهُوَ مُدَلِّسٌ وَرَوَاهُ عَنِ الْحَكَمِ بِالْعَنْعَنَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ سَمَاعَهُ مِنْهُ ، قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ فِي تَرْجَمَةِ الْأَعْمَشِ : رُبَّمَا دَلَّسَ عَنْ ضَعِيفٍ لَا يَدْرِي بِهِ فَإِنْ قَالَ : حَدَّثَنَا فَلَا كَلَامَ وَإِنْ قَالَ : " عَنْ " تَطَرَّقَ إِلَيْهِ الِاحْتِمَالُ إِلَّا فِي شُيُوخٍ أَكْثَرَ مِنْهُمْ كَإِبْرَاهِيمَ ، وَأَبِي وَائِلٍ ، وَأَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ فَإِنَّ رِوَايَتَهُ عَنْ هَذَا الصِّنْفِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الِاتِّصَالِ . انْتَهَى . وَفِي سَنَدِهِ الثَّانِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ : ضَعِيفٌ كَبِرَ فَتَغَيَّرَ وَصَارَ يَتَلَقَّنُ وَكَانَ شِيعِيًّا . انْتَهَى . فَإِنْ قُلْتَ : كَيْفَ قُلْتُمْ : إِنَّ حَدِيثَ بِلَالٍ ضَعِيفٌ ، وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ فِي الدِّرَايَةِ : وَفِي الْبَابِ عَنْ بِلَالٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدَيْنِ رِجَالُ أَحَدِهِمَا ثِقَاتٌ . انْتَهَى . وَأَرَادَ بِرِجَالِ أَحَدِهِمَا رِجَالَ السَّنَدِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُمْ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ . قُلْتُ : لَا شَكَّ فِي أَنَّ رِجَالَ السَّنَدِ الْأَوَّلِ مِنْ حَدِيثِ بِلَالٍ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ . وَلَكِنْ فِيهِمْ الْأَعْمَشُ وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ مُدَلِّسٌ وَرَوَاهُ عَنِ الْحَكَمِ بِالْعَنْعَنَةِ ، وَعَنْعَنَةُ الْمُدَلِّسِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ رِجَالِ السَّنَدِ ثِقَاتٍ صِحَّةُ الْحَدِيثِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ ثِقَةٌ مُدَلِّسٌ وَرَوَاهُ عَنْ شَيْخِهِ الثِّقَةِ بِالْعَنْعَنَةِ ، أَوْ يَكُونَ فِيهِ عِلَّةٌ أُخْرَى ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَافِظَ ذَكَرَ فِي التَّلْخِيصِ حَدِيثَ الْعِينَةِ الَّذِي رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَذَكَرَ أَنَّ ابْنَ الْقَطَّانِ صَحَّحَهُ ثُمَّ قَالَ مَا لَفْظُهُ : وَعِنْدِي أَنَّ الْإِسْنَادَ الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ مَعْلُولٌ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ رِجَالِهِ ثِقَاتٍ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا; لِأَنَّ الْأَعْمَشَ مُدَلِّسٌ ، وَلَمْ يَذْكُرْ سَمَاعَهُ مِنْ عَطَاءٍ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ فِي بَحْثِ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ نَقْلًا عَنِ ابْنِ الْهَادِي : وَلَوْ فَرَضَ ثِقَةَ الرِّجَالِ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ صِحَّةُ الْحَدِيثِ حَتَّى يَنْتَفِيَ مِنْهُ الشُّذُوذُ . وَالْحَاصِلُ : أَنَّهُ لَيْسَ فِي بَابِ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ صَحِيحٌ خَالٍ عَنِ الْكَلَامِ ، هَذَا مَا عِنْدِي وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . الْمَبْحَثُ الثَّانِي : فِي تَفْسِيرِ الْجَوْرَبِ وَبَيَانِ مَا وَقَعَ فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ . قَالَ مَجْدُ الدِّينِ الْفَيْرُوزُآبَادِي فِي الْقَامُوسِ : الْجَوْرَبُ لِفَافَةُ الرِّجْلِ . انْتَهَى . وَقَالَ أَبُو الْفَيْضِ مُرْتَضَى الزَّبِيدِيُّ فِي تَاجِ الْعَرُوسِ : الْجَوْرَبُ لِفَافَةُ الرِّجْلِ ، وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ كَوْرَب ، وَأَصْلُهُ كوربا وَمَعْنَاهُ قَبْرُ الرِّجْلِ . انْتَهَى . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الْجَوْرَبُ لِفَافَةُ الْجِلْدِ وَهُوَ خُفٌّ مَعْرُوفٌ مِنْ نَحْوِ السَّاقِ ، انْتَهَى ، وَكَذَلِكَ فِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ . وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ الْخُفُّ نَعْلٌ مِنْ أُدْمٍ يُغَطِّي الْقَدَمَيْنِ ، وَالْجَرْمُوقُ أَكْبَرُ مِنْهُ وَالْجَوْرَبُ أَكْبَرُ مِنَ الْجَرْمُوقِ . انتهى . وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْحَقِّ الدَّهْلَوِيُّ فِي اللُّمَعَاتِ : الْجَوْرَبُ خُفٌّ يُلْبَسُ عَلَى الْخُفِّ إِلَى الْكَعْبِ لِلْبَرْدِ ، وَلِصِيَانَةِ الْخُفِّ الْأَسْفَلِ مِنَ الدَّرَنِ وَالْغُسَالَةِ . انْتَهَى . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَةِ الْأَحْوَذِيِّ : الْجَوْرَبُ غِشَاءٌ لِلْقَدَمِ مِنْ صُوفٍ يُتَّخَذُ لِلدِّفْءِ . انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي فَتَاوَاهُ : الْفَرْقُ بَيْنَ الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ كَوْنِ هَذَا مِنْ صُوفٍ وَهَذَا مِنْ جُلُودٍ . انْتَهَى . وَقَالَ الْعَيْنِيُّ : الْجَوْرَبُ هُوَ الَّذِي يَلْبَسُهُ أَهْلُ الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ الشَّدِيدَةِ الْبَرْدِ ، وَهُوَ يُتَّخَذُ مِنْ غَزْلِ الصُّوفِ الْمَفْتُولِ يُلْبَسُ فِي الْقَدَمِ إِلَى مَا فَوْقَ الْكَعْبِ . انْتَهَى . قُلْتُ : وَيُتَّخَذُ مِنَ الشَّعْرِ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ أَبَا مَسْعُودٍ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى جَوْرَبَيْنِ لَهُ مِنْ شَعْرٍ ، فَتَفْسِيرُ الْمَجْدِ الْفَيْرُوزِآبَادِي عَامٌّ يَشْمَلُ كُلَّ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لِفَافَةُ الرِّجْلِ ، سَوَاءٌ كَانَ مِنَ الْجِلْدِ أَوْ الصُّوفِ أَوْ الشَّعْرِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، وَسَوَاءٌ كَانَ ثَخِينًا أَوْ رَقِيقًا بَلْ هُوَ شَامِلٌ لِلْخَيْطِ وَغَيْرِهِ ، قَالَ فِي " غُنْيَةُ الْمُسْتَمْلِي شَرْحُ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي " بَعْدَ ذِكْرِ تَفْسِيرِ الْمَجْدِ مَا لَفْظُهُ : كَأَنَّ تَفْسِيرَهُ بِاعْتِبَارِ اللُّغَةِ لَكِنَّ الْعُرْفَ خَصَّ اللِّفَافَةَ بِمَا لَيْسَ بِمَخِيطٍ وَالْجَوْرَبَ بِالْمَخِيطِ وَنَحْوَ الَّذِي يُلْبَسُ كَمَا يُلْبَسُ الْخُفُّ . انْتَهَى . وَتَفْسِيرُ الطِّيبِيِّ ، وَالشَّوْكَانِيِّ ، وَالشَّيْخِ عَبْدِ الْحَقِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَوْرَبَ يُتَّخَذُ مِنَ الْجِلْدِ وَأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْخُفِّ وَأَنَّهُ يَكُونُ أَكْبَرَ مِنْهُ ، وَتَفْسِيرُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ ، وَابْنِ تَيْمِيَّةَ ، وَالْعَيْنِيِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُتَّخَذُ مِنَ الصُّوفِ ، وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ وَهُوَ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ : الْجَوْرَبُ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ مِنَ الْمِرْعِزَّى وَمِنَ الْغَزْلِ وَالشَّعْرِ وَالْجِلْدِ الرَّقِيقِ وَالْكِرْبَاسِ ، ذَكَرَهُ نَجْمُ الدِّينِ الزَّاهِدِيُّ عَنْهُ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْبَحْرِ الرَّائِقِ ، وَفِيهَا أَنَّ الْمِرْعِزَّى : الشغب الَّذِي تَحْتَ شَعْرِ الْعَنْزِ ، وَالْغَزْلُ مَا غُزِلَ مِنَ الصُّوفِ ، وَالْكِرْبَاسُ مَا نُسِجَ مِنْ مَغْزُولِ الْقُطْنِ ، قَالَ الْحَلَبِيُّ : وَيُلْحَقُ بِالْكِرْبَاسِ كُلُّ مَا كَانَ مِنْ نَوْعِ الْخَيْطِ كَالْكَتَّانِ وَالْإِبْرَيْسَمِ أَيْ الْحَرِيرِ . انْتَهَى مَا فِي حَاشِيَةِ الْبَحْرِ . فَالِاخْتِلَافُ فِي تَفْسِيرِ الْجَوْرَبِ مِنْ جِهَتَيْنِ : مِنْ جِهَةِ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ ، وَمِنْ جِهَةِ مِقْدَارُهُ ، قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو الطَّيِّبِ شَمْسُ الْحَقِّ فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ الِاخْتِلَافِ مَا لَفْظُهُ : فَهَذَا الِاخْتِلَافُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِمَّا لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِهِ ، وَإِمَّا لِكَوْنِ الْجَوْرَبِ مُخْتَلِفَ الْهَيْئَةِ وَالصَّنْعَةِ فِي الْبِلَادِ الْمُتَفَرِّقَةِ فَفِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ يُصْنَعُ مِنَ الْأَدِيمِ وَفِي بَعْضِهَا مِنْ صُوفٍ وَفِي بَعْضِهَا مِنْ كُلِّ الْأَنْوَاعِ ، فَكُلُّ مَنْ فَسَّرَهُ إِنَّمَا فَسَّرَهُ عَلَى هَيْئَةِ بِلَادِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِكُلِّ مَا يُوجَدُ فِي الْبِلَادِ بِأَيِّ نَوْعٍ كَانَ . انْتَهَى كَلَامُهُ . قُلْتُ : يُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ هَذِهِ التَّفَاسِيرِ الْمُخْتَلِفَةِ بِأَنَّ الْجَوْرَبَ هُوَ لِفَافَةُ الرِّجْلِ كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْقَامُوسِ ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ . وَأَمَّا تَقْيِيدُهُمْ بِالْجِلْدِ أَو الصُّوفِ أَو الشَّعْرِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَعَلَى حَسَبِ صَنْعَةِ بِلَادِهِمْ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ : فِي تَحْرِيرِ الْمَذَاهِبِ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَبَيَانِ مَا هُوَ الرَّاجِحُ عِنْدِي : قَالَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ ص 59 ج 1 إِنَّا لَا نَرَى بَأْسًا بِالْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ إِذَا كَانَا صَفِيقَيْنِ ، قَدْ قَالَ بِهِ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَرَى ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَا صَفِيقَيْنِ وَيَكُونَا مُجَلَّدَيْنِ فَيَكُونَان كَالْخُفَّيْنِ . انْتَهَى . وَفِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ : أَوْ جَوْرَبَيْهِ الثَّخِينَيْنِ أَيْ بِحَيْثُ يُسْتَمْسَكَانِ عَلَى السَّاقِ بِلَا شَدٍّ مُنَعَّلَيْنِ أَوْ مُجَلَّدَيْنِ حَتَّى إِذَا كَانَا ثَخِينَيْنِ غَيْرَ مُنَعَّلَيْنِ أَوْ مُجَلَّدَيْنِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا ، وَعَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ إِلَى قَوْلِهِمَا وَبِهِ يُفْتِي . انْتَهَى مَا فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ ، وَالْمُنَعَّلُ مِنَ التَّنْعِيلِ مَا وُضِعَ الْجِلْدُ عَلَى أَسْفَلِهِ كَالنَّعْلِ لِلْقَدَمِ ، وَالْمُجَلَّدُ مِنَ التَّجْلِيدِ مَا وُضِعَ الْجِلْدُ عَلَى أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ كِلَيْهِمَا ، وَحَاصِلُ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْجَوْرَبَيْنِ إِنْ كَانَا مُنَعَّلَيْنِ أَوْ مُجَلَّدَيْنِ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا بِاتِّفَاقِهِمْ ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مُنَعَّلَيْنِ أَوْ مُجَلَّدَيْنِ اخْتَلَفُوا فِيهِ ، فَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ الْقَدِيمِ مُسْتَدِلًّا بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مُوَاظَبَةُ الْمَشْيِ فِيهِ إِلَّا إِذَا كَانَ مُنَعَّلًا أَوْ مُجَلَّدًا فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى الْخُفِّ ، وَجَوَّزَهُ صَاحِبَاهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ ثَخِينًا يُمْكِنُ فِيهِ تَتَابُعُ الْمَشْيِ فَشَابَهُ الْخُفَّ ، فَإِنْ لَمْ يَكُونَا ثَخِينَيْنِ أَيْضًا لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا اتِّفَاقًا . كَذَا فِي عُمْدَةِ الرِّعَايَةِ . وَأَمَّا مَذْهَبُ مَالِكٍ فَكَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ الْقَدِيمِ ، وَأَمَّا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ فَقَدْ ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا إِذَا كَانَا ثَخِينَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مُنَعَّلَيْنِ ، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ الْجَدِيدُ وَقَوْلُ صَاحِبَيْهِ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ وَاحِدٌ ، وَهُوَ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ إِذَا كَانَا ثَخِينَيْنِ ، وَنُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْقَدِيمِ ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي : وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَالْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ ، وَالشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا إِلَّا أَنْ يُنْعَلَا لِأَنَّهُما لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِمَا . فَلَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا كَالرَّقِيقَيْنِ . انْتَهَى ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْعَارِضَةِ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا إِذَا كَانَا مُجَلَّدَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ، قَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا . الثَّانِي إِنْ كَانَ صَفِيقًا جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُجَلَّدًا إِذَا كَانَ لَهُ نَعْلٌ : وَبِهِ فَسَّرَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَذْهَبَهُ . وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَحَكَاهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ . الثَّالِثُ أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَعْلٌ وَلَا تَجْلِيدٌ قَالَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ . قَالَ : وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ كُلُّهُ ، فَإِنْ كَانَا مُجَلَّدَيْنِ رَجَعَا خُفَّيْنِ وَدَخَلَا تَحْتَ أَحَادِيثِ الْخُفِّ . وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ مَلْبُوسٌ فِي الرِّجْلِ يَسْتُرُهَا إِلَى الْكَعْبِ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ فَجَازَ الْمَسْحُ ، وَوَجْهُ الثَّالِثِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَلَوْ كَانَ صَحِيحًا لَكَانَ أَصْلًا . انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ . وَقَالَ ابْنُ رَسْلَانَ فِي شَرْحِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ : نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ صَفِيقًا مُنَعَّلًا وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَنَقَلَ الْمزي أَنَّهُ لَا يَمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ إلا أن يكونا مُجَلَّدِي الْقَدَمَيْنِ . قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ : لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ سَاترُ الْمَحَلِّ الْفَرْضِ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ . انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ رَسْلَانَ . فَإِنْ قُلْتَ : قَدْ وَقَعَ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ لَفْظُ الْجَوْرَبَيْنِ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْقُيُودِ الَّتِي قَيَّدَهُمَا بِهَا هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ فَمَا بَالُهُمْ قَيَّدُوهُمَا بِهَا وَاشْتَرَطُوا جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا بِتِلْكَ الْقُيُودِ فَبَعْضُهُمْ بِالتَّجْلِيدِ وَبَعْضُهُمْ بِالتَّنْعِيلِ وَبَعْضُهُمْ بِالصَّفَاقَةِ وَالثُّخُونَةِ . قُلْتُ : الْأَصْلُ هُوَ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ وَالْعُدُولُ عَنْهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا بِأَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ اتَّفَقَ عَلَى صِحَّتِهَا أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ كَأَحَادِيثِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَجَازَ الْعُدُولُ عَنْ غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ إِلَى الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ بِلَا خِلَافٍ . وَأَمَّا أَحَادِيثُ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ فَفِي صِحَّتِهَا كَلَامٌ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْفَنِّ كَمَا عَرَفْتَ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْ غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ إِلَى الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ مُطْلَقًا . وَإِلَى هَذَا أَشَارَ مُسْلِمٌ رحمه الله بِقَوْلِهِ لَا يُتْرَكُ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ بِمِثْلِ أَبِي قَيْسٍ وَهُزَيْلٍ . انْتَهَى . فَلِأَجْلِ ذَلِكَ اشْتَرَطُوا جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ بِتِلْكَ الْقُيُودِ لِيَكُونَا فِي مَعْنَى الْخُفَّيْنِ وَيَدْخُلَا تَحْتَ أَحَادِيثِ الْخُفَّيْنِ ، فَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّ الْجَوْرَبَيْنِ إِذَا كَانَا مُجَلَّدَيْنِ كَانَا فِي مَعْنَى الْخُفَّيْنِ ، وَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُمَا إِذَا كَانَا مُنَعَّلَيْنِ كَانَا فِي مَعْنَاهُمَا ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنَّهُمَا إِذَا كَانَا صَفِيقَيْنِ ثَخِينَيْنِ كَانَا فِي مَعْنَاهُمَا وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مُجَلَّدَيْنِ وَلَا مُنَعَّلَيْنِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . فَإِنْ قُلْتَ : قَدْ ضَعَّفَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدِيثَ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَمَعَ تَضْعِيفِهِ قَدْ قَالَ بِجَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَلَمْ يُقَيِّدْهَما بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْقُيُودِ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ . قُلْتُ : قَدْ قَيَّدَهُمَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا بِقَيْدِ الثُّخُونَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي : قَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي مَوْضِعٍ لَا يُجْزِيهِ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبِ حَتَّى يَكُونَ جَوْرَبًا صَفِيقًا يَقُومُ قَائِمًا فِي رِجْلِهِ لَا يَنْكَسِرُ مِثْلَ الْخُفَّيْنِ ، إِنَّمَا مَسَحَ الْقَوْمُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ لِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْخُفِّ يقوم مقام الخف فِي رِجْلِ الرَّجُلِ يَذْهَبُ فِيهِ الرَّجُلُ وَيَجِيءُ . انْتَهَى كَلَامُهُ . وَقَدْ قَالَ قَبْلَ هَذَا : سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ جَوْرَبِ الْخِرَقِ يُمْسَحُ عَلَيْهِ فَكَرِهَ الْخِرَقَ ، وَلَعَلَّ أَحْمَدَ كَرِهَهَا لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهَا الْخِفَّةُ ، وَأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ بِأَنْفُسِهَا : فَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ جَوْرَبِ الصُّوفِ فِي الصَّفَاقَةِ وَالثُّبُوتِ فَلَا فَرْقَ . انْتَهَى كَلَامُهُ . عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْتَمِدْ عَلَى حَدِيثِ الْجَوْرَبَيْنِ بَلْ اعْتَمَدَ عَلَى آثَارِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي تَلْخِيصِ السُّنَنِ : قَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَعَلَّلَ رِوَايَةَ أَبِي قَيْسٍ ، وَهَذَا مِنْ إِنْصَافِهِ وَعَدْلِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَإِنَّمَا عُمْدَتُهُ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ وَصَرِيحُ الْقِيَاسِ ، فَإِنَّهُ لَا يَظْهَرُ بَيْنَ الْجَوْرَبَيْنِ وَالْخُفَّيْنِ فَرْقٌ مُؤَثِّرٌ يَصِحُّ أَنْ يُحَالَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ . انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ الْقَيِّمِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : لَا يَظْهَرُ بَيْنَ الْجَوْرَبَيْنِ وَالْخُفَّيْنِ فَرْقٌ مُؤَثِّرٌ إِلَخْ ، فَفِيهِ أَنَّ الْجَوْرَبَيْنِ إِذَا كَانَا مِنْ غَيْرِ الْجِلْدِ وَكَانَا ثَخِينَيْنِ صَفِيقَيْنِ بِحَيْثُ يُسْتَمْسَكَانِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ بِلَا شَدٍّ وَيُمْكِنُ تَتَابُعُ الْمَشْيِ فِيهِمَا فَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْجَوْرَبَيْنِ وَالْخُفَّيْنِ فَرْقٌ مُؤَثِّرٌ لِأَنَّهُمَا فِي مَعْنَى الْخُفَّيْنِ ، وَأَمَّا إِذَا كَانَا رَقِيقَيْنِ بِحَيْثُ لَا يُسْتَمْسَكَانِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ بِلَا شَدٍّ وَلَا يُمْكِنُ تَتَابُعُ الْمَشْيِ فِيهِمَا فَهُمَا لَيْسَا فِي مَعْنَى الْخُفَّيْنِ فَلَا شَكَّ فِي أَنَّ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْخُفَّيْنِ فَرْقًا مُؤَثِّرًا ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْخُفَّيْنِ بِمَنْزِلَةِ النَّعْلَيْنِ عِنْدَ عَدَمِ وِجْدَانِهِمَا يَذْهَبُ الرَّجُلُ فِيهِمَا وَيَجِيءُ وَيَمْشِي أَيْنَمَا شَاءَ ، فَلَابِسُ الْخُفَّيْنِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى نَزْعِهِمَا عِنْدَ الْمَشْيِ فَلَا يَنْزِعُهُمَا يَوْمًا وَلَيْلَةً بَلْ أَيَّامًا وَلَيَالِي فَهَذَا يَشُقُّ عَلَيْهِ نَزْعُهما عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ بِخِلَافِ لَابِسِ الْجَوْرَبَيْنِ الرَّقِيقَيْنِ فَإِنَّهُ كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَمْشِيَ يَحْتَاجُ إِلَى النَّزْعِ فَيَنْزِعُهُمَا فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مَرَّاتٍ عَدِيدَةً ، وَهَذَا لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ نَزْعُهُمَا عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ ، وَهَذَا الْفَرْقُ يَقْتَضِي أَنْ يُرَخِّصَ لِلَابِسِ الْخُفَّيْنِ دُونَ لَابِسِ الْجَوْرَبَيْنِ الرَّقِيقَيْنِ ، فَقِيَاسُ هَذَا عَلَى ذَلِكَ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ ، فَعَدَمُ ظُهُورِ الْفَرْقِ الْمُؤَثِّرِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْخُفَّيْنِ مَمْنُوعٌ ، وَلَوْ سَلِمَ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْخُفَّيْنِ فَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الْجَوْرَبَيْنِ الرَّقِيقَيْنِ لَيْسَا دَاخِلَيْنِ تَحْتَ أَحَادِيثِ الْخُفَّيْنِ لِأَنَّ الْجَوْرَبَ لَيْسَ مِنْ أَفْرَادِ الْخُفِّ فَلَا وَجْهَ لِجَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا إِلَّا مُجَرَّدُ الْقِيَاسِ ، وَلَا يُتْرَكُ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ بِمُجَرَّدِ الْقِيَاسِ أَلْبَتَةَ . فَإِنْ قُلْتَ : قَدْ أَجَابَ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَيِّمِ عَنْ قَوْلِ مُسْلِمٍ لَا يُتْرَكُ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ بِمِثْلِ أَبِي قَيْسٍ ، وَهُزَيْلٍ فَقَالَ : جَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ لَا يَنْفِي الْمَسْحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ إِلَّا كَمَا يَنْفِي الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَمَا كَانَ الْجَوَابُ عَنْ مَوَارِدِ الْإِجْمَاعِ فَهُوَ الْجَوَابُ عَنْ مَسْأَلَةِ النِّزَاعِ . الثَّانِي : الَّذِينَ سَمِعُوا الْقُرْآنَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَرَفُوا تَأْوِيلَهُ مَسَحُوا عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَهُمْ أَعْلَمُ الْأُمَّةِ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَمُرَادِ اللَّهِ مِنْهُ . انْتَهَى . قُلْتُ : فِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ مِنَ الْجَوَابِ نَظَرٌ ، أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فَفِيهِ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ قَدْ أَجْمَعَ عَلَى صِحَّتِهَا أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ فَلِأَجْلِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ تَرَكُوا ظَاهِرَ الْقُرْآنِ وَعَمِلُوا بِهَا ، وَأَمَّا الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ فَلَمْ يَرِدْ فِيهِ حَدِيثٌ أُجْمِعَ عَلَى صِحَّتِهِ ، وَمَا وَرَدَ فِيهِ فَقَدْ عَرَفْتَ مَا فِيهِ مِنَ الْمَقَالِ فَكَيْفَ يُتْرَكُ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ وَيُعْمَلُ بِهِ ، وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي فَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الْجَوَارِبَةَ الَّتِي كَانَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَمْسَحُونَ عَلَيْهَا كَانَتْ رَقَائِقَ بِحَيْثُ لَا تَسْتَمْسِكُ عَلَى الْأَقْدَامِ وَلَا يُمْكِنُ لَهُمْ تَتَابُعُ الْمَشْيُ فِيهَا . فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا كَانَتْ صَفِيقَةً ثَخِينَةً فَرَأَوْا أَنَّهَا فِي مَعْنَى الْخِفَافِ وَأَنَّهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ أَحَادِيثِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ هُوَ الظَّاهِرُ عِنْدِي . وَقَدْ عَرَفْتَ قَوْلَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ إِنَّمَا مَسَحَ الْقَوْمُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ لِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْخُفِّ إِلَخْ ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ مَسْحِ الصَّحَابَةِ عَلَى الْجَورِبَةِ الَّتِي كَانُوا يَمْسَحُونَ عَلَيْهَا جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ مُطْلَقًا ثَخِينَيْنِ كَانَا أَوْ رَقِيقَيْنِ فَتَفَكَّرْ . وَالرَّاجِحُ عِنْدِي أَنَّ الْجَوْرَبَيْنِ إِذَا كَانَا صَفِيقَيْنِ ثَخِينَيْنِ فَهُمَا فِي مَعْنَى الْخُفَّيْنِ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا ، وَأَمَّا إِذَا كَانَا رَقِيقَيْنِ بِحَيْثُ لَا يَسْتَمْسِكَانِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ بِلَا شَدٍّ وَلَا يُمْكِنُ الْمَشْيُ فِيهِمَا فَهُمَا لَيْسَا فِي مَعْنَى الْخُفِّيْنِ ، وَفِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا عِنْدِي تَأَمُّلٌ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . تَنْبِيهٌ : اعْلَمْ أَنَّ الْعَلَّامَةَ أَبَا الطَّيِّبِ شَمْسَ الْحَقِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَدِ اخْتَارَ قَوْلَ مَنِ اشْتَرَطَ فِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ التَّجْلِيدَ ، حَيْثُ قَالَ فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ بَعْدَ ذِكْرِ الْمَذَاهِبِ الْمَذْكُورَةِ مَا لَفْظُهُ : وَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّ الْجَوْرَبَ يُتَّخَذُ مِنَ الْأَدِيمِ وَكَذَا مِنَ الصُّوفِ وَكَذَا مِنَ الْقُطْنِ ، وَيُقَالُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَا إِنَّهُ جَوْرَبٌ وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذِهِ الرُّخْصَةَ بِهَذَا الْعُمُومِ الَّتِي ذَهَبَتْ إِلَيْهَا تِلْكَ الْجَمَاعَةُ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَثْبُتَ أَنَّ الْجَوْرَبَيْنِ اللَّذَيْنِ مَسَحَ عَلَيْهِمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَا مِنْ صُوفٍ ، سَوَاءٌ كَانَا مُنَعَّلَيْنِ أَوْ ثَخِينَيْنِ فَقَطْ ، وَلَمْ يَثْبُتْ هَذَا قَطُّ فَمِنْ أَيْنَ عُلِمَ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ غَيْرِ الْمُجَلَّدَيْنِ بَلْ يُقَالُ إِنَّ الْمَسْحَ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ الْمُجَلَّدَيْنِ لَا غَيْرَهُمَا لِأَنَّهُمَا فِي مَعْنَى الْخُفِّ وَالْخُفُّ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ أَدِيمٍ ، نَعَمْ إِنْ كَانَ الْحَدِيثُ قَوْلِيًّا بِأَنْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْسَحُوا عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ لَكَانَ يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَالُ بِعُمُومِهِ عَلَى كُلِّ أَنْوَاعِ الْجَوْرَبِ ، وَإِذْ لَيْسَ فَلَيْسَ ، فَإِنْ قُلْتَ : لَمَّا كَانَ الْجَوْرَبُ مِنَ الصُّوفِ أَيْضًا احْتَمَلَ أَنَّ الْجَوْرَبَيْنِ اللَّذَيْنِ مَسَحَ عَلَيْهِمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَا مِنْ صُوفٍ أَوْ قُطْنٍ إِذْ لَمْ يُبَيِّنْ الرَّاوِي ، قُلْتُ : نَعَمْ الِاحْتِمَالُ فِي كُلِّ جَانِبٍ سَوَاءٌ يَحْتَمِلُ كَوْنَهُمَا مِنْ صُوفٍ وَكَذَا مِنْ قُطْنٍ لَكِنْ تَرَجَّحَ الْجَانِبُ الْوَاحِدُ وَهُوَ كَوْنُهُ مِنْ أَدِيمٍ لِأَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ فِي مَعْنَى الْخُفِّ وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ قَطْعًا ، وَأَمَّا الْمَسْحُ عَلَى غَيْرِ الْأَدِيمِ فَثَبَتَ بِالِاحْتِمَالَاتِ الَّتِي لَمْ تَطْمَئِنَّ النَّفْسُ بِهَا ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ . انْتَهَى كَلَامُهُ . قُلْتُ : كَلَامُهُ هَذَا حَسَنٌ طَيِّبٌ ، لَكِنْ فِيهِ أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَثْبُتَ أَنَّ الْجَوْرَبَيْنِ اللَّذَيْنِ مَسَحَ عَلَيْهِمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَا مُجَلَّدَيْنِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ هَذَا قَطُّ فَمِنْ أَيْنَ عُلِمَ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ الْمُجَلَّدَيْنِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ إِنَّ الْجَوْرَبَيْنِ الْمُجَلَّدَيْنِ فِي مَعْنَى الْخُفِّ فَلَا يُجْدِي نَفْعًا فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ الثَّخِينَيْنِ فَقَطْ يَقُولُونَ أَيْضًا إِنَّهُمَا لِثُخُونَتِهِمَا وَصَفَاقَتِهِمَا فِي مَعْنَى الْخُفِّ فَتَفَكَّرْ . تَنْبِيهٌ : قَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ مُجَوِّزِي الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ مُطْلَقًا ثَخِينًا كَانَ أَوْ رَقِيقًا بِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ ثَوْرٍ ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً فَأَصَابَهُمْ الْبَرْدُ فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَكَوْا إِلَيْهِ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْبَرْدِ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ وَالتَّسَاخِينِ . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ ، وَقَالَ : قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ : الْعَصَائِبُ هِيَ الْعَمَائِمُ لِأَنَّ الرَّأْسَ يُعْصَبُ بِهَا . وَالتَّسَاخِينُ كُلُّ مَا يَسْخُنُ بِهِ الْقَدَمُ مِنْ خُفٍّ وَجَوْرَبٍ وَنَحْوِهِمَا . وَلَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا . قَالَ وَرِجَالُ هَذَا الْحَدِيثِ ثِقَاتٌ مَرْضِيُّونَ . انْتَهَى . قُلْتُ : هَذَا الْحَدِيثُ لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ فَإِنَّهُ مُنْقَطِعٌ ، فَإِنَّ رَاشِدَ بْنَ سَعْدٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ ثَوْبَانَ ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِ الْمَرَاسِيلِ ص 22 أَنْبَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ قَالَ : قَالَ أَحْمَدُ - يَعْنِي ابْنَ حَنْبَلٍ - : رَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ ثَوْبَانَ . انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : قَالَ أَبُو حَاتِمٍ ، وَالْحَرْبِيُّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ ثَوْبَانَ ، وَقَالَ الْخَلَّالُ ، عَنْ أَحْمَدَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سَمِعَ مِنْهُ . انْتَهَى . عَلَى أَنَّ التَّسَاخِينَ قَدْ فَسَّرَهَا أَهْلُ اللُّغَةِ بِالْخِفَافِ ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ فِي حَرْفِ التَّاءِ مَا لَفْظُهُ : أَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى التَّسَاخِينِ ، هِيَ الْخِفَافُ وَلَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا ، وَقِيلَ : وَاحِدُهَا تِسْخَانٌ وَتِسْخِينٌ وَتِسْخَنٌ ، وَالتَّاءُ فِيهَا زَائِدَةٌ ، وَذَكَرْنَاهَا هُنَا حَمْلًا عَلَى ظَاهِرِ لَفْظِهَا ، قَالَ حَمْزَةُ الْأَصْفَهَانِيُّ : أَمَّا التِّسْخَانُ فَتَعْرِيبُ " تَشْكَن " وَهُوَ اسْمُ غِطَاءٍ مِنْ أَغْطِيَةِ الرَّأْسِ كَانَ الْعُلَمَاءُ وَالْمَوَابِذَةُ يَأْخُذُونَهُ عَلَى رُءُوسِهِمْ خَاصَّةً ، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الْعَمَائِمِ وَالتَّسَاخِينِ فَقَالَ مَنْ تَعَاطَى تَفْسِيرَهُ هُوَ الْخُفُّ حَيْثُ لَمْ يَعْرِفْ فَارِسِيَّتَهُ . انْتَهَى . وَقَالَ فِي حَرْفِ السِّينِ : إِنَّهُ أَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْمَشَاوِذِ وَالتَّسَاخِينِ : التَّسَاخِينُ : الْخِفَافُ وَلَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا ، وَقِيلَ : وَاحِدُهَا تِسْخَانٌ وَتِسْخِينٌ هَكَذَا شَرْحِ في كُتُبِ اللُّغَةِ وَالْغَرِيبِ ، وَقَالَ حَمْزَةُ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي كِتَابِ الْمُوَازَنَةِ : التِّسْخَانُ تَعْرِيبُ تَشْكَن إِلَى آخِرِ مَا ذُكِرَ فِي حَرْفِ التَّاءِ ، وَكَذَا فِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ ، فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ التَّسَاخِينَ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْغَرِيبِ هِيَ الْخِفَافُ ، فَالِاسْتِدْلَالُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ مُطْلَقًا ثَخِينَيْنِ كَانَا أَوْ رَقِيقَيْنِ غَيْرُ صَحِيحٍ . وَلَوْ سَلِمَ : أَنَّ التَّسَاخِينَ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ اللُّغَةِ هِيَ كُلُّ مَا يُسْخَنُ بِهِ الْقَدَمُ مِنْ خُفٍّ وَجَوْرَبٍ وَنَحْوِهِمَا فَعِنْدَ بَعْضِهِمْ التِّسْخَانُ تَعْرِيبُ تَشْكَن وَهُوَ اسْمُ غِطَاءٍ مِنْ أَغْطِيَةِ الرَّأْسِ كَمَا عَرَفْتَ . وَفِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ لِلسَّيُوطِيِّ قَالَ حَمْزَةُ : التِّسْخَانُ مُعَرَّبُ تَشْكَن وَهُوَ اسْمُ غِطَاءٍ مِنْ أَغْطِيَةِ الرَّأْسِ ، كَانَ الْعُلَمَاءُ وَالْقُضَاةُ يَأْخُذُونَهُ عَلَى رُءُوسِهِمْ خَاصَّةً ، وَوَهَمَ مَنْ فَسَّرَهُ بِالْخُفِّ . انْتَهَى . فَحَصَلَ لِلتَّسَاخِينِ ثَلَاثَةُ تَفَاسِيرَ : الْأَوَّلُ أنَّهَا هِيَ الْخِفَافُ ، وَالثَّانِي أنَّهَا هِيَ كُلُّ مَا يُسْخَنُ بِهِ الْقَدَمُ ، والثَّالِثُ أنَّهَا هِيَ تَعْرِيبُ تَشْكَن وَهُوَ اسْمُ غِطَاءٍ مِنْ أَغْطِيَةِ الرَّأْسِ ، فَمَنِ ادَّعَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا فِي حَدِيثِ ثَوْبَانَ الْمَذْكُورِ كُلُّ مَا يُسْخَنُ بِهِ الْقَدَمُ دُونَ غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ بَيَانُ الدَّلِيلِ الصَّحِيحِ وَدُونَهُ خَرْطُ الْقَتَادِ . تَنْبِيهٌ آخَرُ : قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي فَتَاوَاهُ مَا لَفْظُهُ : يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ إِذَا كَانَ يَمْشِي فِيهِمَا سَوَاءٌ كَانَتْ مُجَلَّدَةً أَوْ لَمْ تَكُنْ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ ، فَفِي السُّنَنِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْهِ وَنَعْلَيْهِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ إِذَا لَمْ يَثْبُتْ فَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ إِنَّمَا هُوَ كَوْنُ هَذَا مِنْ صُوفٍ وَهَذَا مِنْ جُلُودٍ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْفَرْقِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي الشَّرِيعَةِ ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ جُلُودًا أَوْ قُطْنًا أَوْ كَتَّانًا أَوْ صُوفًا كَمَا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ سَوَادِ اللِّبَاسِ فِي الْإِحْرَامِ وَبَيَاضِهِ ، وَغَايَتُهُ أَنَّ الْجِلْدَ أَبْقَى مِنَ الصُّوفِ وَهَذَا لَا تَأْثِيرَ لَهُ كَمَا لَا تَأْثِيرَ لِكَوْنِ الْجِلْدِ قَوِيًّا ، بَلْ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى مَا يَبْقَى وَمَا لَا يَبْقَى ، وَأَيْضًا فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى الْمَسْحِ عَلَى هَذَا كَالْحَاجَةِ إِلَى الْمَسْحِ عَلَى هَذَا سَوَاءٌ ، وَمَعَ التَّسَاوِي فِي الْحِكْمَةِ وَالْحَاجَةِ يَكُونُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا تَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَهَذَا خِلَافُ الْعَدْلِ وَالِاعْتِبَارِ الصَّحِيحِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِ كُتُبَهُ وَأَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ . انْتَهَى كَلَامُهُ . قُلْتُ : كَلَامُ الْحَافِظِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ هَذَا لَيْسَ مُخَالِفًا لِمَا اخْتَرْنَا مِنْ أَنَّ الْجَوْرَبَيْنِ إِذَا كَانَا ثَخِينَيْنِ صَفِيقَيْنِ يُمْكِنُ تَتَابُعُ الْمَشْيِ فِيهِمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا ، فَإِنَّهُمَا فِي مَعْنَى الْخُفَّيْنِ ، فَإِنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ قَيَّدَ جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ بِقَوْلِهِ : إِذَا كَانَ يَمْشِي فِيهِمَا وَظَاهِرٌ أَنَّ تَتَابُعَ الْمَشْيِ لَا يُمْكِنُ فِيهِمَا إِلَّا إِذَا كَانَا ثَخِينَيْنِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَمَعَ التَّسَاوِي فِي الْحِكْمَةِ وَالْحَاجَةِ يَكُونُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا تَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ فَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ إِذَا كَانَ الْجَوْرَبَانِ ثَخِينَيْنِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ تَتَابُعُ الْمَشْيِ فِيهِمَا وَأَمَّا إِذَا كَانَا رَقِيقَيْنِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ تَتَابُعُ الْمَشْيِ فِيهِمَا فَلَا ، كَمَا عَرَفْتَ فِيمَا تَقَدَّمَ ، فَقِيَاسُ الْجَوْرَبَيْنِ الرَّقِيقَيْنِ عَلَى الْخُفَّيْنِ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ . هَذَا مَا عِنْدِي وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
بَاب مَا جَاءَ إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا 24 حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ أَحْمَدُ بْنُ بَكَّارٍ الدِّمَشْقِيُّ مِنْ وَلَدِ بُسْرِ بْنِ أَرْطَاةَ صَاحِبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ اللَّيْلِ ، فَلَا يُدْخِلْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يُفْرِغَ عَلَيْهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ . وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَعَائِشَةَ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : أُحِبُّ لِكُلِّ مَنْ اسْتَيْقَظَ مِنْ النَّوْمِ قَائِلَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا أَنْ لَا يُدْخِلَ يَدَهُ فِي وَضُوئِهِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ، فَإِنْ أَدْخَلَ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا كَرِهْتُ ذَلِكَ لَهُ ، وَلَمْ يُفْسِدْ ذَلِكَ الْمَاءَ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدِهِ نَجَاسَةٌ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ اللَّيْلِ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي وَضُوئِهِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا فَأَعْجَبُ إِلَيَّ أَنْ يُهْرِيقَ الْمَاءَ . وَقَالَ إِسْحَاقُ : إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ فَلَا يُدْخِلْ يَدَهُ فِي وَضُوئِهِ حَتَّى يَغْسِلَهَا . باب ما جاء إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء : قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ أَحْمَدُ بْنُ بَكَّارٍ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الْكَافِ ، هُوَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَكَّارِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ بسر بن أَبِي أَرْطَاةَ . قَالَ الْحَافِظُ : صَدُوقٌ ، تُكُلِّمَ فِيهِ بِلَا حُجَّةٍ . ( مِنْ وُلْدِ بُسْرِ بْنِ أَرْطَاةَ ) بِضَمِّ الْوَاوِ وَسُكُونِ اللَّامِ جَمْعُ وَلَدٍ ، وبُسْرُ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ ، وَيُقَالُ لَهُ : بُسْرُ بْنُ أَبِي أَرْطَاةَ ( قَالَ : نَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ) الْقُرَشِيُّ ، مَوْلَاهُمْ ، أَبُو الْعَبَّاسِ الدِّمَشْقِيُّ ، ثِقَةٌ ، لَكِنَّهُ كَثِيرُ التَّدْلِيسِ وَالتَّسْوِيَةِ ، رَوَى عَنْ اِبْنِ عَجْلَانَ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ وَغَيْرِهِمَا ، وَعَنْهُ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمَدِينِيِّ ، وَخَلْقٌ ، مَاتَ سَنَةَ 195 خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ . ( عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ) اِسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو الْفَقِيهُ ، ثِقَةٌ ، جَلِيلٌ . قَالَ اِبْنُ سَعْدٍ : كَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا فَاضِلًا خَيِّرًا كَثِيرَ الْحَدِيثِ وَالْعِلْمِ وَالْفِقْهِ . قَالَ إِسْحَاقُ : إِذَا اِجْتَمَعَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ عَلَى الْأَمْرِ فَهُوَ سُنَّةٌ . مَاتَ سَنَةَ 157 سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ . ( عَنْ الزُّهْرِيِّ ) اِسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ الْقُرَشِيُّ الزُّهْرِيُّ ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو بَكْرٍ الْفَقِيهُ الْحَافِظُ ، مُتَّفَقٌ عَلَى جَلَالَتِهِ وَإِتْقَانِهِ ، وَهُوَ مِنْ رُءُوسِ الطَّبَقَةِ الرَّابِعَةِ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ هَذَا مَعْرُوفٌ بِالزُّهْرِيِّ وَابْنِ شِهَابٍ . ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ) ابْنِ حُزْنِ أَبِي وَهْبِ بْنِ عَمْرٍو الْقُرَشِيِّ الْمَخْزُومِيِّ ، أَحَدِ الْعُلَمَاءِ الْأَثْبَاتِ الْفُقَهَاءِ الْكِبَارِ ، مِنْ كِبَارِ الثَّانِيَةِ . قَالَ اِبْنُ الْمَدِينِيِّ : لَا أَعْلَمُ فِي التَّابِعِينَ أَوْسَعَ عِلْمًا مِنْهُ ، مَاتَ بَعْدَ التِّسْعِينَ وَقَدْ نَاهَزَ الثَّمَانِينَ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ . ( وَأَبِي سَلَمَةَ ) هُوَ اِبْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ الْمَدَنِيُّ ، أَحَدُ الْأَعْلَامِ . قَالَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ : لَيْسَ لَهُ اِسْمٌ ، رَوَى عَنْ : أَبِيهِ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، وَأَبِي أَيُّوبَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَغَيْرِهِمْ ، وَعَنْهُ : اِبْنُهُ عُمَرُ ، وَعُرْوَةُ ، وَالْأَعْرَجُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ . قَالَ اِبْنُ سَعْدٍ : كَانَ ثِقَةً فَقِيهًا كَثِيرَ الْحَدِيثِ ، مَاتَ سَنَةَ 94 أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي بِضْعٍ وَعِشْرِينَ . قَوْلُهُ : ( إِذَا اِسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ اللَّيْلِ ) كَذَا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ ، وَابْنِ مَاجَهْ ، وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ : إِذَا اِسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِمَا مِنْ اللَّيْلِ . ( فَلَا يُدْخِلْ ) مِنْ الْإِدْخَالِ ، وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ : فَلَا يَغْمِسْ ( يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ ) أَيْ فِي إِنَاءِ الْمَاءِ ( حَتَّى يُفْرِغَ ) مِنْ الْإِفْرَاغِ أَيْ حَتَّى يَصُبَّ الْمَاءَ ( عَلَيْهَا ) أَيْ عَلَى يَدِهِ ( مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا ، وَفِي حَدِيثِ اِبْنِ عُمَرَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ( فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ ) . رَوَى النَّوَوِيُّ ، عَنْ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ : أَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْحِجَارَةِ وَبِلَادُهُمْ حَارَّةٌ ، فَإِذَا نَامُوا عَرَقُوا فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ تَطُوفَ يَدُهُ عَلَى مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ أَوْ عَلَى بَثْرَةٍ أَوْ قَمْلَةٍ ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْغَمْسِ قَبْلَ غَسْلِ الْيَدِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، لَكِنَّ الْجَمَاهِيرَ عَلَى أَنَّهُ نَهْيُ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ ، فَلَوْ غَمَسَ لَمْ يَفْسُدْ الْمَاءُ وَلَمْ يَأْثَمْ الْغَامِسُ . وَقَالَ التُّورْبَشْتِيُّ : هَذَا فِي حَقِّ مَنْ بَاتَ مُسْتَنْجِيًا بِالْأَحْجَارِ مُعْرَوْرِيًا ، وَمَنْ بَاتَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَفِي أَمْرِهِ سَعَةٌ ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَيْضًا غَسْلُهَا ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ إِذَا وَرَدَتْ لِمَعْنًى لَمْ تَكُنْ لِتَزُولَ بِزَوَالِ ذَلِكَ الْمَعْنَى . كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ اِبْنِ عُمَرَ ، وَجَابِرٍ ، وَعَائِشَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ اِبْنِ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَقَالَ : إِسْنَادُهُ حَسَنٌ ، وَلَفْظُهُ : إِذَا اِسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلَا يُدْخِلْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ ، أَوْ أَيْنَ طَافَتْ يَدُهُ . وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ اِبْنُ مَاجَهْ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ اِبْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ ، وَحَكَى عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ وَهْمٌ ، كَذَا فِي النَّيْلِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا . قَوْلُهُ : ( قَالَ الشَّافِعِيُّ : أُحِبُّ لِكُلِّ مَنْ اِسْتَيْقَظَ مِنْ النَّوْمِ قَائِلَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا أَنْ لَا يُدْخِلَ يَدَهُ فِي وَضُوئِهِ ، فَإِنْ أَدْخَلَ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا كَرِهْتُ ذَلِكَ لَهُ ، وَلَمْ يَفْسُدْ ذَلِكَ الْمَاءُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدِهِ نَجَاسَةٌ ) فَحَمَلَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله حَدِيثَ الْبَابِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ . قَالَ اِبْنُ تَيْمِيَةَ فِي الْمُنْتَقَى : وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ حَمَلُوا هَذَا - يَعْنِي حَدِيثَ الْبَابِ - عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، مِثْلَ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا اِسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيَاشِيمِهِ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . انْتَهَى . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : وَإِنَّمَا مَثَّلَ الْمُصَنِّفُ مَحَلَّ النِّزَاعِ بِهَذَا الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الِاسْتِنْثَارِ عِنْدَ الِاسْتِيقَاظِ ، وَلَمْ يَذْهَبْ إِلَى وُجُوبِهِ أَحَدٌ . انْتَهَى . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : إِذَا اِسْتَيْقَظَ مِنْ اللَّيْلِ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي وَضُوئِهِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا فَأَعْجَبُ إِلَى أَنْ يُهْرِيقَ الْمَاءَ . قَالَ فِي الْمِرْقَاةِ : ذَهَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ إِلَى الظَّاهِرِ وَحَكَمَا بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ ، كَذَا نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ . وقَالَ الشُّمُنِّيُّ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَدَاوُدَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ . انْتَهَى مَا فِي الْمِرْقَاةِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ تَحْتَ حَدِيثِ الْبَابِ : فِيهِ النَّهْيُ عَنْ غَمْسِ الْيَدِ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهَا ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، لَكِنَّ الْجَمَاهِيرَ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى أَنَّهُ نَهْيُ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ ، فَلَوْ خَالَفَ وَغَمَسَ لَمْ يَفْسُدْ الْمَاءُ وَلَمْ يَأْثَمْ الْغَامِسُ ، وَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رحمه الله أَنَّهُ يَنْجُسُ إِنْ كَانَ قَامَ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ ، وَحَكي أَيْضًا عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا ، فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَاءِ وَالْيَدِ الطَّهَارَةُ ، فَلَا يَنْجُسُ بِالشَّكِّ ، وَقَوَاعِدُ الشَّرْعِ مُتَظَاهِرَةٌ عَلَى هَذَا . قَالَ : ثُمَّ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَيْسَ مَخْصُوصًا بِالْقِيَامِ مِنْ النَّوْمِ ، بَلْ الْمُعْتَبَرُ فِيهِ الشَّكُّ فِي نَجَاسَةِ الْيَدِ ، فَمَتَى شَكَّ فِي نَجَاسَتِهَا كُرِهَ لَهُ غَمْسُهَا فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهَا ، سَوَاءٌ قَامَ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ أَوْ النَّهَارِ أَوْ شَكَّ فِي نَجَاسَتِهَا مِنْ غَيْرِ نَوْمٍ ، وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رِوَايَةٌ أَنَّهُ إِنْ قَامَ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ كُرِهَ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ ، وَإِنْ قَامَ مِنْ نَوْمِ النَّهَارِ كُرِهَ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ . وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ دَاوُدُ الظَّاهِرِيُّ ، اِعْتِمَادًا عَلَى لَفْظِ الْمَبِيتِ فِي الْحَدِيثِ ، وَهَذَا مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ جِدًّا ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبَّهَ عَلَى الْعِلَّةِ بِقَوْلِهِ : فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَأْمَنُ النَّجَاسَةَ عَلَى يَدِهِ ، وهَذَا عَامٌّ لِوُجُودِ اِحْتِمَالِ النَّجَاسَةِ فِي نَوْمِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَفِي الْيَقَظَةِ ، وَذَكَرَ اللَّيْلَ أَوَّلًا لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ ، وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْهِ خَوْفًا مِنْ تَوَهُّمِ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِهِ ، بَلْ ذَكَرَ الْعِلَّةَ بَعْدَهُ . انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ . ( وَقَالَ إِسْحَاقُ ) هُوَ اِبْنُ رَاهْوَيْهِ ( إِذَا اِسْتَيْقَظَ مِنْ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ أَوْ النَّهَارِ فَلَا يُدْخِلْ يَدَهُ فِي وَضُوئِهِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ) فَلَمْ يَخُصَّ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ الْحُكْمَ بِالِاسْتِيقَاظِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ ، كَمَا خَصَّهُ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ . قُلْتُ : الْقَوْلُ الرَّاجِحُ عِنْدِي هُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ إِسْحَاقُ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَأَمَّا إِذَا أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهَا ، فَهَلْ صَارَ الْمَاءُ نَجِسًا أَمْ لَا ؟ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَاءَ صَارَ مَشْكُوكًا ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَاءِ الْمَشْكُوكِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَاعْلَمْ أَنَّ الْجُمْهُورَ اِعْتَذَرُوا عَنْ حَمْلِ حَدِيثِ الْبَابِ عَلَى الْوُجُوبِ بِأَعْذَارٍ لَا يَطْمَئِنُّ بِوَاحِدٍ مِنْهَا قَلْبِي ، فَمَنْ اِطْمَأَنَّ بِهَا قَلْبُهُ ، فَلْيَقُلْ بِمَا قَالَ بِهِ الْجُمْهُورُ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الْوُضُوءِ مِنْ الرِّيحِ 74 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، وَهَنَّادٌ ، : نَا وَكِيعٌ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . باب ما جاء في الوضوء من الريح قَوْلُهُ : ( لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ ) أَيْ : لَا وُضُوءَ وَاجِبٌ إِلَّا مِنْ سَمَاعِ صَوْتٍ أَوْ وُجْدَانِ رَائِحَةِ رِيحٍ خَرَجَتْ مِنْهُ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : نَفَى جِنْسَ أَسْبَابِ التَّوَضُّؤِ وَاسْتَثْنَى مِنْهُ الصَّوْتَ وَالرِّيحَ ، وَالنَّوَاقِضُ كَثِيرَةٌ . وَلَعَلَّ ذَلِكَ فِي صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ ، يَعْنِي بِحَسَبِ السَّائِلِ ، فَالْمُرَادُ نَفْيُ جِنْسِ الشَّكِّ وَإِثْبَاتُ الْيَقِينِ ، أَيْ لَا يُتَوَضَّأُ عَنْ شَكٍّ مَعَ سَبْقِ ظَنِّ الطَّهَارَةِ إِلَّا بِيَقِينِ الصَّوْتِ أَوْ الرَّائِحَةِ . قَوْلُهُ : ( وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
76 حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ ، قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَفِي الْبَاب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، وَعَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ : أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ يَسْمَعُ صَوْتًا أَوْ يَجِدُ رِيحًا ، وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : إِذَا شَكَّ فِي الْحَدَثِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ اسْتِيقَانًا يَقْدِرُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : إِذَا خَرَجَ مِنْ قُبُلِ الْمَرْأَةِ الرِّيحُ وَجَبَ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ ) قَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ : أَيْ قَبُولَ إِجَابَةٍ وَإِثَابَةٍ ، بِخِلَافِ الْمُسِبلِ وَالْآبِقِ ، فَإِنَّ صَلَاتَهُمَا لَا تُقْبَلُ أَيْضًا لَكِنَّهَا لَا تُقْبَلُ بِتَرْكِ الْإِثَابَةِ وَتُقْبَلُ إِجَابَةً ، فَلَا يَرِدُ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْقَبُولِ عَدَمُ الْجَوَازِ وَالصِّحَّةِ مَعَ أَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطُ الصِّحَّةِ . انْتَهَى ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي : وَالْمُرَادُ بِالْقَبُولِ هَاهُنَا مَا يُرَادِفُ الصِّحَّةَ وَهُوَ الْإِجْزَاءُ ، وَحَقِيقَةُ الْقَبُولِ ثَمَرَةُ وُقُوعِ الطَّاعَةِ مُجْزِئَةً رَافِعَةً لِمَا فِي الذِّمَّةِ ، وَلَمَّا كَانَ الْإِتْيَانُ بِشُرُوطِهَا مَظِنَّةَ الْإِجْزَاءِ الَّذِي الْقَبُولُ ثَمَرَتُهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِالْقَبُولِ مَجَازًا . وَأَمَّا الْقَبُولُ الْمَنْفِيُّ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ أَتَى عَرَّافًا لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ فَهُوَ الْحَقِيقِيُّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَصِحُّ الْعَمَلُ وَيَتَخَلَّفُ الْقَبُولُ لِمَانِعٍ ، وَلِهَذَا كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُولُ : لَأَنْ تُقْبَلَ لِي صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جَمِيعِ الدُّنْيَا قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ : لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ انْتَهَى . ( إِذَا أَحْدَثَ ) أَيْ صَارَ ذَا حَدَثٍ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ فِي أَثْنَائِهَا ( حَتَّى يَتَوَضَّأَ ) أَيْ بِالْمَاءِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ ، وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا : الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ فَأَطْلَقَ الشَّارِعُ عَلَى التَّيَمُّمِ أَنَّهُ وُضُوءٌ لِكَوْنِهِ قَامَ مَقَامَهُ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَبُولِ صَلَاةِ مَنْ كَانَ مُحْدِثًا فَتَوَضَّأَ أَيْ مَعَ بَاقِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، وَعَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ) أَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا ، فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّجُلَ الَّذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ ، فَقَالَ : لَا يَنْفَتِلُ ، أَوْ لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : قَوْلُهُ عَنْ عَمِّهِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيُّ الْأَنْصَارِيُّ ، سَمَّاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ فِي رِوَايَتِهِمْ لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ . انْتَهَى . وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبَزَّارُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَفِيهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ الْمُسْلِمِينَ إِذَا خَرَجَ مِنْ أَحَدِهِمْ الرِّيحُ أَنْ يَتَوَضَّأَ . قَالَ الْهَيْثَمِيُّ : رِجَالُ أَحْمَدَ رِجَالُ الصَّحِيحِ إِلَّا أَنَّ فِيهِ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ ، وَقَدْ قَالَ : حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ فِي صَلَاتِهِ أَنَّهُ أَحْدَثَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي أَحَدَكُمْ وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ حَتَّى يَفْتَحَ مَقْعَدَتَهُ فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ أَحْدَثَ وَلَمْ يُحْدِثْ فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صوت ذَلِكَ بِأُذُنِهِ أَوْ يَجِدَ رِيحَ ذَلِكَ بِأَنْفِهِ قَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ : رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ . انْتَهَى . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي أَحَدَكُمْ وهو فِي صَلَاتِهِ فَيَمُدُّ شَعْرَهُ مِنْ دُبُرِهِ فَيَرَى أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ فَلَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِاخْتِصَارٍ ، وَفِيهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ ، وَاخْتُلِفَ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ ، كَذَا فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) كَذَا فِي النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ ، وَهُوَ تَكْرَارٌ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ) أَيْ ابْنُ الْمُبَارَكِ ( إِذَا خَرَجَ مِنْ قُبُلِ الْمَرْأَةِ الرِّيحُ وَجَبَ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ) وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : خُرُوجُ الرِّيحِ مِنَ الْقُبُلِ لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ . قَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ : تَوْجِيهُ قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ نَادِرٌ فَلَا يَشْمَلُهُ النَّصُّ كَذَا قِيلَ . وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْهُمَامِ مِنْ أَنَّ الرِّيحَ الْخَارِجَ مِنَ الذَّكَرِ اخْتِلَاجٌ لَا رِيحٌ فَلَا يَنْقُضُ كَالرِّيحِ الْخَارِجَةِ مِنْ جِرَاحَةٍ فِي الْبَطْنِ . انْتَهَى . وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ فِي شَرْحِهِ لِشَرْحِ الْوِقَايَةِ : اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ الرِّيحَ الْخَارِجَةَ مِنَ الدُّبُرِ نَاقِضَةٌ ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْخَارِجَةِ مِنَ الذَّكَرِ وَقُبُلِ الْمَرْأَةِ ، فَرَوَى الْقُدُورِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُوجِبُ الْوُضُوءَ وَبِهِ أَخَذَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ : لَا وُضُوءَ فِيهِمَا إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ مُفْضَاةً فيستحب لها الوضوء وَكَانَ الشَّيْخُ أَبُو حَفْصٍ الْكَبِيرُ يَقُولُ : إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُفْضَاةً يَجِبُ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُفْضَاةً لَا يَجِبُ ، وَهَكَذَا ذَكَرَ هِشَامٌ فِي نَوَادِرِهِ عَنْ مُحَمَّدٍ ، وَمِنَ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ فِي الْمُفْضَاةِ : إِذَا كَانَ الرِّيحُ مُنْتِنًا يَجِبُ الْوُضُوءُ وَمَا لَا فَلَا ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ ، وَبِهِ عَلِمْتَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الرِّيحِ الْخَارِجَةِ مِنْهُمَا عَلَى قَوْلَيْنِ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ يُوجِبُ الْوُضُوءَ ، وَدَلِيلُهُ عُمُومُ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ إِنَّ الْحَدَثَ مَا خَرَجَ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ ، فَإِنَّ الْعِبْرَةَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا لِخُصُوصِ السَّبَبِ . وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، كَذَا فِي الْبِنَايَةِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَا يُوجِبُ ، وَإِلَيْهِ مَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَعَلَّلَ بِأَنَّهَا لَا تَنْبَعِثُ عَنْ مَحَلِّ النَّجَاسَةِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ عَيْنَ الرِّيحِ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ وَإِنَّمَا يَتَنَجَّسُ بِمُرُورِهَا عَلَى مَحَلِّ النَّجَاسَةِ ، وَهَذَا لَا يَتَمَشَّى عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنَ الْمَشَايِخِ بِتَنَجُّسِ عَيْنِ الرِّيحِ . وَالْأَوْلَى فِي التَّعْلِيلِ مَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ أَنَّهَا اخْتِلَاجٌ لَا رِيحٌ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ خَارِجٍ ، لَكِنَّ هَذَا أَيْضًا قَاصِرٌ فَإِنَّهُ لَا يَتَمَشَّى فِي مَا إِذَا وَجَدَتِ النَّتِنَ أَوْ سَمِعَتِ الصَّوْتَ مِنَ الْقُبُلِ أَوْ الذَّكَرِ فَإِنَّ هُنَاكَ لَا شَكَّ فِي خُرُوجِ شَيْءٍ . وَمِمَّنْ اخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوَاهُ ، وَصَاحِبُ مَرَاقِي الْفَلَاحِ ، وَقَالَ هُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّهُ اخْتِلَاجٌ لَا رِيحٌ وَإِنْ كَانَ رِيحًا فَلَا نَجَاسَةَ فِيهِ وَرِيحُ الدُّبُرِ نَاقِضَةٌ لِمُرُورِهَا بِالنَّجَاسَةِ وَصَاحِبُ التَّنْوِيرِ وَصَاحِبُ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ . وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ أَنَّ الْمُوَافِقَ لِلْأَحَادِيثِ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ فَلْيَكُنْ هُوَ الْمُعَوَّلُ . انْتَهَى .
75 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَوَجَدَ رِيحًا بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ فَلَا يَخْرُجْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا . قَوْلُهُ : ( إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الْمَسْجِدِ ) قِيلَ : يُوهِمُ أَنَّ حُكْمَ غَيْرِ الْمَسْجِدِ بِخِلَافِ الْمَسْجِدِ ، لَكِنْ أُشِيرَ بِهِ إِلَى أَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّهُ مَكَانُهَا فَعَلَى الْمُؤْمِنِ مُلَازَمَةُ الْجَمَاعَاتِ فِي الْمَسْجِدِ ( فَوَجَدَ رِيحًا بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ ) تَثْنِيَةُ الْأَلْيَةِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْأَلْيَةُ : الْعُجْيزَةُ أَوْ مَا رَكِبَ الْعَجُزَ مِنْ لَحْمٍ أَوْ شَحْمٍ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا . ( فَلَا يَخْرُجْ ) مِنَ الْمَسْجِدِ لِلتَّوَضُّؤِ ( حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا ) أَيْ صَوْتَ رِيحٍ خَرَجَ مِنْهُ ( أَوْ يَجِدَ رِيحًا ) أَيْ يَجِدَ رَائِحَةَ رِيحٍ خَرَجَتْ مِنْهُ ، قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ : مَعْنَاهُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ الْحَدَثَ لَا أن سَمَاعَ الصَّوْتِ أَوْ وُجْدَانَ الرِّيحِ شَرْطٌ ، إِذْ قَدْ يَكُونُ أَصَمَّ فَلَا يَسْمَعُ الصَّوْتَ . وَقَدْ يَكُونُ أَخْشَمَ فَلَا يَجِدُ الرِّيحَ ، وَيُنْتَقَضُ طُهْرُهُ إِذَا تَيَقَّنَ الْحَدَثَ ، قَالَ الْإِمَامُ : فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرِّيحَ الْخَارِجَةَ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ تُوجِبُ الْوُضُوءَ ، وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : خُرُوجُ الرِّيحِ مِنَ الْقُبُلِ لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْيَقِينَ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الشَّرْعِ ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ . انْتَهَى . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْحَدِيثِ ، وَقَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ : وَهِيَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ يُحْكَمُ بِبَقَائِهَا عَلَى أُصُولِهَا حَتَّى يُتَيَقَّنَ خِلَافُ ذَلِكَ وَلَا يَضُرُّ الشَّكُّ الطَّارِئُ عَلَيْهَا ، فَمِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْبَابِ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا الْحَدِيثُ ، وَهِيَ أَنَّ مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ حُكِمَ بِبَقَائِهِ عَلَى الطَّهَارَةِ ، لَا فَرْقَ بَيْنَ حُصُولِ الشَّكِّ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ وَحُصُولِهِ خَارِجَ الصَّلَاةِ ، هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَا فَرْقَ فِي شَكِّهِ بَيْنَ أَنْ يَسْتَوِيَ الِاحْتِمَالَانِ فِي وُقُوعِ الْحَدَثِ وَعَدَمِهِ أَوْ يَتَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا وَيَغْلِبَ فِي ظَنِّهِ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ حَالٍ ، قال : أَمَّا إِذَا تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْوُضُوءُ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ . انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ بِشَيْءٍ مِنَ الصِّحَّةِ وَالضَّعْفِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الْحَائِضِ أَنَّهَا لَا تَقْضِي الصَّلَاةَ 130 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ مُعَاذَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ قَالَتْ : أَتَقْضِي إِحْدَانَا صَلَاتَهَا أَيَّامَ مَحِيضِهَا ؟ فَقَالَتْ : أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ ، قَدْ كَانَتْ إِحْدَانَا تَحِيضُ فَلَا تُؤْمَرُ بِقَضَاءٍ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّ الْحَائِضَ لَا تَقْضِي الصَّلَاةَ ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ ، لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ الْحَائِضَ تَقْضِي الصَّوْمَ ، وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ . بَاب مَا جَاءَ فِي الْحَائِضِ أَنَّهَا لَا تَقْضِي الصَّلَاةَ قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ وَبالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ، اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو ، أَوْ عَامِرٍ الْجَرْمِيُّ الْبَصْرِيُّ ، ثِقَةٌ فَاضِلٌ كَثِيرُ الْإِرْسَالِ ، قَالَ الْعِجْلِيُّ : فِيهِ نَصِبٌ يَسِيرٌ ، مِنَ الثَّالِثَةِ ، مَاتَ بِالشَّامِ هَارِبًا مِنَ الْقَضَاءِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ ، وَقِيلَ بَعْدَهَا ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ . ( عَنْ مُعَاذَةَ ) هِيَ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيَّةُ ، وَهِيَ مَعْدُودَةٌ فِي فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ ، قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ : ( أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ ) الْحَرُورِيُّ مَنْسُوبٌ إِلَى حَرُورَاء بِفَتْحِ الْحَاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ، وَبَعْدَ الْوَاوِ السَّاكِنَةِ رَاءٌ أَيْضًا ، بَلْدَةٌ عَلَى مِيلَيْنِ مِنَ الْكُوفَةِ ، وَيُقَالُ لِمَنْ يَعْتَقِدُ مَذْهَبَ الْخَوَارِجِ حَرُورِيٌّ ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ خَرَجُوا عَلَى عَلِيٍّ بِالْبَلْدَةِ الْمَذْكُورَةِ ، فَاشْتُهِرُوا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا ، وَهُمْ فِرَقٌ كَثِيرَةٌ ، لَكِنْ مِنْ أُصُولِهِمِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا بَيْنَهُمِ الْأَخْذُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ ، وَرَدُّ مَا زَادَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَدِيثِ مُطْلَقًا ، وَلِهَذَا اسْتَفْهَمَتْ عَائِشَةُ مُعَاذَةَ اسْتِفْهَامَ إِنْكَارٍ ، وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ فَقُلْتُ : لَا لَكِنِّي أَسْأَلُ ، أَيْ سُؤَالًا مُجَرَّدًا لِطَلَبِ الْعِلْمِ لَا لِلتَّعَنُّتِ ، وَفَهِمَتْ عَائِشَةُ عَنْهَا طَلَبَ الدَّلِيلِ ، فَاقْتَصَرَتْ فِي الْجَوَابِ عَلَيْهِ دُونَ التَّعْلِيلِ . وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ أَنَّ الصَّلَاةَ تَتَكَرَّرُ فَلَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهَا لِلْحَرَجِ بِخِلَافِ الصِّيَامِ ، كَذَا فِي الْفَتْحِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَى قَوْلِ عَائِشَةَ رصي الله عنها أَنَّ طَائِفَةً مِنَ الْخَوَارِجِ يُوجِبُونَ عَلَى الْحَائِضِ قَضَاءَ الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ فِي زَمَنِ الْحَائِضِ وَهُوَ خِلَافُ إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ، وَهَذَا الِاسْتِفْهَامُ الَّذِي اسْتَفْهَمَتْهُ عَائِشَةُ هُوَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ ، أَيْ هَذِهِ طَرِيقَةُ الْحَرُورِيَّةِ وَبِئْسَت الطَّرِيقَةُ . ( فَلَا تُؤْمَرُ بِقَضَاءٍ ) أَيْ لَا يَأْمُرُهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقَضَاءِ مَعَ عِلْمِهِ بِالْحَيْضِ وَتَرْكِهَا الصَّلَاةَ فِي زَمَنِهِ ، وَلَوْ كَانَ الْقَضَاءُ وَاجِبًا لَأَمَرَهَا بِهِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : فَنؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا ( وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ الْحَائِضَ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ ) نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ إِجْمَاعَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ أَنَّهُ سَأَلَ الزُّهْرِيَّ عَنْهُ فَقَالَ : اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْخَوَارِجِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُوجِبُونَهُ ، وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِهِ ، فَأَنْكَرَتْ عَلَيْهِ أُمُّ سَلَمَةَ ، لَكِنِ اسْتَقَرَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ كَمَا قَالَهُ الزُّهْرِيُّ وَغَيْرُهُ ، كَذَا فِي الْفَتْحِ .
بَاب فِي التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْوُضُوءِ 25 حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَبِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ الْعَقَدِيُّ ، قَالَا : نا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ ، عَنْ أَبِي ثِفَالٍ الْمُرِّيِّ ، عَنْ رَبَاحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حُوَيْطِبٍ ، عَنْ جَدَّتِهِ ، عَنْ أَبِيهَا قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ . وَفِي الْبَاب عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وأبي سعيد الخدري وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَأَنَسٍ . قَالَ أَبُو عِيسَى : قَالَ أَحْمَدُ : لَا أَعْلَمُ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثًا لَهُ إِسْنَادٌ جَيِّدٌ . وَقَالَ إِسْحَاقُ : إِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَامِدًا أَعَادَ الْوُضُوءَ ، وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ مُتَأَوِّلًا أَجْزَأَهُ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ : أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ رَبَاحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ . قَالَ أَبُو عِيسَى : وَرَبَاحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَدَّتِهِ عَنْ أَبِيهَا ، وَأَبُوهَا سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ ، وَأَبُو ثِفَالٍ الْمُرِّيُّ اسْمُهُ ثُمَامَةُ بْنُ حُصَيْنٍ ، وَرَبَاحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ حُوَيْطِبٍ ، مِنْهُمْ مَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ، فَقَالَ : عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حُوَيْطِبٍ ، فَنَسَبَهُ إِلَى جَدِّهِ . ( بَابٌ فِي التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْوُضُوءِ ) وَرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ ، وَاخْتَلَفَ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ فِي صِحَّتِهَا وَضَعْفِهَا ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : كُلُّ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ فَهُوَ لَيْسَ بِقَوِيٍّ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يَخْلُو هَذَا الْبَابُ مِنْ حَسَنٍ صَرِيحٍ وَصَحِيحٍ غَيْرِ صَرِيحٍ . وَقَالَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ : وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَجْمُوعَ الْأَحَادِيثِ يَحْدُثُ مِنْهَا قُوَّةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ أَصْلًا . انْتَهَى . قُلْتُ : الْأَمْرُ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ ، وَمُقْتَضَى أَحَادِيثِ الْبَابِ هُوَ الْوُجُوبُ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ ) بن نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ طُلِبَ لِلْقَضَاءِ فَامْتَنَعَ ، مِنْ الْعَاشِرَةِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : أَحَدُ أَئِمَّةِ الْبَصْرَةِ ، رَوَى عَنْ الْمُعْتَمِرِ ، وَيَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَخَلْقٍ ، وَعَنْهُ ع - يَعْنِي الْأَئِمَّةَ السِّتَّةَ - قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : هُوَ عِنْدِي أَوْثَقُ مِنْ الْفَلَّاسِ وَأَحْفَظُ . قَالَ الْبُخَارِيُّ : مَاتَ سَنَةَ 250 خَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ . ( وَبِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ ) الْبَصْرِيُّ الضَّرِيرُ يُكَنَّى أَبَا سَهْلٍ ، صَدُوقٌ مِنْ الْعَاشِرَةِ ( الْعَقَدِيُّ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْقَافِ ( نَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ) بن لَاحِقٍ الرَّقَاشِيُّ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْبَصْرِيُّ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ عَابِدٌ مِنْ الثَّامِنَةِ . ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ ) بن عَمْرِو بْنِ سَنَةَ الْأَسْلَمِيِّ الْمَدَنِيِّ ، صَدُوقٌ رُبَّمَا أَخْطَأَ ( عَنْ أَبِي ثِفَالٍ ) بِكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ بَعْدَهَا فَاءٌ ( الْمُرِّيِّ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ ، اِسْمُهُ ثُمَامَةُ بْنُ وَائِلِ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَقَدْ يُنْسَبُ لِجَدِّهِ ، وَقِيلَ : اِسْمُهُ وَائِلُ بْنُ هَاشِمِ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ ، مَقْبُولٌ ، مِنْ الْخَامِسَةِ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ . وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : قَالَ الْبُخَارِيُّ : فِي حَدِيثِهِ نَظَرٌ . انْتَهَى . وكَذَا فِي الْخُلَاصَةِ . ( عَنْ رَبَاحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حُوَيْطِبٍ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ الْمَدَنِيِّ قَاضِيهَا ، قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : مَقْبُولٌ . ( عَنْ جَدَّتِهِ ) وَفِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ : حَدَّثَتْنِي جَدَّتِي أَسْمَاءُ بِنْتُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : أَسْمَاءُ بِنْتُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ نُفَيْلٍ لَمْ تُسَمَّ فِي الْكِتَابَيْنِ يَعْنِي جَامِعَ التِّرْمِذِيِّ وَسُنَنَ اِبْنِ مَاجَهْ ، وَسَمَّاهَا الْبَيْهَقِيُّ ، وَيُقَالُ : إِنَّ لَهَا صُحْبَةً . انْتَهَى . وَذَكَرَهَا الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ فِي النِّسْوَةِ الْمَجْهُولَاتِ . ( عَنْ أَبِيهَا ) هُوَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ الْعَدَوِيِّ أَبُو الْأَعْوَرِ أَحَدُ الْعَشَرَةِ . قَوْلُهُ : ( لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اِسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ) قَالَ الشَّاهُ وَلِيُّ اللَّهِ الدَّهْلَوِيُّ رحمه الله فِي كِتَابِهِ حُجَّةِ اللَّهِ الْبَالِغَةِ : هُوَ نَصٌّ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ رُكْنٌ أَوْ شَرْطٌ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى لَا يَكْمُلُ الْوُضُوءُ ، لَكِنْ لَا أَرْتَضِي بِمِثْلِ هَذَا التَّأْوِيلِ فَإِنَّهُ مِنْ التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ الَّذِي يَعُودُ بِالْمُخَالَفَةِ عَلَى اللَّفْظِ . انْتَهَى . قُلْتُ : لَا شَكَّ فِي أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ نَصَّ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ رُكْنٌ لِلْوُضُوءِ أَوْ شَرْطٌ لَهُ ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ : لَا وُضُوءَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ، وَلَا يُوجَدُ ؛ إِذْ الْأَصْلُ فِي النَّفْيِ الْحَقِيقَةُ . قَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ : قَالَ الْقَاضِي : هَذِهِ الصِّيغَةُ حَقِيقَةٌ فِي نَفْيِ الشَّيْءِ ، وَيُطْلَقُ مَجَازًا عَلَى الِاعْتِدَادِ بِهِ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ : لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ ، وَعَلَى نَفْيِ كَمَالِهِ ؛ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ : لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ ، وَهَاهُنَا مَحْمُولَةٌ عَلَى نَفْيِ الْكَمَالِ خِلَافًا لِأَهْلِ الظَّاهِرِ ، لِمَا رَوَى اِبْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ تَوَضَّأَ وَذَكَرَ اِسْمَ اللَّهِ كَانَ طَهُورًا لِجَمِيعِ بَدَنِهِ ، وَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَذْكُرْ اِسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ كَانَ طَهُورًا لِأَعْضَاءِ وُضُوئِهِ . وَالْمُرَادُ بِالطَّهَارَةِ الطَّهَارَةُ عن الذُّنُوبِ ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ لَا يَتَجَزَّأُ . انْتَهَى . قُلْتُ : حَدِيثُ اِبْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا ضَعِيفٌ ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ اِبْنِ عُمَرَ ، وَفِيهِ أَبُو بَكْرٍ الدَّاهِرِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَكَمِ ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ ، وَمَنْسُوبٌ إِلَى الْوَضْعِ ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَفِيهِ مِرْدَاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبَانَ عَنْ أَبِيهِ وَهُمَا ضَعِيفَانِ ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ اِبْنِ مَسْعُودٍ ، وَفِي إِسْنَادِهِ يَحْيَى بْنِ هِشَامٍ السِّمْسَارُ وَهُوَ مَتْرُوكٌ ، فَالْحَدِيثُ لَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ ، عَلَى أَنَّ النَّفْيَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اِسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ، مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ الْكَمَالِ . فَإِنْ قُلْتَ : قَدْ صَرَّحَ اِبْنُ سَيِّدِ النَّاسِ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ بِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : لَا وُضُوءَ كَامِلًا ، وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بِهِ الرَّافِعِيُّ ، فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ فِي قَوْلِهِ : لَا وُضُوءَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ نَفْيُ الْكَمَالِ . قُلْتُ : قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : لَمْ أَرَهُ هَكَذَا . انْتَهَى . فَلَا يُعْلَمُ حَالُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ كَيْفَ هِيَ صَالِحَةٌ لِلِاحْتِجَاجِ أَمْ لَا ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، وَأَنَسٍ ) أَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُسْنَدَيْهِمَا ، وَابْنُ عَدِيٍّ ، وَفِي إِسْنَادِهِ حَارِثَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ والدَّارَقُطْنِيُّ ، وَابْنُ السَّكَنِ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الْمَخْزُومِيِّ ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، فَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ : وَادَّعَى أَنَّهُ الْمَاجِشُونُ ، وَصَحَّحَهُ لِذَلِكَ فَوَهِمَ . وَالصَّوَابُ أَنَّهُ اللَّيْثِيُّ ، قَالَه الْحَافِظُ : قَالَ الْبُخَارِيُّ : لَا يُعْرَفُ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ أَبِيهِ وَلَا لِأَبِيهِ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبُوهُ ذَكَرَهُ اِبْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ، وَقَالَ : رُبَّمَا أَخْطَأَ ، وَهَذِهِ عِبَارَةٌ عَنْ ضَعْفِهِ ، فَإِنَّهُ قَلِيلُ الْحَدِيثِ جِدًّا ، وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ سِوَى وَلَدِهِ ، فَإِذَا كَانَ يُخْطِئُ مَعَ قِلَّةِ مَا رَوَى فَكَيْفَ يُوصَفُ بِكَوْنِهِ ثِقَةً ؟ ! قَالَ اِبْنُ الصَّلَاحِ : اِنْقَلَبَ إِسْنَادُهُ عَلَى الْحَاكِمِ ، فَلَا يُحْتَجُّ لِثُبُوتِهِ بِتَخْرِيجِهِ لَهُ ، وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ ، وَلَهُ طُرُقٌ أُخْرَى كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، والدَّارَميُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ عَدِيٍّ ، وَابْنُ السَّكَنِ ، وَالْبَزَّارُ ، والدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ حَدِيثِ الْبَابِ ، وَزَعَمَ اِبْنُ عَدِيٍّ أَنَّ زَيْدَ بْنَ الْحُبَابِ تَفَرَّدَ بِهِ عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ الْحَافِظُ : وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، فَقَدْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَامِرٍ الْعَقَدِيِّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَحْمَدَ الزُّهْرِيِّ ، وَكَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ ، قَالَ اِبْنُ مَعِينٍ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ . وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ : صَدُوقٌ فِيهِ لِينٌ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : صَالِحُ الْحَدِيثِ ، لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، يُكْتَبُ حَدِيثُهُ ، وَكَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ رَوَاهُ عَنْ رُبَيْحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، وَرُبَيْحٍ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : شَيْخٌ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : مُنْكَرُ الْحَدِيثِ . وَقَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ بِالْمَعْرُوفِ . وَقَالَ الْمَرْوَزِيُّ : لَمْ يُصَحِّحْهُ أَحْمَدُ ، وَقَالَ : لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ يَثْبُتُ . وَقَالَ الْبَزَّارُ : كُلُّ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ فَلَيْسَ بِقَوِيٍّ ، وَذَكَرَ أَنَّهُ رَوَى عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ رَبَاحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَقَالَ الْعَقِيلِيُّ : الْأَسَانِيدُ فِي هَذَا الْبَابِ فِيهَا لِينٌ ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : إِنَّهُ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَقَدْ قَالَ أَيْضًا : لَا أَعْلَمُ فِي التَّسْمِيَةِ حَدِيثًا صَحِيحًا ، وَأَقْوَى شَيْءٍ فِيهِ حَدِيثُ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ رُبَيْحٍ ، وَقَالَ إِسْحَاقُ هَذَا - يَعْنِي حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ - أَصَحُّ مَا فِي الْبَابِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فَأَخْرَجَهُ اِبْنُ مَاجَهْ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، وَفِيهِ عَبْدُ الْمُهَيْمِنِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَتَابَعَهُ أَخُوهُ أُبَيُّ بْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ الْأَنْدَلُسِيُّ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ شَدِيدُ الضَّعْفِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ أَحْمَدُ : لَا أَعْلَمُ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثًا لَهُ إِسْنَادٌ جَيِّدٌ ) وَقَالَ الْبَزَّارُ : كُلُّ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ فَلَيْسَ بِقَوِيٍّ . قُلْتُ : أَحَادِيثُ هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا ، فَمَجْمُوعُهَا يَدُلُّ أَنَّ لَهَا أَصْلًا . قَالَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ : وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَجْمُوعَ الْأَحَادِيثِ يَحْدُثُ مِنْهَا قُوَّةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ أَصْلًا . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ : ثَبَتَ لَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ، وَقَالَ اِبْنُ سَيِّدِ النَّاسِ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : لَا يَخْلُو هَذَا الْبَابُ مِنْ حَسَنٍ صَرِيحٍ وَصَحِيحٍ غَيْرِ صَرِيحٍ . انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ : وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ لَا يَسْلَمُ شَيْءٌ مِنْهَا عَنْ مَقَالٍ ، وَقَدْ ذَهَبَ الْحَسَنُ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى وُجُوبِ التَّسْمِيَةِ فِي الْوُضُوءِ ، حَتَّى إِنَّهُ إِذَا تَعَمَّدَ تَرْكَهَا أَعَادَ الْوُضُوءَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي وَرَدَتْ فِيهَا وَإِنْ كَانَ لَا يَسْلَمُ شَيْءٌ مِنْهَا عنْ مَقَالٍ ، فَإِنَّهَا تَتَعَاضَدُ بِكَثْرَةِ طُرُقِهَا وَتَكْتَسِبُ قُوَّةً . انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ . وَحَدِيثُ الْبَابِ أَعْنِي حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْبَزَّارُ ، والدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْعَقِيلِيُّ ، وَالْحَاكِمُ ، وَأُعِلَّ بِالِاخْتِلَافِ وَالْإِرْسَالِ ، وَفِي إِسْنَادِهِ أَبُو ثِفَالٍ ، عَنْ رَبَاحٍ مَجْهُولَانِ ، فَالْحَدِيثُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ قَالَهُ أَبُو حَاتِمٍ ، وَأَبُو زُرْعَةَ ، وَقَدْ أَطَالَ الْكَلَامَ عَلَى حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ هَذَا الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ فِي التَّلْخِيصِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ إِسْحَاقُ : إِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَامِدًا أَعَادَ الْوُضُوءَ ، وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ مُتَأَوِّلًا أَجْزَأَهُ ) فَعِنْدَ إِسْحَاقَ التَّسْمِيَةُ وَاجِبٌ فِي الْوُضُوءِ ، وَهُوَ قَوْلُ الظَّاهِرِيَّةِ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَاخْتَلَفُوا : هَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ مُطْلَقًا أَوْ عَلَى الذَّاكِرِ ؛ فَعِنْدَ إِسْحَاقَ عَلَى الذَّاكِرِ ، وَعِنْدَ الظَّاهِرِيَّةِ مُطْلَقًا ، وَذَهَبَتْ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَمَالِكٌ ، وَرَبِيعَةُ إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ ، وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ ، وَاحْتَجَّ الْآخَرُونَ بِحَدِيثِ اِبْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا : مَنْ تَوَضَّأَ وَذَكَرَ اِسْمَ اللَّهِ كَانَ طَهُورًا لِجَمِيعِ بَدَنِهِ . الْحَدِيثَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ، وَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ ضَعِيفٌ لَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ . قَوْلُهُ : ( وقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ : أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ رَبَاحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) يَعْنِي حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : أَقْوَى شَيْءٍ فِيهِ حَدِيثُ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ رُبَيْحٍ ، يَعْنِي حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ . وَسُئِلَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ : أَيُّ حَدِيثٍ أَصَحُّ فِي التَّسْمِيَةِ؟ فَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ . قَوْلُهُ : ( وَأَبُو ثِفَالٍ الْمُرِّيُّ اِسْمُهُ ثُمَامَةُ ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ ( بْنُ حُصَيْنٍ ) بِالتَّصْغِيرِ ، وَحُصَيْنُ جَدُّ أَبِي ثِفَالٍ ، وَاسْمُ أَبِيهِ وَائِلٌ كَمَا تَقَدَّمَ ( فَنَسَبَهُ إِلَى جَدِّهِ ) أَيْ إِلَى جَدِّهِ الْأَعْلَى .
بَاب فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ظَاهِرِهِمَا 98 حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَلَى ظَاهِرِهِمَا . قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَهُوَ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا يَذْكُرُ عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ عَلَى ظَاهِرِهِمَا غَيْرَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَأَحْمَدُ قَالَ مُحَمَّدٌ : وَكَانَ مَالِكٌ يُشِيرُ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ . باب في المسح على الخفين ظاهرهما قَوْلُهُ : ( نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ ) بِفَتْحِ النُّونِ الْقُرَشِيُّ مَوْلَاهُمْ الْمَدَنِيُّ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : صَدُوقٌ تَغَيَّرَ حِفْظُهُ لَمَّا قَدِمَ بَغْدَادَ وَكَانَ فَقِيهًا . ( عَنْ أَبِيهِ ) : أَيْ أَبِي الزِّنَادِ ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذَكْوَانَ ثِقَةٌ فَقِيهٌ . قَوْلُهُ : ( يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَلَى ظَاهِرِهِمَا ) : أَيْ عَلَى أَعْلَاهُمَا ، وَهَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى أَعْلَى الْخُفَّيْنِ دُونَ أَسْفَلِهِمَا . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَسَكَتَ عَنْهُ ، وَنَقَلَ الْمُنْذِرِيُّ تَحْسِينَ التِّرْمِذِيِّ وَأَقَرَّهُ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الْأَوْسَطِ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ ، ثَنَا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ ظَاهِرِهِمَا ، قَالَ : وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ رَجَاءٍ ، عَنْ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ ، كَذَا فِي التَّلْخِيصِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي كَلَامِ الْحَافِظِ الَّذِي نَقَلْنَاهُ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ ، وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ : لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ ظَاهِرِهِمَا ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ : بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ ، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ : إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَالْبَيْهَقِيِّ قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ . قَوْلُهُ : ( وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا يَذْكُرُ عَنْ عُرْوَةَ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ عَلَى ظَاهِرِهِمَا غَيْرَهُ ) : أَيْ غَيْرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ يَعْنِي لَفْظَ : عَلَى ظَاهِرِهِمَا ، تَفَرَّدَ بِذِكْرِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَأَحْمَدُ ) ، وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله وَمَنْ تَبِعَهُ وَإِسْحَاقُ ، وَدَاوُدُ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَقَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَجَمَاعَةٍ ، كَذَا فِي الِاسْتِذْكَارِ . وَالْحُجَّةُ لَهُمْ حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَحَدِيثُ عُمَرَ الَّذِي رضي الله عنه الذي عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَالْبَيْهَقِيِّ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : لَيْسَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ تَعَارُضٌ ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ تَارَةً عَلَى بَاطِنِ الْخُفِّ وَظَاهِرِهِ ، وَتَارَةً عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ مَا يَقْضِي بِالْمَنْعِ مِنْ إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ فَكَانَ جَمِيعُ ذَلِكَ جَائِزًا أَوْ سُنَّةً . انْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ . قُلْتُ : نَعَمْ لَيْسَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ تَعَارُضٌ ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ مَا يَقْضِي بِالْمَنْعِ مِنْ إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ ، لَكِنْ لَا شَكَّ فِي أَنَّ حَدِيثَ الْمَسْحِ عَلَى ظَاهِرِ الْخُفَّيْنِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَأَمَّا حَدِيثُ الْمَسْحِ عَلَى ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا فَقَدْ عَرَفْتَ مَا فِيهِ مِنَ الْكَلَامِ ، فَالْعَمَلُ بِحَدِيثِ الْمَسْحِ عَلَى ظَاهِرِ الْخُفَّيْنِ هُوَ الرَّاجِحُ الْمُتَعَيَّنُ ، هَذَا مَا عِنْدِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ مَالِكٌ يُشِيرُ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ ) : أَيْ بِضَعْفِهِ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : وَتَكَلَّمَ فِيهِ مَالِكٌ لِرِوَايَتِهِ عَنْ أَبِيهِ كِتَابَ السَّبْعَةِ ؛ يَعْنِي الْفُقَهَاءَ ، وَقَالَ : أَيْنَ كُنَّا عَنْ هَذَا . انْتَهَى . قُلْتُ : قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ ، فَفِي هَذَا الْكِتَابِ ، وَقَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ : عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ : لَيْسَ مِمَّا يَحْتَجُّ بِهِ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ ، لَيْسَ بِشَيْءٍ . وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ مَعِينٍ ضَعِيفٌ ، وَقَالَ الدَّوْرِيُّ ، عَنِ ابْنِ مَعِينٍ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ وَهُوَ دُونَ الدَّرَاوَرْدِيِّ ، وَقَالَ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ أَبِيهِ : مُضْطَرِبُ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ ، عَنِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ : كَانَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ضَعِيفًا ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ عَنْ أَبِيهِ : مَا حَدَّثَ بِالْمَدِينَةِ فَهُوَ صَحِيحٌ ، وَمَا حَدَّثَ بِبَغْدَادَ أَفْسَدَهُ الْبَغْدَادِيُّونَ ، وَفِيهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَالْعِجْلِيُّ ثِقَةٌ ، وَصَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ عِدَّةً مِنْ أَحَادِيثِهِ وَقَالَ فِي اللِّبَاسِ : ثِقَةٌ حَافِظٌ . انْتَهَى .
78 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنَامُونَ ثُمَّ يَقُومُونَ فَيُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ وَقَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ : سَمِعْت صَالِحَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : سَأَلْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ عَمَّنْ نَامَ قَاعِدًا مُعْتَمِدًا ، فَقَالَ : لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ ، قَالَ : وَقَدْ رَوَى حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ ، سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَبَا الْعَالِيَةِ وَلَمْ يَرْفَعْهُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْوُضُوءِ مِنْ النَّوْمِ ، فَرَأَى أَكْثَرُهُمْ أَنَّهُ لَا يَجِبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ إِذَا نَامَ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا حَتَّى يَنَامَ مُضْطَجِعًا ، وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَأَحْمَدُ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِذَا نَامَ حَتَّى غُلِبَ عَلَى عَقْلِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ ، وَبِهِ يَقُولُ إِسْحَاقُ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَنْ نَامَ قَاعِدًا فَرَأَى رُؤْيَا أَوْ زَالَتْ مَقْعَدَتُهُ لِوَسَنِ النَّوْمِ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ . قَوْلُهُ : ( كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنَامُونَ ، ثُمَّ يَقُومُونَ ، فَيُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ حَتَّى تَخْفِقَ رُؤوسُهُمْ ، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ ، فَظَهَرَ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ : يَنَامُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنَامُونَ قُعُودًا ، وَكَانَ نَوْمُهُمْ هَذَا فِي انْتِظَارِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : خَفَقَ فُلَانٌ حَرَّكَ رَأْسَهُ إِذَا نَعَسَ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ تَسْقُطُ أَذْقَانُهُمْ عَلَى صُدُورِهِمْ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ . قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ صَالِحَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ) بْنِ ذَكْوَانَ الْبَاهِلِيَّ التِّرْمِذِيَّ نَزِيلُ بَغْدَادَ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَشَرِيكٍ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَخَلْقٍ ، وَعَنْهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَأَبُو حَاتِمٍ ، وَقَالَ : صَدُوقٌ مَاتَ سَنَةَ 239 تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ ( فَقَالَ : لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ ) : أَيْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ . قَوْلُهُ : ( وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ ، فَرَأَى أَكْثَرُهُمْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ إِذَا نَامَ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا حَتَّى يَنَامَ مُضْطَجِعًا ، وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَأَحْمَدُ ) ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ ، وَقَدْ عَرَفْتَ مَا فِيهِ مِنَ الْمَقَالِ ، لَكِنْ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : وَالْمَقَالُ الَّذِي فِيهِ مُنْجَبِرٌ بِمَا لَهُ مِنَ الطُّرُقِ وَالشَّوَاهِدِ ، وَرَجَّحَ هَذَا الْمَذْهَبَ . قُلْتُ : هَذَا الْمَذْهَبُ هُوَ أَرْجَحُ الْمَذَاهِبِ عِنْدِي وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، فَرَوَى الْإِمَامُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ : إِذَا نَامَ أَحَدُكُمْ مُضْطَجِعًا فَلْيَتَوَضَّأْ . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ قُسَيْطٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : لَيْسَ عَلَى الْمُحْتَبِي النَّائِمِ وَلَا عَلَى الْقَائِمِ النَّائِمِ وُضُوءٌ حَتَّى يَضْطَجِعَ قَالَ الْحَافِظُ : إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ ، وَمِنَ الْمُؤَيِّدَاتِ لِهَذَا الْمَذْهَبِ حَدِيثُ أَنَسٍ الْمَذْكُورُ . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : وَالْأَحَادِيثُ الْمُطْلَقَةُ فِي النَّوْمِ تُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدَةِ بِالِاضْطِجَاعِ ، قَالَ : وَمِنَ الْمُؤَيِّدَاتِ لِهَذَا الْجَمْعِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ : إِذَا أَغْفَيْتُ يَأْخُذُ بِشَحْمَةِ أُذُنِي ، وَحَدِيثُ : إِذَا نَامَ الْعَبْدُ فِي صَلَاتِهِ بَاهَى اللَّهُ بِهِ مَلَائِكَتَهُ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَابْنُ شَاهِينَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَابْنُ شَاهِينَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ، وَفِي جَمِيعِ طُرُقِهِ مَقَالٌ . وَحَدِيثُ مَنِ اسْتَحَقَّ النَّوْمَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : رُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا وَلَا يَصِحُّ ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَقْفُهُ أَصَحُّ ، وَقَدْ فَسَّرَ اسْتِحْقَاقَ النَّوْمِ بِوَضْعِ الْجَنْبِ ، انْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ . ( وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِذَا نَامَ حَتَّى غَلَبَ عَلَى عَقْلِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ ، وَبِهِ يَقُولُ إِسْحَاقُ ) ، وَعَنْ إِسْحَاقَ قَوْلٌ آخَرُ ؛ وَهُوَ أَنَّ النَّوْمَ حَدَثٌ يَنْقُضُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ الْمَصِيرَ إِلَى أَنَّ النَّوْمَ حَدَثٌ يَنْقُضُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبِهِ أَقُولُ ؛ لِعُمُومِ حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ؛ يَعْنِي الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ فَفِيهِ إِلَّا مِنْ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ نَوْمٍ فَسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ ، وَالْمُرَادُ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ طُولُ زَمَانِهِ وَقِصَرُهُ لَا مُبَادِيهِ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . قُلْتُ : وَأَمَّا قَوْلُ إِسْحَاقَ الَّذِي ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ فَمَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ النَّوْمَ لَيْسَ بِحَدَثٍ ؛ بَلْ هُوَ مَظِنَّةُ الْحَدَثِ . ( وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَنْ نَامَ قَاعِدًا فَرَأَى رُؤْيَا أَوْ زَالَتْ مَقْعَدَتَهُ لِوَسَنِ النَّوْمِ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ ) ، الْوَسَنُ أَوَّلُ النَّوْمِ ، وَقَدْ وَسِنَ يَوْسَنُ سِنَةً فَهُوَ وَسِنٌ وَوَسْنَانُ ، وَالْهَاءُ فِي السِّنَةِ عِوَضٌ مِنَ الْوَاوِ الْمَحْذُوفَةِ قَالَهُ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ . وَاعْلَمْ أَنَّ لِلشَّافِعِيِّ فِي انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ أَقْوَالًا . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَقِيلَ لَا يَنْقُضُ نَوْمُ غَيْرِ الْقَاعِدِ مُطْلَقًا ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ ، وَعَنْهُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ خَارِجِ الصَّلَاةِ فَيَنْقُضُ أَوْ دَاخِلِهَا فَلَا ، وَفَصَلَ فِي الْجَدِيدِ بَيْنَ الْقَاعِدِ الْمُتَمَكِّنِ فَلَا يَنْقُضُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَيَنْقُضُ ، وَفِي الْمُهَذَّبِ : وَإِنْ وُجِدَ مِنْهُ النَّوْمُ وَهُوَ قَاعِدٌ ، وَمَحَلُّ الْحَدَثِ مِنْهُ مُتَمَكِّنٌ بِالْأَرْضِ فَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ وُضُوءَهُ ، وَقَالَ الْبُوَيْطِيُّ : يَنْقُضُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ . انْتَهَى . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ لَفْظَ الْبُوَيْطِيِّ لَيْسَ صَرِيحًا فِي ذَلِكَ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : وَمَنْ نَامَ جَالِسًا أَوْ قَائِمًا فَرَأَى رُؤْيَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ . قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا قَابِلٌ لِلتَّأْوِيلِ . انْتَهَى مَا فِي الْفَتْحِ .
بَاب الْوُضُوءِ مِنْ النَّوْمِ 77 حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى ، وَهَنَّادٌ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِيُّ الْمَعْنَى وَاحِدٌ قَالُوا : نا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ الدَّالَانِيِّ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَامَ وَهُوَ سَاجِدٌ حَتَّى غَطَّ ونَفَخَ ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ : إِنَّكَ قَدْ نِمْتَ ، قَالَ : إِنَّ الْوُضُوءَ لَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا ، فَإِنَّهُ إِذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ . قَالَ أَبُو عِيسَى : وَأَبُو خَالِدٍ اسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ . وَفِي الْبَاب عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ . باب الوضوء من النوم قَوْلُهُ : ( الْمَعْنَى وَاحِدٌ ) أَيْ مَعْنَى أَحَادِيثِ إِسْمَاعِيلَ وَهَنَّادٍ وَمُحَمَّدٍ وَاحِدٌ وَفِي أَلْفَاظِهَا اخْتِلَافٌ . قَوْلُهُ : ( نَامَ وَهُوَ سَاجِدٌ ) أَيْ نَامَ فِي حَالَةِ السَّجْدَةِ ( حَتَّى غَطَّ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : غَطَّ النَّائِمُ صَاتَ . انْتَهَى ، وَالْمَعْنَى نَامَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَالَةِ السَّجْدَةِ حَتَّى سُمِعَ غَطِيطُهُ وَهُوَ صَوْتٌ يَخْرُجُ مَعَ نَفَسِ النَّائِمِ ( أَوْ نَفَخَ ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ : حَتَّى نَفَخَ أَيْ تَنَفَّسَ بِصَوْتٍ حَتَّى يُسْمَعَ مِنْهُ صَوْتُ النَّفْخِ كَمَا يُسْمَعُ مِنَ النَّائِمِ . ( ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي ) أَيْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَوَضَّأَ وُضُوءًا جَدِيدًا ( إِلَّا عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا ) أَيْ وَاضِعًا جَنْبَهُ عَلَى الْأَرْضِ ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : ضَجَعَ كَمَنَعَ ، وَضَعَ جَنْبَهُ بِالْأَرْضِ كَاضَّجَعَ وَاضْطَجَعَ ( اسْتَرْخَتْ ) أَيْ فَتَرَتْ وَضَعُفَتْ ( مَفَاصِلُهُ ) جَمْعُ مِفْصَلٍ وَهُوَ رُءُوسُ الْعِظَامِ وَالْعُرُوقِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْهَا قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنَامُ حَتَّى يَنْفُخَ ، ثُمَّ يَقُومَ فَيُصَلِّيَ وَلَا يَتَوَضَّأَ . قَالَ الطَّنَافِسِيُّ : قَالَ وَكِيعٌ : تَعْنِي وَهُوَ سَاجِدٌ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ مَنِ اسْتَحَقَّ النَّوْمَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ ، وَقَالَ بَعْدَهُ : لَا يَصِحُّ رَفْعُهُ ، وَرُوِيَ مَوْقُوفًا وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَرَوَاهُ فِي الْخِلَافِيَّاتِ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَعَلَّهُ بِالرَّبِيعِ بْنِ بَدْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَدِيٍّ ، وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ إِنَّ وَقْفَهُ أَصَحُّ كَذَا فِي التَّلْخِيصِ . وَاعْلَمْ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ لَمْ يَحْكُمْ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ بِشَيْءٍ مِنَ الصِّحَّةِ أَوْ الضَّعْفِ هَاهُنَا ، وَقَدْ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ فِي عِلَلِهِ الْمُفْرَدِ وَقَدْ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ مَدَارُهُ عَلَى يَزِيدَ أَبِي خَالِدٍ الدَّالَانِيِّ وَعَلَيْهِ اخْتُلِفَ فِي أَلْفَاظِهِ ، وَضَعَّفَ الْحَدِيثَ مِنْ أَصْلِهِ أَحْمَدُ ، وَالْبُخَارِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ الْمُفْرَدِ ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي عِلَلِهِ وَغَيْرُهُمْ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْخِلَافِيَّاتِ : تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ ، وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ جَمِيعُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ فِي السُّنَنِ : أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْحُفَّاظِ ، وَأَنْكَرُوا سَمَاعَهُ مِنْ قَتَادَةَ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَبَا الْعَالِيَةِ وَلَمْ يَرْفَعْهُ . انْتَهَى .
بَاب مَا جَاءَ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ 27 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَجَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا تَوَضَّأْتَ فَانْتَثِرْ ، وَإِذَا اسْتَجْمَرْتَ فَأَوْتِرْ . وَفِي الْبَاب عَنْ عُثْمَانَ ، وَلَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكرِبَ ، وَوَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ . قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَنْ تَرَكَ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ ، فَقَالَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ : إِذَا تَرَكَهُمَا فِي الْوُضُوءِ حَتَّى صَلَّى أَعَادَ ، وَرَأَوْا ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ وَالْجَنَابَةِ سَوَاءً ، وَبِهِ يَقُولُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : الِاسْتِنْشَاقُ أَوْكَدُ مِنْ الْمَضْمَضَةِ . قَالَ أَبُو عِيسَى : وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : يُعِيدُ فِي الْجَنَابَةِ ، وَلَا يُعِيدُ فِي الْوُضُوءِ ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَبَعْضِ أَهْلِ الْكُوفَةِ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يُعِيدُ فِي الْوُضُوءِ وَلَا فِي الْجَنَابَةِ ؛ لِأَنَّهُمَا سُنَّةٌ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ عَلَى مَنْ تَرَكَهُمَا فِي الْوُضُوءِ ، وَلَا فِي الْجَنَابَةِ ، وَهُوَ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ ) أَصْلُ الْمَضْمَضَةِ فِي اللُّغَةِ التَّحْرِيكُ ، وَمِنْهُ مَضْمَضَ النُّعَاسُ فِي عَيْنَيْهِ إِذَا تَحَرَّكَتَا بِالنُّعَاسِ ، ثُمَّ اُشْتُهِرَ اِسْتِعْمَالُهُ فِي وَضْعِ الْمَاءِ فِي الْفَمِ وَتَحْرِيكِهِ ، وَأَمَّا مَعْنَاهُ فِي الْوُضُوءِ الشَّرْعِيِّ فَأَكْمَلُهُ أَنْ يَضَعَ الْمَاءَ فِي الْفَمِ ثُمَّ يُدِيرَهُ ثُمَّ يَمُجَّهُ . كَذَا فِي الْفَتْحِ . وَالِاسْتِنْشَاقُ هُوَ إِدْخَالُ الْمَاءِ فِي الْأَنْف . قَوْلُهُ : ( وَجَرِيرٌ ) هُوَ اِبْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ قُرْطٍ الضَّبِّيُّ الْكُوفِيُّ نَزِيلُ الرَّيَّ وَقَاضِيهَا ، ثِقَةٌ ، صَحِيحُ الْكِتَابِ ، قِيلَ : كَانَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ يَهِمُ مِنْ حِفْظِهِ ، مَاتَ سَنَةَ 188 ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ ، وَهُوَ مِنْ رِجَالِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ . ( عَنْ مَنْصُورِ ) بن الْمُعْتَمِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيِّ الْكُوفِيِّ ، ثِقَةٌ ، ثَبْتٌ ، وَكَانَ لَا يُدَلِّسُ ، مِنْ طَبَقَةِ الْأَعْمَشِ ، مَاتَ سَنَةَ 132 اِثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ، وَهُوَ مِنْ رِجَالِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ أَيْضًا . ( عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَاف ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : بِكَسْرِ التَّحْتِيَّةِ ، وَكَذَا فِي الْقَامُوسِ . وَقَالَ الْخَزْرَجِيُّ : بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ الْأَشْجَعِيِّ مَوْلَاهُمْ ، ثِقَةٌ ، مِنْ أَوْسَاطِ التَّابِعِينَ ( عَنْ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ ) الْأَشْجَعِيِّ صَحَابِيٌّ سَكَنَ الْكُوفَةَ . قَوْلُهُ : إِذَا تَوَضَّأْتَ فَانْتَثِرْ قَالَ فِي الْقَامُوسِ اِسْتَنْثَرَ اِسْتَنْشَقَ الْمَاءَ ثُمَّ اِسْتَخْرَجَ بِنَفَسِ الْأَنْفِ كَانْتَثَرَ . انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ : الِاسْتِنْثَارُ هُوَ طَرْحُ الْمَاءِ الَّذِي يَسْتَنْشِقُهُ الْمُتَوَضِّئُ ، أَيْ يَجْذِبُهُ بِرِيحِ أَنْفِهِ لِتَنْظِيفِ مَا فِي دَاخِلِهِ فَيُخْرِجُهُ بِرِيحِ أَنْفِهِ سَوَاءٌ كَانَ بِإِعَانَةِ يَدِهِ أَمْ لَا ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهِيَةُ فِعْلِهِ بِغَيْرِ إِعَانَةِ الْيَدِ ، لِكَوْنِهِ يُشْبِهُ فِعْلَ الدَّابَّةِ ، وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ ، وَإِذَا اِسْتَنْثَرَ بِيَدِهِ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ بِالْيُسْرَى . بَوَّبَ عَلَيْهِ النَّسَائِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُقَيَّدًا بِهَا مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ . انْتَهَى . ( وَإِذَا اِسْتَجْمَرْتَ ) أَيْ إِذَا اِسْتَعْمَلْتَ الْجِمَارَ ، وَهِيَ الْحِجَارَةُ الصِّغَارُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ ( فَأَوْتِرْ ) أَيْ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أو سبعا ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ : مَنْ اِسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ حَسَنَةُ الْإِسْنَادِ ، وَأَخَذَ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، فَقَالُوا : لَا يُعْتَبَرُ الْعَدَدُ ، بَلْ الْمُعْتَبَرُ الْإِيتَارُ ، وَأَخَذَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ بِحَدِيثِ سَلْمَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَسْتَنْجِ أَحَدُكُمْ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ . فَاشْتَرَطُوا أَنْ لَا يُنْقِصَ مِنْ الثَّلَاثِ مَعَ مُرَاعَاةِ الْإِنْقَاءِ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ بِهَا فَيُزَادُ حَتَّى يُنَقَّى ، وَيُسْتَحَبُّ حِينَئِذٍ الْإِيتَارُ ؛ لِقَوْلِهِ : مَنْ اِسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ ؛ لِقَوْلِهِ : مَنْ لَا فَلَا حَرَجَ وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ فِي هَذَا الْبَابِ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عُثْمَانَ ، وَلَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ ، وَوَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ) أَمَّا حَدِيثُ عُثْمَانَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعِ وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْجَارُودِ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَفِيهِ : وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ : إِذَا تَوَضَّأْتَ فَمَضْمِضْ أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : إِنَّ إِسْنَادَهَا صَحِيحٌ ، وَقَدْ رَدَّ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ مَا أُعِلَّ بِهِ حَدِيثُ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ إِلَّا إِسْمَاعِيلُ بْنُ كَثِيرٍ ، وَقَالَ : لَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ رَوَى عَنْهُ غَيْرُهُ . وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ . وَأَمَّا حَدِيثُ اِبْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ الْجَارُودِ ، وَالْحَاكِمُ ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ الْقَطَّانِ ، وَلَفْظُهُ : اِسْتَنْثِرُوا مَرَّتَيْنِ بَالِغَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا كَذَا فِي التَّلْخِيصِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَسَكَتَ عَنْهُ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ ، وَأَمَّا حَدِيثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْبَزَّارُ وَفِيهِ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، قَالَ النَّسَائِيُّ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ . وَذَكَرَهُ اِبْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ، وَفِي مُسْنَدِ الْبَزَّارِ ، وَالطَّبَرَانِيِّ مُحَمَّدُ بْنُ حُجْرٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، كَذَا فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ ص 94 ج 1 وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ أُخْرَى مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ : إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً ثُمَّ لْيَنْتَثِرْ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ : إِذَا تَرَكَهُمَا فِي الْوُضُوءِ حَتَّى صَلَّى أَعَادَ ، وَرَأَوْا ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ وَالْجَنَابَةِ سَوَاءً ، وَبِهِ يَقُولُ اِبْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ) وَاسْتَدَلُّوا بِأَحَادِيثِ الْبَابِ ، وَقَوْلُهُمْ : هُوَ الرَّاجِحُ لِثُبُوتِ الْأَمْرِ بِهِمَا ، وَالْأَصْلُ فِي الْأَمْرِ الْوُجُوبُ ، مَعَ ثُبُوتِ مُوَاظَبَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا . ( وَقَالَ أَحْمَدُ : الِاسْتِنْشَاقُ أَوْكَدُ مِنْ الْمَضْمَضَةِ ) لِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ : وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا . ( وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : يُعِيدُ فِي الْجَنَابَةِ وَلَا يُعِيدُ فِي الْوُضُوءِ ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَبَعْضِ أَهْلِ الْكُوفَةِ ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ تَبِعَهُ ، فَعِنْدَ هَؤُلَاءِ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ سُنَّتَانِ فِي الْوُضُوءِ وَوَاجِبَانِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ فِي الْوُضُوءِ بِحَدِيثِ : عَشْرٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ ، وَقَدْ رَدَّهُ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ ، وَقَالَ : إِنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِلَفْظِ : عَشْرٌ مِنْ السُّنَنِ بَلْ بِلَفْظِ مِنْ الْفِطْرَةِ ، وَلَوْ وَرَدَ لَمْ يَنْتَهِضْ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ السُّنَّةُ ؛ أَيْ : الطَّرِيقَةُ لَا السُّنَّةُ بِالْمَعْنَى الاصطلاحي الْأُصُولِيِّ ، وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ : الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ سُنَّةٌ . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ، وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَعْرَابِيِّ : تَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ . فَأَحَالَهُ عَلَى الْآيَةِ ، وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَالِاسْتِنْثَارِ ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِغَسْلِ الْوَجْهِ أَمْرٌ بِهَا ، وَبِأَنَّ وُجُوبَهَا ثَبَتَ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْأَمْرُ مِنْهُ أَمْرٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ، بِدَلِيلِ : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ قَوْلُهُ : ( وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يُعِيدُ فِي الْوُضُوءِ وَلَا فِي الْجَنَابَةِ إِلَخْ ) لَيْسَ لِهَذِهِ الطَّائِفَةِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ اِعْتَرَفَ جَمَاعَةٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهُمْ : يضعف دَلِيلِ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ وُجُوبِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ والِاسْتِنْثَارِ ، قَالَهُ فِي النَّيْلِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ أَنَّهُمَا لَا يَقْرَآنِ الْقُرْآنَ 131 حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ قَالَا : نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَقْرَأْ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ ، وَفِي الْبَاب عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يقْرَأْ الْجُنُبُ وَلَا الْحَائِضُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِثْلِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ قَالُوا : لَا تَقْرَأْ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْئًا إِلَّا طَرَفَ الْآيَةِ وَالْحَرْفَ وَنَحْوَ ذَلِكَ ، وَرَخَّصُوا لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ فِي التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ ، قَالَ : وَسَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ : إِنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عَيَّاشٍ يَرْوِي عَنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ أَحَادِيثَ مَنَاكِيرَ ، كَأَنَّهُ ضَعَّفَ رِوَايَتَهُ عَنْهُمْ فِيمَا يَتفَرِدُ بِهِ ، وَقَالَ : إِنَّمَا حَدِيثُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عَيَّاشٍ عَنْ أَهْلِ الشَّامِ ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ أَصْلَحُ مِنْ بَقِيَّةَ ، وَلِبَقِيَّةَ أَحَادِيثُ مَنَاكِيرُ عَنْ الثِّقَاتِ ، قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدَّثَنِي بذلك أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ ، قَال : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ بذَلِكَ . بَاب مَا جَاءَ فِي الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ أَنَّهُمَا لَا يَقْرَآنِ الْقُرْآنَ قَوْلُهُ : ( وَالْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ ) بْنُ يَزِيدَ الْعَبْدِيُّ أَبُو عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ ، صَدُوقٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ ، وَقَدْ جَاوَزَ الْمِائَةَ ، قَالَهُ الْحَافِظُ ، وَقَالَ الْخَزْرَجِيُّ : وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَأَبُو حَاتِمٍ ، وَكَانَ لَهُ عَشَرَةُ أَوْلَادٍ بِأَسْمَاءِ الْعَشَرَةِ . ( نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشِ ) بْنُ سُلَيْمٍ الْعَنْسِيُّ أَبُو عُتْبَةَ الْحِمْصِيُّ ، صَدُوقٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَهْلِ بَلَدِهِ ، مُخَلِّطٌ فِي غَيْرِهِمْ ، قَالَهُ الْحَافِظُ ، وَقَالَ الْخَزْرَجِيُّ فِي تَرْجَمَتِهِ : عَالِمُ الشَّامِ ، وَأَحَدُ مَشَايِخِ الْإِسْلَامِ ، وَثَّقَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَعِينٍ ، وَدُحَيْمٌ ، وَالْبُخَارِيُّ ، وَابْنُ عَدِيٍّ فِي أَهْلِ الشَّامِ ، وَضَعَّفُوهُ فِي الْحِجَازِيِّينَ ، مَاتَ سَنَةَ 181 إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ . قَوْلُهُ : ( لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ ) أَيْ لَا الْقَلِيلَ وَلَا الْكَثِيرَ ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْجُنُبِ وَلَا لِلْحَائِضِ قِرَاءَةُ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ ، وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي تَحْرِيمِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِلْجُنُبِ ، وَفِي كُلِّهَا مَقَالٌ ، لَكِنْ تَحْصُلُ الْقُوَّةُ بِانْضِمَامِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ ، وَمَجْمُوعُهَا يَصْلُحُ لِأَنْ يُتَمَسَّكَ بِهَا . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ ) قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقْرِئُنَا الْقُرْآنَ مَا لَمْ نَكُنْ جُنُبًا ، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ ، وَهَذَا لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، كَذَا فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ . وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ : رَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَحْجُبُهُ أَوْ لَا يَحْجِزُهُ عَنِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَيْسَ الْجَنَابَةَ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ، وَصَحَّحَهُ قَالَ : وَلَمْ يَحْتَجَّا بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ ، وَمَدَارُ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ ، انْتَهَى . قَالَ الشَّافِعِيُّ : أَهْلُ الْحَدِيثِ لَا يُثْبِتُونَهُ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : لِأَنَّ مَدَارَهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ بِكَسْرِ اللَّامِ ، وَكَانَ قَدْ كَبِرَ وَأُنْكِرَ حَدِيثُهُ وَعَقْلُهُ ، وَإِنَّمَا رَوَى هَذَا بَعْدَ كِبَرِهِ ، قَالَهُ شُعْبَةُ . انْتَهَى كَلَامُهُ ، هَذَا آخِرُ كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ ، وَقَالَ الْحَافِظُ : وَالْحَقُّ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْحَسَنِ يَصْلُحُ لِلْحُجَّةِ . وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ ضَعِيفٌ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ إِلَخْ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ ، وَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عَيَّاشٍ قَدْ وَثَّقَهُ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ فِي أَهْلِ الشَّامِ ، وَضَعَّفُوهُ فِي الْحِجَازِيِّينَ ، وَهُوَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ : هَذَا حَدِيثٌ يَنْفَرِدُ بِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ أَهْلِ الْحِجَازِ ضَعِيفَةٌ لَا يُحْتَجُّ بِهَا ، قَالَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْحُفَّاظِ ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ غَيْرِهِ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ . انْتَهَى ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي عِلَلِهِ : سَمِعْتُ أَبِي وَذَكَرَ حَدِيثَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ هَذَا فَقَالَ : أَخْطَأَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ ابن عُمَرَ ، كَذَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ . قَوْلُهُ : ( قَالُوا لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا إِلَّا طَرَفَ الْآيَةِ ) أَيْ بَعْضَهَا ، فَلَا بَأْسَ لَهُمَا قِرَاءَةُ بَعْضِ الْآيَةِ أَوْ حَرْفٍ أَوْ حَرْفَيْنِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ، وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْآيَةِ بِتَمَامِهَا فَلَا يَجُوزُ لَهُمَا أَلْبَتَةَ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الْجُنُبَ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ، وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ لَا تَقْرَأُ ؛ لِأَنَّ حَدَثَهَا أَغْلَظُ مِنْ حَدَثِ الْجَنَابَةِ ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْجُنُبِ : إِنَّهُ لَا يَقْرَأُ الْآيَةَ وَنَحْوَهَا . وَقَدْ حُكِيَ أَنَّهُ قَالَ : تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ ; لِأَنَّ الْحَائِضَ إِنْ لَمْ تَقْرَأْ نَسِيَتِ الْقُرْآنَ ؛ لِأَنَّ أَيَّامَ الْحَيْضِ تَتَطَاوَلُ ، وَمُدَّةُ الْجَنَابَةِ لَا تَطُولُ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعِكْرِمَةَ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ بَأْسًا بِقِرَاءَةِ الْجُنُبِ الْقُرْآنَ ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، انْتَهَى . قُلْتُ : قَوْلُ الْأَكْثَرِ هُوَ الرَّاجِحُ يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبَابِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . تَنْبِيهٌ : اعْلَمْ أَنَّ الْبُخَارِيَّ رحمه الله عَقَدَ بَابًا فِي صَحِيحِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَائِلٌ بِجَوَازِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : بَابٌ تَقْضِي الْحَائِضُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : لَا بَأْسَ أَنْ تَقْرَأَ الْآيَةَ ، وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالْقِرَاءَةِ لِلْجُنُبِ بَأْسًا ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ . وَذَكَرَ آثَارًا أُخْرَى ، ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ قَالَتْ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ ، فَلَمَّا جِئْنَا سَرَفَ حِضْتُ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : ( فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي ) ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ : إِنَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى جَوَازِ قِرَاءَةِ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَثْنِ مِنْ جَمِيعِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ إِلَّا الطَّوَافَ ، وَإِنَّمَا اسْتَثْنَاهُ لِكَوْنِهِ صَلَاةً مَخْصُوصَةً ، وَأَعْمَالُ الْحَجِّ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى ذِكْرٍ وَتَلْبِيَةٍ وَدُعَاءٍ ، وَلَمْ تُمْنَعِ الْحَائِضُ مِنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، فَكَذَلِكَ الْجُنُبُ ؛ لِأَنَّ حَدَثَهَا أَغْلَظُ مِنْ حَدَثِهِ ، وَمَنْعُ الْقِرَاءَةِ إِنْ كَانَ لِكَوْنِهِ ذِكْرَ اللَّهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ذُكِرَ ، وَإِنْ كَانَ تَعَبُّدًا فَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ ، وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ - يَعْنِي الْبُخَارِيَّ - شَيْءٌ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ مَجْمُوعُ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ عِنْدَ غَيْرِهِ ، لَكِنَّ أَكْثَرَهَا قَابِلٌ لِلتَّأْوِيلِ ؛ وَلِهَذَا تَمَسَّكَ الْبُخَارِيُّ وَمَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ غَيْرُهُ كَالطَّبَرِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَدَاوُدُ بِعُمُومِ حَدِيثِ : كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ ; لِأَنَّ الذِّكْرَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِالْقُرْآنِ أوَ بِغَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا فُرِّقَ بَيْنَ الذِّكْرِ وَالتِّلَاوَةِ بِالْعُرْفِ ، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، ثُمَّ قَالَ الْحَافِظُ : وَفِي جَمِيعِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ نِزَاعٌ يَطُولُ ذِكْرُهُ ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ تَصَرُّفِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ . وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ عَلَى الْمَنْعِ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَحْجُبُهُ عَنِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَيْسَ الْجَنَابَةَ ، رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَضَعَّفَ بَعْضُهُمْ بَعْضَ رُوَاتِهِ ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْحَسَنِ يَصْلُحُ لِلْحُجَّةِ ، لَكِنْ قِيلَ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ مَا عَدَاهُ ، وَأَجَابَ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَكْمَلِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا : لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ فَضَعِيفٌ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَا لَفْظُهُ : وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَرْفُوعًا ، وَفِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ وَهُوَ مَتْرُوكٌ ، وَمَوْقُوفًا وَفِيهِ يَحْيَى بْنُ أَبِي أَنِيسَةَ ، وَهُوَ كَذَّابٌ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَهَذَا الْأَثَرُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ وَهُوَ جُنُبٌ ، وَسَاقَهُ عَنْهُ فِي الْخِلَافِيَّاتِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ . انْتَهَى ، وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي عُمْدَةِ الْقَارِي : وَرُبَّمَا يُعَضَّدَانِ - أَيْ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَحَدِيثُ جَابِرٍ - بِحَدِيثِ عَلِيٍّ ، وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ فَلِذَلِكَ ذَهَبَ إِلَى جَوَازِ قِرَاءَةِ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ أَيْضًا . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( قَالَ وَسَمِعْتُ ) أَيْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَسَمِعْتُ . ( قَالَ : وَإِنَّمَا حَدِيثُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ أَهْلِ الشَّامِ ) أَيْ قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدِيثُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ الَّذِي هُوَ صَحِيحٌ وَصَالِحٌ لِلِاحْتِجَاجِ إِنَّمَا هُوَ مَا يَرْوِيهِ عَنْ أَهْلِ الشَّامِ ، قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ الْعَنْسِيُّ الْحِمْصِيُّ عَالِمُ الشَّامِ وَثَّقَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَعِينٍ ، وَدُحَيْمٌ ، وَالْبُخَارِيُّ ، وَابْنُ عَدِيٍّ فِي أَهْلِ الشَّامِ وَضَعَّفُوهُ فِي الْحِجَازِيِّينَ ، وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ : صَدُوقٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَهْلِ بَلَدِهِ مُخَلِّطٌ فِي غَيْرِهِمْ . ( وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ أَصْلَحُ مِنْ بَقِيَّةَ ) كَذَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ فِي تَرْجَمَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ : سُئِلَ أَبِي عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَبَقِيَّةَ ، فَقَالَ : بَقِيَّةُ أَحَبُّ إِلَيَّ ، وَقَالَ فِي تَرْجَمَةِ بَقِيَّةَ : قَالَ أَحْمَدُ هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ . انْتَهَى ، فَهَذَا مُنَاقِضٌ لِمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ .
( بَاب الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتْ النَّارُ ) 79 حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ ، وَلَوْ مِنْ ثَوْرِ أَقِطٍ ، قَالَ : فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ، أَنَتَوَضَّأُ مِنْ الدُّهْنِ ، أَنَتَوَضَّأُ مِنْ الْحَمِيمِ ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : يَا ابْنَ أَخِي ، إِذَا سَمِعْتَ حَدِيثًا عَنْ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا تَضْرِبْ لَهُ مَثَلًا . وَفِي الْبَاب عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي طَلْحَةَ وَأَبِي أَيُّوبَ وَأَبِي مُوسَى . قَالَ أَبُو عِيسَى : وَقَدْ رَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْوُضُوءَ مِمَّا غَيَّرَتْ النَّارُ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى تَرْكِ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتْ النَّارُ . باب الوضوء مما غيرت النار قَوْلُهُ : ( الْوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ ) ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ ( وَلَوْ مِنْ ثَوْرِ أَقِطٍ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَهُوَ لَبَنٌ مُجَفَّفٌ مُسْتَحْجَرٌ . وَالثَّوْرُ قِطْعَةٌ مِنْهُ ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ كَمَا سَتَعْرِفُ ، ( أَنَتَوَضَّأُ مِنَ الدُّهْنِ ) : أَيْ الَّذِي مَسَّتْهُ النَّارُ ( أَنَتَوَضَّأُ مِنَ الْحَمِيمِ ) وَهُوَ الْمَاءُ الْحَارُّ بِالنَّارِ ( إِذَا سَمِعْتَ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا تَضْرِبْ لَهُ مَثَلًا ) ؛ بَلْ اعْمَلْ بِهِ وَاسْكُتْ عَنْ ضَرْبِ الْمَثَلِ لَهُ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَأَبِي طَلْحَةَ ، وَأَبِي أَيُّوبَ ، وَأَبِي مُوسَى ) . أَمَّا حَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ فَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَلَفْظُهُ : تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ . وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ : تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي طَلْحَةَ فَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَكَلَ ثَوْرَ أَقِطٍ فَتَوَضَّأَ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِلَفْظِ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَكَلَ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ تَوَضَّأَ ، قَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ : رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِلَفْظِ : تَوَضَّئُوا مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ لَوْنَهُ . قَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ : رِجَالُهُ مُوثَقُونَ . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْوُضُوءَ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى تَرْكِ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ ) قَالَ الْحَازِمِيُّ فِي كِتَابِ الِاعْتِبَارِ : قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَبَعْضُهُمْ ذَهَبَ إِلَى الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ . وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ ، وَأَبُو طَلْحَةَ ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، وَأَبُو مُوسَى ، وَعَائِشَةُ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَأَبُو غُرَّةَ الْهُذَلِيُّ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَأَبُو مِجْلَزٍ لَاحِقُ بْنُ حُمَيْدٍ ، وَأَبُو قِلَابَةَ ، وَيَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ . وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ إِلَى تَرْكِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ ، وَرَأَوْهُ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَمِمَّنْ لَمْ يَرَ مِنْهُ الْوُضُوءَ أَبُو بَكْرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ ، وَأَبُو أُمَامَةَ ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ ، وَمِنَ التَّابِعِينَ عُبَيْدَةُ السَّلْمَانِيُّ ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَأَهْلُ الْحِجَازِ وَعَامَّتُهُمْ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَازِمِيِّ . قُلْتُ : وَالظَّاهِرُ الرَّاجِحُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
بَاب فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ 97 حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الدِّمَشْقِيُّ ، نَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، أَخْبَرَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ ، عَنْ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ . قَالَ أَبُو عِيسَى : وَهَذَا قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ ، وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَهَذَا حَدِيثٌ مَعْلُولٌ لَمْ يُسْنِدْهُ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ غَيْرُ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ . وَسَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ ، وَمُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَا : لَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ ابْنَ الْمُبَارَكِ رَوَى هَذَا عَنْ ثَوْرٍ ، عَنْ رَجَاءِ ، قَالَ : حُدِّثْتُ عَنْ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ مُرْسَلٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِ الْمُغِيرَةُ . ( بَابُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ ) : أَيْ أَعْلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْخُفَّيْنِ وَأَسْفَلِهِ . وَكَانَ لِلتِّرْمِذِيِّ رحمه الله أَنْ يَقُولَ : أَعْلَاهُمَا وَأَسْفَلَهُمَا ، أَوْ يَقُولَ : بَابُ في الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الدِّمَشْقِيُّ ) اسْمُهُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَكَّارٍ ، رَوَى عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، وَمَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَعَنْهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، قَالَ الْحَافِظُ : صَدُوقٌ تُكُلِّمَ فِيهِ بِلَا حُجَّةٍ ( نَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ) الْقُرَشِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو الْعَبَّاسِ الدِّمَشْقِيُّ ، ثِقَةٌ لَكِنَّهُ كَثِيرُ التَّدْلِيسِ . ( أَخْبَرَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ ) أَبُو خَالِدٍ الْحِمْصِيُّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ إِلَّا أَنَّهُ يَرَى الْقَدَرَ . ( عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ الْكِنْدِيِّ الْفِلَسْطِينِيِّ . ثِقَةٌ فَقِيهٌ ، مِنَ الثَّالِثَةِ . ( عَنْ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ ) اسْمُهُ وَرَّادٌ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الثَّقَفِيُّ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ ، مِنَ الثَّالِثَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ ، عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ . قَوْلُهُ : ( مَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ ) هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ : إِنَّ الْمَسْحَ عَلَى أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلِهِ ، لَكِنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ كَمَا سَتَعْرِفُ . قَوْلُهُ : ( وَهَذَا قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ ) ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : رَوَى الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ ، وَفِي الْإِمْلَاءِ مِنْ حَدِيثِ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ . انْتَهَى . ( وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ) فِي مُوَطَّأِ الْإِمَامِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ كَيْفَ هُوَ ؟ فَأَدْخَلَ ابْنُ شِهَابٍ إِحْدَى يَدَيْهِ تَحْتَ الْخُفِّ ، وَالْأُخْرَى فَوْقَهُ ثُمَّ أَمَرَّهُمَا . قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ وَقَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَي في ذَلِكَ . انْتَهَى . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ : لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَلَى حَسَبِ مَا وَصَفَهُ ابْنُ شِهَابٍ أَنَّهُ يُدْخِلُ إِحْدَى يَدَيْهِ تَحْتَ الْخُفِّ ، وَالْأُخْرَى فَوْقَهُ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَرَى الْإِعَادَةَ عَلَى مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى ظُهُورِ الْخُفَّيْنِ إِلَّا فِي الْوَقْتِ ، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَقَدْ نَصَّ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ عَلَى أَسْفَلِ الْخُفِّ وَيُجْزِئُهُ عَلَى ظَهْرِهِ فَقَطْ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَقْتَصِرَ أَحَدٌ عن مَسْحِ ظُهُورِ الْخُفَّيْنِ وَبُطُونِهما مَعًا كَقَوْلِ مَالِكٍ ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ ظُهُورَ خُفَّيْهِ وَبُطُونَهُمَا ، كَمَا نَقَلَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى مُوَطَّأِ مُحَمَّدٍ عَنِ الِاسْتِذْكَارِ ، وَقَالَ الشَّاهُ وَلِيُّ اللَّهِ الدَّهْلَوِيُّ فِي الْمُسَوَّى : قَالَ الشَّافِعِيُّ : مَسْحُ أَعْلَى الْخُفِّ فَرْضٌ ، وَمَسْحُ أَسْفَلِهِ سُنَّةٌ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَمْسَحُ إِلَّا الْأَعْلَى . قُلْتُ : تَمَسَّكَ الْقَائِلُونَ بِالْمَسْحِ عَلَى أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلِهِ بِحَدِيثِ الْبَابِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ فِيهِ كَلَامٌ لِأَئِمَّةِ الْحَدِيثِ كَمَا سَتَعْرِفُ ، وَلَمْ أَجِدْ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا صَحِيحًا خَالِيًا عَنِ الْكَلَامِ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ ظَاهِرَهُمَا ، وَكَذَلِكَ ثَبَتَ كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الْآتِي عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ فَالْقَوْلُ الرَّاجِحُ قَوْلُ مَنْ قَالَ بِالْمَسْحِ عَلَى أَعْلَى الْخُفِّ دُونَ أَسْفَلِهِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَهَذَا حَدِيثٌ مَعْلُولٌ ) الْمَعْلُولُ ، وَيُقَالُ لَهُ : الْمُعَلَّلُ بِفَتْحِ اللَّامِ إِسْنَادٌ فِيهِ عِلَلٌ وَأَسْبَابٌ غَامِضَةٌ خَفِيَّةٌ قَادِحَةٌ فِي الصِّحَّةِ يَتَنَبَّهُ لَهَا الْحُذَّاقُ الْمَهَرَةُ مِنْ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ ، كَإِرْسَالٍ فِي الْمَوْصُولِ ، وَوَقْفٍ فِي الْمَرْفُوعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَحَدِيثُ الْمُغِيرَةِ هَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا . ( لَمْ يُسْنِدْهُ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ غَيْرَ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ) : أَيْ لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ مَرْفُوعًا مُتَّصِلًا عَنْ ثَوْرٍ أَحَدٌ إِلَّا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ . ( قَالَ : حُدِّثْتُ عَنْ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ فَفِيهِ انْقِطَاعٌ . ( مُرْسَلٌ ) : أَيْ وهُوَ مُرْسَلٌ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مُرْسَلًا ، قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَابْنُ الْجَارُودِ مِنْ طَرِيقِ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ ، عَنْ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ ، عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ ، قَالَ الْأَثْرَمُ ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يُضَعِّفُهُ وَيَقُولُ : ذَكَرْتُهُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ فَقَالَ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ ثَوْرٍ حُدِّثْتُ عَنْ رَجَاءٍ ، عَنْ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُغِيرَةَ ، قَالَ أَحْمَدُ : وَقَدْ كَانَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنِي بِهِ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، كَمَا حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ بِهِ عَنْ ثَوْرٍ فَقُلْتُ لَهُ : إِنَّمَا يَقُولُ هَذَا الْوَلِيدُ ، فَأَمَّا ابْنُ الْمُبَارَكِ فَيَقُولُ : حُدِّثْتُ عَنْ رَجَاءٍ وَلَا يَذْكُرُ الْمُغِيرَةَ فَقَالَ لِي نُعَيْمٌ : هَذَا حَدِيثِي الَّذِي أَسْأَلُ عَنْهُ ، فَأَخْرَجَ إِلَيَّ كِتَابَهُ الْقَدِيمَ بِخَطٍّ عَتِيقٍ ، فَإِذَا فِيهِ مُلْحَقٌ بَيْنَ السَّطْرَيْنِ بِخَطٍّ لَيْسَ بِالْقَدِيمِ عَنِ الْمُغِيرَةِ ، فَأَوْقَفْتُهُ عَلَيْهِ ، وَأَخْبَرْتُهُ أَنَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ فِي الْإِسْنَادِ لَا أَصْلَ لَهَا ، فَجَعَلَ يَقُولُ لِلنَّاسِ بَعْدُ وَأَنَا أَسْمَعُ اضْرِبُوا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي زُرْعَةَ : حَدِيثُ الْوَلِيدِ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ ، وَقَالَ مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، وَأَبُو دَاوُدَ لَمْ يَسْمَعْ ثَوْرٌ مِنْ رَجَاءٍ ، حَكَاهُ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ عَنْهُ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الْأَوْسَطِ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ ، ثَنَا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ ظَاهِرِهِمَا ، قَالَ : وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ رَجَاءٍ ، عَنْ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ ، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ فَقَالَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُوسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ مَعْلُولٌ لَمْ يُسْنِدْهُ عَنْ ثَوْرٍ غَيْرُ الْوَلِيدِ ، قُلْتُ : رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ ثَوْرٍ مِثْلَ الْوَلِيدِ ، وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عِيسَى بْنَ سُمَيْعٍ رَوَاهُ أَبُو ثَوْرٍ كَذَلِكَ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَسَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ ، وَمُحَمَّدًا يَقُولَانِ : لَيْسَ بِصَحِيحٍ ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : لَمْ يَسْمَعْهُ ثَوْرٌ مِنْ رَجَاءٍ ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَسْفَلَ الْخُفِّ ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ : أَخْطَأَ فِيهِ الْوَلِيدُ فِي مَوْضِعَيْنِ فَذَكَرَهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ . قُلْتُ : وَوَقَعَ فِي سُنَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ مَا يُوهِمُ رَفْعَ الْعِلَّةِ ، وَهِيَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ الرَّشِيدِ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ ، ثَنَا رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ فَذَكَرَهُ ، فَهَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّ ثَوْرًا سَمِعَهُ مِنْ رَجَاءٍ فَتَزُولُ الْعِلَّةُ ، وَلَكِنْ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ فِي مُسْنَدِهِ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى الْحَلْوَانِيِّ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ رُشَيْدٍ فَقَالَ عَنْ رَجَاءٍ ، وَلَمْ يَقُلْ حَدَّثَنَا رَجَاءٌ ، فَهَذَا اخْتِلَافٌ عَلَى دَاوُدَ يَمْنَعُ الْقَوْلَ بِصِحَّةِ وَصْلِهِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ بِلَفْظِهِ .
( بَاب مَا جَاءَ فِي تَرْكِ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتْ النَّارُ ) 80 حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، سَمِعَ جَابِرًا قَالَ سُفْيَانُ : وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مَعَهُ فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَذَبَحَتْ لَهُ شَاةً فَأَكَلَ ، وَأَتَتْهُ بِقِنَاعٍ مِنْ رُطَبٍ فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ تَوَضَّأَ لِلظُّهْرِ وَصَلَّى ، ثُمَّ انْصَرَفَ ، فَأَتَتْهُ بِعُلَالَةٍ مِنْ عُلَالَةِ الشَّاةِ فَأَكَلَ ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ، وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، وَلَا يَصِحُّ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ فِي هَذَا مِنْ قِبَلِ إِسْنَادِهِ ، إِنَّمَا رَوَاهُ حُسَامُ بْنُ مِصَكٍّ ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالصَّحِيحُ إِنَّمَا هُوَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، هَكَذَا رَوَاهُ الْحُفَّاظُ ، وَرُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَوَاهُ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَهَذَا أَصَحُّ . وفي الباب :عن أَبِي هُرَيرَةَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي رَافِعٍ ، وَأُمِّ الْحَكَمِ ، وَعَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ ، وَأُمِّ عَامِرٍ ، وَسُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ، قَالَ أَبُو عِيسَى : وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِثْلِ : سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ رَأَوْا تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ ، وَهَذَا آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ نَاسِخٌ لِلْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ؛ حَدِيثِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ باب ترك الوضوء مما غيرت النار قَوْلُهُ : ( وَأَتَتْهُ بِقِنَاعٍ ) بِكَسْرِ الْقَافِ قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : الْقِنَاعُ هُوَ الطَّبَقُ الَّذِي يُؤْكَلُ عَلَيْهِ ، ( فَأَتَتْهُ بِعُلَالَةٍ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَهِيَ الْبَقِيَّةُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، ( فَأَكَلَ ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ) هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ) قَالَ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَشَ مِنْ كَتِفٍ ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ . أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى ، وَالْبَزَّارُ ، وَفِيهِ هِشَامُ بْنُ مِصَكٍّ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى ضَعْفِهِ كَذَا فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ . ( وَلَا يَصِحُّ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ فِي هَذَا مِنْ قِبَلِ إِسْنَادِهِ إِنَّمَا رَوَاهُ حُسَامُ بْنُ مِصَكٍّ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ، بَعْدَهَا كَافٌ مُثَقَّلَةٌ الْأَزْدِيُّ أَبُو سَهْلٍ الْبَصْرِيُّ ضَعِيفٌ ، يَكَادُ أَنْ يُتْرَكَ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي رَافِعٍ وَأُمِّ الْحَكَمِ وَعَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ وَأُمِّ عَامِرٍ وَسُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ) . أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِلَفْظِ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ مِنْ أَثْوَارِ أَقِطٍ ، ثُمَّ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ . قَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ : هُوَ فِي الصَّحِيحِ خَلَا قَوْلَهُ : ثُمَّ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ خَلَا شَيْخَ الْبَزَّارِ . انْتَهَى . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا قَالَ : نَشَلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتِفًا مِنْ قِدْرِ الْعَبَّاسِ فَأَكَلَهَا وَقَامَ يُصَلِّي وَلَمْ يَتَوَضَّأْ . أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى ، قَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ : فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ . انْتَهَى . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو يَعْلَى عَنْهُ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْكُلُ اللَّحْمَ ، ثُمَّ يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَا يَمَسُّ مَاءً . قَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ رِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ : قَالَ أَشْهَدُ لَقَدْ كُنْتُ أَشْوِي لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَطْنَ الشَّاةِ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ . وَلَهُ حَدِيثٌ آخَرُ فِي هَذَا الْبَابِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ الْحَكَمِ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ عَامِرٍ فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ . وَأَمَّا حَدِيثُ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ . وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِلَفْظِ : إِنَّهَا قَالَتْ : قَرَّبْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَنْبًا مَشْوِيًّا فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ . قَوْلُهُ : ( وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَخْ ) ، وَعَلَيْهِ كَانَ عَمَلُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ : وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَحْمًا فَلَمْ يَتَوَضَّئُوا . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ أَكَلُوا مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ وَلَمْ يَتَوَضَّئُوا . وَرُوِّينَاهُ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا عَلَى الثَّلَاثَةِ مُفَرَّقًا وَمَجْمُوعًا . قَوْلُهُ : ( رَأَوْا تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ ) أَيْ اعْتَقَدُوهُ ( وَهَذَا آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَأَنَّ ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُشَبَّهَةِ بِالْفِعْلِ ( هَذَا الْحَدِيثَ نَاسِخٌ لِلْحَدِيثِ الْأَوَّلِ حَدِيثِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ ) قَوْلُهُ : ( حَدِيثِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ ) بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ : ( الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ) . وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يَرَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ نَاسِخٌ لِأَحَادِيثِ الْإِبَاحَةِ ، لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ سَابِقَةٌ . وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ : كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، وصححه ابن خزيمة ، وابن حبان وغيرهما ، لَكِنْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ : إِنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ هُنَا الشَّأْنُ وَالْقِصَّةُ لَا مُقَابِلُ النَّهْيِ ، وَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ الْمَشْهُورِ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي صَنَعَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاةً ، فَأَكَلَ مِنْهَا ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى الظُّهْرَ ، ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا وَصَلَّى الْعَصْرَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ . فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْقِصَّةُ وَقَعَتْ قَبْلَ الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ ، وَأَنَّ وُضُوءَهُ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ كَانَ عَنْ حَدَثٍ لَا بِسَبَبِ الْأَكْلِ مِنَ الشَّاةِ ، وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ ، عَنْ عُثْمَانَ الدَّارِمِيِّ أَنَّهُ قَالَ : لَمَّا اخْتَلَفَتْ أَحَادِيثُ الْبَابِ ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ الرَّاجِحُ مِنْهَا نَظَرْنَا إِلَى مَا عَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَجَّحْنَا بِهِ أَحَدَ الْجَانِبَيْنِ ، وَارْتَضَى النَّوَوِيُّ بِهَذَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ، وَبِهَذَا تَظْهَرُ حِكْمَةُ تَصْدِيرِ الْبُخَارِيِّ حَدِيثَ الْبَابِ ، ( يَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ) ، بِالْأَثَرِ الْمَنْقُولِ عَنِ الْخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : كَانَ الْخِلَافُ فِيهِ مَعْرُوفًا بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، ثُمَّ اسْتَقَرَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا وُضُوءَ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ إِلَّا مَا تَقَدَّمَ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ . وَجَمَعَ الْخَطَّابِيُّ بِوَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ أَحَادِيثَ الْأَمْرِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لَا عَلَى الْوُجُوبِ كَذَا فِي الْفَتْحِ . قُلْتُ : وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى فَقَالَ : هَذِهِ النُّصُوصُ - يَعْنِي الَّتِي فِيهَا تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النارُّ - إِنَّمَا تَنْفِي الْإِيجَابَ لَا الِاسْتِحْبَابَ ، وَلِهَذَا قَالَ الَّذِي سَأَلَهُ : أَنَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ ؟ قَالَ : إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَتَوَضَّأْ . وَلَوْ أَنَّ الْوُضُوءَ مِنْ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ لَمَا أَذِنَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ إِسْرَافٌ وَتَضْيِيعٌ لِلْمَاءِ بِغَيْرِ فَائِدَةٍ . انْتَهَى . وَاخْتَارَ الشَّوْكَانِيُّ أَنَّ حَدِيثَ الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ ، فَقَالَ فِي النَّيْلِ : وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ ؛ ( يَعْنِي الَّذِينَ قَالُوا بِتَرْكِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ ) عَنْ ذَلِكَ ( يَعْنِي عَنْ حَدِيثِ الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ ) بِجَوَابَيْنِ : الْأَوَّلِ : أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ جَابِرٍ . الثَّانِي : أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُضُوءِ غَسْلُ الْفَمِ وَالْكَفَّيْنِ . قَالَ : وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ الْجَوَابَ الْأَوَّلَ إِنَّمَا يَتِمُّ بَعْدَ تَسْلِيمِ أَنَّ فِعْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَارِضُ الْقَوْلَ الْخَاصَّ بِنَا وَيَنْسَخُهُ ، وَالْمُتَقَرَّرُ فِي الْأُصُولِ خِلَافُهُ . وَأَمَّا الْجَوَابُ الثَّانِي فَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْحَقَائِقَ الشَّرْعِيَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى غَيْرِهَا ، وَحَقِيقَةُ الْوُضُوءِ الشَّرْعِيَّةُ هِيَ غَسْلُ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ الَّتِي تُغْسَلُ لِلْوُضُوءِ فَلَا يخَالَفُ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ إِلَّا لِدَلِيلٍ . وَأَمَّا دَعْوَى الْإِجْمَاعِ فَهِيَ مِنَ الدَّعَاوَى الَّتِي لَا يَهَابُهَا طَالِبُ الْحَقِّ ، وَلَا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُرَادِهِ مِنْهُ ، نَعَمْ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي تَرْكِ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ ، وَمَا عَدَا لُحُومِ الْغَنَمِ دَاخِلٌ تَحْتَ ذَلِكَ الْعُمُومِ . انْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ .
بَاب الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ 28 حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، نا خَالِدُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، قَالَ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ ، فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا . وَفِي الْبَاب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ . قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ، وَلَمْ يَذْكُرُوا هَذَا الْحَرْفَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ . وَخَالِدُ ثِقَةٌ حَافِظٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ . وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ يُجْزِئُ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يفرقُهُمَا أَحَبُّ إِلَيْنَا . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنْ جَمَعَهُمَا فِي كَفٍّ وَاحِدٍ فَهُوَ جَائِزٌ ، وَإِنْ فَرَّقَهُمَا فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيْنَا . باب في المضمضة والاستنشاق من كف واحد : قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى ) بن عَبْدِ رَبِّهِ الْحُدَّانِيُّ الْبَلْخِيُّ ، أَبُو زَكَرِيَّا لَقَبُهُ خَتٌّ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ ، ثِقَةٌ ، رَوَى عَنْ : الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، وَوَكِيعٍ وَغَيْرِهِمَا ، وَعَنْهُ : الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالسَّرَّاجُ ، وَقَالَ : ثِقَةٌ مَأْمُونٌ ، مَاتَ سَنَةَ 240 أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَالْخُلَاصَةِ . ( نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ) بن يَزِيدَ التَّمِيمِيُّ ، أَبُو إِسْحَاقَ الْفَرَّاءُ الصَّغِيرُ الرَّازِيُّ الْحَافِظُ ، أَحَدُ بُحُورِ الْحَدِيثِ ، وَكَانَ أَحْمَدُ يُنْكِرُ عَلَى مَنْ يَقُولُ الصَّغِيرَ ، وَيَقُولُ : هُوَ كَبِيرٌ فِي الْعِلْمِ وَالْجَلَالَةِ . رَوَى عَنْ : أَبِي الْأَحْوَصِ ، وَخَالِدٍ الطَّحَّانِ ، وَغَيْرِهِمَا ، وَعَنْهُ : الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَغَيْرُهُمْ . قَالَ أَبُو زُرْعَةَ : كَتَبْتُ عَنْهُ مِائَةَ أَلْفِ حَدِيثٍ ، وَهُوَ أَتْقَنُ وَأَحْفَظُ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ ، مَاتَ بَعْدَ الْعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ . ( نَا خَالِدٌ ) هُوَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ يَزِيدَ الْمُزَنِيُّ مَوْلَاهُمْ ، الْوَاسِطِيُّ الطَّحَّانُ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ ، قَالَ أَحْمَدُ : كَانَ ثِقَةً دَيِّنًا ، بَلَغَنِي أَنَّهُ اِشْتَرَى نَفْسَهُ مِنْ اللَّهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، يَتَصَدَّقُ بِوَزْنِ نَفْسِهِ فِضَّةً . ( عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ) بْنِ عِمَارَةَ بْنِ أَبِي حَسَنٍ الْمَازِنِيِّ الْمَدَنِيِّ ، سِبْطُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ ، وَالنَّسَائِيُّ ( عَنْ أَبِيهِ ) هُوَ يَحْيَى بْنُ عِمَارَةَ ، وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ ، وَهُوَ غَيْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ صَاحِبِ الْأَذَانِ ، كَذَا قَالَهُ الْحُفَّاظُ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ ، وَغَلَّطُوا سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ فِي قَوْلِهِ : هُوَ هُوَ ، وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى غَلَطِهِ فِي ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الِاسْتِسْقَاءِ مِنْ صَحِيحِهِ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ صَاحِبَ الْأَذَانِ لَا يُعْرَفُ لَهُ غَيْرُ حَدِيثِ الْأَذَانِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ : قَوْلُهُ : ( مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ حُجَّةٌ صَرِيحَةٌ لِلْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمُخْتَارِ ، أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ أَنْ يَكُونَ بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ ، يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا . انْتَهَى ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْجَمْعِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ . انْتَهَى . قُلْتُ : حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ هَذَا دَلِيلٌ صَحِيحٌ صَرِيحٌ لِمَنْ قَالَ : إِنَّ الْمُسْتَحَبَّ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ ، بِأَنْ يَتَمَضْمَضَ وَيَسْتَنْشِقَ مِنْ غَرْفَةٍ ، ثُمَّ يَتَمَضْمَضَ وَيَسْتَنْشِقَ مِنْ غَرْفَةٍ ، ثُمَّ يَتَمَضْمَضَ وَيَسْتَنْشِقَ مِنْ غَرْفَةٍ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ ، وَقَالَ الْحَافِظُ اِبْنُ الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ : وَكَانَ هَدْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَصْلَ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ ، فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا ، وَفِي لَفْظٍ : تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ . فَهَذَا أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ ، وَلَمْ يَجِئْ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ ، فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ اَلْبَتَّةَ . انْتَهَى . فَإِنْ قُلْتَ : قَالَ الْقَارِّيُّ فِي الْمِرْقَاةِ : قَوْلُهُ : مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ فِيهِ حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ ، كَذَا قَالَهُ اِبْنُ الْمَلَكِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّتِنَا ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَهُ : مِنْ كَفٍّ تَنَازَعَ فِيهِ الْفِعْلَانِ ، وَالْمَعْنَى : مَضْمَضَ مِنْ كَفٍّ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ ، وَقَيَّدَ الْوَحِدَةَ اِحْتِرَازًا عَنْ التَّثْنِيَةِ . انْتَهَى . وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ ص 690 ج 1 : وَالْجَوَابُ عَمَّا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ فَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ بِكَفٍّ وَاحِدٍ أَنَّهُ مُحْتَمَلٌ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ بِكَفٍّ وَاحِدٍ بِمَاءٍ وَاحِدٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِكَفٍّ وَاحِدٍ بِمِيَاهٍ ، وَالْمُحْتَمَلُ لَا يَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ ، أو يُرَدُّ هَذَا الْمُحْتَمَلُ إِلَى الْمحُكْمِ الَّذِي ذَكَرْنَا تَوْفِيقًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ ، وَقَدْ يُقَالُ : إِنَّ الْمُرَادَ اِسْتِعْمَالُ الْكَفِّ الْوَاحِدِ بِدُونِ الِاسْتِعَانَةِ بِالْكَفَّيْنِ . انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ . قُلْتُ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا هُوَ ظَاهِرٌ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ اِبْنُ الْمَلَكِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ رحمه الله : فِيهِ حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ ، وَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ أُخْرَى صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ فِي الْجَمْعِ لَا اِحْتِمَالَ فِيهَا غَيْرُهُ . فَمِنْهَا : حَدِيثُ اِبْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَجَمَعَ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ ، رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ . وَمِنْهَا : حَدِيثُ اِبْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا ، قَالَ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَغَرَفَ غَرْفَةً ، فَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثُمَّ غَرَفَ غرفة فَغَسَلَ وَجْهَهُ ، ثُمَّ غَرَفَ غَرْفَةً فَغَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ . وَمِنْهَا : حَدِيثُ اِبْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه أَيْضًا أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَتَمَضْمَضَ بِهَا وَاسْتَنْشَقَ ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا : أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الْأُخْرَى فَغَسَلَ بِهَا وَجْهَهُ الْحَدِيثَ ، وَفِي آخِرِهِ ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ غَسْلِ الْوَجْهِ بِالْيَدَيْنِ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ . وَمِنْهَا : حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ ، قَالَ : رَأَيْتُ عَلِيًّا أَتَى بِكُرْسِيٍّ فَقَعَدَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَتَى بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ يَدَهُ ثَلَاثًا ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ مَعَ الِاسْتِنْشَاقِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ ، وَسَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالْمُنْذِرِيُّ ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِ : ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ بِكَفٍّ وَاحِدٍ ، وَفِي آخِرِهِ مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى طُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَهَذَا طُهُورُهُ وَلِأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ : ثُمَّ تَمَضْمَضَ ثَلَاثًا مَعَ الِاسْتِنْشَاقِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ ، كَمَا فِي التَّلْخِيصِ الْحَبِيرِ لِلْحَافِظِ اِبْنِ حَجَرٍ . فَظَهَرَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْقَارِّيُّ ، وَالْعَيْنِيُّ مِنْ التَّأْوِيلِ لَا يَلِيقُ أَنْ يُلْتَفَتَ إِلَيْهِ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَرْضَ بِهِ الْعَيْنِيُّ نَفْسُهُ حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ بَعْدَمَا ذَكَرَ مِنْ التَّأْوِيلِ : وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ كُلَّ مَا رُوِيَ مِنْ ذَلِكَ فِي هَذَا الْبَابِ ، هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَوَازِ . انْتَهَى . وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ فِي شَرْحِهِ لِشَرْحِ الْوِقَايَةِ : وَذَكَرَ السِّغْنَاقِيُّ فِي النِّهَايَةِ بَعْدَ مَا ذَكَرَ مُسْتَنَدَ الشَّافِعِيِّ : أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ كَانَ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ بِكَفٍّ وَاحِدٍ لَهُ عِنْدَنَا تَأْوِيلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَمْ يَسْتَعِنْ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ بِالْيَدَيْنِ كَمَا فِي غَسْلِ الْوَجْهِ ، وَالثَّانِي : أَنَّهُ فَعَلَهُمَا بِالْيَدِ الْيُمْنَى ، وَرَدَّهُ الْعَيْنِيُّ بِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمُصَرِّحَةَ بِأَنَّهُ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ بِمَاءٍ وَاحِدٍ لَا يُمْكِنُ تَأْوِيلُهَا بِمَا ذَكَرَهُ ، انْتَهَى كَلَامُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ . وَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَمَذْهَبَ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ الْمَشْهُورَ هُوَ الْوَصْلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ ، وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ ، وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ، وَمَذْهَبُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَتَمَضْمَضَ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ ، ثُمَّ يَسْتَنْشِقَ كَذَلِكَ وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ الْعَيْنِيُّ رحمه الله فِي عُمْدَةِ الْقَارِي : ص 690 ج 1 وَأَمَّا وَجْهُ الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا فَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو الْيَامِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ فَمَضْمَضَ ثَلَاثًا وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا فَأَخَذَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مَاءً جَدِيدًا وَكَذَا رَوَى عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ وَسَكَتَ عَنْهُ ، وَهُوَ دَلِيلُ رِضَاهُ بِالصِّحَّةِ ، انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ . قُلْتُ : حَدِيثُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ ضَعِيفٌ لَا تَقُومُ بِمِثْلِهِ حُجَّةٌ; لِأَنَّ فِي سَنَدَيْهِمَا لَيْثَ بْنَ أَبِي سُلَيْمٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، اِخْتَلَطَ أَخِيرًا لَمْ يُتمَيَّزْ حَدِيثُهُ فَتُرِكَ ، وَأَيْضًا فِي سَنَدَيْهِمَا ، مُصَرِّفُ بْنُ عَمْرٍو وَهُوَ مَجْهُولٌ ، قَالَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ فِي التَّلْخِيصِ ص 28 : أَمَّا حَدِيثُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي حَدِيثٍ فِيهِ : وَرَأَيْته يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ ، وَفِيهِ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَقَالَ اِبْنُ حِبَّانَ : كَانَ يَقْلِبُ الْأَسَانِيدَ وَيَرْفَعُ الْمَرَاسِيلَ وَيَأْتِي عَنْ الثِّقَاتِ بِمَا لَيْسَ مِنْ حَدِيثِهِمْ ، تَرَكَهُ يَحْيَى بْنُ الْقَطَّانِ ، وَابْنُ مَهْدِيٍّ ، وَابْنُ مَعِينٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ : اِتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى ضَعْفِهِ . انْتَهَى . وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ : صَدُوقٌ اِخْتَلَطَ أَخِيرًا وَلَمْ يَتَمَيَّزْ حَدِيثُهُ فَتُرِكَ . انْتَهَى . وَقَالَ : فِيهِ مُصَرِّفُ بْنُ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو الْيَامِيُّ الْكُوفِيُّ رَوَى عَنْهُ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ، مَجْهُولٌ . انْتَهَى . وَالْعَلَّامَةُ الْعَيْنِيُّ ذَكَرَ حَدِيثَ الطَّبَرَانِيِّ وَلَمْ يَذْكُرْ سَنَدَهُ بِتَمَامِهِ وَسَنَدُهُ هَكَذَا : قَالَ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ ، ثَنَا أَبُو سَلَمَةَ الْكِنْدِيُّ ، ثَنَا لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَمٍ ، حَدَّثَنِي طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو الْيَامِيِّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ إِلَخْ ، هَكَذَا فِي تَخْرِيجِ الْهِدَايَةِ لِلزَّيْلَعِيِّ . وَاحْتَجَّ الْحَنَفِيَّةُ أَيْضًا عَلَى الْفَصْلِ بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا لَفْظُ مَضْمَضَ ثَلَاثًا وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا . وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَيْسَ صَرِيحًا فِي مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ الْفَصْلِ ، بَلْ هُوَ مُحْتَمَلٌ فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ مَضْمَضَ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ أُخْرَى ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ بِغَرْفَةٍ ، ثُمَّ فَعَلَ هَكَذَا ، ثُمَّ فَعَلَ هَكَذَا ، فَلِلْقَائِلِينَ بِالْوَصْلِ أَنْ يُجِيبُوا عَنْ هَذَا بِمِثْلِ مَا أَجَابَ الْحَنَفِيَّةُ عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْمَذْكُورِ بِأَنْ يَقُولُوا هَذَا مُحْتَمَلٌ ، وَالْمُحْتَمَلُ لَا يَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ ، أَوْ يُرَدُّ هَذَا الْمُحْتَمَلُ إِلَى الْأَحَادِيثِ الْمُحَكِّمَةِ الصَّرِيحَةِ فِي الْوَصْلِ الْمَذْكُورَةِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ اِبْنُ السَّكَنِ فِي صِحَاحِهِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ ، قَالَ : شَهِدْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَوَضَّآ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، وَأَفْرَدَا الْمَضْمَضَةَ مِنْ الِاسْتِنْشَاقِ ، ثُمَّ قَالَا : هَكَذَا رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ ، ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ . قُلْتُ : ذَكَرَ الْحَافِظُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي التَّلْخِيصِ ، لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ سَنَدَهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهُ صَحِيحٌ أَوْ حَسَنٌ ، فَلَا يُعْلَمُ حَالُ إِسْنَادِهِ ، فَمَتَى لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ حَسَنٌ أَوْ صَحِيحٌ لَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ ، وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَابِلٌ لِلِاحْتِجَاجِ وَأَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا مَضْمَضَ ثَلَاثًا وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا تَدُلُّ صَرَاحَةً عَلَى الْفَصْلِ ، فَيُقَالُ : إِنَّ الْفَصْلَ وَالْوَصْلَ كِلَاهُمَا ثَابِتَانِ جَائِزَانِ ، كَمَا قَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِيُّ : الْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ كُلَّ مَا رُوِيَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَوَازِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ هَذَا ، وَقَالَ الْعَلَّامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَمِيرُ فِي سُبُلِ السَّلَامِ : وَمَعَ وُرُودِ الرِّوَايَتَيْنِ الْجَمْعِ وَعَدَمِهِ فَالْأَقْرَبُ التَّخْيِيرُ ، وَأَنَّ الْكُلَّ سُنَّةٌ وَإِنْ كَانَ رِوَايَةُ الْجَمْعِ أَكْثَرَ وَأَصَحَّ . انْتَهَى . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَةِ الْأَحْوَذِيِّ : الْجَمْعُ أَقْوَى فِي النَّظَرِ ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ الظَّاهِرُ مِنْ الْأَثَرِ ، وَقَدْ أَخْبَرَنَا شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ أَحْمَدَ الْقَيْسِيُّ ، قَالَ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ ، فَقُلْتُ لَهُ : أَجْمَعُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَائِدَةٌ : اِعْلَمْ أَنَّ اِخْتِلَافَ الْأَئِمَّةِ فِي الْوَصْلِ وَالْفَصْلِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ لَا فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْخَطِيبُ الشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ أَبِي زَيْدٍ الْمَالِكِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ : أنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا وَصْلُ الْمَضْمَضَةِ بِالِاسْتِنْشَاقِ . قَوْلُهُ : ( وفي الباب عن عبد الله بن عباس ) تقدم تخريجه . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ هَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا ، فَالظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ ( وَلَمْ يَذْكُرُوا هَذَا الْحَرْفَ ) أَيْ هَذَا اللَّفْظَ ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ ) بَيَانٌ لِقَوْلِهِ هَذَا الْحَرْفَ ( وَخَالِدٌ ثِقَةٌ حَافِظٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ) يَعْنِي وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ الْحَافِظِ مَقْبُولَةٌ . قَوْلُهُ : ( قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَخْ ) ذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ هُنَا ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ ، لَكِنْ لَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَتَفَكَّرْ . ( وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنْ جَمَعَهُمَا فِي كَفٍّ فَهُوَ جَائِزٌ وَإِنْ فَرَّقَهُمَا فَهُوَ أَحَبُّ ) جَاءَ عَنْ الشَّافِعِيِّ رحمه الله فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله ، وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ التِّرْمِذِيُّ هَاهُنَا ، وَالثَّانِي أَنْ يَتَمَضْمَضَ بِغَرْفَةٍ وَيَسْتَنْشِقَ بِهَا ، ثُمَّ هَكَذَا ثُمَّ هَكَذَا ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ ، قَالَ الْعَيْنِيُّ رحمه الله فِي عُمْدَةِ الْقَارِي ص 690 ج 1 : رَوَى الْبُوَيْطِيُّ ، عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنْ يَأْخُذَ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ لِلْمَضْمَضَةِ وَثَلَاثَ غَرَفَاتٍ لِلِاسْتِنْشَاقِ ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ عَنْهُ فِي الْأُمِّ : يَغْرِفُ غَرْفَةً يَتَمَضْمَضُ بِهَا وَيَسْتَنْشِقُ ، ثُمَّ يَغْرِفُ غَرْفَةً يَتَمَضْمَضُ بِهَا وَيَسْتَنْشِقُ ، ثُمَّ يَغْرِفُ ثَالِثَةً يَتَمَضْمَضُ بِهَا وَيَسْتَنْشِقُ ، فَيَجْمَعُ فِي كُلِّ غَرْفَةٍ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ . وَاخْتَلَفَ نَصُّهُ فِي الْكَيْفِيَّتَيْنِ ، فَنَصَّ فِي الْأُمِّ وَهُوَ نَصُّ مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ : أَنَّ الْجَمْعَ أَفْضَلُ ، وَنَصَّ الْبُوَيْطِيُّ أَنَّ الْفَصْلَ أَفْضَلُ ، وَنَقَلَهُ التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ : الْقَوْلُ بِالْجَمْعِ أَكْثَرُ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ أَكْثَرُ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ . انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ .
( بَاب الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ ) 81 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ ؟ فَقَالَ : تَوَضَّئُوا مِنْهَا ، وَسُئِلَ عَنْ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ ؟ فَقَالَ : لَا تَتَوَضَّئُوا مِنْهَا ، وَفِي الْبَاب عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، وَأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ قَالَ أَبُو عِيسَى : وَقَدْ رَوَى الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ ، وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَرَوَى عُبَيْدَةُ الضَّبِّيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ ذِي الْغُرَّةِ ، وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ فَأَخْطَأَ فِيهِ ، وَقَالَ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ ، وَالصَّحِيحُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، قَالَ إِسْحَاقُ : أصَحُّ ما فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثَانِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حَدِيثُ الْبَرَاءِ ، وَحَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ باب الوضوء من لحوم الإبل قَوْلُهُ : ( نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ خازِمٍ الضَّرِيرُ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ ، ثِقَةٌ ، ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) الْهَاشِمِيِّ مَوْلَاهُمْ الرَّازِيُّ الْكُوفِيُّ الْقَاضِي ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَعَنْهُ الْأَعْمَشُ ، وَحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ ، وَثَّقَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ . ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ) الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ ، ثُمَّ الْكُوفِيِّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّانِيَةِ ، اخْتُلِفَ فِي سَمَاعِهِ عَنْ عُمَرَ ، قَالَهُ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ الْخَزْرَجِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ : رَوَى عَنْ عُمَرَ ، وَمُعَاذٍ ، وَبِلَالٍ ، وَأَبِي ذَرٍّ ، وَأَدْرَكَ مِائَةً وَعِشْرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ الْأَنْصَارِيِّينَ ، وَعَنْهُ ابْنُهُ عِيسَى ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ أَكْبَرُ مِنْهُ ، وَالْمِنْهَالُ بْنُ عَمْرٍو وَخَلْقٌ ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، مَاتَ سَنَةَ 83 ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ تَوَضَّئُوا مِنْهَا ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَكْلَ لُحُومِ الْإِبِلِ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَكْلِ لُحُومِ الْجَزُورِ ، فَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ الرَّاشِدُونَ : أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ ، وَأَبُو طَلْحَةَ ، وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ ، وَأَبُو أُمَامَةَ ، وَجَمَاهِيرُ التَّابِعِينَ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمْ . وَذَهَبَ إِلَى انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَاخْتَارَهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ ، الْبَيْهَقِيُّ ، وَحُكِيَ عَنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ مُطْلَقًا ، وَحُكِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم . وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ الباب : أي بحديث جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ : صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا حَدِيثَانِ : حَدِيثُ جَابِرٍ ، وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ أَقْوَى دَلِيلًا وَإِنْ كَانَ الْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ . وَقَدْ أَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِحَدِيثِ جَابِرٍ : كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ ، وَلَكِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ عَامٌّ ، وَحَدِيثَ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ خَاصٌّ ، وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ . انْتَهَى . قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : حَكَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ : إِنْ صَحَّ الْحَدِيثُ فِي لُحُومِ الْإِبِلِ قُلْتُ بِهِ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : قَدْ صَحَّ فِيهِ حَدِيثَانِ : حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ ، قَالَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ . انْتَهَى . وَقَالَ الدَّمِيرِيُّ : وإنَّهُ الْمُخْتَارُ الْمَنْصُورُ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ . انْتَهَى . وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْمُوَطَّأِ لِلْإِمَامِ مُحَمَّدٍ : وَلِاخْتِلَافِ الْأَخْبَارِ فِي هَذَا الْبَابِ - أَيْ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ نَاقِضًا ؛ بَلْ جَعَلَهُ الزُّهْرِيُّ نَاسِخًا لِعَدَمِ النَّقْضِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ نَاقِضًا وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : مَنْ أَكَلَ لَحْمَ الْإِبِلِ خَاصَّةً وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ فِي غَيْرِهِ أَخْذًا مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ وَغَيْرِهِ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَهُوَ مَذْهَبٌ قَوِيٌّ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ قَدْ رَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ . انْتَهَى . وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ : " تَوَضَّئُوا مِنْهَا " غَسْلُ الْيَدَيْنِ وَالْفَمِ لِمَا فِي لَحْمِ الْإِبِلِ مِنْ رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ ، وَدُسُومَةٍ غَلِيظَةٍ بِخِلَافِ لَحْمِ الْغَنَمِ فَهُوَ بَعِيدٌ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْهُ هُوَ الْوُضُوءُ الشَّرْعِيُّ لَا اللُّغَوِيُّ ، وَحَمْلُ الْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى مَعَانِيهَا الشَّرْعِيَّةِ وَاجِبٌ . وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّ حَدِيثَ الْبَرَاءِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مَنْسُوخٌ فَهُوَ أَيْضًا بَعِيدٌ ؛ فَإِنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ الْمُوَفَّقُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي فِي هَذَا الْبَحْثِ كَلَامًا حَسَنًا مُفِيدًا قَالَ : إِنَّ أَكْلَ لَحْمِ الْإِبِلِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ عَلَى كُلِّ حَالٍ نِيِّئًا وَمَطْبُوخًا عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلًا . وَبِهَذَا قَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : ذَهَبَ إِلَى هَذَا عَامَّةُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : الْوُضُوءُ مِمَّا يَخْرُجُ لَا مِمَّا يَدْخُلُ ، وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَلَنَا مَا رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لُحُومِ الْإِبِلِ ؟ فَقَالَ : تَوَضَّئُوا مِنْهَا ، وَسُئِلَ عَنْ لُحُومِ الْغَنَمِ ؟ فَقَالَ : لَا يُتَوَضَّأُ مِنْهَا . رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَرَوَى جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ ، وَلَا تَتَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ ذَلِكَ . قَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِيهِ حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حَدِيثُ الْبَرَاءِ ، وَحَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، وَحَدِيثُهُمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا أَصْلَ لَهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ ، وَلَوْ صَحَّ لَوَجَبَ تَقْدِيمُ حَدِيثِنَا عَلَيْهِ ؛ لِكَوْنِهِ أَصَحَّ مِنْهُ وَأَخَصَّ ، وَالْخَاصُّ يُقَدَّمُ عَلَى الْعَامِّ ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ لَا يُعَارِضُ حَدِيثَنَا أَيْضًا لِصِحَّتِهِ وَخُصُوصِهِ . فَإِنْ قِيلَ : فَحَدِيثُ جَابِرٍ مُتَأَخِّرٌ فَيَكُونُ نَاسِخًا . قُلْنَا لَا يَصِحُّ النَّسْخُ بِهِ لِوُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ : أَحَدِهَا : أَنَّ الْأَمْرَ بِالْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ نَسْخِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ أَوْ مُقَارِنٌ لَهُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَرَنَ الْأَمْرَ بِالْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ بِالنَّهْيِ عَنِ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ وَهِيَ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ . فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ النَّسْخُ حَصَلَ بِهَذَا النَّهْيِ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِشَيْءٍ قَبْلَهُ ، فَإِنْ كَانَ بِهِ فَالْأَمْرُ بِالْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ مُقَارِنٌ لِنَسْخِ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا بِهِ . وَمِنْ شَرْطِ النَّاسِخِ تَأَخُّرُهُ ، وَإِنْ كَانَ النَّسْخُ قَبْلَهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُنْسَخَ بِمَا قَبْلَهُ . الثَّانِي : أَنَّ أَكْلَ لُحُومِ الْإِبِلِ إِنَّمَا نَقَضَ لِكَوْنِهِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ لَا لِكَوْنِهِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ . وَلِهَذَا يَنْقُضُ وَإِنْ كَانَ نِيِّئًا فَنَسْخُ إِحْدَى الْجِهَتَيْنِ لَا يَثْبُتُ بِهِ نَسْخُ الْجِهَةِ الْأُخْرَى ، كَمَا لَوْ حُرِّمَتِ الْمَرْأَةُ لِلرَّضَاعِ ، وَلِكَوْنِهَا رَبِيبَةً فَنُسِخَ التَّحْرِيمُ بِالرَّضَاعِ ، وَلَمْ يَكُنْ نَسْخًا لِتَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ . الثَّالِثِ : أَنَّ خَبَرَهُمْ عَامٌّ ، وَخَبَرَنَا خَاصٌّ ، وَالْعَامُّ لَا يُنْسَخُ بِهِ الْخَاصُّ ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ النَّسْخِ تَعَذُّرَ الْجَمْعِ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ مُمْكِنٌ بِتَنْزِيلِ الْعَامِّ عَلَى مَا عَدَا مَحَلِّ التَّخْصِيصِ . الرَّابِعِ : أَنَّ خَبَرَنَا صَحِيحٌ مُسْتَفِيضٌ ثَبَتَتْ لَهُ قُوَّةُ الصِّحَّةِ وَالِاسْتِفَاضَةِ وَالْخُصُوصِ وَخَبَرُهُمْ ضَعِيفٌ ؛ لِعَدَمِ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ فِيهِ فلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لَهُ . فَإِنْ قِيلَ : الْأَمْرُ بِالْوُضُوءِ فِي خَبَرِكُمْ يَحْتَمِلُ الِاسْتِحْبَابَ فَنَحْمِلُهُ عَلَيْهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْوُضُوءِ غَسْلَ الْيَدَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ إِذَا أُضِيفَ إِلَى الطَّعَامِ اقْتَضَى غَسْلَ الْيَدِ كَمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَأْمُرُ بِالْوُضُوءِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ ، وَخَصَّ ذَلِكَ بِلَحْمِ الْإِبِلِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ مِنَ الْحَرَارَةِ وَالزُّهُومَةِ مَا لَيْسَ فِي غَيْرِهِ . قُلْنَا : أَمَّا الْأَوَّلُ فَمُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدِهَا : أَنَّ مُقْتَضَى الْأَمْرِ الْوُجُوبُ . الثَّانِي : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ حُكْمِ هَذَا اللَّحْمِ ؟ فَأَجَابَ بِالْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ مِنْهُ ، فَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ الْوُجُوبِ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ تَلْبِيسًا عَلَى السَّائِلِ لَا جَوَابًا . الثَّالِثِ : أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَرَنَهُ بِالنَّهْيِ عَنِ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ وَالْمُرَادُ بِالنَّهْيِ هَاهُنَا نَفْيُ الْإِيجَابِ لَا التَّحْرِيمُ ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى الْإِيجَابِ لِيَحْصُلَ الْفَرْقُ . وَأَمَّا الثَّانِي فَلَا يَصِحُّ لِوُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ : أَحَدِهَا : أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ حَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ؛ فَإِنَّ غَسْلَ الْيَدِ بِمُفْرَدِهِ غَيْرُ وَاجِبٍ وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَهُ . الثَّانِي : أَنَّ الْوُضُوءَ إِذَا جَاءَ فِي لِسَانِ الشَّارِعِ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الموضوع الشَّرْعِيِّ دُونَ اللُّغَوِيِّ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْهُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَتَكَلَّمُ بِمَوْضُوعَاتِهِ . الثَّالِثِ : أَنَّهُ خَرجَ جَوَابًا لِسُؤَالِ السَّائِلِ عَنْ حُكْمِ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِهَا وَالصَّلَاةِ فِي مَبَارِكِهَا فَلَا يُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ سِوَى الْوُضُوءِ الْمُرَادِ لِلصَّلَاةِ . الرَّابِعِ : أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ غَسْلَ الْيَدِ لَمَا فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ لَحْمِ الْغَنَمِ ؛ فَإِنَّ غَسْلَ الْيَدِ مِنْهَا مُسْتَحَبٌّ وَلِهَذَا قَالَ : مَنْ بَاتَ وَفِي يَدِهِ رِيحُ غِمْرٍ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ . وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ زِيَادَةِ الزُّهُومَةِ فَأَمْرٌ يَسِيرٌ لَا يَقْتَضِي التَّفْرِيقَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ نَصْرِفُ بِهِ اللَّفْظَ عَنْ ظَاهِرِهِ ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ لَهُ مِنَ الْقُوَّةِ بِقَدْرِ قُوَّةِ الظَّوَاهِرِ الْمَتْرُوكَةِ وَأَقْوَى مِنْهَا وَلَيْسَ لَهُمْ دَلِيلٌ . انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ قُدَامَةَ . تَنْبِيهٌ : قَالَ صَاحِبُ بَذْلِ الْمَجْهُودِ : أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَيَرْفَعَانِهِ : تَوَضَّئُوا مِنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْأُمَّةِ عَلَى شُرْبِهَا بِأَنْ يُسْتَحَبَّ لَهُ أَنْ يُمَضْمِضَ وَيُزِيلَ الدُّسُومَةَ عَنْ فَمِهِ ، كَذَلِكَ يُسْتَحَبُّ لَهُ إِذَا أَكَلَ لَحْمَ الْجَزُورِ أَنْ يَغْسِلَ يَدَهُ وَفَمَهُ وَيَنْفِيَ الدُّسُومَةَ وَالزُّهُومَةَ . انْتَهَى كَلَامُهُ . قُلْتُ : قَوْلُهُ هَذَا مَحْمُولٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْأُمَّةِ عَلَى شُرْبِهَا بِأَنْ يُسْتَحَبَّ لَهُ إِلَخْ مَبْنِيٌّ عَلَى غَفْلَتِهِ عَنْ مَذَاهِبِ الْأُمَّةِ . قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ : وَفِي شُرْبِ لَبَنِ الْإِبِلِ رِوَايَتَانِ : إِحْدَاهُمَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ لِمَا رَوَى أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ . الثَّانِيَةُ : لَا وُضُوءَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي اللَّحْمِ ، وَقَوْلُهُمْ فِيهِ حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا صَحِيحَ فِيهِ سِوَاهُمَا وَالْحُكْمُ هَاهُنَا غَيْرُ مَعْقُولٍ فَيَجِبُ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ . انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ قُدَامَةَ . عَلَى أَنَّ اسْتِحْبَابَ الْمَضْمَضَةِ مِنْ شُرْبِ لَبَنِ الْإِبِلِ لَيْسَ لِحَدِيثِ أُسَيْدٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ؛ بَلْ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرِبَ لَبَنًا فَمَضْمَضَ وَقَالَ : إِنَّ لَهُ دَسَمًا . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : فِيهِ بَيَانٌ الِعِلَّةِ للْمَضْمَضَةِ مِنَ اللَّبَنِ ؛ فَيَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ دَسَمٍ ، وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ اسْتِحْبَابُ غَسْلِ الْيَدَيْنِ لِلتَّنْظِيفِ . انْتَهَى . وَأَمَّا حَدِيثُ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَضَعِيفَانِ لَا يَصْلُحَانِ لِلِاحْتِجَاجِ ، قَالَ صَاحِبُ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ الْمُسَمَّى بِالشَّافِي شَرْحِ الْمُقْنِعِ : حَدِيثُ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ فِي طَرِيقِهِ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ : لَا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، وَقَدْ قِيلَ : عَطَاءٌ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ ، قَالَ أَحْمَدُ : مَنْ سَمِعَ مِنْهُ قَدِيمًا فَهُوَ صَحِيحٌ ، وَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ حَدِيثًا لَمْ يَكُنْ بِشَيْءٍ . انْتَهَى . قُلْتُ : رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عُمَرَ الْفَزَارِيُّ ، وَهُوَ مِمَّنْ رَوَوْا عَنْهُ بَعْدَ اخْتِلَاطِهِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي مُقَدِّمَةِ الْفَتْحِ : يَحْصُلُ لِي مِنْ مَجْمُوعِ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ رِوَايَةَ شُعْبَةَ ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَزُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، وَزَائِدَةَ ، وَأَيُّوبَ ، وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْهُ قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ ، وَأَنَّ جَمِيعَ مَنْ رَوَى عَنْهُ غَيْرُ هَؤُلَاءِ فَحَدِيثُهُ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ اخْتِلَاطِهِ إِلَّا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فَاخْتَلَفَ قَوْلُهُمْ فِيهِ . انْتَهَى . قُلْتُ : وَأَيْضًا فِي سَنَدِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ؛ بَقِيَّةُ الْمُدَلِّسُ وَهُوَ رَوَاهُ عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بِالْعَنْعَنَةِ ، فَقَوْلُ صَاحِبِ بَذْلِ الْمَجْهُودِ كَذَلِكَ يُسْتَحَبُّ لَهُ إِذَا أَكَلَ لَحْمَ الْجَزُورِ أَنْ يَغْسِلَ يَدَهُ وَفَمَهُ إِلَخْ لَيْسَ مِمَّا يُصْغَى إِلَيْهِ . تَنْبِيهٌ آخَرُ : قَالَ صَاحِبُ بَذْلِ الْمَجْهُودِ : وَلَمَّا كَانَ لُحُومُ الْإِبِلِ دَاخِلَةً فِيمَا مَسَّتِ النَّارُ ، وَكَانَ فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِهِ وَنَسَخَ وُجُوبَ الْوُضُوءِ عَنْهُ بِجَمِيعِ أَفْرَادِهَا ؛ يَعْنِي بِحَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ . اسْتَلْزَمَ نَسْخَ الْوُجُوبِ عَنْ هَذَا الْفَرْدِ أَيْضًا . انْتَهَى . قُلْتُ : مَنْ قَالَ بِانْتِقَاضِ الْوُضُوءِ مِنْ أَكْلِ لُحُومِ الْإِبِلِ ، قَالَ الْمُوجِبُ لِلْوُضُوءِ : إِنَّمَا هُوَ أَكْلُ لُحُومِ الْإِبِلِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا لُحُومَ الْإِبِلِ لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ ، وَلِذَلِكَ يَقُولُونَ بِوُجُوبِ الْوُضُوءِ مِنْ أَكْلِ لَحْمِ الْإِبِلِ مُطْلَقًا مَطْبُوخًا كان أَوْ نِيِّئًا أَوْ قَدِيدًا ، فَنَسْخُ وُجُوبِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ بِحَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ لَا يَسْتَلْزِمُ نَسْخَ وُجُوبِ الْوُضُوءِ مِنْ أَكْلِ لُحُومِ الْإِبِلِ ؛ فَإِنَّ لُحُومَ الْإِبِلِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا لُحُومَ الْإِبِلِ لَيْسَتْ فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ أَلْبَتَةَ ، وَقَدْ أَوْضَحَهُ ابْنُ قُدَامَةَ كَمَا عَرَفْتَ . وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَيِّمِ : وَأَمَّا مَنْ يَجْعَلُ لُحُومَ الْإِبِلِ هُوَ الْمُوجِبُ لِلْوُضُوءِ سَوَاءٌ مَسَّتْهُ النَّارُ أَوْ لَمْ تَمَسَّهُ فَيُوجِبُ الْوُضُوءَ مِنْ نِيِّئِهِ وَمَطْبُوخِهِ وَقَدِيدِهِ فَكَيْفَ يُحْتَجُّ عَلَيْهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ . انْتَهَى . فَقَوْلُ صَاحِبِ بَذْلِ الْمَجْهُودِ : وَلَمَّا كَانَ لُحُومُ الْإِبِلِ دَاخِلَةً فِيمَا مَسَّتِ النَّارُ ، وَكَانَ فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِهِ إِلَخْ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ تَدَبُّرِهِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، وَأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ ) ، أَمَّا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْهُ بِلَفْظِ : أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ ؟ قَالَ : إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَتَوَضَّأْ ، قَالَ : أَنَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ ؟ قَالَ : نَعَمْ فَتَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ ، الْحَدِيثَ . وَأَمَّا حَدِيثُ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ : لَا تتَوَضَّئُوا مِنْ أَلْبَانِ الْغَنَمِ وَتَوَضَّئُوا مِنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ . وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ ذِي الْغُرَّةِ ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِ أَبِيهِ ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رَوَى الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ ) ، فَخَالَفَ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ ، الْأَعْمَشَ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ . وَقَالَ الْحَجَّاجُ : عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ ، وَحَدِيثُ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، ( وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ) فَإِنَّ الْأَعْمَشَ الرَّاوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَوْثَقُ وَأَحْفَظُ مِنَ الْحَجَّاجِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ : لَمْ أَرَ خِلَافًا بَيْنَ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ : أَيْ حَدِيثَ الْبَرَاءِ صَحِيحٌ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ لِعَدَالَةِ نَاقِلِيهِ ، وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ الْخِلَافَ فِيهِ عَلَى ابْنِ أَبِي لَيْلَى : هَلْ هُوَ عَنِ الْبَرَاءِ ، أَوْ عَنْ ذِي الْغُرَّةِ ، أَوْ عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ ، وَصَحَّحَ أَنَّهُ عَنِ الْبَرَاءِ . وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ عَنْ أَبِيهِ . انْتَهَى . ( وَرَوَى عُبَيْدَةُ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ابْنُ الْمُعَتِّبِ بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ الثَّقِيلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ( الضَّبِّيُّ ) أَبُو عَبْدِ الرَّحِيمِ الْكُوفِيُّ الضَّرِيرُ ضَعِيفٌ ، وَاخْتَلَطَ بِأَخَرَةٍ ، مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فِي الْأَضَاحِيِّ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : مَعَ ضَعْفِهِ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ ، عَلَّقَ لَهُ الْبُخَارِيُّ فَرْدَ حَدِيثٍ : ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ ذِي الْغُرَّةِ ) أَخْرَجَ حَدِيثَ عُبَيْدَةَ هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِ أَبِيهِ ، وَمَدَارُهُ عَلَى عُبَيْدَةَ الضَّبِّيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا عَرَفْتَ . ( وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ فَأَخْطَأَ فِيهِ ) وَخَطَؤُهُ فِي مَقَامَيْنِ . ( وَقَالَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أَبِيهِ ) هَذَا هُوَ خَطَؤُهُ الْأَوَّلُ ، وَالصَّحِيحُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ( عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ ) هَذَا هُوَ خَطَؤُهُ الثَّانِي ، وَالصَّحِيحُ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ . ( قَالَ إِسْحَاقُ : أَصَحُّ مَا فِي هَذَا الْبَابِ ) : أَيْ فِي بَابِ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ ( حَدِيثَانِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثُ الْبَرَاءِ ) : أَيْ الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَابْنُ الْجَارُودِ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ( وَجَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَتَقَدَّمَ لَفْظُهُ .
باب ما جاء في البول يصيب الأرض 147 حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ قَالَا : نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ الْمَسْجِدَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فَصَلَّى فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ : اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ بَالَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَأَسْرَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَهْرِيقُوا عَلَيْهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ أَوْ دَلْوًا مِنْ مَاءٍ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ ، قَالَ سَعِيدٌ : قَالَ سُفْيَانُ : وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ نَحْوَ هَذَا ، وَفِي الْبَاب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَوَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَقَدْ رَوَى يُونُسُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . باب ما جاء في البول يصيب الأرض قَوْلُهُ : ( دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مَنْسُوبٌ إِلَى الْأَعْرَابِ وَهُمْ سُكَّانُ الْبَوَادِي ، وَوَقَعَتِ النِّسْبَةُ إِلَى الْجَمْعِ دُونَ الْوَاحِدِ . فَقِيلَ : أَعْرَابِيٌّ لِأَنَّهُ جَرَى مَجْرَى الْقَبِيلَةِ كَأَنَّهَا وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نُسِبَ إِلَى الْوَاحِدِ وَهُوَ عَرَبٌ لَقِيلَ عَرَبِيٌّ فَيُشْتَبَهُ الْمَعْنَى ؛ لِأَنَّ الْعَرَبِيَّ كُلُّ مَنْ هُوَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، سَوَاءٌ كَانَ سَاكِنًا فِي الْبَادِيَةِ أَوْ بِالْقُرَى ، وَهَذَا غَيْرُ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ . وَقَدْ جَاءَ فِي تَسْمِيَةِ هَذَا الْأَعْرَابِيِّ وَتَعْيِينِهِ رِوَايَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ ، وَلَمْ أَرَ فِي هَذَا رِوَايَةً صَحِيحَةً خَالِيَةً عَنِ الْكَلَامِ ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْعَارِضَةِ : رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فَقَالَ : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْخٌ كَبِيرٌ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ مَتَى السَّاعَةُ ؟ فَقَالَ لَهُ : مَا أَعْدَدْتَ لَهَا ؟ فَقَالَ : لَا وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ، مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثِيرِ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، قَالَ : فَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ . قَالَ : فَذَهَبَ الشِّيحُ فَأَخَذَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ ، فَمَرَّ عَلَيْهِ النَّاسُ فَأَقَامُوهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعَوْهُ عَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَصَبُّوا عَلَى بَوْلِهِ الْمَاءَ . فَبَيَّنَ أَنَّ الْبَائِلَ فِي الْمَسْجِدِ هُوَ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ الْمَشْهُودُ لَهُ بِالْجَنَّةِ . انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ . قُلْتُ : فِي إِسْنَادِهِ الْمُعَلَّى الْمَالِكِيُّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ بَعْدَ رِوَايَتِهِ : الْمُعَلَّى مَجْهُولٌ . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : حَكَى أَبُو بَكْرٍ التَّارِيخِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ ، قَالَ : وَأَخْرَجَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ فِي الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ : اطَّلَعَ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ الْيَمَانِيُّ وَكَانَ رَجُلًا جَافِيًا . وَهُوَ مُرْسَلٌ وَفِي إِسْنَادِهِ أَيْضًا مُبْهَمٌ بَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَبَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ وَهُوَ عِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ الْأَصَمِّ ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيِّ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ خَالِدٍ الذَّهَبِيِّ عَنْهُ ، وَهُوَ فِي جَمْعِ مُسْنَدِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، لِأَبِي زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيِّ مِنْ طَرِيقِ الشَّامِيِّينَ عَنْهُ بِهَذَا السَّنَدِ ، لَكِنْ قَالَ فِي أَوَّلِهِ : اطَّلَعَ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ وَكَانَ جَافِيًا ، وَالتَّمِيمِيُّ هُوَ حُرْقُوس بْنُ زُهَيْرٍ الَّذِي صَارَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ رُءُوسِ الْخَوَارِجِ ، وَقَدْ فَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَمَانِيِّ ، لَكِنْ لَهُ أَصْلٌ أَصِيلٌ قَالَ : وَنُقِلَ عَنْ أَبِي الْحسينِ بْنِ فَارِسٍ أَنَّهُ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . قَوْلُهُ : ( لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا ) بِصِيغَةِ الْخِطَابِ مِنْ بَابِ تَفَعَّلَ ، أَيْ ضَيَّقْتَ مَا وَسَّعَهُ اللَّهُ وَخَصَصْتَ بِهِ نَفْسَكَ دُونَ غَيْرِكَ . وَأَصْلُ الْحَجْرِ الْمَنْعُ ، وَمِنْهُ الْحَجْرُ عَلَى السَّفِيهِ . ( فَأَسْرَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : فَزَجَرَهُ النَّاسُ . وَلِمُسْلِمٍ فَقَالَ الصَّحَابَةُ مَهْ مَهْ وَلَهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : فَصَاحَ النَّاسُ بِهِ . ( أَهْرِيقُوا عَلَيْهِ ) أَيْ صُبُّوا عَلَيْهِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : أَمْرٌ مِنْ أَهْرَاقَ يُهْرِيقُ بِسُكُونِ الْهَاءِ إِهْرَاقًا نَحْوَ إِسْطَاعًا . وَأَصْلُهُ أَرَاقَ فَأُبْدِلَتِ الْهَمْزَةُ هَاءً ثُمَّ جُعِلَ عِوَضًا عَنْ ذَهَابِ حَرَكَةِ الْعَيْنِ فَصَارَتْ كَأَنَّهَا مِنْ نَفْسِ الْكَلِمَةِ ثُمَّ أُدْخِلَ عَلَيْهِ الْهَمْزَةُ ، أَيْ صُبُّوا ( سَجْلًا ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ الدَّلْوُ الْمَلْأَى مَاءً . ( أَوْ دَلْوًا ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْعَارِضَةِ : السَّجْلُ الدَّلْوُ ، وَالدَّلْوُ مُؤَنَّثَةٌ وَالسَّجْلُ مُذَكَّرٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَاءٌ فَلَيْسَتْ بِسَجْلٍ كَمَا أَنَّ الْقَدَحَ لَا يُقَالُ لَهُ كَأْسٌ إِلَّا إِذَا كَانَ فِيهِ مَاءٌ يُقَالُ لَهُ دَلْوٌ سَجِيلَةٌ أَيْ ضَخْمَةٌ ، وَكَذَلِكَ الذَّنُوبُ ، الدَّلْوُ الْمَلْأَى مَاءً مِثْلُهُ وَلَكِنَّهَا مُؤَنَّثَةٌ ، وَالْغَرْبُ الدَّلْوُ الْعَظِيمَةُ بِإِسْكَانِ الرَّاءِ فَإِنْ فَتَحْتَهَا فَهُوَ الْمَاءُ السَّائِلُ مِنَ الْبِيرِ وَالْحَوْضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ أَيْضًا ، انْتَهَى . قُلْتُ : وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ : السَّجْلُ دَلْوٌ وَاسِعَةٌ . وَفِي الصِّحَاحِ : الدَّلْوُ الضَّخيمَةُ . قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ ص 886 ج 1 فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ : أَهْرِيقُوا عَلَيْهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ أَوْ دَلْوًا مِنْ مَاءٍ . اعْتِبَارُ الْأَدَاءِ بِاللَّفْظِ ، وَإِنْ كَانَ الْجُمْهُورُ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ ، وَأَنَّ الْمَعْنَى كَافٍ ، وَيُحْمَلُ هَاهُنَا عَلَى الشَّكِّ وَلَا مَعْنَى التَّنْوِيعِ وَلَا لِلتَّخْيِيرِ وَلَا لِلْعَطْفِ ، فَلَوْ كَانَ الرَّاوِي يَرَى جَوَازَ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى لَاقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا . فَلَمَّا تَرَدَّدَ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الدَّلْوِ وَالسَّجْلِ وَهُمَا بِمَعْنًى عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ التَّرَدُّدَ لِمُوَافَقَةِ اللَّفْظِ ، قَالَهُ الْحَافِظُ الْقُشَيْرِيُّ . قَالَ الْعَيْنِيُّ : وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : إِنَّمَا يَتِمُّ هَذَا أَنْ لَوِ اتَّحَدَ الْمَعْنَى فِي السَّجْلِ وَالدَّلْوِ لُغَةً لَكِنَّهُ غَيْرُ مُتَّحِدٍ ، فَالسَّجْلُ : الدَّلْوُ الضَّخْمَةُ الْمَمْلُوءَةُ ، وَلَا يُقَالُ لَهَا فَارِغَةً سَجْلٌ . انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ . ( إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ ) أَيْ مُسَهِّلِينَ عَلَى النَّاسِ . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى تَطْهِيرِ الْأَرْضِ النَّجِسَةِ بِالْمُكَاثَرَةِ بِالْمَاءِ ، وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ يُكْتَفَى بِإِفَاضَةِ الْمَاءِ وَلَا يُشْتَرَطُ نَقْلُ التُّرَابِ مِنَ الْمَكَانِ بَعْدَ ذَلِكَ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِهِ . وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَرِدْ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْأَمْرُ بِنَقْلِ التُّرَابِ ، وَظَاهِرُ ذَلِكَ الِاكْتِفَاءُ بِصَبِّ الْمَاءِ فَإِنَّهُ لَوْ وَجَبَ الأَمَرَ بِهِ ، وَلَوْ أَمَرَ بِهِ لَذُكِرَ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ الْأَمْرُ بِنَقْلِ التُّرَابِ وَلَكِنَّهُ تُكُلِّمَ فِيهِ . وَأَيْضًا لَوْ كَانَ نَقْلُ التُّرَابِ وَاجِبًا فِي التَّطْهِيرِ لَاكْتُفِيَ بِهِ ، فَإِنَّ الْأَمْرَ بِصَبِّ الْمَاءِ حِينَئِذٍ يَكُونُ زِيَادَةَ تَكْلِيفٍ وَتَعَبٍ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ تَعُودُ إِلَى الْمَقْصُودِ وَهُوَ تَطْهِيرُ الْأَرْضِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ سَعِيدٌ قَالَ سُفْيَانُ وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ نَحْوَ هَذَا ) حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَوَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ) أَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى عَنْهُ قَالَ : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَانِهِ فَاحْتُفِرَ وَصُبَّ عَلَيْهِ دَلْو مِنْ مَاءٍ ، وَفِيهِ سِمْعَانُ بْنُ مَالِكٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، كَذَا فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَفِيهِ سِمْعَانُ بْنُ مَالِكٍ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، قَالَهُ أَبُو زُرْعَةَ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ : هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ ، وَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : لَا أَصْلَ لَهُ ، انْتَهَى . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى ، وَالْبَزَّارُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْرَابِيٌّ فَبَايَعَهُ ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَامَ فَفَشَجَ فَبَالَ ، فَهَمَّ النَّاسُ بِهِ الْحَدِيثَ . وَفِيهِ : فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَصُبَّ عَلَى بَوْلِهِ . قَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ : رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي الطَّهَارَةِ وَفِي إِسْنَادِهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ الْهُزَلِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : وَفِيهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ الْهُزَلِيُّ وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ ، قَالَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو حَاتِمٍ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا مُسْلِمًا ، كَذَا فِي الْمُنْتَقَى . قَوْلُهُ : ( وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ) قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : اسْتُدِلَّ بِهِ -يَعْنِي بِحَدِيثِ الْبَابِ- عَلَى أَنَّ تَطْهِيرَ الْأَرْضِ الْمُتَنَجِّسَةِ يَكُونُ بِالْمَاءِ لَا بِالْجَفَافِ بِالرِّيحِ وَالشَّمْسِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَفَى ذَلِكَ لَمَا حَصَلَ التَّكْلِيفُ بِطَلَبِ الْمَاءِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْعِتْرَةِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَزُفَرَ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ هُمَا مُطَهِّرَانِ لِأَنَّهُمَا يُحِيلَانِ الشَّيْءَ ، انْتَهَى . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : وَفِيهِ أَنَّ الْأَرْضَ تَطْهُرُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهَا وَلَا يُشْتَرَطُ حَفْرُهَا وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَطْهُرُ إِلَّا بِحَفْرِهَا ، انْتَهَى . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ ص 162 ج 1 كَذَا أَطْلَقَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَالْمَذْكُورُ فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَتْ رَخْوَةً بِحَيْثُ يَتَخَلَّلُهَا الْمَاءُ حَتَّى يُغْمَرَهَا فَهَذِهِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى حَفْرٍ وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَتْ صُلْبَةً فَلَا بُدَّ مِنْ حَفْرِهَا وَإِلْقَاءِ التُّرَابِ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَمْ يَغْمُرْ أَعْلَاهَا وَأَسْفَلَهَا . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . قُلْتُ : الْأَمْرُ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ ، قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ : قَالَ أَصْحَابُنَا - يَعْنِي الْحَنَفِيَّةَ - إِذَا أَصَابَتِ الْأَرْضَ نَجَاسَةٌ رَطْبَةٌ فَإِنْ كَانَتِ الْأَرْضُ رَخْوَةً صُبَّ عَلَيْهَا الْمَاءُ حَتَّى يَتَسَفَّلَ فِيهَا ، وَإِذَا لَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِهَا شَيْءٌ مِنَ النَّجَاسَةِ وَتَسَفَّلَ الْمَاءُ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهَا وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْعَدَدُ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى اجْتِهَادِهِ وَمَا هُوَ فِي غَالِبِ ظَنِّهِ أَنَّهَا طَهُرَتْ ، وَيَقُومُ التَّسَفُّلُ فِي الْأَرْضِ مَقَامَ الْعَصْرِ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْعَصْرَ ، وَعَلَى قِيَاسِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يُصَبُّ عَلَيْهَا الْمَاءُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيَتَسَفَّلُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ، وَإِنْ كَانَتِ الْأَرْضُ صُلْبَةً فَإِنْ كَانَتْ صَعُودًا يُحْفَرُ فِي أَسْفَلِهَا حُفَيْرَةٌ وَيُصَبُّ الْمَاءُ عَلَيْهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيَتَسَفَّلُ إِلَى الْحُفَيْرَةِ ثُمَّ تُكْبَسُ الْحُفَيْرَةُ ، وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَوِيَةً بِحَيْثُ لَا يَزُولُ عَنْهَا الْمَاءُ لَا يُغْسَلُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي الْغَسْلِ بَلْ تُحْفَرُ ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : لَا تَطْهُرُ الْأَرْضُ حَتَّى تُحْفَرَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي وَصَلَتْ إِلَيْهِ النَّدَاوَةُ وَيُنْقَلُ التُّرَابُ . انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ ، وَقَالَ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ : وَالْأَرْضُ وَالْآجُرُّ الْمَفْرُوشُ بِالْيُبْسِ ، وَذَهَابُ الْأَثَرِ لِلصَّلَاةِ لَا لِلتَّيَمُّمِ ، انْتَهَى . وَاسْتَدَلَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ تَطْهِيرَ الْأَرْضِ الْمُتَنَجِّسَةِ يَكُونُ بِالْجَفَافِ وَالْيُبْسِ بِحَدِيثِ زَكَاةُ الْأَرْضِ يُبْسُهَا . وَأُجِيبَ : بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ بَعْدَ ذِكْرِهِ : لَا أَصْلَ لَهُ فِي الْمَرْفُوعِ ، نَعَمْ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مَوْقُوفًا عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ مِنْ قَوْلِهِ بِلَفْظِ : جُفُوفُ الْأَرْضِ طُهُورُهَا ، انْتَهَى . وَبِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ : كُنْتُ أَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُنْتُ فَتًى شَابًّا عَزَبًا ، وَكَانَتِ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ مِنْ ذَلِكَ ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ : بَابٌ فِي طُهُورِ الْأَرْضِ إِذَا يَبِسَتْ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : اسْتَدَلَّ أَبُو دَاوُدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ تَطْهُرُ إِذَا لَاقَتْهَا النَّجَاسَةُ بِالْجَفَافِ ، يَعْنِي أَنَّ قَوْلَهُ : لَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ صَبِّ الْمَاءِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى ، فَلَوْلَا أَنَّ الْجَفَافَ يُفِيدُ تَطْهِيرَ الْأَرْضِ مَا تَرَكُوا ذَلِكَ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . قُلْتُ : اسْتِدْلَالُ أَبِي دَاوُدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ تَطْهُرُ بِالْجَفَافِ صَحِيحٌ لَيْسَ فِيهِ عِنْدِي خَدْشَةٌ إِنْ كَانَ فِيهِ لَفْظُ تَبُولُ مَحْفُوظًا ، وَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ حَدِيثِ الْبَابِ ، فَإِنَّهُ يُقَالُ إِنَّ الْأَرْضَ تَطْهُرُ بِالْوَجْهَيْنِ ، أَعْنِي بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهَا وَبِالْجَفَافِ وَالْيُبْسِ بِالشَّمْسِ أَوِ الْهَوَاءِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ إِنَّ الْأَرْضَ لَا تَطْهُرُ إِلَّا بِالْحَفْرِ بِرِوَايَاتٍ جَاءَ فِيهَا ذِكْرُ الْحَفْرِ ، قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ ص 111 ج 1 : وَرَدَ فِيهِ الْحَفْرُ مِنْ طَرِيقَيْنِ مُسْنَدَيْنِ وَطَرِيقَيْنِ مُرْسَلَيْنِ ، فَالْمُسْنَدَانِ أَحَدُهُمَا عَنْ سِمْعَانِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَانِهِ فَاحْتُفِرَ وَصُبَّ عَلَيْهِ دَلْو مِنْ مَاءٍ . انْتَهَى ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي عِلَلِهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا زُرْعَةَ يَقُولُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِنَّهُ مُنْكَرٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ . انْتَهَى ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ . الثَّانِي : أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا عَنِ عبد الْجَبَّارِ بْنِ الْعَلَاءِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : احْفِرُوا مَكَانَهُ ثُمَّ صُبُّوا عَلَيْهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَهَمَ عَبْدُ الْجَبَّارِ عَلَى ابْنِ عُيَيْنَةَ ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ ابْنِ عُيَيْنَةَ الْحُفَّاظَ رَوَوْهُ عَنْهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِدُونِ الْحَفْرِ ، وَإِنَّمَا رَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ هَذَا عَنْ عمرو بن دينار عن طَاوُسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : احْفِرُوا مَكَانَهُ ، مُرْسَلًا ، انْتَهَى ، وَأَمَّا الْمُرْسَلَانِ فَأَحَدُهُمَا هَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الدَّارَقُطْنِيُّ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ . وَالثَّانِي : رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ قَالَ : صَلَّى أَعْرَابِيٌّ ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَفِي آخِرِهِ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : خُذُوا مَا بَالَ عَلَيْهِ مِنَ التُّرَابِ فَأَلْقُوهُ وَأَهْرِيقُوا عَلَى مَكَانِهِ مَاءً قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هَذَا مُرْسَلٌ ، فَإِنَّ ابْنَ مَعْقِلٍ لَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . انْتَهَى مَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَاحْتَجُّوا فِيهِ بِحَدِيثٍ جَاءَ مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ ، أَحَدُهَا مَوْصُولٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ ، لَكِنَّ إِسْنَادَهُ ضَعِيفٌ ، قَالَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ ، وَالْآخَرَانِ مُرْسَلَانِ أَخْرَجَ أَحَدَهُمَا أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ معقل بن مُقَرِّنٍ ، وَالْآخَرُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ وَرُوَاتُهُمَا ثِقَاتٌ وَهُوَ يَلْزَمُ مَنْ يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ مُطْلَقًا ، وَكَذَا مَنْ يَحْتَجُّ بِهِ إِذَا اعْتَضَدَ مُطْلَقًا ، وَالشَّافِعِيُّ إِنَّمَا يُعْتَضَدُ عِنْدَهُ إِذَا كَانَ مِنْ رِوَايَةِ كِبَارِ التَّابِعِينَ ، وَكَانَ مَنْ أَرْسَلَ إِذَا سَمَّى لَا يُسَمِّي إِلَّا ثِقَةً ، وَذَلِكَ مَفْقُودٌ فِي الْمُرْسَلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ سَنَدَيْهِمَا . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . قُلْتُ : الْأَحَادِيثُ الْمَرْفُوعَةُ الْمُتَّصِلَةُ الصَّحِيحَةُ خَالِيَةٌ عَنْ حَفْرِ الْأَرْضِ ، وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الَّتِي جَاءَ فِيهَا ذِكْرُ حَفْرِ الْأَرْضِ فَمِنْهَا مَا هُوَ مَوْصُولٌ فَهُوَ ضَعِيفٌ لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُرْسَلٌ فَهُوَ أَيْضًا ضَعِيفٌ عِنْدَ مَنْ لَا يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ ، وَأَمَّا مَنْ يَحْتَجُّ بِهِ فَعِنْدَ بَعْضِهِمْ أَيْضًا ضَعِيفٌ لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ كَالْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله فَقَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْأَرْضَ لَا تَطْهُرُ إِلَّا بِالْحَفْرِ وَنَقْلِ التُّرَابِ قَوْلٌ ضَعِيفٌ إِلَّا عِنْدَ مَنْ يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ مُطْلَقًا ، وَعِنْدَ مَنْ يَحْتَجُّ بِهِ إِذَا اعْتَضَدَ مُطْلَقًا . وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْأَرْضَ تَطْهُرُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهَا بِحَدِيثِ الْبَابِ ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ وَأَقْوَاهَا مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ ، ثُمَّ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّهَا تَطْهُرُ بِالْجَفَافِ بِالشَّمْسِ أَوِ الْهَوَاءِ إِنْ كَانَ لَفْظُ تَبُولُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ مَحْفُوظًا ، وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّهَا لَا تَطْهُرُ إِلَّا بِالْحَفْرِ وَنَقْلِ التُّرَابِ فَمُسْتَنِدُهُ الرِّوَايَاتُ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا ذِكْرُ الْحَفْرِ ، وَقَدْ عَرَفْتَ مَا فِي تِلْكَ الرِّوَايَاتِ مِنَ الْمَقَالِ ، ثُمَّ هِيَ إِنْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ النَّجِسَةَ لَا تَطْهُرُ إِلَّا بِالْحَفْرِ وَنَقْلِ التُّرَابِ فَهِيَ مُعَارَضَةٌ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ وَبِحَدِيثِ الْبَابِ ، هَذَا مَا عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
بَاب الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ 82 حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلَا يُصَلِّ حَتَّى يَتَوَضَّأَ ، وَفِي الْبَاب عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ، وَأَبِي أَيُّوبَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وأَرْوَى ابْنَةِ أُنَيْسٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَجَابِرٍ ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، هَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِثْلَ هَذَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ بُسْرَةَ ، وَرَوَى أَبُو أُسَامَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مَرْوَانَ عَنْ بُسْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثَنَا بِذَلِكَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، أنَا أَبُو أُسَامَةَ بِهَذَا ، وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو الزِّنَادِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ بُسْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حَدَّثَنَا بِذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ بُسْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ ، وَبِهِ يَقُولُ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، قَالَ مُحَمَّدٌ : أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ بُسْرَةَ ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ : حَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ فِي هَذَا الْبَابِ أصح ، وَهُوَ حَدِيثُ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ مَكْحُولٍ ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَمْ يَسْمَعْ مَكْحُولٌ مِنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ، وَرَوَى مَكْحُولٌ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عَنْبَسَةَ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَرَ هَذَا الْحَدِيثَ صَحِيحًا . باب الوضوء من مس الذكر قَوْلُهُ : ( عَنْ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ السِّينِ صَحَابِيَّةٌ ، لَهَا سَابِقَةٌ وَهِجْرَةٌ ، عَاشَتْ إِلَى وِلَايَةِ مُعَاوِيَةَ . قَوْلُهُ : ( وَمَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلَا يُصَلِّ حَتَّى يَتَوَضَّأَ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَسَّ الذَّكَرِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ ، وَالْمُرَادُ مَسُّهُ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ ؛ لِمَا أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى فَرْجِهِ لَيْسَ دُونَهَا حِجَابٌ وَلَا سِتْرٌ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَقَالَ ابْنُ السَّكَنِ : هُوَ أَجْوَدُ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ، وَأَبِي أَيُّوبَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَرْوَى ابْنَةَ أُنَيْسٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَجَابِرٍ ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ) ، وَأَيْضًا فِي الْبَابِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَطَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، وَأَنَسٍ ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ ، وَقَبِيصَةَ . فَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَالْأَثْرَمُ ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو زُرْعَةَ ، كَذَا فِي الْمُنْتَقَى . وَقَالَ الْخَلَّالُ فِي الْعِلَلِ : صَحَّحَ أَحْمَدُ حَدِيثَ أُمِّ حَبِيبَةَ ، وَقَالَ ابْنُ السَّكَنِ : لَا أَعْلَمُ بِهِ عِلَّةً ، كَذَا فِي التَّلْخِيصِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَتَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَرْوَى ابْنَةِ أُنَيْسٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ النُّونِ مُصَغَّرًا فَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : وَسَأَلَ التِّرْمِذِيُّ ، الْبُخَارِيَّ عَنْهُ فَقَالَ : مَا تَصْنَعُ بِهَذَا ؟ لَا تَشْتَغِلْ بِهِ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَضَعَّفَهُ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو . وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَالْأَثْرَمُ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : إِسْنَادُهُ صَالِحٌ ، وَقَالَ الضِّيَاءُ : لَا أَعْلَمُ بِإِسْنَادِهِ بَأْسًا ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : سَمِعْتُ جَمَاعَةً مِنَ الْحُفَّاظِ غَيْرَ ابْنِ نَافِعٍ يُرْسِلُونَهُ . وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبَزَّارُ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ بَقِيَّةَ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ رَفَعَهُ : أَيُّمَا رَجُلٍ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مَسَّتْ فَرْجَهَا فَلْتَتَوَضَّأْ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ عنِ الْبُخَارِيِّ : هُوَ عِنْدِي صَحِيحٌ . وَأَمَّا حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ . وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرَهُ الْحَاكِمُ . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَفِي إِسْنَادِهِ الضَّحَّاكُ بْنُ حَمْزَةَ وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمر فَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهُ . وَأَمَّا حَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ فَذَكَرَهُ ابْنُ مِنْدَهْ ، وَكَذَا حَدِيثُ أَنَسٍ ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ ، وَقَبِيصَةَ . كَذَا فِي التَّلْخِيصِ ص 46 . قَوْلُهُ : ( هَذَا ) : أَيْ حَدِيثُ بُسْرَةَ ( حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) ، وَأَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ كَذَا فِي الْمُنْتَقَى ، وَقَالَ فِي النَّيْلِ : وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَابْنُ الْجَارُودِ ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : قُلْتُ لِأَحْمَدَ : حَدِيثُ بُسْرَةَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ؟ قَالَ : بَلْ هُوَ صَحِيحٌ ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : صَحِيحٌ ثَابِتٌ ، وَصَحَّحَهُ أَيْضًا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَأَبُو حَامِدِ بْنُ الشَّرْقِيِّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَالْحَازِمِيُّ ، قَالَهُ الْحَافِظُ . قُلْتُ : وَكُلُّ مَا طَعَنُوا بِهِ فِي صِحَّةِ حَدِيثِ بُسْرَةَ هَذَا فَهُوَ مَدْفُوعٌ ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( وَهَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِثْلَ هَذَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ بُسْرَةَ إِلَخْ ) حَاصِلُهُ : أَنَّ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ هِشَامٍ رَوَوْا هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ بُسْرَةَ بِلَا ذِكْرِ وَاسِطَةٍ بَيْنَ عُرْوَةَ وَبُسْرَةَ ، وَهَكَذَا رَوَى أَبُو الزِّنَادِ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ بُسْرَةَ ، وَرَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ هِشَامٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مَرْوَانَ ، عَنْ بُسْرَةَ بِذِكْرِ وَاسِطَةِ مَرْوَانَ بين عُرْوَةَ وَبُسْرَةَ ، وَلَيْسَتْ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى بِلَا ذِكْرِ وَاسِطَةٍ بَيْنَ عُرْوَةَ وَبُسْرَةَ بِمُنْقَطِعَةٍ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : وَقَدْ جَزَمَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ بِأَنَّ عُرْوَةَ سَمِعَهُ مِنْ بُسْرَةَ ، وَفِي صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَابْنِ حِبَّانَ : قَالَ عُرْوَةُ : فَذَهَبْتُ إِلَى بُسْرَةَ فَسَأَلْتُهَا فَصَدَّقَتْهُ ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِرِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ لَهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مَرْوَانَ ، عَنْ بُسْرَةَ . قَالَ عُرْوَةُ : ثُمَّ لَقِيتُ بُسْرَةَ فَصَدَّقَتْهُ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ ، وَبِهِ يَقُولُ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ) ، وَقَالَ الْحَافِظُ الحازمي فِي كِتَابِ الِاعْتِبَارِ ص 40 : وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ الْإِيجَابُ ؛ يَعْنِي إِيجَابَ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ مِنَ الصَّحَابَةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ ، وَأَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ ، وَزَيْدُ بْنُ خَالِدٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَجَابِرٌ ، وَعَائِشَةُ ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ ، وَبُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ ، وَمِنَ التَّابِعِينَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، وَأَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ رِجَالٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ ، وَهِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الشَّامِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يُوجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءَ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو زُرْعَةَ : حَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ فِي هَذَا الْبَابِ أَصَحُّ ) ، تَقَدَّمَ تَخْرِيجُ حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ ، ( وَقَالَ مُحَمَّدٌ ) ؛ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ : ( لَمْ يَسْمَعْ مَكْحُولٌ مِنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ) ، وَكَذَا قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، وَأَبُو زُرْعَةَ ، وَأَبُو حَاتِمٍ ، وَالنَّسَائِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ ، وَخَالَفَهُمْ دُحَيْمٌ وَهُوَ أَعْرَفُ بِحَدِيثِ الشَّامِيِّينَ ؛ فَأَثْبَتَ سَمَاعَ مَكْحُولٍ مِنْ عَنْبَسَةَ ، قَالَهُ الْحَافِظُ .
بَاب 146 حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ نَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، وَعُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ قَالَا : نَا الْأَعْمَشُ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلِمَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقْرِئُنَا الْقُرْآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا . قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ عَلِيٍّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَبِهِ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ من أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ قَالُوا : يَقْرَأُ الرَّجُلُ الْقُرْآنَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ، وَلَا يَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ إِلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ . باب قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ) اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حُصَيْنٍ الْكِنْدِيُّ الْكُوفِيُّ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ ، رَوَى عَنْ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ ، وَأَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ وَغَيْرِهِمَا ، وَعَنْهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : ثِقَةٌ إِمَامُ أَهْلِ زَمَانِهِ ، قِيلَ مَاتَ سَنَةَ 257 سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ . ( وَعُقْبَةُ بْنُ خَالِدِ ) بْنِ عُقْبَةَ السُّكُونِيُّ أَبُو مَسْعُودٍ الْكُوفِيُّ الْمُجَدَّرُ بِالْجِيمِ الْمَفْتُوحَةِ ، رَوَى عَنْ هِشَامٍ ، وَالْأَعْمَشِ ، وَعَنْهُ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُمْ ، وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ ، مَاتَ سِنَّةَ 188 ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ . ( وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ) اعْلَمْ أَنَّ ابْنَ أَبِي لَيْلَى يُطْلَقُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَعَلَى أَبِيهِ ، وَعَلَى أَخِيهِ عِيسَى ، وَعَلَى ابْنِ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى ، وَالْمُرَادُ هَاهُنَا هُوَ الْأَوَّلُ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى الْأَنْصَارِيُّ الْكُوفِيُّ الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، صَدُوقٌ سَيِّئُ الْحِفْظِ جِدًّا ، قَالَهُ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ : رَوَى عَنْ أَخِيهِ عِيسَى وَابْنِ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى ، وَنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ، وَعَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، وَذَكَرَ كَثِيرًا مِنْ شُيُوخِهِ وَتَلَامِذَتِهِ ثُمَّ ذَكَرَ أَقْوَالَ الْحُفَّاظِ فِيهِ مَا مُحَصَّلُهَا : أَنَّهُ صَدُوقٌ سَيِّئُ الْحِفْظِ ، فَقِيهٌ ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : فِقْهُهُ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ حَدِيثِهِ . ( عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَارِقٍ الْجُمَلِيِّ الْمُرَادِيِّ الْكُوفِيِّ الْأَعْمَى ، ثِقَةٌ عَابِدٌ كَانَ لَا يُدَلِّسُ وَرُمِيَ بِالْإِرْجَاءِ . ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ ) بِكَسْرِ اللَّامِ الْمُرَادِيِّ الْكُوفِيِّ صَدُوقٌ تَغَيَّرَ حِفْظُهُ ، مِنَ الثَّانِيَةِ ، رَوَى عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَمُعَاذٍ وَغَيْرِهِمْ ، وَعَنْهُ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ ، وَأَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ : لَا يُتَابَعُ فِي حَدِيثِهِ ، وَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَفِي الْخُلَاصَةِ . قَوْلُهُ : ( يُقْرِئُنَا الْقُرْآنَ ) مِنَ الْإِقْرَاءِ ، أَيْ يُعَلِّمُنَا ( عَلَى كُلِّ حَالٍ ) أَيْ مُتَوَضِّئًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُتَوَضِّئٍ . ( مَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْرُجُ مِنَ الْخَلَاءِ فَيُقْرِئُنَا الْقُرْآنَ وَيَأْكُلُ مَعَنَا اللَّحْمَ وَلَمْ يَكُنْ يَحْجُبُهُ أَوْ قَالَ يَحْجِزُهُ عَنِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَيْسَ الْجَنَابَةَ . فَإِنْ قِيلَ : حَدِيثُ عَائِشَةَ رضي الله عنها الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْهَا قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ ، وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ يُخَالِفُ حَدِيثَ عَلِيٍّ هَذَا فَإِنَّهُ يَدُلُّ بِظَاهِرِهِ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ حَالَ الْجَنَابَةِ أَيْضًا ، فَإِنَّ قَوْلَهَا عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ يَشْمَلُ حَالَةَ الْجَنَابَةِ أَيْضًا ، وَقَوْلَهَا يَذْكُرُ اللَّهَ يَشْمَلُ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ أَيْضًا . يُقَالُ : إِنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ يُخَصَّصُ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ هَذَا فَيُرَادُ بِذِكْرِ اللَّهِ غَيْرُ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ ، قَالَ الْعَيْنِيُّ : حَدِيثُ عَائِشَةَ رضي الله عنها لَا يُعَارِضُ حَدِيثَ عَلِيٍّ لِأَنَّهَا أَرَادَتِ الذِّكْرَ الَّذِي غَيْرُ الْقُرْآنِ ، انْتَهَى . وَقَالَ صَاحِبُ سُبُلِ السَّلَامِ : حَدِيثُ عَائِشَةَ قَدْ خَصَّصَهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَحَادِيثُ أُخْرَى . وَكَذَلِكَ هُوَ مُخَصَّصٌ بِحَالَةِ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَالْجِمَاعِ ، وَالْمُرَادُ بِكُلِّ أَحْيَانِهِ مُعْظَمُهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ انْتَهَى ، وَقَالَ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْبَابِ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ ثُمَّ قَرَأَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا لِمَنْ لَيْسَ بِجُنُبٍ ، فأَمَّا الْجُنُبُ فَلَا وَلَا آيَةً ، قَالَ الْهَيْثَمِيُّ : رِجَالُهُ مَوْثُوقُونَ ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ ؛ لِأَنَّهُ نَهْيٌ وَأَصْلُهُ ذَلِكَ وَيُعَاضِدُ مَا سَلَفَ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ عَلِيٍّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ أَنَّهُ لَا يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ ، وَحَكَى الْبُخَارِيُّ : عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ - يُحَدِّثُنَا فَنَعْرِفُ وَنُنْكِرُ ، وَكَانَ قَدْ كَبِرَ لَا يُتَابَعُ فِي حَدِيثِهِ ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ : لَمْ يَكُنْ أَهْلُ الْحَدِيثِ يُثْبِتُونَهُ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَإِنَّمَا تَوَقَّفَ الشَّافِعِيُّ فِي ثُبُوتِ هَذَا الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ مَدَارَهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ الْكُوفِيِّ ، وَكَانَ قَدْ كَبِرَ وَأُنْكِرَ مِنْ حَدِيثِهِ وَعَقْلِهِ بَعْضُ النُّكْرَةِ ، وَإِنَّمَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ بَعْدَمَا كَبِرَ ، قَالَهُ شُعْبَةُ ، هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ ، وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُوَهِّنُ حَدِيثَ عَلِيٍّ هَذَا وَيُضَعِّفُ أَمْرَ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ سَلَمَةَ . انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ . قَوْلُهُ : ( قَالُوا يَقْرَأُ الرَّجُلُ الْقُرْآنَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ) أَيْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ الْبَابِ . ( وَلَا يَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ ) أَيْ أَخْذًا بِيَدِهِ وَمَا شَابَهَ فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَمَسَّهُ وَيَقْرَأُ نَاظِرًا فِيهِ فَهُوَ جَائِزٌ . ( إِلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ ) أَيْ مُتَوَضِّئٌ ( وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ ، قَالَ فِي الْمُوَطَّأِ : وَلَا يَحْمِلُ أَحَدٌ الْمُصْحَفَ بِعَلَّاقَتِهِ وَلَا عَلَى وِسَادَةٍ إِلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لحمل فِي خَبِيئَتِهِ . قَالَ : وَإِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِمَنْ يَحْمِلُهُ وَهُوَ غَيْرُ طَاهِرٍ إِكْرَامًا لِلْقُرْآنِ وَتَعْظِيمًا لَهُ ، انْتَهَى . وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ كِتَابًا وَكَانَ فِيهِ : لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَهُوَ لِمَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ مُرْسَلًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنْ لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ . وَقَالَ الْأَثْرَمُ : وَاحْتَجَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي أَحْمَدُ - بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : وَلَا يَمَسُّ الْمُصْحَفَ إِلَّا عَلَى طَهَارَةٍ ، كَذَا فِي الْمُنْتَقَى . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ فِي إِرْسَالِ هَذَا الْحَدِيثِ . وَقَدْ رُوِيَ مُسْنَدًا مِنْ وَجْهٍ صَالِحٍ وَهُوَ كِتَابٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَعْرِفَةً يُسْتَغْنَى بِهَا فِي شُهْرَتِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهَ الْمُتَوَاتِرَ لِتَلَقِّي النَّاسِ لَهُ بِالْقَبُولِ ، وَلَا يَصِحُّ عَلَيْهِمْ تَلَقِّي مَا لَا يَصِحُّ ، انْتَهَى . قُلْتُ : لَا شَكَّ فِي أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مَسُّ الْمُصْحَفِ إِلَّا لِمَنْ كَانَ طَاهِرًا ، وَلَكِنَّ الطَّاهِرَ يُطْلَقُ بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى الْمُؤْمِنِ وَالطَّاهِرِ مِنَ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ ، وَمَنْ لَيْسَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ ، وَيَدُلُّ لِإِطْلَاقِهِ عَلَى الْأَوَّلِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه : الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ وَعَلَى الثَّانِي : وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَعَلَى الثَّالِثِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ : دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلَتْهُمَا طَاهِرَتَيْنِ ، وَعَلَى الرَّابِعِ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ حِسِّيَّةٌ وَلَا حُكْمِيَّةٌ يُسَمَّى طَاهِرًا ، وَقَدْ وَرَدَ إِطْلَاقُ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ ، وَاَلَّذِي يَتَرَجَّحُ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ مُجْمَلٌ فِي مَعَانِيهِ فَلَا يُعْمَلُ بِهِ حَتَّى يَبِينَ ، وَقَدْ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ حَدَثًا أَكْبَرَ أَنْ يَمَسَّ الْمُصْحَفَ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ دَاوُدُ ، وَأَمَّا الْمُحْدِثُ حَدَثًا أَصْغَرَ فَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالضَّحَّاكُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ مَسُّ الْمُصْحَفِ . وَقَالَ الْقَاسِمُ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ لَا يَجُوزُ ، كَذَا فِي النَّيْلِ . قُلْتُ : الْقَوْلُ الرَّاجِحُ عِنْدِي قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ تَعْظِيمُ الْقُرْآنِ وَإِكْرَامُهُ ، وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ لَفْظِ الطَّاهِرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ الْمُتَوَضِّئُ وَهُوَ الْفَرْدُ الْكَامِلُ لِلطَّاهِرِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَقَالَ الْقَارِي فِي شَرْحِ قَوْلِهِ : لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ مَا لَفْظُهُ : بِخِلَافِ غَيْرِهِ كَالْجُنُبِ وَالْمُحْدِثِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمَسَّهُ إِلَّا بِغِلَافٍ مُتَجَافٍ ، وَكُرِهَ بِالْكُمِّ . قَالَ الطِّيبِيُّ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ فَإِنَّ الضَّمِيرَ إِمَّا لِلْقُرْآنِ وَالْمُرَادُ نَهْيُ النَّاسِ عَنْ مَسِّهِ إِلَّا عَلَى الطَّهَارَةِ وَإِمَّا لِلَّوْحِ ، وَلَا نَافِيَةٌ ، وَمَعْنَى الْمُطَهَّرُونَ الْمَلَائِكَةُ فَإِنَّ الْحَدِيثَ كَشَفَ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْأَوَّلُ وَيُعَضِّدُهُ مَدْحُ الْقُرْآنِ بِالْكَرَمِ وَبِكَوْنِهِ ثَابِتًا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ، فَيَكُونُ الْحُكْمُ بِكَوْنِهِ لَا يَمَسُّهُ مُرَتَّبًا عَلَى الْوَصْفَيْنِ الْمُتَنَاسِبَيْنِ لِلْقُرْآنِ . انْتَهَى مَا فِي الْمِرْقَاةِ . تَنْبِيهٌ : قَالَ الْحَافِظُ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ بَعْدَ ذِكْرِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ الْأَكْثَرُونَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ مَسِّ الْقُرْآنِ لِغَيْرِ الْمُتَوَضِّئِ مَا لَفْظُهُ : رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا وَوَصَلَهُ النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ وَهُوَ مَعْلُولٌ ، انْتَهَى . قَالَ صَاحِبُ السُّبُلِ : وَإِنَّمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ : إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَعْلُولٌ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى تَرْكِهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَزْمٍ ، وَوَهَمَ فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْيَمَانِيُّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْخَوْلَانِيُّ وَهُوَ ثِقَةٌ أَثْنَى عَلَيْهِ أَبُو زُرْعَةَ ، وَأَبُو حَاتِمٍ ، وَعُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ ، وَكِتَابُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ تَلَقَّاهُ النَّاسُ بِالْقَبُولِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : إِنَّهُ أَشْبَهَ الْمُتَوَاتِرَ لِتَلَقِّي النَّاسِ لَهُ بِالْقَبُولِ ، وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ : لَا أَعْلَمُ كِتَابًا أَصَحَّ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ فَإِنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ وَيَدَعُونَ رَأْيَهُمْ ، وَقَالَ الْحَاكِمُ : قَدْ شَهِدَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَإِمَامُ عَصْرِهِ الزُّهْرِيُّ بِالصِّحَّةِ بِهَذَا الْكِتَابِ . وَفِي الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ : لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ ، وَإِنْ كَانَ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ الْهَيْثَمِيُّ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ قَالَ الْهَيْثَمِيُّ : رِجَالُهُ مَوْثُوقُونَ وَذَكَرَ لَهُ شَاهِدَيْنِ ، انْتَهَى .
( بَاب تَرْكِ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ ) 85 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، نَا مُلَازِمُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَهَلْ هُوَ إِلَّا مُضْغَةٌ مِنْهُ ، أَوْ بَضْعَةٌ مِنْهُ ، وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ أَبُو عِيسَى : وَقَدْ رُوِيَ من غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَعْضِ التَّابِعِينَ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا الْوُضُوءَ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَحَسَنُ شَيْءٍ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَيُّوبُ بْنُ عُتْبَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَابِرٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي مُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ ، وَأَيُّوبَ بْنِ عُتْبَةَ ، وَحَدِيثُ مُلَازِمِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ أَصَحُّ وَأَحْسَنُ . باب ترك الوضوء من مس الذكر قَوْلُهُ : ( نَا مُلَازِمُ بْنُ عَمْرِو ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ السُّحَيْمِيُّ بِالْمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرًا أَبُو عَمْرٍو الْيَمَامِيُّ ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ ) السَّحِيمِيِّ الْيَمَامِيِّ ، رَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَطَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَعَنْهُ سَبْطُهُ : مُلَازِمُ بْنُ عَمْرٍو ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَأَبُو زُرْعَةَ ( عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ ) الْيَمَامِيِّ ، وَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ ، وَابْنُ مَعِينٍ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَنَفِيُّ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالنُّونِ مَنْسُوبٌ إِلَى حَنِيفَةَ قَبِيلَةٌ مِنَ الْيَمَامَةِ ( عَنْ أَبِيهِ ) : أَيْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ ، صَحَابِيٌّ وَفَدَ قَدِيمًا ، وَبَنَى فِي الْمَسْجِدِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ : إِنَّ طَلْقًا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ ، وَذَلِكَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى . قَوْلُهُ : ( وَهَلْ هُوَ إِلَّا مُضْغَةٌ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الضَّادِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَتَيْنِ : أَيْ قِطْعَةُ لَحْمٍ : أَيْ لَيْسَ الذَّكَرُ إِلَّا قِطْعَةُ لَحْمٍ ( مِنْهُ ) : أَيْ مِنَ الرَّجُلِ ( أَوْ بَضْعَةٌ ) بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ؛ بِمَعْنَى الْمُضْغَةِ ، وَهُمَا لَفْظَانِ مُتَرَادِفَانِ مَعْنَاهُمَا الْقِطْعَةُ مِنَ اللَّحْمِ ، وَأَوْ لِلشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي . وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ : قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَاءَ رَجُلٌ كَأَنَّهُ بَدَوِيٌّ فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، مَا تَرَى فِي مَسِّ الرَّجُلِ ذَكَرَهُ بَعْدَ مَا يَتَوَضَّأُ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ هُوَ إِلَّا مُضْغَةٌ مِنْهُ أَوْ بَضْعَةٌ مِنْهُ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ) أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَفِي سَنَدِهِ جَعْفَرُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَهُوَ مَتْرُوكٌ ، وَالْقَاسِمُ وَهُوَ ضَعِيفٌ . قَالَ الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ : هُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ مَتْرُوكٌ ، وَالْقَاسِمُ أَيْضًا ضَعِيفٌ . وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ عِصْمَةَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ : هُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رُوِيَ من غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَبَعْضِ التَّابِعِينَ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا الْوُضُوءَ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَابْنِ الْمُبَارَكِ ) قَالَ الْحَازِمِيُّ فِي كِتَابِ الِاعْتِبَارِ ص 40 : قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى حَدِيثِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَرَأَوْا تَرْكَ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَرَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ ، وَأَهْلِ الْكُوفَةِ . انْتَهَى . وَاسْتَدَلَّ هَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ . وَأَجَابَ ابْنُ الْهُمَامِ عَنْ حَدِيثِ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ بِأَنَّ حَدِيثَ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ يَتَرَجَّحُ عَلَيْهِ بِأَنَّ حَدِيثَ الرِّجَالِ أَقْوَى ؛ لِأَنَّهُمْ أَحْفَظُ لِلْعِلْمِ وَأَضْبَطُ ، وَلِهَذَا جُعِلَتْ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ . وَفِيهِ أَنَّ بُسْرَةَ بِنْتَ صَفْوَانَ لَمْ تَنْفَرِدْ بِحَدِيثِ إِيجَابِ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ ؛ بَلْ رَوَاهُ عِدَّةُ رِجَالٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ؛ مِنْهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ وَحَدِيثُهُ صَحِيحٌ كَمَا عَرَفْتَ ، وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَحَدِيثُهُ أَيْضًا صَحِيحٌ كَمَا عَرَفْتَ ، وَمِنْهُمْ جَابِرٌ وَإِسْنَادُ حَدِيثِهِ صَالِحٌ كَمَا عَرَفْتَ ، وَمِنْهُمْ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عَمْرٍو وَغَيْرُهُمْ وَتَقَدَّمَ تَخْرِيجُ أَحَادِيثِهِمْ . وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ حَدِيثَ طَلْقٍ أَثْبَتُ مِنْ حَدِيثِ بُسْرَةَ ، وَقَدْ أَسْنَدَ الطَّحَاوِيُّ إِلَى ابْنِ الْمَدِينِيِّ أَنَّهُ قَالَ : حَدِيثُ مُلَازِمِ بْنِ عَمْرٍو أَحْسَنُ مِنْ حَدِيثِ بُسْرَةَ ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الْفَلَّاسِ أَنَّهُ قَالَ : حَدِيثُ طَلْقٍ عِنْدَنَا أَثْبَتُ مِنْ حَدِيثِ بُسْرَةَ . وَفِيهِ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ حَدِيثَ بُسْرَةَ هُوَ الْأَثْبَتُ وَالْأَقْوَى وَالْأَرْجَحُ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : يَكْفِي فِي تَرْجِيحِ حَدِيثِ بُسْرَةَ عَلَى حَدِيثِ طَلْقٍ أَنَّ حَدِيثَ طَلْقٍ لَمْ يُخْرِجْهُ الشَّيْخَانِ ، وَلَمْ يَحْتَجَّا بِأَحَدِ رُوَاتِهِ ، وَحَدِيثَ بُسْرَةَ قَدِ احْتَجَّا بِجَمِيعِ رُوَاتِهِ ، كَذَا فِي التَّلْخِيصِ . وقَالَ الْعَلَّامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَمِيرُ فِي سُبُلِ السَّلَامِ : حَدِيثُ بُسْرَةَ أَرْجَحُ ؛ لِكَثْرَةِ مَنْ صَحَّحَهُ ، وَلِكَثْرَةِ شَوَاهِدِهِ ، وَقَدِ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ قَالَ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى مُوَطَّأِ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ : الْإِنْصَافُ فِي هَذَا الْبَحْثِ أَنَّهُ إِنْ اخْتِيرَ طَرِيقُ التَّرْجِيحِ فَفِي أَحَادِيثِ النَّقْضِ كَثْرَةٌ وَقُوَّةٌ . انْتَهَى . وَقَالَ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ الْوِقَايَةِ : إِنَّ أَحَادِيثَ النَّقْضِ أَكْثَرُ وَأَقْوَى مِنْ أَحَادِيثِ الرُّخْصَةِ . انْتَهَى . وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ حَدِيثَ بُسْرَةَ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ طَلْقٍ . وَفِيهِ أَنَّ هَذَا دَعْوَى مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ ؛ بَلْ الدَّلِيلُ يَقْتَضِي خِلَافَهُ كَمَا سَتَعْرِفُ عَنْ قَرِيبٍ . وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُضُوءِ فِي حَدِيثِ بُسْرَةَ الْوُضُوءُ اللُّغَوِيُّ : أَي غَسْلُ الْيَدِ . وَفِيهِ أَنَّ الْوَاجِبَ أَنْ تُحْمَلَ الْأَلْفَاظُ الشَّرْعِيَّةُ عَلَى مَعَانِيهَا الشَّرْعِيَّةِ . عَلَى أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ : فَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّ حَدِيثَ بُسْرَةَ وَحَدِيثَ طَلْقٍ تَعَارَضَا فَتَسَاقَطَا ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ النَّقْضِ . وَفِيهِ أَنَّ حَدِيثَ بُسْرَةَ هُوَ أَثْبَتُ وَأَقْوَى وَأَرْجَحُ مِنْ حَدِيثِ طَلْقٍ ، كَمَا عَرَفْتَ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ حَدِيثَ بُسْرَةَ مُتَأَخِّرٌ ، وَحَدِيثَ طَلْقٍ مُتَقَدِّمٌ ؛ فَيُجْعَلُ الْمُتَأَخِّرُ نَاسِخًا وَالْمُتَقَدِّمُ مَنْسُوخًا كَمَا سَتَعْرِفُ عَنْ قَرِيبٍ . وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِنَقْضِ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ بِحَدِيثِ بُسْرَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ ، وَلَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ كَمَا عَرَفْتَ . وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ طَلْقٍ : أَوَّلًا بِأَنَّهُ ضَعِيفٌ ، وَثَانِيًا : بَإِنَّهُ مَنْسُوخٌ . قَالَ الْحَازِمِيُّ فِي كِتَابِ الِاعْتِبَارِ : قَالُوا أَمَّا حَدِيثُ طَلْقٍ فَلَا يُقَاوِمُ هَذَا الْحَدِيثَ - يَعْنِي حَدِيثَ بُسْرَةَ - لِأَسْبَابٍ ، مِنْهَا : نَكَارَةُ سَنَدِهِ ، وَرَكَاكَةُ رِوَايَتِهِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ : وَزَعَمَ - يَعْنِي مَنْ خَالَفَهُ - أَنَّ قَاضِيَ الْيَمَامَةِ وَمُحَمَّدَ بْنَ جَابِرٍ ذَكَرَا عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا وُضُوءَ مِنْهُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : قَدْ سَأَلْنَا عَنْ قَيْسٍ فَلَمْ نَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهُ بِمَا يَكُونُ لَنَا فِيهِ قَبُولُ خَبَرِهِ ، وَقَدْ عَارَضَهُ مَنْ وَصَفْنَا نَعْتَهُ وَرَجَاحَتَهُ فِي الْحَدِيثِ وَثَبْتَهُ . وَأَشَارَ الشَّافِعِيُّ إِلَى حَدِيثِ أَيُّوبَ بْنِ عُتْبَةَ قَاضِي الْيَمَامَةِ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ السَّحِيمِيِّ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ وَقَدْ مَرَّ حَدِيثُهُمَا ، وَأَيُّوبُ بْنُ عُتْبَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَابِرٍ ضَعِيفَانِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ ، وَقَدْ رَوَى حَدِيثَ طَلْقٍ أَيْضًا مُلَازِمُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ ، عَنْ قَيْسٍ إِلَّا أَنَّ صَاحِبَيْ الصَّحِيحِ لَمْ يَحْتَجَّا بِشَيْءٍ مِنْ رِوَايَتِهِمَا . وَرَوَاهُ أَيْضًا عِكْرِمَةُ بْنُ عِمَارَ ، عَنْ قَيْسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا ، وَعِكْرِمَةُ أَقْوَى مَنْ رَوَاهُ عَنْ قَيْسٍ إِلَّا أَنَّهُ رَوَاهُ مُنْقَطِعًا . قَالُوا : وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ : لَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِي قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ وَأَنَّهُ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ . ورُوِّينَا عَنْ ابن أَبِي حَاتِمٍ أَنَّهُ قَالَ : سَأَلْتُ أبي وأَبَا زُرْعَةَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَا : قَيْسُ بْنُ طَلْقٍ لَيْسَ مِمَّنْ تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ وَوَهَنَّاهُ وَلَمْ يُثْبِتَاهُ . قَالُوا : وَحَدِيثُ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ كَمَا لَمْ يُخْرِجْهُ صَاحِبَا الصَّحِيحِ في الصحيح لَمْ يَحْتَجَّا أَيْضًا بِشَيْءٍ مِنْ رِوَايَاتِهِ ، وَلَا بِرِوَايَاتِ أَكْثَرِ رُوَاةِ حَدِيثِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ . وَحَدِيثُ بُسْرَةَ وَإِنْ لَمْ يُخْرِجَاهُ لِاخْتِلَافٍ وَقَعَ فِي سَمَاعِ عُرْوَةَ مِنْ بُسْرَةَ ، أَوْ هُوَ عَنْ مَرْوَانَ عَنْ بُسْرَةَ فَقَدِ احْتَجَّا بِسَائِرِ رُوَاةِ حَدِيثِهَا مَرْوَانَ فَمَنْ دُونَهُ . قَالُوا : فَهَذَا وَجْهُ رُجْحَانِ حَدِيثِهَا عَلَى حَدِيثِ قَيْسٍ مِنْ طَرِيقِ الْإِسْنَادِ ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّ الرُّجْحَانَ إِنَّمَا يَقَعُ بِوُجُودِ شَرَائِطِ الصِّحَّةِ وَالْعَدَالَةِ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ الرُّوَاةِ دُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَازِمِيِّ . قُلْتُ : الرَّاجِحُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ هُوَ أَنَّ حَدِيثَ بُسْرَةَ ، وَحَدِيثَ طَلْقٍ كِلَاهُمَا صَحِيحَانِ ، لَكِنَّ حَدِيثَهَا أَصَحُّ وَأَثْبَتُ وَأَرْجَحُ مِنْ حَدِيثِهِ كَمَا عَرَفْتَ فِيمَا تَقَدَّمَ . وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ حَدِيثَ طَلْقٍ مَنْسُوخٌ فَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِأَنَّ حَدِيثَ طَلْقٍ مُتَقَدِّمٌ وَحَدِيثَ بُسْرَةَ مُتَأَخِّرٌ . قَالَ الْحَازِمِيُّ فِي كِتَابِ الِاعْتِبَارِ ص 45 و 46 : الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ - يَعْنِي النَّسْخَ مِنْ جِهَةِ التَّارِيخِ - أَنَّ حَدِيثَ طَلْقٍ كَانَ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ زَمَنَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْنِي الْمَسْجِدَ ، وَحَدِيثَ بُسْرَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ ؛ لِتَأَخُّرِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ . ثُمَّ رَوَى الْحَازِمِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ يَبْنُونَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ : يَا يَمَامِيُّ ، أَنْتَ أَرْفَقُ بِتَخْلِيطِ الطِّينِ ، وَلَدَغَتْنِي عَقْرَبٌ فَرَقَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : كَذَا رُوِيَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُخْتَصَرًا ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَتَمَّ مِنْ هَذَا . وَفِيهِ ذِكْرُ الرُّخْصَةِ فِي مَسِّ الذَّكَرِ ، قَالُوا : إِذَا ثَبَتَ أَنَّ حَدِيثَ طَلْقٍ مُتَقَدِّمٌ ، وَأَحَادِيثَ الْمَنْعِ مُتَأَخِّرَةٌ وَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهَا وَصَحَّ ادِّعَاءُ النَّسْخِ فِي ذَلِكَ ، ثُمَّ نَظَرْنَا هَلْ نَجِدُ أَمْرًا يُؤَكِّدُ مَا صِرْنَا إِلَيْهِ ، فَوَجَدْنَا طَلْقًا رَوَى حَدِيثًا فِي الْمَنْعِ فَدَلَّنَا ذَلِكَ عَلَى صِحَّةِ النَّقْلِ فِي إِثْبَاتِ النَّسْخِ ، وَأَنَّ طَلْقًا قَدْ شَاهَدَ الْحَالَتَيْنِ وَرَوَى النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ . ثُمَّ ذَكَرَ الْحَازِمِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ عَنْ أَبِيهِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ قَالَ الطَّبَرَانِيُّ : لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عُتْبَةَ إِلَّا حَمَّادُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَهُمَا عِنْدِي صَحِيحَانِ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ هَذَا ، ثُمَّ سَمِعَ هَذَا بَعْدُ ، فَوَافَقَ حَدِيثَ بُسْرَةَ وَأُمِّ حَبِيبَةَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَمْرَ بِالْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ ، فَسَمِعَ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ . ثُمَّ رَوَى الْحَازِمِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ الْكِسَائِيِّ الْفَقِيهِ أَنَّهُ قَالَ : الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ يَرَى الْوُضُوءَ مِنْ ذَلِكَ يَقُولُونَ : قَدْ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوُضُوءُ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى فَلَا يُرَدُّ ذَلِكَ بِحَدِيثِ مُلَازِمِ بْنِ عَمْرٍو ، وَأَيُّوبَ بْنِ عُتْبَةَ ، وَلَوْ كَانَتْ رِوَايَتُهُمَا مُثْبَتَةً لَكَانَ فِي ذَلِكَ مَقَالٌ ؛ لِكَثْرَةِ مَنْ رَوَى ، بِخِلَافِ رِوَايَتِهِمَا وَمَعَ ذَلِكَ الِاحْتِيَاطُ فِي ذَلِكَ أَبْلَغُ . وَيُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ ، أَفَلَا تَرَوْنَ أَنَّ الذَّكَرَ لَا يُشْبِهُ سَائِرَ الْجَسَدِ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْإِبْهَامِ وَالْأَنْفِ وَالْأُذُنِ وَمَا هُوَ مِنَّا لكَانَ لَا بَأْسَ عَلَيْنَا أَنْ نَمَسَّهُ بِأَيْمَانِنَا ، وَكَيْفَ يُشَبَّهُ الذَّكَرُ بِمَا وَصَفُوهُ مِنَ الْإِبْهَامِ وَغَيْرِهِ ذَلِكَ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ شَرْعًا سَوَاءً لَكَانَ سَبِيلُهُ فِي الْمَسِّ مَا سَمَّيْنَاهُ ، وَلَكِنْ هَاهُنَا عِلَّةٌ قَدْ غَابَتْ عَنَّا مَعْرِفَتُهَا ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ عُقُوبَةً لِكَيْ يَتْرُكَ النَّاسُ مَسَّ الذَّكَرِ ، فَنَصِيرُ مِنْ ذَلِكَ إِلَى الِاحْتِيَاطِ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَازِمِيِّ . وقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ : إِنَّ حَدِيثَ طَلْقٍ أَوْهَمَ عَالَمًا مِنَ النَّاسِ أَنَّهُ مُعَارِضٌ لِحَدِيثِ بُسْرَةَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ ، فَإِنَّ طَلْقَ بْنَ عَلِيٍّ كَانَ قُدُومُهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلَ سَنَةٍ مِنْ سِنِي الْهِجْرَةِ حَيْثُ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَبْنُونَ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ بِسَنَدِهِ إِلَى طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : وَأَبُو هُرَيْرَةَ إِسْلَامُهُ سَنَةَ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ فَكَانَ خَبَرُ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَ خَبَرِ طَلْقٍ لِسَبْعِ سِنِينَ ، وَطَلْقُ بْنُ عَلِيٍّ رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ ، ثُمَّ أَخْرَجَ عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : خَرَجْنَا وَفْدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ نَفَرٍ : خَمْسَةً مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ ، وَرَجُلًا مِنْ بَنِي ابْنِ رَبِيعَةَ حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْنَاهُ ، وَصَلَّيْنَا مَعَهُ ، وَأَخْبَرَنَا أَنَّ بِأَرْضِنَا بِيعَةً لَنَا ، وَاسْتَوْهَبْنَاهُ مِنْ فَضْلِ طَهُورِهِ فَقَالَ : اذْهَبُوا بِهَذَا الْمَاءِ فَإِذَا قَدِمْتُمْ بَلَدَكُمْ فَاكْسِرُوا بِيعَتَكُمْ ، ثُمَّ انْضَحُوا مَكَانَهَا مِنْ هَذَا الْمَاءِ ، وَاتَّخِذُوا مَكَانَهَا مَسْجِدًا ، وَفِيهِ حَتَّى قَدِمْنَا بَلَدَنَا ، فَعَمِلْنَا الَّذِي أَمَرَنَا . قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فَهَذَا بَيَانٌ وَاضِحٌ أَنَّ طَلْقَ بْنَ عَلِيٍّ رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ بَعْدَ قُدُومِهِ ، ثُمَّ لَا يُعْلَمُ لَهُ رُجُوعٌ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَمَنِ ادَّعَى ذَلِكَ فَلْيُثْبِتْهُ بِسُنَّةٍ مُصَرِّحَةٍ وَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى ذَلِكَ . انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ حِبَّانَ . قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ فِي شَرْحِهِ لِشَرْحِ الْوِقَايَةِ الْمُسَمَّى بِالسِّعَايَةِ بَعْدَ ذِكْرِ كَلَامِ الْحَازِمِيِّ الْمَذْكُورِ مَا لَفْظُهُ : هَذَا تَحْقِيقٌ حَقِيقٌ بِالْقَبُولِ ، فَإِنَّهُ بَعْدَ إِدَارَةِ النَّظَرِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ يَتَحَقَّقُ أَنَّ أَحَادِيثَ النَّقْضِ أَكْثَرُ وَأَقْوَى مِنْ أَحَادِيثِ الرُّخْصَةِ ، وَأَنَّ أَحَادِيثَ الرُّخْصَةِ مُتَقَدِّمَةٌ وَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَيَقَّنًا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ لَكِنَّهُ هُوَ الظَّاهِرُ ، فَالْأَخْذُ بِالنَّقْضِ أَحْوَطُ ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُخَالِفُهُ الْقِيَاسُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَكِنْ لَا مَجَالَ بَعْدَ وُرُودِ الْحَدِيثِ . وَأَمَّا كَوْنُ أَجَلِّ الصَّحَابَةِ كَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَلِيٍّ وَنَحْوِهِمْ قَائِلِينَ بِالرُّخْصَةِ فَلَا يَقْدَحُ بَعْدَ ثُبُوتِ الْآثَارِ الْمَرْفُوعَةِ ، وَالْعُذْرُ مِنْ قِبَلِهِمْ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَهُمْ حَدِيثُ طَلْقٍ وَأَمْثَالِهِ ، وَلَمْ يَبْلُغْهُمْ مَا يَنْسَخُهُ ، وَلَوْ وَصَلَ لَقَالُوا بِهِ ، وَهَذَا لَيْسَ بِمُسْتَبْعَدٍ ؛ فَقَدْ ثَبَتَ انْتِسَاخُ التَّطْبِيقِ فِي الرُّكُوعِ عِنْدَ جَمْعٍ وَلَمْ يَبْلُغْ ابْنَ مَسْعُودٍ ، حَتَّى دَامَ عَلَى ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ مُلَازِمًا لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ . انْتَهَى كَلَامُهُ . قُلْتُ : الْأَمْرُ عِنْدِي كَمَا قَالَ صَاحِبُ السِّعَايَةِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَهَذَا الْحَدِيثُ أَحْسَنُ شَيْءٍ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ ) ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، وَابْنُ حَزْمٍ ، وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : هُوَ أَحْسَنُ مِنْ حَدِيثِ بُسْرَةَ ، وَضَعَّفَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَاتِمٍ ، وَأَبُو زُرْعَةَ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ ، وَادَّعَى فِيهِ النَّسْخَ ابْنُ حِبَّانَ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، وَابْنُ الْعَرَبِيِّ ، وَالْحَازِمِيُّ وَآخَرُونَ ، كَذَا فِي التَّلْخِيصِ ، قُلْتُ : تَقَدَّمَ كَلَامُ الْحَازِمِيِّ ، وَابْنِ حِبَّانَ . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي مُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ ، وَأَيُّوبَ بْنِ عُتْبَةَ ) قَالَ الْخَزْرَجِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ فِي تَرْجَمَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ : ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، قَالَ الْفَلَّاسُ : صَدُوقٌ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : صَدُوقٌ ذَهَبَتْ كُتُبُهُ فَسَاءَ حِفْظُهُ ، وَخَلَطَ كَثِيرًا ، وَعَمِيَ فَصَارَ يُلَقِّنُ ، وَرَجَّحَهُ أَبُو حَاتِمٍ عَلَى ابْنِ لَهِيعَةَ . انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي تَرْجَمَةِ أَيُّوبَ بْنِ عُتْبَةَ : ضَعِيفٌ ، وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ فِي تَرْجَمَتِهِ : ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ ، وَقَالَ مَرَّةً : ثِقَةٌ لَا يُقِيمُ حَدِيثَ يَحْيَى ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : هُوَ عِنْدَهُمْ لَيِّنٌ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : أَمَّا كُتُبُهُ فَصَحِيحَةٌ وَلَكِنْ يُحَدِّثُ مِنْ حِفْظِهِ فَيَغْلَطُ ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : مَعَ ضَعْفِهِ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ : مُضْطَرِبُ الْحَدِيثِ . انْتَهَى . وَرِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ عَنْ أَبِيهِ أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
بَاب مَا جَاءَ فِي التَّيَمُّمِ 144 حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الْفَلَّاسُ نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ نَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَزْرَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ بِالتَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَفِي الْبَاب عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ عَمَّارٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَمَّارٍ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ، وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ عَلِيٌّ ، وَعَمَّارٌ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ الشَّعْبِيُّ ، وَعَطَاءٌ ، وَمَكْحُولٌ قَالُوا : التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ ابْنُ عُمَرَ ، وَجَابِرٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَالْحَسَنُ : التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الوجه عَنْ عَمَّارٍ فِي التَّيَمُّمِ أَنَّهُ قَالَ : لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَمَّارٍ أَنَّهُ قَالَ : تَيَمَّمْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَنَاكِبِ وَالْآبَاطِ ، فَضَعَّفَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ حَدِيثَ عَمَّارٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ لَمَّا رُوِيَ عَنْهُ حَدِيثُ الْمَنَاكِبِ وَالْآبَاطِ ، قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدِيثُ عَمَّارٍ فِي التَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَحَدِيثُ عَمَّارٍ : تَيَمَّمْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَنَاكِبِ وَالْآبَاطِ لَيْسَ هُوَ بِمُخَالِفٍ لِحَدِيثِ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ؛ لِأَنَّ عَمَّارًا لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا قَالَ فَعَلْنَا كَذَا وَكَذَا ، فَلَمَّا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ بِالْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا أَفْتَى بِهِ عَمَّارٌ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّيَمُّمِ أَنَّهُ قَالَ : الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ، فَفِي هَذَا دَلَالَةٌ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى مَا عَلَّمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( بَابٌ مَا جَاءَ فِي التَّيَمُّمِ ) التَّيَمُّمُ فِي اللُّغَةِ الْقَصْدُ ، قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ : تَيَمَّمْتُهَا مِنْ أَذَرِعَاتٍ وَأَهْلِهَا بِيَثْرِبَ أَدْنَى دَارِهَا نَظَرٌ عَالِي . أَيْ قَصَدْتُهَا ، وَفِي الشَّرْعِ : الْقَصْدُ إِلَى الصَّعِيدِ لِمَسْحِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِنِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا ، قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ : قَوْلُهُ : فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا أَيِ اقْصِدُوا الصَّعِيدَ ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُمْ حَتَّى صَارَ التَّيَمُّمُ مَسْحَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِالتُّرَابِ . انْتَهَى ، فَعَلَى هَذَا هُوَ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ هو حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ . وَاخْتُلِفَ فِي التَّيَمُّمِ هَلْ هُوَ عَزِيمَةٌ أَوْ رُخْصَةٌ ، وَفَصَّلَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ : هُوَ لِعَدَمِ الْمَاءِ عَزِيمَةٌ ، وَلِلْعُذْرِ رُخْصَةٌ ، كَذَا فِي الْفَتْحِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ الْفَلَّاسُ ) الصَّيْرَفِيُّ الْبَاهِلِيُّ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ حَافِظٌ ، رَوَى عَنْهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ وَغَيْرُهُمْ ، مَاتَ سَنَةَ 249 تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ . ( نَا سَعِيدٌ ) هُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ثِقَةٌ حَافِظٌ وَكَانَ مِنْ أَثْبَتِ النَّاسِ فِي قَتَادَةَ ( عَنْ عَزْرَةَ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ الْمُعْجَمَةِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زُرَارَةَ الْخُزَاعِيُّ الْكُوفِيُّ شَيْخٌ لِقَتَادَةَ ثِقَةٌ . ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ) الْخُزَاعِيُّ مَوْلَاهُمِ الْكُوفِيُّ وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ ( عَنْ أَبِيهِ ) أَيْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالزَّايِ مَقْصُورًا صَحَابِيٌّ صَغِيرٌ ، قَالَهُ الْحَافِظُ . ( عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ) صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ مَشْهُورٌ مِنَ الْسَابِقِينَ الْأَوَّلِينَ بَدْرِيٌّ قُتِلَ مَعَ عَلِيٍّ بِصِفِّينَ 37 سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ . قَوْلُهُ : ( أَمَرَهُ بِالتَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ التَّيَمُّمِ فَأَمَرَنِي ضَرْبَةً وَاحِدَةً لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ، وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ : إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا ، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً ، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ عَطَاءٌ ، وَمَكْحُولٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ ، قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَاخْتَارَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، كَذَا فِي النَّيْلِ . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي صِفَةِ التَّيَمُّمِ لَمْ يَصِحَّ مِنْهَا سِوَى حَدِيثِ أَبِي جُحيْمٍ ، وَعَمَّارٍ وَمَا عَدَاهُمَا فَضَعِيفٌ أو مُخْتَلَفٌ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ ، وَالرَّاجِحُ عَدَمُ رَفْعِهِ ، فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي جُحيْمٍ فَوَرَدَ بِذِكْرِ الْيَدَيْنِ مُجْمَلًا ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَمَّارٍ فَوَرَدَ بِذِكْرِ الْكَفَّيْنِ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَبِذِكْرِ الْمِرْفَقَيْنِ فِي السُّنَنِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : إِلَى نِصْفِ الذِّرَاعِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : إِلَى الْآبَاطِ ، فَأَمَّا رِوَايَةُ الْمِرْفَقَيْنِ وَكَذَا نِصْفُ الذِّرَاعِ فَفِيهِمَا مَقَالٌ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ الْآبَاطِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ : إِنْ كَانَ وَقَعَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكُلُّ تَيَمُّمٍ صَحَّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَهُ فَهُوَ نَاسِخٌ له ، وَإِنْ كَانَ وَقَعَ بغير أَمْرِهِ فَالْحُجَّةُ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ ، وَمِمَّا يُقَوِّي رِوَايَةَ الصَّحِيحَيْنِ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ كَوْنُ عَمَّارٍ كَانَ يُفْتِي بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ ، وَرَاوِي الْحَدِيثِ أَعْرَفُ بِالْمُرَادِ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَلَا سِيَّمَا الصَّحَابِيُّ الْمُجْتَهِدُ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ) أَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي التَّيَمُّمِ : ضَرْبَتَانِ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَفِيهِ الْحَرِيشُ بْنُ الْخِرِّيتِ ضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ ، وَأَبُو زُرْعَةَ ، وَالْبُخَارِيُّ ، كَذَا فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ . وَذَكَرَهُ الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ بِإِسْنَادِهِ ثُمَّ قَالَ : قَالَ الْبَزَّارُ : لَا نَعْلَمُهُ يَرْوِى عَنْ عَائِشَةَ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَالْحَرِيشُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَخُو الزُّبَيْرِ بْنِ الْخِرِّيتِ . انْتَهَى ، وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ وَأَسْنَدَ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ : حَرِيشُ بْنُ الْخِرِّيتِ فِيهِ نَظَرٌ ، قَالَ : وَأَنَا لَا أَعْرِفُ حَالَهُ فَإِنِّي لَمْ أَعْتَبِرْ حَدِيثَهُ . انْتَهَى كَلَامُهُ . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، كَذَا فِي شَرْحِ سِرَاجِ أَحْمَدَ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ عَمَّارٍ حديث حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ وَسَكَتَ عَنْهُ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ ، وَرَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رضي الله عنه قَالَ : بَعَثَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ ، فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ : إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً ، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ . وَهَذَا اللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ نَفَخَ فِيهِمَا ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ عَلِيٌّ ، وعَمَّارٌ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمُ الشَّعْبِيُّ ، وَعَطَاءٌ ، وَمَكْحُولٌ قَالُوا : التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ) قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي : الْمَسْنُونُ عِنْدَ أَحْمَدَ التَّيَمُّمُ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَإِنْ تَيَمَّمَ بِضَرْبَتَيْنِ جَازَ . قَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ، وَمَنْ قَالَ بِضَرْبَتَيْنِ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ زَادَهُ ، انْتَهَى . وَقَدْ عَرَفْتَ فِيمَا مَرَّ آنِفًا أَنَّ الْحَافِظَ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي : الِاكْتِفَاءُ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَاخْتَارَهُ ، انْتَهَى . وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، انْتَهَى . وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ عَمَّارٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ ، وَبِحَدِيثِهِ الْمَرْوِيِّ فِي الصَّحِيحَيْنِ الَّذِي ذَكَرْنَا لَفْظَهُ . ( وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ ، وجَابِرٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَالْحَسَنُ : التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيُّ ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ . وَاسْتَدَلُّوا بِأَحَادِيثَ لَا يَخْلُو وَاحِدٌ مِنْهَا مِنَ الْمَقَالِ . فَمِنْهَا : حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ . وَفِيهِ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ : صَحَّحَ الْأَئِمَّةُ وَقْفَهُ . وَمِنْهَا : حَدِيثُ عَمَّارٍ قَالَ : كُنْتُ فِي الْقَوْمِ حِينَ نَزَلَتِ الرُّخْصَةُ فِي الْمَسْحِ بِالتُّرَابِ إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ فَأُمِرْنَا فَضَرَبْنَا وَاحِدَةً لِلْوَجْهِ ثُمَّ ضَرْبَةً أُخْرَى لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ رَوَاهُ الْبَزَّارُ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الدِّرَايَةِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ . وَفِيهِ أَنَّ الْحَافِظَ قَالَ فِي الدِّرَايَةِ ص 37 بَعْدَ قَوْلِهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ : وَلَكِنْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فَقَالَ : إِلَى الْمَنَاكِبِ ، وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ عِلَّتَهُ والِاخْتِلَافَ فِيهِ ، ثُمَّ ذَكَرَ الْحَافِظُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الضَّرْبَتَيْنِ وَقَالَ : سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : وَيُعَارِضُهُ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الْأَرْضَ ثُمَّ تَنْفُخَ ثُمَّ تَمْسَحَ بِها وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ ، وَفِي رِوَايَةٍ : ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ ، وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عَمَّارٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : فِي التَّيَمُّمِ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ . انْتَهَى مَا قَالَ الْحَافِظُ فِي الدِّرَايَةِ . قُلْتُ : فَظَهَرَ مِنْ كَلَامِ الْحَافِظِ أَنَّ حَدِيثَ عَمَّارٍ الَّذِي رَوَاهُ الْبَزَّارُ لَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ ، وَإِنْ كَانَ سَنَدُهُ حَسَنًا . وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ حُسْنَ الْإِسْنَادِ أَوْ صِحَّتَهُ لَا يَسْتَلْزِمُ حُسْنَ الْحَدِيثِ أَوْ صِحَّتَهُ . وَقَدِ اسْتَدَلَّ صَاحِبُ آثَارِ السُّنَنِ بِحَدِيثِ عَمَّارٍ الَّذِي رَوَاهُ الْبَزَّارُ ، وَنَقَلَ مِنَ الدِّرَايَةِ قَوْلَ الْحَافِظِ : بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَلَمْ يَنْقُلْ قَوْلَهُ الْبَاقِيَ الَّذِي يَثْبُتُ مِنْهُ ضَعْفُهُ . وَكَذَلِكَ فَعَلَ صَاحِبُ الْعَرْفِ الشَّذِيِّ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ شَأْنِ أَهْلِ الْعِلْمِ . وَمِنْهَا : حَدِيثُ جَابِرٍ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَنْمَاطِيِّ ، عَنْ حَرَمِيِّ بْنِ عُمَارَةَ ، عَنْ عَزْرَةَ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلذِّرَاعَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الدِّرَايَةِ وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْحَاكِمُ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ ، انْتَهَى . وَفِيهِ أَنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ هَذَا اخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ بَعْدمَا أَخْرَجَهُ : رِجَالُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ ، وَالصَّوَابُ مَوْقُوفٌ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : ضَعَّفَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ بِعُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَقَالَ : إِنَّهُ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ وَأَخْطَأَ فِي ذَلِكَ ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ أَحَدٌ ، نَعَمْ رِوَايَتُهُ شَاذَّةٌ ؛ لِأَنَّ أَبَا نُعَيْمٍ رَوَاهُ عَنْ عَزْرَةَ مَوْقُوفًا . أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْحَاكِمُ أَيْضًا ، انْتَهَى . قُلْتُ : وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا فِي شَرْحِ الْآثَارِ : حَدَّثَنَا فَهْدٌ قَالَ : حدثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : ثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ : أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَإِنِّي تَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ ، فَقَالَ : أَصِرْتُ حِمَارًا وَضَرَبَ بِيَدَيْهِ إِلَى الْأَرْضِ ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ ، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ إِلَى الْأَرْضِ فَمَسَحَ بِيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَقَالَ : هَكَذَا التَّيَمُّمُ . تَنْبِيهٌ : قَالَ صَاحِبُ الْعَرْفِ الشَّذِيِّ : وَقَفَهَا الطَّحَاوِيُّ وَعِنْدِي أَنَّهَا مَرْفُوعَةٌ ، وَاخْتَلَطَ عَلَى الْمُوقِفِينَ لَفْظُ أَتَاهُ فَإِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ مَرْجِعَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ هُوَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَالْحَالُ أَنَّ الْمَرْجِعَ هُوَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ الْعَيْنِيُّ ، انْتَهَى . قُلْتُ : قَوْلُهُ إِنَّ الْمَرْجِعَ هُوَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاطِلٌ جِدًّا ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ذِكْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْلًا ، لَا قَبْلَ الضَّمِيرِ وَلَا بَعْدَهُ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ ، بَلْ أَوْقَفُوهُ وَأَرْجَعُوا الضَّمِيرَ إِلَى جَابِرٍ رضي الله عنه ، وَقَوْلُهُ : كَمَا قَالَ الْحَافِظُ الْعَيْنِيُّ ، لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ الْعَيْنِيَّ لَمْ يَقُلْ بِهِ ، بَلْ قَالَ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ جَابِرٍ الْمَرْفُوعِ مَا لَفْظُهُ : وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مَوْقُوفًا . فَإِنْ قُلْتَ : عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثِقَةٌ لَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ عَزْرَةَ غَيْرَ أَبِي نُعَيْمٍ ، وَزِيَادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ ، فَكَيْفَ تَكُونُ رِوَايَتُهُ الْمَرْفُوعَةُ شَاذَّةً ؟ قُلْتُ : عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَإِنْ كَانَ ثِقَةً ، لَكِنَّ أَبَا نُعَيْمٍ أَوْثَقُ مِنْهُ وَأَتْقَنُ وَأَحْفَظُ . قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ فِي تَرْجَمَةِ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ : مَقْبُولٌ ، وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ فِي تَرْجَمَتِهِ : شَيْخٌ حَدَّثَ عَنْهُ إِبْرَاهِيمُ الْحَلَبِيُّ صُوَيْلِحٌ ، وَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ . انْتَهَى ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي نُعَيْمٍ : ثِقَةٌ ثَبْتٌ ، وَقَالَ الْخَزْرَجِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي نُعَيْمٍ : قَالَ أَحْمَدُ : ثِقَةٌ يَقْظَانُ عَارِفٌ بِالْحَدِيثِ ، وَقَالَ الْفَسَوِيُّ : أَجْمَعَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ أَبَا نُعَيْمٍ كَانَ غَايَةً فِي الْإِتْقَانِ . انْتَهَى ، فَظَهَرَ أَنَّ رِوَايَةَ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْمَرْفُوعَةَ شَاذَّةٌ . وَمِنْهَا : حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي التَّيَمُّمِ : ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ . وَفِيهِ أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ ، قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ : فِي إِسْنَادِهِ جَعْفَرُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، قَالَ شُعْبَةُ : وَضَعَ أَرْبَعَمِائَةِ حَدِيثٍ ، انْتَهَى . وَمِنْهَا : حَدِيثُ عَائِشَةَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ أَيْضًا ضَعِيفٌ لَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ ، وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ بَعْدَ ذِكْرِهِ : فِي إِسْنَادِهِ حَرِيشُ بْنُ خِرِّيتِ ضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ ، وَأَبُو زُرْعَةَ . انْتَهَى ، وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ أُخْرَى غَيْرُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : أَحَادِيثُ الضَّرْبَتَيْنِ لَا تَخْلُو جَمِيعُ طُرُقِهَا مِنْ مَقَالٍ وصَحَّتْ لَكَانَ الْأَخْذُ بِهَا مُتَعَيِّنًا لِمَا فِيهَا مِنَ الزِّيَادَةِ ، فَالْحَقُّ الْوُقُوفُ عَلَى مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ مِنَ الِاقْتِصَارِ عَلَى ضَرْبَةٍ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الْمِقْدَارُ ، انْتَهَى . تَنْبِيهٌ : قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْحَقِّ الدَّهْلَوِيُّ فِي اللَّمَعَاتِ : عَدَمُ صِحَّةِ أَحَادِيثِ الضَّرْبَتَيْنِ فِي زَمَنِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ اسْتَدَلُّوا بِهَا مَحَلُّ مَنْعٍ ، إِذَ يُحْتَمَلُ أَنَّ تَطَرَّقَ الضَّعْفُ وَالْوَهَنُ فِيهَا بَعْدَهُمْ مِنْ جِهَةِ لِينِ بَعْضِ الرُّوَاةِ الَّذِينَ رَوَوْهَا بَعْدَ زَمَنِ الْأَئِمَّةِ ، فَالْمُتَأَخِّرُونَ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ الَّذِينَ جَاءُوا بَعْدَهُمْ أَوْرَدُوهَا فِي السُّنَنِ دُونَ الصِّحَاحِ ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الضَّعْفِ فِي الْحَدِيثِ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ وُجُودُهُ عِنْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ ، مَثَلًا رِجَالُ الْإِسْنَادِ فِي زَمَنِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله كَانَ وَاحِدا مِنَ التَّابِعِينَ يَرْوِي عَنِ الصَّحَابِيِّ أَوِ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ إِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْهُمْ ، وَكَانُوا ثِقَاتٍ مِنْ أَهْلِ الضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ ، ثُمَّ رَوَى ذَلِكَ الْحَدِيثَ مِنْ بَعْدِهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ الدَّرَجَةِ ، فَصَارَ الْحَدِيثُ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ مِثْلِ الْبُخَارِيِّ ، وَمُسْلِمٍ ، وَالتِّرْمِذِيِّ وَأَمْثَالِهِمْ ضَعِيفًا ، وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله فَتَدَبَّرْ ، وَهَذِهِ نُكْتَةٌ جَيِّدَةٌ . انْتَهَى كَلَامُ الشَّيْخِ . قُلْتُ : قَدْ تَدَبَّرْنَا فَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِهَذِهِ النُّكْتَةِ صِحَّةُ أَحَادِيثِ الضَّرْبَتَيْنِ الضَّعِيفَةِ أَلْبَتَةَ . أَمَّا أَوَّلًا : فَلِأَنَّا سَلَّمْنَا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ تَطَرُّقَ الضَّعْفِ فِي أَحَادِيثِ الضَّرْبَتَيْنِ بَعْدَ زَمَنِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ الْقَائِلِينَ بِالضَّرْبَتَيْنِ ، وَلَكِنْ هَذَا احْتِمَالٌ مَحْضٌ ، وَبِالِاحْتِمَالِ لَا يَثْبُتُ صِحَّةُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ الَّتِي ثَبَتَ ضَعْفُهَا عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ حُفَّاظِ الْمُحَدِّثِينَ الْمَاهِرِينَ بِفُنُونِ الْحَدِيثِ مِثْلِ الْبُخَارِيِّ ، وَمُسْلِمٍ ، وَالتِّرْمِذِيِّ وَأَمْثَالِهِمْ . وَأَمَّا ثَانِيًا : فَلِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَنْ قَالَ بِالتَّيَمُّمِ بِالضَّرْبَتَيْنِ كَالْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَغَيْرِهِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ حَتَّى يَثْبُتَ بِاسْتِدْلَالِهِ بِهَا صِحَّتُهَا ، بَلْ نَقُولُ : يُحْتَمَلُ أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الضَّعِيفَةَ لَمْ تَبْلُغْهُ ، وَإِنَّمَا اسْتَدَلَّ بِبَعْضِ آثَارِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَمَا لَمْ يَثْبُتِ اسْتِدْلَالُهُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ لَا يَثْبُتُ بِالنُّكْتَةِ الْمَذْكُورَةِ صِحَّةُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ . وَأَمَّا ثَالِثًا : فَلِأَنَّهُ لَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَيْضًا لَا يَلْزَمُ صِحَّتُهَا . لِجَوَازِ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ فِي هَذَا الْبَابِ غَيْرُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الضِّعَافِ ، فَاسْتَدَلَّ بِهَا وَعَمِلَ بِمُقْتَضَاهَا مَعَ الْعِلْمِ بِضَعْفِهَا . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي التَّقْرِيبِ : وَعَمَلُ الْعَالِمِ وَفُتْيَاهُ عَلَى وَفْقِ حَدِيثٍ لَيْسَ حُكْمًا بِصِحَّتِهِ ، وَلَا مُخَالَفَتُهُ قَدَحٌ فِي صِحَّتِهِ وَلَا فِي رِوَايَتِهِ . انْتَهَى ، قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي التَّدْرِيبِ : وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ نَظَرٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَابِ غَيْرُ ذَلِكَ الْحَدِيثِ ، وَتَعَرَّضَ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ فِي فُتْيَاهُ أَوْ حُكْمِهِ أَوِ اسْتَشْهَدَ بِهِ عِنْدَ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ ، قَالَ الْعِرَاقِيُّ : وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ ذَلِكَ الْبَابِ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ لَا يَكُونَ ثَمَّ دَلِيلٌ آخَرُ مِنْ قِيَاسٍ أَوْ إِجْمَاعٍ ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُفْتِيَ أَوِ الْحَاكِمَ أَنْ يَذْكُرَ جَمِيعَ أَدِلَّتِهِ بَلْ وَلَا بَعْضَهَا . وَلَعَلَّ لَهُ دَلِيلًا آخَرَ وَاسْتَأْنَسَ بِالْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي الْبَابِ ، وَرُبَّمَا كَانَ يَرَى الْعَمَلَ بِالضَّعِيفِ وَتَقْدِيمَهُ عَلَى الْقِيَاسِ ، انْتَهَى . وَأَمَّا رَابِعًا : فَلِأَنَّ هَذِهِ النُّكْتَةَ لَيْسَتْ بِجَيِّدَةٍ بَلْ هِيَ فَاسِدَةٌ ، فَإِنَّ حَاصِلَهَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الضَّعْفِ فِي الْحَدِيثِ فِي الزَّمَنِ الْمُتَأَخِّرِ وُجُودُهُ فِيهِ فِي الزَّمَنِ الْمُتَقَدِّمِ ، وَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ صِحَّةُ كُلِّ حَدِيثٍ ضَعِيفٍ ثَبَتَ ضَعْفُهُ فِي الزَّمَنِ الْمُتَأَخِّرِ لِضَعْفِ بَعْضِ رُوَاتِهِ ، فَإِنَّ الرَّاوِيَ الضَّعِيفَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ تَابِعِيًّا أَوْ غَيْرَهُ مِمَّنْ دُونَهُ ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يُقَالُ إِنَّ الْحَدِيثَ كَانَ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ صَحِيحًا وَالضَّعْفُ إِنَّمَا حَدَثَ فِي زَمَنِ التَّابِعِيِّ ، وَعَلَى الثَّانِي يُقَالُ إِنَّ الْحَدِيثَ كَانَ صَحِيحًا فِي الزَّمَنِ التَّابِعِيِّ وَالضَّعْفُ إِنَّمَا حَدَثَ فِي زَمَنِ غَيْرِ التَّابِعِيِّ مِمَّنْ دُونَهُ ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَالْمَلْزُومُ كَذَلِكَ فَتَدَبَّرْ وَتَفَكَّرْ . تَنْبِيهٌ آخَرُ : قَالَ الشَّيْخُ الْأَجَلُّ الشَّاهْ وَلِيُّ اللَّهِ فِي الْمُسَوَّى شَرْحِ الْمُوَطَّأِ تَحْتَ أَثَرِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَتَيَمَّمُ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ : إِنَّ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ - يَعْنِي أَثَرَ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه وَحَدِيثَ عَمَّارٍ - لَيْسَا مُتَعَارِضَيْنِ عِنْدِي ، فَإِنَّ فِعْلَ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه كَمَالُ التَّيَمُّمِ ، وَفِعْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَلُّ التَّيَمُّمِ ، كَمَا أَنَّ لَفْظَ يَكْفِيكَ يُرْشِدُ إِلَيْهِ ، فَكَمَا أَنَّ أَصْلَ الْوُضُوءِ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ مَرَّةً مَرَّةً وَكَمَالَهُ غَسْلُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، كَذَلِكَ أَصْلُ التَّيَمُّمِ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ وَالْمَسْحُ إِلَى الْكَفَّيْنِ وَكَمَالُهُ ضَرْبَتَانِ وَالْمَسْحُ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ . انْتَهَى كَلَامُهُ مُعَرَّبًا . قُلْتُ : لَوْ كَانَ حَدِيثُ الضَّرْبَتَيْنِ وَالْمَسْحِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرْفُوعًا صَحِيحًا لَتَمَّ مَا قَالَ الشَّيْخُ الْأَجَلُّ الدَّهْلَوِيُّ رحمه الله ، وَلَكِنْ قَدْ عَرَفْتَ أَنَّ أَحَادِيثَ الضَّرْبَتَيْنِ وَالْمِرْفَقَيْنِ ضَعِيفَةٌ أَوْ مُخْتَلِفَةٌ فِي الرَّفْعِ وَالْوَقْفِ ، وَالرَّاجِحُ هُوَ الْوَقْفُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَمَّارٍ الْمَرْفُوعُ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَكَانَ يُفْتِي بِهِ عَمَّارٌ رضي الله عنه بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكَيْفَ يَصِحُّ الْقَوْلُ بِأَنَّ فِعْلَ ابْنِ عُمَرَ كَمَالُ التَّيَمُّمِ وَفِعْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَلُّ التَّيَمُّمِ ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَمَالُ التَّيَمُّمِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ ابْنَ الْمُنْذِرِ قَدْ رَوَى بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنه كَانَ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ فِي الْوُضُوءِ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ ، فَهَلْ يُقَالُ إِنَّ غَسْلَ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه الرِّجْلَيْنِ سَبْعَ مَرَّاتٍ كَمَالُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ ، كَلَّا ثُمَّ كَلَّا . تَنْبِيهٌ آخَرُ : اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ الْحَنَفِيَّةَ وَغَيْرَهُمْ مِمَّنْ قَالَ بِالتَّيَمُّمِ بِالضَّرْبَتَيْنِ وَبِمَسْحِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ قَدِ اعْتَذَرُوا عَنِ الْعَمَلِ بِرِوَايَاتِ عَمَّارٍ رضي الله عنه الصَّحِيحَةِ الْقَاضِيَةِ بِالتَّيَمُّمِ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَبِمَسْحِ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ بِأَعْذَارٍ كُلُّهَا بَارِدَةٌ ، وقد ذَكَرَهَا صَاحِبُ السِّعَايَةِ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهَا ، فَنَحْنُ نَذْكُرُ عِبَارَتَهُ هَاهُنَا فَإِنَّهَا كَافِيَةٌ لِرَدِّ أَعْذَارِهِمْ . قَالَ : اعْلَمْ أَنَّ نِزَاعَهُمْ فِي مَقَامَيْنِ : الْأَوَّلُ : فِي كَيْفِيَّةِ مَسْحِ الْأَيْدِي هَلْ هُوَ إِلَى الْإِبْطِ أَمْ إِلَى الْمِرْفَقِ أَمْ إِلَى الرُّسْغِ . وَالثَّانِي : فِي تَوَحُّدِ الضَّرْبَةِ لِلْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَتَعَدُّدِهَا . أَمَّا النِّزَاعُ الْأَوَّلُ فَأَضْعَفُ الْأَقْوَالِ فِيهِ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ ، وَأَقْوَى الْأَقْوَالِ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ هُوَ الِاكْتِفَاءُ بِمَسْحِ الْيَدَيْنِ إِلَى الرُّسْغَيْنِ لِمَا ثَبَتَ فِي رِوَايَاتِ حَدِيثِ عَمَّارٍ الصَّحِيحَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَهُ كَيْفِيَّةَ التَّيَمُّمِ حِينَ بَلَغَهُ تَمَعُّكُهُ فِي التُّرَابِ وَاكْتَفَى فِيهِ عَلَى مَسْحِ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ، قَالَ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِوُجُوهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ تَعْلِيمَهُ لِعَمَّارٍ وَقَعَ بِالْفِعْلِ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ الْقَوْلِيَّةِ الْمَسْحُ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْقَوْلَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْفِعْلِ . وَفِيهِ نَظَرٌ : أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ تَعْلِيمَهُ وَإِنْ كَانَ بِالْفِعْلِ لَكِنَّهُ انْضَمَّ مَعَهُ قَوْلُهُ : إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَذَا ، فَصَارَ الْحَدِيثُ فِي حُكْمِ الْحَدِيثِ الْقَوْلِيِّ ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الْأَرْضَ ثُمَّ تَنْفُخُ ثُمَّ تَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : يَكْفِيكَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّعْلِيمَ وَقَعَ بِالْقَوْلِ أَيْضًا . وَثَانِيهَا : مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ ، وَالْعَيْنِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَنَّ مَقْصُودَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَانُ صُورَةِ الضَّرْبِ وَكَيْفِيَّةِ التَّعْلِيمِ لَا بَيَانُ جَمِيعِ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّيَمُّمُ ، فَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ افْتِرَاضِ مَا عَدَا الْمَذْكُورَ فِيهِ . وَفِيهِ أَيْضًا نَظَرٌ : أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ سِيَاقَ الرِّوَايَاتِ شَاهِدٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بَيَانُ جَمِيعِ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّيَمُّمُ ، وَإِلَّا لَمْ يَقُلْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ فَحَمْلُهُ عَلَى مُجَرَّدِ تَعْلِيمِ صُورَةِ الضَّرْبِ حَمْلٌ بَعِيدٌ ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْمَقْصُودُ مِنَ التَّعْلِيمِ بَيَانَ جَمِيعِ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّيَمُّمُ لَزِمَ السُّكُوتُ فِي مَعْرِضِ الْحَاجَةِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ مِنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ عَمَّارًا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ التَّيَمُّمِ الْمَشْرُوعَةَ ، وَلَمْ يَكُنْ تَحَقَّقَ عِنْدَهُ مَا يَكْفِي فِي التَّيَمُّمِ ؛ وَلِذَلِكَ تَمَعَّكَ فِي التُّرَابِ تَمَعُّكَ الدَّابَّةِ ، فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْ بَيَانِ جَمِيعِ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّيَمُّمُ لِاحْتِيَاجِ عَمَّارٍ إِلَيْهِ غَايَةَ الْحَاجَةِ وَالِاكْتِفَاءُ فِي تَعْلِيمِهِ عِنْدَ ذَلِكَ بِبَيَانِ صُورَةِ الضَّرْبِ فَقَطْ مُضِرٌّ بِالْمَقْصُودِ لِبَقَاءِ جَهَالَةِ مَا وَرَاءَهُ . وَثَالِثُهَا : أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَفَّيْنِ فِي تِلْكَ الرِّوَايَاتِ الْيَدَانِ . وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ ، فَإِنَّ ذِكْرَ الْيَدِ وَإِرَادَةَ بَعْضٍ مِنْهَا وَاقِعٌ شَائِعٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا وَقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ الْآيَةَ . حَيْثُ ذُكِرَ فِيهما الْيَدُ وَأُرِيدَ بِهِ بَعْضُهَا وَهُوَ الْكَفُّ وَالرُّسْغُ ، وَأَمَّا إِطْلَاقُ الْكَفِّ وَإِرَادَةُ الْيَدِ فَغَيْرُ شَائِعٍ ، وَهُوَ مَجَازٌ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ إِلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ وَهُوَ مَفْقُودٌ هَاهُنَا ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ مِنْهُ الْيَدُ وَهُوَ اسْمٌ مِنَ الْأَصَابِعِ إِلَى الْمَنَاكِبِ لَزِمَ ثُبُوتُ لُزُومِ مَسْحِ الْيَدِ إِلَى الْمَنَاكِبِ وَلَا قَائِلَ بِهِ . وَرَابِعها : أَنَّهُ لَمَّا تَعَارَضَتِ الْأَحَادِيثُ رَجَعْنَا إِلَى آثَارِ الصَّحَابَةِ فَوَجَدْنَا كَثِيرًا مِنْهُمْ أَفْتَوْا بِالْمَسْحِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ فَأَخَذْنَا بِهِ . وَفِيهِ أَنَّ الرُّجُوعَ إِلَى آثَارِ الصَّحَابَةِ إِنَّمَا يُفِيدُ إِذَا كَانَ بَيْنَهُمُ اتِّفَاقٌ ، وَلَا كَذَلِكَ هَاهُنَا فَإِنَّ عَمَّارًا مِنْهُمْ قَدْ أَفْتَى بِالْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَأَصْرَحُ مِنْهُ مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَشَيَّدَهُ بِذِكْرِ النَّظِيرِ كَمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ . وَخَامِسُهَا : مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ وَارْتَضَى بِهِ الْعَيْنِيُّ فِي عُمْدَةِ الْقَارِي مِنْ أَنَّ حَدِيثَ عَمَّارٍ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً فِي كَوْنِ التَّيَمُّمِ إِلَى الْكُوعَيْنِ أَوِ الْمِرْفَقَيْنِ أَوِ الْمَنْكِبَيْنِ أَوِ الْإِبْطَيْنِ لِاضْطِرَابِهِ . وَفِيهِ : أَنَّ الِاضْطِرَابَ فِي هَذَا الْمَقَامِ غَيْرُ مُضِرٍّ لِكَوْنِ رِوَايَاتِ الْمِرْفَقَيْنِ وَالْمَنْكِبَيْنِ مَرْجُوحَةً ضَعِيفَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهَا ، فَسَقَطَ الِاعْتِبَارُ بِهَا ، وَرِوَايَاتُ الْآبَاطِ قِصَّتُهَا مُقَدَّمَةٌ عَلَى قِصَّةِ رِوَايَاتِ الْكَفَّيْنِ فَلَا تُعَارِضُهَا ، فَبَقِيَتْ رِوَايَاتُ الْكَفَّيْنِ سَالِمَةً عَنِ الْقَدَحِ وَالْمُعَارَضَةِ . انْتَهَى كَلَامُ صَاحِبِ السِّعَايَةِ مُخْتَصَرًا . تَنْبِيهٌ آخَرُ : قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْحَقِّ الدَّهْلَوِيُّ فِي اللُّمَعَاتِ : إِنَّ الْأَحَادِيثَ وَرَدَتْ فِي الْبَابِ مُتَعَارِضَةً جَاءَتْ فِي بَعْضِهَا ضَرْبَتَيْنِ ، وَفِي بَعْضِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً ، وَفِي بَعْضِهَا مُطْلَقُ الضَّرْبِ ، وَفِي بَعْضِهَا كَفَّيْنِ ، وَفِي بَعْضِهَا يَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَفِي بَعْضِهَا يَدَيْنِ مُطْلَقًا ، وَالْأَخْذُ بِأَحَادِيثِ الضَّرْبَتَيْنِ وَالْمِرْفَقَيْنِ أَخْذٌ بِالِاحْتِيَاطِ وَعَمَلٌ بِأَحَادِيثِ الطَّرَفَيْنِ لِاشْتِمَالِ الضَّرْبَتَيْنِ عَلَى ضَرْبَةٍ وَمَسْحِ الذِّرَاعَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ عَلَى مَسْحِ الْكَفَّيْنِ دُونَ الْعَكْسِ ، وأَيْضًا التَّيَمُّمُ طَهَارَةٌ نَاقِصَةٌ ، فَلَوْ كَانَ مَحَلُّهُ أَكْثَرَ بِأَنْ يُسْتَوْعَبَ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَكَانَ لِلْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ ضَرْبَةٌ عَلَى حِدَةٍ لَكَانَ أَحْسَنَ وَأَوْلَى وإِلَى الِاحْتِيَاطِ أَقْرَبُ وَأَدْنَى ، لَا يُقَالُ إِلَى الْآبَاطِ أَقْرَبُ إِلَى الِاحْتِيَاطِ ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ الْآبَاطِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ . انْتَهَى كَلَامُ الشَّيْخِ . قُلْتُ : أَحَادِيثُ الضَّرْبَتَيْنِ وَالْمِرْفَقَيْنِ ضَعِيفَةٌ أَوْ مُخْتَلِفَةٌ فِي الرَّفْعِ وَالْوَقْفِ ، وَالرَّاجِحُ هُوَ الْوَقْفُ ، وَلَمْ يَصِحَّ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ سِوَى حَدِيثَيْنِ أَحَدُهُمَا حَدِيثُ أَبِي جُحيْمٍ بِذِكْرِ الْيَدَيْنِ مُجْمَلًا ، وَثَانِيهمَا حَدِيثُ عَمَّارٍ بِذِكْرِ ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَهُمَا حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا كَمَا عَرَفْتَ ، هَذَا كُلُّهُ فِي كَلَامِ الْحَافِظِ وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ مَحْمُولٌ عَلَى الثَّانِي فَالْأَخْذُ بِأَحَادِيثِ الضَّرْبَتَيْنِ وَالْمِرْفَقَيْنِ لَيْسَ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ ، كَيْفَ وَهَلْ يَكُونُ فِي أَخْذِ الْمَرْجُوحِ وَتَرْكِ الرَّاجِحِ احْتِيَاط ؟ كَلَّا بَلِ الاحْتِيَاطُ فِي أَخْذِ حَدِيثِ ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ بَلْ هُوَ الْمُتَعَيِّنُ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ التَّيَمُّمُ طَهَارَةٌ نَاقِصَةٌ إِلَخْ فَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُ التَّيَمُّمِ طَهَارَةً نَاقِصَةً بِدَلِيلٍ صَحِيحٍ ، بَلِ الثَّابِتُ أَنَّ التَّيَمُّمَ عِنْدَ عَدَمِ وِجْدَانِ الْمَاءِ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الصَّعِيدُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ الْحَدِيثَ ، رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ ، وَلَكِنْ صَوَّبَ الدَّارَقُطْنِيُّ إِرْسَالَهُ ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ نَحْوُهُ وَصَحَّحَهُ ، فَالتَّيَمُّمُ عِنْدَ عَدَمِ وِجْدَانِ الْمَاءِ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ ، وَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ وُضُوءٌ نَاقِصٌ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ نَاقِصَةٌ فَالْأَخْذُ بِأَحَادِيثِ الضَّرْبَتَيْنِ وَالْمِرْفَقَيْنِ لَا يَكُونُ أَوْلَى ، وَلَا إِلَى الِاحْتِيَاطِ أَقْرَبَ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ ، كَمَا أَنَّ الْأَخْذَ بِحَدِيثِ الْآبَاطِ لَيْسَ أَوْلَى وَلَا إِلَى الِاحْتِيَاطِ أَقْرَبَ عِنْدَ الشَّيْخِ الدَّهْلَوِيِّ . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْوَجْهُ عَنْ عَمَّارٍ ) وَفِي نُسْخَةٍ قَلَمِيَّةٍ صَحِيحَةٍ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَمَّارٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ . ( أَنَّهُ قَالَ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ) بِالْجَرِّ عَلَى الْحِكَايَةِ ( مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ) أَيْ مِنْ غَيْرِ طَرِيقٍ وَاحِدٍ بَلْ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ . ( فَضَعَّفَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ حَدِيثَ عَمَّارٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ لَمَّا رُوِيَ عَنْهُ حَدِيثُ الْمَنَاكِبِ وَالْآبَاطِ ) فَظَنَّ أَنَّ حَدِيثَ الْمَنَاكِبِ وَالْآبَاطِ مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَمُعَارِضٌ لَهُ فَضَعَّفَهُ لِلِاخْتِلَافِ وَالِاضْطِرَابِ . ( قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ) أَيْ فِي الْجَوَابِ عَنْ تَضْعِيفِ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ تَيَمُّمَهُمْ إِلَى الْمَنَاكِبِ وَالْآبَاطِ لَمْ يَكُنْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَمَّا التَّيَمُّمُ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَّمَهُ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ هَذَا هُوَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ . ( فَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى مَا عَلَّمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ السِّنْدِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : أَيْ إِنَّ عَمَّارًا انْتَهَى إِلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ فَكَانَ هُوَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ ، فَالْأَوَّلُ مَا فَهِمُوا مِنْ إِطْلَاقِ الْيَدِ فِي الْكِتَابِ فِي آيَةِ التَّيَمُّمِ ، وَالثَّانِي مَا انْتَهَوْا إِلَيْهِ بِتَعْلِيمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ الثَّانِي هُوَ الْمُعْتَبَرَ وَالْمَعْمُولَ بِهِ ، وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّ عَمَّارًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اجْتَهَدَ أَوَّلًا ثُمَّ لَمَّا عَلَّمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ . انْتَهَى كَلَامُ أَبِي الطَّيِّبِ .
145 ثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى نَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ نَا هُشَيْمٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الْقُرَشِيِّ ، عَنْ دَاودَ بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ التَّيَمُّمِ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ قَالَ فِي كِتَابِهِ حِينَ ذَكَرَ الْوُضُوءَ : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَقَالَ فِي التَّيَمُّمِ فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ وَقَالَ : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا فَكَانَتْ السُّنَّةُ فِي الْقَطْعِ الْكَفَّيْنِ إِنَّمَا هُوَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّينِ يَعْنِي التَّيَمُّمَ ، قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غريب . قَوْلُهُ : ( فَكَانَتِ السُّنَّةُ فِي الْقَطْعِ الْكَفَّيْنِ ) قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ السِّنْدِيُّ : أَيِ الطَّرِيقَةُ فِي الدِّينِ قَطْعُ الْكَفَّيْنِ لِلسَّرِقَةِ ، يَعْنِي بِسَبَبِ إِطْلَاقِ الْيَدِ فِي آيَةِ السَّرِقَةِ ، فَكَذَا التَّيَمُّمُ يَكْفِي فِيهِ مَسْحُ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ لِإِطْلَاقِ الْيَدِ فِي التَّيَمُّمِ ، وَمُطْلَقُ الْكَفَّانِ بِدَلِيلِ آيَةِ السَّرِقَةِ ، انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْعَارِضَةِ تَحْتَ أَثَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا مَا لَفْظُهُ : هَذِهِ إِشَارَةُ حَبْرِ الْأُمَّةِ وَتُرْجُمَانِ الْقُرْآنِ ، وَكَانَ كَلَامُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ قَبْلُ إِشَارَةً وَبَسْطُهُ : أَنَّ اللَّهَ حَدَّدَ الْوُضُوءَ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ فَوَقَفْنَا عِنْدَ تَحْدِيدِهِ وَأَطْلَقَ الْقَوْلَ فِي الْيَدَيْنِ فَحُمِلَتْ عَلَى ظَاهِرِ مُطْلَقِ اسْمِ الْيَدِ وَهُوَ الْكَفَّانِ كَمَا فَعَلْنَا فِي السَّرِقَةِ ، فَهَذَا أَخْذٌ لِلظَّاهِرِ لَا قِيَاسٌ لِلْعِبَادَةِ عَلَى الْعُقُوبَةِ ، انْتَهَى . ( إِنَّمَا هُوَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّيْنِ ) تَقْرِيرٌ لِلْمَطْلُوبِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ تَقْرِيرِ الدَّلِيلِ ، وَالظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ الْكَفَّانِ ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ لِهُوَ بِطَرِيقِ الْعَطْفِ ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ بِحَذْفِ الْمُضَافِ وَإِبْقَاءِ جَرِّ الْمُضَافِ إِلَيْهِ عَلَى حَالِهِ ، أَيْ إِنَّمَا هُوَ مَسْحُ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَهُوَ قَلِيلٌ ، لَكِنَّهُ وَارِدٌ كَقِرَاءَةِ ابْنِ جَمَّازٍ وَاَللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةِ بِجَرِّ الْآخِرَةِ ، أَيْ عِوَضَ الْآخِرَةِ ، أَيْ مَتَاعَهَا ، قَالَهُ أَبُو الطَّيِّبِ السِّنْدِيُّ .
( بَاب تَرْكِ الْوُضُوءِ مِنْ الْقُبْلَةِ ) 86 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، وَهَنَّادٌ ، وَأَبُو كُرَيْبٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، وَأَبُو عَمَّارٍ قَالُوا : نَا وَكِيعٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبَّلَ بَعْضَ نِسَائِهِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ، قَالَ قُلْتُ : مَنْ هِيَ إِلَّا أَنْتِ ، فَضَحِكَتْ ، قَالَ أَبُو عِيسَى : وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ قَالُوا : لَيْسَ فِي الْقُبْلَةِ وُضُوءٌ ، وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ : فِي الْقُبْلَةِ وُضُوءٌ ، وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ ، وَإِنَّمَا تَرَكَ أَصْحَابُنَا حَدِيثَ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ عِنْدَهُمْ لِحَالِ الْإِسْنَادِ قَالَ : وَسَمِعْت أَبَا بَكْرٍ الْعَطَّارَ الْبَصْرِيَّ يَذْكُرُ عَنْ عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ قَالَ : ضَعَّفَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَقَالَ : هُوَ شِبْهُ لَا شَيْءَ قَالَ : وَسَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يُضَعِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَقَالَ : حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُرْوَةَ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبَّلَهَا وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ أَيْضًا ، وَلَا نَعْرِفُ لِإِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ سَمَاعًا مِنْ عَائِشَةَ ، وَلَيْسَ يَصِحُّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ . باب ترك الوضوء من القبلة قَوْلُهُ : ( عَنْ عُرْوَةَ ) قَالَ الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ : لَمْ يَنْسُبْ التِّرْمِذِيُّ ، عُرْوَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَصْلًا ، وَأَمَّا ابْنُ مَاجَهْ فَإِنَّهُ نَسَبَهُ فَقَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، ثَنَا وَكِيعٌ ، ثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ فَذَكَرَهُ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَرِجَالُ هَذَا السَّنَدِ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ . انْتَهَى . وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَقَالَ : وَأَيْضًا فَالسُّؤَالُ الَّذِي فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ ؛ لِأَنَّ الْمُزَنِيَّ لَا يَجْسُرُ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ الْكَلَامَ لِعَائِشَةَ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ ، وَأَرَادَ بِالسُّؤَالِ الَّذِي فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ قَوْلَهُ : " مَنْ هِيَ إِلَّا أَنْتِ ؟ " وَهَذَا السُّؤَالُ مَوْجُودٌ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( قَبَّلَ بَعْضَ نِسَائِهِ ) : أَيْ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ ( ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ) : أَيْ فَصَلَّى بِالْوُضُوءِ السَّابِقِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وُضُوءًا جَدِيدًا مِنَ التَّقْبِيلِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَسَّ الْمَرْأَةِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ . قَوْلُهُ : ( قَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَأَهْلِ الْكُوفَةِ قَالُوا : لَيْسَ فِي الْقُبْلَةِ وُضُوءٌ ) ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَلِيٌّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَاسْتُدِلَّ لَهُمْ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ، لَكِنَّهُ مَرْوِيٌّ مِنْ طُرُقٍ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا ، وَبِحَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلِي ، فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ . وَفِي لَفْظٍ : " فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ غَمَزَ رِجْلِي فَضَمَمْتُهَا إِلَيَّ ثُمَّ سَجَدَ " ، وَبِحَدِيثِهَا قَالَتْ : " إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُصَلِّي ، وَإِنِّي لَمُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ اعْتِرَاضَ الْجِنَازَةِ حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ مَسَّنِي بِرِجْلِهِ " ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ . قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ : إِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ ، وَبِحَدِيثِهَا قَالَتْ : فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً مِنَ الْفِرَاشِ فَالْتَمَسْتُهُ ، فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى بَاطِنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ الْحَدِيثَ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ . ( وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ : فِي الْقُبْلَةِ وُضُوءٌ ، وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ ) وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَاسْتَدَلَّ هَؤُلَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ قَالُوا : هَذِهِ الْآيَةُ صَرَّحَتْ بِأَنَّ اللَّمْسَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْدَاثِ الْمُوجِبَةِ لِلْوُضُوءِ ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي لَمْسِ الْيَدِ ، وَيُؤَيِّدُ بَقَاءَهُ عَلَى مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ قِرَاءَةُ " أَوْ لَمَسْتُمْ " فَإِنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِي مُجَرَّدِ اللَّمْسِ مِنْ دُونِ جِمَاعٍ ، رَوَى الْبَيْهَقِيُّ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَطَارِقُ بْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَوْلُهُ : أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ قَوْلا مَعْنَاهُ مَا دُونَ الْجِمَاعِ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : هَذَا إِسْنَادٌ مَوْصُولٌ صَحِيحٌ ، وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : " قُبْلَةُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ ، وَجَسُّهَا بِيَدِهِ مِنَ الْمُلَامَسَةِ ، فَمَنْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ أَوْ جَسَّهَا بِيَدِهِ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ " . وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ لَا كَلَامَ فِي أَنَّ حَقِيقَةَ الْمُلَامَسَةِ وَاللَّمْسِ هُوَ الْجَسُّ بِالْيَدِ ، لَكِنَّ الْمُرَادَ فِي الْآيَةِ الْمَجَازُ وَهُوَ الْجِمَاعُ ؛ لِوُجُودِ الْقَرِينَةِ وَهِيَ أَحَادِيثُ عَائِشَةَ الْمَذْكُورَةُ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِهَا الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْقُبْلَةَ لَيْسَ فِيهَا وُضُوءٌ ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ تَأْوِيلَ كِتَابِهِ ، وَاسْتَجَابَ فِيهِ دَعْوَةَ رَسُولِهِ بِأَنَّ اللَّمْسَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ هُوَ الْجِمَاعُ ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ تَفْسِيرَهُ أَرْجَحُ مِنْ تَفْسِيرِ غَيْرِهِ لِتِلْكَ الْمَزِيَّةِ ، وَكَذَلِكَ صَرَّحَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَيْضًا ، قَالَ الْحَافِظُ عِمَادُ الدِّينِ فِي تَفْسِيرِهِ : اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ وَالْأَئِمَّةُ فِي مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ ذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ الْآيَةَ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، ثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ قَالَ : الْجِمَاعَ ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ نَحْوُ ذَلِكَ ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، ثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : ذَكَرُوا اللَّمْسَ فَقَالَ نَاسٌ مِنَ الْمَوَالِي : لَيْسَ بِالْجِمَاعِ ، وَقَالَ نَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ : اللَّمْسُ الْجِمَاعُ ، قَالَ : فَلَقِيتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ لَهُ : إِنَّ نَاسًا مِنَ الْمَوَالِي وَالْعَرَبِ اخْتَلَفُوا فِي اللَّمْسِ فَقَالَتِ الْمَوَالِي : لَيْسَ بِالْجِمَاعِ ، وَقَالَتِ الْعَرَبُ : الْجِمَاعُ ، قَالَ : فَمِنْ أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ كُنْتَ ؟ قُلْتُ : كُنْتُ مِنَ الْمَوَالِي ، قَالَ : غُلِبَ فَرِيقُ الْمَوَالِي إِنَّ اللَّمْسَ وَالْمَسَّ وَالْمُبَاشَرَةَ الْجِمَاعُ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَكُنِّي مَا شَاءَ بِمَا شَاءَ . ( إِلَى أَنْ قَالَ ) : وَقَدْ صَحَّ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَقَالَ آخَرُونَ عَنَى اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ كُلَّ مَنْ لَمَسَ بِيَدٍ أَوْ بِغَيْرِهَا مِنْ أَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ وَأَوْجَبَ الْوُضُوءَ عَلَى كُلِّ مَنْ مَسَّ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ شَيْئًا مِنْ جَسَدِهَا ، ثُمَّ أَوْرَدَ أَثَرَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأَقْوَالِ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ فِي أَنَّ الْقُبْلَةَ مِنَ الْمَسِّ وَفِيهَا الْوُضُوءُ ثُمَّ قَالَ : وَالْقَوْلُ بِوُجُوبِ الْوُضُوءِ مِنَ الْمَسِّ هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَمَالِكٍ ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ : أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ الْجِمَاعَ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ مَعَانِي اللَّمْسِ ؛ لِصِحَّةِ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَبَّلَ بَعْضَ نِسَائِهِ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ . انْتَهَى . قُلْتُ : قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّ مَسَّ الْمَرْأَةِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ هُوَ الْأَقْوَى وَالْأَرْجَحُ عِنْدِي ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَإِنَّمَا تَرَكَ أَصْحَابُنَا حَدِيثَ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ عِنْدَهُمْ لِحَالِ الْإِسْنَادِ ) فَهُوَ ضَعِيفٌ ، لَكِنْ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : الضَّعْفُ مُنْجَبِرٌ بِكَثْرَةِ رِوَايَاتِهِ ، وَبِحَدِيثِ لَمْسِ عَائِشَةَ لِبَطْنِ قَدَمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالِاعْتِذَارُ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي لَمْسِهَا لِقَدَمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ مِنْ أَنَّ اللَّمْسَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ بِحَائِلٍ أَوْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِهِ تَكَلُّفٌ وَمُخَالَفَةٌ لِلظَّاهِرِ . انْتَهَى كَلَامُهُ . وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ : أَصْحَابُنَا أَهْلُ الْحَدِيثِ . قَالَ الشَّيْخُ سِرَاجُ أَحْمَدَ السَّرْهَنْدِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ مَا لَفْظُهُ : " وجزاين نيست لَهُ تَرْكُ كردند أَصْحَاب مَا أَهْل حَدِيثِ حَدِيثَ عَائِشَةَ إِلَخْ " ، وَقَالَ أَبُو الطَّيِّبِ السِّنْدِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : قَوْلُهُ وَإِنَّمَا تَرَكَ أَصْحَابُنَا : أَيْ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، أَوْ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ، كَذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ هُوَ الْأَوَّلُ . انْتَهَى ، قُلْتُ : بَلْ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ أَصْحَابُنَا فِي الْمُقَدِّمَةِ . ( قَالَ : وَسَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الْعَطَّارَ الْبَصْرِيَّ ) اسْمُهُ أَحْمَدُ بْنُ محمد بن إِبْرَاهِيمَ ، صَدُوقٌ ، مِنَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ . ( وَقَالَ : هُوَ شِبْهُ لَا شَيْءَ ) ؛ يَعْنِي أَنَّهُ ضَعِيفٌ ، وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ( وَقَالَ : حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُرْوَةَ ) قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِ الْمَرَاسِيلِ : ذَكَرَ أَبِي عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ قَالَ : لَمْ يَسْمَعْ حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ مِنْ عُرْوَةَ ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ : لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُرْوَةَ . انْتَهَى . ( وَقَدْ رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبَّلَهَا وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، ( وَهَذَا لَا يَصِحُّ أَيْضًا وَلَا نَعْرِفُ لِإِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ سَمَاعًا مِنْ عَائِشَةَ ) ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ بَعْدَ رِوَايَةِ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ عَائِشَةَ : وَإِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَةَ وَلَا مِنْ حَفْصَةَ وَلَا أَدْرَكَ زَمَانَهُمَا ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ، فَوَصَلَ إِسْنَادَهُ ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي لَفْظ ، فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ ، وَقَالَ عَنْهُ غَيْرُ عُثْمَانَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقَبِّلُ ، لَا يَتَوَضَّأُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . انْتَهَى . ( وَلَيْسَ يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ ) : أَيْ فِي بَابِ تَرْكِ الْوُضُوءِ مِنَ الْقُبْلَةِ ، لَكِنَّ حَدِيثَ الْبَابِ مَرْوِيٌّ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ ، فَالضَّعْفُ مُنْجَبِرٌ بِكَثْرَةِ الطُّرُقِ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَحَادِيثُ عَائِشَةَ الْأُخْرَى كَمَا قَدْ عَرَفْتَ . وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِانْتِقَاضِ الْوُضُوءِ مِنَ الْقُبْلَةِ وَلَمْسِ الْمَرْأَةِ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ وُجُودِ اللَّذَّةِ وَعَدَمِهِ ، قَالَ الزُّرْقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ : لَمْ يَشْتَرِطْ الشَّافِعِيُّ وُجُودَ اللَّذَّةِ ؛ لِظَاهِرِ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعُموم الْآيَةِ ، وَلِلْإِجْمَاعِ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَى الْمُسْتَكْرَهَةِ وَالنَّائِمَةِ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَإِنْ لَمْ تَقَعْ لَذَّةٌ ، وَاشْتَرَطَ مَالِكٌ اللَّذَّةَ أَوْ وُجُودَهَا عِنْدَ اللَّمْسِ وَهُوَ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي الْمُلَامَسَةِ إِلَّا قَوْلَانِ : الْجِمَاعُ وَمَا دُونَهُ ، وَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي إِنَّمَا أَرَادَ مَا دُونَهُ مِمَّا لَيْسَ بِجِمَاعٍ ، وَلَمْ يُرِدْ اللَّطْمَةَ ، وَلَا قُبْلَةَ الرَّجُلِ بِنْتَهُ ، وَلَا اللَّمْسَ بِلَا شَهْوَةٍ ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا مَا وَقَعَتْ بِهِ اللَّذَّةُ ؛ إِذْ لَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ لَطَمَ امْرَأَتَهُ ، أَوْ دَاوَى جُرْحَهَا لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ ، فَكَذَلِكَ مَنْ لَمَسَ وَلَمْ يَلْتَذَّ ، كَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ مَسَّ الْمَرْأَةِ بِلَطْمِهَا أَوْ مُدَاوَاةِ جُرْحِهَا نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ ، فَإِنْ أَرَادَ نَفْيَ الْخِلَافِ فِي مَذْهَبِهِ لَمْ يَتِمَّ الدَّلِيلُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَحلِ النِّزَاعِ . انْتَهَى كَلَامُ الزُّرْقَانِيِّ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الْوُضُوءِ مِنْ الْمَوْطي 143 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نا مالك بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أُمِّ وَلَدٍ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَتْ : قُلْتُ لِأُمِّ سَلَمَةَ : إِنِّي امْرَأَةٌ أُطِيلُ ذَيْلِي وَأَمْشِي فِي الْمَكَانِ الْقَذِرِ ، فَقَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ ، وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أُمِّ وَلَدٍ لِهُودِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَهُوَ وَهَمٌ وإنما هو عَنْ أُمِّ وَلَدٍ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَهَذَا الصَّحِيحُ وَفِي الْبَاب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ كُنَّا نصلي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولَا نَتَوَضَّأُ مِنْ الْمَوْطي ، قَالَ أَبُو عِيسَى : وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، قَالُوا : إِذَا وَطئ الرَّجُلُ عَلَى الْمَكَانِ الْقَذِرِ أَن لَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ الْقَدَمِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَطْبًا فَيَغْسِلَ مَا أَصَابَهُ . ( بَابَ مَا جَاءَ فِي الْوُضُوءِ مِنَ الْمَوْطِي ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الطَّاءِ ، قَالَ الخَطَّابِيُّ : الْمَوْطِئُ مَا يُوطَأُ فِي الطَّرِيقِ مِنَ الْأَذَى ، وَأَصْلُهُ الْمَوْطُوءُ ، انْتَهَى . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْمَوْطِي مَوْضِعُ وَطْءِ الْقَدَمِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ ) بْنِ عمرو بن حَزْمٍ الْمَدَنِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، وَعَنْهُ مَالِكٌ ، وَابْنُ إِدْرِيسَ ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ ، وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ صَدُوقٌ يُخْطِئُ ، انْتَهَى . ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ) بْنِ الْحَارِثِ بْنِ خَالِدِ بْنِ صَخْرٍ التَّيْمِيِّ الْمَدَنِيِّ ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَالنَّاسُ ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ ، وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ ثِقَةٌ لَهُ أَفْرَادٌ ، انْتَهَى . ( عَنْ أُمِّ وَلَدٍ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ) وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ وَأَبِي دَاوُدَ عَنْ أُمِّ وَلَدٍ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، قَالَ الزُّرْقَانِيُّ : اسْمُهَا حُمَيْدَةُ تَابِعِيَّةٌ صَغِيرَةٌ مَقْبُولَةٌ ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : حُمَيْدَةُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، يُقَالُ هِيَ أُمُّ وَلَدٍ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَوْفٍ . ( أُطِيلُ ) مِنَ الْإِطَالَةِ ( ذَيْلِي ) الذَّيْلُ بِفَتْحِ الذَّالِ هُوَ طَرَفُ الثَّوْبِ الَّذِي يَلِي الْأَرْضَ ، وَإِنْ لَمْ يَمَسَّهَا . ( فِي الْمَكَانِ الْقَذِرِ ) بِكَسْرِ الذَّالِ ، أَيْ فِي مَكَانٍ ذِي قَذَرٍ ، أَيْ فِي الْمَكَانِ النَّجِسِ ( يُطَهِّرُهُ ) أَيِ الذَّيْلَ ( مَا بَعْدَهُ ) فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ فَاعِلُ يُطَهِّرُ ، أَيْ مَكَانُ الَّذِي بَعْدَ الْمَكَانِ الْقَذِرِ بِزَوَالِ مَا يَتَشَبَّثُ بِالذَّيْلِ مِنَ الْقَذَرِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : كَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ : إِنَّمَا هُوَ فِيمَا جُرَّ عَلَى مَا كَانَ يَابِسًا لَا يَعْلَقُ بِالثَّوْبِ مِنْهُ شَيْئا ، فَأَمَّا إِذَا جُرَّ عَلَى رَطْبٍ فَلَا يُطَهِّرُهُ إِلَّا بِالْغَسْلِ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ مَعْنَاهُ إِذَا أَصَابَهُ بَوْلٌ ثُمَّ مَرَّ بَعْدَهُ عَلَى الْأَرْضِ أَنَّهَا تُطَهِّرُهُ وَلَكِنَّهُ يَمُرُّ بِالْمَكَانِ فَيُقَذِّرُهُ ثُمَّ يَمُرُّ بِمَكَانٍ أَطْيَبَ مِنْهُ فَيَكُونُ هَذَا بِذَاكَ ، لَا عَلَى أَنَّهُ يُصِيبُهُ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ : إِنَّ الْأَرْضَ يُطَهِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، إِنَّمَا هُوَ أَنْ يَطَأَ الْأَرْضَ الْقَذِرَةَ ثُمَّ يَطَأَ الْأَرْضَ الْيَابِسَةَ النَّظِيفَةَ فَإِنَّ بَعْضَهَا يُطَهِّرُ بَعْضًا ، فَأَمَّا النَّجَاسَةُ مِثْلُ الْبَوْلِ وَنَحْوِهِ يُصِيبُ الثَّوْبَ أَوْ بَعْضَ الْجَسَدِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُطَهِّرُهُ إِلَّا الْغَسْلُ ، قَالَ : وَهَذَا إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ . انْتَهَى كَلَامُهُ . قَالَ الزُّرْقَانِيُّ : وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى حَمْلِ الْقَذَرِ فِي الْحَدِيثِ عَلَى النَّجَاسَةِ وَلَوْ رَطْبَةً ، وَقَالُوا : يُطَهِّرُهُ الْأَرْضُ الْيَابِسَةُ ؛ لِأَنَّ الذَّيْلَ لِلْمَرْأَةِ كَالْخُفِّ وَالنَّعْلِ لِلرَّجُلِ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي ابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا نُرِيدُ الْمَسْجِدَ فَنَطَأُ الطَّرِيقَةَ النَّجِسَةَ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْأَرْضُ يُطَهِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا . لَكِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ كَمَا قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ ، انْتَهَى . وَقَالَ الشَّيْخُ الْأَجَلُّ وَلِيُّ اللَّهِ الْمُحَدِّثُ الدَّهْلَوِيُّ فِي الْمُسَوَّى شَرْحِ الْمُوَطَّأِ تَحْتَ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ : إِنْ أَصَابَ الذَّيْلَ نَجَاسَةُ الطَّرِيقِ ثُمَّ مَرَّ بِمَكَانٍ آخَرَ وَاخْتَلَطَ بِهِ طِينُ الطَّرِيقِ وَغُبَارُ الْأَرْضِ وَتُرَابُ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَيَبِسَتِ النَّجَاسَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ فَيَطْهُرُ الذَّيْلُ النَّجِسُ بِالتَّنَاثُرِ أَوِ الْفَرْكِ وَذَلِكَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ عِنْدَ الشَّارِعِ بِسَبَبِ الْحَرَجِ وَالضِّيقِ ، كَمَا أَنَّ غَسْلَ الْعُضْوِ وَالثَّوْبِ مِنْ دَمِ الْجِرَاحَةِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ ، وَكَمَا أَنَّ النَّجَاسَةَ الرَّطْبَةَ الَّتِي أَصَابَتِ الْخُفَّ تَزيلُ بِالدَّلْكِ . وَيَطْهُرُ الْخُفُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ بِسَبَبِ الْحَرَجِ ، وَكَمَا أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَنْقَعَ الْوَاقِعَ فِي الطَّرِيقِ ، وَإِنْ وَقَعَ فِيهِ النَّجَاسَةُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِسَبَبِ الْحَرَجِ ، وَإِنِّي لَا أَجِدُ الْفَرْقَ بَيْنَ الثَّوْبِ الَّذِي أَصَابَهُ دَمُ الْجِرَاحَةِ وَالثَّوْبِ الَّذِي أَصَابَهُ الْمَاءُ الْمُسْتَنْقَعُ وَبَيْنَ الذَّيْلِ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ نَجَاسَةٌ رَطْبَةٌ ثُمَّ اخْتَلَطَ بِهِ غُبَارُ الْأَرْضِ وَتُرَابُهَا وَطِينُ الطَّرِيقِ ، فَتَنَاثَرَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ أَوْ زَالَتْ بِالْفَرْكِ ، فَإِنَّ حُكْمَهَا وَاحِدٌ ، وَمَا قَالَ الْبَغَوِيُّ إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى النَّجَاسَةِ الْيَابِسَةِ الَّتِي أَصَابَتِ الثَّوْبَ ثُمَّ تَنَاثَرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَفِيهِ نَظَرٌ ، لِأَنَّ النَّجَاسَةَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالذَّيْلِ فِي الْمَشْيِ فِي الْمَكَانِ الْقَذِرِ تَكُونُ رَطْبَةً فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ ، وَهُوَ مَعْلُومٌ بِالْقَطْعِ فِي عَادَةِ النَّاسِ ، فَإِخْرَاجُ الشَّيْءِ الَّذِي تَحَقَّقَ وُجُودُهُ قَطْعًا أَوْ غَالِبًا عَنْ حَالَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ بَعِيدٌ ، وَأَمَّا طِينُ الشَّارِعِ يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ فَفِيهِ نَوْعٌ مِنَ التَّوَسُّعِ فِي الْكَلَامِ ; لِأَنَّ الْمَقَامَ يَقْتَضِي أَنْ يُقَالَ : هُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ أَوْ لَا بَأْسَ بِهِ ، لَكِنْ عَدَلَ عَنْهُ بِإِسْنَادِ التَّطْهِيرِ إِلَى شَيْءٍ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُطَهِّرًا لِلنَّجَاسَةِ ، فَعُلِمَ أَنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ ، وَهَذَا أَبْلَغُ مِنَ الْأَوَّلِ . انْتَهَى ، وَقَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ فِي مُوَطَّئِهِ بَعْدَ رِوَايَةِ حَدِيثِ الْبَابِ مَا لَفْظُهُ : قَالَ مُحَمَّدٌ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ مَا لَمْ يَعْلَقْ بِالذَّيْلِ قَذَرٌ فَيَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ الْكَبِيرِ الْمِثْقَالِ ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يُصَلِّيَنَّ فِيهِ حَتَّى يَغْسِلَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، انْتَهَى . قُلْتُ : أَقْرَبُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ عِنْدِي قَوْلُ الشَّيْخِ الْأَجَلِّ الشَّاهْ وَلِيُّ اللَّهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَحَدِيثُ الْبَابِ أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَأَحْمَدُ ، والدارمي ، وَأَبُو دَاوُدَ وَسَكَتَ عَنْهُ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا . وَفِي الْبَابِ عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ قَالَتْ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لَنَا طَرِيقًا إِلَى الْمَسْجِدِ مُنْتِنَةٌ فَكَيْفَ نَفْعَلُ إِذَا مُطِرْنَا؟ قَالَتْ : فَقَالَ : أَلَيْسَ بَعْدَهَا طَرِيقٌ هِيَ أَطْيَبُ مِنْهَا ؟ قُلْتُ : بَلَى ، قَالَ : فَهَذِهِ بِهَذِهِ . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَسَكَتَ عَنْهُ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ ، وَالْمَرْأَةُ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ هَذِهِ صَحَابِيَّةٌ ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي أُسْدِ الْغَابَةِ ، وَقَدْ تَقَرر أَنَّ جَهَالَةَ اسْمِ الصَّحَابِيِّ لَا تَضُرُّ . تَنْبِيهٌ : قَالَ عَلِيٌّ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ بَعْدَ ذِكْرِ تَأْوِيلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالْإِمَامِ مَالِكٍ مَا لَفْظُهُ : وَمَا قال أَحْمَدَ ، وَمَالِكٍ مِنَ التَّأْوِيلِ لَا يَشْفِي الْعَلِيلَ ، وَلَوْ حُمِلَ أَنَّهُ مِنْ بَابِ طِينِ الشَّارِعِ وَأَنَّهُ طَاهِرٌ أَوْ مَعْفُوٌّ لِعُمُومِ الْبَلْوَى لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ ، لَكِنْ لَا يُلَائِمُهُ قَوْلُهُ : أَلَيْسَ بَعْدَهَا إِلَخْ فَالْمَخْلَصُ مَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ : مِنْ أَنَّ فِي إِسْنَادِ الْحَدِيثَيْنِ مَعًا مَقَالًا ؛ لِأَنَّ أُمَّ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ وَامْرَأَةً مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ مَجْهُولَتَانِ لَا يُعْرَفُ حَالُهُمَا فِي الثِّقَةِ وَالْعَدَالَةِ ، فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهِمَا . انْتَهَى ، وَقَالَ أَيْضًا : لَوْ ثَبَتَ أَنَّهَا ، أَيِ امْرَأَةً مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ صَحَابِيَّةٌ لَمَا قِيلَ : إِنَّهَا مَجْهُولَةٌ ، انْتَهَى . قُلْتُ : قَوْلُ الْقَارِي هَذَا عَجِيبٌ جِدًّا ، فَإِنَّ كَوْنَ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ صَحَابِيَّةً ظَاهِرٌ مِنْ نَفْسِ الْحَدِيثِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا شَافَهَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَأَلَتْهُ بِلَا وَاسِطَةٍ ، وَقَالَتْ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لَنَا إِلَخْ ، وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يَطَّلِعُوا عَلَى اسْمِهَا وَنَسَبِهَا قَالُوا : إِنَّهَا مَجْهُولَةٌ ، فَهَذَا لَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِهَا صَحَابِيَّةً ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهَا صَحَابِيَّةً أَنْ يُعْلَمَ اسْمُهَا وَرَسْمُهَا ، وَأَمَّا أُمُّ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : حُمَيْدَةُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ يُقَالُ هِيَ أُمُّ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مَقْبُولَةٌ مِنَ الرَّابِعَةِ ، انْتَهَى . وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : حُمَيْدَةُ أَنَّهَا سَأَلَتْ أُمَّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ : إِنِّي امْرَأَةٌ طَوِيلَةُ الذَّيْلِ ، وَعَنْهَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ ، وَقِيلَ عَنْهُ عَنْ أُمِّ وَلَدٍ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ ، قُلْتُ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمُ أُمِّ الْوَلَدِ حُمَيْدَةَ فَيَلْتَئِمُ الْقَوْلَانِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَلَا نَتَوَضَّأُ مِنَ الْمَوْطِي ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ إِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُعِيدُونَ الْوُضُوءَ لِلْأَذَى إِذَا أَصَابَ أَرْجُلَهُمْ لَا أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَغْسِلُونَ أَرْجُلَهُمْ وَلَا يُنَظِّفُونَهَا مِنَ الْأَذَى إِذَا أَصَابَهَا . انْتَهَى ، وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ الْوُضُوءُ عَلَى اللُّغَوِيِّ وَهُوَ التَّنْظِيفُ ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَغْسِلُونَ أَرْجُلَهُمْ مِنَ الطِّينِ وَنَحْوِهَا وَيَمْشُونَ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الطَّهَارَةُ ، انْتَهَى . وَحَمَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى النَّجَاسَةِ الْيَابِسَةِ وَأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَغْسِلُونَ الرِّجْلَ مِنْ وَطْي النَّجَاسَةِ الْيَابِسَةِ ، وَبَوَّبَ عَلَيْهِ فِي الْمَعْرِفَةِ : بَابٌ النَّجَاسَةُ الْيَابِسَةُ يَطَؤُهَا بِرِجْلِهِ أَوْ يَجُرُّ عَلَيْهَا ثَوْبَهُ ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ هَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَسَكَتَ عَنْهُ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ .
( بَاب الْوُضُوءِ مِنْ الْقَيْءِ وَالرُّعَافِ ) 87 حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ أَبِي السَّفَرِ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : ثَنَا ، وَقَالَ إِسْحَاقُ : أَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ ، قال : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ يَعِيشَ بْنِ الْوَلِيدِ الْمَخْزُومِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاءَ فَتَوَضَّأَ ، فَلَقِيتُ ثَوْبَانَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : صَدَقَ ، أَنَا صَبَبْتُ لَهُ وَضُوءَهُ ، وقال إسحاق بن منصور : معدان بن طلحة ، قَالَ أَبُو عِيسَى : وَابْنُ أَبِي طَلْحَةَ أَصَحُّ ، قَالَ أَبُو عِيسَى : وَقَدْ رَأَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ التَّابِعِينَ الْوُضُوءَ مِنْ الْقَيْءِ وَالرُّعَافِ ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : لَيْسَ فِي الْقَيْءِ وَالرُّعَافِ وُضُوءٌ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَقَدْ جَوَّدَ حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَحَدِيثُ حُسَيْنٍ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَرَوَى مَعْمَرٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ فَأَخْطَأَ فِيهِ ، فَقَالَ : عَنْ يَعِيشَ بْنِ الْوَلِيدِ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْأَوْزَاعِيَّ ، وَقَالَ : عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، وَإِنَّمَا هُوَ مَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ . ( بَابُ الْوُضُوءِ مِنَ الْقَيْءِ وَالرُّعَافِ ) بِضَمِّ الرَّاءِ الدَّمُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْأَنْفِ ، وَأَيْضًا الدَّمُ بِعَيْنِهِ كَذَا فِي الْقَامُوسِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ أَبِي السَّفَرِ ) اسْمُهُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ بِفَتْحِ السِّينِ وَالْفَاءِ سَعِيدُ بْنُ يَحْمَدَ الْكُوفِيُّ ، رَوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، وَأَبِي أُسَامَةَ ، وَعَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ وَغَيْرِهِمْ ، وَعَنْهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : شَيْخٌ مَاتَ سَنَةَ 258 ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ ، وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ : صَدُوقٌ يَهِمُ . ( وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ) ابْنُ بَهْرَامَ الْكَوْسَجُ أَبُو يَعْقُوبَ التَّمِيمِيُّ الْمَرْوَزِيُّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ ، مِنَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : هُوَ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْمُتَمَسِّكِينَ بِالسُّنَّةِ ، صَاحِبُ مَسَائِلِ الْإِمَامَيْنِ : أَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، رَحَّالٌ جَوَّالٌ وَاسِعُ الْعِلْمِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَالنَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ وَخَلْقٍ ، وَعَنْهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ : ثِقَةٌ ثَبْتٌ ، مَاتَ سَنَةَ 251 إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ . ( قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : ثَنَا ، وَقَالَ إِسْحَاقُ : أَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ ) ؛ يَعْنِي قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي رِوَايَتِهِ : ثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بِلَفْظِ التَّحْدِيثِ ، وَقَالَ إِسْحَاقُ فِي رِوَايَتِهِ : أَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بِلَفْظِ الْإِخْبَارِ ، وَعَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ هَذَا هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْعَنْبَرِيُّ التَّنُّورِيُّ أَبُو سَهْلٍ الْبَصْرِيُّ الْحَافِظُ ، صَدُوقٌ ثَبْتٌ فِي شُعْبَةَ ، مِنَ التَّاسِعَةِ ، مَاتَ سَنَةَ 207 سَبْعٍ وَمِائَتَيْنِ . ( قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ) هُوَ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ ذَكْوَانَ التَّمِيمِيُّ الْعَنْبَرِيُّ قَالَ النَّسَائِيُّ : ثِقَةٌ ثَبْتٌ ، وَقَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ : أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِهِ ، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : تُوُفِّيَ سَنَةَ 180 ثَمَانِينَ وَمِائَةٍ . ( عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ ) هُوَ الْحُسَيْنُ بْنُ ذَكْوَانَ الْمُعَلِّمُ الْمُكَتِّبُ الْعَوْذِيُّ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ رُبَّمَا وَهَمَ ، قَالَهُ الْحَافِظُ ( عَنْ يَعِيشَ بْنِ الْوَلِيدِ الْمَخْزُومِيِّ ) الْأُمَوِيِّ الْمُعَيْطِيِّ ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَمُعَاوِيَةَ ، وَعَنْهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ ، ( عَنْ أَبِيهِ ) هُوَ الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ بِالتَّصْغِيرِ الْأُمَوِيُّ أَبُو يَعِيشَ الْمُعَيْطِيُّ ، ثِقَةٌ ، مِنَ السَّادِسَةِ . ( عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ) ، وَيُقَالُ : ابْنُ طَلْحَةَ الْيَعْمُرِيِّ شَامِيٌّ ثِقَةٌ ، قَالَهُ الْحَافِظُ . قَوْلُهُ : ( قَاءَ فَتَوَضَّأَ ) قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ السِّنْدِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : الْفَاءُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ كَانَ مُرَتَّبًا عَلَى الْقَيْءِ ، وَبِسَبَبِهِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ ، فَتَكُونُ هِيَ لِلسَّبَبِيَّةِ ، فَيَنْدَفِعُ بِهِ مَا أَجَابَ بِهِ الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ النَّقْضِ مِنْ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْقَيْءَ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْوُضُوءُ بَعْدَ الْقَيْءِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ ، أَوْ عَلَى وَجْهِ الِاتِّفَاقِ . انْتَهَى . قُلْتُ : قَوْلُهُ قَاءَ فَتَوَضَّأَ لَيْسَ نَصًّا صَرِيحًا فِي أَنَّ الْقَيْءَ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ مِنْ دُونِ أَنْ تَكُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ ، وَلَيْسَ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ - يَعْنِي فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَثَوْبَانَ بِلَفْظِ : قَاءَ فَأَفْطَرَ - دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْقَيْءَ كَانَ مُفْطِرًا لَهُ ، إِنَّمَا فيه قَاءَ فَأَفْطَرَ بَعْدَ ذَلِكَ . انْتَهَى . ( فَلَقِيتُ ثَوْبَانَ ) قَائِلُهُ مَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ( فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ ) : أَيْ فَذَكَرْتُ لِثَوْبَانَ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ حَدَّثَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاءَ فَتَوَضَّأَ ( فَقَالَ ) : أَيْ ثَوْبَانُ ( صَدَقَ ) : أَيْ أَبُو الدَّرْدَاءِ ( أَنَا صَبَبْتُ لَهُ ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَضُوءَهُ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ : أَيْ مَاءَ وَضُوئِهِ . قوله : ( وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ : مَعْدَانُ بْنُ طَلْحَةَ ) بِحَذْفِ لَفْظِ أَبِي ، ( وَابْنُ أَبِي طَلْحَةَ أَصَحُّ ) بِزِيَادَةِ لَفْظِ " أَبِي " كَمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رَأَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرُهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ الْوُضُوءَ مِنَ الْقَيْءِ وَالرُّعَافِ ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ) وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ، وَعَلْقَمَةَ ، وَالْأَسْوَدِ ، وَعَامِرٍ الشَّعْبِيِّ ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَالْحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَحَمَّادٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحِ بْنِ حُيَيٍّ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . وَاسْتَدَلَّ لَهُمْ بِحَدِيثِ الْبَابِ . قُلْتُ : الِاسْتِدْلَالُ بِحَدِيثِ الْبَابِ مَوْقُوفٌ عَلَى أَمْرَيْنِ : الْأَوَّلُ : أَنْ تَكُونَ الْفَاءُ فِي " فَتَوَضَّأَ " لِلسَّبَبِيَّةِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ كَمَا عَرَفْتَ . وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ لَفْظُ : فَتَوَضَّأَ بَعْدَ لَفْظِ : قَاءَ مَحْفُوظًا وَهُوَ مَحَلُّ تَأَمُّلٍ ؛ فَإِنَّهُ رَوَى أَبُو دَاوُدَ هَذَا الْحَدِيثَ بِلَفْظِ : قَاءَ فَأَفْطَرَ ، وَبِهَذَا اللَّفْظِ ذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ حَيْثُ قَالَ : وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَثَوْبَانَ ، وَفُضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاءَ فَأَفْطَرَ ، قَالَ : وَإِنَّمَا مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ صَائِمًا فَقَاءَ فَضَعُفَ فَأَفْطَرَ لِذَلِكَ . هَكَذَا رُوِيَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ مُفَسَّرًا . انْتَهَى . وَأَوْرَدَهُ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمِشْكَاةِ بِلَفْظِ : قَاءَ فَأَفْطَرَ ، وَقَالَ : رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالدَّارِمِيُّ . انْتَهَى . وَأَوْرَدَهُ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ بِهَذَا اللَّفْظِ حَيْثُ قَالَ : حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاءَ فَأَفْطَرَ ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الثَّلَاثَةِ ، وَابْنُ الْجَارُودِ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، وَابْنُ مِنْدَهْ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاءَ فَأَفْطَرَ ، قَالَ مَعْدَانُ : فَلَقِيتُ ثَوْبَانَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ إِلَخْ ، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي شَرْحِ الْآثَارِ ، فَمَنْ يَرُومُ الِاسْتِدْلَالَ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى أَنَّ الْقَيْءَ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ لَفْظَ تَوَضَّأَ بَعْدَ لَفْظِ قَاءَ مَحْفُوظٌ ، فَمَا لَمْ يَثْبُتْ هَذَانِ الْأَمْرَانِ لَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَالُ . وَاسْتَدَلَّ لَهُمْ أَيْضًا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ أَوْ رُعَافٌ أَوْ قَلْسٌ أَوْ مَذْيٌ فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ ، ثُمَّ لِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَا يَتَكَلَّمُ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ . قُلْتُ : هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَهُوَ حِجَازِيٌّ ، وَرِوَايَةُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْحِجَازِيِّينَ ضَعِيفَةٌ ، ثُمَّ الصَّوَابُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ . وَاسْتَدَلَّ لَهُمْ أَيْضًا بِأَحَادِيثَ أُخْرَى ذَكَرَهَا الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ ، وَالْحَافِظُ فِي الدِّرَايَةِ ، وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ لَا يَصْلُحُ وَاحِدٌ مِنْهَا لِلِاسْتِدْلَالِ ، مَنْ شَاءَ الْوُقُوفَ عَلَيْهَا وَعَلَى مَا فِيهَا مِنَ الْكَلَامِ فَلْيراجِعْ إِلَى هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ : لَيْسَ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ وَعَدَمِ نَقْضِهِ بِالدَّمِ وَالْقَيْءِ وَالضَّحِكِ فِي الصَّلَاةِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ . انْتَهَى . كَذَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ ص 23 . ( وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : لَيْسَ فِي الْقَيْءِ وَالرُّعَافِ وُضُوءٌ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ) ، فَعِنْدَ مَالِكٍ لَا يُتَوَضَّأُ مِنْ رُعَافٍ وَلَا قَيْءٍ وَلَا قَيْحٍ يَسِيلُ مِنَ الْجَسَدِ ، وَلَا يَجِبُ الْوُضُوءُ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ يَخْرُجُ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ دُبُرٍ ، وَقِيلَ : وَمِنْ نَوْمٍ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ أَصْحَابِهِ ، وَكَذَلِكَ الدَّمُ عِنْدَهُ يَخْرُجُ مِنَ الدُّبُرِ لَا وُضُوءَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ يَشْتَرِطُ الْخُرُوجَ الْمُعْتَادَ ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الرُّعَافِ وَسَائِرِ الدِّمَاءِ الْخَارِجَةِ كَقَوْلِهِ إِلَّا مَا يَخْرُجُ مِنَ الْمَخْرَجَيْنِ ، سَوَاءٌ كَانَ دَمًا أَوْ حَصَاةً أَوْ دُودًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ ، وَمِمَّنْ كَانَ لَا يَرَى فِي الدِّمَاءِ الْخَارِجَةِ مِنْ غَيْرِ الْمَخْرَجَيْنِ الْوُضُوءَ طَاوُسٌ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَرَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، كَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ : وَقَالَ الْحَسَنُ مَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ ، وَقَالَ طَاوُسٌ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَعَطَاءٌ ، وَأَهْلُ الْحِجَازِ : لَيْسَ فِي الدَّمِ وُضُوءٌ . انْتَهَى . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : قَوْلُهُ وَأَهْلُ الْحِجَازِ هُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ الْمَذْكُورِينَ قبْلُ حِجَازِيُّونَ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، قَالَ : وَقَدْ صَحَّ أَنَّ عُمَرَ صَلَّى وَجُرْحُهُ يَنْبُعُ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . قُلْتُ : أَثَرُ عُمَرَ رضي الله عنه هَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَفِيهِ فَصَلَّى عُمَرُ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا . قَالَ الزُّرْقَانِيُّ بِمُثَلَّثَةٍ ثُمَّ عَيْنٍ مَفْتُوحَةٍ ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : أَيْ يَجْرِي . انْتَهَى . وَاحْتَجَّ لِمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُمَا بِمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ ، فَرُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَنَزَفَهُ الدَّمُ ، فَرَكَعَ وَسَجَدَ وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ . انْتَهَى . وأَجَابَ عَنْهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْحَقِّ الدَّهْلَوِيُّ فِي اللُّمَعَاتِ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَنْتَهِضُ حُجَّةً إِذَا ثَبَتَ اطِّلَاعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صَلَاةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَلَيت أَدْرِي كَيْفَ يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ وَالدَّمُ إِذَا سَالَ أَصَابَ بَدَنَهُ ، وَرُبَّمَا أَصَابَ ثِيَابَهُ ، وَمَعَ إِصَابَةِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَا تَصِحُّ صَلَاةٌ إِلَّا أَنْ يُقَالَ : إِنَّ الدَّمَ كَانَ يَجْرِي مِنَ الْجُرْحِ عَلَى سَبِيلِ الدَّفْقِ حَتَّى لَمْ يُصِبْ شَيْئًا مِنْ ظَاهِرِ بَدَنِهِ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ أَمْرٌ عَجَبٌ كَذَا ذَكَرَهُ الشُّمُنِّيُّ . انْتَهَى كَلَامُ الشَّيْخِ . قُلْتُ : حَدِيثُ جَابِرٍ الْمَذْكُورُ صَحِيحٌ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي : أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ . انْتَهَى ، وَالظَّاهِرُ هُوَ اطِّلَاعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صَلَاةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ ؛ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تِلْكَ كَانَتْ فِي حَالَةِ الْحِرَاسَةِ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَكَرَ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِيُّ حَدِيثَ جَابِرٍ هَذَا فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ مِنْ رِوَايَةِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَصَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ ، وَالْبَيْهَقِيِّ . قَالَ وَزَادَ : فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا لَهُمَا قَالَ : وَلَمَّا يَأْمُرْهُ بِالْوُضُوءِ وَلَا بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ . انْتَهَى ، فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ الْعَيْنِيُّ فَاطِّلَاعُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صَلَاةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ ثَابِتٌ . وَأَمَّا قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ : وَلَيت أَدْرِي كَيْفَ يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ إِلَخْ ، فَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ بَعْدَ ذِكْرِهِ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الدَّمُ أَصَابَ الثَّوْبَ فَقَطْ فَنَزَعَهُ وَلَمْ يَسِلْ عَلَى جِسْمِهِ إِلَّا قَدْرٌ يَسِيرٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ ، ثُمَّ الْحُجَّةُ قَائِمَةٌ بِهِ عَلَى كَوْنِ خُرُوجِ الدَّمِ لَا يَنْقُضُ ، وَلو لَمْ يَظْهَرْ الْجَوَابُ عَنْ كَوْنِ الدَّمِ أَصَابَهُ . انْتَهَى . وَأَجَابَ هَؤُلَاءِ عَمَّا تَمَسَّكَ بِهِ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي الدَّرْدَاءِ الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ بِلَفْظِ : " إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاءَ فَأَفْطَرَ لَيْسَ بِنَصٍّ صَرِيحٍ فِي أَنَّ الْقَيْءَ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ كَمَا عَرَفْتَ ، ثُمَّ هُوَ مَرْوِيٌّ بِهَذَا اللَّفْظِ ، وَقَدْ رُوِيَ بِلَفْظِ قَاءَ فَأَفْطَرَ ، قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : الْحَدِيثُ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَأَصْحَابِ السُّنَنِ الثَّلَاثِ ، وَابْنِ الْجَارُودِ ، وَابْنِ حِبَّانَ ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ ، وَالْبَيْهَقِيِّ ، وَالطَّبَرَانِيِّ ، وَابْنِ مِنْدَهْ ، وَالْحَاكِمِ بِلَفْظِ : " إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاءَ فَأَفْطَرَ ، قَالَ مَعْدَانُ : فَلَقِيتُ ثَوْبَانَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ " الْحَدِيثَ ، وَبِأَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ الْمَذْكُورَ ضَعِيفٌ لَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ ؛ فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَهُوَ حِجَازِيٌّ وَرِوَايَةُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْحِجَازِيِّينَ ضَعِيفَةٌ . قَوْلُهُ : ( وَحَدِيثُ حُسَيْنٍ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ ) قَالَ ابْنُ مِنْدَهْ : إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ مُتَّصِلٌ ، وَتَرَكَهُ الشَّيْخَانِ لِاخْتِلَافٍ فِي سَنَدِهِ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : جَوَّدَهُ حُسَيْنٌ ، وَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ ذَكَرَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ كَذَا فِي النَّيْلِ .
بَاب مَا جَاءَ إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَوَجَدَ أَحَدُكُمْ الْخَلَاءَ 142 حَدَّثَنَا هَنَّادُ نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ قَالَ : أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَأَخَذَ بِيَدِ رَجُلٍ فَقَدَّمَهُ وَكَانَ إِمَامَ القَوْمِ ، وَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَوَجَدَ أَحَدُكُمْ الْخَلَاءَ فَلْيَبْدَأْ بِالْخَلَاءِ . وَفِي الْبَاب عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَثَوْبَانَ وَأَبِي أُمَامَةَ قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ هَكَذَا رَوَى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْحُفَّاظِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ ، وَرَوَى وُهَيْبٌ وَغَيْرُهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ ، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ قَالَا : لَا يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ يَجِدُ شَيْئًا مِنْ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ ، وَقَالَا : إِنْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فَوَجَدَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَنْصَرِفْ مَا لَمْ يَشْغَلْهُ ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : لَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ وَبِهِ غَائِطٌ أَوْ بَوْلٌ مَا لَمْ يَشْغَلْهُ ذَلِكَ عَنْ الصَّلَاةِ . باب ما جاء إذا أقيمت الصلاة ووجد أحدكم الخلاء فليبدأ بالخلاء قَوْلُهُ : ( إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ ) أَيْ قَالَ عُرْوَةُ . ( فَأَخَذَ ) أَيْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَرْقَمِ ( فَقَدَّمَهُ ) أَيْ فَقَدَّمَ الرَّجُلَ لِيَؤُمَّ الْقَوْمَ ( وَكَانَ ) أَيْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَرْقَمِ ( وَوَجَدَ أَحَدُكُمِ الْخَلَاءَ ) أَيِ الْحَاجَةَ إِلَى الْخَلَاءِ ، وَفِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ وَوَجَدَ أَحَدُكُمِ الْغَائِطَ فَلْيَبْدَأْ بِالْغَائِطِ . ( فَلْيَبْدَأْ بِالْخَلَاءِ ) وَجَازَ لَهُ تَرْكُ الْجَمَاعَةِ بِهَذَا الْعُذْرِ ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ : إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمِ الْغَائِطَ فَلْيَبْدَأْ بِهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَثَوْبَانَ ، وَأَبِي أُمَامَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ . وَأَمَّا حَدِيثُ ثَوْبَانَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ وَفِيهِ : وَلَا يُصَلِّ وَهُوَ حَقْنٌ حَتَّى يَتَخَفَّفَ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ قَالَ : لَا يَأْتِ أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ وَهُوَ حَاقِنٌ الْحَدِيثَ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا وَفِيهِ السَّفْرُ بْنُ نُسَيْرٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، كَذَا فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَ مَالِكٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ونَحْوَهُ . قَوْلُهُ : ( هَكَذَا رَوَى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ ) كَزُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَحَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ وَغَيْرِهِمْ . ( عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ ) فَلَمْ يَزِيدُوا بَيْنَ عُرْوَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ رَجُلًا ( وَرَوَى وُهَيْبٌ وَغَيْرُهُ ) كَأَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ ، وَشُعَيْبِ بْنِ إِسْحَاقَ . ( عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ ) فَزَادَ هَؤُلَاءِ بَيْنَ عُرْوَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ رَجُلًا ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ أَيُّوبِ بْنِ مُوسَى ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ : خَرَجْنَا فِي حَجٍّ أَوْ عُمَرَةٍ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ ، الزُّهْرِيِّ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ ثُمَّ قَالَ : صَلُّوا ، وَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمِ الْغَائِطَ فَلْيَبْدَأْ بِالْغَائِطِ ، فَهَذَا الْإِسْنَادُ يَشْهَدُ بِأَنَّ رِوَايَةَ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ مُتَّصِلَةٌ ، لِتَصْرِيحِهِ بِأَنَّ عُرْوَةَ سَمِعَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَأَيُّوبُ ثِقَتَانِ حَافِظَانِ ، ذَكَرَهُ الزُّرْقَانِيُّ نَقْلًا عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ .
( بَاب الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ ) 88 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، نَا شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي فَزَارَةَ ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : سَأَلَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا فِي إِدَاوَتِكَ ؟ فَقُلْتُ : نَبِيذٌ فَقَالَ : تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ ، قَالَ : فَتَوَضَّأَ مِنْهُ ، قَالَ أَبُو عِيسَى : وَإِنَّمَا رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي زَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَبُو زَيْدٍ رَجُلٌ مَجْهُولٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، لَا نعْرفُ لَهُ رِوَايَةٌ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدْ رَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْوُضُوءَ بِالنَّبِيذِ ، مِنْهُمْ سُفْيَانُ وَغَيْرُهُ ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : لَا يُتَوَضَّأُ بِالنَّبِيذِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَقَالَ إِسْحَاقُ : إِنْ ابْتُلِيَ رَجُلٌ بِهَذَا فَتَوَضَّأَ بِالنَّبِيذِ ، وَيتَيَمَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ ، قَالَ أَبُو عِيسَى : وَقَوْلُ مَنْ يَقُولُ : لَا يُتَوَضَّأُ بِالنَّبِيذِ أَقْرَبُ إِلَى الْكِتَابِ ، وَأَشْبَهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ( بَابُ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْبَاءِ مَا يُعْمَلُ مِنَ الْأَشْرِبَةِ مِنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْعَسَلِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ . نَبَذْتُ التَّمْرَ وَالْعِنَبَ إِذَا تَرَكْتُ عَلَيْهِ الْمَاءَ لِيَصِيرَ نَبِيذًا ، وَانْتبَذْتُهُ اتَّخَذْتُهُ نَبِيذًا ، سَوَاءٌ كَانَ مُسْكِرًا أَمْ لَا ، وَيُقَالُ لِلْخَمْرِ الْمُعْتَصَرِ مِنَ الْعِنَبِ نَبِيذٌ كَمَا يُقَالُ لِلنَّبِيذِ خَمْرٌ قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ . قَوْلُهُ : ( نَا شَرِيكٌ ) هُوَ شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ الْكُوفِيُّ ( عَنْ أَبِي فَزَارَةَ ) اسْمُهُ رَاشِدُ بْنُ كَيْسَانَ الْكُوفِيُّ ، ثِقَةٌ ، مِنَ الْخَامِسَةِ ( عَنْ أَبِي زَيْدٍ ) مَجْهُولٌ لَيْسَ يُدْرَى مَنْ هُوَ ، وَلَا يُعْرَفُ أَبُوهُ وَلَا بَلَدُهُ . قَوْلُهُ : ( سَأَلَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا فِي إِدَاوَتِكَ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ إِنَاءٌ صَغِيرٌ مِنْ جِلْدٍ يُتَّخَذُ لِلْمَاءِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ لَيْلَةَ الْجِنِّ : " مَا فِي إِدَاوَتِكَ ؟ " . ( فَقَالَ ) : أَيْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ ) بِفَتْحِ الطَّاءِ : أَيْ النَّبِيذِ لَيْسَ إِلَّا تَمْرَةٌ وَهِيَ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ وَهُوَ طَهُورٌ فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَمْنَعُ التَّوَضُّؤَ . قَوْلُهُ : ( وَإِنَّمَا رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي زَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو زَيْدٍ رَجُلٌ مَجْهُولٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ) قَالَ الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ : قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ الضُّعَفَاءِ : أَبُو زَيْدٍ شَيْخٌ يَرْوِي عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، لَيْسَ يُدْرَى مَنْ هُوَ وَلَا يعرف أَبُوهُ وَلَا بَلَدُهُ ، وَمَنْ كَانَ بِهَذَا النَّعْتِ ثُمَّ لَمْ يَرْوِ إِلَّا خَبَرًا وَاحِدًا خَالَفَ فِيهِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ وَالْقِيَاسَ اسْتَحَقَّ مُجَانَبَةَ مَا رَوَاهُ . انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِهِ الْعِلَلِ : سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ يَقُولُ : حَدِيثُ أَبِي فَزَارَةَ بِالنَّبِيذِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ، وَأَبُو زَيْدٍ مَجْهُولٌ ، وَذَكَرَ ابْنُ عَدِيٍّ ، عَنِ الْبُخَارِيِّ قَالَ : أَبُو زَيْدٍ الَّذِي رَوَى حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ مَجْهُولٌ ، لَا يُعْرَفُ بِصُحْبَةِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ خِلَافُ الْقُرْآنِ . انْتَهَى . وقَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ : قَالَ السَّيِّدُ جَمَالٌ : أَجْمَعَ الْمُحَدِّثُونَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ . انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي : هَذَا الْحَدِيثُ أَطْبَقَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ عَلَى تَضْعِيفِهِ . انْتَهَى . وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ فِي مَعَانِي الْآثَارِ : إِنَّ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ لَا تَقُومُ بِمِثْلِهَا حُجَّةٌ . انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْوُضُوءَ بِالنَّبِيذِ مِنْهُمْ سُفْيَانُ وَغَيْرُهُ ) ، وَمِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله . قَالَ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ : فَإِنْ عَدِمَ الْمَاءُ إِلَّا نَبِيذَ التَّمْرِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِالْوُضُوءِ بِهِ فَقَطْ ، وَأَبُو يُوسُفَ بِالتَّيَمُّمِ فَحَسْبُ ، وَمُحَمَّدٌ بِهِمَا . انْتَهَى . وَاسْتَدَلَّ لَهُمْ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ ، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ ضَعِيفٌ لَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ . وَرُوِيَ أَنَّ الْإِمَامَ أَبَا حَنِيفَةَ رَجَعَ إِلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ . قَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ : وَفِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ قَالَ : التَّوَضُّؤُ بِنَبِيذِ التَّمْرِ جَائِزٌ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ ، وَيَتَيَمَّمُ مَعَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَبِهِ أَخَذَ مُحَمَّدٌ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ يَتَوَضَّأُ وَلَا يَتَيَمَّمُ ، وَفِي رِوَايَةٍ يَتَيَمَّمُ وَلَا يَتَوَضَّأُ ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو يُوسُفَ ، وَرَوَى نُوحٌ الْجَامِعُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَجَعَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ . انْتَهَى . وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ ص 948 ج 1 مَا لَفْظُهُ : وَفِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ لِأَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ إِحْدَاهَا : يُتَوَضَّأُ بِهِ وَيُشْتَرَطُ فِيهِ النِّيَّةُ وَلَا يَتَيَمَّمُ وَهَذِهِ هِيَ الْمَشْهُورَةُ . وَقَالَ قَاضِيخَانْ هُوَ قَوْلُهُ الْأَوَّلُ وَبِهِ قَالَ زُفَرُ . وَالثَّانِيَةُ : يَتَيَمَّمُ وَلَا يَتَوَضَّأُ رَوَاهَا عَنْهُ نُوحُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، وَأَسَدُ بْنُ عُمَرَ ، وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ . قَالَ قَاضِيخَانْ : وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْهُ وَالَّذِي رَجَعَ إِلَيْهَا ، وَبِهَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَاخْتَارَ الطَّحَاوِيُّ هَذَا . وَالثَّالِثَةُ : رُوِيَ عَنْهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ، وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ . انْتَهَى . ( وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَتَوَضَّأُ بِالنَّبِيذِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ) ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَجُمْهُورُهُمْ ، وَدَلِيلُهُمْ أَنَّ النَّبِيذَ لَيْسَ بِمَاءٍ ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِأَنَّهُ ضَعِيفٌ لَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ وَضَعَّفَ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَاخْتَارَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِالنَّبِيذِ الْوُضُوءُ لا فِي سَفَرٍ وَلَا فِي حَضَرٍ . وَقَالَ : إِنَّ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ لَا تَقُومُ بِمِثْلِهَا حُجَّةٌ ، وَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : إِنِّي لَمْ أَكُنْ لَيْلَةَ الْجِنِّ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مَعَهُ . وَسُئِلَ أَبُو عُبَيْدَةَ : هَلْ كَانَ أَبُوكَ لَيْلَةَ الْجِنِّ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ : لَا ، مَعَ أَنَّ فِيهِ انْقِطَاعًا ، لِأَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ وَلَمْ نَعْتَبِرْ فِيهِ اتِّصَالًا وَلَا انْقِطَاعًا وَلَكِنَّا احْتَجَجْنَا بِكَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ لِأَنَّ مِثْلَهُ فِي تَقَدُّمِهِ فِي الْعِلْمِ وَمَكَانِهِ مِنْ أَمْرِهِ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْلُ هَذَا فَجَعَلْنَا قَوْلَهُ حُجَّةً فِيهِ . انْتَهَى . ( وَقَوْلُ مَنْ قَالَ لَا يَتَوَضَّأُ بِالنَّبِيذِ أَقْرَبُ إِلَى الْكِتَابِ وَأَشْبَهُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ، أَيْ وَالنَّبِيذُ لَيْسَ بِمَاءٍ . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْعَارِضَةِ : وَالْمَاءُ يَكُونُ فِي تَصْفِيَتِهِ وَلَوْنِهِ وَطَعْمِهِ ، فَإِذَا خَرَجَ عَنْ إِحْدَاهَا لَمْ يَكُنْ مَاءً . وَقَالَ : فَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَ الْمَاءِ وَالتَّيَمُّمِ وَاسِطَةً ، وَهَذِهِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَالزِّيَادَةُ عِنْدَهُمْ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ ، وَنَسْخُ الْقُرْآنِ عِنْدَهُمْ لَا يَجُوزُ إِلَّا بِقُرْآنٍ مِثْلِهِ أَوْ بِخَبَرٍ مُتَوَاتِرٍ وَلَا يَنْسَخُ الْخَبَرُ الْوَاحِدُ إِذَا صَحَّ فَكَيْفَ إِذَا كَانَ ضَعِيفًا مَطْعُونًا فِيهِ . انْتَهَى . تَنْبِيهٌ : قَالَ صَاحِبُ الْعَرْفِ الشَّذِيِّ : وَأَمَّا قَوْلُ : إِنَّهُ يَلْزَمُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْقَاطِعِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ الْمُنَبَّذُ مُقَيَّدًا فِي بَادِئِ الرَّأْيِ إِلَّا أَنَّ الْعَرَبَ يَسْتَعْمِلُونَ النَّبِيذَ مَوْضِعَ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ فَلَمْ يَكُنْ عَلَى طَرِيقِ التَّفَكُّهِ بَلْ يَكُونُ مِثْلَ الْمَاءِ الْمَخْلُوطِ بِالثَّلْجِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي زَمَانِنَا فَإِنَّهُ لَا يَقُولُ أَحَدٌ بِأَنَّهُ مَاءٌ مُقَيَّدٌ . انْتَهَى . قُلْتُ : هَذَا الْجَوَابُ وَاهٍ جِدًّا فَإِنَّ النَّبِيذَ لَوْ كَانَ مِثْلَ الْمَاءِ الْمَخْلُوطِ بِالثَّلْجِ لَمْ يَقَعْ الِاخْتِلَافُ فِي جَوَازِ التَّوَضُّؤِ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ ، بَلْ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ أَيْضًا كَمَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ الْمَخْلُوطِ بِالثَّلْجِ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ الْخَالِصِ بِالِاتِّفَاقِ . وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ أَنَّهُ كَيْفَ تَفَوَّهَ بِأَنَّ النَّبِيذَ مِثْلُ الْمَاءِ الْمَخْلُوطِ بِالثَّلْجِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الثَّلْجَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعٍ مِنَ الْمِيَاهِ الصِّرْفَةِ ، فَالْمَاءُ الْمَخْلُوطُ بِهِ مَاءٌ صِرْفٌ ، وَأَمَّا النَّبِيذُ فَلَيْسَ بِمَاءٍ صِرْفٍ بَلْ هُوَ مَاءٌ اخْتَلَطَ بِهِ أَجْزَاءُ مَا أُلْقِيَ فِيهِ مِنَ التَّمْرِ وَغَيْرِهِ وَصَارَ طَعْمُهُ حُلْوًا بِحَيْثُ زَالَ عَنْهُ اسْمُ الْمَاءِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ ابْنَ مَسْعُودٍ : هَلْ مَعَكَ مَاءٌ؟ فَقَالَ : لَا . مَعَ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ النَّبِيذُ . قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ : إِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : هَلْ مَعَكَ مَاءٌ؟ قَالَ : لَا . فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ اسْتَحَالَ فِي التَّمْرِ حَتَّى سُلِبَ عَنْهُ اسْمُ الْمَاءِ وَإِلَّا لَمَا صَحَّ نَفْيُهُ عَنْهُ . انْتَهَى ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّ الْعَرَبَ يَسْتَعْمِلُونَ النَّبِيذَ مَوْضِعَ الماء الْمُطْلَقِ إِلَخْ فَلَا يُجْدِي نَفْعًا ، فَإِنَّ بِاسْتِعْمَالِهِمْ شَيْئًا غَيْرَ الْمَاءِ مَكَانَ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْءُ عِنْدَ الشَّرْعِ مَاءً مُطْلَقًا وَفِي حُكْمِهِ . وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْإِشْكَالَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَسِيرٌ جِدًّا عَلَى الْحَنَفِيَّةِ لَا يُمْكِنُ مِنْهُمْ دَفْعُهُ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ، وَأَمَّا مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ حَدِيثَ النَّبِيذِ مَشْهُورٌ يُزَادُ بِمِثْلِهِ عَلَى الْكِتَابِ فَهُوَ مِمَّا لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ ، فَإِنَّ شُرَّاحَ الْهِدَايَةِ قَدْ بَيَّنُوا أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَيْسَ مَشْهُورًا بِالشُّهْرَةِ الِاصْطِلَاحِيَّةِ الَّذِي تَجُوزُ بِهِ الزِّيَادَةُ ، نَعَمْ لَهُ شُهْرَةٌ عُرْفِيَّةٌ وَلُغَوِيَّةٌ كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ السِّعَايَةِ ، وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ : أَمَّا كَوْنُهُ مَشْهُورًا فَلَيْسَ يُرِيدُ المشهور الِاصْطِلَاحِيَّ . انْتَهَى . وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ بَذْلِ الْمَجْهُودِ : قَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ كُبَرَاءِ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عَلِيٌّ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ مَوْرِدَ الشُّهْرَةِ وَالِاسْتِفَاضَةِ حَيْثُ عَمِلَ بِهِ الصَّحَابَةُ وَتَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ وَمِثْلُهُ مِمَّا يُنْسَخُ بِهِ الْكِتَابُ . فَمَبْنِيٌّ عَلَى قِلَّةِ اطِّلَاعِهِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ التَّوَضُّؤُ بِالنَّبِيذِ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الدِّرَايَةِ : قَوْلُهُ وَالْحَدِيثُ مَشْهُورٌ عَمِلَ بِهِ الصَّحَابَةُ : أَمَّا الشُّهْرَةُ فَلَيْسَتِ الِاصْطِلَاحِيَّةَ ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ شُهْرَتَهُ بَيْنَ النَّاسِ ، وَأَمَّا عَمَلُ الصَّحَابَةِ فَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ ، فَقَدْ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ ضَعِيفَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَضْعَفَ مِنْهُمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا : " إِذَا لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ مَاءً وَوَجَدَ النَّبِيذَ فَلْيَتَوَضَّأْ بِهِ " ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ نَحْوَهُ ، وَقَالَ : الصَّوَابُ مَوْقُوفٌ عَلَى عِكْرِمَةَ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : رَوَاهُ هِقْلٌ ، وَالْوَلِيدُ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ مِنْ قَوْلِهِ وَكَذَا قَالَ شَيْبَانُ ، وَعَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ يَحْيَى . انْتَهَى .
بَاب مَا جَاءَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعُودَ تَوَضَّأَ 141 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ نَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا ، وَفِي الْبَاب عَنْ عُمَرَ قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَقَالَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، قَالُوا : إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ قَبْلَ أَنْ يَعُودَ ، وَأَبُو الْمُتَوَكِّلِ اسْمُهُ عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ اسْمُهُ سَعْدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ . بَاب مَا جَاءَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعُودَ تَوَضَّأَ قَوْلُهُ : ( عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ ) هُوَ عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّمِيمِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَصْرِيُّ ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَأَبُو زُرْعَةَ وَغَيْرُهُمَا . ( عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ ) النَّاجِي اسْمُهُ عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ ، ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ، مَاتَ سَنَةَ 108 ثَمَانٍ وَمِائَةٍ ، وَقِيلَ قَبْلَ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا ) أَيْ بَيْنَ الْإِتْيَانَيْنِ ( وُضُوءًا ) أَيْ كَوُضُوءِ الصَّلَاةِ ، وَحَمَلَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى الْوُضُوءِ اللُّغَوِيِّ ، وَقَالَ الْمُرَادُ بِهِ غَسْلُ الْفَرْجِ ، وَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ خُزَيْمَةَ بِمَا رَوَاهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : فَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْوُضُوءِ بَيْنَهُمَا فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : لَا يُسْتَحَبُّ ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ : يُسْتَحَبُّ ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْمَالِكِيُّ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ : يَجِبُ ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ الْبَابِ ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ : إِنَّ الْأَمْرَ بِالْوُضُوءِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِلِاسْتِحْبَابِ لَا لِلْوُجُوبِ ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُجَامِعُ ثُمَّ يَعُودُ وَلَا يَتَوَضَّأُ ، وَاسْتَدَلَّ ابْنُ خُزَيْمَةَ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ بِالْوُضُوءِ لِلنَّدَبِ بِمَا رَوَاهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْإِرْشَادِ أَوْ لِلنَّدَبِ ، وَحَدِيثُ الْبَابِ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي يُوسُفَ رحمه الله . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ ) وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا ، قَالَ فِي النَّيْلِ : تَحْتَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ مَا لَفْظُهُ : وَيُقَالُ : إِنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ : لَا يَثْبُتُ مِثْلُهُ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَلَعَلَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى إِسْنَادِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَوَقَفَ عَلَى إِسْنَادِ غَيْرِهِ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادَيْنِ ضَعِيفَيْنِ . انْتَهَى مَا فِي النَّيْلِ . قُلْتُ : لَمْ أَقِفْ عَلَى مَنْ أَخْرَجَ حَدِيثَهُمَا . قَوْلُهُ : ( وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ اسْمُهُ سَعْدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ ) بِكَسْرِ السِّينِ وَبِالنُّونَيْنِ ، بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَشَهِدَ مَا بَعْدَ أُحُدٍ وَكَانَ مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ ، مَاتَ سَنَةَ 74 أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ حديث حسن صَحِيحٌ ) أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيَّ ، كَذَا فِي الْمُنْتَقَى .
( بَاب الْمَضْمَضَةِ مِنْ اللَّبَنِ ) 89 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ نَا اللَّيْثُ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرِبَ لَبَنًا فَدَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ وَقَالَ : إِنَّ لَهُ دَسَمًا . وَفِي الْبَاب عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ وَأُمِّ سَلَمَةَ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْمَضْمَضَةَ مِنْ اللَّبَنِ ، وَهَذَا عِنْدَنَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، وَلَمْ يَرَ بَعْضُهُمْ الْمَضْمَضَةَ مِنْ اللَّبَنِ . ( بَاب فِي الْمَضْمَضَةِ مِنْ اللَّبَنِ ) قَوْلُهُ : ( عَنْ عُقَيْلٍ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ مُصَغَّرًا هُوَ ابْنُ خَالِدِ بْنِ عَقِيلٍ بِالْفَتْحِ الْأَيْلِيُّ أَبُو خَالِدٍ مَوْلَى عُثْمَانَ ، رَوَى عَنِ الْقَاسِمِ ، وَسَالِمٍ ، وَالزُّهْرِيِّ وَخَلْقٍ ، وَعَنْهُ أَيُّوبُ بْنُ أَيُّوبَ ، وَاللَّيْثُ ، وَثَّقَهُ أَحْمَدُ . قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : أَثْبَتُ مِنْ مَعْمَرٍ مَاتَ سَنَةَ 141 إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ لَهُ دَسَمًا ) مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ " إِنَّ " وَقُدِّمَ عَلَيْهِ خَبَرُهُ . وَالدَّسَمُ بِفَتْحَتَيْنِ الشَّيْءُ الَّذِي يَظْهَرُ عَلَى اللَّبَنِ مِنَ الدُّهْنِ ، وَهُوَ بَيَانٌ لِعِلَّةِ الْمَضْمَضَةِ مِنَ اللَّبَنِ فَيَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ دَسَمٍ ، وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ اسْتِحْبَابُ غَسْلِ الْيَدَيْنِ لِلتَّنْظِيفِ . قَالَهُ الْحَافِظُ وَغَيْرُهُ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ) أَخْرَجَ حَدِيثَهُمَا ابْنُ مَاجَهْ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَإِسْنَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا حَسَنٌ . قَوْلُهُ : ( وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) هَذَا أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَخْرَجَهَا الْأَئِمَّةُ الْخَمْسَةُ ، وَهُمْ : الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ شَيْخٍ وَاحِدٍ وَهُوَ قُتَيْبَةُ . قَالَهُ الْحَافِظُ . قَوْلُهُ : ( وَهَذَا عِنْدَنَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ) . فَإِنْ قُلْتَ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ فَذَكَرَهُ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ : " مَضْمِضُوا مِنَ اللَّبَنِ " ، الْحَدِيثَ . وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مِثْلَهُ ، وَأَصْلُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ . قُلْتُ : نَعَمْ الْأَصْلُ فِي الْأَمْرِ الْوُجُوبُ لَكِنْ إِذَا وُجِدَ دَلِيلُ الِاسْتِحْبَابِ يُحْمَلُ عَلَيْهِ ، وَهَاهُنَا دَلِيلُ الِاسْتِحْبَابِ مَوْجُودٌ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلِاسْتِحْبَابِ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَاوِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ شَرِبَ لَبَنًا فَمَضْمَضَ ثُمَّ قَالَ : لَوْ لَمْ أَتَمَضْمَضْ مَا بَالَيْتُ ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرِبَ لَبَنًا فَلَمْ يَتَمَضْمَضْ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . فَإِنْ قُلْتَ : ادَّعَى ابْنُ شَاهِينَ أَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ نَاسِخٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ . قُلْتُ : لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ ، وَمَنْ قَالَ فِيهِ بِالْوُجُوبِ حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى دَعْوَى النَّسْخِ؟ قَالَهُ الْعَيْنِيُّ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ نَا أَبُو أَحْمَدَ ، نَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ أَنْ لَا بَأْسَ أَنْ يَعُودَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ ، وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ هَذَا عَنْ سُفْيَانَ فَقَالَ عَنْ أَبِي عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَأَبُو عُرْوَةَ هُوَ مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ ، وَأَبُو الْخَطَّابِ ، قَتَادَةُ بْنُ دِعَامَةَ . باب ما جاء في الرجل يطوف على نسائه بغسل واحد قَوْلُهُ : ( نَا أَبُو أَحْمَدَ ) اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ دِرْهَمٍ الْأَنْصَارِيُّ الزُّبَيْرِيُّ مَوْلَاهُمِ الْكُوفِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ . قَالَ الْعِجْلِيُّ : ثِقَةٌ يَتَشَيَّعُ ، وَقَالَ بُنْدَارٌ : مَا رَأَيْتُ قَطُّ أَحْفَظَ مِنْ أَبِي أَحْمَدَ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : حَافِظٌ لِلْحَدِيثِ عَاقِلٌ مُجْتَهِدٌ لَهُ أَوْهَامٌ ، مَاتَ سَنَةَ ثَلَاتٍ وَمِائَتَيْنِ . ( نَا سُفْيَانُ ) هُوَ الثَّوْرِيُّ ( عَنْ مَعْمَرٍ ) هُوَ ابْنُ رَاشِدٍ الْأَزْدِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو عُرْوَةَ الْبَصْرِيُّ نَزِيلُ الْيَمَنِ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ فَاضِلٌ إِلَّا أَنَّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ ثَابِتٍ ، وَالْأَعْمَشِ ، وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ شَيْئًا ، وَكَذَا فِيمَا حَدَّثَ بِهِ بِالْبَصْرَةِ ، مِنْ كِبَارِ السَّابِعَةِ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ . قَوْلُهُ : ( كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ ) أَيْ يُجَامِعُهُنَّ ثُمَّ يَغْسِلُ غُسْلًا وَاحِدًا ، وَلِأَحْمَدَ ، وَالنَّسَائِيِّ فِي لَيْلَةٍ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ . وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ بَيْنَ الْجِمَاعَيْنِ لَا يَجِبُ وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ ، وَيَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ : أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَافَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى نِسَائِهِ يَغْتَسِلُ عِنْدَ هَذِهِ وَعِنْدَ هَذِهِ قَالَ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَجعلُهُ غُسْلًا وَاحِدًا ؟ قَالَ : هَذَا أَزْكَى وَأَطْيَبُ وَأَطْهَرُ ، فَإِنْ قِيلَ : أَقَلُّ الْقِسْمَةِ لَيْلَةٌ لِكُلِّ امْرَأَةٍ فَكَيْفَ طَافَ عَلَى الْجَمِيعِ؟ فَالْجَوَابُ : أَنَّ وُجُوبَ الْقَسْمِ عَلَيْهِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ بَلْ كَانَ يَقْسِمُ بِالتَّسْوِيَةِ تَبَرُّعًا وَتَكَرُّمًا ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى وُجُوبِهِ . وَكَانَ طَوَافُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرِضَاهُنَّ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عِنْدَ قُدُومِهِ مِنْ سَفَرٍ وَنَحْوِهِ فِي وَقْتٍ لَيْسَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ يَوْمٌ مُعَيَّنٌ مَعْلُومٌ فَجَمَعَهُنَّ يَوْمَئِذٍ ، ثُمَّ دَارَ بِالْقَسْمِ عَلَيْهِنَّ بَعْدُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . لِأَنَّهُنَّ كُنَّ حَرَائِرَ وَسُنَّتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِنَّ الْعَدْلُ بِالْقَسْمِ وَأَنْ لَا يَمَسَّ الْوَاحِدَةَ فِي يَوْمِ الْأُخْرَى ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ ) تَقَدَّمَ آنِفًا تَخْرِيجُهُ وَلَفْظُهُ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيَّ ، كَذَا فِي الْمُنْتَقَى ، وَقَالَ فِي النَّيْلِ : الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ . قَالَ : قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَوَكَانَ يُطِيقُهُ ؟ قَالَ : كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْغُسْلَ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ أَنْ لَا بَأْسَ أَنْ يَعُودَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ ) فِي كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ هَذَا شَيْءٌ ، فَإِنَّ حَدِيثَ الْبَابِ لَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا بَأْسَ أَنْ يَعُودَ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ فَتَفَكَّرْ ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْعَوْدِ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَتَأْتِي فِي الْبَابِ الْآتِي . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ) بْنِ وَاقِدِ بْنِ عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ مَوْلَاهُمِ الْفِرْيَابِيُّ ، وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : كَانَ أَفْضَلَ زَمَانِهِ ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : لَهُ عَنِ الثَّوْرِيِّ إِفْرَادَاتٌ ، وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ : كَانَ ثِقَةً فَاضِلًا عَابِدًا مِنْ أَجِلَّةِ أَصْحَابِ الثَّوْرِيِّ .
بَاب فِي كَرَاهَةِ رَدِّ السَّلَامِ غَيْرَ مُتَوَضِّئٍ 90 حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا : نَا أَبُو أَحْمَدَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبُولُ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ هَذَا عِنْدَنَا إِذَا كَانَ عَلَى الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ ، وَقَدْ فَسَّرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ ذَلِكَ ، وَهَذَا أَحَسَنُ شَيْءٍ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ . وَفِي الْبَاب عَنْ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ وَعَلْقَمَةَ بْنِ الشفواء وَجَابِرٍ وَالْبَرَاءِ . بَاب فِي كَرَاهَةِ رَدِّ السَّلَامِ غَيْرَ مُتَوَضِّئٍ قَوْلُهُ : ( قَالَا نَا أَبُو أَحْمَدَ ) اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن الزبير بْنِ عَمْرِو بْنِ دِرْهَمٍ الْأَسَدِيُّ الزُّبَيْرِيُّ الْكُوفِيُّ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ يُخْطِئُ فِي حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ ، مِنَ التَّاسِعَةِ ، مَاتَ سَنَةَ 203 ثَلَاثٍ وَمِائَتَيْنِ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ . ( عَنْ سُفْيَانَ ) هُوَ الثَّوْرِيُّ ( عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ حِزَامٍ الْأَسَدِيِّ الْحِزَامِيِّ الْمَدَنِيِّ ، رَوَى عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَنَافِعٍ وَخَلْقٍ ، وَعَنْهُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ وَهْبٍ ، وَيَحْيَى الْقَطَّانُ وَخَلْقٌ ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ سَعْدٍ ، وَقَالَ : تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ 153 ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ . وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ : لَيْسَ بِقَوِيٍّ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ ، وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ : صَدُوقٌ يَهِمُ . قَوْلُهُ : ( فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ ) فِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَسْتَحِقُّ جَوَابًا ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، بَلْ قَالُوا : يُكْرَهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى الْمُشْتَغِلِ بِقَضَاءِ حَاجَةِ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ ، فَإِنْ سَلَّمَ عليه كُرِهَ لَهُ رَدُّ السَّلَامِ ، وَيُكْرَهُ لِلْقَاعِدِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى بِشَيْءٍ مِنَ الْأَذْكَارِ فَلَا يَرُدُّ السَّلَامَ وَلَا يُشَمِّتُ الْعَاطِسَ وَلَا يَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا عَطَسَ ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ أَنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا رَأَيْتَنِي عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ فَلَا تُسَلِّمْ عَلَيَّ ، فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَمْ أَرُدَّ عَلَيْكَ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيَّ . قَوْلُهُ : ( وَإِنَّمَا يُكْرَهُ هَذَا ) أَيْ رَدُّ السَّلَامِ ( إِذَا كَانَ ) أَيْ الَّذِي سَلَّمَ عَلَيْهِ ( عَلَى الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ ) وأَمَّا إِذَا فَرَغَ وَقَامَ فَلَا كَرَاهَةَ فِي رَدِّ السَّلَامِ ، وَعَلَى هَذَا فَلَا مُطَابَقَةَ بَيْنَ الْحَدِيثِ وَالْبَابِ إِذْ الْحَدِيثُ خَاصٌّ وَالْبَابُ عَامٌّ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ الشَّفْوَاءِ ، وَجَابِرٍ ، وَالْبَرَاءِ ) ، أَمَّا حَدِيثُ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ : إِنَّهُ سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ فَرَدَّ عَلَيْهِ وَقَالَ : إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلَّا أَنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إِلَّا عَلَى طَهَارَةٍ . وَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ : وَهُوَ يَبُولُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِلَفْظِ : إِنَّ رَجُلًا سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ بَالَ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى قَالَ بِيَدِهِ إِلَى الْحَائِطِ يَعْنِي أَنَّهُ تَيَمَّمُ . قَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ : فِيهِ رَجُلٌ لَمْ يُسَمَّ . انْتَهَى . وَأَمَّا حَدِيثُ عَلْقَمَةَ بْنِ الشَّفْوَاءِ فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِلَفْظِ : قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُهْرِاقَ الْمَاءُ نُكَلِّمُهُ فَلَا يُكَلِّمُنَا حَتَّى يَأْتِيَ مَنْزِلَهُ فَيَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ، قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، نُكَلِّمُكَ فَلَا تُكَلِّمْنَا وَنُسَلِّمُكَ فَلَا تَرُدَّ عَلَيْنَا حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الرُّخْصَةِ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ، الْآيَةَ . قَالَ الْهَيْثَمِيُّ : وَفِيهِ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ . انْتَهَى . وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَقَدْ تَقَدَّمَ لَفْظُهُ ، وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَيْضًا قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ ثُمَّ دَخَلَ بَيْتَهُ ثم توضأ ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ : وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ . أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ وَقَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ الْفَضْلُ بْنُ أَبِي حَسَّانَ . قَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ : لَمْ أَجِدْ مَنْ ذَكَرَهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ الْبَرَاءِ وَهُوَ ابْنُ عَازِبٍ فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِلَفْظِ : إِنَّهُ سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبُولُ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ حَتَّى فَرَغَ . قَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِيهِ : لَمْ أَعْرِفْهُ . انْتَهَى .
بَاب مَا جَاءَ فِي كَمْ تَمْكُثُ النُّفَسَاءُ 139 حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ، نَا شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ أَبُو بَدْرٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ أَبِي سَهْلٍ ، عَنْ مُسَّةَ الْأَزْدِيَّةِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : كَانَتْ النُّفَسَاءُ تَجْلِسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، وكُنَّا نَطْلِي وُجُوهَنَا بِالْوَرْسِ مِنْ الْكَلَفِ ، قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَهْلٍ عَنْ مُسَّةَ الْأَزْدِيَّةِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَاسْمُ أَبِي سَهْلٍ ، كَثِيرُ بْنُ زِيَادٍ ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ : عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ثِقَةٌ ، وَأَبُو سَهْلٍ ثِقَةٌ ، وَلَمْ يَعْرِفْ مُحَمَّدٌ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَهْلٍ ، وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَنَّ النُّفَسَاءَ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، إِلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَإِنَّهَا تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي ، فَإِذَا رَأَتْ الدَّمَ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ ، فَإِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا : لَا تَدَعُ الصَّلَاةَ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَيُرْوَى عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّهَا تَدَعُ الصَّلَاةَ خَمْسِينَ يَوْمًا إِذَا لَمْ تطهر ، وَيُرْوَى عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، وَالشَّعْبِيِّ سِتِّينَ يَوْمًا . ( بَابٌ مَا جَاءَ فِي كَمْ تَمْكُثُ النُّفَسَاءُ ) أَيْ كَمْ تَمْكُثُ فِي نِفَاسِهَا ، وَإِلَى أَيِّ مُدَّةٍ لَا تُصَلِّي وَلَا تَصُومُ ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : النِّفَاسُ وِلَادَةُ الْمَرْأَةِ ، إِذَا وَضَعَتْ فَهِيَ نُفَسَاءُ ، وَنِسْوَةٌ نِفَاسٌ ، وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ فُعَلَاءُ يُجْمَعُ عَلَى فِعَالٍ غَيْرُ نُفَسَاءَ وَعُشَرَاءَ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( نَا شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ أَبُو بَدْرٍ ) السُّكُونِيُّ الْكُوفِيُّ صَدُوقٌ وَرِعٌ لَهُ أَوْهَامٌ ( عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى ) الثَّعْلَبِيُّ الْكُوفِيُّ الْأَحْوَلُ ، صَدُوقٌ رُبَّمَا وَهِمَ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، وَوَثَّقَهُ الْبُخَارِيُّ كَمَا بَيَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ . ( عَنْ أَبِي سَهْلٍ ) اسْمُهُ كَثِيرُ بْنُ زِيَادٍ الْبِرْسَانِيُّ ، بَصْرِيٌّ نَزَلَ بَلَخَ ثِقَةٌ . ( عَنْ مُسَّةَ الْأَزْدِيَّةِ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ هِيَ أُمُّ بُسَّةَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ ، مَقْبُولَةٌ ، قَالَهُ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : رَوَتْ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ فِي النُّفَسَاءِ ، وَعَنْهَا أَبُو سَهْلٍ كَثِيرُ بْنُ زِيَادٍ ، قَالَ : وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ أَنَّ الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ رَوَى عَنْهَا أَيْضًا . انْتَهَى ، قلت : وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ ص 82 عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ مُسَّةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها . قَوْلُهُ : ( وَكَانَتِ النُّفَسَاءُ تَجْلِسُ ) أَيْ بَعْدَ نِفَاسِهَا كَمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ ، وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الْمُنْتَقَى : مَعْنَى الْحَدِيثِ : كَانَتْ تُؤْمَرُ أَنْ تَجْلِسَ إِلَى الْأَرْبَعِينَ لِئَلَّا يَكُونَ الْخَبَرُ كَذِبًا ، إِذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَتَّفِقَ عَادَةُ نِسَاءِ عَصْرٍ فِي حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ . انْتَهَى بِلَفْظِهِ . ( وَكُنَّا نَطْلِي وُجُوهَنَا ) ، أَيْ نُلَطِّخُ وُجُوهَنَا ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : طَلَى الْبَعِيرَ الْهِنَاء يَطْلِيهِ ، وَبِهِ لَطَّخَهُ كَطَلَاهُ . ( بِالْوَرْسِ ) الْوَرْسُ بِوَزْنِ الْفَلْسِ نَبْتٌ أَصْفَرُ يَكُونُ بِالْيَمِنِ تُتَّخَذُ مِنْهُ الْغَمْرَةُ لِلْوَجْهِ ، وَوَرَسَ الثَّوْبَ تَوْرِيسًا صَبَغَهُ بِالْوَرْسِ . ( مِنَ الْكَلَفِ ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَاللَّامِ لَوْنٌ بَيْنَ السَّواد وَالْحُمْرَةِ ، وَهِيَ حُمْرَةُ كُدْرَةٍ تَعْلُو الْوَجْهَ ، وَشَيْءٌ يَعْلُو الْوَجْهَ كَالسِّمْسِمِ ، كَذَا فِي الصِّحَاحِ لِلْجَوْهَرِيِّ ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : لَا يَأْمُرُهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَضَاءِ صَلَاةِ النِّفَاسِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَهْلٍ إِلَخْ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْحَاكِمُ ، وَأَبُو سَهْلٍ ، وَثَّقَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَابْنُ مَعِينٍ وَضَعَّفَهُ ابْنُ حِبَّانَ . وَأُمُّ بُسَّةَ مُسَّةُ مَجْهُولَةُ الْحَالِ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : لَا يَقُومُ بِهَا حُجَّةٌ ، وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ : لَا يُعْرَفُ حَالُهَا ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حِبَّانَ فَضَعَّفَهُ بِكَثِيرِ بْنِ زِيَادٍ وَلَمْ يُصِبْ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ مُصَنِّفِي الْفُقَهَاءِ إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ عَلَيْهِمْ ، وَلَهُ شَاهِدٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ سَلَّامٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِلنُّفَسَاءِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، إِلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ ، قَالَ : لَمْ يَرْوِهِ عَنْ حُمَيْدٍ غَيْرُ سَلَّامٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا ، وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عثمان ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ : وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للنِّسَاءَ فِي نِفَاسِهِنَّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، إِنْ سَلِمَ مِنْ أَبِي هِلَالٍ . قُلْتُ : وَقَدْ ضَعَّفَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ مُنْقَطِعٌ ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ عُثْمَانَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ . انْتَهَى مَا فِي التَّلْخِيصِ . وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ حَدِيثَ الْبَابِ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ ، وَقَالَ : صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ، وَأُقِرَّ تَصْحِيحُهُ وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ ، وَقَدْ قَالَ فِي التَّقْرِيبِ فِي تَرْجَمَةِ مُسَّةَ الْأَزْدِيَّةِ : إِنَّهَا مَقْبُولَةٌ كَمَا عَرَفْتَ ، وَقَالَ صَاحِبُ عَوْنِ الْمَعْبُودِ : وَأَجَابَ فِي الْبَدْرِ الْمُنِيرِ عَنِ الْقَوْلِ بِجَهَالَةِ مُسَّةَ فَقَالَ : وَلَا نُسَلِّمُ جَهَالَةَ عَيْنِهَا وَجَهَالَةُ حَالِهَا مُرْتَفِعَةٌ ، فَإِنَّهُ رَوَى عَنْهَا جَمَاعَةٌ ؛ كَثِيرُ بْنُ زِيَادٍ ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ ، وَزَيْدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَزْرَمِيُّ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ مُسَّةَ أَيْضًا ، فَهَؤُلَاءِ رَوَوْا عَنْهَا ، وَقَدْ أَثْنَى عَلَى حَدِيثِهَا الْبُخَارِيُّ ، وَصَحَّحَ الْحَاكِمُ إِسْنَادَهُ ، فَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا ، انْتَهَى . قُلْتُ : الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ حَسَنٌ صَالِحٌ لِلِاحْتِجَاجِ ، وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ أُخْرَى ضَعِيفَةٌ تُؤَيِّدُهُ . فَمِنْهَا مَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْحَافِظِ ، وَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَنْتَظِرُ النُّفَسَاءُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا إِلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَإِنْ بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، وَلَمْ تَرَ الطُّهْرَ فَلْتَغْتَسِلْ ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَدِيٍّ ، وَفِيهِ الْعَلَاءُ بْنُ كَثِيرٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا ، وَمِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ، وَالدّارَقُطْنيُّ فِي سُنَنِهِ ، وَفِي إِسْنَادِهِ عَمْرُو بْنُ الْحُصَيْنِ ، وَابْنُ عُلَاثَةَ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : مَتْرُوكَانِ ضَعِيفَانِ . وَمِنْهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِلنِّسَاءِ فِي نِفَاسِهِنَّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَمِنْهَا حَدِيثُ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ : وَقَّتَ لِلنِّسَاءِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْوَسَطِ . ذَكَرَ الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ بِأَسَانِيدِهَا وَمُتُونِهَا مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهَا . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ) وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَحَادِيثِ الْبَابِ ، قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : وَالْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا مُتَعَاضِدَةٌ بَالِغَةٌ إِلَى حَدِّ الصَّلَاحِيَّةِ وَالِاعْتِبَارِ فَالْمَصِيرُ إِلَيْهَا مُتَعَيِّنٌ ، فَالْوَاجِبُ عَلَى النُّفَسَاءِ وُقُوفُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا إِلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ ، انْتَهَى . ( فيُرْوَى عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّهَا تَدَعُ الصَّلَاةَ خَمْسِينَ يَوْمًا إِذَا لَمْ تَطْهُرْ ) وَفِي نُسْخَةٍ قَلَمِيَّةٍ عَتِيقَةٍ : إِذَا لَمْ تَرَ الطُّهْرَ . ( وَيُرْوَى عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، وَالشَّعْبِيِّ سِتِّينَ يَوْمًا ) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَرُوِيَ أيضا عن مالك ، وروي عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَمُوسَى ابْنَيْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ : سَبْعُونَ يَوْمًا ، قَالُوا : إِذْ هُوَ أَكْثَرُ مَا وُجِدَ . قُلْتُ : لَمْ أَجِدْ عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ دَلِيلًا مِنَ السُّنَّةِ ، فَالْقَوْلُ الرَّاجِحُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ هُوَ مَا قَالَ بِهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
( بَاب مَا جَاءَ فِي سُؤْرِ الْكَلْبِ ) 91 حَدَّثَنَا سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَنْبَرِيُّ نَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَال سَمِعْتُ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يُغْسَلُ الْإِنَاءُ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ أَوْ أُخْرَاهُنَّ بِالتُّرَابِ ، وَإِذَا وَلَغَتْ فِيهِ الْهِرَّةُ غُسِلَ مَرَّةً . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ هَذَا ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِ إِذَا وَلَغَتْ فِيهِ الْهِرَّةُ غُسِلَ مَرَّةً . وَفِي الْبَاب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ . بَاب مَا جَاءَ فِي سُؤْرِ الْكَلْبِ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سَوَّارُ ) بِفَتْحِ السِّينِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ ( ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَنْبَرِيُّ ) التَّمِيمِيُّ الْبَصْرِيُّ قَاضِي الرُّصَافَةِ وَغَيْرِهَا ، ثِقَةٌ ، مِنَ الْعَاشِرَةِ ، غَلِطَ مَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ ، قَالَهُ الْحَافِظُ ، رَوَى عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، وَيَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ وَغَيْرِهِمَا ، وَعَنْهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ وَوَثَّقَهُ . قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ : مَاتَ سَنَةَ 245 خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ . ( نَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ) التَّيْمِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَصْرِيُّ أَحَدُ الْأَعْلَامِ يُلَقَّبُ بِالطُّفَيْلِ ثِقَةٌ مَاتَ سَنَةَ 187 سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ ( قَالَ سَمِعْتُ أَيُّوبَ ) بْنَ أَبِي تَمِيمَةَ كَيْسَانَ السِّخْتِيَانِيَّ الْبَصْرِيَّ الْفَقِيهَ أَحَدَ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ حُجَّةٌ ، مِنْ كِبَارِ الْفُقَهَاءِ ، مَاتَ سَنَةَ 131 إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ، وَلَهُ خَمْسٌ وَسِتُّونَ ، ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ) الْأَنْصَارِيِّ الْبَصْرِيِّ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ عَابِدٌ ، كَبِيرُ الْقَدْرِ ، كَانَ لَا يَرَى الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى ، مِنَ الثَّالِثَةِ ، مَاتَ سَنَةَ 110 عَشَرَةَ وَمِائَةٍ . قَوْلُهُ : ( إِذَا وَلَغَ ) يُقَالُ : وَلَغَ يَلَغُ بِالْفَتْحِ فِيهِمَا إِذَا شَرِبَ بِطَرَفِ لِسَانِهِ أَوْ أَدْخَلَ لِسَانَهُ فِيهِ فَحَرَّكَهُ ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ : هُوَ أَنْ يُدْخِلَ لِسَانَهُ فِي الْمَاءِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُلِّ مَائِعٍ فَيُحَرِّكَهُ . زَادَ ابْنُ دُرُسْتَوَيْهِ : شَرِبَ أَوْ لَمْ يَشْرَبْ . كَذَا فِي الْفَتْحِ . ( أُولَاهُنَّ أَوْ أُخْرَاهُنَّ بِالتُّرَابِ ) كَذَا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ " أُولَاهُنَّ " . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وهِيَ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، ثُمَّ ذَكَرَ الرِّوَايَاتِ الْمُخْتَلِفَةَ فِي مَحَلِّ غَسْلَةِ التَّتْرِيبِ ثُمَّ قَالَ : وَرِوَايَةُ أُولَاهُنَّ أَرْجَحُ مِنْ حَيْثُ الْأَكْثَرِيَّةُ وَالْأَحْفَظِيَّةُ ، وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَيْضًا ؛ لِأَنَّ تَتْرِيبَ الْأَخِيرَةِ يَقْتَضِي الِاحْتِيَاجَ إِلَى غَسْلَةٍ أُخْرَى لِتَنْظِيفِهِ . انْتَهَى . فَقَوْلُهُ : أُولَاهُنَّ أَوْ أُخْرَاهُنَّ بِالتُّرَابِ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ إِنْ كَانَتْ كَلِمَةُ " أَوْ " فِيهِ لِلشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي ؛ فَيُرْجَعُ إِلَى التَّرْجِيحِ ، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ رِوَايَةَ أُولَاهُنَّ أَرْجَحُ ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ تَخْيِيرٌ مِنْهُ . قَوْلُهُ : ( وَإِذَا وَلَغَتْ فِيهِ الْهِرَّةُ غُسِلَ مَرَّةً ) هَذِهِ الْجُمْلَةُ لَيْسَتْ مِنَ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ ؛ بَلْ هِيَ مُدْرَجَةٌ وَسَيَجِيءُ تَحْقِيقُهُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ) قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْغِسْلَاتِ السَّبْعِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ . وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ، وَطَاوُسٌ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَدَاوُدُ . انْتَهَى . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : وُجُوبُ غَسْلِ نَجَاسَةِ وُلُوغِ الْكَلْبِ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالْجَمَاهِيرِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَكْفِي غَسْلُهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلَمْ يَقُولُوا بِوُجُوبِ السَّبْعِ وَلَا التَّتْرِيبِ ، وَاعْتَذَرَ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْهُمْ بِأُمُورٍ : مِنْهَا كَوْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَاوِيهِ أَفْتَى بِثَلَاثِ غِسْلَاتٍ ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ نَسْخُ السَّبْعِ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَفْتَى بِذَلِكَ لِاعْتِقَادِهِ نَدْبِيَّةَ السَّبْعِ لَا وُجُوبَهَا ، أَوْ كَانَ نَسِيَ مَا رَوَاهُ ، وَالِاحْتِمَالُ لَا يُثْبِتُ النَّسْخَ . وَأَيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَفْتَى بِالْغَسْلِ سَبْعًا ، وَرِوَايَةُ مَنْ رَوَى عَنْهُ مُوَافَقَةَ فُتْيَاهُ لِرِوَايَتِهِ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى عَنْهُ مُخَالَفَتَهَا مِنْ حَيْثُ الْإِسْنَادُ ، وَمِنْ حَيْثُ النَّظَرُ . أَمَّا النَّظَرُ فَظَاهِرٌ ، وَأَمَّا الْإِسْنَادُ فَالْمُوَافَقَةُ وَرَدَتْ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْهُ ، وَهَذَا مِنْ أَصَحِّ الْأَسَانِيدِ . وَأَمَّا الْمُخَالَفَةُ فَمَنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَطَاءٍ عَنْهُ ، وَهُوَ دُونَ الْأَوَّلِ فِي الْقُوَّةِ بِكَثِيرٍ . وَمِنْهَا أَنَّ الْعَذِرَةَ أَشَدُّ فِي النَّجَاسَةِ مِنْ سُؤْرِ الْكَلْبِ وَلَمْ تُقَيَّدْ بِالسَّبْعِ ؛ فَيَكُونُ الْوُلُوغُ كَذَلِكَ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى . وَأُجِيبُ : بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهَا أَشَدَّ مِنْهُ فِي الِاسْتِقْذَارِ أَنْ لَا يَكُونَ أَشَدَّ مِنْهَا فِي تَغْلِيظِ الْحُكْمِ ، وَبِأَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ وَهُوَ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ . وَمِنْهَا : دَعْوَى أَنَّ الْأَمْرَ بِذَلِكَ كَانَ عِنْدَ الْأَمْرِ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ، فَلَمَّا نُهِيَ عَنْ قَتْلِهَا نُسِخَ الْأَمْرُ بِالْغَسْلِ . وَتُعُقِّبَ : بِأَنَّ الْأَمْرَ بِقَتْلِهَا كَانَ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ ، وَالْأَمْرَ بِالْغَسْلِ مُتَأَخِّرٌ جِدًّا ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ مُغَفَّلٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِالْغَسْلِ ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ سَنَةَ 7 سَبْعٍ ، كَأَبِي هُرَيْرَةَ ؛ بَلْ سِيَاقُ مُسْلِمٍ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْأَمْرَ بِالْغَسْلِ كَانَ بَعْدَ الْأَمْرِ بِقَتْلِ الْكِلَابِ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . تَنْبِيهٌ : ذَكَرَ النِّيمَوِيُّ فِعْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ غَسَلَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، قَالَ : رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَآخَرُونَ ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَأَهْرِقْهُ ثُمَّ اغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، قَالَ : رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالطَّحَاوِيُّ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ . انْتَهَى . قُلْتُ : مَدَارُ فِعْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَوْلِهِ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، لَمْ يَرْوِهِمَا غَيْرُهُ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ ثِقَةً لَكِنْ كَانَ لَهُ أَوْهَامٌ ، وَكَانَ يُخْطِئُ . قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : صَدُوقٌ لَهُ أَوْهَامٌ . وَقَالَ الْخَزْرَجِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ : قَالَ أَحْمَدُ : ثِقَةٌ يُخْطِئُ . وقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ بَعْدَ رِوَايَتِهِ : هَذَا مَوْقُوفٌ ، وَلَمْ يَرْوِهِ هَكَذَا غَيْرُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، عَنْ عَطَاءٍ انتهى . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ مِنْ أَصْحَابِ عَطَاءٍ ، ثُمَّ أَصْحَابُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالْحُفَّاظُ الثِّقَاتُ مِنْ أَصْحَابِ عَطَاءٍ وَأَصْحَابُ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْوُونَ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى خَطَأِ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الثَّلَاثِ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ مَا يُخَالِفُ الثِّقَاتِ لِمُخَالَفَتِهِ أَهْلَ الْحِفْظِ وَالثِّقَةِ فِي بَعْضِ رِوَايَتِهِ ، تَرَكَهُ شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ ، وَلَمْ يَحْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ . انْتَهَى . كَذَا ذَكَرَ العيني كَلَامَ الْبَيْهَقِيِّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ إِلَّا أَنَّهُ نَقَلَ عَنْ أَحْمَدَ ، وَالثَّوْرِيِّ أَنَّهُ مِنَ الْحُفَّاظِ ، وَعَنِ الثَّوْرِيِّ : هُوَ ثِقَةٌ فَقِيهٌ مُتْقِنٌ ، وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : ثِقَةٌ ثَبْتٌ فِي الْحَدِيثِ . وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ ثِقَةٌ يُخْطِئُ ، وَلَهُ أَوْهَامٌ ، وَلَمْ يَحْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، فَكَيْفَ مَا رَوَاهُ مُخَالِفًا ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِإِسْنَادٍ أَصَحَّ مِنْ هَذَا أَنَّهُ أَفْتَى بِغَسْلِ الْإِنَاءِ سَبْعَ مَرَّاتٍ مُوَافِقًا لِحَدِيثِهِ الْمَرْفُوعِ ، فَفِي سُنَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ ص 33 : حَدَّثَنَا الْمَحَامِلِيُّ نَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ نَا عَارِمٌ نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْكَلْبِ يَلَغُ فِي الْإِنَاءِ قَالَ : يُهْرَاقُ وَيُغْسَلُ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : صَحِيحٌ مَوْقُوفٌ . انْتَهَى . وَقَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ : هَذَا أَرْجَحُ وَأَقْوَى إِسْنَادًا مِنْ قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ الْمَذْكُورَيْنِ الْمُخَالِفَيْنِ لِحَدِيثِهِ الْمَرْفُوعِ كَمَا عَرَفْتَ فِي كَلَامِ الْحَافِظِ . فَقَوْلُهُ الْمُوَافِقُ لِحَدِيثِهِ الْمَرْفُوعِ يُقَدَّمُ عَلَى قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ الْمَذْكُورَيْنِ ، وَأَمَّا قَوْلُ النِّيمَوِيِّ فِي التَّعْلِيقِ : وَلَمْ يَرْوِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ - يَعْنِي أَصْحَابَ أَبِي هُرَيْرَةَ - أَثَرًا مِنْ قَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ خِلَافَ مَا رَوَاهُ مِنْهُ عَطَاءٌ إِلَّا ابْنُ سِيرِينَ فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ ، قَالَ فِي الْمَعْرِفَةِ : وَرُوِّينَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، وَمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ قَوْلِهِ نَحْوَ رِوَايَتِهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : وَلَمْ يَذْكُرْ السَّنَدَ حَتَّى يَنْظُرَ فِيهِ . انْتَهَى ، فَمَبْنِيٌّ عَلَى قُصُورِ نَظَرِهِ ، أَوْ عَلَى فَرْطِ تَعَصُّبِهِ ؛ فَإِنَّ الْبَيْهَقِيَّ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ سَنَدَهُ فَالدَّارَقُطْنِيُّ ذَكَرَهُ فِي سُنَنِهِ ، وَقَالَ بَعْدَ رِوَايَتِهِ : صَحِيحٌ مَوْقُوفٌ ، وَقَدْ صَرَّحَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّ سَنَدَهُ أَرْجَحُ وَأَقْوَى مِنْ سَنَدِ قَوْلِهِ الْمُخَالِفِ لِحَدِيثِهِ . وَالْعَجَبُ مِنْ النِّيمَوِيِّ أنَّهُ رَأَى فِي سُنَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُخَالِفَ لِرِوَايَتِهِ ، وَنَقَلَهُ مِنْهُ وَلَمْ يَرَ فِيهِ قَوْلَهُ الْمُوَافِقَ لِحَدِيثِهِ ، وَكِلَاهُمَا مَذْكُورَانِ فِي صَفْحَةٍ وَاحِدَةٍ . تَنْبِيهٌ آخَرُ : قَالَ صَاحِبُ الْعَرْفِ الشَّذِيِّ : وَجَوَابُ الْحَدِيثِ مِنْ قِبَلِنَا أَنَّ التَّسْبِيعَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَنَا ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الزَّيْلَعِيُّ شَارِحُ الْكَنْزِ ، ثُمَّ وَجَدْتُهُ مَرْوِيًّا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي تَحْرِيرِ ابْنِ الْهُمَامِ . انْتَهَى . قُلْتُ : فَبَطَلَ بِهَذَا قَوْلُكُمْ بِادِّعَاءِ نَسْخِ التَّسْبِيعِ يَا مَعْشَرَ الْحَنَفِيَّةِ ، ثُمَّ حَمْلُ الْأَمْرِ بِالتَّسْبِيعِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ يُنَافِيهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ ، الْحَدِيثَ . ثُمَّ قَالَ : وَلَوْ كَانَ التَّسْبِيعُ وَاجِبًا كَيْفَ اكْتَفَى بِالتَّثْلِيثِ ؟ قُلْتُ : تَقَدَّمَ جَوَابُهُ فِي كَلَامِ الْحَافِظِ . ثُمَّ قَالَ : وَفَتْوَى التَّثْلِيثِ مَرْفُوعَةٌ فِي كَامِلِ ابْنِ عَدِيٍّ ، عَنِ الْكَرَابِيسِيِّ وَهُوَ حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ تِلْمِيذُ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ حَافِظٌ إِمَامٌ ، فَالْحَدِيثُ حَسَنٌ أَوْ صَحِيحٌ . قُلْتُ : تَفَرَّدَ بِرَفْعِهَا الْكَرَابِيسِيُّ ، وَلَمْ يُتَابِعْهُ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ بِأَنَّ الْمَرْفُوعَ مُنْكَرٌ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي لِسَانِ الْمِيزَانِ مَا لَفْظُهُ : قَالَ - يَعْنِي ابْنَ عَدِيٍّ - : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ ، ثَنَا الْكَرَابِيسِيُّ ، ثَنَا إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ ، ثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ رَفَعَهُ : " إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُهْرِقْهُ وَلْيَغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ " ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ ، عَنْ إِسْحَاقَ مَوْقُوفًا ، ثُمَّ قَالَ : تَفَرَّدَ الْكَرَابِيسِيُّ بِرَفْعِهِ ، وَلِلْكَرَابِيسِيِّ كُتُبٌ مُصَنَّفَةٌ ذَكَرَ فِيهَا الِاخْتِلَافَ ، وَكَانَ حَافِظًا لَهَا ، وَلَمْ أَجِدْ لَهُ مُنْكَرًا غَيْرَ مَا ذَكَرْتُ . انْتَهَى مَا فِي اللِّسَانِ . فَقَوْلُ صَاحِبِ الْعَرْفِ الشَّذِيِّ : فَالْحَدِيثُ حَسَنٌ أَوْ صَحِيحٌ لَيْسَ مِمَّا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ . تَنْبِيهٌ آخَرُ : لِلْعَيْنِيِّ تَعَقُّبَاتٌ عَلَى كَلَامِ الْحَافِظِ الَّذِي نَقَلْنَاهُ عَنِ الْفَتْحِ كُلُّهَا مَخْدُوشَةٌ وَاهِيَةٌ لَا حَاجَةَ إِلَى نَقْلِهَا ، ثُمَّ دَفْعِهَا ، لَكِنْ لَمَّا ذَكَرَهَا صَاحِبُ البَذْلِ الْمَجْهُودِ ، وَصَاحِبُ الطِّيبِ الشَّذِيِّ وَغَيْرُهُمَا ، وَاعْتَمَدُوا عَلَيْهَا ، فَعَلَيْنَا أَنْ نَذْكُرَهَا وَنُظْهِرَ مَا فِيهَا مِنَ الْخَدَشَاتِ ، قَالَ الْعَيْنِيُّ : كَوْنُ الْأَمْرِ بِقَتْلِ الْكِلَابِ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ فَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَابْنُ الْمُغَفَّلِ قَدْ سَمِعَا ذَلِكَ مِنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ ؛ فَأَخْبَرَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِاعْتِمَادِهِمَا صِدْقَ الرَّاوِي عَنْهُ ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ عُدُولٌ . انْتَهَى . قُلْتُ : قَدْ رَدَّ هَذَا التَّعَقُّبَ الْمَوْلَوِيُّ عَبْدُ الْحَيِّ اللَّكْنَوِيُّ فِي السِّعَايَةِ رَدًّا حَسَنًا فَقَالَ : وَهَذَا تَعَقُّبٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ عِنْدِي ؛ فَإِنَّ كَوْنَ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ الْمُغَفَّلِ بِوَاسِطَةِ صَحَابِيٍّ آخَرَ احْتِمَالٌ مَرْدُودٌ لِوُرُودِ سَمَاعِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَهَادَتِهِ عَلَى أَبْلَغِ وَجْهٍ بِسَمَاعِهِ ، أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ ، قَالَ : رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَضْرِبُ جَبْهَتَهُ بِيَدِهِ وَيَقُولُ : يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ ، أَنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنِّي أَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِيَكُونَ لَكُمْ الْهَنَاءُ وَعَلَيَّ الْإِثْمُ ، أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، وَكَذَا ابْنُ الْمُغَفَّلِ سَمِعَ أَمْرَ قَتْلِ الْكِلَابِ كَمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ وَحَسَّنَهُ ، قَالَ لِمَنْ يَرْفَعُ أَغْصَانَ الشَّجَرَةِ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَخْطُبُ فَقَالَ : لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا ، فَاقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ ، وَمَا مِنْ أهل بَيْتٍ يَرْتَبِطُونَ كَلْبًا إِلَّا نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِمْ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ . فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ بِلَا وَاسِطَةٍ نَسْخَ عُمُومِ الْقَتْلِ ، وَالرُّخْصَةَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ وَنَحْوَهُ ، وَظَاهِرُ سِيَاقِ مُسْلِمٍ عَنْهُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْغَسْلِ سَبْعًا وَقَعَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ صَرِيحًا رِوَايَةُ الطَّحَاوِيِّ فِي شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ عَنْهُ ، قَالَ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ، ثُمَّ قَالَ : مَا لِي وَلِلْكِلَابِ ، ثُمَّ قَالَ : إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، وَعَفِّرُوا الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ صَرِيحًا عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْغَسْلِ سَبْعًا كَانَ بَعْدَ نَسْخِ الْأَمْرِ بِقَتْلِ الْكِلَابِ لَا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ . انْتَهَى مَا فِي السِّعَايَةِ . قَالَ الْعَيْنِيُّ بَعْدَ ذِكْرِ احْتِمَالِ اعْتِقَادِ النَّدْبِ وَالنِّسْيَانِ : هَذَا إِسَاءَةُ الظَنٍّ بِأَبِي هُرَيْرَةَ ، فَالِاحْتِمَالُ النَّاشِئُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ لَا يُسْمَعُ . انْتَهَى . قُلْتُ : قَد ردهُ صَاحِبُ السِّعَايَةِ فَقَالَ : إِنَّ احْتِمَالَ النِّسْيَانِ وَاعْتِقَادَ للنَّدْبِ لَيْسَ بِإِسَاءَةِ ظَنٍّ ، وَلَيْسَ فِيهِ قَدْحٌ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ . انْتَهَى . قُلْتُ : وَفِي احْتِمَالِ اعْتِقَادِ النَّدْبِ كَيْفَ يَكُونُ إِسَاءَةُ الظَّنِّ وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْعَرْفِ الشَّذِيِّ : وَجَوَابُ الْحَدِيثِ مِنْ قِبَلِنَا أَنَّ التَّسْبِيعَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَنَا ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الزَّيْلَعِيُّ ، وَصَاحِبُ الْكَنْزِ ، ثُمَّ وَجَدْتُهُ مَرْوِيًّا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي تَحْرِيرِ ابْنِ الْهُمَامِ . انْتَهَى . قَالَ الْعَيْنِيُّ بَعْدَ ذَكَرَ أَنَّ قِيَاسَ سُؤْرِ الْكَلْبِ عَلَى الْعَذِرَةِ قِيَاسٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ وَهُوَ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ مَا لَفْظُهُ : لَيْسَ هُوَ قِيَاسٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ ؛ بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ . انْتَهَى . قُلْتُ : قَدْ رَدَّهُ صَاحِبُ السِّعَايَةِ فَقَالَ : هَذَا لَوْ تَمَّ لَدَلَّ عَلَى تَطْهِيرِ الْإِنَاءِ مِنْ سُؤْرِ الْكَلْبِ وَاحِدًا أَوْ ثَلَاثًا بِدَلَالَةِ النَّصِّ ، وَأَحَادِيثُ السَّبْعِ دَالَّةٌ بِعِبَارَتِهَا عَلَى اشْتِرَاطِ السَّبْعِ ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْعِبَارَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الدَّلَالَةِ ، قَالَ : وَأَيْضًا هَذَا مَنْقُوضٌ بِنَقْضِ الْوُضُوءِ بِالْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ ، مَعَ عَدَمِ نَقْضِهِ بِسَبِّ الْمُسْلِمِ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ أَشَدُّ مِنْهُ فَالْجَوَابَ الْجَوَابَ . انْتَهَى . وَإِنْ شِئْتَ الْوُقُوفَ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ تَعَقُّبَاتِهِ مَعَ بَيَانِ مَا فِيهَا مِنَ الْخَدَشَاتِ فَارْجِعْ إِلَى السِّعَايَةِ . تَنْبِيهٌ : اعْلَمْ أَنَّ الشَّيْخَ ابْنَ الْهُمَامِ قَدْ تَصَدَّى لِإِثْبَاتِ نَسْخِ أَحَادِيثِ السَّبْعِ ، فَذَكَرَ فِيهِ تَقْرِيرَاتٍ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ ، وَقَدْ رَدَّ تِلْكَ التَّقْرِيرَاتِ صَاحِبُ السِّعَايَةِ رَدًّا حَسَنًا ، وَقَالَ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ عَلَيْهَا مَا لَفْظُهُ : وَفِيهِ عَلَى مَا أَقُولُ خَدَشَاتٌ تُنَبِّهُكَ عَلَى أَنَّ تَقْرِيرَهُ كُلَّهُ مِنْ خُرفَةٍ نَاشِئٌ عَنْ عَصَبِيَّةٍ مَذْهَبِيَّةٍ ، وَقَالَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ عَلَيْهَا مَا لَفْظُهُ : فَتَأَمَّلْ فِي هَذَا الْمَقَامِ ؛ فَإِنَّ الْمَقَامَ مِنْ مَزَالِّ الْأَقْدَامِ حَتَّى زَلَّ قَدَمُ الْهَمامِ ابْنِ الْهُمَامِ . انْتَهَى . وَلَعَلَّ صَاحِبَ بَذْلِ الْمَجْهُودِ عَنْ هَذَا غَافِلٌ فَذَكَرَ تِلْكَ التَّقْرِيرَاتِ الْمَرْدُودَةَ ، وَكَذَا ذَكَرَ تَعَقُّبَاتِ الْعَيْنِيِّ الْمَرْدُودَةَ ، وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِمَا وَاغْتَنَمَهُمَا . وَكَذَلِكَ يَأْتِي فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ بِالتَّقْرِيرَاتِ الْمَخْدُوشَةِ ، وَلَا يَظْهَرُ مَا فِيهَا مِنَ الْخَدَشَاتِ ، وَلَا يُشِيرُ إِلَى مَنْ رَدَّهَا ، فَلَا أَدْرِي أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا مَعَ الْوُقُوفِ عَلَى رَدِّهَا أَوْ مَعَ الْغَفْلَةِ عَنْ ذَلِكَ فَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . فَإِنْ كَانَ لَا يَدْرِي فَتِلْكَ مُصِيبَةٌ وَإِنْ كَانَ يَدْرِي فَالْمُصِيبَةُ أَعْظَمُ . وَقَدْ أَطَالَ فِي هَذَا الْبَحْثِ الْفَاضِلُ اللَّكْنَوِيُّ فِي السِّعَايَةِ الْكَلَامَ ، وَأَجَادَ وَقَالَ فِي آخِرِ الْبَحْثِ مَا لَفْظُهُ : وَلَعَلَّ الْمُنْصِفَ غَيْرَ الْمُتَعَسِّفِ يَعْلَمُ بَعْدَ مُلَاحَظَةِ هَذَا الْبَحْثِ ضَعْفَ كَلَامِ أَرْبَابِ التَّثْلِيثِ ، وَقُوَّةَ كَلَامِ أَصْحَابِ التَّسْبِيعِ وَالتَّثْمِينِ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَ هَذَا ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِ إِذَا وَلَغَتِ الْهِرَّةُ غُسِلَ مَرَّةً ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الدِّرَايَةِ بَعْدَ نَقْلِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ وَذَكَرَ قَوْلَهُ هَذَا : وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَبَيَّنَ أَنَّ في الْهِرِّ مَوْقُوفٌ . انْتَهَى . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ : حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : " إِذَا وَلَغَ الْهِرُّ غُسِلَ مَرَّةً " فَقَدْ أَدْرَجَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ فِي حَدِيثِهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وُلُوغِ الْكَلْبِ وَوَهَمُوا فِيهِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ فِي وُلُوغِ الْكَلْبِ مَرْفُوعٌ ، وَفِي وُلُوغِ الْهِرِّ مَوْقُوفٌ ، مَيَّزَهُ عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ الْجَهْضَمِيُّ ، عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الثِّقَاتِ . انْتَهَى . وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي سُنَنِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيِّ ، عَنْ حَمَّادٍ ، وَبَكَّارٍ ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ ، عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَهُورُ الْإِنَاءِ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ يُغْسَلُ سَبْعَ مَرَّاتٍ الْأُولَى بِالتُّرَابِ ، وَالْهِرَّةُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ، قُرَّةُ يَشُكُّ . ثُمَّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : قَالَ أَبُو بَكْرٍ : كَذَا رَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ مَرْفُوعًا ، وَرَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْ قُرَّةَ وُلُوغَ الْكَلْبِ مَرْفُوعًا وَوُلُوغَ الْهِرِّ مَوْقُوفًا . انْتَهَى . وَقَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ : إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : وأَمَّا رِوَايَةُ : " وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ " فَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجَمَاهِيرِ أَنَّ الْمُرَادَ اغْسِلُوهُ سَبْعًا : وَاحِدَةً مِنْهُنَّ بِالتُّرَابِ مَعَ الْمَاءِ ، فَكَأَنَّ التُّرَابَ قَائِمٌ مَقَامَ غَسْلِهِ ؛ فَسُمِّيَتْ ثَامِنَةً لِهَذَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . انْتَهَى . وَتَعَقَّبَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّ قَوْلَهُ : وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ ظَاهِرٌ فِي كَوْنِهَا غَسْلَةً مُسْتَقِلَّةً ، لَكِنْ لَوْ وَقَعَ التَّعْفِيرُ فِي أَوَّلِهِ قَبْلَ وُرُودِ الْغَسْلَاتِ السَّبْعِ كَانَتِ الْغَسْلَاتُ ثَمَانِيَةً ، وَيَكُونُ إِطْلَاقُ الْغَسْلَةِ عَلَى التَّتْرِيبِ مَجَازًا ، وَهَذَا الْجَمْعُ مِنْ مُرَجِّحَاتِ تَعَيُّنِ التُّرَابِ فِي الْأُولَى . انْتَهَى .
بَاب مَا جَاءَ فِي غَسْلِ دَمِ الْحَيْضِ مِنْ الثَّوْبِ 138 حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، نَا سُفْيَانُ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ ، عَنْ أَسْمَاءَ ابنة أَبِي بَكْرٍ الصديق أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الثَّوْبِ يُصِيبُهُ الدَّمُ مِنْ الْحَيْضَةِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حُتِّيهِ ثُمَّ اقْرُصِيهِ بِالْمَاءِ ، ثُمَّ رُشِّيهِ وَصَلِّي فِيهِ ، وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأُمِّ قَيْسِ بْنتِ مِحْصَنٍ قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ أَسْمَاءَ فِي غَسْلِ الدَّمِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الدَّمِ يَكُونُ عَلَى الثَّوْبِ فَيُصَلِّي فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهُ ، فقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ التَّابِعِينَ : إِذَا كَانَ الدَّمُ مِقْدَارَ الدِّرْهَمِ فَلَمْ يَغْسِلْهُ وَصَلَّى فِيهِ أَعَادَ الصَّلَاةَ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِذَا كَانَ الدَّمُ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ أَعَادَ الصَّلَاةَ ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، ويُوجِبْ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ ، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَجِبُ عَلَيْهِ الْغَسْلُ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَشَدَّدَ فِي ذَلِكَ . باب ما جاء في غسل دم الحيض من الثوب قَوْلُهُ : ( مِنَ الْحَيْضَةِ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ ، أَيْ مِنَ الْحَيْضِ ( حُتِّيهِ ) الْحَتُّ الْحَكُّ مِنْ نَصَرَ يَنْصُرُ ، أَيْ حُكِّيهِ ، وَالْمُرَادُ إِزَالَةُ عَيْنِهِ ( ثُمَّ اقْرُصِيهِ بِالْمَاءِ ) الْقَرْصُ الدَّلْكُ بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ وَالْأَظْفَارِ ، أَيْ ادْلُكِي مَوْضِعَ الدَّمِ بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ بِالْمَاءِ ؛ لِيَتَحَلَّلَ بِذَلِكَ وَيَخْرُجَ مَا تَشَرَّبَهُ الثَّوْبُ مِنْهُ . ( ثُمَّ رُشِّيهِ ) مِنَ الرَّشِّ ، أَيْ صُبِّي الْمَاءَ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأُمِّ قَيْسٍ ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ قَيْسٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ أَسْمَاءَ فِي غَسْلِ الدَّمِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ التَّابِعِينَ : إِذَا كَانَ الدَّمُ مِقْدَارَ الدِّرْهَمِ فَلَمْ يَغْسِلْ وَصَلَّى فِيهِ أَعَادَ الصَّلَاةَ ) جَاءَ فِيهِ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ رَوْحِ بْنِ غَطِيفٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : تُعَادُ الصَّلَاةُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ مِنَ الدَّمِ ، وَفِي لَفْظٍ : إِذَا كَانَ فِي الثَّوْبِ قَدْرُ الدِّرْهَمِ مِنَ الدَّمِ غُسِلَ الثَّوْبُ وَأُعِيدَتِ الصَّلَاةُ . قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدِيثٌ بَاطِلٌ ، وَرَوْحٌ هَذَا مُنْكَرُ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : هَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ لَا شَكَّ فِيهِ لَمْ يَقُلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَكِنِ اخْتَرَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ ، وَكَانَ رَوْحُ بْنُ غَطِيفٍ يَرْوِي الْمَوْضُوعَاتِ عَنِ الثِّقَاتِ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ ، وَذَكَرَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ نُوحِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ يَزِيدَ الْهَاشِمِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ ، وَأَغْلَظَ فِي نُوحِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، كَذَا فِي تَخْرِيجِ الزَّيْلَعِيِّ . ( وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِذَا كَانَ الدَّمُ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ أَعَادَ الصَّلَاةَ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ) وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ ، قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ : قَدْرُ الدِّرْهَمِ وَمَا دُونَهُ مِنَ النَّجس الْمُغَلَّظة كَالدَّمِ وَالْبَوْلِ وَالْخَمْرِ وَخَرْءِ الدَّجَاجِ وَبَوْلِ الْحِمَارِ جَازَتِ الصَّلَاةُ مَعَهُ ، وَإِنْ زَادَ فَلَمْ يَجُزْ ، قَالَ لَنَا إِنَّ الْقَلِيلَ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَيُجْعَلُ مَعْفُوًّا ، وَقَدَّرْنَاهُ بِقَدْرِ الدِّرْهَمِ أَخْذًا عَنْ مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ ، انْتَهَى . قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ ص 903 ج 1 : وَأَمَّا تَقْدِيرُ أَصْحَابِنَا الْقَلِيلَ بِقَدْرِ الدِّرْهَمِ فَلِمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْأَسْرَارِ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا قَدَّرَا النَّجَاسَةَ بِالدِّرْهَمِ وَكَفَى بِهِمَا حُجَّةً فِي الِاقْتِدَاءِ ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَيْضًا أَنَّهُ قَدَّرَهُ بِظُفُرِهِ . وَفِي الْمُحِيطِ : وَكَانَ ظُفُرُهُ قَرِيبًا مِنْ كَفِّنَا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا دُونَ الدِّرْهَمِ لَا يَمْنَعُ ، انْتَهَى . قُلْتُ : لَا بُدَّ لِلْحَنَفِيَّةِ أَنْ يُثْبِتُوا صِحَّةَ آثَارِ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمِ الْمَذْكُورَةَ ، وَبِمُجَرَّدِ ذِكْرِ صَاحِبِ الْأَسْرَارِ هَذِهِ الْآثَارَ لَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا ، وَإِنِّي قَدْ فَتَّشْتُ كَثِيرًا ، لَكِنْ لَمْ أَقِفْ عَلَى أَسَانِيدِهَا ، وَلَا عَلَى مُخَرِّجِيهَا ، فَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ كَيْفَ حَالُهَا ، وَأَمَّا قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ : إِنَّ ظُفُرَ عُمَرَ رضي الله عنه كَانَ قَرِيبًا مِنْ كَفِّنَا فَهَذَا ادِّعَاءٌ مَحْضٌ ، لَمْ يَثْبُتْ بِدَلِيلٍ صَحِيحٍ ، نَعَمْ ثَبَتَ أَنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ طَوِيلَ الْقَامَةِ ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ التَّلْقِيحُ مَا لَفْظُهُ : تَسْمِيَةُ الطِّوَالِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ ، قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ ، حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ . انْتَهَى ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ كَوْنَ عُمَرَ رضي الله عنه مِنْ طِوَالِ الصَّحَابَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ ظُفُرُهُ قَرِيبًا مِنْ كَفِّنَا ، وَأَمَّا تَقْدِيرُهُمْ أَخْذًا عَنْ مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ ، فَفِيهِ أَيْضًا كَلَامٌ لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ . ( وَلَمْ يُوجِبْ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَغَيْرُهُمْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ) يَدُلُّ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ ظَاهِرُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ ، عَنْ عَقِيلِ بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ ، فَرُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ ، فَنَزَفَهُ الدَّمُ ، فَرَكَعَ وَسَجَدَ ، وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ وَالْقِصَّةُ طَوِيلَةٌ مُحَصَّلُهَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ شِعْبا فَقَالَ : مَنْ يَحْرُسُنَا اللَّيْلَةَ؟ فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَبَاتَا بِفَمِ الشِّعْبِ ، فَاقْتَسَمَا اللَّيْلَ لِلْحِرَاسَةِ ، فَنَامَ الْمُهَاجِرِيُّ ، وَقَامَ الْأَنْصَارِيُّ يُصَلِّي ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْعَدُوِّ فَرَأَى الْأَنْصَارِيَّ ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ ، فَأَصَابَهُ فَنَزَعَهُ وَاسْتَمَرَّ فِي صَلَاتِهِ ، ثُمَّ رَمَاهُ بِثَانٍ ، فَصَنَعَ كَذَلِكَ ، ثُمَّ رَمَاهُ بِثَالِثٍ ، فَانتزَعَهُ وَرَكَعَ وَسَجَدَ وَقَضَى صَلَاتَهُ ، ثُمَّ أَيْقَظَ رَفِيقَهُ ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِ مِنَ الدِّمَاءِ قَالَ : لِمَ لَا أَنْبَهْتَنِي أَوَّلَ مَا رَمَى ؟ قَالَ : كُنْتُ فِي سُورَةٍ فَأَحْبَبْتُ أَنْ لَا أَقْطَعَهَا . فَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ وَمَنْ تَبِعَهُمَا فَتَفَكَّرْ . ( وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنَ الدِّرْهَمِ ) قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ : وَقَالَ زُفَرُ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا تَجُوزُ قَلِيلُ النَّجَاسَةِ وَكَثِيرُهَا سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّ النَّصَّ الْمُوجِبَ لِلتَّطْهِيرِ لَمْ يُفَصِّلْ . انْتَهَى . قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ : قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : حَدِيثُ أَسْمَاءَ أَصْلٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ فِي غَسْلِ النَّجَاسَاتِ مِنَ الثِّيَابِ ، ثُمَّ قَالَ : وَهَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عِنْدَهُمْ عَلَى الدَّمِ الْكَثِيرِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ فِي نَجَاسَتِهِ أَنْ يَكُونَ مَسْفُوحًا ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْكَثِيرِ الْجَارِي ؛ إلا أَنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ مَا يُتَجَاوَزُ عَنْهُ مِنَ الدَّمِ ، فَاعْتَبَرَ الْكُوفِيُّونَ فِيهِ وَفِي النَّجَاسَاتِ دُونَ الدِّرْهَمِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ ، وَقَالَ مَالِكٌ : قَلِيلُ الدَّمِ مَعْفُوٌّ ، وَيُغْسَلُ قَلِيلُ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ : أَنَّ قَلِيلَ دَمِ الْحَيْضِ كَكَثِيرِهِ ، وَكَسَائِرِ الْأَنْجَاسِ بِخِلَافِ سَائِرِ الدِّمَاءِ ، وَالْحُجَّةُ فِي أَنَّ الْيَسِيرَ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ كَالْكَثِيرِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَسْمَاءَ : حُتِّيهِ ثُمَّ اقْرُصِيهِ حَيْثُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ ، وَلَا سَأَلَهَا عَنْ مِقْدَارِهِ ، وَلَمْ يَحُدَّ فِيهِ مِقْدَارَ الدِّرْهَمِ وَلَا دُونَهُ . قَالَ الْعَيْنِيُّ : حَدِيثُ عَائِشَةَ مَا كَانَ لِإِحْدَانَا إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ فِيهِ تَحِيضُ ، فَإِنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ بَلَّتْهُ بِرِيقِهَا ثُمَّ قَصَعَتْهُ بِرِيقِهَا ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا ولَفْظُهُ : قَالَتْ بِرِيقِهَا فَمضَغتْهُ ، يَدُلُّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : هَذَا فِي الدَّمِ الْيَسِيرِ الَّذِي يَكُونُ مَعْفُوًّا عَنْهُ ، وَأَمَّا الْكَثِيرُ مِنْهُ فَصَحَّ عَنْهَا - أَيْ عَنْ عَائِشَةَ - أَنَّهَا كَانَتْ تَغْسِلُهُ ، فَهَذَا حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ فِي عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مِنَ النَّجَاسَةِ ، وَعَلَى الشَّافِعِيِّ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ : إِنَّ يَسِيرَ الدَّمِ يُغْسَلُ كَسَائِرِ الْأَنْجَاسِ إِلَّا دَمُ الْبَرَاغِيثِ ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَا يَرَى بِالْقَطْرَةِ وَالْقَطْرَتَيْنِ بَأْسًا فِي الصَّلَاةِ ، وَعَصَرَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنه بَثْرَةً فَخَرَجَ مِنْهَا دَمٌ فَمَسَحَهُ بِيَدِهِ وَصَلَّى ، فَالشَّافِعِيَّةُ لَيْسُوا بِأَكْثَرَ احْتِيَاطًا مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عُمَرَ وَلَا أَكْثَرَ رِوَايَةً مِنْهُمَا حَتَّى خَالَفُوهُمَا ، حَيْثُ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، عَلَى أَنَّ قَلِيلَ الدَّمِ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَخْلُو فِي غَالِبِ حَالِهِ مِنْ بَثْرَةٍ وَدُمَّلٍ أَوْ بُرْغُوثٍ فَعُفِيَ عَنْهُ ؛ وَلِهَذَا حَرَّمَ اللَّهُ الْمَسْفُوحَ مِنْهُ ، فَدَلَّ أَنَّ غَيْرَهُ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ . انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ . قُلْتُ : فِي كَلَامِ الْعَيْنِيِّ هَذَا أَشْيَاءُ فَتَفَكَّرْ .
( بَاب مَا جَاءَ فِي سُؤْرِ الْهِرَّةِ ) 92 حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ ، نَا مَعْنٌ ، نَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ حُمَيْدَةَ ابِنة عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ ، عَنْ كَبْشَةَ ابنة كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، وَكَانَتْ عِنْدَ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ ، أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا ، قَالَت : فَسَكَبْتُ لَهُ وَضُوءًا قَالَتْ : فَجَاءَتْ هِرَّةٌ تَشْرَبُ فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ ، قَالَتْ كَبْشَةُ : فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ : أَتَعْجَبِينَ يَا ابنة أَخِي ؟ فَقُلْتُ : نَعَمْ فقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إِنَّمَا هِيَ مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ ، أَوْ الطَّوَّافَاتِ وَفِي الْبَاب عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِثْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، ولَمْ يَرَوْا بِسُؤْرِ الْهِرَّةِ بَأْسًا ، وَهَذَا أَحَسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَقَدْ جَوَّدَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، وَلَمْ يَأْتِ بِهِ أَحَدٌ أَتَمَّ مِنْ مَالِكٍ . باب ما جاء في سؤر الهرة قَوْلُهُ : ( نَا مَعْنٌ ) هُوَ مَعْنُ بْنُ عِيسَى بْنِ يَحْيَى الْأَشْجَعِيُّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : هُوَ أَثْبَتُ أَصْحَابِ مَالِكٍ . ( عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ) الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ ثِقَةٌ حُجَّةٌ مِنْ رِجَالِ السِّتَّةِ ، مَاتَ سَنَةَ 132 اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ . ( عَنْ حُمَيْدَةَ ابْنَةِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ ) الْأَنْصَارِيَّةِ الْمَدَنِيَّةِ زَوْجِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، وَهِيَ وَالِدَةُ وَلَدِهِ يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ ، مَقْبُولَةٌ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، قُلْتُ : هِيَ مِنَ التَّابِعِيَّاتِ ، وَذَكَرَهَا ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ كَمَا فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ . ( عَنْ كَبْشَةَ ابْنَةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ) زَوْجِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : لَهَا صُحْبَةٌ . ( وَكَانَتْ عِنْدَ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ ) وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاسْمُ ابْنِهِ عَبْدُ اللَّهِ ، وَالْمَعْنَى كَانَتْ زَوْجَةَ وَلَدِهِ . ( أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا ) : أَيْ عَلَى كَبْشَةَ ( قَالَتْ : فَسَكَبْتُ لَهُ وَضُوءًا ) بِضَمِّ التَّاءِ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ ، وَالْوَضُوءُ بِفَتْحِ الْوَاوِ مَاءُ الْوُضُوءِ : أَيْ صَبَبْتُ لَهُ وَضُوءًا فِي الْإِنَاءِ لِيَتَوَضَّأَ مِنْهُ لِمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ فَسَكَبْتُ لَهُ وَضُوءًا فِي إِنَاءٍ ، قَالَهُ أَبُو الطَّيِّبِ السِّنْدِيُّ ، وَفِي الْمِرْقَاةِ قَالَ الْأَبْهَرِيُّ بِضَمِّ التَّاءِ عَلَى التَّكَلُّمِ وَيَجُوزُ السُّكُونُ عَلَى التَّأْنِيثِ . انْتَهَى . قَالَ الْقَارِّيُّ : لَكِنْ أَكْثَرُ النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ الْمُصَحَّحَةِ بِالتَّأْنِيثِ ، وَيُؤَيِّدُ الْمُتَكَلِّمَ مَا فِي الْمَصَابِيحِ قَالَتْ فَسَكَبْتُ . انْتَهَى . ( فَأَصْغَى ) بَالِغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ : أَيْ أَمَالَ ( لَهَا ) : أَيْ للْهِرَّةِ الْإِنَاءَ لِيَسْهُلَ عَلَيْهَا الشُّرْبُ ، ( فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ ) : أَيْ فَرَآنِي أَبُو قَتَادَةَ وَالْحَالُ أَنِّي أَنْظُرُ إِلَى شُرْبِ الْهِرَّةِ الْمَاءَ نَظَرَ الْمُنْكِرِ أَوْ الْمُتَعَجِّبِ . ( فَقَالَ أَتَعْجَبِينَ ) : أَيْ بِشُرْبِهَا مِنْ وَضُوئِي ( يَا ابْنَةَ أَخِي ) الْمُرَادُ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ ، وَمِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ أَنْ يَدْعُوا بِيَا ابْنَ أَخِي ، وَيَا ابْنَ عَمِّي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَخًا أَوْ عَمًّا لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ . ( إِنَّهَا ) : أَيْ الْهِرَّةُ ( لَيْسَتْ بِنَجَسٍ ) . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ ، ثُمَّ النَّوَوِيُّ ، ثُمَّ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ، ثُمَّ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ : بِفَتْحِ الْجِيمِ مِنَ النَّجَاسَةِ كَذَا فِي زَهْرِ الرُّبَى عَلَى الْمُجْتَبَى ، وَكَذَا ضَبْطُ السُّيُوطِيِّ فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي . وَقَالَ الْقَارِّيُّ فِي الْمِرْقَاةِ : وَذَكَرَ الْكَازَرُونِيُّ أَنَّ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ قَالَ : هُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ ، وَالنَّجَسُ النَّجَاسَةُ فَالتَّقْدِيرُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِذَاتِ نَجَسٍ ، وَفِيمَا سَمِعْنَا وَقَرَأْنَا عَلَى مَشَائخِنَا هُوَ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَهُوَ الْقِيَاسُ : أَيْ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ ، وَلَمْ يُلْحِقْ التَّاءَ نَظَرًا إِلَى أَنَّهَا فِي مَعْنَى السِّنَّوْرِ . انْتَهَى . ( إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ ) قَالَ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ شَبَّهَهَا بِالْمَمَالِيكِ مِنْ خَدَمِ الْبَيْتِ الَّذِينَ يَطُوفُونَ عَلَى أَهْلِهِ لِلْخِدْمَةِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ شَبَّهَهَا بِمِنْ يَطُوفُ لِلْحَاجَةِ ، يُرِيدُ أَنَّ الْأَجْرَ فِي مُوَاسَاتِهَا كَالْأَجْرِ فِي مُوَاسَاةِ مَنْ يَطُوفُ لِلْحَاجَةِ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ وَقَوْلُ الْأَكْثَرِ ، وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ أَبِي دَاوُدَ ، وَقَالَ : لَمْ يَذْكُرْ جَمَاعَةٌ سِوَاهُ . ( أَوْ الطَّوَّافَاتِ ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ . وَقَالَ فِي الْأَزْهَارِ : شَبِّهُ ذُكُورَهَا بِالطَّوَّافِينَ وَإِنَاثَهَا بِالطَّوَّافَاتِ . وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ : وَلَيْسَتْ لِلشَّكِّ لِوُرُودِهِ بِالْوَاوِ فِي رِوَايَاتٍ أُخَرَ ؛ بَلْ لِلتَّنْوِيعِ ، وَيَكُونُ ذَكَرَ الصِّنْفَيْنِ مِنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ من طريق دَاوُدَ بْنِ صَالِحِ بْنِ دِينَارٍ التَّمَّارِ ، عَنْ أُمِّهِ ، أَنَّ مَوْلَاتَهَا أَرْسَلَتْهَا بِهَرِيسَةٍ إِلَى عَائِشَةَ فَوَجَدَتْهَا تُصَلِّي ، فَأَشَارَتْ إِلَيَّ أَنْ ضَعِيهَا ، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَأَكَلَتْ مِنْهَا ، فَلَمَّا انْصَرَفَتْ أَكَلَتْ مِنْ حَيْثُ أَكَلَتِ الْهِرَّةُ ، فَقَالَتْ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ ، إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ بِفَضْلِهَا . قَالَ الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا لَفْظُهُ : وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ أُمِّهِ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَارِثَةَ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كُنْتُ أَتَوَضَّأُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ قَدْ أَصَابَتْ مِنْهُ الْهِرَّةُ قَبْلَ ذَلِكَ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَحَارِثَةُ لَا بَأْسَ بِهِ . انْتَهَى ، كَذَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِلَفْظِ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِي دَارَ قَوْمٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَدُونَهُمْ دَارٌ ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، تَأْتِي دَارَ فُلَانٍ وَلَا تَأْتِي دَارَنَا ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ : لِأَنَّ فِي دَارِكُمْ كَلْبًا ، قَالُوا : فَإِنَّ فِي دَارِهِمْ سِنَّوْرًا فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : السِّنَّوْرُ سَبُعٌ ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ مُخْتَصَرًا بِلَفْظِ : السِّنَّوْرُ سَبُعٌ . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي مَسَانِيدِهِمْ " الْهِرُّ سَبُعٌ " وَفِي أَسَانِيدِ جَمِيعِ هَؤُلَاءِ عِيسَى بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَعَلَيْهِ مَدَارُ جَمِيعِ طُرُقِ الْحَدِيثِ وَهُوَ ضَعِيفٌ . وَقَدْ ذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ طُرُقَ هَذَا الْحَدِيثِ مَعَ الْكَلَامِ عَلَى عِيسَى بْنِ الْمُسَيَّبِ ، مَنْ شَاءَ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهِ فَلْيَرْجِعْ إِلَيْهِ . وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَرْضٍ بِالْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهَا : بَطْحَانُ فَقَالَ : يَا أَنَسُ ، اسْكُبْ لِي وَضُوءًا ، فَسَكَبْتُ لَهُ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجَتَهُ أَقْبَلَ إِلَى الْإِنَاءِ ، وَقَدْ أَتَى هِرٌّ فَوَلَغَ فِي الْإِنَاءِ فَوَقَفَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقْفَةً حَتَّى شَرِبَ الْهِرُّ ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَقَالَ : يَا أَنَسُ ، إِنَّ الْهِرَّ مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ لَنْ يُقَذِّرَ شَيْئًا وَلَنْ يُنَجِّسَهُ ، كَذَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالدَّارِمِيُّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ قَالَ الْحَافِظُ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ : صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ : وَصَحَّحَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالْعُقَيْلِيُّ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِثْلَ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ لَمْ يَرَوْا بِسُؤْرِ الْهِرَّةِ بَأْسًا ) ؛ يَعْنِي أَنَّ سُؤْرَ الْهِرَّةِ طَاهِرٌ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَاللَّيْثِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ ، وَالثَّوْرِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَعَلْقَمَةَ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، وَالْحَسَنِ فِيمَا رَوَى عَنْهُ الْأَشْعَثُ ، وَالثَّوْرِيِّ فِيمَا رَوَى عَنْهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ ، كَذَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ حَكَاهُ الْعَيْنِيُّ ، وَالطَّحَاوِيُّ . وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ ذَكَرَهُ الزَّاهِدِيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ ، وَالطَّحَاوِيِّ كَذَا فِي التَّعْلِيقِ الْمُمَجَّدِ . وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ إِنَّ سُؤْرَ الْهِرَّةِ طَاهِرٌ مَعَ الْكَرَاهَةِ . وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ وَقَوْلُهُمْ هُوَ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ . وَاحْتَجَّ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ أَحَادِيثَ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى طَهَارَتِهِ ، وَالْأَمْرُ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ بِوُلُوغِ الْهِرَّةِ ، وَكَذَلِكَ كَوْنُهَا سَبُعًا يَدُلُّ بِظَاهِرِهِ عَلَى نَجَاسَتِهِ ، فَأَثْبَتُوا حُكْمَ الْكَرَاهَةِ عَمَلًا بِهِمَا . وَرُدَّ احْتِجَاجُهُمْ هَذَا بِأَنَّ الْأَمْرَ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ بِوُلُوغِ الْهِرَّةِ لَمْ يَثْبُتْ ، وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ مِنَ الْأَمْرِ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ بِوُلُوغِ الْهِرَّةِ بِلَفْظِ : " وَإِذَا وَلَغَتْ فِيهِ الْهِرَّةُ غُسِلَ مَرَّةً " فَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ بَلْ هُوَ مُدْرَجٌ . وَقَالَ الْقَارِّيُّ فِي الْمِرْقَاةِ بَعْدَ ذِكْرِ بَعْضِ أَحَادِيثِ الْبَابِ مَا لَفْظُهُ : وَأَمَّا خَبَرُ " يُغْسَلُ الْإِنَاءُ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ سَبْعًا ، وَمِنْ وُلُوغِ الْهِرَّةِ مَرَّةً " مُدْرَجٌ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، كَمَا بَيَّنَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَإِنْ خَفِيَ عَلَى الطَّحَاوِيِّ ، وَلِذَا قَالَ سُؤْرُ الْهِرَّةِ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ ، قَالَ : وَأَمَّا مَا اشْتُهِرَ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ قَطَعَ ذَيْلَ ثَوْبِهِ الَّذِي رَقَدَتْ عَلَيْهِ هِرَّةٌ فَلَا أَصْلَ لَهُ . انْتَهَى . وأَمَّا كَوْنُهَا سَبُعًا فَلَمْ يَثْبُتْ بِحَدِيثٍ صَحِيحٍ ، وَمَا جَاءَ فِيهِ فَهُوَ ضَعِيفٌ لَا يُقَاوِمُ الْأَحَادِيثَ الَّتِي هِيَ نُصُوصٌ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ الْهِرَّةَ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ . عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهَا سَبُعًا أَنْ تَكُونَ نَجِسَةً قَالَ الْقَاضِي الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : حَدِيثُ الْبَابِ مُصَرِّحٌ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ ، فَيُخَصَّصُ بِهِ عُمُومُ حَدِيثِ السِّبَاعِ بَعْدَ تَسْلِيمِ وُرُودِ مَا يَقْضِي بِنَجَاسَةِ السِّبَاعِ ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ الْحُكْمِ عَلَيْهَا بِالسَّبُعِيَّةِ فَلَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّهَا نَجَسٌ ؛ إِذْ لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ النَّجَاسَةِ وَالسَّبُعِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْحِيَاضِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَقِيلَ : إِنَّ الْكِلَابَ وَالسِّبَاعَ تَرِدُ عَلَيْهَا ، فَقَالَ : لَهَا مَا أَخَذَتْ فِي بُطُونِهَا ، وَلَنَا مَا بَقِيَ شَرَابٌ وَطَهُورٌ ، وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ ، وَقَالَ : لَهُ أَسَانِيدُ إِذَا ضُمَّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ كَانَتْ قَوِيَّةً بِلَفْظِ : أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أَفْضَلَتِ الْحُمُرُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَبِمَا أَفْضَلَتِ السِّبَاعُ كُلُّهَا ، وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ، فَسَارَ لَيْلًا ، فَمَرُّوا عَلَى رَجُلٍ جَالِسٍ عِنْدَ مَقْرَاةٍ لَهُ وَهِيَ الْحَوْضُ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ الْمَاءُ ، فَقَالَ عُمَرُ : أَوَلَغَتِ السِّبَاعُ عَلَيْكَ اللَّيْلَةَ فِي مَقَرَّاتِكَ ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا صَاحِبَ الْمَقْرَاةِ ، لَا تُخْبِرْهُ ؛ هَذَا مُتَكَلِّفٌ ، لَهَا مَا حَمَلَتْ فِي بُطُونِهَا ، وَلَنَا مَا بَقِيَ شَرَابٌ وَطَهُورٌ ، هَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُصَرِّحَةٌ بِطَهَارَةِ مَا أَفْضَلَتِ السِّبَاعُ . انْتَهَى مَا فِي النَّيْلِ . فَائِدَةٌ : قَالَ الْعُلَمَاءُ يُسْتَحَبُّ اتِّخَاذُ الْهِرَّةِ وَتَرْبِيَتُهَا ؛ أَخْذًا مِنَ الْأَحَادِيثِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ حُبُّ الْهِرَّةِ مِنَ الْإِيمَانِ فَمَوْضُوعٌ عَلَى مَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ كَالصَّغَانِيِّ ، ذَكَرَهُ الْقَارِّيُّ . قَوْلُهُ : ( قَدْ جَوَّدَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ) : أَيْ صَحَّحَهُ وَجَعَلَهُ جَيِّدًا ، قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ ، ورَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ : وَقَدْ صَحَّحَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَاحْتَجَّ بِهِ فِي مُوَطَّئِهِ ، وَقَدْ شَهِدَ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، لِمَالِكٍ أَنَّهُ الْحَكَمُ فِي حَدِيثِ الْمَدَنِيِّينَ ؛ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي طَهَارَةِ الْهِرَّةِ ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْإِمَامِ : وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ مَنْدَهْ فِي صَحِيحَيْهِمَا ، وَلَكِنَّ ابْنَ مَنْدَهْ قَالَ : وَحُمَيْدَةُ وَخَالَتُهَا كَبْشَةُ لَا يُعْرَفُ لَهُمَا رِوَايَةٌ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَمَحَلُّهُمَا مَحَلُّ الْجَهَالَةِ ، وَلَا يَثْبُتُ هَذَا الْخَبَرُ مِنْ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ . قَالَ الشَّيْخُ : وَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ حَالُهُمَا إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَلَعَلَّ طَرِيقَ مَنْ صَحَّحَهُ أَنْ يَكُونَ اعْتَمَدَ عَلَى إِخْرَاجِ مَالِكٍ لِرِوَايَتِهِمَا مَعَ شُهْرَتِهِ بِالتَّثْبِيتِ . انْتَهَى مَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ بَعْدَ ذِكْرِ قَوْلِ ابْنِ مَنْدَهْ مُتَعَقِّبًا عَلَيْهِ : فَأَمَّا قَوْلُهُ لَا يُعْرَفُ لَهُمَا إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ فَمُتَعَقَّبٌ بِأَنَّ لِحُمَيْدَةَ حَدِيثًا آخَرَ فِي تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَلَهَا ثَالِثٌ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمَعْرِفَةِ ، وَأَمَّا حَالُهُمَا : فَحُمَيْدَةُ رَوَى عَنْهَا مَعَ إِسْحَاقَ ابْنُهُ يَحْيَى وَهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ ابْنِ مَعِينٍ ، وَأَمَّا كَبْشَةُ فَقِيلَ : إِنَّهَا صَحَابِيَّةٌ ، فَإِنْ ثَبَتَ فَلَا يَضُرُّ الْجَهْلُ بِحَالِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . انْتَهَى . قُلْتُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ حُمَيْدَةَ ذَكَرَهَا ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : مَقْبُولَةٌ ، وَأَمَّا كَبْشَةُ فَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : لَهَا صُحْبَةٌ ، وَتَبِعَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ ، وَأَبُو مُوسَى كَمَا فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ ، وَقَدْ صَحَّحَ الْحَدِيثَ الْبُخَارِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمْ كَمَا عَرَفْتَ ، فَقَوْلُ مَنْ عَرَفَ مُقَدَّمٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْرِفْ .
137 حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ ، نَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ السُّكَّرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا كَانَ دَمًا أَحْمَرَ فَدِينَارٌ ، وَإن كَانَ دَمًا أَصْفَرَ فَنِصْفُ دِينَارٍ . قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ الْكَفَّارَةِ فِي إِتْيَانِ الْحَائِضِ قَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : يَسْتَغْفِرُ رَبَّهُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ . وَقَدْ رُوِيَ مثل قَوْلِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَإِبْرَاهِيمُ . قَوْلُهُ : ( نَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى ) السِّينَانِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ وَرُبَّمَا أَغْرَبَ . ( عَنْ أَبِي حَمْزَةَ السُّكَّرِيِّ ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِحَلَاوَةِ كَلَامِهِ ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ ، وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ : السكر بِالضَمِّ وَتَشْدِيدِ الْكَافِ مُعَرَّبُ شَكَرَ . انْتَهَى ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ السُّكَّرِيُّ بِضَمِّ السِّينِ وَتَشْدِيدِ الْكَافِ ، وَكَذَا ضُبِطَ فِي نُسْخَةٍ قَلَمِيَّةٍ بِالْقَلَمِ ، وَضُبِطَ فِي النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ الْمَطْبُوعَةِ بِفَتْحِ السِّينِ وَالْكَافِ الْخَفِيفَةِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : ثِقَةٌ فَاضِلٌ مِنَ السَّابِعَةِ . ( عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ ) بْنِ مَالِكٍ الْجَزَرِيِّ ، يُكَنَّى بِأَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ ، وَهُوَ الْخَضْرِميُّ نِسْبَةً إِلَى قَرْيَةٍ مِنَ الْيَمَامَةِ . ثِقَةٌ مُتْقِنٌ مِنَ السَّادِسَةِ . قَوْلُهُ : ( إِذَا كَانَ دَمًا أَحْمَرَ فَدِينَارٌ ، وَإِنْ كَانَ دَمًا أَصْفَرَ فَنِصْفُ دِينَارٍ ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ قَدْ وَقَعَ الِاضْطِرَابُ فِي إِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ ، فَرُوِيَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا وَمُرْسَلًا وَمُعْضَلًا . وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ : قِيلَ لِشُعْبَةَ : إِنَّكَ كُنْتَ تَرْفَعُهُ ، قَالَ : إِنِّي كُنْتُ مَجْنُونًا فَصَحَحْتُ ، وَأَمَّا الِاضْطِرَابُ فِي مَتْنِهِ فَرُوِيَ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ عَلَى الشَّكِّ ، وَرُوِيَ : يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِنِصْفِ دِينَارٍ ، وَرُوِيَ : إِذَا كَانَ دَمًا أَحْمَرَ فَدِينَارٌ ، وَإِنْ كَانَ دَمًا أَصْفَرَ فَنِصْفُ دِينَارٍ ، وَرُوِيَ : إِنْ كَانَ الدَّمُ عَبِيطًا فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ ، وَإِنْ كَانَ صُفْرَةً فَنِصْفُ دِينَارٍ . انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : وَالِاضْطِرَابُ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَتْنِهِ كَثِيرٌ ، انْتَهَى . قُلْتُ : لَا شَكَّ في أَنَّ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَتْنِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، لَكِنَّ مُجَرَّدَ الِاخْتِلَافِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا لَا يُورِثُ الِاضْطِرَابَ الْقَادِحَ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ ، بَلْ يُشْتَرَطُ لَهُ اسْتِوَاءُ وُجُوهِ الِاخْتِلَافِ ، فَمَتَى رُجِّحَتْ رِوَايَةٌ مِنَ الرِّوَايَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ مِنْ حَيْثُ الصِّحَّةُ قُدِّمَتْ ، وَلَا تُعَلُّ الرِّوَايَةُ الرَّاجِحَةُ بِالْمَرْجُوحَةِ ، وَهَاهُنَا رِوَايَةُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ : فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ أَوْ بِنِصْفِ دِينَارٍ صَحِيحَةٌ رَاجِحَةٌ . فَكُلُّ رُوَاتِهَا مُخَرَّجٌ لَهُمْ فِي الصَّحِيحِ إِلَّا مِقْسَمًا الرَّاوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَانْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ ، لَكِنْ مَا أَخْرَجَ لَهُ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا ، وَقَدْ صَحَّحَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ الْحَاكِمُ ، وابن القطان ، وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَقَالَ : مَا أَحْسَنَ حَدِيثَ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَقِيلَ تَذْهَبُ إِلَيْهِ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، وَرِوَايَةُ عَبْدِ الْحَمِيدِ هَذِهِ لَمْ يُخْرِجْهَا التِّرْمِذِيُّ ، وَأَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ . قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا يَحْيَى ، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَكَمُ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ ، قَالَ : يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هَكَذَا الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ ، قَالَ : دِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ شُعْبَةُ ، فَرِوَايَةُ عَبْدِ الْحَمِيدِ هَذِهِ صَحِيحَةٌ رَاجِحَةٌ ، وَأَمَّا بَاقِي الرِّوَايَاتِ فَضَعِيفَةٌ مَرْجُوحَةٌ لَا تُوَازِي رِوَايَةَ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، فَلَا تُعَلُّ رِوَايَةُ عَبْدِ الْحَمِيدِ هَذِهِ بِالرِّوَايَاتِ الضَّعِيفَةِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : قَدْ أَمْعَنَ ابْنُ الْقَطَّانِ الْقَوْلَ فِي تَصْحِيحِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَالْجَوَابُ عَنْ طُرُقِ الطَّعْنِ فِيهِ بِمَا يُرَاجَعُ مِنْهُ ، وَأَقَرَّ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ تَصْحِيحَ ابْنِ الْقَطَّانِ وَقَوَّاهُ فِي الْإِمَامِ وَهُوَ الصَّوَابُ . فَكَمْ مِنْ حَدِيثٍ قد احْتَجُّوا بِهِ وَفِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ أَكْثَرُ مِمَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، كَحَدِيثِ بِئْرِ بُضَاعَةَ ، وَحَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا ، وَفِي ذَلِكَ مَا يَرُدُّ عَلَى النَّوَوِيِّ فِي دَعْوَاهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَالتَّنْقِيحِ وَالْخُلَاصَةِ أَنَّ الْأَئِمَّةَ كُلَّهُمْ خَالَفُوا الْحَاكِمَ فِي تَصْحِيحِهِ ، وَأَنَّ الْحَقَّ أَنَّهُ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِهِمْ ، وَتَبِعَ فِي بَعْضِ ذَلِكَ ابْنَ الصَّلَاحِ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ ، وَبِالْجُمْلَةِ رِوَايَةُ عَبْدِ الْحَمِيدِ صَحِيحَةٌ ، لَكِنْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي رَفْعِهَا ووقفها ، فَرَفَعَهَا شُعْبَةُ مَرَّةً ، وَوَقَفَهَا مَرَّةً ، قَالَ الْحَافِظُ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَرْفُوعَةً : صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ، وَابْنُ الْقَطَّانِ ، وَرَجَّحَ غَيْرُهُمَا وَقْفَهُ ، قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : وَيُجَابُ عَنْ دَعْوَى الِاخْتِلَافِ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ بِأَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ ، وَمُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ ، وَابْنَ أَبِي عَدِيٍّ رَفَعُوهُ عَنْ شُعْبَةَ ، وَكَذَلِكَ وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ ، وَالنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ الْخَفَّافُ ، قَالَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ : مَنْ رَفَعَهُ عَنْ شُعْبَةَ أَجَلُّ وَأَكْثَرُ وَأَحْفَظُ مِمَّنْ وَقَفَهُ ، وَأَمَّا قَوْلُ شُعْبَةَ : أَسْنَدَهُ لِي الْحَكَمُ مَرَّةً وَوَقَفَهُ مَرَّةً ، فَقَدْ أَخْبَرَ عَنِ الْمَرْفُوعِ وَالْمَوْقُوفِ أَنَّ كُلًّا عِنْدَهُ ، ثُمَّ لَوْ تَسَاوَى رَافِعُوهُ مَعَ وَاقِفِيهِ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَا يَقْدَحُ فِيهِ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ : اخْتِلَافُ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الرَّفْعِ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْحَدِيثِ ضَعْفًا وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْأُصُولِ ؛ لِأَنَّ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لَيْسَتْ مُكَذِّبَةً لِلْأُخْرَى ، وَالْأَخْذُ بِالْمَرْفُوعِ أَخْذٌ بِالزِّيَادَةِ ، وَهِيَ وَاجِبَةُ الْقَبُولِ ، انْتَهَى . قُلْتُ : يُؤَيِّدُ تَرْجِيحَ وَقْفِهَا قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ، قِيلَ لِشُعْبَةَ : إِنَّكَ كُنْتَ تَرْفَعُهُ ؟ قَالَ : إِنِّي كُنْتُ مَجْنُونًا فَصَحَحْتُ ، وَبَيَّنَ الْبَيْهَقِيُّ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ شُعْبَةَ رَجَعَ عَنْ رَفْعِهِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ يَسْتَغْفِرُ رَبَّهُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ) قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : حُجَّةُ مَنْ لَمْ يُوجِبِ الْكَفَّارَةَ بِاضْطِرَابِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَأَنَّ الذِّمَّةَ عَلَى الْبَرَاءَةِ وَلَا يَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ فِيهَا شَيْءٌ لِمِسْكِينٍ وَلَا غَيْرِهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ لَا مَدْفَعَ فِيهِ وَلَا مَطْعَنَ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ مَعْدُومٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، كَذَا فِي التَّلْخِيصِ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ : ذَهَبَ إِلَى إِيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ قَتَادَةُ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَقَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ قَدِيمًا ، ثُمَّ قَالَ فِي الْجَدِيدِ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، قُلْتُ : وَلَا يُنْكَرُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ كَفَّارَةٌ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ مَحْظُورٌ كَالْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ، وَزَعَمُوا أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُرْسَلٌ أَوْ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلَا يَصِحُّ مُتَّصِلًا مَرْفُوعًا ، وَالذِّمَمُ بَرِيئَةٌ إِلَّا أَنْ تَقُومَ الْحُجَّةُ بِشَغْلِهَا ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : إِذَا أَصَابَهَا فِي فَوْرِ الدَّمِ تَصَدَّقَ بِدِينَارٍ ، وَإِنْ كَانَ فِي آخِرِهِ فَنِصْفُ دِينَارٍ ، وَقَالَ قَتَادَةُ : دِينَارٌ لِلْحَائِضِ ، وَنِصْفُ دِينَارٍ إِذَا أَصَابَهَا قَبْلَ أَنْ تَغْتَسِلَ ، وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَقُولُ : هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الدِّينَارِ وَنِصْفِ الدِّينَارِ . انْتَهَى كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ بِلَفْظِهِ . قُلْتُ : وَذَهَبَ إِلَى إِيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ أَيْضًا ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْكَفَّارَةِ فَقَالَ الْحَسَنُ ، وَسَعِيدٌ : عِتْقُ رَقَبَةٍ ، وَقَالَ الْبَاقُونَ : دِينَارٌ أَوْ نِصْفُ دِينَارٍ عَلَى اخْتِلَافٍ مِنْهُمْ فِي الْحَالِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الدِّينَارُ أَوْ نِصْفُ الدِّينَارِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ ، كَذَا فِي النَّيْلِ . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَإِبْرَاهِيمُ ) هُوَ النَّخَعِيُّ وَلَعَلَّ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ ، وَمِنْهُمْ عَطَاءٌ ، وَابْنُ أَبِي مُلَيْكةَ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمَكْحُولٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَرَبِيعَةُ ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ الْأَصَحُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَجَمَاهِيرُ مِنَ السَّلَفِ قَالُوا : إِنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ، بَلِ الْوَاجِبُ الِاسْتِغْفَارُ وَالتَّوْبَةُ ، وَأَجَابُوا عَنِ الْحَدِيثِ بِمَا سَبَقَ مِنَ الْمَطَاعِنِ ، قَالُوا : وَالْأَصْلُ الْبَرَاءَةُ ، فَلَا يُنْتَقَلُ عَنْهَا إِلَّا بِحُجَّةٍ . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا مَا لَفْظُهُ : وَقَدْ عَرَفْتَ انْتِهَاضَ الرِّوَايَةِ الْأُولَى مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ ، فَالْمَصِيرُ إِلَيْهَا مُتَحَتِّمٌ ، وَعَرَفْتَ بِمَا أَسْلَفْنَاهُ صَلَاحِيَّتَهَا لِلْحُجِّيَّةِ وَسُقُوطَ الِاعْتِلَالَاتِ الْوَارِدَةِ عَلَيْهَا ، انْتَهَى . قُلْتُ : وَمِنَ الِاعْتِلَالَاتِ اعْتِلَالُ الِاخْتِلَافِ فِي رَفْعِهَا وَوَقْفِهَا ، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ قَوْلَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ يُؤَيِّدُ وَقْفَهَا ، وَبَيَّنَ الْبَيْهَقِيُّ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ شُعْبَةَ رَجَعَ عَنْ رَفْعِهَا فَتَأَمَّلْ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الْكَفَّارَةِ فِي ذَلِكَ 136 حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، نَا شَرِيكٌ ، عَنْ خُصَيْفٍ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرَّجُلِ يَقَعُ عَلَى امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ قَالَ : يَتَصَدَّقُ بِنِصْفِ دِينَارٍ . ( بَاب مَا جَاءَ فِي الْكَفَّارَةِ فِي ذَلِكَ ) قَوْلُهُ : ( عَنْ خُصَيْفٍ ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرًا ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَزَرِيُّ ، صَدُوقٌ سَيِّئُ الْحِفْظِ ، خَلَّطَ بِأَخَرَةٍ وَرُمِيَ بِالْإِرْجَاءِ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَأَبُو زُرْعَةَ ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : إِذَا حَدَّثَ عَنْهُ ثِقَةٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( فِي الرَّجُلِ يَقَعُ عَلَى امْرَأَتِهِ ) أَيْ يُجَامِعُ امْرَأَتَهُ ( وَهِيَ حَائِضٌ ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ( قَالَ يَتَصَدَّقُ بِنِصْفِ دِينَارٍ ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَرُوِيَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ كَمَا سَتَقِفُ . وَالْحَدِيثُ فِي سَنَدِهِ شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ الْكُوفِيُّ ، صَدُوقٌ يُخْطِئُ كَثِيرًا ، تَغَيَّرَ حِفْظُهُ مُنْذُ وَلِيَ الْقَضَاءَ بِالْكُوفَةِ ، وَفِيهِ خُصَيْفٌ وَقَدْ عَرَفْتَ حَالَهُ .
94 وَيُرْوَى عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ : رَأَيْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ، فَقُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : رَأَيْتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ، فَقُلْتُ لَهُ : أَقَبْلَ الْمَائِدَةِ أَو بَعْدَ الْمَائِدَةِ ؟ فَقَالَ : مَا أَسْلَمْتُ إِلَّا بَعْدَ الْمَائِدَةِ ، حَدَّثَنَا بِذَلِكَ قُتَيْبَةُ ، نَا خَالِدُ بْنُ زِيَادٍ التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ جَرِيرٍ وقَالَ : وَرَوَى بَقِيَّةُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ جَرِيرٍ ، وَهَذَا حَدِيثٌ مُفَسَّرٌ ؛ لِأَنَّ بَعْضَ مَنْ أَنْكَرَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ تَأَوَّلَ أَنَّ مَسْحَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْخُفَّيْنِ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ ، وَذَكَرَ جَرِيرٌ فِي حَدِيثِهِ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ . قَوْلُهُ : ( وَيُرْوَى عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ) الْأَشْعَرِيِّ الشَّامِيِّ مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ صَدُوقٌ كَثِيرُ الْإِرْسَالِ وَالْأَوْهَامِ قَالَهُ الْحَافِظُ ، وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَأَحْمَدُ ، وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ : شَهْرٌ وَإِنْ قَالَ ابْنُ عَوْنٍ : تَرَكُوهُ ، فَهُوَ ثِقَةٌ ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : ثَبْتٌ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ : لَا بَأْسَ بِهِ . انْتَهَى ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَرْجَمَتُهُ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا . ( فَقُلْتُ لَهُ ) : أَيْ لِجَرِيرٍ ( فِي ذَلِكَ ) : أَيْ فِي مَسْحِهِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَأَنْكَرْتُ عَلَيْهِ ( أَقَبْلَ الْمَائِدَةِ أَو بَعْدَ الْمَائِدَةِ ) : أَيْ رَأَيْتُ مَسْحَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خُفَّيْهِ قَبْلَ نُزُولِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ أَمْ بَعْدَهُ ( فَقَالَ : مَا أَسْلَمْتُ إِلَّا بَعْدَ الْمَائِدَةِ ) ؛ يَعْنِي إِنَّمَا رَأَيْتُ مَسْحَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خُفَّيْهِ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ ؛ لِأَنَّ إِسْلَامِي لَمْ يَكُنْ إِلَّا بَعْدَ نُزُولِهَا ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ : إِنَّ جَرِيرًا بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَقَالَ : مَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَمْسَحَ وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ ، قَالُوا : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ ، قَالَ : مَا أَسْلَمْتُ إِلَّا بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ . ( نَا خَالِدُ بْنُ زِيَادٍ التِّرْمِذِيُّ ) قَاضِيهَا الْأَزْدِيُّ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ صَدُوقٌ ( عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ ) بِتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ النَّبْطِيِّ أَبِي بِسِطَامٍ الْبَلْخِيِّ الْخَزَّازِ بِزَاءينَ مَنْقُوطَتَيْنِ ، صَدُوقٌ فَاضِلٌ ، أَخْطَأَ الْأَزْدِيُّ فِي زَعْمِهِ أَنَّ وَكِيعًا كَذَّبَهُ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، رَوَى عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَعُرْوَةَ ، وَسَالِمٍ ، وَعَنْهُ إِبْرَاهِيمُ بن أدهم ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ . وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ ، ( وَقَالَ ) : أَيْ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ : ( وَرَوَى بَقِيَّةُ ) هُوَ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ ، قَالَ النَّسَائِيُّ : إِذَا قَالَ : حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا فَهُوَ ثِقَةٌ ، وَقَالَ الْجُوزَجَانِيُّ : إِذَا حَدَّثَ عَنِ الثِّقَاتِ فَلَا بَأْسَ ، وَقَالَ أَبُو مِسْهَرٍ الْغَسَّانِيُّ : بَقِيَّةُ لَيْسَتْ أَحَادِيثُهُ نَقِيَّةً ؛ فَكُنْ مِنْهَا عَلَى تَقِيَّةٍ . كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ ، وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ صَدُوقٌ كَثِيرُ التَّدْلِيسِ . ( عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ ) بْنِ مَنْصُورٍ الْعِجْلِيِّ ، أَوْ التَّمِيمِيِّ الْبَلْخِيِّ ثُمَّ الشَّامِيِّ أَحَدُ الزُّهَّادِ الْأَعْلَامِ رَوَى عَنْ مَنْصُورٍ ، وَأَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِمَا ، وَعَنْهُ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَشَقِيقٌ الْبَلْخِيُّ وَغَيْرُهُمْ . قَالَ النَّسَائِيُّ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ أَحَدُ الزُّهَّادِ ، مَاتَ سَنَةَ 162 اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ .
( بَاب الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ) 93 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، نَا وَكِيعٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ : بَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ، فَقِيلَ لَهُ : أَتَفْعَلُ هَذَا ؟ قَالَ : وَمَا يَمْنَعُنِي وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ ، قَالَ : وَكَانَ يُعْجِبُهُمْ حَدِيثُ جَرِيرٍ ؛ لِأَنَّ إِسْلَامَهُ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ ، وَفِي الْبَاب عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَحُذَيْفَةَ ، وَالْمُغِيرَةِ ، وَبِلَالٍ ، وَسَعْدٍ ، وَأَبِي أَيُّوبَ ، وَسَلْمَانَ ، وَبُرَيْدَةَ ، وَعَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ ، وَأَنَسٍ ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، وَيَعْلَى بْنِ مُرَّةَ ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، وَأُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ ، وَأَبِي أُمَامَةِ ، وَجَابِرٍ ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ جَرِيرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . ( بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ : لَيْسَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَنِ الصَّحَابَةِ اخْتِلَافٌ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْهُمْ إِنْكَارُهُ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ إِثْبَاتُهُ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا أَعْلَمُ رُوِيَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ فُقَهَاءِ السَّلَفِ إِنْكَارُهُ إِلَّا عَنْ مَالِكٍ ، مَعَ أَنَّ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةَ عَنْهُ مُصَرِّحَةٌ بِإِثْبَاتِهِ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ : الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَوْ نَزْعُهُمَا وَغَسْلُ الْقَدَمَيْنِ ؟ قَالَ : وَالَّذِي أَخْتَارُهُ أَنَّ الْمَسْحَ أَفْضَلُ لِأَجْلِ مَنْ طَعَنَ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ مِنَ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ ، قَالَ : وَإِحْيَاءُ مَا طَعَنَ فِيهِ الْمُخَالِفُونَ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهِ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( عَنْ إِبْرَاهِيمَ ) هُوَ النَّخَعِيُّ ( عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ ) النَّخَعِيِّ الْكُوفِيِّ ، رَوَى عَنْ عُمَرَ ، وَعَمَّارٍ وَغَيْرِهِمَا ، وَعَنْهُ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، مَاتَ سَنَةَ 65 خَمْسٍ وَسِتِّينَ ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ ، قُلْتُ : هُوَ مِنْ رِجَالِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ . ( بَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ) الْبَجَلِيُّ الصَّحَابِيُّ الشَّهِيرُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ إِلَى ذِي الْخَلَصَةِ فَهَدَمَهَا ، وَفِيهِ عَنْهُ قَالَ : مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذُ أَسْلَمْتُ ، وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ . ( أَتَفْعَلُ هَذَا ) : أَيْ أَتَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ ( قَالَ : وَمَا يَمْنَعُنِي ) : أَيْ أَيُّ شَيْءٍ يَمْنَعُنِي عَنِ الْمَسْحِ ؟ ( قَالَ : وَكَانَ يُعْجِبُهُمْ حَدِيثُ جَرِير ) فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ قَالَ إِبْرَاهِيمُ : فَكَانَ يُعْجِبُهُمْ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فَكَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يُعْجِبُهُمْ ؛ ( لِأَنَّ إِسْلَامَهُ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ ) : مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ فَلَوْ كَانَ إِسْلَامُ جَرِيرٍ مُتَقَدِّمًا عَلَى نُزُولِ الْمَائِدَةِ لَاحْتَمَلَ كَوْنَ حَدِيثِهِ فِي مَسْحِ الْخُفِّ مَنْسُوخًا بِآيَةِ الْمَائِدَةِ ، فَلَمَّا كَانَ إِسْلَامُهُ مُتَأَخِّرًا عَلِمْنَا أَنَّ حَدِيثَهُ يُعْمَلُ بِهِ ، وَهُوَ مُبَيِّنٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِآيَةِ الْمَائِدَةِ غَيْرُ صَاحِبِ الْخُفِّ ، فَتَكُونُ السُّنَّةُ مُخَصِّصَةً لِلْآيَةِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَحُذَيْفَةَ ، وَالْمُغِيرَةِ إِلَخْ ) قَالَ الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ : قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ الِاسْتِذْكَارِ : رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ نَحْوُ أَرْبَعِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَفِي الْإِمَامِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : رُوِّينَا عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ : حَدَّثَنِي سَبْعُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، ثُمَّ ذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَا تَيَسَّرَ لَهُ ، فَإِنْ شِئْتَ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهَا فَراجِعْ إِلَى تَخْرِيجِهِ لِلْهِدَايَةِ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ جَرِيرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي كُتُبِهِمْ .
بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ إِتْيَانِ الْحَائِضِ 135 حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، وَبَهْزُ بْنُ أَسَدٍ قَالُوا : نَا حَمَادُ بْنُ سَلَمَةِ ، عَنْ حَكِيمٍ الْأَثْرَمِ ، عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ الهُجَيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا أَوْ كَاهِنًا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ قَالَ أَبُو عِيسَى لَا نَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ حَكِيمٍ الْأَثْرَمِ ، عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَإِنَّمَا مَعْنَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى التَّغْلِيظِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَتَى حَائِضًا فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ ، فَلَوْ كَانَ إِتْيَانُ الْحَائِضِ كُفْرًا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِالْكَفَّارَةِ ، وَضَعَّفَ مُحَمَّدٌ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ قِبَلِ إِسْنَادِهِ ، وَأَبُو تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ اسْمُهُ طَرِيفُ بْنُ مُجَالِدٍ رحمه الله . باب ما جاء في كراهية إتيان الحائض قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ ) لَقَبُ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ ( نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ) هُوَ الْقَطَّانُ ( وَبَهْزُ بْنُ أَسَدٍ ) الْعَمِّيُّ أَبُو الْأَسْوَدِ الْبَصْرِيُّ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ مَاتَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ ، وَقِيلَ قَبْلَهَا ، قَالَهُ الْحَافِظُ . ( عَنْ حَكِيمٍ الْأَثْرَمِ ) الْبَصْرِيِّ ، قَالَ الْحَافِظُ : فيه لَيِّنٌ ، وَقَالَ الْخَزْرَجِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ : لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ . ( عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ ) بِفَتْحِ التَّاءِ الْفَوْقَانِيَّةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ ، اسْمُهُ طَرِيفُ بْنُ مُجَالِدٍ ( الْهُجَيْمِيُّ ) بِضَمِّ الْهَاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ مُصَغَّرًا الْبَصْرِيُّ ، ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ، مَاتَ سَنَةَ 97 سَبْعٍ وَتِسْعِينَ أَوْ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا . قَوْلُهُ : ( مَنْ أَتَى حَائِضًا ) أَيْ جَامَعَهَا ( أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا ) مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ حَائِضًا أَوْ غَيْرَهَا ( أَوْ كَاهِنًا ) قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النهاية : الْكَاهِنِ : الَّذِي يَتَعَاطَى الْخَبَرَ عَنِ الْكَائِنَاتِ فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ ، وَيَدَّعِي مَعْرِفَةَ الْأَسْرَارِ ، وَقَدْ كَانَ فِي الْعَرَبِ كَهَنَةٌ كَشِقٍّ وَسَطِيحٍ وَغَيْرِهِمَا ، فَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّ لَهُ تَابِعًا مِنَ الْجِنِّ وَرِئِيًّا يُلْقِي إِلَيْهِ الْأَخْبَارَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَعْرِفُ الْأُمُورَ بِمُقَدِّمَاتِ أَسْبَابٍ يَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى مَوَاقِعِهَا مِنْ كَلَامِ مَنْ يَسْأَلُهُ أَوْ فِعْلِهِ أَوْ حَالِهِ ، وَهَذَا يَخُصُّونَهُ بِاسْمِ الْعَرَّافِ ، كَاَلَّذِي يَدَّعِي مَعْرِفَةَ الشَّيْءِ الْمَسْرُوقِ وَمَكَانِ الضَّالَّةِ وَنَحْوِهِمَا . وَالْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ مَنْ أَتَى كَاهِنًا قَدْ يَشْتَمِلُ عَلَى إِتْيَانِ الْكَاهِنِ وَالْعَرَّافِ وَالْمُنَجِّمِ . انْتَهَى كَلَامُ الْجَزَرِيِّ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : أَتَى لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ هُنَا بَيْنَ الْمُجَامَعَةِ وَإِتْيَانِ الْكَاهِنِ . قَالَ الْقَارِي : والْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ أَوْ صَدَّقَ كَاهِنًا . فَيَصِيرَ مِنْ قَبِيلِ : عَلَفْتُهَا مَاءً وتِبْنًا بَارِدًا ، أَوْ يُقَالُ مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوِ امْرَأَةً بِالْجِمَاعِ أَوْ كَاهِنًا بِالتَّصْدِيقِ ، انْتَهَى . ( فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّغْلِيظِ وَالتَّشْدِيدِ كَمَا قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقِيلَ : إِنْ كَانَ الْمُرَادُ الْإِتْيَانَ بِاسْتِحْلَالٍ وَتَصْدِيقٍ فَالْكُفْرُ مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَإِنْ كَانَ بِدُونِهِمَا فَهُوَ عَلَى كُفْرَانِ النِّعْمَةِ . قَوْلُهُ : ( وَإِنَّمَا مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى التَّغْلِيظِ ) يَعْنِي عَلَى التَّشْدِيدِ وَالتَّهْدِيدِ . ثُمَّ اسْتَدَلَّ التِّرْمِذِيُّ عَلَى هَذَا بِقَوْلِهِ ( وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَتَى حَائِضًا فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ إِلَخْ ذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ هُنَا هَكَذَا مُعَلَّقًا . وَقَدْ رَوَاهُ بِالْإِسْنَادِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْبَابِ الْآتِي . قَوْلُهُ : ( وَضَعَّفَ مُحَمَّدٌ هَذَا الْحَدِيثَ ) قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ فِي تَرْجَمَةِ حَكِيمٍ الْأَثْرَمِ : قَالَ الْبُخَارِيُّ : لَمْ يُتَابَعْ عَلَى حَدِيثِهِ يَعْنِي حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ عَنْهُ عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : مَنْ أَتَى كَاهِنًا إِلَخْ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الْحَائِضِ تَتَنَاوَلُ الشَّيْءَ مِنْ الْمَسْجِدِ 134 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ ثابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : قَالَتْ عَائِشَةُ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنْ الْمَسْجِدِ ، قَالَتْ : قُلْتُ : إِنِّي حَائِضٌ . قَالَ : إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ ، وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، لَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ اخْتِلَافًا فِي ذَلِكَ بِأَنْ لَا بَأْسَ أَنْ تَتَنَاوَلَ الْحَائِضُ شَيْئًا مِنْ الْمَسْجِدِ . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي الْحَائِضِ تَتَنَاوَلُ الشَّيْءَ مِنَ الْمَسْجِدِ ) أَيْ تَأْخُذُهُ مِنْهُ . قَوْلُهُ : ( نَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ، وَحُمَيْدٌ بِالتَّصْغِيرِ هُوَ الْمَعْرُوفُ بِالْحَذَّاءِ التَّيْمِيُّ أَوِ اللَّيْثِيُّ أَوِ الضَّبِّيُّ . صَدُوقٌ نَحْوِيٌّ رُبَّمَا أَخْطَأَ . قَالَ الْحَافِظُ وَقَالَ الْخَزْرَجِيُّ : قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : ثِقَةٌ صَاحِبُ نَحْوٍ وَعَرَبِيَّةٍ ، مَاتَ سَنَةَ 190 تِسْعِينَ وَمِائَةٍ . ( عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ ) بِالتَّصْغِيرِ الْأَنْصَارِيِّ الْكُوفِيِّ مَوْلَى زِيدَ بْنِ ثَابِتٍ ، ثِقَةٌ وَثَّقَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَعِينٍ . قَوْلُهُ : ( نَاوِلِينِي ) أَيْ أَعْطِينِي ( الْخُمْرَةَ ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هِيَ السَّجَّادَةُ الَّتِي يَسْجُدُ عَلَيْهَا الْمُصَلِّي ، وَيُقَالُ سُمِّيَتْ بِهَذَا لِأَنَّهَا تُخَمِّرُ وَجْهَ الْمُصَلِّي عَنِ الْأَرْضِ ، أَيْ تَسْتُرُهُ ، وَصَرَّحَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا قَدْرَ مَا يَضَعُ الرَّجُلُ حُرَّ وَجْهِهِ فِي سُجُودِهِ ، وَقَدْ جَاءَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : جَاءَتْ فَأْرَةٌ فَأَخَذَتْ تَجُرُّ الْفَتِيلَةَ ، فَجَاءَتْ بِهَا ، فَأَلْقَتْهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْخُمْرَةِ الَّتِي كَانَ قَاعِدًا عَلَيْهَا ، فَأَحْرَقَتْ مِنْهَا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ ، فهَذَا تَصْرِيحٌ بِإِطْلَاقِ الْخُمْرَةِ عَلَى مَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الْوَجْهِ ، انْتَهَى . ( إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ ) يَعْنِي أَنَّ يَدَكِ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ ؛ لِأَنَّهَا لَا حَيْضَ فِيهَا . قَالَ النَّوَوِيُّ : بِفَتْحِ الْحَاءِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمُحَدِّثُونَ يَقُولُونَهَا بِفَتْحِ الْحَاءِ وَهُوَ خَطَأٌ ، وَصَوَابُهَا بِالْكَسْرِ ، أَيِ الْحَالَةُ وَالْهَيْئَةُ ، وَأَنْكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هَذَا عَلَى الْخَطَّابِيِّ وَقَالَ : الصَّوَابُ هَاهُنَا مَا قَالَهُ الْمُحَدِّثُونَ مِنَ الْفَتْحِ ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الدَّمُ وَهُوَ الْحَيْضُ بِالْفَتْحِ بِلَا شَكٍّ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَتْ بِيَدِكِ مَعْنَاهُ أَنَّ النَّجَاسَةَ الَّتِي يُصَانُ الْمَسْجِدُ عَنْهَا وَهِيَ دَمُ الْحَيْضِ لَيْسَتْ بِيَدِكِ ، وَهَذَا بِخِلَافِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي فَإِنَّ الصَّوَابَ فِيهِ الْكَسْرُ ، هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي ، وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ مِنَ الْفَتْحِ هُوَ الظَّاهِرُ هَاهُنَا . وَلِمَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَجْهٌ . قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ : فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْحَائِضِ أَنْ تَتَنَاوَلَ شَيْئًا مِنَ الْمَسْجِدِ ، وَأَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ دَارًا أَوْ مَسْجِدًا فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِإِدْخَالِ بَعْضِ جَسَدِهِ فِيهِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَائِشَةَ : نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنَ الْمَسْجِدِ ، فَقَالَتْ : إِنِّي قَدْ أَحْدَثْتُ ، فَقَالَ : أَوَحَيْضَتُكِ فِي يَدِكِ ؟ قَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ : رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِ : قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ قَالَ : يَا عَائِشَةُ نَاوِلِينِي الثَّوْبَ ، فَقَالَتْ : إِنِّي لَا أُصَلِّي ، فقَالَ : إِنَّهُ لَيْسَ فِي يَدِكِ ، فَنَاوَلَتْهُ . وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ ، وَأَبِي بَكْرَةَ ذَكَرَ حَدِيثَهُمَا الْهَيْثَمِيُّ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمُ اخْتِلَافًا فِي ذَلِكَ بِأَنْ لَا بَأْسَ أَنْ تَتَنَاوَلَ الْحَائِضُ شَيْئًا مِنَ الْمَسْجِدِ ) أَيْ بِمَدِّ يَدِهَا مِنْ غَيْرِ دُخُولٍ فِيهِ .
بَاب الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِلْمُسَافِرِ وَالْمُقِيمِ 95 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيِّ ، عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ؟ فَقَالَ : لِلْمُسَافِرِ ثَلَاث وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيُّ اسْمُهُ عَبْدُ بْنُ عَبْدٍ ، قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَفِي الْبَاب عَنْ عَلِيٍّ ، وَأَبِي بَكْرَةَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَصَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ، وَعَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَجَرِيرٍ باب المسح على الخفين للمسافر والمقيم قَوْلُهُ : ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ ) الثَّوْرِيِّ وَالِدِ سُفْيَانَ ثِقَةٌ ، ( عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ) الْأَوْدِيِّ الْكُوفِيِّ مُخَضْرَمٌ مَشْهُورٌ ثِقَةٌ عَابِدٌ ، نَزَلَ الْكُوفَةَ ، مَاتَ سَنَةَ 74 أَرْبَعٍ وَسبعينَ وَقِيلَ بَعْدَهَا . ( عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيِّ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالدَّالِ مَنْسُوبٌ إِلَى جَدِيلَةَ حَيٍّ مِنْ طَيٍّ . قَوْلُهُ : ( أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ) : أَيْ مُدَّتِهِ ( فَقَالَ : لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثٌ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ ) ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ أَيْ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ . قَوْلُهُ : ( وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيُّ اسْمُهُ عَبْدُ بْنُ عَبْدٍ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيُّ اسْمُهُ عَبْدٌ أَوْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدٍ ثِقَةٌ . رُمِيَ بِالتَّشَيُّعِ ، مِنْ كِبَارِ الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ ، وَأَبِي بَكْرَةَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَصَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ، وَعَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَجَرِيرٍ ) ، أَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ قَالَ : سَأَلْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَ : جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الْأَثْرَمُ فِي سُنَنِهِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ كَذَا فِي الْمُنْتَقَى وَلَفْظُهُ فِيهِ : رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً إِذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَالْبَزَّارُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبَزَّارُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْوَسَطِ . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْوَسَطِ . وَأَمَّا حَدِيثُ جَرِيرٍ فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَالْكَبِيرِ .
96 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، نَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَاصِمِ ابْنِ أَبِي النَّجُودِ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفَرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ ، قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رَوَى الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ ، وَحَمَّادٌ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيِّ ، عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ ، وَلَا يَصِحُّ ، قَالَ عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ ، قَالَ يَحْيَى ، قَالَ شُعْبَةُ : لَمْ يَسْمَعْ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ عنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيِّ حَدِيثَ الْمَسْحِ ، وَقَالَ زَائِدَةُ ، عَنْ مَنْصُورٍ : كُنَّا فِي حُجْرَةِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، وَمَعَنَا إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، فَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيِّ ، عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، قَالَ مُحَمَّدُ : أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ، قَالَ أَبُو عِيسَى : وَهُوَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْفُقَهَاءِ ، مِثْلِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ قَالُوا : يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُمْ لَمْ يُوَقِّتُوا فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، وَالتَّوْقِيتُ أَصَحُّ . قَوْلُهُ : ( نَا أَبُو الْأَحْوَصِ ) ، اسْمُهُ سَلَامُ بْنُ سُلَيْمٍ الْحَنَفِيُّ مَوْلَاهُمْ الْكُوفِيُّ الْحَافِظُ رَوَى عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ ، وَزِيَادِ بْنِ عَلَاقَةَ ، وَخَلْقٍ ، وَعَنْهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ وَخَلْقٌ . قَالَ ابْنُ مَعِينٍ ثِقَةٌ مُتْقِنٌ ، وَقَالَ الْعِجْلِيُّ : صَاحِبُ سُنَّةٍ وَاتِّبَاعٍ . مَاتَ سَنَةَ 179 تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ ، قُلْتُ : هُوَ مِنْ رِجَالِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ . ( عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ ) اسْمُهُ بَهْدَلَةُ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ : بَهْدَلَةُ اسْمُ أُمِّهِ . قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : مَحَلُّهُ الصِّدْقُ ، وَلَيْسَ مَحَلُّهُ أَنْ يُقَالَ : هُوَ ثِقَةٌ وَلَمْ يَكُنْ بِالْحَافِظِ ، قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ ابْنُ عُلَيَّةَ . وقَالَ الْعَقِيلِيُّ : لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِلَّا سُوءُ الْحِفْظِ ، وَقَالَ الْبَزَّارُ : لَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَرَكَ حَدِيثَهُ ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِالْحَافِظِ ، كَذَا فِي مُقَدِّمَةِ فَتْحِ الْبَارِي . وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ : صَدُوقٌ لَهُ أَوْهَامٌ حُجَّةٌ فِي الْقِرَاءَةِ ، وَحَدِيثُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مَقْرُونٌ . انْتَهَى . ( عَنْ زِرِّ ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ ( بْنِ حُبَيْشٍ ) بِمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ وَمُعْجَمَةٍ مُصَغَّرًا الْأَسَدِيِّ الْكُوفِيِّ ثِقَةٌ جَلِيلٌ مُخَضْرَمٌ . قَوْلُهُ : ( إِذَا كُنَّا سَفْرًا ) بِسُكُونِ الْفَاءِ جَمْعُ سَافِرٍ ، كَصَحْبٍ جَمْعُ صَاحِبٍ : أَيْ إِذَا كُنَّا مُسَافِرِينَ ، وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الطِّيبِ الشَّذِيِّ : إِنَّ سَفْرًا جَمْعُ مُسَافِرٍ فَهُوَ غَلَطٌ ، ( وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ ) عُطِفَ عَلَى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ : إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ وَقَوْلُهُ : مِنْ غَائِطٍ . مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ : وَأَمَرَنَا أَنْ نَنْزِعَ خِفَافَنَا مِنْ جَنَابَةٍ ، وَلَا نَنْزِعَ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا مُسَافِرِينَ أَنْ نَمْسَحَ عَلَى خِفَافِنَا ، وَلَا نَنْزِعَهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) ، وَأَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ قَالَهُ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ . وَقَالَ فِيهِ : قَالَ التِّرْمِذِيُّ ، عَنِ الْبُخَارِيِّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالْخَطَّابِيُّ ، وَمَدَارُهُ عِنْدَهُمْ عَلَى عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْهُ . وَذَكَرَ ابْنُ مِنْدَهْ أَبُو الْقَاسِمِ أَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ عَاصِمٍ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِينَ نَفْسًا ، وَتَابَعَ عَاصِمًا عَلَيْهِ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ بُخْتٍ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ، وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ، وَالْمِنْهَالُ بْنُ عَمْرٍو ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سُوقَةَ ، وَذَكَرَ جَمَاعَةً مَعَهُ ، وَمُرَادُهُ أَصْلُ الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ طَوِيلٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى التَّوْبَةِ ، وَالْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ وَغَيْرُ ذَلِكَ . لَكِنَّ حَدِيثَ طَلْحَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رَوَى الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ ) بِالْمُثَنَّاةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرًا أَبُو مُحَمَّدٍ الْكِنْدِيُّ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ فَقِيهٌ ، إِلَّا أَنَّهُ رُبَّمَا دَلَّسَ ، مِنَ الْخَامِسَةِ . ( وَحَمَّادٌ ) هُوَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ مُسْلِمٍ الْأَشْعَرِيِّ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْكُوفِيُّ الْفَقِيهُ ، رَوَى عَنْ أَنَسٍ ، وَأَبِي وَائِلٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَعَنْهُ ابْنُهُ إِسْمَاعِيلُ ، وَمُغِيرَةُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمِسْعَرٌ ، وَشُعْبَةُ وَتَفَقَّهُوا بِهِ . قَالَ النَّسَائِيُّ ثِقَةٌ مُرْجِئٌ ، مَاتَ سَنَةَ 120 عِشْرِينَ وَمِائَةٍ ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ . ( وَلَا يَصِحُّ ) بَيَّنَ التِّرْمِذِيُّ وَجْهَ عَدَمِ صِحَّتِهِ بِقَوْلِهِ : قَالَ عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ . وَهَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا السَّنَدِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : حَدِيثُ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ : رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَمْسَحَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ ، وَلَوْ اسْتَزَدْنَاهُ لَزَادَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِزِيَادَته وَابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ : وَلَوْ مَضَى السَّائِلُ عَلَى مَسْأَلَتِهِ لَجَعَلَهَا خَمْسًا . وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ بِاللَّفْظَيْنِ جَمِيعًا ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ بِدُونِ الزِّيَادَةِ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : قَالَ الْبُخَارِيُّ لَا يَصِحُّ عِنْدِي لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ لِلْجَدَلِيِّ سَمَاعٌ مِنْ خُزَيْمَةَ ، وَذَكَرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ : هُوَ صَحِيحٌ ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : الرِّوَايَاتُ مُتَظَافِرَةٌ مُتَكَاثِرَةٌ بِرِوَايَةِ التَّيْمِيِّ لَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنِ الْجَدَلِيِّ ، عَنْ خُزَيْمَةَ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ : قَالَ أَبُو زُرْعَةَ : الصَّحِيحُ مِنْ حَدِيثِ التَّيْمِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنِ الْجَدَلِيِّ ، عَنْ خُزَيْمَةَ مَرْفُوعًا وَالصَّحِيحُ عَنِ النَّخَعِيِّ ، عَنِ الْجَدَلِيِّ بِلَا وَاسِطَةٍ ، وَادَّعَى النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الِاتِّفَاقَ عَلَى ضَعْفِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَتَصْحِيحُ ابْنِ حِبَّانَ لَهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ مَعَ نَقْلِ التِّرْمِذِيِّ ، عَنِ ابْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ صَحِيحٌ أَيْضًا ، كَمَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . انْتَهَى مَا فِي التَّلْخِيصِ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ مِثْلِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، قَالُوا : يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وليلة وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ ) وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى هَذَا التَّوْقِيتِ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الدِّرَايَةِ : وَفِي الْبَابِ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ . فَائِدَةٌ : قَالَ النَّوَوِيُّ : مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَكَثِيرِينَ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْمُدَّةِ مِنْ حِينِ الْحَدَثِ بَعْدَ لُبْسِ الْخُفِّ لَا مِنْ حِينِ اللُّبْسِ وَلَا مِنْ حِينِ الْمَسْحِ . انْتَهَى . قُلْتُ : وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَنُقِلَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَحْمَدَ أَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّ ابْتِدَاءَهَا مِنْ وَقْتِ اللُّبْسِ . ( وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُمْ لَمْ يُوَقِّتُوا فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ) قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : قَالَهُ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : لَا وَقْتَ لِلْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَمَنْ لَبِسَ خُفَّيْهِ وَهُوَ طَاهِرٌ مَسَحَ مَا بَدَا لَهُ ، وَالْمُقِيمُ وَالْمُسَافِرُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ ، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ . انْتَهَى ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنِ الشَّعْبِيِّ ، وَرَبِيعَةَ ، وَاللَّيْثِ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ مَالِكٍ . ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ . وَالْحُجَّةُ لَهُمْ فِي هَذَا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ عُمَارَةَ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ يَوْمًا؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ وَيَوْمَيْنِ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ وَثَلَاثَةً؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَمَا شِئْتَ . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ : لَيْسَ بِقَوِيٍّ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ ، فَقَالَ : لَا يَصِحُّ ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : اخْتُلِفَ فِي إِسْنَادِهِ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ ، عَنْ أَحْمَدَ : رِجَالُهُ لَا يُعْرَفُونَ ، وَقَالَ أَبُو الْفَتْحِ الْأَزْدِيُّ : هُوَ حَدِيثٌ لَيْسَ بِالْقَائِمِ ، وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ اتِّفَاقَ الْأَئِمَّةِ عَلَى ضَعْفِهِ . قُلْتُ : وَبَالَغَ الْجُوزَقانِيُّ فَذَكَرَهُ فِي الْمَوْضُوعَاتِ . انْتَهَى . وَلَهُمْ فِي عَدَمِ التَّوْقِيتِ أَحَادِيثُ أُخْرَى لَكِنْ لَيْسَ فِيهَا مَا يَشْفِي الْعَلِيلَ وَيَرْوِي الْغَلِيلَ ؛ فَإِنَّ مِنْهَا مَا هُوَ صَحِيحٌ فَلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الْمَقْصُودِ ، وَمَا هُوَ صَرِيحٌ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ . ( وَالتَّوْقِيتُ أَصَحُّ ) يَعْنِي التَّوْقِيتَ هُوَ الصَّحِيحُ ، فَإِنَّ أَحَادِيثَهُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ وَلَيْسَ فِي عَدَمِ التَّوْقِيتِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ .
بَاب مَا جَاءَ فِي مُوَاكَلَةِ الجنب والْحَائِضِ وَسُؤْرِهما 133 حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَا : نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، نَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ حَرَامِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مُوَاكَلَةِ الْحَائِضِ فَقَالَ : وَاكِلْهَا . وَفِي الْبَاب عَنْ عَائِشَةَ وَأَنَسٍ قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، لَمْ يَرَوْا بِمُوَاكَلَةِ الْحَائِضِ بَأْسًا ، وَاخْتَلَفُوا فِي فَضْلِ وَضُوئِهَا ، فَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ بَعْضُهُمْ ، وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ فَضْلَ طَهُورِهَا . ( بَابُ فِي مُواكَلَةِ الْجُنُبِ والْحَائِضِ وَسُؤْرِهما ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : وَسُؤْرِها . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ ) هُوَ عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْعَنْبَرِيُّ الْبَصْرِيُّ أَبُو الْفَضْلِ ، ثِقَةٌ حَافِظٌ مِنْ كِبَارِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ، رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا وَالْبَاقُونَ ، مَاتَ سَنَةَ 246 سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ . ( وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ) الصَّنْعَانِيُّ الْبَصْرِيُّ ، ثِقَةٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ ، مَاتَ سَنَةَ 254 أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ . ( عَنْ حَرَامِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ) قَالَ الْخَزْرَجِيُّ : حَرَامُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ خَالِدٍ الْأَنْصَارِيُّ أَوِ الْعَنْسِيُّ ، وَيُقَالُ : هُوَ حَرَامُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَنْهُ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَارِثِ وَثَّقَهُ دُحَيْمٌ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي تَرْجَمَةِ حَرَامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ خَالِدٍ مَا لَفْظُهُ : وَهُوَ حَرَامُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، كَانَ مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ يَقُولُهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَوَهِمَ مَنْ جَعَلَهُمَا اثْنَيْنِ ، وَهُوَ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ، انْتَهَى . ( عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ ) صَحَابِيٌّ شَهِدَ فَتْحَ الْقَادِسِيَّةِ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ وَاكِلْهَا ) صِيغَةُ أَمْرٍ مِنَ الْمُوَاكَلَةِ ، أَيْ كُلْ مَعَهَا . وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ مُؤَاكَلَةِ الْحَائِضِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَأَنَسٍ ) أَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنْهَا قَالَتْ : كُنْتُ أَتَعَرَّقُ الْعَظْمَ وَأَنَا حَائِضٌ فَأُعْطِيهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيَضَعُ فَمَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ وَضَعْتُهُ ، وَأَشْرَبُ الشَّرَابَ فَأُنَاوِلُهُ فَيَضَعُ فَمَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كُنْتُ أَشْرَبُ مِنْهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمَا عَنْهُ قَالَ : إِنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتْ مِنْهُمِ الْمَرْأَةُ أَخْرَجُوهَا مِنَ الْبَيْتِ وَلَمْ يُوَاكِلُوهَا وَلَمْ يُشَارِبُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهَا فِي الْبَيْتِ الْحَدِيثَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : جَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ وَاصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ غَيْرَ النِّكَاحِ إِلَخْ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُدَ ، وَرُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ ، وَإِنَّمَا غَرَّبَهُ التِّرْمِذِيُّ لِأَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ العلاء بن الْحَارِثُ ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَزَامٍ ، وَحَكِيمُ بْنُ حَزامٍ عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ ، قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ . قُلْتُ : رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ حَرَامِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ ، لَا مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَزَامٍ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، لَمْ يَرَوْا بِمُؤَاكَلَةِ الْحَائِضِ بَأْسًا ) قَالَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : وَهَذَا مِمَّا أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ ، وَهَكَذَا نَقَلَ الْإِجْمَاعَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ فَالْمُرَادُ اعْتَزِلُوا وَطْأَهُنَّ . ( وَاخْتَلَفُوا فِي فَضْلِ وَضُوئِهَا ، فَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ بَعْضُهُمْ ، وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ فضل طَهُورَهَا ) والرَّاجِحُ هُوَ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ الْمَذْكُورُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رِيقَ الْحَائِضِ طَاهِرٌ ، وَعَلَى طَهَارَةِ سُؤْرِهَا مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ ، قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : وَلَا خِلَافَ فِيهِمَا فِيمَا أَعْلَمُ .
بَاب مَا جَاءَ فِي مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ 132 حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مِنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حِضْتُ يَأْمُرُنِي أَنْ أَتَّزِرَ ثُمَّ يُبَاشِرُنِي . وَفِي الْبَاب عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَمَيْمُونَةَ . قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ . ( باب ما جاء في مباشرة الحائض ) قَوْلُهُ : ( عَنْ سُفْيَانَ ) هُوَ الثَّوْرِيُّ ( عَنْ مَنْصُورٍ ) هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ ( عَنْ إِبْرَاهِيمَ ) هُوَ النَّخَعِيُّ ( عَنِ الْأَسْوَدِ ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ بْنِ قَيْسٍ . قوله ( يَأْمُرُنِي أَنْ أَتَّزِرَ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : كَذَا فِي رِوَايَتِنَا وَغَيْرِهَا بِتَشْدِيدِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَ الْهَمْزَةِ ، وَأَصْلُهُ أَأْتَزِرَ بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَ الْهَمْزَةِ الْمَفْتُوحَةِ ثُمَّ الْمُثَنَّاةِ بِوَزْنِ أَفْتَعِلُ ، وَأَنْكَرَ أَكْثَرُ النُّحَاةِ الْإِدْغَامَ ، حَتَّى قَالَ صَاحِبُ الْمُفَصَّلِ : إِنَّهُ خَطَأٌ ، لَكِنْ حَكَاهُ غَيْرُهُ أَنَّهُ مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ ، حَكَاهُ الصَّغَانِيُّ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : إِنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَى السَّمَاعِ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : فِي قَوْلِ عَائِشَةَ وَهِيَ مِنْ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ حُجَّةٌ ، فَالْمُخَطِّئُ مُخْطِئٌ ، انْتَهَى . وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهَا تَشُدُّ إِزَارَهَا عَلَى وَسَطِهَا . ( ثُمَّ يُبَاشِرُنِي ) مِنَ الْمُبَاشَرَةِ وَهِيَ الْمُلَامَسَةُ مِنْ لَمْسِ بَشَرَةِ الرَّجُلِ بَشَرَةَ الْمَرْأَةِ ، وَقَدْ تَرِدُ الْمُبَاشَرَةُ بِمَعْنَى الْجِمَاعِ ، وَالْمُرَادُ هَاهُنَا هُوَ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ بِالْإِجْمَاعِ . اسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَالُوا : يَحْرُمُ مُلَامَسَةُ الْحَائِضِ مِنَ السُّرَّةِ إِلَى الرُّكْبَةِ ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ وَفِي وَجْهٍ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَحْرُمُ الْمُجَامَعَةُ فَحَسْبُ ، وَدَلِيلُهُمْ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ ، كَذَا نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ . وَلَعَلَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبَيَانِ الرُّخْصَةِ ، وَفِعْلُهُ عَزِيمَةٌ تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ ؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ ، فَإِنَّ مَنْ يَرْتَعُ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا يَحِلُّ لِي مِنَ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ ؟ قَالَ : مَا فَوْقَ الْإِزَارِ وَالتَّعَفُّفُ عَنْ ذَلِكَ أَفْضَلُ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ ، كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ إِلَى أَنَّ الَّذِي يَمْتَنِعُ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِالْحَائِضِ الْفَرْجُ فَقَطْ . وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ ، وَرَجَّحَهُ الطَّحَاوِيُّ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَصْبَغَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ ، وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ أَوِ الْوَجْهَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : هُوَ الْأَرْجَحُ دَلِيلًا لِحَدِيثِ أَنَسٍ ، وَفِي مُسْلِمٍ : اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا الْجِمَاعَ ، وَحَمَلُوا حَدِيثَ الْبَابِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ ، انْتَهَى . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : لَيْسَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مَا يَقْتَضِي مَنْعَ مَا تَحْتَ الْإِزَارِ ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ . انْتَهَى . وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ أَيْضًا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ مِنَ الْحَائِضِ شَيْئًا أَلْقَى عَلَى فَرْجِهَا ثَوْبًا ، انْتَهَى . وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي عُمْدَةِ الْقَارِي : النَّوْعُ الثَّالِثُ الْمُبَاشَرَةُ فِيمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فِي غَيْرِ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ . فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ حَرَامٌ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، وَهُوَ الْوَجْهُ الصَّحِيحُ لِلشَّافِعِيَّةِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَقَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَشُرَيْحٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَعِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، وَأَبِي يُوسُفَ فِي رِوَايَةٍ يَتَجَنَّبُ شِعَارَ الدَّمِ فَقَطْ ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ عِكْرِمَةُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالشَّعَبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْحَكَمُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَصْبَغُ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَدَاوُدُ ، وَهَذَا أَقْوَى دَلِيلًا لِحَدِيثِ أَنَسٍ رضي الله عنه : اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ وَاقْتِصَارُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مُبَاشَرَتِهِ عَلَى مَا فَوْقَ الْإِزَارِ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي طَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ . انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَمَيْمُونَةَ ) أَخْرَجَ حَدِيثَهُمَا الْبُخَارِيُّ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ . قَوْلُهُ : ( وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ) وَالْقَوْلُ الرَّاجِحُ هُوَ جَوَازُ الِاسْتِمْتَاعِ بِالْحَائِضِ بِكُلِّ شَيْءٍ إِلَّا الْجِمَاعَ لِحَدِيثِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
بَاب مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ الْجَدِّ 2099 حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ ، ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : إِنَّ ابْنِي مَاتَ ، فَمَا لِي من مِيرَاثِهِ ؟ فقَالَ : لَكَ السُّدُسُ ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ ، فَقَالَ : لَكَ سُدُسٌ آخَرُ ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ قَالَ : إِنَّ السُّدُسَ الْآخَرَ لك طُعْمَةٌ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَفِي الْبَاب عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ . بَاب مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ الْجَدِّ قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : إِنَّ ابْنَ ابْنِي مَاتَ فَمَا لِي مِنْ مِيرَاثِهِ ؟ ) أَيْ وَلَهُ بِنْتَانِ وَلَهُمَا الثُّلُثَانِ وَكَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ . ( قَالَ : لَكَ السُّدُسُ ) أَيْ بِالْفَرْضِيَّةِ ( فقال : لَكَ سُدُسٌ آخَرُ ) أَيْ : بِالْعُصُوبَةِ ( قَالَ : إِنَّ السُّدُسَ الْآخَرَ ) قَالَ الْقَارِي فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ : بِكَسْرِ الْخَاءِ ، وَفِي نُسْخَةٍ يَعْنِي مِنَ الْمِشْكَاةِ بِالْفَتْحِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْآخِرُ بِالْكَسْرِ ( لَكَ طُعْمَةٌ ) يَعْنِي رِزْقٌ لَكَ بِسَبَبِ عَدَمِ كَثْرَةِ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ وَلَيْسَ بِفَرْضٍ لَكَ ؛ فَإِنَّهُمْ إِنْ كَثُرُوا لَمْ يَبْقَ هَذَا السُّدُسُ الْأَخِيرُ لَكَ . قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله : صُورَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمَيِّتَ تَرَكَ بِنْتَيْنِ وَهَذَا السَّائِلُ ، فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ فَبَقِيَ الثُّلُثُ ، فَدَفَعَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِلَى السَّائِلِ سُدُسًا بِالْفَرْضِ لِأَنَّهُ جَدُّ الْمَيِّتِ وَتَرَكَهُ حَتَّى ذَهَبَ فَدَعَاهُ وَدَفَعَ إِلَيْهِ السُّدُسَ الْأَخِيرَ كَيْ لَا يَظُنَّ أَنَّ فَرْضَهُ لِلثُّلُثِ ، وَمَعْنَى الطُّعْمَةِ هُنَا التَّعْصِيبُ ، أَيْ رِزْقٌ لَكَ لَيْسَ بِفَرْضٍ ، وَإِنَّمَا قَالَ فِي السُّدُسِ الْآخِرِ طُعْمَةٌ دُونَ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ فَرْضٌ ، وَالْفَرْضُ لَا يَتَغَيَّرُ بِخِلَافِ التَّعْصِيبِ ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنِ التَّعْصِيبُ شَيْئًا مُسْتَقِرًّا ثَابِتًا ، سمَاهُ طُعْمَةً انْتَهَى ، اعْلَمْ أَنَّهُ قَدِ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِي الْجَدِّ اخْتِلَافًا طَوِيلًا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَالتَّلْخِيصِ وَالْقَاضِي الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ ، فَإِنْ شِئْتَ الْوُقُوفَ عَلَى ذَلِكَ فَارْجِعْ إِلَى هَذِهِ الْكُتُبِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَلْخِيصِ السُّنَنِ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ هَذَا : وَقَدْ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ، وَأَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ وَغَيْرُهُمَا : إِنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ انْتَهَى ، قُلْتُ : قَدْ أَسْنَدَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِهِ الْمَرَاسِيلِ عَنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ شَيْئًا . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عن الْحَسَنِ أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ عَنْ فَرِيضَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَدِّ فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ الْمُزَنِيُّ فَقَالَ قَضَى فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ مَاذَا : قَالَ السُّدُسُ ، قَالَ مَعَ مَنْ ؟ قَالَ لَا أَدْرِي ، قَالَ لَا دَرَيْتَ فَمَا تُغْنِي إِذَنْ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَلَكِنَّهُ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ لَمْ يُدْرِكِ السَّمَاعَ مِنْ عُمَرَ ، فَإِنَّهُ وُلِدَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَقُتِلَ عُمَرُ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ ، وَذَكَرَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ لِلْحَسَنِ سَمَاعٌ مِنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ .
بَاب ما جاء فِي مِيرَاثِ الْعَصَبَةِ 2098 حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، نا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، ثنا وُهَيْبٌ ، ثنا ابْنُ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَل . بَاب ما جاء فِي مِيرَاثِ الْعَصَبَةِ قَوْلُهُ : ( أَلْحِقُوا ) بِفَتْحِ هَمْزَةٍ وَكَسْرِ حَاءٍ ، أَيْ : أَوْصِلُوا ( الْفَرَائِضَ ) أَيِ : الْحِصَصَ الْمُقَدَّرَةَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ وَهِيَ النِّصْفُ وَالرُّبُعُ وَالثُّمُنُ وَالثُّلُثَانِ وَالثُّلُثُ وَالسُّدُسُ ( بِأَهْلِهَا ) أَيِ الْمُبَيَّنَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ( فَمَا بَقِيَ ) بِكَسْرِ الْقَافِ ، أَيْ فَمَا فَضَلَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْمَالِ ( فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ) أَيْ : لِأَقْرَبِ رَجُلٍ مِنَ الْمَيِّتِ ( ذَكَرٍ ) تَأْكِيدٌ أَوِ احْتِرَازٌ مِنَ الْخُنْثَى ، وَقِيلَ : أَيْ صَغِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ، لِلنَّوَوِيِّ : قَالَ الْعُلَمَاءُ : الْمُرَادُ بِالْأَوْلَى الْأَقْرَبُ ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْوَلْيِ بِإِسْكَانِ اللَّامِ عَلَى وَزْنِ الرَّمْيِ وَهُوَ الْقُرْبُ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِأَوْلَى هُنَا أَحَقَّ بِخِلَافِ قَوْلِهِمِ : الرَّجُلُ أَوْلَى بِمَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حُمِلَ هُنَا عَلَى أَحَقَّ لَخَلَا عَنِ الْفَائِدَةِ ؛ لِأَنَّا لَا نَدْرِي مَنْ هُوَ الْأَحَقُّ ، وَوَصَفَ الرَّجُلَ بِالذَّكَرِ تَنْبِيهًا عَلَى سَبَبِ اسْتِحْقَاقِهِ ، وَهِيَ الذُّكُورَةُ الَّتِي هِيَ سَبَبُ الْعُصُوبَةِ ، وَسَبَبُ التَّرْجِيحِ فِي الْإِرْثِ ، وَلِهَذَا حَصَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، وَحِكْمَتُهُ أَنَّ الرِّجَالَ تَلْحَقُهُمْ مُؤَنٌ كَثِيرَةٌ بِالْقِيَامِ بِالْعِيَالِ وَالضِّيفَانِ وَإِرْفَادِ الْقَاصِدِينَ وَمُوَاسَاةِ السَّائِلِينَ وَتَحَمُّلِ الْغَرَامَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَا بَقِيَ بَعْدَ الْفُرُوضِ فَهُوَ لِلْعَصَبَاتِ يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ ، فَلَا يَرِثُ عَاصِبٌ بَعِيدٌ مَعَ وُجُودِ قَرِيبٍ ، فَإِذَا خَلَفَ بِنْتًا وَأَخًا وَعَمًّا فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ فَرْضًا وَالْبَاقِي لِلْأَخِ وَلَا شَيْءَ لِلْعَمِّ ، وَجُمْلَةُ عَصَبَاتِ النَّسَبِ الِابْنُ وَالْأَبُ وَمَنْ يُدْلَى بِهِمَا ، وَيُقَدَّمُ مِنْهُمُ الْأَبْنَاءُ ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا ، ثُمَّ الْأَبُ ثُمَّ الْجَدُّ ثُمَّ الْإِخْوَةُ لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ وَهُمْ فِي دَرَجَةٍ . فِي شَرْحِ السُّنَّةِ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْوَرَثَةِ يَحْجُبُ الْبَعْضَ ، وَالْحَجْبُ نَوْعَانِ : حَجْبُ نُقْصَانٍ ، وَحَجْبُ حِرْمَانٍ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) بَلْ هُوَ صَحِيحٌ ؛ فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ( وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلٌ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : قِيلَ : تَفَرَّدَ وُهَيْبٌ بِوَصْلِهِ ، وَرَوَاهُ الثوري ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ لَمْ يَذْكُرِ ابْنَ عَبَّاسٍ بَلْ أَرْسَلَهُ ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَالطَّحَاوِيُّ ، وَأَشَارَ النَّسَائِيُّ إِلَى تَرْجِيحِ الْإِرْسَالِ ، وَرَجَّحَ عِنْدَ صَاحِبَيِ الصَّحِيحِ الْمَوْصُولَ لِمُتَابَعَةِ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ ، وُهَيْبًا عِنْدَهُمَا ، وَيَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَزِيَادِ بْنِ سَعْدٍ ، وَصَالِحٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَاخْتُلِفَ عَلَى مَعْمَرٍ فَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُ مَوْصُولًا ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، وَالثَّوْرِيِّ جَمِيعًا مُرْسَلًا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَمَلَ رِوَايَةَ مَعْمَرٍ عَلَى رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ ، وَإِنَّمَا صَحَّحَاهُ لِأَنَّ الثَّوْرِيَّ وَإِنْ كَانَ أَحْفَظَ مِنْهُمْ لَكِنَّ الْعَدَدَ الْكَثِيرَ يُقَاوِمُهُ ، وَإِذَا تَعَارَضَ الْوَصْلُ وَالْإِرْسَالُ وَلَمْ يُرَجَّحْ أَحَدُ الطَّرِيقَيْنِ قُدِّمَ الْوَصْلُ ، انْتَهَى .
بَاب مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ الْجَدَّةِ مَعَ ابْنِهَا 2102 حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ فِي الْجَدَّةِ مَعَ ابْنِهَا : إِنَّهَا أَوَّلُ جَدَّةٍ أَطْعَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُدُسًا مَعَ ابْنِهَا وَابْنُهَا حَيٌّ . هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَقَدْ وَرَّثَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجَدَّةَ مَعَ ابْنِهَا وَلَمْ يُوَرِّثْهَا بَعْضُهُمْ . بَاب مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ الْجَدَّةِ مَعَ ابْنِهَا قَوْلُهُ : ( أَطْعَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُدُسًا ) أَيْ أَعْطَاهَا تَبَرُّعًا ، قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : قَوْلُهُ إِنَّهَا أَوَّلُ جَدَّةٍ ، مَقُولُ الْقَوْلِ وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْجَدَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ ، أَيْ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي مَسْأَلَةِ الْجَدَّةِ مَعَ الِابْنِ هَذَا الْقَوْلَ ، قَالَ الْمُظْهِرُ : يَعْنِي أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّ أَبِي الْمَيِّتِ سُدُسًا مَعَ وُجُودِ أَبِي الْمَيِّتِ مَعَ أَنَّهُ لَا مِيرَاثَ لَهَا مَعَهُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ) فِي سَنَدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَالِمٍ الْهَمْدَانِيُّ ، أَبُو سَهْلٍ الْكُوفِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الدَّارِمِيُّ . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ وَرَّثَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجَدَّةَ مَعَ ابْنِهَا وَلَمْ يُوَرِّثْهَا بَعْضُهُمْ ) قَالَ فِي اللُّمَعَاتِ : اعْلَمْ أَنَّ الْجَدَّاتِ سَوَاءٌ كَانَتْ أَبَوِيَّاتٍ أَوْ أُمِّيَّاتٍ يَسْقُطْنَ بِالْأُمِّ ، أَمَّا الْأُمِّيَّاتُ فَلِوُجُودِ إِدْلَائِهَا بِالْأُمِّ وَاتِّحَادِ السَّبَبِ الَّذِي هُوَ الْأُمُومَةُ ، وَأَمَّا الْأَبَوِيَّاتُ فَلِاتِّحَادِ السَّبَبِ مَعَ زِيَادَةِ الْقُرْبَ وَتَسْقُطُ الْأَبَوِيَّاتُ دُونَ الْأُمِّيَّاتِ بِالْأَبِ أَيْضًا ، وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَغَيْرِهِمْ ، وَنُقِلَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ أُمَّ الْأَبِ تَرِثُ مَعَ الْأَبِ ، وَاخْتَارَهُ شُرَيْحٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَقِيلَ الْجَدَّةُ لَيْسَ لَهَا مِيرَاثٌ وَالَّذِي أَعْطَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طُعْمَةً أَطْعَمَهَا ، وَلَمْ يَكُنْ مِيرَاثًا كَمَا يُشْعِرُ بِهِ لَفْظُ الْحَدِيثِ ، وَأَقْرَبُهُنَّ وَأَبْعَدُهُنَّ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ انْتَهَى .
بسم الله الرحمن الرحيم أبواب الفرائض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم باب ما جاء في من ترك مالا لورثته 2090 حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ ، ثنا أَبِي ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، ثنا أَبُو سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ ، وَمَنْ تَرَكَ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَقَدْ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْوَلَ مِنْ هَذَا ، وَأَتَمَّ وَفِي الْبَاب عَنْ جَابِرٍ وَأَنَسٍ . وَمَعْنَى قوله : من ترك ضَيَاعًا : يعني ضَائِعًا لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ ، فإلي يقول : فَأَنَا أَعُولُهُ وَأُنْفِقُ عَلَيْهِ . بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله الرحمن الرحيم ( أَبْوَابُ الْفَرَائِضِ ) بِالْهَمْزِ جَمْعُ فَرِيضَةٍ أَيِ الْمُقَدَّرَاتُ الشَّرْعِيَّةُ فِي الْمَتْرُوكَاتِ الْمَالِيَّةِ ، فِي شَرْحِ السُّنَّةِ : الْفَرْضُ أَصْلُهُ الْقَطْعُ ، يُقَالُ : فَرَضْتُ لِفُلَانٍ إِذَا قَطَعْتُ لَهُ مِنَ الْمَالِ شَيْئًا ، وَفِي الْمُغْرِبِ : الْفَرِيضَةُ اسْمُ مَا يُفْرَضُ عَلَى الْمُكَلَّفِ وَقَدْ يُسَمَّى بِهَا كُلُّ مُقَدَّرٍ ، فَقِيلَ : الْأَنْصِبَاءُ الْمَوَارِيثُ فَرَائِضُ ؛ لِأَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ لِأَصْحَابِهَا ، ثُمَّ قِيلَ لِلْعِلْمِ بِمَسَائِلِ الْمِيرَاثِ : عِلْمُ الْفَرَائِضِ ، وَلِلْعَالِمِ بِهَا : فَرْضِيٌّ وَفَارِضٌ . باب ما جاء في من ترك مالا فلورثته قَوْلُهُ : ( مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : فَلِوَرَثَتِهِ ( وَمَنْ تَرَكَ ضِيَاعًا ) بِفَتْحِ الضَّادِ وَيُكْسَرُ أَيْ : عِيَالًا ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الضَّيَاعُ هُنَا وَصْفٌ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ بِالْمَصْدَرِ ، أَيْ : تَرَكَ أَوْلَادًا أَوْ عِيَالًا ذَوِي ضَيَاعٍ ، أَيْ لَا شَيْءَ لَهُمْ ، وَالضَّيَاعُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ ضَاعَ ، ثُمَّ جُعِلَ اسْمًا لِكُلِّ مَا يُعَرَّضُ لِلضَّيَاعِ ( فَإِلَيَّ ) أَيْ مَرْجِعُهُ وَمَأْوَاهُ ، أَوْ فَلْيَأْتِ إِلَيَّ ، أَيْ : أَنَا أَتَوَلَّى أُمُورَهُمْ بَعْدَ وَفَاتِهِمْ وَأَنْصُرُهُمْ فَوْقَ مَا كَانَ مِنْهُمْ لَوْ عَاشُوا فَأَذُبُّ الْمُسْتَأْكِلَةِ مِنَ الظَّلَمَةِ أَنْ يَحُومُوا حَوْلَهُ فَيَخْلُصُ لِوَرَثَتِهِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ( وَقَدْ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْوَلَ مِنْ هَذَا وَأَتَمَّ ) . رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، فَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً فَعَلَيْنَا قَضَاؤُهُ ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ . ( وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ ، وَأَنَسٍ ) أَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْحَاكِمُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ .
2104 حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ نَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَقَدْ أَرْسَلَهُ بَعْضُهُمْ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وَاخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَرَّثَ بَعْضُهُمْ الْخَالَ وَالْخَالَةَ وَالْعَمَّةَ وَإِلَى هَذَا الْحَدِيثِ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَأَمَّا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَلَمْ يُوَرِّثْهُمْ وَجَعَلَ الْمِيرَاثَ فِي بَيْتِ الْمَالِ . قَوْلُهُ : ( نَا أَبُو عَاصِمٍ ) اسْمُهُ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدِ بْنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُسْلِمٍ الشَّيْبَانِيُّ أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ الْبَصْرِيُّ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ مِنَ التَّاسِعَةِ ( عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ) هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ الْأُمَوِيُّ ، مَوْلَاهُمُ الْمَكِّيُّ ، ثِقَةٌ فَقِيهٌ ، فَاضِلٌ ، وَكَانَ يُدَلِّسُ وَيُرْسِلُ مِنَ السَّادِسَةِ ( عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ ) الْجُنْدِيِّ الْيَمَانِيِّ ، صَدُوقٌ لَهُ أَوْهَامٌ مِنَ السَّادِسَةِ . قَوْلُهُ : ( الْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ ) فِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ بِتَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ ، وَهُوَ الْقَوْلُ الرَّاجِحُ ، وَقَدْ تَعَسَّفَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ : الْمُرَادُ بِالْخَالِ السُّلْطَانُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَأَعَلَّهُ النَّسَائِيُّ بِالِاضْطِرَابِ ، وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَقْفَهُ . قَوْلُهُ : ( وَاخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَوَرَّثَ بَعْضُهُمُ الْخَالَ وَالْخَالَةَ وَالْعَمَّةَ ، وَإِلَى هَذَا الْحَدِيثِ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ إِلَخْ ) اعْلَمْ أَنَّ ذَا الرَّحِمِ هُوَ كُلُّ قَرِيبٍ لَيْسَ بِذِي فَرْضٍ وَلَا عَصَبَةٍ ، فَأَكْثَرُ الصَّحَابَةِ كَعُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ مَشْهُورَةٍ وَغَيْرِهِمْ يَرَوْنَ تَوْرِيثَ ذَوِي الْأَرْحَامِ ، وَتَابَعَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنَ التَّابِعِينَ : عَلْقَمَةُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَشُرَيْحٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَعَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَزُفَرُ وَمَنْ تَابَعَهُمْ ، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ : لَا مِيرَاثَ لِذَوِي الْأَرْحَامِ ، وَيُوضَعُ الْمَالُ عِنْدَ عَدَمِ صَاحِبِ الْفَرْضِ وَالْعَصَبَةِ فِي بَيْتِ الْمَالِ ، وَتَابَعَهُمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ ، وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : احْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ وَبِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ وَقَوْلِهِ تَعَالَى : لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلَفْظُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْأَقْرَبِينَ يَشْمَلُهُمْ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مُدَّعِي التَّخْصِيصِ ، وَأَجَابَ الْآخَرُونَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالُوا : عُمُومَاتُ الْكِتَابِ مُحْتَمَلَةٌ وَبَعْضُهَا مَنْسُوخٌ ، وَالْأَحَادِيثُ فِيهَا مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْمَقَالِ وَيُجَابُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ دَعْوَى الِاحْتِمَالِ إِنْ كَانَتْ لِأَجْلِ الْعُمُومِ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَقْدَحُ فِي الدَّلِيلِ ، وَإِلَّا اسْتَلْزَمَ إِبْطَالَ الِاسْتِدْلَالِ بِكُلِّ دَلِيلٍ عَامٍّ وَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَتْ لِأَمْرٍ آخَرَ فَمَا هُوَ ؟ وَأَمَّا الِاعْتِذَارُ عَنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ بِمَا فِيهَا مِنَ الْمَقَالِ فَقَدْ عَرَفْتَ مَنْ صَحَّحَهَا مِنَ الْأَئِمَّةِ وَمَنْ حَسَّنَهَا ، وَلَا شَكَّ فِي انْتِهَاضِ مَجْمُوعِهَا لِلِاسْتِدْلَالِ إِنْ لَمْ يَنْتَهِضِ الْإِفْرَادُ وَمِنْ جُمْلَةِ مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى إِبْطَالِ مِيرَاثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ حَدِيثُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : سَأَلْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ مِيرَاثِ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ فَسَارَّنِي أَنْ لَا مِيرَاثَ لَهُمَا ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ الدَّرَاوَرْدِيِّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مُرْسَلًا ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ مُرْسَلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرْسَلَ لَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ ، وَلَهَا طُرُقٌ مَوْصُولَةٌ ذَكَرَهَا الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ وَالشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ ، قَالَ الشَّوْكَانِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهَا : وَكُلُّ هَذِهِ الطُّرُقِ لَا تَقُومُ بِهَا حُجَّةٌ ، وَعَلَى فَرْضِ صَلَاحِيَتِهَا لِلِاحْتِجَاجِ فَهِيَ وَارِدَةٌ فِي الْخَالَةِ وَالْعَمَّةِ فَغَايَتُهُ أَنَّهُ لَا مِيرَاثَ لَهُمَا ، وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ إِبْطَالَ مِيرَاثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ ، انْتَهَى .
بَاب مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ الْخَالِ 2103 حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ نَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ حُنَيْفٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ : كَتَبَ معي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ ، وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ . وَفِي الْبَاب عَنْ عَائِشَةَ وَالْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ . بَاب مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ الْخَالِ قَوْلُهُ : ( ثَنَا سُفْيَانُ ) هُوَ الثَّوْرِيُّ ( عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ حُنَيْفٍ ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْيَاءِ ، وَبِالْفَاءِ الْأَنْصَارِيِّ الْأَوْسِيِّ ، صَدُوقٌ مِنَ الْخَامِسَةِ ( قَالَ كَتَبَ مَعِي ) وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَجُلًا رَمَى رَجُلًا بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ إِلَّا خَالٌ فَكَتَبَ فِي ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ إِلَى عُمَرَ ، فَكَتَبَ عُمَرُ أَيْ فِي جَوَابِهِ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ ) وَفِي حَدِيثِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ أَنَا مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ أَرِثُ مَالَهُ وَأَفُكُّ عَانهُ ( وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ ) أَيْ إِنْ مَاتَ ابْنُ أُخْتِهِ وَلَمْ يَخْلِطْ غَيْرُ خَالِهِ فَهُوَ يَرِثُهُ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَالْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ ) أَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ هَذَا ، وَأَمَّا حَدِيثُ الْمِقْدَامِ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ مَرْفُوعًا : أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ ، فَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيْعَةً فَإِلَيَّ ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ ، وَأَنَا مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ ، أَرِثُ مَالَهُ ، وَأَفُكُّ عَانهُ ، وَالْخَالُ مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ يَرِثُ مَالَهُ وَيَفُكُّ عَانِيَهُ ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ : أَنَا وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ أَفُكُّ عُنَيَّهُ ، وَأَرِثُ مَالَهُ ، وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ ، يَفُكُّ عُنَيَّهُ وَيَرِثُ مَالَهُ ، وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمُ ، وَابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَاهُ ، وَحَسَّنَهُ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ وَأَعَلَّهُ الْبَيْهَقِيُّ بِالِاضْطِرَابِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ .
2101 حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ ، ثَنَا مَعْنٌ ، ثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خَرَشَةَ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ ، قَالَ : جَاءَتْ الْجَدَّةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فسأَلُتهُ مِيرَاثَهَا ، قَالَ لَهَا : مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ وَمَا لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ فَسَأَلَ النَّاسَ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهَا السُّدُسَ ، فَقَالَ هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ ؟ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ، فَأَنْفَذَهُ لَهَا أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : ثُمَّ جَاءَتْ الْجَدَّةُ الْأُخْرَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فسأَلُتهُ مِيرَاثَهَا ، فَقَالَ : مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ ، وَلَكِنْ هُوَ ذَلكَ السُّدُسُ ، فَإِنْ اجْتَمَعْتُمَا فِيهِ فَهُوَ بَيْنَكُمَا ، وَأَيَّتُكُمَا خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا ، هذا حديث حسن صحيح وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَفِي الْبَاب عَنْ بُرَيْدَةَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عُثْمَانَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خَرَشَةَ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ عُثْمَانُ بْنُ إِسْحَاقِ بْنِ خَرَشَةَ بِمُعْجَمَتَيْنِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ مَفْتُوحَاتٌ الْقُرَشِيُّ الْعَامِرِيُّ الْمَدَنِيُّ ، وَثَّقَهُ الدَّوْرِيُّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَعِينٍ مِنَ الْخَامِسَةِ . قَوْلُهُ : ( مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ ) أَيْ فِي كَلَامِهِ ( وَمَا لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ) أَيْ فِي حَدِيثِهِ ( فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ ( فَأَنْفَذَهُ لَهَا ) أَيْ فَأَنْفَذَ الْحُكْمَ بِالسُّدُسِ لِلْجَدَّةِ وَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا ( ثُمَّ جَاءَتِ الْجَدَّةُ الْأُخْرَى ) أَيْ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ كَمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ ( وَلَكِنْ هُوَ ذَلِكَ ) قَالَ الْقَارِي بِكَسْرِ الْكَافِ ، وَفِي نُسْخَةٍ يَعْنِي مِنَ الْمِشْكَاةِ بِالْفَتْحِ عَلَى خِطَابِ الْعَامِّ ( السُّدُسَ ) صِفَةُ ذَلِكَ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ لَهُ ، أَيْ مِيرَاثُكِ ذَلِكَ السُّدُسُ بِعَيْنِهِ تَقْسِمَانِهِ بَيْنَكُمَا ( فَإِنِ اجْتَمَعْتُمَا ) وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ ضِمْنًا وَتَوْضِيحٌ لِمَنْطُوقِ مَا فُهِمَ مَفْهُومًا ، وَالْخِطَابُ لِلْجَدَّةِ مِنْ طَرَفِ الْأُمِّ وَالْجَدَّةِ مِنْ طَرَفِ الْأَبِ ( وَأَيَّتُكُمَا خَلَتْ بِهِ ) أَيِ انْفَرَدَتْ بِالسُّدُسِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : أَخْرَجَهُ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ لِثِقَةِ رِجَالِهِ إِلَّا أَنَّ صُورَتَهُ مُرْسَلٌ ، فَإِنَّ قَبِيصَةَ لَا يَصِحُّ لَهُ سَمَاعٌ مِنَ الصِّدِّيقِ وَلَا يُمْكِنُ شُهُودُهُ لِلْقِصَّةِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِمَعْنَاهُ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَوْلِدِهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ وُلِدَ عَامَ الْفَتْحِ فَيَبْعُدُ شُهُودُهُ الْقِصَّةَ ، وَقَدْ أَعَلَّهُ عَبْدُ الْحَقِّ تَبَعًا لِابْنِ حَزْمٍ بِالِانْقِطَاعِ ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الِاخْتِلَافَ فِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ : يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الصَّوَابُ قَوْلَ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ انْتَهَى . ( وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ) لِأَنَّ مَالِكًا أَتْقَنُ وَأَثْبَتُ مِنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ بُرَيْدَةَ ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ لِلْجَدَّةِ السُّدُسَ إِذَا لَمْ تَكُنْ دُونَهَا أُمٌّ وَفِي إِسْنَادِهِ عُبَيْدُ اللَّهِ الْعَتْكِيُّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ .
بَاب مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ الْجَدَّةِ 2100 حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، ثَنَا سُفْيَانُ ، ثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ مَرَّةً : قَالَ قَبِيصَةُ : وَقَالَ مَرَّةً : عن رَجُلٌ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ قَالَ : جَاءَتْ الْجَدَّةُ أُمُّ الْأُمِّ أو أُمُّ الْأَبِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَتْ : إِنَّ ابْنَ ابْنِي أَوْ إن ابْنَ ابنْتِي مَاتَ وَقَدْ أُخْبِرْتُ أَنَّ لِي فِي الكِتَابِ حَقًّا ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : مَا أَجِدُ لَكِ فِي الْكِتَابِ مِنْ حَقٍّ ، وَمَا سَمِعْتُ من رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى لَكِ بِشَيْءٍ وَسَأَسْأَلُ النَّاسَ ، قَالَ : فَسَأَلَ النَّاسَ فَشَهِدَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهَا السُّدُسَ ، قَالَ : وَمَنْ سَمِعَ ذَلِكَ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ، قَالَ : فَأَعْطَاهَا السُّدُسَ ، ثُمَّ جَاءَتْ الْجَدَّةُ الْأُخْرَى الَّتِي تُخَالِفُهَا إِلَى عُمَرَ ، قَالَ سُفْيَانُ : وَزَادَنِي فِيهِ مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ وَلَمْ أَحْفَظْهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَلَكِنْ حَفِظْتُهُ مِنْ مَعْمَرٍ أَنَّ عُمَرَ قَالَ : إِنْ اجْتَمَعْتُمَا فَهُوَ لَكُمَا ، وَأَيَّتُكُمَا انْفَرَدَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا . باب ما جاء في ميراث الجدة قَوْلُهُ : ( ثَنَا سُفْيَانُ ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ( قَالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ بِالْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرًا ابْنُ حلحَةَ الْخُزَاعِيُّ أَبُو سَعِيدٍ أَوْ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَدَنِيُّ نَزِيلُ دِمَشْقَ مِنْ أَوْلَادِ الصَّحَابَةِ وَلَهُ رُؤْيَةٌ مَاتَ سَنَةَ بِضْعٍ وَثَمَانِينَ . قَوْلُهُ : ( جَاءَتِ الْجَدَّةُ أُمُّ الْأُمِّ أَوْ أُمُّ الْأَبِ ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ أَنَّ الْجَدَّةَ الَّتِي جَاءَتْ إِلَى الصِّدِّيقِ أُمُّ الْأُمِّ ، وَأَنَّ الَّتِي جَاءَتْ إِلَى عُمَرَ أُمُّ الْأَبِ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ مَا يَدُلُّ لَهُ كَذَا فِي التَّلْخِيصِ ( مَا أَجِدُ لَكِ فِي الْكِتَابِ ) أَيْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ( ثُمَّ جَاءَتِ الَّتِي تُخَالِفُهَا ) وَفِي نُسْخَةٍ : الْجَدَّةُ الْأُخْرَى ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ : ثُمَّ جَاءَتِ الْجَدَّةُ الْأُخْرَى مِنْ قِبَلِ الْأَبِ إِلَى عُمَرَ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا . ( وَأَيَّتُكُمَا انْفَرَدَتْ بِهِ ) أَيِ انْفَرَدَتْ بِالسُّدُسِ ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَكَانَ إِجْمَاعًا ، قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : فَإِنِ اجْتَمَعْتُمَا إِلَخْ ، بَيَانٌ لِلْمَسْأَلَةِ وَالْخِطَابُ فِي فَإِنِ اجْتَمَعْتُمَا وَأَيَّتُكُمَا ، لِلْجِنْسِ ، لَا يَخْتَصُّ بِهَاتَيْنِ الْجَدَّتَيْنِ ، فَالصِّدِّيقُ إِنَّمَا حَكَمَ بِالسُّدُسِ لَهَا لِأَنَّهُ مَا وَقَفَ عَلَى الشَّرِكَةِ ، وَالْفَارُوقُ لَمَّا وَقَفَ عَلَى الِاجْتِمَاعِ حَكَمَ بِالِاشْتِرَاكِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ .
بَاب مَا جَاءَ فِي تَعْلِيمِ الْفَرَائِضِ 2091 حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ وَاصِلٍ ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَسَدِيُّ ، ثنا الْفَضْلُ بْنُ دَلْهَمٍ ، ثنا عَوْفٌ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَعَلَّمُوا الفرائض والرقآن وَعَلِّمُوا النَّاسَ ؛ فَإِنِّي مَقْبُوضٌ . هَذَا حَدِيثٌ فِيهِ اضْطِرَابٌ ، وَرَوَى أَبُو أُسَامَةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَوْفٍ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ ، ثنا أَبُو أُسَامَةَ ، بِهَذَا ، نحوه بِمَعْنَاهُ . باب ما جاء في الفرائض قَوْلُهُ : ( تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَالْقُرْآنَ ) قِيلَ : الْمُرَادُ بِالْفَرَائِضِ هُنَا عِلْمُ الْمِيرَاثِ ، وَقِيلَ : مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ بِقَرِينَةِ ذِكْرِ الْقُرْآنِ ( وَعَلِّمُوا النَّاسَ ) الْمَذْكُورَ ( فَإِنِّي مَقْبُوضٌ ) يَقْبِضُنِي اللَّهُ تَعَالَى وَيُمِيتُنِي . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ فِيهِ اضْطِرَابٌ ) وَقَدْ بَيَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ بِقَوْلِهِ : ( وَرَوَى أَبُو أُسَامَةَ إِلَخْ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : قَدْ وَرَدَ فِي الْحَثِّ عَلَى تَعَلُّمِ الْفَرَائِضِ حَدِيثٌ لَيْسَ عَلَى شَرْطِ الْمُصَنِّفِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ : تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ ؛ فَإِنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ ، وَإِنَّ الْعِلْمَ سَيُقْبَضُ حَتَّى يَخْتَلِفَ الِاثْنَانِ فِي الْفَرِيضَةِ ، فَلَا يَجِدَانِ مَنْ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا ، وَرُوَاتُهُ مُوثَقُونَ إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، فَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : إِنَّهُ مُضْطَرِبٌ ، وَالِاخْتِلَافُ عَلَيْهِ أَنَّهُ جَاءَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَجَاءَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِي أَسَانِيدِهَا عَنْهُ أَيْضًا اخْتِلَافٌ ، وَلَفْظ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ فَإِنَّهَا نِصْفُ الْعِلْمِ ، وَإِنَّهُ أَوَّلُ مَا يُنْزَعُ مِنْ أُمَّتِي وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ رَاشِدٍ الْحِمَّانِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ : تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَالْفَرَائِضَ وَرَاشِدٌ مَقْبُولٌ لَكِنَّ الرَّاوِيَ عَنْهُ مَجْهُولٌ ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ بِلَفْظِ : تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَطِيَّةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : لَفْظُ النِّصْفِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِمَعْنَى أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَتَسَاوَيَا ، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ إِذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ : إِنَّهُ يُبْتَلَى بِهِ كُلُّ النَّاسِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : لِأَنَّ لَهُمْ حَالَتَيْنِ حَالَةَ حَيَاةٍ وَحَالَةَ مَوْتٍ ، وَالْفَرَائِضُ تَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الْمَوْتِ ، انْتَهَى مَا فِي الْفَتْحِ مُلَخَّصًا . قُلْتُ : قَوْلُهُ : وَلَفْظُهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ إِلَخْ ، فِيهِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ لَفْظَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ ، نَعَمْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَنْهُ بِنَحْوِ هَذَا اللَّفْظِ ، كَمَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الَّذِي يَمُوتُ وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ 2105 حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ ، ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبِهَانِيِّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بْن وَرْدَانَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ مَوْلًى لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَعَ مِنْ عِذْقِ نَخْلَةٍ فَمَاتَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : انْظُرُوا هَلْ لَهُ مِنْ وَارِثٍ ، قَالُوا : لَا ، فَادْفَعُوهُ إِلَى بَعْضِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ ، وفي الباب عن بريدة ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ . بَاب مَا جَاءَ فِي الَّذِي يَمُوتُ وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ ) هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيُّ الْكُوفِيُّ الْجُهَنِيُّ ، ثِقَةٌ مِنَ الرَّابِعَةِ ، مَاتَ فِي إِمَارَةِ خَالِدٍ الْقُشَيْرِيِّ عَلَى الْعِرَاقِ ( عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ وَرْدَانَ ) الْمَدَنِيِّ صَدُوقٌ . قَوْلُهُ : ( وَقَعَ مِنْ عَذْقِ نَخْلَةٍ ) قَالَ فِي الْمَجْمَعِ : الْعَذْقُ بِالْفَتْحِ النَّخْلَةُ ، وَبِالْكَسْرِ : الْعُرْجُونُ بِمَا فِيهِ مِنَ الشَّمَارِيخِ ، وَيُجْمَعُ عَلَى عِذَاقٍ . ( فَادْفَعُوهُ إِلَى بَعْضِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : اعْطُوا مِيرَاثَهُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ قَرْيَتِهِ ، قَالَ الْقَارِي : أَيْ فَإِنَّهُ أَوْلَى مِنْ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ ، قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ : إِنَّمَا أَمَرَ أَنْ يُعْطِيَ رَجُلًا مِنْ قَرْيَتِهِ تَصَدُّقًا مِنْهُ ، أَوْ تَرَفُّقًا ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ لِبَيْتِ الْمَالِ وَمَصْرِفُهُ مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ وَسَدُّ حَاجَاتِهِمْ ، فَوَضَعَهُ فِيهِمْ لِمَا رَأَى مِنَ الْمَصْلَحَةِ ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ كَمَا لَا يُورَثُ عَنْهُمْ يَرِثُونَ عَنْ غَيْرِهِمْ ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ : الْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ لَا يَرِثُونَ وَلَا يُورَثُ عَنْهُمْ لِارْتِفَاعِ قَدْرِهِمْ عَنِ التَّلَبُّسِ بِالدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ ، وَانْقِطَاعِ أَسْبَابِهِمْ عَنْهَا ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْمِقْدَامِ : وَأَنَا مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ أَرِثُ مَالَهُ ، فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَةَ الْمِيرَاثِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ إِلَيَّ فِي التَّصَدُّقِ بِهِ ، أَوْ صَرْفِهِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ، أَوْ تَمْلِيكِ غَيْرِهِ ، انْتَهَى كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ بُرَيْدَةَ ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ ، قَالَ : مَاتَ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِيرَاثِهِ فَقَالَ : الْتَمِسُوا لَهُ وَارِثًا ، أَوْ ذَا رَحِمٍ ، فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ وَارِثًا وَلَا ذَا رَحِمٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْطُوهُ الْكَبِيرَ مِنْ خُزَاعَةَ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مُسْنَدًا وَمُرْسَلًا ، وَقَالَ جِبْرِيلُ بْنُ أَحْمَر : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَالْحَدِيثُ مُنْكَرٌ ، هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ ، وَقَالَ الْمَوْصِلِيُّ : فِيهِ نَظَرٌ ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ : شَيْخٌ ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : كُوفِيٌّ ثِقَةٌ ، انْتَهَى ، وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَسَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَنَقَلَ الْمُنْذِرِيُّ تَحْسِينَ التِّرْمِذِيِّ فَأَقَرَّهُ .
بَاب مِيرَاثِ الْأَخَوَاتِ 2097 حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَغْدَادِيُّ ، ثنا سفيان بْنُ عُيَيْنَةَ ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قال : مَرِضْتُ فَأَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي ، فَوَجَدَنِي قَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ ، فَأَتَاني وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ وَهُمَا مَاشِيَانِ ، فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَصَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ ، فَأَفَقْتُ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي ؟ أَوْ كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي ؟ فَلَمْ يُجِبْنِي شَيْئًا ، وَكَانَ لَهُ تِسْعُ أَخَوَاتٍ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ الْآيَةَ . قَالَ جَابِرٌ : فِيَّ نَزَلَتْ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . ( بَابُ مِيرَاثِ الْأَخَوَاتِ ) سَقَطَ هَذَا الْبَابُ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ . قَوْلُهُ : ( قَدْ أُغْمِيَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( عَلَيَّ ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ : أُغْمِيَ عَلَى الْمَرِيضِ غُشِيَ عَلَيْهِ ، كَأَنَّ الْمَرَضَ سَتَرَ عَقْلَهُ وَغَطَّاهُ ، انْتَهَى ، وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الْإِغْمَاءُ وَالْغَشْيُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، قَالَ الْعَيْنِيُّ : وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّ الْغَشْيَ مَرَضٌ يَحْصُلُ مِنْ طُولِ التَّعَبِ وَهُوَ أَخَفُّ مِنَ الْإِغْمَاءِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُنُونِ وَالنَّوْمِ أَنَّ الْعَقْلَ يَكُونُ فِي الْإِغْمَاءِ مَغْلُوبًا ، وَفِي الْجُنُونِ يَكُونُ مَسْلُوبًا ، وَفِي النَّوْمِ يَكُونُ مَسْتُورًا ، انْتَهَى . ( فَصَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ صَبَّ عَلَيَّ بَعْضَ الْمَاءِ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ أَوْ مِمَّا بَقِيَ مِنْهُ ، وَالْأَوَّلُ الْمُرَادُ فَلِلْمُصَنِّفِ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ فِي الِاعْتِصَامِ : ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ عَلَيَّ ، وَلِأَبِي دَاوُدَ : فَتَوَضَّأَ وَصَبَّهُ عَلَيَّ . انْتَهَى . ( فَأَفَقْتُ ) أَيْ مِنْ إِغْمَائِي يَسْتَفْتُونَكَ أَيْ : يَسْتَخْبِرُونَكَ فِي الْكَلَالَةِ ، وَالِاسْتِفْتَاءُ : طَلَبُ الْفَتْوَى قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : قَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الْكَلَالَةِ وَهُوَ أَنْ يَمُوتَ الرَّجُلُ وَلَا يَدَعُ وَالِدًا وَلَا وَلَدًا يَرِثَانِهِ ، وَأَصْلُهُ مَنْ تَكَلَّلَهُ النَّسَبُ إِذَا أَحَاطَ بِهِ ، وَقِيلَ : الْكَلَالَةُ : الْوَارِثُونَ الَّذِينَ لَيْسَ فِيهِمْ وَلَدٌ وَلَا وَالِدٌ ، فَهُوَ وَاقِعٌ عَلَى الْمَيِّتِ وَعَلَى الْوَارِثِ بِهَذَا الشَّرْطِ ، وَقِيلَ : الْأَبُ وَالِابْنُ طَرَفَانِ لِلرَّجُلِ ، فَإِذَا مَاتَ وَلَمْ يَخْلُفْهُمَا فَقَدْ مَاتَ عَنْ ذَهَابِ طَرَفَيْهِ ، فَسُمِّيَ ذَهَابُ الطَّرَفَيْنِ كَلَالَةً ، وَقِيلَ : كُلُّ مَا احْتَفَّ بِالشَّيْءِ مِنْ جَوَانِبِهِ فَهُوَ إِكْلِيلٌ ، وَبِهِ سُمِّيَتْ ؛ لِأَنَّ الْوُرَّاثَ يُحِيطُونَ بِهِ مِنْ جَوَانِبِهِ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ : الْكَلَالَةُ : الْمَيِّتُ الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ اللُّغَوِيِّينَ ، وَقَالَ بِهِ عَلِيٌّ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ أَوِ الَّذِي لَا وَالِدَ لَهُ فَقَطْ ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ ، أَوِ الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ فَقَطْ ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ ، أَوْ مَنْ لَا يَرِثُهُ أَبٌ وَلَا أُمٌّ ، وَعَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ فَالْكَلَالَةُ اسْمٌ لِلْمَيِّتِ ، وَقِيلَ : الْكَلَالَةُ اسْمٌ لِلْوَرَثَةِ مَا عَدَا الْأَبَوَيْنِ وَالْوَلَدِ ، قَالَهُ قُطْرُبٌ ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ، وَسُمُّوا بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ بِذَهَابِ طَرَفَيْهِ تَكَلَّلَهُ الْوَرَثَةُ ، أَيْ أَحَاطُوا بِهِ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الطَّهَارَةِ وَفِي التَّفْسِيرِ وَفِي الطِّبِّ وَفِي الْفَرَائِضِ وَفِي الِاعْتِصَامِ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ فِي الْفَرَائِضِ ، وَالنَّسَائِيُّ فِيهِ وَفِي الطَّهَارَةِ وَفِي التَّفْسِيرِ وَفِي الطِّبِّ ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا فِي التَّفْسِيرِ .
بَاب 2106 حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَوْسَجَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا مَاتَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا إِلَّا عَبْدًا هُوَ أَعْتَقَهُ فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِيرَاثَهُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَالْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ إِذَا مَاتَ رجُلُ وَلَمْ يَتْرُكْ عَصَبَةً أَنَّ مِيرَاثَهُ يُجْعَلُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ . ( بَابٌ ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : بَابٌ فِي مِيرَاثِ الْمَوْلَى الْأَسْفَلِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَوْسَجَةَ ) الْمَكِّيِّ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ مِنَ الرَّابِعَةِ ( وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا ) أَيْ لَمْ يَتْرُكْ أَحَدًا يَرِثُهُ ( إِلَّا عَبْدًا ) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ أَيْ لَكِنْ تَرَكَ عَبْدًا ( فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِيرَاثَهُ ) هَذَا الْإِعْطَاءُ مِثْلُ مَا سَبَقَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَعْطُوا مِيرَاثَهُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ قَرْيَتِهِ بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ لِأَنَّهُ صَارَ مَالُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ قَالَ الْمُظْهِرُ : قَالَ شُرَيْحٌ ، وَطَاوُسٌ : يَرِثُ الْعَتِيقُ مِنَ الْمُعْتِقِ كَمَا يَرِثُ الْمُعْتِقُ مِنَ الْعَتِيقِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَلْخِيصِ السُّنَنِ : قَالَ الْبُخَارِيُّ : عَوْسَجَةُ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ الْهَاشِمِيُّ رَوَى عَنْهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَلَمْ يَصِحَّ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ : عَوْسَجَةُ لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا يَرْوِي عَنْهُ غَيْرُ عَمْرٍو ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ ثِقَةٌ . قَوْلُهُ : ( وَالْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ إِذَا مَاتَ رَجُلٌ وَلَمْ يَتْرُكْ عَصَبَةً ) أَيْ وَارِثًا ( أَنَّ مِيرَاثَهُ يُجْعَلُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ ) هَذَا إِذَا كَانَ بَيْتُ الْمَالِ مُنْتَظِمًا وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ مُنْتَظِمًا فَيُجْعَلُ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ كَالْمَدَارِسِ الدِّينِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
بَاب مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ الْبَنَاتِ 2092 حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، نا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : جَاءَتْ امْرَأَةُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ بِابْنَتَيْهَا مِنْ سَعْدٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَاتَانِ ابْنَتَا سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ قُتِلَ أَبُوهُمَا مَعَكَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا ، وَإِنَّ عَمَّهُمَا أَخَذَ مَالَهُمَا ، فَلَمْ يَدَعْ لَهُمَا مَالًا ، وَلَا تُنْكَحَانِ إِلَّا وَلَهُمَا مَالٌ ، قَالَ : يَقْضِي اللَّهُ فِي ذَلِكَ ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَمِّهِمَا ، فَقَالَ : أَعْطِ ابْنَتَيْ سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ ، وَأَعْطِ أُمَّهُمَا الثُّمُنَ ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَكَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، وَقَدْ رَوَاهُ شَرِيكٌ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ باب ما جاء في ميراث البنات قَوْلُهُ : ( جَاءَتِ امْرَأَةُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَيِ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ ، وَكَانَ آخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَدُفِنَ هُوَ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ ( قُتِلَ أَبُوهُمَا مَعَكَ ) أَيْ : مُصَاحِبًا لَكَ ، قَالَ فِي اللُّمَعَاتِ : مَعَكَ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ أَيْ كَائنا مَعَكَ لَا ظَرْفُ لَغْوٍ مُتَعَلِّقٌ بِقُتِلَ ( شَهِيدًا ) تَمْيِيزٌ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مُؤَكِّدَةً ؛ لِأَنَّ السَّابِقَ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ ( وَأَنَّ عَمَّهُمَا أَخَذَ مَالَهُمَا ) أَيْ عَلَى طَرِيقِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي حِرْمَانِ النِّسَاءِ مِنَ الْمِيرَاثِ ( فَلَمْ يَدَعْ لَهُمَا مَالًا ) أَيْ وَلَمْ يَتْرُكْ عَمُّهُمَا لَهُمَا مَالًا يُنْفَقُ عَلَيْهِمَا أَوْ تُجَهَّزَانِ بِهِ لِلزَّوَاجِ ( وَلَا تُنْكَحَانِ ) أَيْ لَا تُزَوَّجَانِ عَادَةً أَوْ غَالِبًا أَوْ مَعَ الْعِزَّةِ ( قَالَ : يَقْضِي اللَّهُ فِي ذَلِكَ ) أَيْ : يَحْكُمُ بِهِ فِي الْقُرْآنِ ( فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ ) أَيْ : قَوْلُهُ تَعَالَى يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ ( وَأَعْطِ أُمَّهُمَا الثُّمُنَ ) وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ ( وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَكَ ) أَيْ بِالْعُصُوبَةِ ، وَهَذَا أَوَّلُ مِيرَاثٍ فِي الْإِسْلَامِ ، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَاخْتُلِفَ فِي الْبِنْتَيْنِ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا : حُكْمُهُمَا حُكْمُ الْوَاحِدَةِ ، أَيْ لَا حُكْمُ الْجَمَاعَةِ لِأَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ الثُّلُثَيْنِ لِمَا فَوْقَهُمَا ، وَقَالَ الْبَاقُونَ : حُكْمُهُمَا حُكْمُ مَا فَوْقَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ حَظَّ الذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، إِذَا كَانَ مَعَهُ أُنْثَى وَهُوَ الثُّلُثَانِ اقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ فَرْضَهُمَا الثُّلُثَانِ ، ثُمَّ لِمَا أَوْهَمَ ذَلِكَ أَنْ يُزَادَ النَّصِيبُ بِزِيَادَةِ الْعَدَدِ رَدَّ ذَلِكَ الْوَهْمَ بِقَوْلِهِ : فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْبِنْتَ الْوَاحِدَةَ لَمَّا اسْتَحَقَّتِ الثُّلُثَ مَعَ أَخِيهَا ، فَبِالْحَرِيِّ أَنْ تَسْتَحِقَّهُ مَعَ أُخْتٍ مِثْلِهَا ، وَأَنَّ الْبِنْتَيْنِ أَمَسُّ رَحِمًا مِنَ الْأُخْتَيْنِ وَقَدْ فَرَضَ لَهُمَا الثُّلُثَيْنِ بِقَوْلِهِ : فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ يُوَافِقُ الْجُمْهُورَ ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغِ ابْنَ عَبَّاسٍ أَوْ مَا صَحَّ عِنْدَهُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
بَاب مَا جَاءَ فِي إِبْطَالِ الْمِيرَاثِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ 2107 حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا : نَا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ . ح ، وَثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ نَا هُشَيْمٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ . حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، ثَنَا سُفْيَانُ ، ثَنَا الزُّهْرِيُّ نَحْوَهُ . وَفِي الْبَاب عَنْ جَابِرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ هَكَذَا رَوَاهُ مَعْمَرٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ نَحْوَ هَذَا وَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ وَحَدِيثُ مَالِكٍ وَهْمٌ ، وَهِمَ فِيهِ مَالِكٌ ورَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ مَالِكٍ قَالُوا عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ ، وَعَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ هُوَ مَشْهُورٌ مِنْ وَلَدِ عُثْمَانَ وَلَا نعْرفُ عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَاخْتَلَفَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي مِيرَاثِ الْمُرْتَدِّ فَجَعَلَ بعض أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ الْمَالَ لِوَرَثَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ . بَابُ مَا جَاءَ فِي إِبْطَالِ الْمِيرَاثِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ قَوْلُهُ : ( عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ زَيْنِ الْعَابِدِينَ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ عَابِدٌ فَقِيهٌ فَاضِلٌ مَشْهُورٌ ، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : مَا رَأَيْتُ قُرَشِيًّا أَفْضَلَ مِنْهُ ، مِنَ الثَّالِثَةِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَرِثُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ ، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ) أَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ مَرْفُوعًا : لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَيْئًا ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَابْنُ السَّكَنِ وَسَنَدُ أَبِي دَاوُدَ فِيهِ إِلَى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : هُوَ حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ أَيْضًا ، وَأَغْرَبَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الْمُنْتَقَى فَادَّعَى أَنَّ مُسْلِمًا لَمْ يُخْرِجْهُ وَكَذَا ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الْجَامِعِ ادَّعَى أَنَّ النَّسَائِيَّ لَمْ يُخْرِجْهُ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَكَذَا رَوَاهُ مَعْمَرٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوَ هَذَا ) أَيْ رَوَوْا عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بِالْوَاوِ ( وَرَوَى مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ ) أَيْ بِغَيْرِ الْوَاوِ ( وَحَدِيثُ مَالِكٍ وَهْمٌ ) أَيْ خَطَأٌ ( وَهِمَ فِيهِ مَالِكٌ ) أَيْ أَخْطَأَ فِيهِ ( وَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ) أَيْ بِالْوَاوِ ( وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ مَالِكٍ قَالُوا عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ ) أَيْ بِغَيْرِ الْوَاوِ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ صَوَابُهُ عَمْرٌو تَفَرَّدَ مَالِكٌ بِقَوْلِهِ عُمَرَ وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ الْمَدَنِيُّ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ بِحَدِيثِ : لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ ، قَالَهُ مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْهُ ، وَقَالَ عَامَّةُ الرُّوَاةِ عَنْ عَلِيٍّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ وَهُوَ الْمَحْفُوظُ ، وَقَالَ فِي الْفَتْحِ : اتَّفَقَ الرُّوَاةُ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمِيمِ إِلَّا أَنَّ مَالِكًا وَحْدَهُ قَالَ : عُمَرَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمِيمِ ، وَشَذَّتْ رِوَايَاتٌ عَنْ غَيْرِ مَالِكٍ عَلَى وَفْقِهِ وَرِوَايَاتٌ عَنْ مَالِكٍ عَلَى وَفْقِ الْجُمْهُورِ . ( وَعَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ هُوَ مَشْهُورٌ مِنْ وَلَدِ عُثْمَانَ وَلَا نَعْرِفُ عُمَرَ بْنَ عُثْمَانَ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ إِنَّ لِعُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ وُجُودًا فِي الْجُمْلَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : إِنَّ أَهْلَ النَّسَبِ لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ لِعُثْمَانَ ابْنًا يُسَمَّى عُمَرَ وَآخَرَ يُسَمَّى عَمْرًا ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ ، عُمَرَ بْنَ عُثْمَانَ ، وَقَالَ : كَانَ قَلِيلَ الْحَدِيثِ ، وَذَكَرَ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ وَقَالَ كَانَ ثِقَةً وَلَهُ أَحَادِيثُ ، وَذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ أَنَّ عُثْمَانَ لَمَّا مَاتَ وَرِثَهُ بَنُوهُ عَمْرٌو ، وَأَبَانُ ، وَعُمَرُ ، وَخَالِدٌ ، وَالْوَلِيدُ ، وَسَعِيدٌ وَبَنَاتُهُ وَزَوْجَتَاهُ ، لَكِنْ لَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمَ ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُ فَلَا يَرِثُ الْكَافِرَ أَيْضًا عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى تَوْرِيثِ الْمُسْلِمِ مِنَ الْكَافِرِ وَهُوَ مَذْهَبُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، وَمُعَاوِيَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَمَسْرُوقٍ وَغَيْرِهِمْ ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ نَحْوَهُ عَلَى خِلَافٍ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ وَالصَّحِيحُ عَنْ هَؤُلَاءِ كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ : الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ ، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الصَّرِيحُ وَلَا حُجَّةَ فِي حَدِيثِ الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ فَضْلُ الْإِسْلَامِ عَلَى غَيْرِهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ فِيهِ لِلْمِيرَاثِ فَكَيْفَ يُتْرَكُ بِهِ نَصُّ حَدِيثِ : ( لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ ) ، وَلَعَلَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ لَمْ يَبْلُغْهَا هَذَا الْحَدِيثُ ، انْتَهَى . ( وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مِيرَاثِ الْمُرْتَدِّ فَجَعَلَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرُهُمُ الْمَالَ لِوَرَثَتِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَخْ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : وَالْمُرْتَدُّ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمَ بِالْإِجْمَاعِ ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُ فَلَا يَرِثُ الْمُرْتَدَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَرَبِيعَةَ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَغَيْرِهِمْ ، بَلْ يَكُونُ مَالُهُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيُّونَ وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ : يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ ، لَكِنْ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : مَا كَسَبَهُ فِي رِدَّتِهِ فَهُوَ لِبَيْتِ الْمَالِ ، وَمَا كَسَبَهُ فِي الْإِسْلَامِ فَهُوَ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَقَالَ الْآخَرُونَ : الْجَمِيعُ لِوَرَثَتِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، انْتَهَى .
2108 حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ ، نَا حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ . هَذَا حَدِيثٌ غريب لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَوْلُهُ : ( نَا حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ ) بِالنُّونِ مُصَغَّرًا الْوَاسِطِيُّ أَبُو مِحْصَنٍ الضَّرِيرُ كُوفِيُّ الْأَصْلِ لَا بَأْسَ بِهِ ، رُمِيَ بِالنَّصْبِ مِنَ الثَّامِنَةِ . قَوْلُهُ : ( لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : يَدُلُّ بِظَاهِرِهِ عَلَى أَنَّ اخْتِلَافَ الْمِلَلِ فِي الْكُفْرِ يَمْنَعُ التَّوَارُثَ كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ ، قُلْنَا : الْمُرَادُ هُنَا الْإِسْلَامُ وَالْكُفْرُ ، فَإِنَّ الْكَفَرَةَ كُلَّهُمْ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ عِنْدَ مُقَابَلَتِهِمْ بِالْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانُوا أَهْلَ مِلَلٍ فِيمَا يَعْتَقِدُونَ انْتَهَى ، وَقَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي موطئه : لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ ، وَالْكُفْرُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ يَتَوَارَثُونَ بِهِ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مِلَلُهُمْ ، فَيَرِثُ الْيَهُودِيُّ مِنَ النَّصْرَانِيِّ وَالنَّصْرَانِيُّ مِنَ الْيَهُودِيِّ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَالْعَامَّةِ مِنْ فُقَهَائِنَا ، انْتَهَى ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : تَوْرِيثُ الْكُفَّارِ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ كَالْيَهُودِيِّ مِنَ النَّصْرَانِيِّ وَعَكْسِهِ وَالْمَجُوسِيِّ مِنْهُمَا وَهُمَا مِنْهُ ، قَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَآخَرُونَ وَمَنَعَهُ مَالِكٌ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَكِنْ لَا يَرِثُ حَرْبِيٌّ مِنْ ذِمِّيٍّ وَلَا ذِمِّيٌّ مِنْ حَرْبِيٍّ قَالَ أَصْحَابُنَا : وَكَذَا لَوْ كَانَا حَرْبِيَّيْنِ فِي بَلَدَيْنِ مُتَحَارِبَيْنِ لَمْ يَتَوَارَثَا انْتَهَى ، وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : ظَاهِرُ قَوْلِهِ : لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ أَنَّهُ لَا يَرِثُ مِلَّةٌ كُفْرِيَّةٌ مِنْ أَهْلِ مِلَّةٍ كُفْرِيَّةٍ أُخْرَى ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ وَالْهَادَوِيَّةُ ، وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِإِحْدَى الْمِلَّتَيْنِ الْإِسْلَامُ ، وَبِالْأُخْرَى الْكُفْرُ ، وَلَا يَخْفَى بُعْدُ ذَلِكَ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غريب لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : صَدُوقٌ سَيِّئُ الْحِفْظِ جِدًّا ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وقَالَ فِي النَّيْلِ : سَنَدُ أَبِي دَاوُدَ فِيهِ إِلَى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ صَحِيحٌ .
بَاب مَنْ يَرِثُ الْوَلَاءَ 2114 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ نَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَرِثُ الْوَلَاءَ مَنْ يَرِثُ الْمَالَ . هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ . ( بَابُ مَنْ يَرِثُ الْوَلَاءَ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ يَعْنِي وَلَاءَ الْعِتْقِ وَهُوَ إِذَا مَاتَ الْمُعْتِقُ وَرِثَهُ مُعْتَقُهُ أَوْ وَرَثَةُ مُعْتَقِهِ . قَوْلُهُ : ( يَرِثُ الْوَلَاءَ ) أَيْ مَالَ الْعَتِيقِ ( مَنْ يَرِثُ الْمَالَ ) أَيْ مِنَ الْعَصَبَاتِ الذُّكُورِ ، وَالْمُرَادُ الْعَصَبَةُ بِنَفْسِهِ ، قَالَ الْمُظْهِرُ : هَذَا مَخْصُوصٌ أَيْ يَرِثُ الْوَلَاءَ كُلُّ عَصَبَةٍ يَرِثُ مَالَ الْمَيِّتِ ، وَالْمَرْأَةُ وَإِنْ كَانَتْ تَرِثُ إِلَّا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِعَصَبَةٍ بَلِ الْعَصَبَةُ الذُّكُورُ دُونَ الْإِنَاثِ ، وَلَا يَنْتَقِلُ الْوَلَاءُ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ وَلَا تَرِثُ النِّسَاءُ بِالْوَلَاءِ إِلَّا إِذَا أُعْتِقْنَ أَوْ أَعْتَقَ عَتِيقُهُنَّ أَحَدًا انْتَهَى ، وَقَالَ فِي اللُّمَعَاتِ : أَيْ إِذَا مَاتَ عَتِيقُ الْأَبِ أَوْ عَتِيقُ عَتِيقِهِ يَرِثُ الِابْنُ ذَلِكَ الْوَلَاءَ ، وَهَذَا مَخْصُوصٌ بِالْعَصَبَةِ وَلَا تَرِثُ النِّسَاءُ الْوَلَاءَ إِلَّا مِمَّنْ أَعْتَقَتْهُ أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقَتْهُ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ ) لِأَنَّ فِيهِ ابْنَ لَهِيعَةَ .
2115 حَدَّثَنَا هَارُونُ أَبُو مُوسَى الْمُسْتَمْلِيُّ الْبَغْدَادِيُّ نَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ نَا عُمَرُ بْنُ رُؤْبَةَ التَّغْلَبِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ النَّصْرِيِّ ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمَرْأَةُ تَحُوزُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ عَتِيقَهَا وَلَقِيطَهَا وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عنه ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نعْرَفُه إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ على هَذَا الْوَجْهِ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا هَارُونُ أَبُو مُوسَى الْمُسْتَمْلِيُّ الْبَغْدَادِيُّ ) هُوَ هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَزَّازُ الْحَافِظُ الْمَعْرُوفُ بِالْحَمَّالِ ( نَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ ) الْخَوْلَانِيُّ الْحِمْصِيُّ الْأَبْرَشُ ثِقَةٌ مِنَ التَّاسِعَةِ ( نَا عُمَرُ بْنُ رُوبَةَ ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ( التَّغْلِبِيُّ ) بِمُثَنَّاةٍ الْحِمْصِيُّ صَدُوقٌ مِنَ الرَّابِعَةِ ( عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ النَّصْرِيِّ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُمَيْرٍ النَّصْرِيُّ بِالنُّونِ أَبو بُسْرٌ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ الدِّمَشْقِيُّ ، وَيُقَالُ الْحِمْصِيُّ ، ثِقَةٌ مِنَ الْخَامِسَةِ ، وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ : وَيُعْرَفُ أَبُوهُ بِابْنِ بُسْرٍ أَيْ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالْمُهْمَلَةِ . قَوْلُهُ : ( الْمَرْأَةُ تَحُوزُ ) أَيْ تَجْمَعُ وَتُحِيطُ ( ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ ) جَمْعُ مِيرَاثٍ ( عَتِيقَهَا ) أَيْ مِيرَاثَ عَتِيقِهَا فَإِنَّهُ إِذَا أَعْتَقَتْ عَبْدًا وَمَاتَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ تَرِثُ مَالَهُ بِالْوَلَاءِ ( لَقِيطَهَا ) أَيْ مَلْقُوطَهَا فَإِنَّ الْمُلْتَقِطَ يَرِثُ مِنَ اللَّقِيطِ عَلَى مَذْهَبِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ ، وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا وَلَاءَ لِلْمُلْتَقِطِ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامِ خَصَّهُ بِالْمُعْتَقِ بِقَوْلِهِ : لَا وَلَاءَ إِلَّا وَلَاءُ الْعَتَاقَةِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَمَّا اللَّقِيطُ فَإِنَّهُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ حُرٌّ ، فَإِذَا كَانَ حُرًّا فَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ ، وَالْمِيرَاثُ إِنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِنَسَبٍ أَوْ وَلَاءٍ ، وَلَيْسَ بَيْنَ اللَّقِيطِ وَمُلْتَقِطِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، وَكَانَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ يَقُولُ : وَلَاءُ اللَّقِيطِ لِمُلْتَقِطِهِ وَيَحْتَجُّ بِحَدِيثِ وَاثِلَةَ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ ثَابِتٍ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ ، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتِ الْحَدِيثُ لَمْ يَلْزَمِ الْقَوْلُ بِهِ ، فَكَانَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ أَوْلَى انْتَهَى . ( وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَنْهُ ) أَيْ عَنْ قِبَلِهِ وَمِنْ أَجْلِهِ ، فِي شَرْحِ السُّنَّةِ : هَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ ثَابِتٍ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ ، وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهَا تَأْخُذُ مِيرَاثَ عَتِيقِهَا ، وَأَمَّا الْوَلَدُ الَّذِي نَفَاهُ الرَّجُلُ بِاللِّعَانِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَرِثُ الْآخَرَ لِأَنَّ التَّوَارُثَ بِسَبَبِ النَّسَبِ انْتَفَى بِاللِّعَانِ ، وَأَمَّا نَسَبُهُ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ فَثَابِتٌ وَيَتَوَارَثَانِ ، قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ : وَحِيَازَةُ الْمُلْتَقِطَةِ مِيرَاثَ لَقِيطِهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّهَا أَوْلَى بِأَنْ يُصْرَفَ إِلَيْهَا مَا خَلَّفَهُ مِنْ غَيْرِهَا صَرْفَ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ إِلَى آحَادِ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ تَرَكَتْهُ لَهُمْ لَا أَنَّهَا تَرِثُهُ وِرَاثَةُ الْمُعْتَقَةِ مِنْ مُعْتَقِهَا ، وَأَمَّا حُكْمُ وَلَدِ الزِّنَا فَحُكْمُ الْمَنْفِيِّ بِلَا فَرْقٍ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَلَيْسَ فِيهِ سِوَى عُمَرَ بْنِ رُوبَةَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ : فِيهِ نَظَرٌ وَوَثَّقَهُ جَمَاعَةٌ انْتَهَى ، وَحَدِيثُ وَاثِلَةَ هَذَا أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ . آخر الفرائض
بَاب مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ بنت الِابْنِ مَعَ بنت الصُّلْبِ 2093 حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ ، نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ الْأَوْدِيِّ ، عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي مُوسَى ، وَسليمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ ، وسَأَلَهُمَا عَنْ ابنة وَابْنَةِ ابن وَأُخْتٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ فَقَالا : لِلِابْنَةِ النِّصْفُ ، وَلِلْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ مَا بَقِيَ ، وَقَالَا لَهُ : انْطَلِقْ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَاسْأَلْهُ ؛ فَإِنَّهُ سَيُتَابِعُنَا ، فَأَتَى عَبْدَ اللَّهِ فَذَكَرَ له ذلك ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَا ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُهْتَدِينَ ، وَلَكِني أَقْضِي فِيهِمَا كَمَا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِلِابْنَةِ النِّصْفُ ، وَلِابْنَةِ الِابْنِ السُّدُسُ ، تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ ، وَلِلْأُخْتِ مَا بَقِيَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَأَبُو قَيْسٍ الْأَوْدِيُّ اسْمُهُ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَرْوَانَ الْكُوفِيُّ ، وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ بَاب مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ بنت الِابْنِ مَعَ بنت الصُّلْبِ قَوْلُهُ : ( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي مُوسَى ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَهُوَ الْأَمِيرُ وَإِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيِّ ، قَالَ الْحَافِظُ : كَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَمَّرَ أَبَا مُوسَى عَلَى الْكُوفَةِ ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَبْلَ ذَلِكَ أَمِيرَهَا ، ثُمَّ عُزِلَ قَبْلَ وِلَايَةِ أَبِي مُوسَى عَلَيْهَا بِمُدَّةٍ ، قَالَ : وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ سلمان الْمَذْكُورَ كَانَ عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ ( فَقَالَا : لِلِابْنَةِ النِّصْفُ ، وَلِلْأُخْتِ مِنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ مَا بَقِيَ ) يَعْنِي النِّصْفَ الْبَاقِيَ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَفِيهِ أَنَّ الْوَلَدَ يَشْمَلُ الْبِنْتَ ، فَكَأَنَّهُ غَفَلَ عَنْ هَذَا ، أَوْ أَرَادَ أَنَّ الْوَلَدَ مُخْتَصٌّ بِالذَّكَرِ أَوْ قَالَ : لِلْأُخْتِ النِّصْفُ عَلَى جِهَةِ التَّعْصِيبِ ، كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ ( إِلَى عَبْدِ اللَّهِ ) أَيِ ابْنِ مَسْعُودٍ ( فَإِنَّهُ سَيُتَابِعُنَا ) أَيْ : يُوَافِقُنَا ( قَالَ عَبْدُ اللَّهِ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا ) أَيْ : إِنْ وَافَقْتهمَا فِي هَذَا الْجَوَابِ ( وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ) أَيْ حِينَئِذٍ إِلَى الصَّوَابِ ( وَلَكِنِّي أَقْضِي فِيهَا ) أَيْ فِي الْمَسْأَلَةِ ( تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ ) بِالْإِضَافَةِ وَنَصْبُهُ عَلَى الْمَفْعُولِ لَهُ ، أَيْ لِتَكْمِيلِ الثُّلُثَيْنِ ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : إِمَّا مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ ؛ لِأَنَّكَ إِذَا أَضَفْتَ السُّدُسَ إِلَى النِّصْفِ فَقَدْ كَمَّلْتَهُ ثُلُثَيْنِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مُؤَكِّدَةً . ( وَلِلْأُخْتِ مَا بَقِيَ ) أَيْ لِكَوْنِهَا عَصَبَةً مَعَ الْبَنَاتِ ، وَبَيَانُهُ أَنَّ حَقَّ الْبَنَاتِ الثُّلُثَانِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَأَخَذَتِ الصَّبِيَّةُ الْوَاحِدَةُ النِّصْفَ لِقُوَّةِ الْقَرَابَةِ ، فَبَقِيَ سُدُسٌ مِنْ حَقِّ الْبَنَاتِ فَتَأْخُذُهُ بَنَاتُ الِابْنِ وَاحِدَةً كَانَتْ أَوْ مُتَعَدِّدَةً ، وَمَا بَقِيَ مِنَ التَّرِكَةِ فَلِأَوْلَى عَصَبَةٍ ، فَبَنَاتُ الِابْنِ مِنْ ذَوَاتِ الْفُرُوضِ مَعَ الْوَاحِدَةِ مِنَ الصُّلْبِيَّاتِ ، كَذَا ذَكَرَهُ السَّيِّدُ فِي شَرْحِ الْفَرَائِضِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالدَّارِمِيُّ ، وَالطَّحَاوِيُّ . ( وَأَبُو قَيْسٍ الْأَوْدِيُّ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَرْوَانَ ) بِمُثَلَّثَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَرَاءٍ سَاكِنَةٍ ، صَدُوقٌ رُبَّمَا خَالَفَ مِنَ السَّادِسَةِ ، مَاتَ سَنَةَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ .
بَاب مَا جَاءَ فِي إِبْطَالِ مِيرَاثِ الْقَاتِلِ 2109 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا اللَّيْثُ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ . هَذَا حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ لَا يُعْرَفُ هذا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَإِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ قَدْ تَرَكَهُ بَعْضُ أَهْلِ العلم مِنْهُمْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَرِثُ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً أَوْ عَمْدًا . وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِذَا كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً فَإِنَّهُ يَرِثُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ . بَاب مَا جَاءَ فِي إِبْطَالِ مِيرَاثِ الْقَاتِلِ قَوْلُهُ : ( عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي فَرْوَةَ الْأُمَوِيُّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيُّ ، مَتْرُوكٌ مِنَ الرَّابِعَةِ . قَوْلُهُ : ( الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَرِثُ مِنَ الْمَقْتُولِ ، سَوَاءٌ كَانَ قَتَلَ خَطَأً أَوْ عَمْدًا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ إلخ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَالنَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى وَقَالَ إِسْحَاقُ : مَتْرُوكٌ . قَوْلُهُ : ( وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَرِثُ ، كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً أَوْ عَمْدًا إِلَخْ ) قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ تَحْتَ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا : لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ شَيْئًا ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَرِثُ سَوَاءٌ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا : وَلَا يَرِثُ مِنَ الْمَالِ وَلَا مِنَ الدِّيَةِ ، وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْهَادَوِيَّةُ : إِنَّ قَاتِلَ الْخَطَأِ يَرِثُ مِنَ الْمَالِ دُونَ الدِّيَةِ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يُقْبَلُ إِلَّا بِدَلِيلٍ ، وَحَدِيثُ عُمَرَ بْنِ شَيْبَةَ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ الْأَشْجَعِيِّ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ نَصٌّ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : اعْقِلْهَا وَلَا تَرِثْهَا ، وَقَدْ كَانَ قَتَلَ امْرَأَتَهُ خَطَأً ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَدِيٍّ الْجُذَامِيِّ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فِي سُنَنِهِ بِلَفْظِ ، أَنَّ عَدِيًّا كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ اقْتَتَلَتَا فَرَمَى إِحْدَاهُمَا فَمَاتَتْ ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ ، فَقَالَ لَهُ : اعْقِلْهَا وَلَا تَرِثْهَا ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا أَنَّ رَجُلًا رَمَى بِحَجَرٍ فَأَصَابَ أُمَّهُ فَمَاتَتْ مِنْ ذَلِكَ ، فَأَرَادَ نَصِيبَهُ مِنْ مِيرَاثِهَا فَقَالَ لَهُ إِخْوَتُهُ : لَا حَقَّ لَكَ ، فَارْتَفَعُوا إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ لَهُ : حَقُّكَ مِنْ مِيرَاثِهَا الْحَجَرُ وَغَرَّمَهُ الدِّيَةَ وَلَمْ يُعْطِهِ مِنْ مِيرَاثِهَا شَيْئًا ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ : أَيُّمَا رَجُلٍ قَتَلَ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَلَا مِيرَاثَ لَهُ مِنْهُمَا ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ قَتَلَتْ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَلَا مِيرَاثَ لَهَا مِنْهُمَا ، وَقَالَ قَضَى بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَعَلِيٌّ ، وَشُرَيْحٌ وَغَيْرُهُمْ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ سَاقَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَابِ آثَارًا عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا ، تُفِيدُ كُلُّهَا أَنَّهُ لَا مِيرَاثَ لِلْقَاتِلِ مُطْلَقًا ، انْتَهَى .
بَاب 2096 حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدٍ ، نا عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي وَأَنَا مَرِيضٌ فِي بَنِي سَلَمَةَ ، فَقُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، كَيْفَ أَقْسِمُ مَالِي بَيْنَ وَلَدِي ؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا ، فَنَزَلَتْ : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ الْآيَةَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رَوَاهُ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه ( بَابٌ ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ بَابٌ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِهَا : بَابُ مِيرَاثِ الْبَنِينَ مَعَ الْبَنَاتِ . قَوْلُهُ : ( نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدٍ ) هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُثْمَانَ الدَّشْتَكِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ الْمُقْرِي ثِقَةٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ ( نا عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ ) الرَّازِيُّ الْأَزْرَقُ كُوفِيٌّ نَزَلَ الرَّيَّ ، صَدُوقٌ لَهُ أَوْهَامٌ مِنَ الثَّامِنَةِ . قَوْلُهُ : ( وَأَنَا مَرِيضٌ فِي بَنِي سَلِمَةَ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ هُمْ قَوْمُ جَابِرٍ وَهُمْ بَطْنٌ مِنَ الْخَزْرَجِ ( بَيْنَ وَلَدِي ) كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ هَذِهِ بِزِيَادَةِ لَفْظِ بَيْنَ وَلَدِي ، وَلَمْ يَقَعْ هَذَا اللَّفْظُ فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ ، وَلَا فِي رِوَايَةٍ وَاحِدٍ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَئِمَّةِ السِّتَّةِ بَلْ وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ فِي الصَّحِيحَيْنِ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلَالَةٌ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : إِنَّمَا لِي أَخَوَاتٌ ، فَبَيْنَ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ هَذِهِ وَهَذِهِ الرِّوَايَاتِ مُخَالَفَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي الصَّحِيحِ فَهُوَ مُقَدَّمٌ ( فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا فَنَزَلَتْ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ الْآيَةَ ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ : فَلَمْ يُجِبْنِي شَيْئًا ، وَكَانَ لَهُ تِسْعُ أَخَوَاتٍ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ إِلَخْ : قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الرِّوَايَتَيْنِ : فِي إِحْدَاهُمَا فَنَزَلَتْ يَسْتَفْتُونَكَ وَفِي أُخْرَى آيَةُ الْمَوَارِيثِ هَذَا تَعَارُضٌ لَمْ يَتَّفِقْ بَيَانُهُ إِلَى الْآنِ ثُمَّ أَشَارَ إِلَى تَرْجِيحِ آيَةِ الْمَوَارِيثِ وَتَوْهِيمِ يَسْتَفْتُونَكَ قَالَ الْحَافِظُ : وَيَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ كُلًّا مِنَ الْآيَتَيْنِ لِمَا كَانَ فِيهَا ذِكْرُ الْكَلَالَةِ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ لَكِنَّ الْآيَةَ الْأُولَى لَمَّا كَانَتِ الْكَلَالَةُ فِيهَا خَاصَّةً بِمِيرَاثِ الْإِخْوَةِ مِنَ الْأُمِّ كَمَا كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ مِنْ أُمٍّ وَكَذَا قَرَأَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ اسْتَفْتَوْا عَنْ مِيرَاثِ غَيْرِهِمْ مِنَ الْإِخْوَةِ فَنَزَلَتِ الْأَخِيرَةُ ، فَيصحُ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْآيَتَيْنِ نَزَلَ فِي قِصَّةِ جَابِرٍ لَكِنَّ الْمُتَعَلِّقَ بِهِ مِنَ الْآيَةِ الْأُولَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْكَلَالَةِ ، وَأَمَّا سَبَبُ نُزُولِ أَوَّلِهَا فَوَرَدَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَيْضًا فِي قِصَّةِ ابْنَتَيْ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ وَمَنَعَ عَمُّهُمَا أَنْ تَرِثَا مِنْ أَبِيهِمَا ، فَنَزَلَتْ : يُوصِيكُمُ اللَّهُ الْآيَةَ انْتَهَى .
بَاب مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا 2110 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، وَأَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا : نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : قَالَ عُمَرُ : الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ ، وَلَا تَرِثُ الْمَرْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا شَيْئًا ، فَأَخْبَرَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ الْكِلَابِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ وَرِّثْ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . بَاب مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا قَوْلُهُ : ( كَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ وَرِّثِ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ ) بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْأُولَى ، مَنْسُوبٌ إِلَى ضِبَابِ بْنِ كِلَابٍ ، قُتِلَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَأً ، قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَةَ تَرِثُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا كَمَا تَرِثُ مِنْ مَالِهِ ، وَكَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ لِعُمُومِ قَوْلِهِ فِيهِ بَيْنَ وَرَثَةِ الْقَتِيلِ ، وَالزَّوْجَةُ مِنْ جُمْلَتِهِمْ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ قُرَّةَ بْنِ دُعْمُوصٍ : هَلْ لِأُمِّي فِيهَا حَقٌّ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، انْتَهَى . قُلْتُ : حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّوْكَانِيُّ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى أَنَّ الْعَقْلَ مِيرَاثٌ بَيْنَ وَرَثَةِ الْقَتِيلِ عَلَى فَرَائِضِهِمْ ، وَحَدِيثُ قُرَّةَ بْنِ دُعْمُوصٍ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ عَنْهُ قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَعَمِّي ، فقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، عِنْدَ هَذَا دِيَةُ أَبِي فَمُرْهُ يُعْطِنِيهَا ، وَكَانَ قُتِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَقَالَ أَعْطِهِ دِيَةَ أَبِيهِ ، فَقُلْتُ هَلْ لِأُمِّي فِيهَا حَقٌّ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَكَانَتْ دِيَتُهُ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ وَحَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا فِي بَابِ الْمَرْأَةُ تَرِثُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا مِنْ أَبْوَابِ الدِّيَّاتِ وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ شَرْحُهُ .
بَاب مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ الْإِخْوَةِ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ 2094 حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ ، نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ الْحَارِثِ ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ ، وَإِنَّ أَعْيَانَ بَنِي الْأُمِّ يرثون دُونَ بَنِي الْعَلَّاتِ ، الرَّجُلُ يَرِثُ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ دُونَ أَخِيهِ لِأَبِيهِ . حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ ، نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، نا زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ الْحَارِثِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِثْله . بَاب مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ الْإِخْوَةِ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ قَوْلُهُ : ( وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَخْ ) بِكَسْرِ إِنَّ ، وَالْوَاوُ لِلْحَالِ ( وَأَنَّ أَعْيَانَ بَنِي الْأُمِّ ) بِفَتْحِ أَنَّ وَالْوَاوُ لِلْعَطْفِ ، أَيْ وَقَضَى بِأَنَّ أَعْيَانَ بَنِي الْأُمِّ ، وَالْمُرَادُ مِنْ أَعْيَانِ بَنِي الْأُمِّ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ لِأَبٍ وَاحِدٍ وَأُمٍّ وَاحِدَةٍ مِنْ عَيْنِ الشَّيْءِ وَهُوَ النَّفِيسُ مِنْهُ ( يَرِثُونَ ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : يَتَوَارَثُونَ ( دُونَ بَنِي الْعِلَّاتِ ) وَهُمُ الْإِخْوَةُ لِأَبٍ وَأُمَّهَاتٍ شَتَّى ، وَالْمَعْنَى أَنَّ بَنِي الْأَعْيَانِ إِذَا اجْتَمَعُوا مَعَ بَنِي الْعِلَّاتِ فَالْمِيرَاثُ لِبَنِي الْأَعْيَانِ لِقُوَّةِ الْقَرَابَةِ وَازْدِوَاجِ الْوَصْلَةِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : قَوْلُهُ : ( إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ ) إِخْبَارٌ فِيهِ مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ ، يَعْنِي إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ هَلْ تَدْرُونَ مَعْنَاهَا ؟ فَالْوَصِيَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الدَّيْنِ فِي الْقِرَاءَةِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُ فِي الْقَضَاءِ ، وَالْآخِرَةُ فِيهَا مُطْلَقٌ يُوهِمُ التَّسْوِيَةَ ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَقْدِيمِ الدَّيْنِ عَلَيْهَا ، وَقَضَى فِي الْإِخْوَةِ بِالْفَرْقِ ، انْتَهَى . ( الرَّجُلُ يَرِثُ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ دُونَ أَخِيهِ لِأَبِيهِ ) اسْتِئْنَافٌ كَالتَّفْسِيرِ لِمَا قَبْلَهُ ، وَذَكَرَ الْحَافِظُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي التَّلْخِيصِ وَفِيهِ يَرِثُ الرَّجُل أَخوهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ دُونَ أَخِيهِ لِأَبِيهِ وَعَزَّاهُ لِلتِّرْمِذِيِّ ، وَابْنِ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمِ . فَإِنْ قُلْتَ : إِذَا كَانَ الدَّيْنُ مُقَدَّمًا عَلَى الْوَصِيَّةِ ، فَلِمَ قُدِّمَتْ عَلَيْهِ فِي التَّنْزِيلِ ؟ قُلْتُ : اهْتِمَامًا بِشَأْنِهَا . الْكَشَّافُ : لَمَّا كَانَتِ الْوَصِيَّةُ مُشَبَّهَةً بِالْمِيرَاثِ فِي كَوْنِهَا مَأْخُوذَةً مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ كَانَ إِخْرَاجُهَا مِمَّا يَشُقُّ عَلَى الْوَرَثَةِ وَيَتَعَاظَمُ وَلَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ بِهَا ، كَانَ أَدَاؤهَا مَظِنَّةً لِلتَّفْرِيطِ بِخِلَافِ الدَّيْنِ ؛ فَإِنَّ نُفُوسَهُمْ مُطْمَئِنَّةٌ إِلَى أَدَائِهِ ، فَلِذَلِكَ قُدِّمَتْ عَلَى الدَّيْنِ بَعْثًا عَلَى وُجُوبِهَا وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى إِخْرَاجِهَا مَعَ الدَّيْنِ ، وَلِذَلِكَ جِيءَ بِكَلِمَةِ أَوْ لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا فِي الْوُجُوبِ ، قَالَهُ الْقَارِي ، قُلْتُ : وَسَيَأْتِي وَجْهُ تَقْدِيمِ الْوَصِيَّةِ عَلَى الدَّيْنِ فِي الْقِرَاءَةِ مُفَصَّلًا فِي بَابٍ يُبْدَأُ بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ .
2095 حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، نا سُفْيَانُ ، نا أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ الْحَارِثِ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَعْيَانَ بَنِي الْأُمِّ يَتَوَارَثُونَ دُونَ بَنِي الْعَلَّاتِ . هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ الْحَارِثِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْحَارِثِ ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ أَعْيَانَ بَنِي الْأُمِّ يَتَوَارَثُونَ دُونَ بَنِي الْعِلَّاتِ ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ آنِفًا . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْحَارِثِ ) ذَكَرَ الْحَافِظُ كَلَامَهُمْ فِيهِ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ ، وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ : الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَعْوَرُ الْهَمْدَانِيُّ الْحُوتِيُّ الْكُوفِيُّ أَبُو زُهَيْرٍ صَاحِبُ عَلِيٍّ كَذَّبَهُ الشَّعْبِيُّ فِي آرَائِهِ وَرُمِيَ بِالرَّفْضِ وَفِي حَدِيثِهِ ضَعْفٌ ، وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ سِوَى حَدِيثَيْنِ ، انْتَهَى . وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، وَالْحَارِثُ فِيهِ ضَعْفٌ ، وَقَدْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : إِنَّهُ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ لَكِنَّ الْعَمَلَ عَلَيْهِ ، وَكَانَ عَالِمًا بِالْفَرَائِضِ ، وَقَدْ قَالَ النَّسَائِيُّ : لَا بَأْسَ بِهِ ، انْتَهَى . ( وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
بَاب مَا جَاءَ أَنَّ الْمِيرَاثَ لِلْوَرَثَةِ وَالْعَقْلَ لِلْعَصَبَةِ 2111 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا اللَّيْثُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لِحْيَانَ سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قُضِيَ عَلَيْهَا بِغُرَّةٍ تُوُفِّيَتْ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا وَأَنَّ عَقْلَهَا عَلَى عَصَبَتِهَا . وَرَوَى يُونُسُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ ، وَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمَالِكٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الميراث لِلْوَرَثَةِ وَالْعَقْلَ للْعَصَبَةِ ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ ( عَلَى الْعَصَبَةِ ) وَهُوَ الظَّاهِرُ . قَوْلُهُ : ( قَضَى ) أَيْ حَكَمَ ( فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لِحْيَانَ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : الْمَشْهُورُ كَسْرُ اللَّامِ فِي لِحْيَانَ وَرُوِيَ فَتْحُهَا ، وَلِحْيَانُ بَطْنٌ مِنْ هُذَيْلٍ ( بِغُرَّةِ ) بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَشِدَّةِ الرَّاءِ مُنَوَّنًا ( عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ ) بَدَلٌ مِنْ غُرَّةٍ ، وَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْغُرَّةِ فِي بَابِ دِيَةِ الْجَنِينِ مِنْ أَبْوَابِ الدِّيَّاتِ ( ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قُضِيَ عَلَيْهَا ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ حُكِمَ عَلَيْهَا وَهِيَ الْمَرْأَةُ الْجَانِيَةُ ( تُوُفِّيَتْ ) أَيْ مَاتَتْ ، قَالَ فِي اللُّمَعَاتِ فِي شَرْحِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ كَلَامٌ ، وَهُوَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمَرْأَةِ الَّتِي قُضِيَ عَلَيْهَا أَيْ عَلَى عَاقِلَتِهَا بِغُرَّةِ الْمَرْأَةِ الْجَانِيَةِ فَيَكُونُ الضَّمَائِرُ فِي بَنِيهَا وَزَوْجِهَا لَهَا ، وَكَذَا فِي قَوْلِهِ : وَالْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا ، وَتَخْصِيصُ التَّوْرِيثِ لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا لِأَنَّهُمْ هُمْ كَانُوا مِنْ وَرَثَتِهَا وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّ مِيرَاثَهَا لِوَرَثَتِهَا أَيًّا مَا كَانَ ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ بَيَانَ وَفَات الْجَانِيَةِ لَيْسَ بِكَثِيرِ الْمُنَاسَبَةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ بَلِ الْمُرَادُ مَوْتُ الْجَنِينِ مَعَ أُمِّهَا كَمَا وَرَدَ فِي رِوَايَةِ : فَقَتَلَتهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا ، فَقَالَ الطِّيبِيُّ فِي تَوْجِيهِهِ : إِنَّ عَلَى فِي قَوْلِهِ قُضِيَ عَلَيْهَا وُضِعَ مَوْضِعَ اللَّامِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْمَرْأَةِ الْمَجْنِيِّة عَلَيْهَا وَالضَّمَائِرِ لَهَا إِلَّا فِي قَوْلِهِ : ( عَلَى عَصَبَتِهَا ) فَإِنَّهُ لِلْجَانِي وَهَذَا إِذَا كَانَتِ الْقَضِيَّةُ وَاحِدَةً ، قَالَ الطِّيبِيُّ : وَهُوَ الظَّاهِرُ انْتَهَى ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : قَالَ الْعُلَمَاءُ : هَذَا الْكَلَامُ يَعْنِي قَوْلَهُ ( ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قُضِيَ عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ إِلَخْ ) قَدْ يُوهِمُ خِلَافَ مُرَادِهِ ، فَالصَّوَابُ أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي مَاتَتْ هِيَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهَا أُمُّ الْجَنِينِ لَا الْجَانِيَةُ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ : فَقَتَلَتهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : الَّتِي قُضِيَ عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ هِيَ الَّتِي قُضِيَ لَهَا بِالْغُرَّةِ ، فَعَبَّرَ بِعَلَيْهَا عَنْ لَهَا ، وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَى عَصَبَتِهَا ، فَالْمُرَادُ الْقَاتِلَةُ أَيْ عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ انْتَهَى ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْفَرَائِضِ وَفِي الدِّيَّاتِ وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الدِّيَّاتِ . قَوْلُهُ : ( وَرَوَى يُونُسُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ ) رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ قَتَلَهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا ، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَضَى : أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةُ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ ، وَقَضَى دِيَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا ، وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ قَالَ : نَا ابْنُ وَهْبٍ . ح ، قَالَ : وَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التَّجِيبِيُّ ، قَالَ : أَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ . ( عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ) قَالَ فِي هَامِشِ النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ : هَذِهِ الْعِبَارَةُ لَا تُوجَدُ فِي النُّسَخِ الدَّهْلَوِيَّةِ وَلَكِنْ وَجَدْتُهَا فِي النُّسْخَةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي جِئْتُ بِهَا مِنَ الْعَرَبِ ، انْتَهَى . قُلْتُ : وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ النُّسْخَةِ أَنَّ مَالِكًا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مَوْصُولًا وَمُرْسَلًا ، فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ الْكِهَانَةِ مِنْ كِتَابِ الطِّبِّ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ رَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى فَطَرَحَتْ جَنِينَهَا فَقَضَى فِيهِ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ ح ، وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِي الْجَنِينِ يُقْتَلُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ ، الْحَدِيثَ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الرجل يُسْلِمُ عَلَى يَدَيْ الرَّجُلِ 2112 حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، نَا أَبُو أُسَامَةَ ، وَابْنُ نُمَيْرٍ ، وَوَكِيعٌ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهِبٍ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ، قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا السُّنَّةُ فِي الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ يُسْلِمُ عَلَى يَدِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ . هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ ، وَيُقَالُ : ابْنُ مَوْهِبٍ ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ، وَقَدْ أَدْخَلَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ موَهْبٍ وَبَيْنَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ، قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ ورَوَاهُ يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ وَزَادَ فِيهِ عن قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ وَهُوَ عِنْدِي لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يُجْعَلُ مِيرَاثُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ . بَاب مَا جَاءَ فِي الرجل يُسْلِمُ عَلَى يَدَيْ الرَّجُلِ قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ) بْنِ مَرْوَانَ الْأُمَوِيِّ الْمَدَنِيِّ نَزِيلُ الْكُوفَةِ ، صَدُوقٌ يُخْطِئُ مِنَ السَّابِعَةِ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهِبٍ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَوْهِبٍ الشَّامِيُّ أَبُو خَالِدٍ قَاضِي فِلَسْطِينَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، ثِقَةٌ ، لَكِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ مِنَ الثَّالِثَةِ ( وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ صَوَابُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مَوْهِبٍ . قَوْلُهُ : ( مَا السُّنَّةُ فِي الرَّجُلِ ) أَيْ مَا حُكْمُ الشَّرْعِ فِي شَأْنِ الرَّجُلِ ( مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ ) أَيِ الْكُفْرِ ( يُسْلِمُ عَلَى يَدِ رَجُلٍ ) وَفِي رِوَايَةٍ عَلَى يَدَيِ الرَّجُلِ ، أَيْ هَلْ يَصِيرُ مَوْلًى لَهُ أَمْ لَا ؟ ( هُوَ ) أَيِ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ الَّذِي أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ الْكَافِرُ ( أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ ) أَيْ بِمَنْ أَسْلَمَ فِي حَيَاتِهِ وَمَمَاتِهِ ، يَعْنِي يَصِيرُ مَوْلًى لَهُ ، قَالَ الْمُظْهِرُ : فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ : لَا يَصِيرُ مَوْلًى ، وَيَصِيرُ مَوْلًى عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعَمْرِو بْنِ اللَّيْثِ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَدَلِيلُ الشَّافِعِيِّ وَأَتْبَاعِهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ، وَحَدِيثُ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِالْإِسْلَامِ وَالنُّصْرَةِ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ ، يَعْنِي بِالنُّصْرَةِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ ، وَبِالصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً انْتَهَى ، كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَرَى تَوْرِيثَ الرَّجُلِ مِمَّنْ يُسْلِمُ عَلَى يَدِهِ مِنَ الْكُفَّارِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِلَّا أَنَّهُمْ قَدْ زَادُوا فِي ذَلِكَ شَرْطًا وَهُوَ أَنْ يُعَاقِدَهُ وَيُوَالِيَهُ ، فَإِنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدِهِ وَلَمْ يُعَاقِدْهُ وَلَمْ يُوَالِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ ، وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ كَقَوْلِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْمُوَالَاةَ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَدَلَالَةُ الْحَدِيثِ مُهِمَّةٌ وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ يَرِثُهُ وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ ، فَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْمِيرَاثِ ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي رَعْيِ الذِّمَامِ وَالْإِيثَارِ وَالْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ الْأُمُورِ ، وَقَدْ عَارَضَهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ : لَا يَرِثُهُ ، وَضَعَّفَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَدِيثَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ هَذَا ، وَقَالَ : عَبْدُ الْعَزِيزِ رَاوِيهِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ إِلَخْ ) وأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالدَّارِمِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ( وَقَدْ أَدْخَلَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ موَهْبٍ وَبَيْنَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ، قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ ، وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ وَزَادَ فِيهِ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ ) قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي بَابِ : إِذَا أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ كِتَابِ الْفَرَائِضِ وَيَذْكُرُ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رَفْعَهُ قَالَ : هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : قَدْ وَصَلَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، وَالْبَاغَنْدِيُّ فِي مُسْنَدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِالْعَنْعَنَةِ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَوْهِبٍ يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا السُّنَّةُ فِي الرَّجُلِ ؟ الْحَدِيثَ ( وَهُوَ عِنْدِي لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ ) قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ : وَاخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ هَذَا الْخَبَرِ انْتَهَى ، وَقَدْ بَسَطَ الْحَافِظُ الْكَلَامَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْفَتْحِ وَالْعَيْنِيُّ فِي الْعُمْدَةِ . قَوْلُهُ : ( وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ ) كَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَغَيْرِهِ ( وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُجْعَلُ مِيرَاثُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ ) وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ هُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّ حَدِيثَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ لَا يُقَاوِمُ حَدِيثَ عَائِشَةَ : إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ، وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَتَرَدَّدَ فِي الْجَمْعِ هَلْ يَخُصُّ عُمُومَ الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ بِهَذَا ، فَيَسْتَثْنِي مِنْهُ مَنْ أَسْلَمَ أَوْ تُؤَوَّلُ الْأَوْلَوِيَّةُ فِي قَوْلِهِ : أَوْلَى النَّاسِ بِمَعْنَى النُّصْرَةِ وَالْمُعَاوَنَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لَا بِالْمِيرَاثِ ، وَيَبْقَى الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ عَلَى عُمُومِهِ ؟ جَنَحَ الْجُمْهُورُ إِلَى الثَّانِي وَرُجْحَانُهُ ظَاهِرٌ ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الْقَصَّارِ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ فَقَالَ : لَوْ صَحَّ الْحَدِيثُ لَكَانَ تَأْوِيلُهُ أَنَّهُ أَحَقُّ بِمُوَالَاتِهِ فِي النَّصْرِ وَالْإِعَانَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ إِذَا مَاتَ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَلَوْ جَاءَ الْحَدِيثُ بِلَفْظِ أَحَقُّ بِمِيرَاثِهِ لَوَجَبَ تَخْصِيصُ الْأَوَّلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
2113 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ نَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَيُّمَا رَجُلٍ عَاهَرَ بِحُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ فَالْوَلَدُ وَلَدُ زِنَا لَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ . وَقَدْ رَوَى غَيْرُ ابْنِ لَهِيعَةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ وَلَدَ الزِّنَا لَا يَرِثُ مِنْ أَبِيهِ . قَوْلُهُ : ( أَيُّمَا رَجُلٍ عَاهَرَ ) بِصِيغَةِ الْمَاضِي مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ أَيْ زَنَى ، قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : الْعَاهِرُ الزَّانِي ، وَقَدْ عَهَرَ يَعْهَرُ عَهْرًا وَعُهُورًا إِذَا أَتَى الْمَرْأَةَ لَيْلًا لِلْفُجُورِ بِهَا ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَى الزِّنَا مُطْلَقًا ( فَالْوَلَدُ وَلَدُ زِنًا لَا يَرِثُ ) أَيْ مِنَ الْأَبِ ( وَلَا يُورَثُ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَقِيلَ بِكَسْرِهَا ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : أَيْ لَا يَرِثُ ذَلِكَ الْوَلَدُ مِنَ الْوَاطِئِ وَلَا مِنْ أَقَارِبِهِ إِذِ الْوِرَاثَةُ بِالنَّسَبِ وَلَا نَسَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزَّانِي ، وَلَا يَرِثُ الْوَاطِئُ وَلَا أَقَارِبُهُ مِنْ ذَلِكَ الْوَلَدِ ، وَالْحَدِيثُ فِي سَنَدِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ وَفِيهِ مَقَالٌ مَعْرُوفٌ وَلَكِنْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : رَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَتَصَدَّقُ أَوْ يَعْتِقُ عِنْدَ الْمَوْتِ 2123 حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، نَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي حَبِيبَةَ الطَّائِيِّ ، قَالَ : أَوْصَى إِلَيَّ أَخِي بِطَائِفَةٍ مِنْ مَالِهِ فَلَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَقُلْتُ : إِنَّ أَخِي أَوْصَى إِلَيَّ بِطَائِفَةٍ مِنْ مَالِهِ فَأَيْنَ تَرَى لِي وَضْعَهُ فِي الْفُقَرَاءِ أَوْ الْمَسَاكِينِ أَوْ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؟ قَالَ : أَمَّا أَنَا فَلَوْ كُنْتُ لَمْ أَعْدِلْ بِالْمُجَاهِدِينَ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَثَلُ الَّذِي يَعْتِقُ عِنْدَ الْمَوْتِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي إِذَا شَبِعَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . بَاب مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَتَصَدَّقُ أَوْ يَعْتِقُ عِنْدَ الْمَوْتِ قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي حَبِيبَةَ الطَّائِيِّ ) قَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ : رَوَى عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ حَدِيثَ : مَثَلُ الَّذِي يُهْدِي وَيُعْتِقُ عِنْدَ الْمَوْتِ إِلَخْ ، وَعَنْهُ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ غَيْرُهُ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ انْتَهَى ، وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ : مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ : ( أَمَّا أَنَا فَلَوْ كُنْتُ لَمْ أَعْدِلْ بِالْمُجَاهِدِينَ ) أَيْ لَمْ أُسَاوِ بِهِمُ الْفُقَرَاءَ أَوِ الْمَسَاكِينَ وَغَيْرَهُمْ ، وَالْمَعْنَى لَوْ كُنْتُ أَنَا مُوصِيًا لَمْ أُوصِ إِلَّا لِلْمُجَاهِدِينَ ( مَثَلُ الَّذِي يُعْتِقُ ) وَفِي رِوَايَةٍ يَتَصَدَّقُ ( عِنْدَ الْمَوْتِ ) أَيْ عِنْدَ احْتِضَارِهِ ، وَفِي الْمِشْكَاةِ : مَثَلُ الَّذِي يَتَصَدَّقُ عِنْدَ مَوْتِهِ أو يُعْتِقُ ( كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي إِذَا شَبِعَ ) قَالَ الطِّيبِيُّ : فِي هَذَا الْإِهْدَاءِ نَوْعُ اسْتِخْفَافٍ بِالْمُهْدَى إِلَيْهِ ، انْتَهَى . وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ مَرْتَبَةٌ نَاقِصَةٌ لِأَنَّ التَّصَدُّقَ وَالْإِعْتَاقَ حَالَ الصِّحَّةِ أَفْضَلُ ، كَمَا أَنَّ السَّخَاوَةَ عِنْدَ الْمَجَاعَةِ أَكْمَلُ ، قَالَهُ الْقَارِي . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ ، وَالدَّارِمِيُّ ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا : لَأَنْ يَتَصَدَّقَ الْمَرْءُ فِي حَيَاتِهِ بِدِرْهَمٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمِائَةٍ عِنْدَ مَوْتِهِ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَفِي سَنَدِهِ شُرَحْبِيلُ بْنُ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ .
بَاب مَا جَاءَ يُبْدَأُ بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ 2122 حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ ، عَنْ الْحَارِثِ ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ وَأَنْتُمْ تُقِرُّونَ الْوَصِيَّةَ قَبْلَ الدَّيْنِ . وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ يُبْدَأُ بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ . بَاب مَا جَاءَ يُبْدَأُ بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ قَوْلُهُ : ( وَأَنْتُمْ تَقْرَءُونَ الْوَصِيَّةَ قَبْلَ الدَّيْنِ ) أَيْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَقَوْلِهِ : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَقَوْلِهِ : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَقَوْلِهِ : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : قَوْلُهُ أَنْتُمْ تَقْرَءُونَ ، إِخْبَارٌ فِيهِ مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ ، يَعْنِي أَنْتُمْ أَتَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ هَلْ تَدْرُونَ مَعْنَاهَا ؟ فَالْوَصِيَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الدَّيْنِ فِي الْقِرَاءَةِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُ فِي الْقَضَاءِ انْتَهَى ، وَتَقَدَّمَ وَجْهُ تَقْدِيمِ الْوَصِيَّةِ عَلَى الدَّيْنِ فِي الْقِرَاءَةِ مَعَ كَوْنِهَا مُتَأَخِّرَةً عَنْهُ فِي الْقَضَاءِ فِي بَابِ مِيرَاثِ الْإِخْوَةِ مِنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ وَسَيَأْتِي مُفَصَّلًا . قَوْلُهُ : ( وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ الدَّيْنَ يُقَدَّمُ عَلَى الْوَصِيَّةِ إِلَّا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ مَا لَوْ أَوْصَى لشخص بِأَلْفٍ مَثَلًا وَصَدَّقَهُ الْوَارِثُ وَحَكَمَ بِهِ ثُمَّ ادَّعَى آخَرُ أَنَّ لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ دَيْنًا يَسْتَغْرِقُ مَوْجُودَهُ وَصَدَّقَهُ الْوَارِثُ فَفِي وَجْهٍ لِلشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا تُقَدَّمُ الْوَصِيَّةُ عَلَى الدَّيْنِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْخَاصَّةِ ، وَأَمَّا تَقْدِيمُ الْوَصِيَّةِ عَلَى الدَّيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ فَقَدْ قِيلَ فِي ذَلِكَ : إِنَّ الْآيَةَ لَيْسَ فِيهَا صِيغَةُ تَرْتِيبٍ بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ الْمَوَارِيثَ إِنَّمَا تَقَعُ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ وَإِنْفَاذِ الْوَصِيَّةِ ، وَأُتِيَ بِأَوْ لِلْإِبَاحَةِ وَهِيَ كَقَوْلِكَ : جَالِسْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا ، أَيْ لَكَ مُجَالَسَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اجْتَمَعَا أَوِ افْتَرَقَا ، وَإِنَّمَا قُدِّمَتْ لِمَعْنًى اقْتَضَى الِاهْتِمَامَ بِتَقْدِيمِهَا ، وَاخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِ ذَلِكَ الْمَعْنَى ، وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ التَّقْدِيمِ سِتَّةُ أُمُورٍ : أَحَدُهَا : الْخِفَّةُ وَالثِّقَلُ كَرَبِيعَةَ وَمُضَرَ فَمُضَرُ أَشْرَفُ مِنْ رَبِيعَةَ لَكِنْ لَفْظُ رَبِيعَةَ لَمَّا كَانَ أَخَفَّ قُدِّمَ فِي الذِّكْرِ وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى اللَّفْظِ . ثَانِيهَا : بِحَسَبِ الزَّمَانِ كَعَادٍ وَثَمُودَ . ثَالِثُهَا : بِحَسَبِ الطَّبْعِ كَثُلَاثَ وَرُبَاعَ . رَابِعُهَا : بِحَسَبِ الرُّتْبَةِ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ حَقُّ الْبَدَنِ وَالزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ ، فَالْبَدَنُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَالِ . خَامِسُهَا : تَقْدِيمُ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : عَزِيزٌ حَكِيمٌ ، وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : عَزَّ فَلَمَّا عَزَّ حَكَمَ . سَادِسُهَا : بِالشَّرَفِ وَالْفَضْلِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَقَدْ ذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّ تَقْدِيمَ الْوَصِيَّةِ فِي الذِّكْرِ عَلَى الدَّيْنِ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ إِنَّمَا تَقَعُ عَلَى سَبِيلِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ بِخِلَافِ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَقَعُ غَالِبًا بَعْدَ الْمَيِّتِ بِنَوْعِ تَفْرِيطٍ ، فَوَقَعَتِ الْبُدَاءَةُ بِالْوَصِيَّةِ لِكَوْنِهَا أَفْضَلَ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : قُدِّمَتِ الْوَصِيَّةُ لِأَنَّهَا شَيْءٌ يُؤْخَذُ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَالدَّيْنُ يُؤْخَذُ بِعِوَضٍ ، فَكَانَ إِخْرَاجُ الْوَصِيَّةِ أُشَقَّ عَلَى الْوَارِثِ مِنْ إِخْرَاجِ الدَّيْنِ ، وَكَانَ أَدَاؤُهَا مَظِنَّةً لِلتَّفْرِيطِ بِخِلَافِ الدَّيْنِ ، فَإِنَّ الْوَارِثَ مُطْمَئِنٌّ بِإِخْرَاجِهِ فَقُدِّمَتِ الْوَصِيَّةُ لِذَلِكَ ، وَأَيْضًا فَهِيَ حَظُّ فَقِيرٍ وَمِسْكِينٍ غَالِبًا ، وَالدَّيْنُ حَظُّ غَرِيمٍ يَطْلُبُ بِقُوَّةٍ وَلَهُ مَقَالٌ كَمَا صَحَّ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ مَقَالًا ، وَأَيْضًا فَالْوَصِيَّةُ يُنْشِئُهَا الْمُوصِي مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ فَقُدِّمَتْ تَحْرِيضًا عَلَى الْعَمَلِ بِهَا بِخِلَافِ الدَّيْنِ انْتَهَى ، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ الْمَذْكُورُ ضَعِيفٌ ، قَالَ فِي النَّيْلِ : قَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ ، عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ سَلَامُ اللَّهِ وَرِضْوَانُهُ قَالَ : قَضَى مُحَمَّدٌ أَنَّ الدَّيْنَ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ وَأَنْتُمْ تَقْرَؤونَ الْوَصِيَّةَ قَبْلَ الدَّيْنِ ، وَالْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ إِسْنَادُهُ ضَعِيفًا لَكِنَّهُ مُعْتَضِدٌ بِالِاتِّفَاقِ الَّذِي سَلَفَ ، انْتَهَى .
بسم الله الرحمن الرحيم أبواب الْوَصَايَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاب مَا جَاءَ فِي الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ 2116 حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، نَا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : مَرِضْتُ عَامَ الْفَتْحِ مَرَضًا أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ فَأَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا وَلَيْسَ يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَتِي فَأُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ ؟ قَالَ : لَا ، قُلْتُ : فَثُلُثَيْ مَالِي ؟ قَالَ : لَا ، قُلْتُ : فَالشَّطْرُ ؟ قَالَ : لَا ، قُلْتُ : فَالثُّلُثُ ؟ قَالَ : الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ إِنَّكَ أَنْ تذر وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تذرهم عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ، إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً إِلَّا أُجِرْتَ فِيهَا حَتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أُخَلَّفُ عَنْ هِجْرَتِي ؟ قَالَ : إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ بَعْدِي فَتَعْمَلَ عَمَلًا تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ رِفْعَةً وَدَرَجَةً ، وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ، اللَّهُمَّ امْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ لَكِنْ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ . وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ وَقَدْ اسْتَحَبَّ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ الثُّلُثِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ . ( أَبْوَابُ الْوَصَايَا ) قَالَ فِي الْفَتْحِ : الْوَصَايَا جَمْعُ وَصِيَّةٍ كَالْهَدَايَا ، وَتُطْلَقُ عَلَى فِعْلِ الْمُوصِي وَعَلَى مَا يُوصِي بِهِ مِنْ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ عَهْدٍ وَنَحْوِهِ فَتَكُونُ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ وَهُوَ الْإِيصَاءُ وَتَكُونُ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ وَهُوَ الِاسْمُ ، وَفِي الشَّرْعِ عَهْدٌ خَاصٌّ مُضَافٌ إِلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَدْ يَصْحَبُهُ التَّبَرُّعُ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : الْوَصِيَّةُ مِنْ وَصَيْتُ الشَّيْءَ بِالتَّخْفِيفِ أَصِيهِ إِذَا وَصَلْتُهُ ، سُمِّيَتْ وَصِيَّةً لِأَنَّ الْمَيِّتَ يَصِلُ بِهَا مَا كَانَ فِي حَيَاتِهِ بَعْدَ مَمَاتِهِ ، وَيُقَالُ وَصِيَّةٌ بِالتَّشْدِيدِ وَوَصَاةٌ بِالتَّخْفِيفِ بِغَيْرِ هَمْزٍ ، وَتُطْلَقُ شَرْعًا أَيْضًا عَلَى مَا يَقَعُ بِهِ الزَّجْرُ عَنِ الْمَنْهِيَّاتِ وَالْحَثِّ عَلَى الْمَأْمُورَاتِ ، انْتَهَى . باب ما جاء في الوصية بالثلث قَوْلُهُ : ( مَرِضْتُ عَامَ الْفَتْحِ ) صَوَابُهُ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي : اتَّفَقَ أَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ إِلَّا ابْنَ عُيَيْنَةَ فَقَالَ فِي فَتْحِ مَكَّةَ : أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَاتَّفَقَ الْحَافِظُ عَلَى أَنَّهُ وَهِمَ فِيهِ ، قَالَ : وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ لَهُ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً عَامَ الْفَتْحِ وَمَرَّةً عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَفِي الْأُولَى لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ مِنَ الْأَوْلَادِ أَصْلًا ، وَفِي الثَّانِيَةِ كَانَتْ لَهُ ابْنَةٌ فَقَطْ ، انْتَهَى ( أَشْفَيْتُ مِنْهُ ) أَيْ أَشْرَفْتُ ، يُقَالُ : أَشْفَى عَلَى كَذَا أَيْ قَارَبَهُ وَصَارَ عَلَى شَفَاهُ ، وَلَا يَكَادُ يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي الشَّرِّ ( يَعُودُنِي ) حَالٌ ( وَلَيْسَ يَرِثُنِي ) أَيْ مِنْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ ( إِلَّا ابْنَتِي ) لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ عَصَبَةٌ كَثِيرَة ذَكَرَهُ الْمُظْهِرُ . قَالَ الطِّيبِيُّ : وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ وَرَثَتَكَ ، وَلَعَلَّ تَخْصِيصَ الْبِنْتِ بِالذِّكْرِ لِعَجْزِهَا ، وَالْمَعْنَى لَيْسَ يَرِثُنِي مِمَّنْ أَخَافُ عَلَيْهِ إِلَّا ابْنَتِي ( فَأُوصِي ) بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ ( بِمَالِي كُلِّهِ ) أَيْ بِتَصَدُّقِهِ لِلْفُقَرَاءِ ( فَالشَّطْرِ ) بِالْجَرِّ أَيْ فَبِالنِّصْفِ ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : يَجُوزُ نَصْبُهُ عَطْفًا عَلَى الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ وَرَفْعُهُ أَيْ فَالشَّطْرُ كَافٍ ، وَجَرُّهُ عَطْفًا عَلَى مَجْرُورِ الْبَاءِ ( قُلْتُ فَالثُّلُثِ ) بِالْجَرِّ وَجَوَّزَ النَّصْبَ وَالرَّفْعَ عَلَى مَا سَبَقَ ( قَالَ الثُّلُثَ ) بِالنَّصْبِ . قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَجُوزُ نَصْبُ الثُّلُثِ الْأَوَّلِ وَرَفْعُهُ فالنَّصْبِ عَلَى الْإِغْرَاءِ أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ : أَعْطِ الثُّلُثَ ، وَأَمَّا الرَّفْعُ فَعَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ أَيْ يَكْفِيكَ الثُّلُثُ ، أَوْ أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الْخَبَرِ أَوْ عَكْسُهُ ( وَالثُّلُثُ ) بِالرَّفْعِ لَا غَيْرُ عَلَى الِابْتِدَاءِ خَبَرُهُ ( كَثِيرٌ ) قَالَ السُّيُوطِيُّ : رُوِيَ بِالْمُثَلَّثَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : فِيهِ بَيَانُ أَنَّ الْإِيصَاءَ بِالثُّلُثِ جَائِزٌ لَهُ وَأَنَّ النَّقْصَ مِنْهُ أَوْلَى ( إِنَّكَ ) اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ ( أَنْ تَذَرَ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ وَبِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ تَتْرُكَ ( وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ ) أَيْ مُسْتَغْنِينَ عَنِ النَّاسِ ( عَالَةً ) أَيْ فُقَرَاءَ ( يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ) أَيْ يَسْأَلُونَهُمْ بِالْأَكُفِّ وَمَدِّهَا إِلَيْهِمْ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ وَرَثَتَهُ كَانُوا فُقَرَاءَ وَهُمْ أَوْلَى بِالْخَيْرِ مِنْ غَيْرِهِمْ . قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : أَنْ تَذَرَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا رِوَايَتَانِ صَحِيحَتَانِ ، وَفِي الْفَائِقِ : إِنْ تَذَرُ مَرْفُوعُ الْمَحَلِّ عَلَى الِابْتِدَاءِ أَيْ تَرْكُكَ أَوْلَادَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ وَالْجُمْلَةُ بِأَسْرِهَا خَبَرُ إِنَّكَ ( لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً ) مَفْعُولٌ بِهِ أَوْ مُطْلَقٌ ( إِلَّا أُجِرْتَ فِيهَا ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ صِرْتَ مَأْجُورًا بِسَبَبِ تِلْكَ النَّفَقَةِ ( حَتَّى اللُّقْمَةَ ) بِالنَّصْبِ وَبِالْجَرِّ وَحُكِيَ بِالرَّفْعِ ( تَرْفَعُهَا إِلَى فِيِّ امْرَأَتِكَ ) وَفِي رِوَايَةٍ : حَتَّى مَا تَجْعَلَ فِي فِيِّ امْرَأَتِكَ ، أَيْ فِي فَمِهَا ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُنْفِقَ لِابْتِغَاءِ رِضَائِهِ تَعَالَى يُؤْجَرُ وَإِنْ كَانَ مَحَلُّ الْإِنْفَاقِ مَحَلَّ الشَّهْوَةِ وَحَظَّ النَّفْسِ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ وَنِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . ( أُخَلَّفُ عَنْ هِجْرَتِي ) أَيْ أَبْقَى بِسَبَبِ الْمَرَضِ خَلْفًا بِمَكَّةَ قَالَهُ تَحَسُّرًا وَكَانُوا يَكْرَهُونَ الْمُقَامَ بِمَكَّةَ بَعْدَمَا هَاجَرُوا مِنْهَا وَتَرَكُوهَا لِلَّهِ ( إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ بَعْدِي فَتَعْمَلَ عَمَلًا إِلَخْ ) يَعْنِي أَنَّ كَوْنَكَ مُخَلَّفًا لَا يَضُرُّكَ مَعَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ ( لَعَلَّكَ إِنْ تَخَلَّفَ ) أَيْ بِأَنْ يَطُولَ عُمُرُكَ ( حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ ) أَيْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِالْغَنَائِمِ مِمَّا سَيَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْكَ مِنْ بِلَادِ الشِّرْكِ ( وَيُضَرُّ ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ ( بِكَ آخَرُونَ ) مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يُهْلَكُونَ عَلَى يَدَيْكَ وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ الَّذِي تَرَجَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وسَلَّمَ ، فَشُفِيَ سَعْدٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ وَطَالَ عُمُرُهُ حَتَّى انْتَفَعَ بِهِ أَقْوَامٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَاسْتَضَرَّ بِهِ آخَرُونَ مِنَ الْكُفَّارِ حَتَّى مَاتَ سَنَةَ خَمْسِينَ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ ، فَإِنَّ سَعْدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَاشَ حَتَّى فَتْحِ الْعِرَاقِ وَغَيْرِهِ وَانْتَفَعَ بِهِ أَقْوَامٌ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ وَتَضَرَّرَ بِهِ الْكُفَّارُ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ ، فَإِنَّهُمْ قَتَلُوا رِجَالَهُمْ وَسُبِيَتْ نِسَاؤُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ وَغُنِمَتْ أَمْوَالُهُمْ وَدِيَارُهُمْ ، وَوَلِيَ الْعِرَاقَ فَاهْتَدَى عَلَى يَدَيْهِ خَلَائِقُ ، وَتَضَرَّرَ بِهِ خَلَائِقُ بِإِقَامَتِهِ الْحَقَّ فِيهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَنَحْوِهِمْ ، انْتَهَى . ( اللَّهُمَّ امْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ ) أَيْ تَمِّمْهَا لَهُمْ وَلَا تُنْقِصْهَا ( لَكِنَّ الْبَائِسَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ) الْبَائِسُ مَنْ أَصَابَهُ بُؤْسٌ أَيْ ضَرَرٌ وَهُوَ يَصْلُحُ لِلذَّمِّ وَالتَّرَحُّمِ ، قِيلَ : إِنَّهُ لَمْ يُهَاجِرْ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى مَاتَ بِهَا ، فَهُوَ ذَمٌّ ، وَالْأَكْثَرُ أَنَّهُ هَاجَرَ وَمَاتَ بِهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَهُوَ تَرَحُّمٌ ( يَرْثِي لَهُ ) ، مِنْ رَثَيْتُ الْمَيِّتَ مَرْثِيَةٌ إِذَا عَدَّدَتْ مَحَاسِنَهُ ، وَرَثَأَتْ بِالْهَمْزِ لُغَةٌ فِيهِ ، فَإِنْ قِيلَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ الْمَرَاثِي كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ، فَإِذَا نَهَى عَنْهُ كَيْفَ يَفْعَلُهُ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَرْثِيَةَ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا مَا فِيهِ مَدْحُ الْمَيِّتِ وَذِكْرُ مَحَاسِنِهِ الْبَاعِثُ عَلَى تَهْيِيجِ الْحُزْنِ وَتَجْدِيدِ اللَّوْعَةِ أَوْ فِعْلِهَا مَعَ الِاجْتِمَاعِ لَهَا أَوْ عَلَى الْإِكْثَارِ مِنْهَا دُونَ مَا عَدَا ذَلِكَ ، وَالْمُرَادُ هُنَا تَوَجُّعُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَتَحَزُّنُهُ عَلَى سَعْدٍ لِكَوْنِهِ مَاتَ بِمَكَّةَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ مِنْهَا لَا مَدْحَ الْمَيِّتِ لِتَهْيِيجِ الْحُزْنِ ، كَذَا ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ ( أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ لِأَجْلِ مَوْتِهِ بِأَرْضٍ هَاجَرَ مِنْهَا وَكَانَ يَكْرَهُ مَوْتَهُ بِهَا فَلَمْ يُعْطَ مَا تَمَنَّى ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَأَمَّا قَوْلُهُ : يَرْثِي لَهُ ، فَهُوَ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَكِنَّ الْبَائِسَ إِلَخْ ، أَيْ رَثِيَ لَهُ حِينَ مَاتَ بِمَكَّةَ وَكَانَ يَهْوَى أَنْ يَمُوتَ بِغَيْرِهَا ، قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ . قَوْلُهُ : ( وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : اسْتَقَرَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَنْعِ الْوَصِيَّةِ بِأَزْيَدَ مِنَ الثُّلُثِ ، لَكِنِ اخْتُلِفَ فِيمَنْ لَيْسَ لَهُ وَارِثٌ خَاصٌّ ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى مَنْعِهِ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ ، وَجَوَّزَ لَهُ الزِّيَادَةَ الْحَنَفِيَّةُ وَإِسْحَاقُ ، وَشَرِيكٌ ، وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْوَصِيَّةَ مُطْلَقَةٌ فِي الْآيَةِ فَقَيَّدَتْهَا السُّنَّةُ لِمَنْ لَهُ وَارِثٌ فَبَقِيَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ ( وَقَدِ اسْتَحَبَّ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُنْقِصَ مِنَ الثُّلُثِ إِلَخْ ) قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ اسْتِحْبَابُ النَّقْصِ عَنِ الثُّلُثِ ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ، لِلنَّوَوِيِّ : إِنْ كَانَ الْوَرَثَةُ فُقَرَاءَ اسْتُحِبَّ أَنْ يُنْقِصَ مِنْهُ وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ اسْتُحِبَّ أَنْ يُوصِيَ بِالثُّلُثِ تَبَرُّعًا .
2117 حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ نَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ نَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ، ثَنَا الْأَشْعَثُ بْنُ جَابِرٍ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ وَالْمَرْأَةُ بِطَاعَةِ اللَّهِ سِتِّينَ سَنَةً ثُمَّ يَحْضُرُهُم الْمَوْتُ فَيُضَارَّانِ فِي الْوَصِيَّةِ فَتَجِبُ لَهُمَا النَّارُ ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ أَبُو هُرَيْرَةَ : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ : وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ من هذا الوجه وَنَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الَّذِي رَوَى عَنْ أَشْعَثِ بْنِ جَابِرٍ هُوَ جَدُّ نَصْرِ الْجَهْضَمِيِّ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ ) بْنِ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ حَفِيدُ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْآتِي فِي هَذَا السَّنَدِ ثِقَةٌ ثَبْتٌ طُلِبَ لِلْقَضَاءِ فَامْتَنَعَ مِنَ الْعَاشِرَةِ ( نَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ ) بْنِ صُهْبَانَ الْأَزْدِيُّ الْجَهْضَمِيُّ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ مِنَ السَّابِعَةِ ( ثنَا الْأَشْعَثُ بْنُ جَابِرٍ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : أَشْعَثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرٍ الْحُدَّانِيُّ الْأَزْدِيُّ بَصْرِيٌّ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَقَدْ يُنْسَبُ إِلَى جَدِّهِ وَهُوَ الْحَمْلِيُّ صَدُوقٌ مِنَ الْخَامِسَةِ ( قَالَ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلَ ) أَيْ لَيَعْبُدَ ( وَالْمَرْأَةَ ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى اسْمِ إِنَّ وَخَبَرُ الْمَعْطُوفِ مَحْذُوفٌ بِدَلَالَةِ خَبَرِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ وَخَبَرُهُ كَذَلِكَ وَقَدْ تَنَازَعَ فِي قَوْلِهِ ( بِطَاعَةِ اللَّهِ ) الْمَحْذُوفُ وَالْمَذْكُورُ ( سِتِّينَ سَنَةً ) أَيْ مَثَلًا ، أَوِ الْمُرَادُ مِنْهُ التَّكْثِيرُ ( ثُمَّ يَحْضُرُهُمُ الْمَوْتُ ) وَفِي رِوَايَةٍ يَحْضُرُهُمَا بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَيْ عَلَامَتُهُ ( فَيُضَارَّانِ فِي الْوَصِيَّةِ ) مِنَ الْمُضَارَّةِ أَيْ يُوَصِّلَانِ الضَّرَرَ إِلَى الْوَارِثِ بِسَبَبِ الْوَصِيَّةِ لِلْأَجْنَبِيِّ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ ، أَوْ بِأَنْ يَهَبَ جَمِيعَ مَالِهِ لِوَاحِدٍ مِنَ الْوَرَثَةِ كَيْلَا يرثُ وَارِثٌ آخَرُ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا فَهَذَا مَكْرُوهٌ وَفِرَارٌ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَأَنْ يُوصِيَ لِغَيْرِ أَهْلِ الْوَصِيَّةِ أَوْ يُوصِيَ بِعَدَمِ إِمْضَاءِ مَا أَوْصَى بِهِ حَقًّا بِأَنْ نَدِمَ مِنْ وَصِيَّتِهِ أَوْ يَنْقُضَ بَعْضَ الْوَصِيَّةِ . ( فَيَجِبُ لَهُمَا النَّارُ ) أَيْ فَتَثْبُتُ ، وَالْمَعْنَى يَسْتَحِقَّانِ الْعُقُوبَةَ وَلَكِنَّهُمَا تَحْتَ الْمَشِيئَةِ ( ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ ، قَائِلُهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ أَيْ قَرَأَ عَلَيَّ أَبُو هُرَيْرَةَ اسْتِشْهَادًا وَاعْتِضَادًا مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ مُتَعَلِّقٌ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ بِبِنَاءِ الْمَجْهُولِ غَيْرَ مُضَارٍّ حَالٌ عَنْ يُوصَى مُقَدَّرٌ لِأَنَّهُ لَمَّا قِيلَ يُوصَى عُلِمَ أَنَّ ثَمَّ مُوصِيًا أَيْ غَيْرَ مُوَصِّلٍ الضَّرَرَ إِلَى وَرَثَتِهِ بِسَبَبِ الْوَصِيَّةِ إِلَى قَوْلِهِ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يَعْنِي وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، وَالشَّاهِدُ إِنَّمَا هُوَ الْآيَةُ الْأُولَى وَإِنَّمَا قَرَأَ الْآيَةَ الثَّانِيَةَ ; لِأَنَّهَا تُؤَكِّدُ الْأُولَى وَكَذَا مَا بَعْدَهَا مِنَ الثَّالِثَةِ ، وَكَأَنَّهُ اكْتَفَى بِالثَّانِيَةِ عَنِ الثَّالِثَةِ ، قَالَهُ الْقَارِّيُّ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ بَعْدَ نَقْلِ تَحْسِينِ التِّرْمِذِيِّ : وَشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ ، وَوَثَّقَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ .
باب 2124 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا اللَّيْثُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ تَسْتَعِينُ عَائِشَةَ فِي كِتَابَتِهَا وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا ، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ : ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لي فَعَلْتُ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ لِأَهْلِهَا فَأَبَوْا وَقَالُوا : إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ وَيَكُونَ لَنَا وَلَاؤُكِ فَلْتَفْعَلْ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ وَإِنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ عَائِشَةَ ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ . باب قَوْلُهُ : ( أَنَّ بَرِيرَةَ ) بِوَزْنِ عَظِيمَةٍ هِيَ مَوْلَاةٌ لِعَائِشَةَ ، تَقَدَّمَ تَرْجَمَتُهَا فِي بَابِ اشْتِرَاطِ الْوَلَاءِ وَالزَّجْرِ عَنْ ذَلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الْبُيُوعِ ( تَسْتَعِينُ عَائِشَةَ ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ( وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ ) أَيْ أَدَّتْ ( مِنْ كِتَابَتِهَا ) أَيْ مِنْ بَدَلِ كِتَابَتِهَا ( ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ ) الْمُرَادُ بِهِ مَوَالِيهَا ( فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ ) ظَاهِرُهُ أَنَّ عَائِشَةَ طَلَبَتْ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهَا إِذَا بَذَلَتْ جَمِيعَ مَالِ الْكِتَابَةِ وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ إِذْ لَوْ وَقَعَ لَكَانَ اللَّوْمُ بِطَلَبِهَا وَلَاءَ مَنْ أَعْتَقَهَا غَيْرُهَا ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظٍ يُزِيلُ الْإِشْكَالَ فَقَالَ : إِنْ أَعَدَّهَا لَهُمْ عُدَّةً وَاحِدَةً وَأَعْتَقَكِ وَيَكُونُ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ وُهَيْبٌ ، عَنْ هِشَامٍ فَعُرِفَ بِذَلِكَ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَهَا شِرَاءً صَحِيحًا ثُمَّ تُعْتِقَهَا إِذِ الْعِتْقُ فَرْعُ ثُبُوتِ الْمِلْكِ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي ، كَذَا فِي النَّيْلِ ( فَذَكَرْتُ ذَلِكَ ) أَيِ الَّذِي قَالَتْهُ عَائِشَةُ ( فَأَبَوْا ) أَيِ امْتَنَعُوا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لِعَائِشَةَ ( إِنْ شَاءَتْ ) أَيْ عَائِشَةُ ( أَنْ تَحْتَسِبَ ) هو مِنَ الْحِسْبَةِ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ تَحْتَسِبَ الْأَجْرَ عِنْدَ اللَّهِ ( وَيَكُونَ ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى تَحْتَسِبَ ( لَنَا وَلَاؤُكِ ) لَا لَهَا ( فَذَكَرَتْ ) أَيْ عَائِشَةُ ( ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي ) هُوَ كَقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ ( فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ) فِيهِ إِثْبَاتُ الْوَلَاءِ لِلْمُعْتِقِ وَنَفْيُهُ عَمَّا عَدَاهُ كَمَا تَقْتضِيهِ إِنَّمَا الْحَصْرِيَّةُ ، وَاسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا وَلَاءَ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ رَجُلٌ أَوْ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مُخَالَفَةٌ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ ، وَلَا لِلْمُلْتَقِطِ خِلَافًا لِإِسْحَاقَ ( ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ ( مَا بَالُ أَقْوَامٍ ) أَيْ مَا حَالُهُمْ ( لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ) أَيْ فِي حُكْمِ اللَّهِ الَّذِي كَتَبَهُ عَلَى عِبَادِهِ وَشَرَعَهُ لَهُمْ ، قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ : أَيْ لَيْسَ فِي حُكْمِ اللَّهِ جَوَازُهَا أَوْ وُجُوبُهَا لَا أَنَّ كُلَّ مَنْ شَرَطَ شَرْطًا لَمْ يَنْطِقْ بِهِ الْكِتَابُ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ قَدْ يُشْتَرَطُ فِي الْبَيْعِ الْكَفِيلُ فَلَا يَبْطُلُ الشَّرْطُ وَيُشْتَرَطُ فِي الثَّمَنِ شُرُوطٌ مِنْ أَوْصَافِهِ أَوْ نُجُومِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يَبْطُلُ ، فَالشُّرُوطُ الْمَشْرُوعَةُ صَحِيحَةٌ وَغَيْرُهَا بَاطِلٌ ( فَلَيْسَ لَهُ ) أَيْ ذَلِكَ الشَّرْطُ أَيْ لَا يَسْتَحِقُّهُ ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ : مَنْ شَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ ( وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ ) ذَكَرَ الْمِائَةَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْكَثْرَةِ لَا أَنَّ هَذَا الْعَدَدَ بِعَيْنِهِ هُوَ الْمُرَادُ . وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَدِ اسْتَنْبَطَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْهُ فَوَائِدَ كَثِيرَةً ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : أَكْثَرَ النَّاسُ فِي تَخْرِيجِ الْوُجُوهِ فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ حَتَّى بَلَغُوهَا نَحْوَ مِائَةِ وَجْهٍ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : صَنَّفَ فِيهِ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ جَرِيرٍ تَصْنِيفَيْنِ كَبِيرَيْنِ أَكْثَرَا فِيهِمَا مِنَ اسْتِنْبَاطِ الْفَوَائِدِ مِنْهَا فَذَكَرَ أَشْيَاءَ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَصْنِيفِ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَوَقَفْتُ عَلَى كَلَامِ ابْنِ جَرِيرٍ مِنْ كِتَابِهِ تَهْذِيبِ الْآثَارِ وَلَخَّصْتُ مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَدْ بَلَّغَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْفَوَائِدَ مِنْ حَدِيثِ بَرِيرَةَ إِلَى أَرْبَعِمِائَةٍ أَكْثَرُهَا مُسْتَبْعَدٌ مُتَكَلَّفٌ كَمَا وَقَعَ نَظِيرُ ذَلِكَ لِلَّذِي صَنَّفَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ فَبَلَغَ بِهِ أَلْفَ فَائِدَةٍ وَفَائِدَةٍ ، انْتَهَى ، وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ كَثِيرًا مِنْ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ وَفِي كِتَابِ النِّكَاحِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوَاضِعَ عَدِيدَةٍ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي بَابِ ذِكْرِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي الْمَسْجِدِ ، وَفِي الزَّكَاةِ فِي بَابِ الصَّدَقَةِ عَلَى مَوَالِي أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي الْعِتْقِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْهِبَةِ وَالْبُيُوعِ وَالْفَرَائِضِ وَالطَّلَاقِ وَالشُّرُوطِ وَالْأَطْعِمَةِ وَكَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ ، وَأَخْرَجَهُ فِي الطَّلَاقِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَفِي الْفَرَائِضِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ طَرَفًا مِنْهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي بَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مَعَ النِّسَاءِ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَفِي بَابِ إِذَا اشْتَرَطَ فِي الْبَيْعِ شُرُوطًا مِنْ حَدِيثِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْعِتْقِ وَالنَّسَائِيُّ فِي الْبُيُوعِ وَفِي الْعِتْقِ وَفي الْفَرَائِضِ وَفِي الشُّرُوطِ ، وَابْنُ مَاجَهْ فِي الْعِتْقِ .
2121 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ عَلَى نَاقَتِهِ وَأَنَا تَحْتَ جِرَانِهَا وَهِيَ تَقْصَعُ بِجِرَّتِهَا وَإِنَّ لُعَابَهَا يَسِيلُ بَيْنَ كَتِفَيَّ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ عز وجل أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ، وَالْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( وَأَنَا تَحْتَ جِرَانِهَا ) بِكَسْرِ الْجِيمِ ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : جِرَانُ الْبَعِيرِ بِالْكَسْرِ مُقَدَّمُ عُنُقِهِ مِنْ مَذْبَحِهِ إِلَى مَنْحَرِهِ ( وَهِيَ تَقْصَعُ بِجِرَّتِهَا ) الْجِرَّةُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْجِرَّةُ بِالْكَسْرِ هَيْئَةُ الْجَرِّ وَمَا يُفِيضُ بِهِ الْبَعِيرُ فَيَأْكُلُهُ ثَانِيَةً ، وَقَدِ اجْتَرَّ وَأَجَرَّ ، وَاللُّقْمَةُ يَتَعَلَّلُ بِهَا الْبَعِيرُ إِلَى وَقْتِ عَلَفِهِ وَالْقَصْعُ الْبَلْعُ ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : قَصَعَ كَمَنَعَ ابْتَلَعَ جَرْعَ الْمَاءِ ، وَالنَّاقَةُ بِجِرَّتِهَا رَدَّتْهَا إِلَى جَوْفِهَا أَوْ مَضَغَتْهَا أَوْ هُوَ بَعْدَ الدَّسْعِ وَقَبْلَ الْمَضْغِ أَوْ هُوَ أَنْ تَمْلَأَ بِهَا فَاهَا أَوْ شِدَّةُ الْمَضْغِ ( وَإِنَّ لُعَابَهَا يَسِيلُ بَيْنَ كَتِفَيَّ ) وَفِي رِوَايَةٍ : وَإِنَّ لُغَامَهَا بِضَمِّ اللَّامِ بَعْدَهَا غَيْنٌ مُعْجَمَةٌ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مِيمٌ هُوَ اللُّعَابُ ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : لَغَمَ الْجَمَلُ كَمَنَعَ رَمَى بِلُعَابِهِ لِزَبَدِهِ ، قَالَ : وَالْمَلَاغِمُ مَا حَوْلَ الْفَمِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَفِي سَنَدِهِ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبَ وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ .
بَاب مَا جَاءَ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ 2120 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، وعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، قَالَا : نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، نَا شُرَحْبِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ تعالى وَمَنْ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ التَّابِعَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا تُنْفِقُ امْرَأَةٌ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الطَّعَامَ ؟ قَالَ : ذَلِكَ أَفْضَلُ أَمْوَالِنَا وقَالَ الْعَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ وَالْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ . وَفِي الْبَاب عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ وَأَنَس بن مالك هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ وَرِوَايَةُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَأَهْلِ الْحِجَازِ لَيْسَ بِذَاكَ فِيمَا يتَفَرَّدَ بِهِ لِأَنَّهُ رَوَى عَنْهُمْ مَنَاكِيرَ وَرِوَايَتُهُ عَنْ أَهْلِ الشَّامِ أَصَحُّ ، هَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ الْحَسَنِ يَقُولُ : قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ أَصْلَحُ بدنا مِنْ بَقِيَّةَ ، وَلِبَقِيَّةَ أَحَادِيثُ مَنَاكِيرُ عَنْ الثِّقَاتِ وَسَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ سَمِعْتُ زَكَرِيَّا بْنَ عَدِيٍّ يَقُولُ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ خُذُوا من بَقِيَّةَ مَا حَدَّثَ عَنْ الثِّقَاتِ وَلَا تَأْخُذُوا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ مَا حَدَّثَ عَنْ الثِّقَاتِ وَلَا غَيْرِ الثِّقَاتِ . باب ما جاء لا وصية لوارث قَوْلُهُ : ( نَا شُرَحْبِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ ) الشَّامِيُّ صَدُوقٌ فِيهِ لِينٌ مِنَ الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ : ( قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ) أَيْ بَيَّنَ لَهُ حَظَّهُ وَنَصِيبَهُ الَّذِي فُرِضَ لَهُ ( فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ) قَالَ الْأَمِيرُ الْيَمَانِيُّ فِي السُّبُلِ : الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ وَهُوَ قَوْلُ الْجَمَاهِيرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَذَهَبَ الْهَادِي وَجَمَاعَةٌ إِلَى جَوَازِهَا مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ الْآيَةَ ، قَالُوا وَنَسْخُ الْوُجُوبِ لَا يُنَافِي الْجَوَازَ قُلْنَا : نَعَمْ لَوْ لَمْ يُرِدْ هَذَا الْحَدِيثَ فَإِنَّهُ يُنَافِي لجَوَازِهَا ، إِذْ وُجُوبُهَا قَدْ عُلِمَ نَسْخُهُ مِنْ آيَةِ الْمَوَارِيثِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ وَالْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ فَنَسَخَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، وَجَعَلَ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبُعَ ، وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ ، انْتَهَى . قُلْتُ : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي الْوَصَايَا وَغَيْرِهِ ، قَالَ الْحَافِظُ : هُوَ مَوْقُوفٌ لَفْظًا إِلَّا أَنَّهُ فِي تَفْسِيرِهِ إِخْبَارٌ بِمَا كَانَ مِنَ الْحُكْمِ قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ بِهَذَا التَّقْرِيرِ ، انْتَهَى . وَاعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَزَادَ فِي آخِرِهِ : إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ : إِسْنَادُهُ حَسَنٌ ، وَقَالَ فِي الْفَتْحِ : رِجَالُهُ ثِقَاتٌ لَكِنَّهُ مَعْلُولٌ فَقَدْ قِيلَ : إِنَّ عَطَاءً الَّذِي رَوَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هُوَ الْخُرَاسَانِيُّ وَهُوَ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا : لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ إِلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : إِسْنَادُهُ وَاهٍ ، وَفِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا تَصِحُّ وَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ إِنْ أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ ، قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي الْعُمْدَةِ : قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : إِنَّمَا يُبْطِلُ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَجْلِ حُقُوقِ سَائِرِ الْوَرَثَةِ ، فَإِذا أَجَازُوهَا جَازَتْ ، كَمَا إِذَا أَجَازُوا الزِّيَادَةَ عَلَى الثُّلُثِ ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا لَا تَجُوزُ ، وَإِنْ أَجَازُوهَا لِأَنَّ الْمَنْعَ لِحَقِّ الشَّرْعِ ، فَلَوْ جَوَّزْنَاهَا كُنَّا قَدِ اسْتَعْمَلْنَا الْحُكْمَ الْمَنْسُوخَ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ ، انْتَهَى . ( الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ) أَيْ لِلْأُمِّ ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ : وَتُسَمَّى الْمَرْأَةُ فِرَاشًا لِأَنَّ الرَّجُلَ يَفْتَرِشُهَا ، أَيِ الْوَلَدُ مَنْسُوبٌ إِلَى صَاحِبِ الْفِرَاشِ سَوَاءٌ كَانَ زَوْجًا أَوْ سَيِّدًا أَوْ وَاطِئَ شُبْهَةٍ ، وَلَيْسَ لِلزَّانِي فِي نَسَبِهِ حَظٌّ ، إِنَّمَا الَّذِي جُعِلَ لَهُ مِنْ فِعْلِهِ اسْتِحْقَاقُ الْحَدِّ وَهُوَ قَوْلُهُ ( وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ : يُرِيدُ أَنَّ لَهُ الْخَيْبَةَ ، وَهُوَ كَقَوْلِكَ لَهُ التُّرَابُ ، وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَى الرَّجْمِ فَقَدْ أَخْطَأَ لِأَنَّ الرَّجْمَ لَا يُشْرَعُ فِي سَائِرِهِ ( وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ) قَالَ الْمُظْهِرُ : يَعْنِي نَحْنُ نُقِيمُ الْحَدَّ عَلَى الزُّنَاةِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُمْ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُمْ ، هَذَا مَفْهُومُ الْحَدِيثِ ، وَقَدْ جَاءَ : مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي الدُّنْيَا لَا يُعَذَّبُ بِذَلِكَ الذَّنْبِ فِي الْقِيَامَةِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُثْنِيَ الْعُقُوبَةَ عَلَى مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَنْ زَنَى أَوْ أَذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ وَلَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ ، قَالَ الْقَارِي : وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ وَنَحْنُ نُجْرِي أَحْكَامَ الشَّرْعِ بِالظَّاهِرِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالسَّرَائِرِ ، فَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ وَجَزَاؤُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَوْ بَقِيَّةُ مُحَاسَبَتِهِمْ وَمُجَازَاتِهِمْ مِنَ الْإِصْرَارِ عَلَى ذَلِكَ الذَّنْبِ وَمُبَاشَرَةِ سَائِرِ الذُّنُوبِ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ . ( وَمَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ ) بِتَشْدِيدِ الدَّالِ أَيِ انْتَسَبَ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ ( أَوِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ ) أَيِ انْتَسَبَ إِلَيْهِمْ وَصَارَ مَعْرُوفًا بِهِمْ مِنْ نَمَّيْتُهُ إِلَى أَبِيهِ نَمْيًا نَسَبْتُهُ إِلَيْهِ وَانْتَمَى هُوَ ( فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ التَّابِعَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ ، عَنْ أَنَسٍ : الْمُتَتَابِعَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ( لَا تُنْفِقِ ) نَفْيٌ وَقِيلَ نَهْيٌ ( امْرَأَةٌ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا ) أَيْ صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةً ( قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الطَّعَامَ قَالَ ذَاكَ أَفْضَلُ أَمْوَالِنَا ) يَعْنِي فَإِذَا لَمْ تَجُزِ الصَّدَقَةُ بِمَا هُوَ أَقَلُّ قَدْرًا مِنَ الطَّعَامِ بِغَيْرِ إِذْنِ الزَّوْجِ فَكَيْفَ تَجُوزُ بِالطَّعَامِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ ( الْعَارِيَّةُ ) بِالتَّشْدِيدِ وَيُخَفَّفُ ( مُؤَدَّاةٌ ) بِالْهَمْزَةِ وَيُبَدَّلُ ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ : أَيْ تُؤَدَّى إِلَى صَاحِبِهَا . وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي الضَّمَانِ ، فَالْقَائِلُ بِالضَّمَانِ يَقُولُ تُؤَدَّى عَيْنًا حَالَ الْقِيَامِ وَقِيمَةً عِنْدَ التَّلَفِ ، وَفَائِدَةُ التَّأْدِيَةِ عِنْدَ مَنْ يَرَى خِلَافَهُ إِلْزَامَ الْمُسْتَعِيرِ مُؤْنَةَ رَدِّهَا إِلَى مَالِكِهَا ( وَالْمِنْحَةُ ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ ، مَا يَمْنَحُهُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ أَيْ يُعْطِيهِ مِنْ ذَاتِ دَرٍّ لِيَشْرَبَ لَبَنَهَا أَوْ شَجَرَةً لِيَأْكُلَ ثَمَرَهَا أَوْ أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا ، وَفِي رِوَايَةٍ الْمَنِيحَةُ ( مَرْدُودَةٌ ) إِعْلَامٌ بِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ تَمْلِيكَ الْمَنْفَعَةِ لَا تَمْلِيكَ الرَّقَبَةِ ( وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ ) أَيْ يَجِبُ قَضَاؤُهُ ( وَالزَّعِيمُ ) أَيِ الْكَفِيلُ ( غَارِمٌ ) أَيْ يُلْزِمُ نَفْسَهُ مَا ضَمِنَهُ ، وَالْغُرْمُ أَدَاءُ شَيْءٍ يَلْزَمُهُ ، وَالْمَعْنَى أنه ضَامِنٌ وَمَنْ ضَمِنَ دَيْنًا لَزِمَهُ أَدَاؤُهُ ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ) أَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَحَسَّنَهُ الْحَافِظُ أَيْضًا فِي التَّلْخِيصِ ، وَقَالَ فِي الْفَتْحِ : فِي إِسْنَادِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، وَقَدْ قَوَّى حَدِيثَهُ إِذَا رَوَى عَنِ الشَّامِيِّينَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ مِنْهُمْ أَحْمَدُ ، وَالْبُخَارِيُّ ، وَهَذَا مِنْ رِوَايَتِهِ عَنِ الشَّامِيِّينَ لِأَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ وَهُوَ شَامِيٌّ ثِقَةٌ ، وَصَرَّحَ فِي رِوَايَتِهِ بِالتَّحْدِيثِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَفِي الْبَابِ عَنْ عمرو بْنِ خَارِجَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ ، وَالنَّسَائِيِّ وَعَنْ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَعَنْ جَابِرٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ أَيْضًا ، وَقَالَ : الصَّوَابُ إِرْسَالُهُ . وَعَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَلَا يَخْلُو إِسْنَادُ كُلٍّ مِنْهَا عَنْ مَقَالٍ لَكِنَّ مَجْمُوعَهَا يَقْتَضِي أَنَّ لِلْحَدِيثِ أَصْلًا بَلْ جَنَحَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ إِلَى أَنَّ هَذَا الْمَتْنَ مُتَوَاتِرٌ فَقَالَ : وَجَدْنَا أَهْلَ الْفُتْيَا وَمَنْ حَفِظْنَا عَنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْمَغَازِي مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عَامَ الْفَتْحِ : لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ، وَيُؤْثِرُونَ عَمَّنْ حَفِظُوهُ عَنْهُ مِمَّنْ لَقُوهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَكَانَ نَقْلَ كَافَّةٍ عَنْ كَافَّةٍ ، فَهُوَ أَقْوَى مِنْ نَقْلِ وَاحِدٍ ، وَقَدْ نَازَعَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي كَوْنِ هَذَا الْحَدِيثِ مُتَوَاتِرًا ، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ ذَلِكَ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ ، لَكِنَّ الْحُجَّةَ فِي هَذَا الْإِجْمَاعِ عَلَى مُقْتَضَاهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ انْتَهَى ( قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ أَصْلَحُ بَدَنًا مِنْ بَقِيَّةَ ) أَيْ أَصْلَحُ حَالًا مِنْهُ ( وَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) هُوَ الدَّارِمِيُّ ( وَلَا تَأْخُذُوا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ مَا حَدَّثَ عَنِ الثِّقَاتِ وَلَا غَيْرِ الثِّقَاتِ ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُقَدِّمَةِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ : هَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ فِي إِسْمَاعِيلَ خِلَافُ قَوْلِ جُمْهُورِ الْأَئِمَّةِ ، قَالَ عَبَّاسٌ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ : إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ثِقَةٌ وَكَانَ أَحَبَّ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ مِنْ بَقِيَّةَ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ : هُوَ ثِقَةٌ وَالْعِرَاقِيُّونَ يَكْرَهُونَ حَدِيثَهُ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : مَا رَوَى عَنِ الشَّامِيِّينَ أَصَحُّ ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ : إِذَا حَدَّثَ عَنْ أَهْلِ بِلَادِهِ فَصَحِيحٌ وَإِذَا حَدَّثَ عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِثْلُ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَسُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ : كُنْتُ أَسْمَعُ أَصْحَابَنَا يَقُولُونَ : عِلْمُ الشَّامِ عِنْدَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ ، وَالْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ . قَالَ يَعْقُوبُ : وَتَكَلَّمَ قَوْمٌ فِي إِسْمَاعِيلَ وَهُوَ ثِقَةٌ عَدْلٌ أَعْلَمُ النَّاسِ بِحَدِيثِ الشَّامِ وَلَا يَدْفَعُهُ دَافِعٌ ، وَأَكْثَرُ مَا تَكَلَّمُوا قَالُوا : يَغْرُبُ عَنْ ثِقَاتِ الْمَكِّيِّينَ وَالْمَدَنِيِّينَ ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : إِسْمَاعِيلُ ثِقَةٌ فِيمَا رَوَى عَنِ الشَّامِيِّينَ ، وَأَمَّا رِوَايَتُهُ عَنْ أَهْلِ الْحِجَازِ فَإِنَّ كِتَابَهُ ضَاعَ فَخَلَطَ فِي حِفْظِهِ عَنْهُمْ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : هُوَ لَيِّنٌ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَفَّ عَنْهُ إِلَّا أَبَا إِسْحَاقَ الْفَزَارِيَّ انْتَهَى .
بَاب مَا جَاءَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوصِ 2119 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ نَا أَبُو قَطَنٍ نَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ أَبِي أَوْفَى : أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا ، قُلْتُ : وكَيْفَ كُتِبَتْ الْوَصِيَّةُ وَكَيْفَ أَمَرَ النَّاسَ ؟ قَالَ : أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ تعالى . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ بَاب مَا جَاءَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوصِ قَوْلُهُ : ( عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ) بِمِيمٍ مَضْمُومَةٍ وَفَتْحِ صَادٍ وَكَسْرِ رَاءٍ مُشَدَّدَةٍ عَلَى الصَّوَابِ وَحُكِيَ فَتْحُهَا وَبِفَاءٍ كَذَا فِي الْمُغْنِي ، وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ هَذَا هُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ الْيَامِيُّ بِالتَّحْتَانِيَّةِ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ قَارِئٌ فَاضِلٌ مِنَ الْخَامِسَةِ . قَوْلُهُ : ( قُلْتُ لِابْنِ أَبِي أَوْفَى ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى عَلْقَمَةُ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَسْلَمِيُّ صَحَابِيٌّ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ وَعُمِّرَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَهْرًا ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِالْكُوفَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ لَا ) هَكَذَا أَطْلَقَ الْجَوَابَ وَكَأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ السُّؤَالَ وَقَعَ عَنْ وَصِيَّةٍ خَاصَّةٍ فَلِذَلِكَ سَاغَ نَفْيَهَا لَا أَنَّهُ أَرَادَ نَفْيَ الْوَصِيَّةِ مُطْلَقًا ، لِأَنَّهُ أَثْبَتَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ بِكِتَابِ اللَّهِ ( وَكَيْفَ كُتِبَتِ الْوَصِيَّةُ وَكَيْفَ أَمَرَ النَّاسَ ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ : كَيْفَ كَتَبَ عَلَى النَّاسِ الْوَصِيَّةَ أُمِرُوا بِهَا وَلَمْ يُوصِ ، وَبِذَلِكَ يَتِمُّ الِاعْتِرَاضُ ، أَيْ كَيْفَ يُؤْمَرُ الْمُسْلِمُونَ بِشَيْءٍ وَلَا يَفْعَلُهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : لَعَلَّ ابْنَ أَبِي أَوْفَى أَرَادَ لَمْ يُوصِ بِثُلُثِ مَالِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ بَعْدَهُ مَالًا وَأَمَّا الْأَرْضُ فَقَدْ سَلَبَهَا فِي حَيَاتِهِ ، وَأَمَّا السِّلَاحُ وَالْبَغْلَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَقَدْ أَخْبَرَ بِأَنَّهَا لَا تُورَثُ عَنْهُ بَلْ جَمِيعُ مَا يَخْلُفُهُ صَدَقَةٌ ، فَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يُوصِي بِهِ مِنَ الْجِهَةِ الْمَالِيَّةِ ، وَأَمَّا الْوَصَايَا بِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَمْ يُرِدِ ابْنُ أَبِي أَوْفَى نَفْيَهَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْفِيُّ وَصِيَّتَهُ إِلَى عَلِيٍّ بِالْخِلَافَةِ كَمَا وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ ذَكَرُوا عِنْدَهَا أَنَّ عَلِيًّا كَانَ وَصِيًّا فَقَالَتْ مَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ الْحَدِيثَ ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ حَدِيثَ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ بِلَفْظٍ يُزِيلُ الْإِشْكَالَ فَقَالَ : سُئِلَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى هَلْ أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : مَا تَرَكَ شَيْئًا يُوصِي فِيهِ ، قِيلَ : فَكَيْفَ أَمَرَ النَّاسَ بِالْوَصِيَّةِ وَلَمْ يُوصِ ؟ قَالَ : أَوْصَى بِكِتَاب ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : اسْتِبْعَادُ طَلْحَةَ وَاضِحٌ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ فَلَوْ أَرَادَ شَيْئًا بِعَيْنِهِ لَخَصَّهُ بِهِ ، فَاعْتَرَضَهُ بِأَنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْوَصِيَّةَ وَأُمِرُوا بِهَا فَكَيْفَ لَمْ يَفْعَلْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَأَجَابَهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَطْلَقَ فِي مَوْضِعِ التَّقْيِيدِ . ( أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ) أَيْ بِالتَّمَسُّكِ بِهِ وَالْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ ، وَلَعَلَّهُ أَشَارَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَمْ تَضِلُّوا كِتَابَ اللَّهِ ، وَأَمَّا مَا صَحَّ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ : لَا يَبْقَيْنَ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ ، وَفِي لَفْظٍ : أَخْرِجُوا الْيَهُودَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، وَقَوْلُهُ : أَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ بِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الرَّاوِي الثَّالِثَةَ ، وَكَذَا مَا ثَبَتَ فِي النَّسَائِيِّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ : الصَّلَاةُ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يُمْكِنُ حَصْرُهَا بِالتَّتَبُّعِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ ابْنَ أَبِي أَوْفَى لَمْ يُرِدْ نَفْيَهُ وَلَعَلَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِكِتَابِ اللَّهِ لِكَوْنِهِ أَعْظَمَ وَأَهَمَّ وَلِأَنَّ فِيهِ تِبْيَانَ كُلِّ شَيْءٍ إِمَّا بِطَرِيقِ النَّظَرِ وَإِمَّا بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ ، فَإِذَا اتَّبَعَ النَّاسُ مَا فِي الْكِتَابِ عَمِلُوا بِكُلِّ مَا أَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ الْآيَةَ ، أَوْ يَكُونُ لَمْ يَحْضُرْ شَيْئًا مِنْ الْوَصَايَا الْمَذْكُورَةِ أَوْ لَمْ يَسْتَحْضِرْهَا حَالَ قَوْلِهِ ، وَالْأَوْلَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِالنَّفْيِ الْوَصِيَّةَ بِالْخِلَافَةِ أَوْ بِالْمَالِ وَسَاغَ إِطْلَاقُ النَّفْيِ ، أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَبِقَرِينَةِ الْحَالِ ، وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَلِأَنَّهُ الْمُتَبَادِرُ عُرْفًا ، وَقَدْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوصِ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَرْقَمَ بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْهُ ، مَعَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ هُوَ الَّذِي رَوَى حَدِيثَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصَى بِثَلَاثٍ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْوَصَايَا وَفِي الْمَغَازِي وَفِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ فِي الْوَصَايَا .
بَاب مَا جَاءَ فِي الْحَثِّ عَلَى الْوَصِيَّةِ 2118 حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ نَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ وَلَهُ مَا يُوصِي فِيهِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ . بَاب مَا جَاءَ فِي الْحَثِّ عَلَى الْوَصِيَّةِ قَوْلُهُ : ( مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ) كَلِمَةُ ( مَا ) بِمَعْنَى لَيْسَ ( يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ ) جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ وَقَعَتْ صِفَةً أُخْرَى لِامْرِئٍ ( وَلَهُ مَا يُوصِي فِيهِ ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَيْ وَلَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ ( إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ ) مُسْتَثْنًى خَبَرُ لَيْسَ وَالْوَاوُ فِيهِ لِلْحَالِ قَالَهُ الْعَيْنِيُّ تَبَعًا لِلطِّيبِيِّ ، وَقَالَ الْحَافِظُ : قَوْلُهُ يَبِيتُ كَأَنَّ فِيهِ حَذْفًا ، تَقْدِيرُهُ أَن يَبِيتَ وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ الْآيَةَ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَبِيتُ صِفَةً لِمُسْلِمٍ وَبِهِ جَزَمَ الطِّيبِيُّ قَالَ هِيَ صِفَةٌ ثَانِيَةٌ انْتَهَى . قَالَ الْعَيْنِيُّ مُعْتَرِضًا عَلَيْهِ : هَذَا قِيَاسٌ فَاسِدٌ وَفِيهِ تَغْيِيرُ الْمَعْنَى أَيْضًا وَإِنَّمَا قَدَّرَ أَنَّ فِي قَوْلِهِ يُرِيكُمْ لِأَنَّهُ فِي مَوْضِعِ الِابْتِدَاءِ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ : وَمِنْ آيَاتِهِ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ ، وَالْفِعْلُ لَا يَقَعُ مُبْتَدَأً فَيُقَدَّرُ أَنَّ فِيهِ حَتَّى يَكُونَ فِي مَعْنَى الْمَصْدَرِ فَيَصِحُّ حِينَئِذٍ وُقُوعُهُ مُبْتَدَأً ، فَمَنْ لَهُ ذَوْقٌ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ يَفْهَمُ هَذَا وَيَعْلَمُ تَغْيِيرَ الْمَعْنَى فِيمَا قَالَ ، انْتَهَى . قُلْتُ : قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ : لَمْ يُجِبِ الْحَافِظُ عَنْ ذَلِكَ فِي انْتِقَاضِ الِاعْتِرَاضِ بِشَيْءٍ بَلْ بَيَّضَ لَهُ كَكَثِيرٍ مِنَ الِاعْتِرَاضَاتِ الَّتِي أَوْرَدَهَا الْعَيْنِيُّ عَلَيْهِ ، لَكِنْ يَدُلُّ لِمَا قَالَهُ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ حَيْثُ قَالَ فِيهَا : أَنْ يَبِيتَ ، فَصَرَّحَ بِأَنْ الْمَصْدَرِيَّةِ ، انْتَهَى . قُلْتُ : وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَيُّوبَ بِلَفْظِ : حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ لَا يَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ وَلَهُ مَا يُوصِي فِيهِ الْحَدِيثُ ، وَمَا رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ الْغَازِ ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ : لَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ الْحَدِيثُ ، فَقَوْلُ الْعَيْنِيِّ هَذَا قِيَاسٌ فَاسِدٌ وَفِيهِ تَغْيِيرُ الْمَعْنَى إِلَخْ لَيْسَ مِمَّا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ ، وَقَدْ قَالَ بِمَا قَالَ الْحَافِظُ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ فِي الْعُدَّةِ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ يَبِيتُ بِتَأْوِيلِهِ بِالْمَصْدَرِ تَقْدِيرَهُ مَا حَقُّهُ بَيْتُوتَتُهُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَهُوَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْمَصَابِيحِ : أَنْ يَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ ارْتَفَعَ بَعْدَ حَذْفِ أَنْ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ ، قَالَ الْحَافِظُ : قَوْلُهُ لَيْلَتَيْنِ كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي عَوَانَةَ ، وَالْبَيْهَقِيِّ يَبِيتُ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ ، وَالنَّسَائِيِّ يَبِيتُ ثَلَاثَ لَيَالٍ ، فَكَأَنَّ ذِكْرَ اللَّيْلَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ لِرَفْعِ الْحَرَجِ لِتَزَاحُمِ أَشْغَالِ الْمَرْءِ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِهَا فَفَسَحَ لَهُ هَذَا الْقَدْرَ لِيَتَذَكَّرَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ ، وَاخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ فِيهِ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ لِلتَّقْرِيبِ لَا التَّحْدِيدِ ، وَالْمَعْنَى لَا يَمْضِي عَلَيْهِ زَمَانٌ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى اغْتِفَارِ الزَّمَنِ الْيَسِيرِ ، وَكَأَنَّ الثَّلَاثَ غَايَةٌ لِلتَّأْخِيرِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي رِوَايَةِ سَالِمٍ : لَمْ أَبِتْ لَيْلَةً مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ذَلِكَ إِلَّا وَوَصِيَّتِي عِنْدِي انْتَهَى . قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : فِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْوَصِيَّةِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْأَمْرِ بِهَا لَكِنَّ مَذْهَبَنَا وَمَذْهَبَ الْجَمَاهِيرِ أَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ لَا وَاجِبَةٌ ، وَقَالَ دَاوُدُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ : هِيَ وَاجِبَةٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَا دَلَالَةَ لَهُمْ فِيهِ ، فَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِإِيجَابِهَا لَكِنْ إِنْ كَانَ عَلَى الْإِنْسَانِ دَيْنٌ أَوْ حَقٌّ أَوْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ وَنَحْوُهَا لَزِمَهُ الْإِيصَاءُ بِذَلِكَ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : مَعْنَى الْحَدِيثِ مَا الْحَزْمُ وَالِاحْتِيَاطُ لِلْمُسْلِمِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ وَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةً عِنْدَهُ وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهَا ، وَأَنْ يَكْتُبَهَا فِي صَحِيفَةٍ ، وَيُشْهِدَ عَلَيْهِ فِيهَا ، وَيَكْتُبَ فِيهَا مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ ، فَإِنْ تَجَدَّدَ لَهُ أَمْرٌ يَحْتَاجُ إِلَى الْوَصِيَّةِ بِهِ أَلْحَقَهُ بِهَا ، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ مَعْنَاهُ مَكْتُوبَةٌ وَقَدْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ بِهَا لَا أَنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْكِتَابَةِ بَلْ لَا يُعْمَلُ بِهَا وَلَا يَنْفَعُ إِلَّا إِذَا كَانَ أَشْهَدَ عَلَيْهِ بِهَا ، هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ . وَقَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا : يَكْفِي الْكِتَابُ مِنْ غَيْرِ إِشْهَادٍ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَابْنُ مَاجَهْ .
2132 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ قال : ثَنِي طَاوُسٌ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعَانِ الْحَدِيثَ قَالَ : لَا يَحِلُّ لرجُل أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا إِلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ وَمَثَلُ الَّذِي يُعْطِي الْعَطِيَّةَ ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا كَمَثَلِ الْكَلْبِ أَكَلَ حَتَّى إِذَا شَبِعَ قَاءَ ثُمَّ عَادَ فِي قَيْئِهِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحِلُّ لِمَنْ وَهَبَ هِبَةً أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا إِلَّا الْوَالِدَ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا أَعْطَى وَلَدَهُ وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ . تم الولاء والهبة . قَوْلُهُ : ( لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ إِلَخْ ) هَذَا ظَاهِرٌ فِي تَحْرِيمِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ مَجَازٌ عَنْ الْكَرَاهَةِ الشَّدِيدَةِ صَرْفٌ لَهُ عَنْ ظَاهِرِهِ ( ثُمَّ يَرْجِعَ ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى يُعْطِيَ ( فِيهَا ) أَيْ فِي عَطِيَّتِهِ ( إِلَّا الْوَالِدَ ) بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ ( فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ وَكَذَلِكَ الْأُمُّ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ إِلَّا أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ فَرَّقُوا بَيْنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ فَقَالُوا لِلْأُمِّ أَنْ تَرْجِعَ إِنْ كَانَ الْأَبُ حَيًّا دُونَ مَا إِذَا مَاتَ ، وَقَيَّدُوا رُجُوعَ الْأَبِ بِمَا إِذَا كَانَ الِابْنُ الْمَوْهُوبُ لَهُ لَمْ يَسْتَحْدِثْ دَيْنًا أَوْ يَنْكِحَ ، وَبِذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لِلْأَبِ الرُّجُوعُ مُطْلَقًا ، وَقَالَ أَحْمَدُ : لَا يَحِلُّ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ مُطْلَقًا ، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : إِنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ صَغِيرًا لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ الرُّجُوعُ وَكَذَا إِنْ كَانَ كَبِيرًا وَقَبَضَهَا ، قَالُوا : وَإِنْ كَانَتِ الْهِبَةُ لِزَوْجٍ مِنْ زَوْجَتِهِ ، أَوْ بِالْعَكْسِ أَوْ لِذِي رَحِمٍ لَمْ يَجُزِ الرُّجُوعُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَوَافَقَهُمْ إِسْحَاقُ فِي ذِي الرَّحِمِ وَقَالَ : لِلزَّوْجَةِ أَنْ تَرْجِعَ بِخِلَافِ الزَّوْجِ ، وَالِاحْتِجَاجُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ يَطُولُ . وَيُؤَيِّدُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْوَلَدَ وَمَالَهُ لِأَبِيهِ فَلَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ رُجُوعًا ، وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ رُجُوعًا فَرُبَّمَا اقْتَضَتْهُ مَصْلَحَةُ التَّأْدِيبِ وَنَحْوُ ذَلِكَ كَذَا فِي الْفَتْحِ ( وَمَثَلُ الَّذِي يُعْطِي الْعَطِيَّةَ ) أَيْ لِغَيْرِ وَلَدِهِ ( أَكَلَ ) أَيِ اسْتَمَرَّ عَلَى أكل شَيْءٍ ( حَتَّى إِذَا شَبِعَ ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ . قَوْلُهُ : ( قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحِلُّ لِمَنْ وَهَبَ هِبَةً أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا إِلَّا الْوَالِدَ إِلَخْ ) هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ ، وَاللَّهُ تعالى أَعْلَمُ .
بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ 2131 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، نَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ ، نَا حُسَيْنٌ الْمُكَتَّبُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَثَلُ الَّذِي يُعْطِي الْعَطِيَّةَ ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا كَالْكَلْبِ أَكَلَ حَتَّى إِذَا شَبِعَ قَاءَ ثُمَّ عَادَ فَرَجَعَ فِي قَيْئِهِ . وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو . بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ قَوْلُهُ : ( مَثَلُ الَّذِي يُعْطِي الْعَطِيَّةَ ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا إِلَخْ ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى تَحْرِيمِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ ، وَبَوَّبَ الْبُخَارِيُّ بَابَ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ وَصَدَقَتِهِ ، وَقَدِ اسْتَثْنَى الْجُمْهُورُ مَا يَأْتِي عَنِ الْهِبَةِ لِلْوَلَدِ وَنَحْوِهِ ، وَذَهَبَتِ الْهَدَوِيَّةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى حِلِّ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ دُونَ الصَّدَقَةِ إِلَّا الْهِبَةَ لِذِي رَحِمٍ ، قَالُوا وَالْحَدِيثُ الْمُرَادُ بِهِ التَّغْلِيظُ فِي الْكَرَاهَةِ ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ : قَوْلُهُ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ وَإِنِ اقْتَضَى التَّحْرِيمَ لَكِنَّ الزِّيَادَةَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ قَوْلُهُ كَالْكَلْبِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّحْرِيمِ ; لِأَنَّ الْكَلْبَ غَيْرُ مُتَعَبِّدٍ فَالْقَيْءُ لَيْسَ حَرَامًا عَلَيْهِ ، وَالْمُرَادُ التَّنَزُّهُ عَنْ فِعْلٍ يُشْبِهُ فِعْلَ الْكَلْبِ ، وَتُعُقِّبَ بِاسْتِبْعَادِ التَّأْوِيلِ وَمُنَافَرَةِ سِيَاقِ الْحَدِيثِ لَهُ ، وَعُرْفُ الشَّرْعِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ الزَّجْرُ الشَّدِيدُ ، كَمَا وَرَدَ النَّهْيُ فِي الصَّلَاةِ عَنْ إِقْعَاءِ الْكَلْبِ وَنَقْرِ الْغُرَابِ وَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ وَنَحْوِهِ ، وَلَا يُفْهَمُ مِنَ الْمَقَامِ إِلَّا التَّحْرِيمُ ، وَالتَّأْوِيلُ الْبَعِيدُ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورُ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) تَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُ آنِفًا ( وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ) أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
أبواب الْوَلَاءِ وَالْهِبَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاب مَا جَاءَ أَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ 2125 حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، نَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ فَاشْتَرَطُوا الْوَلَاءَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْطَى الثَّمَنَ ، أَوْ لِمَنْ وَلِيَ النِّعْمَةَ . وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ . ( أَبْوَابُ الْوَلَاءِ وَالْهِبَةِ إلخ ) الْوَلَاءُ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ حَقُّ مِيرَاثِ الْمُعْتِقِ بِالْكَسْرِ مِنَ الْمُعْتَقِ بِالْفَتْحِ . بَاب مَا جَاءَ أَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ قَوْلُهُ : ( الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْطَى الثَّمَنَ ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : لِمَنْ أَعْطَى الْوَرِقَ ، قَالَ الْحَافِظُ : أَيْ أَعْطَى الثَّمَنَ ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالْوَرِقِ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ ( أَوْ لِمَنْ وَلِيَ النِّعْمَةَ ) أَيْ نِعْمَتَ الْعِتْقِ . قَالَ الْحَافِظُ : مَعْنَى قَوْلِهِ : وَلِيَ النِّعْمَةَ ، أَعْتَقَ ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ : وَوَلِيَ النِّعْمَةَ بِوَاوِ الْعَطْفِ ، وَلَفْظَةُ أَوْ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ هَذِهِ لِلشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ مَنِ اشْتَرَى الْعَبْدَ وَأَعْتَقَهُ فَوَلَاؤُهُ لَهُ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : هَذَا الْحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنَّ الْوَلَاءَ لِكُلِّ مُعْتَقٍ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، قَوْلُهُ : ( وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ . قَوْلُهُ : ( وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ) قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : قَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ثُبُوتِ الْوَلَاءِ لِمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ عَنْ نَفْسِهِ وَأَنَّهُ يَرِثُ بِهِ وَأَمَّا الْعَتِيقُ فَلَا يَرِثُ سَيِّدَهُ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ يَرِثُهُ كَعَكْسِهِ ، انْتَهَى .
بَاب النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ 2126 حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ، سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وهِبَتِهِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، وَيُرْوَى عَنْ شُعْبَةَ قَالَ : لَوَدِدْتُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ دِينَارٍ حِينَ يحَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَذِنَ لِي حَتَّى كُنْتُ أَقُومُ إِلَيْهِ فَأُقَبِّلُ رَأْسَهُ وَرَوَى يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ وَهْمٌ وَهِمَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ وَالصَّحِيحُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، هَكَذَا رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَتَفَرَّدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ . بَاب النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ قَوْلُهُ : ( نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وهِبَتِهِ ) تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي بَابِ كَرَاهِيَةِ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ مِنْ أَبْوَابِ الْبُيُوعِ وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ شَرْحُهُ . قَوْلُهُ : ( وَيُرْوَى عَنْ شُعْبَةَ قَالَ : لَوَدِدْتُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ دِينَارٍ حِينَ يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَذِنَ لِي إِلَخْ ) الظَّاهِرُ أَنَّ سَبَبَ وُدِّهِ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَدِ اشْتَهَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ حَتَّى قَالَ مُسْلِمٌ لَمَّا أَخْرَجَهُ فِي صَحِيحِهِ : النَّاسُ كُلُّهُمْ عِيَالٌ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، انْتَهَى . وَقَدِ اعْتَنَى أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ بِجَمِيعِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، فَأَوْرَدَهُ عَنْ خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ نَفْسًا مِمَّنْ حَدَّثَ بِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ( وَرَوَى يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ) وَصَلَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ فَقَدْ تَابَعَهُ أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ كِلَاهُمَا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِهِمَا ، لَكِنْ قَرَنَ كُلٌّ مِنْهُمَا نَافِعًا بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ كَذَا فِي الْفَتْحِ .
بَاب مَا جَاءَ فِي مَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ أَوْ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ 2127 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، ثنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : خَطَبَنَا عَلِيٌّ فَقَالَ : مَنْ زَعَمَ أَنَّ عِنْدَنَا شَيْئًا نَقْرَؤُهُ إِلَّا كِتَابَ اللَّهِ وَهَذِهِ الصَّحِيفَةَ ، صَحِيفَةٌ فِيهَا أَسْنَانُ الْإِبِلِ وَأَشْيَاءٌ مِنْ الْجِرَاحَاتِ ، فَقَدْ كَذَبَ ، وَقَالَ فِيهَا : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا وَمَنْ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ ، وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ ، عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ . وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ عَلِيٍّ . بَاب مَا جَاءَ فِي مَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ أَوْ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ قَوْلُهُ : ( مَنْ زَعَمَ أَنَّ عِنْدَنَا شَيْئًا نَقْرَؤُهُ إِلَّا كِتَابَ اللَّهِ وَهَذِهِ الصَّحِيفَةَ ) أَيْ غَيْرَهُمَا ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ وَهَذِهِ الصَّحِيفَةُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا تَصْرِيحٌ مِنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِإِبْطَالِ مَا تَزْعُمُهُ الرَّافِضَةُ وَالشِّيعَةُ وَيَخْتَرِعُونَهُ مِنْ قَوْلِهِمْ : إِنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَوْصَى إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ مِنْ أَسْرَارِ الْعِلْمِ ، وَقَوَاعِدِ الدِّينِ وَكُنُوزِ الشَّرِيعَةِ ، وَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَصَّ أَهْلَ الْبَيْتِ بِمَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ غَيْرُهُمْ ، وَهَذِهِ دَعَاوَى بَاطِلَةٌ وَاخْتِرَاعَاتٌ فَاسِدَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا ، وَيَكْفِي فِي إِبْطَالِهَا قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذَا ، انْتَهَى . ( صَحِيفَةٌ ) بَدَلٌ مِنْ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ ( فِيهَا أَسْنَانُ الْإِبِلِ ) أَيْ بَيَانُ أَسْنَانِهَا ( وَأَشْيَاءُ مِنَ الْجِرَاحَاتِ ) أَيْ مِنْ أَحْكَامِهَا ( فَقَدْ كَذَبَ ) خَبَرٌ لِقَوْلِهِ مَنْ زَعَمَ ( وَقَالَ ) أَيْ عَلِيٌّ ( فِيهَا ) أَيْ فِي الصَّحِيفَةِ ( الْمَدِينَةُ حَرَمٌ ) بِفَتْحَتَيْنِ ( مَا بَيْنَ عَيْرٍ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتَ ، جَبَلٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ ( إِلَى ثَوْرٍ ) بِفَتْحِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ : ثَوْرٌ جَبَلٌ بِالْمَدِينَةِ ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ : الْمَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ ، وَأَمَّا قَوْلُ عُبَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَكَابِرِ الْأَعْلَامِ : إِنَّ هَذَا تَصْحِيفٌ ، وَالصَّوَابُ إِلَى أُحُدٍ ; لِأَنَّ ثَوْرًا إِنَّمَا هُوَ بِمَكَّةَ فَغَيْرُ جَيِّدٍ لِمَا أَخْبَرَنِي الشُّجَاعُ الْبَعْلِيُّ الشَّيْخُ الزَّاهِدُ عَنِ الْحَافِظِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ السَّلَامِ الْبَصْرِيِّ : أَنَّ حِذَاءَ أُحُدٍ جَانِحًا إِلَى وَرَائِهِ جَبَلٌ صَغِيرٌ يُقَالُ لَهُ ثَوْرٌ وَتَكَرَّرَ سُؤَالِي عَنْهُ طَوَائِفَ مِنَ الْعَرَبِ الْعَارِفِينَ بِتِلْكَ الْأَرْضِ فَكُلٌّ أَخْبَرَ أَنَّ اسْمَهُ ثَوْرٌ ، وَلَمَّا كَتَبَ إِلَى الشَّيْخِ عَفِيفِ الدِّينِ الْمَطَرِيِّ عَنْ وَالِدِهِ الْحَافِظِ الثِّقَةِ قَالَ : إِنَّ خَلْفَ أُحُدٍ عَنْ شِمَالَيْهِ جَبَلًا صَغِيرًا مُدَوَّرًا يُسَمَّى ثَوْرًا يَعْرِفُهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ انْتَهَى مَا فِي الْقَامُوسِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي الْأَحْكَامِ بَعْدَ حِكَايَةِ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدٍ وَمَنْ تَبِعَهُ : قَدْ أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ الْعَالِمُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ السَّلَامِ الْبَصْرِيُّ أَنَّ حِذَاءَ أُحُدٍ عَنْ يَسَارِهِ جَانِحًا إِلَى وَرَائِهِ جَبَلٌ صَغِيرٌ ، فَذَكَرَ مِثْلَ مَا فِي الْقَامُوسِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ للْمَدِينَةَ حَرَما كَحَرَمِ مَكَّةَ ، وَفِي هَذَا أَحَادِيثُ عَدِيدَةٌ مَرْوِيَّةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَذَكَرَهَا صَاحِبُ الْمُنْتَقَى قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : اسْتَدَلَّ بِمَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنْ تَحْرِيمِ شَجَرِ الْمَدِينَةِ وَخَبْطِهِ وَعَضُدِهِ وَتَحْرِيمِ صَيْدِهَا وَتَنْفِيرِهِ ـ الشَّافِعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَالْهَادِي وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ لِلْمَدِينَةِ حَرَمًا كَحَرَمِ مَكَّةَ يَحْرُمُ صَيْدُهُ وَشَجَرُهُ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَمَالِكٌ : فَإِنْ قَتَلَ صَيْدًا أَوْ قَطَعَ شَجَرًا فَلَا ضَمَانَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلنُّسُكِ فَأَشْبَهَ الْحِمَى ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى : يَجِبُ فِيهِ الْجَزَاءُ كَحَرَمِ مَكَّةَ ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ : كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَالنَّاصِرُ إِلَى أَنَّ حَرَمَ الْمَدِينَةِ لَيْسَ بِحَرَمٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَلَا تَثْبُتُ لَهُ الْأَحْكَامُ مِنْ تَحْرِيمِ قَتْلِ الصَّيْدِ وَقَطْعِ الشَّجَرِ وَالْأَحَادِيثُ تَرُدُّ عَلَيْهِمْ ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ : يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ . وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ أَوْ أَنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْحِلِّ ، انْتَهَى . ( فَمَنْ أَحْدَثَ ) أَيْ أَظْهَرَ ( فيها ) أي فِي الْمَدِينَةِ ( حَدَثًا ) بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ الْأَمْرُ الْحَادِثُ الْمُنْكَرُ الَّذِي لَيْسَ بمعتاد وَلَا مَعْرُوفٌ فِي السُّنَّةِ ( أَوْ آوَى ) بِالْمَدِّ وَيُقْصَرُ ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ : أَوَى وآوَى بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَالْمَقْصُور مِنْهُمَا لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ ، يُقَالُ : أَوَيْتُ إِلَى الْمَنْزِلِ وَأَوَيْتُ غَيْرِي وَأَوَيْتُهُ ، وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمُ الْمَقْصُورَ الْمُتَعَدِّيَ ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : هِيَ لُغَةٌ فَصِيحَةٌ ، مُحْدِثًا ، بِكَسْرِ الدَّالِ وَفَتْحِهَا عَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ ، فَمَعْنَى الْكَسْرِ مَنْ نَصَرَ جَانِيًا وَآوَاهُ وَأَجَارَهُ مِنْ خَصْمِهِ وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ ، وَمَعْنَى الْفَتْحِ هُوَ الْأَمْرُ الْمُبْتَدَعُ نَفْسُهُ وَيَكُونُ مَعْنَى الْإِيوَاءِ فِيهِ الرضى بِهِ وَالصَّبْرَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ إِذَا رَضِيَ بِبِدْعَتِهِ وَأَقَرَّ فَاعِلَهُ عَلَيْهَا وَلَمْ يُنْكِرْهَا فَقَدْ آوَاهُ ، قَالَهُ الْعَيْنِيُّ ، وَقَالَ الْقَارِي : بِكَسْرِ الدَّالِ عَلَى الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ أَيْ مُبْتَدِعًا ، وَقِيلَ : أَيْ جَانِيا إِلَى آخِرِ مَا قَالَهُ الْعَيْنِيُّ ( فَعَلَيْهِ ) أَيْ فَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا ( لَعْنَةُ اللَّهِ ) أَيْ طَرْدُهُ وَإِبْعَادُهُ ، قَالَ عِيَاضٌ : اسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الْحَدَثَ فِي الْمَدِينَةِ مِنَ الْكَبَائِرِ ، وَالْمُرَادُ بِلَعْنَةِ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ الْمُبَالَغَةُ فِي الْإِبْعَادِ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ، قَالَ : وَالْمُرَادُ بِاللَّعْنِ هُنَا الْعَذَابُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ عَلَى ذَنْبِهِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ وَلَيْسَ هُوَ كَلَعْنِ الْكَافِرِ ( وَالْمَلَائِكَةِ ) أَيْ دُعَاؤُهُمْ عَلَيْهِ بِالْبُعْدِ عَنْ رَحْمَتِهِ ( وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) أَيْ مِنْ هَذَا الْحَدَثِ وَالْمُؤَدِّي أَوْ هُمَا دَاخِلَانِ أَيْضًا لِأَنَّهُمَا مِمَّنْ يَقُولَ : أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ، وَالظُّلْمُ هُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ . ( لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِمَا ، وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِهِمَا : فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ الصَّرْفُ الْفَرِيضَةُ وَالْعَدْلُ النَّافِلَةُ ، وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الثَّوْرِيِّ وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ بِالْعَكْسِ ، وَعَنِ الْأَصْمَعِيِّ : الصَّرْفُ التَّوْبَةُ ، وَالْعَدْلُ الْفِدْيَةُ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ، قَالَ عِيَاضٌ : مَعْنَاهُ لَا يُقْبَلُ قَبُولَ رِضًا وَإِنْ قُبِلَ قَبُولَ جَزَاءٍ ، وَقِيلَ : يَكُونُ الْقَبُولُ هُنَا بِمَعْنَى تَكْفِيرِ الذَّنْبِ بِهِمَا ، وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَى الْفِدْيَةِ أَنَّهُ لَا يَجِدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِدًى يَفْتَدِي به بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنَ الْمُذْنِبِينَ بِأَنْ يَفْدِيَهُ مِنَ النَّارِ بِيَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ . ( وَمَنِ ادَّعَى ) أَيِ انْتَسَبَ ( أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ ) بِأَنْ يَقُولَ عَتِيقٌ لِغَيْرِ مُعْتِقِهِ : أَنْتَ مَوْلَايَ وَلَكَ وَلَائِي ، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ وَلَاءَ الْعِتْقِ لِعَطْفِهِ عَلَى قَوْلِهِ : مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِالْوَعِيدِ فَإِنَّ الْعِتْقَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ فَإِذَا نُسِبَ إِلَى غَيْرِ مَنْ هُوَ لَهُ كَانَ كَالدَّعِيِّ الَّذِي تَبَرَّأَ عَمَّنْ هُوَ مِنْهُ وَأَلْحَقَ نَفْسَهُ بِغَيْرِهِ فَيَسْتَحِقُّ بِهِ الدُّعَاءَ عَلَيْهِ بِالطَّرْدِ وَالْإِبْعَادِ عَنِ الرَّحْمَةِ ، انْتَهَى . وَهَذَا صَرِيحٌ فِي غِلَظِ تَحْرِيمِ انْتِمَاءِ الْإِنْسَانِ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ ، أَوِ انْتِمَاءِ الْعَتِيقِ إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ لِمَا فِيهِ مِنْ كُفْرِ النِّعْمَةِ وَتَضْيِيعِ حُقُوقِ الْإِرْثِ وَالْوَلَاءِ وَالْعَقْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَالْعُقُوقِ ( وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ ) أَيْ عَهْدُهُمْ وَأَمَانُهُمْ ( وَاحِدَةٌ ) أَيْ أَنَّهَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَرَاتِبِ وَلَا يَجُوزُ نَقْضُهَا لِتَفَرُّدِ الْعَاقِدِ بِهَا ( يَسْعَى بِهَا ) أَيْ يَتَوَلَّاهَا وَيَلِي أَمْرَهَا ( أَدْنَاهُمْ ) أَيْ أَدْنَى الْمُسْلِمِينَ مَرْتَبَةً ، والْمَعْنَى أَنَّ ذِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ سَوَاءٌ صَدَرَتْ مِنْ وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ شَرِيفٍ أَوْ وَضِيعٍ ، فَإِذَا أَمَّنَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَافِرًا وَأَعْطَاهُ ذِمَّةً لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ نَقْضُهُ ، فَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْحَجِّ وَفِي الْجِزْيَةِ وَفِي الْفَرَائِضِ وَفِي الِاعْتِصَامِ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الْحَجِّ ( وَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ ، عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي الْحَجِّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ الْحَافِظُ : هَذِهِ رِوَايَةُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الْأَعْمَشِ عَنْهُ ، وَخَالَفَهُمْ شُعْبَةُ فَرَوَاهُ عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنِ الْحَارِثِ بن سُوَيْدٍ ، عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ : وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ الثَّوْرِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَنْتَفِي مِنْ وَلَدِهِ 2128 حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ الْعَطَّارُ ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ قَالَا : نَا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ مِنْ فَزَارَةَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ ، فَقَالَ له النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَمَا أَلْوَانُهَا ؟ قَالَ : حُمْرٌ ، قَالَ : فَهَلْ فِيهَا أَوْرَقُ ؟ قَالَ : نَعَمْ إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا ، قَالَ : أَنَّى أَتَاهَا ذَلِكَ ؟ قَالَ : لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَهَا ، قَالَ : فَهَذَا لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَهُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَنْتَفِي مِنْ وَلَدِهِ ) أَيْ بِالتَّعْرِيضِ ، وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ فِي الطَّلَاقِ عَلَى حَدِيثِ الْبَابِ إِذَا عَرَّضَ بِنَفْيِ الْوَلَدِ . قَوْلُهُ : ( جَاءَ رَجُلٌ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَاسْمُ هَذَا الْأَعْرَابِيِّ ضَمْضَمُ بْنُ قَتَادَةَ ( إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ ) زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ : وَإِنِّي أَنْكَرْتُهُ أَيِ اسْتَنْكَرْتُهُ بِقَلْبِي وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ أَنْكَرَ كَوْنَهُ ابْنَهُ بِلِسَانِهِ ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِمُسْلِمٍ وَهُوَ حِينَئِذٍ يَعْرِضُ بِأَنْ يَنْفِيَهُ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ التَّعْرِيضَ بِالْقَذْفِ لَيْسَ قَذْفًا وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ ، وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِذَلِكَ ، وَعَنِ الْمَالِكِيَّةِ : يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ إِذَا كَانَ مَفْهُومًا ، وَأَجَابُوا عَنِ الْحَدِيثِ أَنَّ التَّعْرِيضَ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْقَذْفُ عِنْدَهُمْ هُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْقَذْفُ كَمَا يُفْهَمُ مِنَ التَّصْرِيحِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِدَفْعِ ذَلِكَ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَمْ يُرِدْ قَذْفًا بَلْ جَاءَ سَائِلًا مُسْتَفْتِيًا عَنِ الْحُكْمِ لِمَا وَقَعَ لَهُ مِنَ الرِّيبَةِ ، فَلَمَّا ضَرَبَ لَهُ الْمَثَلَ أَذْعَنَ ، كَذَا فِي الْفَتْحِ . ( قَالَ حُمْرٌ ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ جَمْعُ أَحْمَرَ ( فَهَلْ فِيهَا أَوْرَقُ ) قَالَ الْحَافِظُ : الْأَوْرَقُ الَّذِي فِيهِ سَوَادٌ لَيْسَ بِحَالِكٍ بَلْ يَمِيلُ إِلَى الْغَبَرَةِ وَمِنْهُ قِيلَ لِلْحَمَامَةِ وَرْقَاءُ ( إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ جَمْعُ أَوْرَقَ ( أَنَّى أَتَاهَا ذَلِكَ ) أَيْ مِنْ أَيْنَ أَتَاهَا اللَّوْنُ الَّذِي خَالَفَهَا هَلْ هُوَ بِسَبَبِ فَحْلٍ مِنْ غَيْرِ لَوْنِهَا طَرَأَ عَلَيْهَا أَوْ لِأَمْرٍ آخَرَ ( لَعَلَّ عِرْقًا ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ ( نَزَعَهَا ) الْمَعْنَى يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي أُصُولِهَا مَنْ هُوَ بِاللَّوْنِ الْمَذْكُورِ فَاجْتَذَبَهُ إِلَيْهِ فَجَاءَ عَلَى لَوْنِهِ ، وَالْمُرَادُ بِالْعِرْقِ الْأَصْلُ مِنَ النَّسَبِ شَبَّهَهُ بِعِرْقِ الشَّجَرَةِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ : فُلَانٌ عَرِيقٌ فِي الْأَصَالَةِ ، أَيْ إِنَّ أَصْلَهُ مُتَنَاسِبٌ وَكَذَا مُعْرِقٌ فِي الْكَرَمِ أَوِ اللُّؤْمِ ، وَأَصْلُ النَّزْعِ الْجَذْبُ وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْمَيْلِ ( قَالَ فَهَذَا ) أَيِ الْغُلَامُ الْأَسْوَدُ ( لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَهُ ) أَيْ لَعَلَّهُ فِي أُصُولِكَ أَوْ فِي أُصُولِ امْرَأَتِكَ مَنْ يَكُونُ فِي لَوْنِهِ أَسْوَدُ فَأَشْبَهَهُ وَاجْتَذَبَهُ إِلَيْهِ وَأَظْهَرَ لَوْنَهُ عَلَيْهِ ، زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ : لَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي الِانْتِفَاءِ مِنْهُ ، قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِنَّ الْوَلَدَ يَلْحَقُ الزَّوْجَ وَإِنْ خَالَفَ لَوْنُهُ لَوْنَهُ حَتَّى لَوْ كَانَ الْأَبُ أَبْيَضَ وَالْوَلَدُ أَسْوَدَ أَوْ عَكْسَهُ لَحِقَهُ ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ نَفْيُهُ بِمُجَرَّدِ الْمُخَالَفَةِ فِي اللَّوْنِ ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الزَّوْجَانِ أَبْيَضَيْنِ فَجَاءَ الْوَلَدُ أَسْوَدَ أو عَكْسُهُ ، الِاحْتِمَالُ أَنَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ مِنْ أَسْلَافِهِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الْقَافَةِ 2129 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا اللَّيْثُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ فَقَالَ : أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَقَالَ : هَذِهِ الْأَقْدَامُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رَوَى سفيان بْنُ عُيَيْنَةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ وَزَادَ فِيهِ : أَلَمْ تَرَي أَنَّ مُجَزِّزًا مَرَّ عَلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وقَدْ غَطَّيَا رُؤوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا فَقَالَ : إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ، هَكَذَا حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ وَقَدْ احْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي إِقَامَةِ أَمْرِ الْقَافَةِ . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقَافَةِ ) : جَمْعُ قَائِفٍ ، قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : الْقَائِفُ الَّذِي يَتَتَبَّعُ الْآثَارَ وَيَعْرِفُهَا وَيَعْرِفُ شَبَهَ الرَّجُلِ بِأَخِيهِ وَأَبِيهِ ، وَالْجَمْعُ الْقَافَةُ ، يُقَالُ : فُلَانٌ يَقُوفُ الْأَثَرَ وَيَقْتَافُهُ قِيَافَةً ، مِثْلُ قَفَا الْأَثَرَ وَاقْتَفَاهُ انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( دَخَلَ عَلَيْهَا مَسْرُورًا ) أَيْ فَرْحَانًا ( تَبْرُقُ ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ ، أَيْ تُضِيءُ وَتَسْتَنِيرُ مِنَ السُّرُورِ وَالْفَرَحِ ( أَسَارِيرُ وَجْهِهِ ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْأَسَارِيرُ الْخُطُوطُ الَّتِي تَجْتَمِعُ فِي الْجَبْهَةِ وَتَتَكَسَّرُ وَاحِدُهَا سُرٌّ أَوْ سُرَرٌ ، وَجَمْعُهَا أَسْرَارٌ وَأَسِرَّةٌ ، وَجَمْعُ الْجَمْعِ أَسَارِيرُ انْتَهَى ( أَلَمْ تَرَيْ ) بِحَذْفِ النُّونِ أَيْ أَلَمْ تَعْلَمِي يَعْنِي هَذَا مِمَّا يَتَعَيَّنُ أَنْ تَعْلَمِي فَاعْلَمِي ( أن مُجَزِّزًا ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الزَّايِ الثَّقِيلَةِ ، وَحُكِيَ فَتْحُهَا وَبَعْدَهَا زَايٌ أُخْرَى ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ثُمَّ زَايٍ وَهُوَ ابْنُ الْأَعْوَرِ بْنُ جَعْدَةَ الْمُدْلِجِيُّ نِسْبَةً إِلَى مُدْلِجِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ كِنَانَةَ وَكَانَتِ الْقِيَافَةُ فِيهِمْ وَفِي بَنِي أَسَدٍ وَالْعَرَبُ تَعْتَرِفُ لَهُمْ بِذَلِكَ وَلَيْسَ ذَلِكَ خَاصًّا بِهِمْ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَقَدْ أَخْرَجَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ فِي الْفَرَائِضِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ قَائِفًا أَوْرَدَهُ فِي قِصَّتِهِ ، وَعُمَرُ قُرَشِيٌّ لَيْسَ مُدْلِجِيًّا وَلَا أَسَدِيًّا لَا أَسَدَ قُرَيْشٍ وَلَا أَسَدَ خُزَيْمَةَ ، وَكَانَ مُجَزِّزًا عَارِفًا بِالْقِيَافَةِ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ فِيمَنْ شَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ وَقَالَ : لَا أَعْلَمُ لَهُ رِوَايَةً كَذَا فِي الْفَتْحِ . ( نَظَرَ آنِفًا ) بِالْمَدِّ وَيَجُوزُ الْقَصْرُ أَيْ قَرِيبًا أَوْ أَقْرَبَ وَقْتٍ ( فَقَالَ ) أَيْ مُجَزِّزٌ الْمُدْلِجِيُّ ( هَذِهِ الْأَقْدَامُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ) قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَكَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَقْدَحُ فِي نَسَبِ أُسَامَةَ لِكَوْنِهِ أَسْوَدَ شَدِيدَ السَّوَادِ وَكَانَ زَيْدٌ أَبْيَضَ ، كَذَا قَالَهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ ، فَلَمَّا قَضَى هَذَا الْقَائِفُ بِإِلْحَاقِ نَسَبِهِ مَعَ اخْتِلَافِ اللَّوْنِ وَكَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَعْتَمِدُ قَوْلَ الْقَائِفِ فَرِحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَوْنِهِ زَاجِرًا لَهُمْ عَنِ الطَّعْنِ فِي النَّسَبِ ، قَالَ الْقَاضِي : قَالَ غَيْرُ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ ، كَانَ زَيْدٌ أَزْهَرَ اللَّوْنِ وَأُمُّ أُسَامَةَ هِيَ أُمُّ أَيْمَنَ وَاسْمُهَا بَرَكَةٌ وَكَانَتْ حَبَشِيَّةً سَوْدَاءَ انْتَهَى ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : قَالَ عِيَاضٌ : لَوْ صَحَّ أَنَّ أُمَّ أَيْمَنَ كَانَتْ سَوْدَاءَ لَمْ يُنْكِرُوا سَوَادَ ابْنِهَا أُسَامَةَ لِأَنَّ السَّوْدَاءَ قَدْ تَلِدُ مِنَ الْأَبْيَضِ أَسْوَدَ ، قَالَ الْحَافِظُ : يُحْتَمَلُ أَنَّهَا كَانَتْ صَافِيَةً فَجَاءَ أُسَامَةُ شَدِيدَ السَّوَادِ فَوَقَعَ الْإِنْكَارُ لِذَلِكَ انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمَنَاقِبِ وَالْفَرَائِضِ ، وَمُسْلِمٌ فِي النِّكَاحِ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الطَّلَاقِ . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ غَطَّيَا ) مِنَ التَّغْطِيَةِ أَيْ سَتَرَا ( رُؤوسَهُمَا ) أَيْ بِقَطِيفَةٍ كَمَا فِي رِوَايَةٍ ( وَبَدَتْ ) أَيْ ظَهَرَتْ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَفِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ دَفْعُ تَوَهُّمِ مَنْ يَقُولُ لَعَلَّهُ حَابَاهُمَا بِذَلِكَ لِمَا عَرَفَ مِنْ كَوْنِهِمْ كَانُوا يَطْعَنُونَ فِي أُسَامَةَ انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي إِقَامَةِ أَمْرِ الْقَافَةِ ) قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي الْعُمْدَةِ : فِي الْحَدِيثِ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ بِالْقَافَةِ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ عُمَرَ ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : الْحُكْمُ بِهَا بَاطِلٌ لِأَنَّهَا حَدْسٌ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الشَّرِيعَةِ ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ حُجَّةٌ فِي إِثْبَاتِ الْحُكْمِ بِهَا ; لِأَنَّ أُسَامَةَ قَدْ كَانَ ثَبَتَ نَسَبُهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَمْ يَحْتَجِ الشَّارِعُ فِي إِثْبَاتِ ذَلِكَ إِلَى قَوْلِ أَحَدٍ ، وَإِنَّمَا تَعَجَّبَ مِنْ إِصَابَةِ مُجَزِّزٍ ، كَمَا يَتَعَجَّبُ مِنْ ظَنِّ الرَّجُلِ الَّذِي يُصِيبُ ظَنُّهُ حَقِيقَةَ الشَّيْءِ الَّذِي ظَنَّهُ وَلَا يَجِبُ الْحُكْمُ بِذَلِكَ ، وَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَاطَ بِذَلِكَ إِثْبَاتَ مَا لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ انْتَهَى ، وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ ( ص 214 - ج 6 ) : وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ حَدِيثَ مُجَزِّزٍ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَعْرِفُ الْقَائِفُ بِزَعْمِهِ أَنَّ هَذَا الشَّخْصَ مِنْ مَاءِ ذَاكَ لَا أَنَّهُ طَرِيقٌ شَرْعِيٌّ فَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِالشَّرْعِ ، فَيُجَابُ بِأَنَّ فِي اسْتِبْشَارِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ التَّقْرِيرِ مَا لَا يُخَالِفُ فِيهِ مُخَالِفٌ ، وَلَوْ كَانَ مِثْلُ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي الشَّرْعِ لَقَالَ لَهُ إِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ، لَا يُقَالُ إِنَّ أُسَامَةَ قَدْ ثَبَتَ فِرَاشُ أَبِيهِ شَرْعًا وَإِنَّمَا لَمَّا وَقَعَتِ الْقَالَةُ بِسَبَبِ اخْتِلَافِ اللَّوْنِ وَكَانَ قَوْلُ الْمُدْلِجِيَّ الْمَذْكُورُ دَافِعًا لَهَا لِاعْتِقَادِهِمْ فِيهِ الْإِصَابَةُ وَصِدْقُ الْمَعْرِفَةِ اسْتَبْشَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ ، فَلَا يَصِحُّ التَّعَلُّقُ بِمِثْلِ هَذَا التَّقْرِيرِ عَلَى إِثْبَاتِ أَصْلِ النَّسَبِ لِأَنَّا نَقُولُ لَوْ كَانَتِ الْقَافَةُ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهَا إِلَّا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ مَعَ مِثْلِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَالُوا مَقَالَةَ السُّوءِ لَمَا قَرَّرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَوْلِهِ : هَذِهِ الْأَقْدَامُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ، وَهُوَ فِي قُوَّةِ هَذَا ابْنُ هَذَا ، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ تَقْرِيرٌ لِلْإِلْحَاقِ بِالْقَافَةِ مُطْلَقًا لَا إِلْزَامٌ لِلْخَصْمِ بِمَا يَعْتَقِدُهُ ، وَلَا سِيَّمَا والنَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ إِنْكَارُ كَوْنِهَا طَرِيقًا يَثْبُتُ بِهَا النَّسَبُ حَتَّى يَكُونَ تَقْرِيرُهُ لِذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّقْرِيرِ عَلَى مَعْنَى كَافِرٍ إِلَى كُنْيَةٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا عُرِفَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْكَارُهُ قَبْلَ السُّكُوتِ عَنْهُ ، وَقَدْ أَطَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَيِّمِ الْكَلَامَ فِي إثبات الْحُكْمِ بِالْقَافَةِ فِي زَادِ الْمَعَادِ ، وَقَالَ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ : قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عُمَرَ فِي امْرَأَةٍ وَطِئَهَا رَجُلَانِ فِي طُهْرٍ ، فَقَالَ الْقَائِفُ : قَدِ اشْتَرَكَا فِيهِ جَمِيعًا فَجَعَلَهُ بَيْنَهُمَا ، قَالَ الشَّعْبِيُّ : وَعَلِيٌّ يَقُولُ هُوَ ابْنُهُمَا وَهُمَا أَبَوَاهُ يَرِثَانِهِ ، ذَكَرَهُ سَعِيدٌ أَيْضًا ، وَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا فِي طُهْرِ امْرَأَةٍ فَحَمَلَتْ فَوَلَدَتْ غُلَامًا يُشْبِهُهُمَا ، فَرَفَعَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَدَعَا الْقَافَةَ فَنَظَرُوا فَقَالُوا نَرَاهُ يُشْبِهُهُمَا فَأَلْحَقَهُ بِهِمَا وَجَعَلَهُ يَرِثُهُمَا وَيَرِثَانِهِ ، وَلَا يُعْرَفُ قَطُّ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ خَالَفَ عُمَرَ ، وَعَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي ذَلِكَ ، بَلْ حَكَمَ عُمَرُ بِهَذَا فِي الْمَدِينَةِ وَبِحَضْرَةِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَلَمْ يُنْكِره مِنْهُمْ مُنْكِرٌ .
بَاب ما جاء فِي حَثِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الهدية 2130 حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ مَرْوَانَ الْبَصْرِيُّ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ نَا أَبُو مَعْشَرٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ ، وَلَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ شِقَّ فِرْسِنِ شَاةٍ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَأَبُو مَعْشَرٍ اسْمُهُ نَجِيحٌ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي حَثِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْهَدِيَّةِ ) كَغَنِيَّةِ مَا أُتْحِفَ بِهِ ، قَوْلُهُ : ( ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ ) بِفَتْحِ السِّينِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ ، وَالِدُ السُّدُوسِيِّ الْعَنْبَرِيُّ أَبُو الْخَطَّابِ الْبَصْرِيُّ الْمَكْفُوفُ صَدُوقٌ رُمِيَ بِالْقَدَرِ مِنَ التَّاسِعَةِ ( عَنْ سَعِيدٍ ) هُوَ ابْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ . قَوْلُهُ : ( تَهَادَوْا ) بِفَتْحِ الدَّالِ أَمْرٌ مِنَ التَّهَادِي بِمَعْنَى الْمُهَادَاةِ ، أَيْ لِيُعْطِ الْهَدِيَّةَ وَيُرْسِلُهَا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ ( فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ غِشَّهُ وَوَسَاوِسَهُ ، وَقِيلَ الْحِقْدُ وَالْغَيْظُ ، وَقِيلَ الْعَدَاوَةُ ، وَقِيلَ أَشَدُّ الْغَضَبِ ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ ( وَلَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا ) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ لِجَارَتِهَا مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ ، أَيْ لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ هَدِيَّةً مُهْدَاةً لِجَارَتِهَا ( وَلَوْ شِقَّ فِرْسِنِ شَاةٍ ) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ، أَيْ نَصِيفَهُ أَوْ بَعْضَهُ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ، وَالْفِرْسِنُ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ نُونٌ هُوَ عَظْمٌ قَلِيلُ اللَّحْمِ ، وَهُوَ لِلْبَعِيرِ مَوْضِعُ الْحَافِرِ لِلْفَرَسِ ، وَيُطْلَقُ عَلَى الشَّاةِ مَجَازًا وَنُونُهُ زَائِدَةٌ وَقِيلَ أَصْلِيَّةٌ ، وَأُشِيرَ بِذَلِكَ إِلَى الْمُبَالَغَةِ فِي إِهْدَاءِ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ وَقَبُولِهِ لَا إِلَى حَقِيقَةِ الْفِرْسِنِ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ الْعَادَةُ بِإِهْدَائِهِ ، أَيْ لَا تَمْنَعُ جَارَةٌ مِنَ الْهَدِيَّةِ لِجَارَتِهَا الْمَوْجُودَ عِنْدَهَا لِاسْتِقْلَالِهِ ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ تَجُودَ لَهَا بِمَا تَيَسَّرَ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فَهُوَ خَيْرٌ مِنَ الْعَدَمِ ، وَذَكَرَ الْفِرْسِنَ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ إِنَّمَا وَقَعَ لِلْمُهْدَى إِلَيْهَا وَأَنَّهَا لَا تَحْتَقِرُ مَا يُهْدَى إِلَيْهَا وَلَوْ كَانَ قَلِيلًا ، وَحَمْلُهُ عَلَى الْأَعَمِّ مِنْ ذَلِكَ أَوْلَى ، وَفِي الْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَى التَّهَادِي وَلَوْ بِالْيَسِيرِ لِمَا فِيهِ مِنَ اسْتِجْلَابِ الْمَوَدَّةِ وَإِذْهَابِ الشَّحْنَاءِ ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ التَّعَاوُنِ عَلَى أَمْرِ الْمَعِيشَةِ ، وَالْهَدِيَّةُ إِذَا كَانَتْ يَسِيرَةً ، فَهِيَ أَدَلُّ عَلَى الْمَوَدَّةِ وَأَسْقَطُ لِلْمُؤْنَةِ وَأَسْهَلُ عَلَى الْمُهْدِي لِإِطْرَاحِ التَّكَلُّفِ ، وَالْكَثِيرُ قَدْ لَا يَتَيَسَّرُ كُلَّ وَقْتٍ ، وَالْمُوَاصَلَةُ بِالْيَسِيرِ تَكُونُ كَالْكَثِيرِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ( أَبُو مَعْشَرٍ اسْمُهُ نَجِيحٌ إِلَخْ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : نَجِيحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السِّنْدِيُّ الْمَدَنِيُّ أَبُو مَعْشَرٍ وَهُوَ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ ضَعِيفٌ مِنَ السَّادِسَةِ ، أَسَنَّ وَاخْتَلَطَ مَاتَ سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ ، وَيُقَالُ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ الْهِلَالِ انْتَهَى . وَاعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي أَوَّلِ الْهِبَةِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ : يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَمْ يَقُلْ عَنْ أَبِيهِ وَزَادَ فِي أَوَّلِهِ : تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ الْحَدِيثُ ، وَقَالَ : غَرِيبٌ وَأَبُو مَعْشَرٍ يُضَعِّفُهُ ، وَقَالَ الطَّرْقِيُّ : إِنَّهُ أَخْطَأَ فِيهِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ كَذَا قَالَ ، وَقَدْ تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ ، عَنْ سَعِيدٍ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ نَعَمْ مَنْ زَادَ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ أَحْفَظُ وَأَضْبَطُ فَرِوَايَتُهُمْ أَوْلَى انْتَهَى .
بَاب مَا جَاءَ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ 2138 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْقُطَعِيُّ ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رَبِيعَةَ الْبُنَانِيُّ ، نَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْمِلَّةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ ويُنَصِّرَانِهِ ويُشَرِّكَانِهِ ، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَمَنْ هَلَكَ قَبْلَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ بِهِ . حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ قَالَا : نَا وَكِيعٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ ، وَقَالَ : يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ وَغَيْرُهُ عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ . باب ما جاء كل مولود يولد على الفطرة قَوْلُهُ : ( كُلُّ مَوْلُودٍ ) قَالَ الْقَارِي : أَيْ مِنَ الثَّقَلَيْنِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ : أَيْ مِنْ بَنِي آدَمَ وَصَرَّحَ بِهِ جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : كُلُّ بَنِي آدَمَ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، وَكَذَا رَوَاهُ خَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، ذَكَرَهَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ( يُولَدُ عَلَى الْمِلَّةِ ) وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ عَلَى الْفِطْرَةِ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْمُرَادِ بِالْفِطْرَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَقْوَالٍ كَثِيرَةٍ ، وَحَكَى أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّهُ سَأَلَ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ صَاحِبَ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْفَرَائِضُ وَقَبْلَ الْأَمْرِ بِالْجِهَادِ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : كَأَنَّهُ عَنَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُولَدُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُهَوِّدَهُ أَبَوَاهُ مَثَلًا لَمْ يَرِثَاهُ وَالْوَاقِعُ فِي الْحُكْمِ أَنَّهُمَا يَرِثَانِهِ فَدَلَّ عَلَى تَغَيُّرِ الْحُكْمِ ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ : وَسَبَبُ الِاشْتِبَاهِ أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَلِذَلِكَ ادَّعَى فِيهِ النَّسْخَ ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ إِخْبَارٌ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ إِثْبَاتَ أَحْكَامِ الدُّنْيَا ، وَأَشْهَرُ الْأَقْوَالِ : إِنَّ الْمُرَادَ بِالْفِطْرَةِ الْإِسْلَامُ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ ، وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالتَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي آخِرِ حَدِيثِ الْبَابِ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا وَبِحَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ : إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ فَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ دِينِهِمْ الْحَدِيثُ ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُهُ فَزَادَ فِيهِ : حُنَفَاءَ مُسْلِمِينَ ، فَظَهَرَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمِلَّةِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ هِيَ مِلَّةُ الْإِسْلَامِ . ( فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ ) بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ أَيْ يُعَلِّمَانِهِ الْيَهُودِيَّةَ وَيَجْعَلَانِهِ يَهُودِيًّا ، وَالْفَاءُ إِمَّا لِلتَّعْقِيبِ وَهُوَ ظَاهِرٌ ، وَإِمَّا لِلتَّسَبُّبِ أَيْ إِذَا كَانَ كَذَا فَمَنْ تَغَيَّرَ كَانَ بِسَبَبِ أَبَوَيْهِ غَالِبًا ( وَيُنَصِّرَانِهِ ) بِتَشْدِيدِ الصَّادِ : أَيْ يُعَلِّمَانِهِ النَّصْرَانِيَّةَ وَيَجْعَلَانِهِ نَصْرَانِيًّا ( وَيُشَرِّكَانِهِ ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ : أَيْ يُعَلِّمَانِهِ الشِّرْكَ وَيَجْعَلَانِهِ مُشْرِكًا ( فَمَنْ هَلَكَ قَبْلَ ذَلِكَ ) أَيْ قَبْلَ أَنْ يُهَوِّدَهُ أَبَوَاهُ وَيُنَصِّرَاهُ وَيُشَرِّكَاهُ ( قَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ بِهِ ) قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ مَعْنَى قَوْلِهِ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ أَيْ لَوْ أَبْقَاهُمْ فَلَا تَحْكُمُوا عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : أَيْ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَعْمَلُونَ شَيْئًا وَلَا يَرْجِعُونَ فَيَعْمَلُونَ أَوْ أَخْبَرَ بِعِلْمِ شَيْءٍ لَوْ وُجِدَ كَيْفَ يَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا وَلَكِنْ لَمْ يُرِدْ أَنَّهُمْ يُجَازَوْنَ بِذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ ; لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يُجَازَى بِمَا لَمْ يَعْمَلْ ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُكَلَّفًا ، وَأَمَّا أَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ فَفِيهِمْ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ : قَالَ الْأَكْثَرُونَ هُمْ فِي النَّارِ تَبَعًا لِآبَائِهِمْ ، وَتَوَقَّفَتْ طَائِفَةٌ فِيهِمْ ، وَالثَّالِثُ وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَيُسْتَدَلُّ لَهُ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا حَدِيثُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَنَّةِ وَحَوْلَهُ أَوْلَادُ النَّاسِ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ ؟ قَالَ : وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا وَلَا يَتَوَجَّهُ عَلَى الْمَوْلُودِ التَّكْلِيفُ حَتَّى يَبْلُغَ ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ . قُلْتُ : وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَذْهَبَ الثَّالِثَ مَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا : سَأَلْتُ رَبِّي اللَّاهِينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْبَشَرِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ فَأَعْطَانِيهِمْ ، قَالَ الْحَافِظُ : إِسْنَادُهُ حَسَنٌ ، قَالَ : وَوَرَدَ تَفْسِيرُ اللَّاهِينَ بِأَنَّهُمُ الْأَطْفَالُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا مَا رَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ خَنْسَاءَ بِنْتِ مُعَاوِيَةَ بْنِ صُرَيْمٍ عَنْ عَمَّتِهَا قَالَتْ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ فِي الْجَنَّةِ ؟ قَالَ : النَّبِيُّ فِي الْجَنَّةِ وَالشَّهِيدُ فِي الْجَنَّةِ ، وَالْمَوْلُودُ فِي الْجَنَّةِ ، قَالَ الْحَافِظُ : إِسْنَادُهُ حَسَنٌ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا مَا رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاذٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : سَأَلَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ : هُمْ مَعَ آبَائِهِمْ ، ثُمَّ سَأَلَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ثُمَّ سَأَلَتْهُ بَعْدَ مَا اسْتَحْكَمَ الْإِسْلَامُ فَنَزَلَ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى قَالَ : هُمْ عَلَى الْفِطْرَةِ أَوْ قَالَ : هُمْ فِي الْجَنَّةِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَأَبُو مُعَاذٍ هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلَوْ صَحَّ هَذَا لَكَانَ قَاطِعًا لِلنِّزَاعِ وَرَافِعًا لِكَثِيرٍ مِنَ الْإِشْكَالِ انْتَهَى . وَقَدِ اخْتَارَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْمَذْهَبَ الثَّالِثَ ، قَالَ الْحَافِظُ تَحْتَ قَوْلِهِ : بَابُ مَا قِيلَ فِي أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ : هَذِهِ التَّرْجَمَةُ تُشْعِرُ بِأَنَّهُ كَانَ مُتَوَقِّفًا فِي ذَلِكَ وَقَدْ جَزَمَ بَعْدَ هَذَا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الرُّومِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِيَارِ الْقَوْلِ الصَّائِرِ إِلَى أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ ، وَقَدْ رَتَّبَ أَحَادِيثَ هَذَا الْبَابِ تَرْتِيبًا يُشِيرُ إِلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ ، فَإِنَّهُ صَدَّرَهُ بِالْحَدِيثِ الدَّالِّ عَلَى التَّوَقُّفِ ، ثُمَّ ثَنَّى بِالْحَدِيثِ الْمُرَجِّحِ لِكَوْنِهِمْ فِي الْجَنَّةِ ، يَعْنِي حَدِيثَ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، ثُمَّ ثَلَّثَ بِالْحَدِيثِ الْمُصَرِّحِ بِذَلِكَ ، يَعْنِي حَدِيثَ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ فِي سِيَاقِهِ : وَأَمَّا الصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فَأَوْلَادُ النَّاسِ ، قَدْ أَخْرَجَهُ فِي التَّعْبِيرِ بِلَفْظِ : وَأَمَّا الْوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ : وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ ، فَقَالَ : وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ ، قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .
بَاب مَا جَاءَ لَا عَدْوَى وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ 2143 حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، نَا سُفْيَانُ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ ، نَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ قَالَ : نَا صَاحِبٌ لَنَا ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَا يُعْدِي شَيْءٌ شَيْئًا ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، الْبَعِيرُ أجرب الْحَشَفَةُ نُدْبِنُهُ فَيجْرَبُ الْإِبِلُ كُلُّهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَمَنْ أَجْرَبَ الْأَوَّلَ ، لَا عَدْوَى وَلَا صَفَرَ ، خَلَقَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ فكَتَبَ حَيَاتَهَا وَرِزْقَهَا وَمَصَائِبَهَا وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ صَفْوَانَ الثَّقَفِيَّ الْبَصْرِيَّ قَال : سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ يَقُولُ : لَوْ حَلَفْتُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ لَحَلَفْتُ أَنِّي لَمْ أَرَ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ( بَابُ لَا عَدْوَى وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ ) قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : الْهَامَةُ الرَّأْسُ وَاسْمُ طَائِرٍ وَهُوَ الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَشَاءَمُونَ بِهَا وَهِيَ مِنْ طَيْرِ اللَّيْلِ ، وَقِيلَ هِيَ الْبُومَةُ ، وَقِيلَ كَانَتِ الْعَرَبُ تَزْعُمُ أَنَّ رُوحَ الْقَتِيلِ الَّذِي لَا يُدْرَكُ بِثَأْرِهِ تَصِيرُ هَامَةً فَتَقُولُ اسْقُونِي فَإِذَا أُدْرِكَ بِثَأْرِهِ طَارَتْ ، وَقِيلَ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ عِظَامَ الْمَيِّتِ وَقِيلَ رُوحُهُ تَصِيرُ هَامَةً فَتَطِيرُ وَيُسَمُّونَهُ الصَّدَى ، فَنَفَاهُ الْإِسْلَامُ وَنَهَاهُمْ عَنْهُ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( عَنْ عِمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ ) بْنِ شُبْرُمَةَ الضَّبِّيِّ الْكُوفِيِّ ثِقَةٌ أَرْسَلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ مِنْ السَّادِسَةِ ( نَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرِ ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ . وَذَكَرَ الْحَافِظُ فِي اسْمِهِ أَقْوَالًا ( قَالَ : نَا صَاحِبٌ لَنَا ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ صَاحِبِهِ هَذَا وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْحَافِظُ فِي مُبْهَمَاتِ التَّقْرِيبِ وَتَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ لَا يُعْدِي شَيْءٌ شَيْئًا ) مِنَ الْإِعْدَاءِ ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْعَدْوَى مَا يُعْدِي مِنْ جَرَبٍ أَوْ غَيْرِهِ وَهُوَ مُجَاوَزَتُهُ مِنْ صَاحِبِهِ إِلَى غَيْرِهِ ، وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْعَدْوَى اسْمٌ مِنَ الْإِعْدَاءِ كَالدَّعْوَى وَالْبَقْوَى مِنَ الِادِّعَاءِ وَالْإِبْقَاءِ ، يُقَالُ : أَعْدَاهُ الدَّاءُ يُعْدِيهِ إِعْدَاءً ، وَهُوَ أَنْ يُصِيبَهُ مِثْلُ مَا يُصَاحِبُ الدَّاءَ ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بِبَعِيرٍ جَرَبٌ مَثَلًا فَتَتَّقِي مُخَالَطَتَهُ بِإِبِلٍ أُخْرَى حَذَرًا أَنْ يَتَعَدَّى مَا بِهِ مِنَ الْجَرَبِ إِلَيْهَا فَيُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُ فَقَدْ أَبْطَلَهُ الْإِسْلَامُ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ الْمَرَضَ بِنَفْسِهِ يَتَعَدَّى ، فَأَعْلَمَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ، وَإِنَّمَا اللَّهُ هُوَ الَّذِي يُمْرِضُ وَيُنْزِلُ الدَّاءَ انْتَهَى . ( الْبَعِيرُ أَجْرَبُ الْحَشَفَةِ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْحَشَفَةُ مُحَرَّكَةٌ مَا فَوْقَ الْخِتَانِ ، وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ : هِيَ رَأْسُ الذَّكَرِ ( نُدْبِنُهُ ) قَدْ ضُبِطَ هَذَا اللَّفْظُ فِي النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ بِضَمِّ نُونٍ وَسُكُونِ دَالٍ مُهْمَلَةٍ وَكَسْرِ مُوَحَّدَةٍ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ الْمُتَكَلِّمِ مِنَ الْإِدْبَانِ وَلَمْ يَظْهَرْ لِي مَعْنَاهُ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الدِّبْنِ ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الدِّبْنُ بِالْكَسْرِ حَظِيرَةُ الْغَنَمِ ، وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : الدِّبْنُ حَظِيرَةُ الْغَنَمِ إِذَا كَانَتْ مِنَ الْقَصَبِ وَهِيَ مِنَ الْخَشَبِ زَرِيبَةٌ وَمِنَ الْحِجَارَةِ صِيرَةٌ انْتَهَى ، ثُمَّ يُقَالُ : إِنَّ الْمُرَادَ بِالدِّبْنِ هُنَا مَعَاطِنُ الْإِبِلِ وَالْمَعْنَى نُدْخِلُ الْبَعِيرَ أَجْرَبَ الْحَشَفَةِ فِي الْمَعَاطِنِ فَيُجْرِبُ الْإِبِلَ كُلَّهَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِذَنَبِهِ بِالْبَاءِ حَرْفُ الْجَرِّ وَبِذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَنُونٍ مَفْتُوحَتَيْنِ وَمُوَحَّدَةٍ وَبِالضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ الرَّاجِعِ إِلَى الْبَعِيرِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْبَعِيرَ يُجْرِبُ أَوَّلًا حَشَفَتَهُ بِذَنَبِهِ ثُمَّ يُجْرِبُ الْإِبِلَ كُلَّهَا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . ( فَمَنْ أَجْرَبَ الْأَوَّلَ ) أَيْ إِنْ كَانَ جَرَبُهَا حَصَلَ بِالْإِعْدَاءِ فَمَنْ أَجْرَبَ الْبَعِيرَ الْأَوَّلَ ، وَالْمَعْنَى مَنْ أَوْصَلَ الْجَرَبَ إِلَيْهِ لِيَبْنِيَ بِنَاءَ الْإِعْدَاءِ عَلَيْهِ ، بَلِ الْكُلُّ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ وَآخِرِهِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : وَإِنَّمَا أَتَى بِمَنْ ، والظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ : فَمَا أَعْدَى الْأَوَّلَ ، لِيُجَابَ بِقَوْلِهِ : اللَّهُ تَعَالَى ، أَيِ اللَّهُ أَعْدَى لَا غَيْرُهُ . ( لَا عَدْوَى ) قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا مَبْسُوطًا فِي بَابِ الطِّيَرَةِ مِنْ أَبْوَابِ السِّيَرِ ( وَلَا صَفَرَ ) قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ : هُوَ دَاءٌ يَأْخُذُ الْبَطْنَ ، قَالَ الْحَافِظُ : كَذَا جَزَمَ بِتَفْسِيرِ الصَّفَرِ وَهُوَ بِفَتْحَتَيْنِ ، وَقَدْ نَقَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لَهُ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ الْجَرْمِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ رُؤْبَةَ بْنَ الْعَجَّاجِ فَقَالَ : هِيَ حَيَّةٌ تَكُونُ فِي الْبَطْنِ تُصِيبُ الْمَاشِيَةَ وَالنَّاسَ وَهِيَ أَعْدَى مِنَ الْجَرَبِ عِنْدَ الْعَرَبِ ، فَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِنَفْيِ الصَّفَرِ مَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ فِيهِ مِنَ الْعَدْوَى ، وَرَجَحَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ هَذَا الْقَوْلُ لِكَوْنِهِ قُرِنَ فِي الْحَدِيثِ بِالْعَدْوَى ، وَكَذَا رَجَّحَ الطَّبَرِيُّ هَذَا الْقَوْلَ وَاسْتَشْهَدَ لَهُ بِقَوْلِ الْأَعْشَى : وَلَا يَعَضُّ عَلَى شُرْسُوفِهِ الصَّفَرُ ، وَالشُّرْسُوفُ : الضِّلْعُ ، وَالصَّفَرُ : دُودٌ يَكُونُ فِي الْجَوْفِ فَرُبَّمَا عَضَّ الضِّلْعَ أَوِ الْكَبِدَ فَقَتَلَ صَاحِبَهُ ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالصَّفَرِ الْحَيَّةُ لَكِنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْيِ نَفْيُ مَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ مَنْ أَصَابَهُ قَتَلَهُ ، فَرَدَّ ذَلِكَ الشَّارِعُ بِأَنَّ الْمَوْتَ لَا يَكُونُ إِلَّا إِذَا فَرَغَ الْأَجَلُ ، وَقَدْ جَاءَ هَذَا التَّفْسِيرُ عَنْ جَابِرٍ وَهُوَ أَحَدُ رُوَاةِ حَدِيثِ لَا صَفَرَ قَالَهُ الطَّبَرِيُّ ، وَقِيلَ فِي الصَّفَرِ قَوْلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ شَهْرُ صَفَرَ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تُحَرِّمُ صَفَرَ وَتَسْتَحِلُّ الْمُحَرَّمَ ، فَجَاءَ الْإِسْلَامُ بِرَدِّ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ مِنْ ذَلِكَ ، فَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا صَفَرَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَهَذَا الْقَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ انْتَهَى ، فحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ أَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ خُزَيْمَةَ كَمَا فِي الْفَتْحِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَنَسٍ ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي الطِّبِّ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ . قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ صَفْوَانَ ) قَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نَبْهَانَ بْنِ صَفْوَانَ الثَّقَفِيُّ الْبَصْرِيُّ رَوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرِهِ ، وَرَوَى عَنْهُ التِّرْمِذِيُّ هَكَذَا نَسَبَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي عَامَّةِ رِوَايَتِهِ عَنْهُ ، وَقَالَ مَرَّةً : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي صَفْوَانَ انْتَهَى ، وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ : مَقْبُولٌ مِنَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ .
بَاب مَا جَاءَ أَنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْ الرَّحْمَنِ 2140 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ : يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ ، فَقُلْتُ : يَا نبي اللَّهِ ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ . وَفِي الْبَاب عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَعَائِشَةَ وأبي ذر هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح ، وَهَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ أَنَسٍ وَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَحَدِيثُ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ أَنَسٍ أَصَحُّ . بَاب مَا جَاءَ أَنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْ الرَّحْمَنِ قَوْلُهُ : ( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ ) مِنَ الْإِكْثَارِ ( أَنْ يَقُولَ ) أَيْ هَذَا الْقَوْلَ ( يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ) أَيْ مُصَرِّفَهَا تَارَةً إِلَى الطَّاعَةِ وَتَارَةً إِلَى الْمَعْصِيَةِ وَتَارَةً إِلَى الْحَضْرَةِ وَتَارَةً إِلَى الْغَفْلَةِ ( ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ ) أَيِ اجْعَلْهُ ثَابِتًا عَلَى دِينِكَ غَيْرَ مَائِلٍ عَنِ الدِّينِ الْقَوِيمِ وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ ( فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ آمَنَّا بِكَ ) أَيْ بِنُبُوَّتِكَ وَرِسَالَتِكَ ( وَبِمَا جِئْتَ بِهِ ) مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ( فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا ) يَعْنِي أَنَّ قَوْلَكَ هَذَا لَيْسَ لِنَفْسِكَ لِأَنَّكَ فِي عِصْمَةٍ مِنَ الْخَطَأِ وَالزِّلَّةِ ، خُصُوصًا مِنْ تَقَلُّبِ الْقَلْبِ عَنِ الدِّينِ وَالْمِلَّةِ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ تَعْلِيمُ الْأُمَّةِ ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا مِنْ زَوَالِ نِعْمَةِ الْإِيمَانِ أَوِ الِانْتِقَالِ مِنَ الْكَمَالِ إِلَى النُّقْصَانِ ( قَالَ نَعَمْ ) يَعْنِي أَخَافُ عَلَيْكُمْ ( يُقَلِّبُهَا ) أَيِ الْقُلُوبَ ( كَيْفَ يَشَاءُ ) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ ، أَيْ تَقْلِيبًا يُرِيدُهُ أَوْ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ أَيْ يُقَلِّبُهَا عَلَى أَيِّ صِفَةٍ شَاءَهَا ( وَفِي الْبَابِ عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ، وَعَائِشَةَ ، وَأَبِي ذَرٍّ ) أَمَّا حَدِيثُ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِهَا وَسُكُونِ الْمِيمِ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .
بَاب مَا جَاءَ أن الْإِيمَان بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ 2144 حَدَّثَنَا أَبُو الْخَطَّابِ زِيَادُ بْنُ يَحْيَى الْبَصْرِيُّ ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَيْمُونٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وَأَنَّ مَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ . وَفِي الْبَاب عَنْ عُبَادَةَ وَجَابِرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ من حديث جابر لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَيْمُونٍ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ . بَاب مَا جَاءَ أن الْإِيمَان بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو الْخَطَّابِ زِيَادُ بْنُ يَحْيَى الْبَصْرِيُّ ) النُّكْرِيُّ بِضَمِّ النُّونِ ثِقَةٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ ( نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَيْمُونِ ) بْنِ دَاوُدَ الْقَدَّاحُ الْمَخْزُومِيُّ الْمَكِّيُّ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ مَتْرُوكٌ مِنَ الثَّامِنَةِ ( حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ) أَيْ بِأَنَّ جَمِيعَ الْأُمُورِ الْكَائِنَةِ خَيْرَهَا وَشَرَّهَا وحُلْوَهَا وَمُرَّهَا بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَإِرَادَتِهِ وَأَمْرِهِ ، وَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا لَهُمْ إِلَّا مُجَرَّدُ الْكَسْبِ وَمُبَاشَرَةُ الْفِعْلِ ( حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ ) مِنَ النِّعْمَةِ وَالْبَلِيَّةِ وَالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ مِمَّا قَدَّرَهُ اللَّهُ لَهُ وَعَلَيْهِ ( لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ ) أَيْ يُجَاوِزَهُ ( وَأَنَّ مَا أَخْطَأَهُ ) مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ( لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ ) وَهَذَا وُضِعَ مَوْضِعَ الْمُحَالِ كَأَنَّهُ قِيلَ مُحَالٌ أَنْ يُخْطِئَهُ وَفِيهِ ثَلَاثُ مُبَالَغَاتٍ دُخُولُ أَنَّ وَلُحُوقُ اللَّامِ الْمُؤَكِّدَةِ لِلنَّفْيِ وَتَسْلِيطُ النَّفْيِ عَلَى الْكَيْنُونَةِ وَسِرَايَتُهُ فِي الْخَبَرِ وَهُوَ مَضْمُونُ قَوْلِهِ تَعَالَى : قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى التَّوَكُّلِ وَالرِّضَاءِ ، وَنَفْيِ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ ، وَمُلَازَمَةِ الْقَنَاعَةِ ، وَالصَّبْرِ عَلَى الْمَصَائِبِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عُبَادَةَ ، وَجَابِرٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ) أَمَّا حَدِيثُ عُبَادَةَ وَهُوَ ابْنُ الصَّامِتِ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ ، وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُمَا .
2145 حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نا أَبُو دَاوُدَ ، أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِأَرْبَعٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِي بِالْحَقِّ وَيُؤْمِنُ بِالْمَوْتِ وَيؤمن بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَيُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ . حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ ، عَنْ شُعْبَةَ نَحْوَهُ . إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : رِبْعِيٌّ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ عَلِيٍّ . حَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ ، عَنْ شُعْبَةَ عِنْدِي أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ النَّضْرِ ، وَهَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ رِبْعِيٍّ ، عَنْ عَلِيٍّ . حَدَّثَنَا الْجَارُودُ قَال : سَمِعْتُ وَكِيعًا يَقُولُ : بَلَغَني أَنَّ رِبْعِيّ بن حراش لَمْ يَكْذِبْ فِي الْإِسْلَامِ كِذْبَةً . قَوْلُهُ : ( لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ ) هَذَا نَفْيُ أَصْلِ الْإِيمَانِ أَيْ لَا يُعْتَبَرُ مَا عِنْدَهُ مِنَ التَّصْدِيقِ الْقَلْبِيِّ ( حَتَّى يُؤْمِنَ بِأَرْبَعٍ يَشْهَدَ ) مَنْصُوبٌ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ قَوْلِهِ : ( يُؤْمِنَ ) وَقِيلَ مَرْفُوعٌ تَفْصِيلٌ لِمَا سَبَقَهُ ، أَيْ يَعْلَمُ وَيَتَيَقَّنُ ( أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ) أَيْ يُؤْمِنَ بِالتَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ ، وَعَدَلَ إِلَى لَفْظِ الشَّهَادَةِ أَمْنًا مِنَ الْإِلْبَاسِ بِأَنْ يَشْهَدَ وَلَمْ يُؤْمِنْ أَوْ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ النُّطْقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ أَيْضًا مِنْ جُمْلَةِ الْأَرْكَانِ ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ يَشْهَدَ بِاللِّسَانِ بَعْدَ تَصْدِيقِهِ بِالْجِنَانِ ، أَوْ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ بِالظَّوَاهِرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالسَّرَائِرِ ، ( بَعَثَنِي بِالْحَقِّ ) اسْتِئْنَافٌ كَأَنَّهُ قِيلَ لِمَ يَشْهَدُ ، فَقَالَ بَعَثَنِي بِالْحَقِّ أَيْ إِلَى كَافَّةِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مُؤَكِّدَةً أَوْ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ فَيَدْخُلُ عَلَى هَذَا فِي حَيِّزِ الشَّهَادَةِ ، وَقَدْ حَكَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ كَلَامَ الْشَاهِدِ بِالْمَعْنَى إِذْ عِبَارَتُهُ أَنَّ مُحَمَّدًا وَبَعَثَهُ . ( وَيُؤْمِنَ بِالْمَوْتِ ) بِالْوَجْهَيْنِ ( وَيُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ ) أَيْ يُؤْمِنَ بِوُقُوعِ الْبَعْثِ ( بَعْدَ الْمَوْتِ ) تَكْرِيرُ الْمَوْتِ إِيذَانٌ لِلِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهِ ، ( وَيُؤْمِنَ ) بِالْوَجْهَيْنِ ( بِالْقَدَرِ ) قَالَ الْقَارِي نَقْلًا عَنِ الْمُظْهِرِ : الْمُرَادُ بِهَذَا الْحَدِيثِ نَفْيُ أَصْلِ الْإِيمَانِ لَا نَفْيُ الْكَمَالِ ، فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا ، الْأَوَّلُ : الْإِقْرَارُ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَأَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى كَافَّةِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ، وَالثَّانِي : أَنْ يُؤْمِنَ بِالْمَوْتِ أَيْ يَعْتَقِدَ فَنَاءَ الدُّنْيَا وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ مَذْهَبِ الدَّهْرِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ وَبَقَائِهِ أَبَدًا ، قَالَ الْقَارِي وَفِي مَعْنَاهُ التَّنَاسُخِيُّ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ اعْتِقَادُ أَنَّ الْمَوْتَ يَحْصُلُ بِأَمْرِ اللَّهِ لَا بِفَسَادِ الْمِزَاجِ كَمَا يَقُولُهُ الطَّبِيعِيُّ ، وَالثَّالِثُ : أَنْ يُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ ، وَالرَّابِعُ : أَنْ يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ يَعْنِي بِأَنَّ جَمِيعَ مَا يَجْرِي فِي الْعَالَمِ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ انْتَهَى ، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ هَذَا رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمُ . قَوْلُهُ : ( إِلَّا أَنَّهُ ) أَيِ النَّضْرَ بْنَ شُمَيْلٍ ( قَالَ رِبْعِيٌّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عَلِيٍّ ) أَيْ زَادَ بَيْنَ رِبْعِيٍّ ، وَعَلِيٍّ رَجُلًا ( حَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ ، عَنْ شُعْبَةَ ) أَيْ بِلَا زِيَادَةِ رَجُلٍ بَيْنَ رِبْعِيٍّ ، وَعَلِيٍّ ( أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ النَّضْرِ ) أَيِ الَّذِي فِيهِ زِيَادَةُ رَجُلٍ ( وَهَكَذَا ) أَيْ بِلَا زِيَادَةِ رَجُلٍ ( رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ ) أَيْ مِنْ أَصْحَابِ مَنْصُورٍ . قَوْلُهُ : ( بَلَغَنِي أَنَّ رِبْعِيَّ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ ( بْنَ حِرَاشٍ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرُهُ مُعْجَمَةٌ الْعَبْسِيَّ الْكُوفِيَّ ، ثِقَةٌ عَابِدٌ مُخَضْرَمٌ مِنَ الثَّانِيَةِ ، مَاتَ سَنَةَ مِائَةٍ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ( لَمْ يَكْذِبْ فِي الْإِسْلَامِ كِذْبَةً ) قَالَ الْعِجْلِيُّ : تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ لَمْ يَكْذِبْ كِذْبَةً قَطُّ .
2136 أخبرنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، وَوَكِيعٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ إِذْ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا قَدْ عُلِمَ ، قَالَ وَكِيعٌ : إِلَّا قَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنْ النَّارِ وَمَقْعَدُهُ مِنْ الْجَنَّةِ ، قَالُوا : أَفَلَا نَتَّكِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لَا اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) وَفِي رِوَايَةٍ : كُنَّا فِي جِنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ ( وَهُوَ يَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : وَمَعَهُ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ فِي الْأَرْضِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَفِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ : وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ هِيَ عَصًا أَوْ قَضِيبٌ يُمْسِكُهُ الرَّئِيسُ لِيَتَوَكَّأَ عَلَيْهِ وَيَدْفَعُ بِهِ عَنْهُ وَيُشِيرُ بِهِ لِمَا يُرِيدُ ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُحْمَلُ تَحْتَ الْخَصْرِ غَالِبًا لِلِاتِّكَاءِ عَلَيْهَا انْتَهَى ، قَالَ فِي الْمَجْمَعِ : فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِقَضِيبٍ أَيْ يَضْرِبُ الْأَرْضَ بِطَرَفِهِ وَهُوَ أَنْ يُؤَثِّرَ فِيهَا بِطَرَفِهِ فِعْلَ الْمُفَكِّرِ الْمَهْمُومِ . ( مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا قَدْ عُلِمَ قَالَ وَكِيعٌ إِلَّا قَدْ كُتِبَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ فِيهِمَا ( مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ أَوْ مِنَ الْجَنَّةِ قَالَ الْحَافِظُ : أَوْ لِلتَّنْوِيعِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ مَا قَدْ يُشْعِرُ بِأَنَّهَا بِمَعْنَى الْوَاوِ وَلَفْظُهُ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ ، وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ مَقْعَدَيْنِ ، وَفِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ إِلَّا كُتِبَ مَكَانَهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ . ( أَفَلَا نَتَّكِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ) الْفَاءُ مُعَقِّبَةٌ لِشَيْءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَفَلَا نَتَّكِلُ ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ : أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ أَيْ نَعْتَمِدُ عَلَى مَا قُدِّرَ عَلَيْنَا ( قَالَ لَا ) أَيْ لَا تَتَّكِلُوا ، وَحَاصِلُ السُّؤَالِ أَلَّا نَتْرُكَ مَشَقَّةَ الْعَمَلِ فَإِنَّا سَنَصِيرُ إِلَى مَا قُدِّرَ عَلَيْنَا ، وَحَاصِلُ الْجَوَابِ لَا مَشَقَّةَ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ وَهُوَ يَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : الْجَوَابُ مِنَ الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ مَنَعَهُمْ عَنْ تَرْكِ الْعَمَلِ وَأَمَرَهُمْ بِالْتِزَامِ مَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ وَزَجَرَهُمْ عَنِ التَّصَرُّفِ فِي الْأُمُورِ الْمُغَيَّبَةِ فَلَا يَجْعَلُوا الْعِبَادَةَ وَتَرْكَهَا سَبَبًا مُسْتَقِلًّا لِدُخُولِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ بَلْ هِيَ عَلَامَاتٌ فَقَطْ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الشَّقَاءِ وَالسَّعَادَةِ 2135 حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، نَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَال : سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ مَا نَعْمَلُ فِيهِ أَمْرٌ مُبْتَدَعٌ أَوْ مُبْتَدَأٌ أَوْ فِيمَا قَدْ فُرِغَ مِنْهُ ؟ قَالَ : فِيمَا قَدْ فُرِغَ مِنْهُ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ وَكُلٌّ مُيَسَّرٌ ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ لِلسَّعَادَةِ ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ لِلشَّقَاءِ . وَفِي الْبَاب عَنْ عَلِيٍّ وَحُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ وَأَنَسٍ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . باب ما جاء في الشقاء والسعادة قَوْلُهُ : ( أَمْرٌ مُبْتَدَعٌ أَوْ مُبْتَدَأٌ ) لَفَظَّةُ أَوْ لِلشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَا نعْمَلُ هَلْ هُوَ أَمْرٌ مُسْتَأْنَفٌ لَمْ يَسْبِقْ بِهِ قَدَرٌ وَلَا عِلْمٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا يَعْلَمُهُ بَعْدَ وُقُوعِهِ ( أَوْ فِيمَا قَدْ فُرِغَ مِنْهُ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( قَالَ ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فِيمَا قَدْ فُرِغَ مِنْهُ ) أَيْ قَدْ فَرَغَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ ( وَكُلٌّ مُيَسَّرٌ ) أَيْ كُلٌّ مُوَفَّقٌ وَمُهَيَّأٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ، يَعْنِي لِأَمْرٍ قُدِّرَ ذَلِكَ الْأَمْرُ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ( أَمَّا مَنْ كَانَ ) أَيْ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَوْ كِتَابِهِ أَوْ آخِرِ أَمْرِهِ وَخَاتِمَةِ عَمَلِهِ ( مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ ) أَيِ الْإِيمَانِ فِي الدُّنْيَا وَالْجَنَّةِ فِي الْعُقْبَى ( فَإِنَّهُ يَعْمَلُ لِلسَّعَادَةِ ) وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ : أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ ( وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ ) وَهُوَ ضِدُّ السَّعَادَةِ ( فَإِنَّهُ يَعْمَلُ لِلشَّقَاءِ ) وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ ، وَحُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ ، وَأَنَسٍ ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ) ، أَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَمَّا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ السِّينِ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ ، وَالْفِرْيَابِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ كَمَا فِي الْفَتْحِ .
بسم الله الرحمن الرحيم أبواب الْقَدَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاب مَا جَاءَ من التَّشْدِيدِ فِي الْخَوْضِ فِي الْقَدَرِ 2133 حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيُّ ، نَا صَالِحٌ الْمُرِّيُّ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نَتَنَازَعُ فِي الْقَدَرِ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْنَتَيْهِ الرُّمَّانُ فَقَالَ : أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ أَمْ بِهَذَا أُرْسِلْتُ إِلَيْكُمْ ؟! إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حِينَ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ أَلَّا تَنَازَعُوا فِيهِ . وَفِي الْبَاب عَنْ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَأَنَسٍ ، هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ ، وَصَالِحٌ الْمُرِّيُّ لَهُ غَرَائِبُ يَنْفَرِدُ بِهَا . ( أَبْوَابُ الْقَدَرِ إِلَخْ ) الْقَدَرُ : بِفَتْحِ الْقَافِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ عِبَارَةٌ عَمَّا قَضَاهُ اللَّهُ وَحَكَمَ بِهِ مِنَ الْأُمُورِ ، وَهُوَ مَصْدَرُ قَدَرَ يَقْدِرُ قَدَرًا وَقَدْ تُسَكَّنُ دَالُهُ . ( بَابُ مَا جَاءَ من التَّشْدِيدِ فِي الْخَوْضِ فِي الْقَدَرِ ) قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ : الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ فَرْضٌ لَازِمٌ وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَالِقُ أَعْمَالِ الْعِبَادِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا وَكَتَبَهَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ قَبْلَ أَنْ خلقَهُمْ ، وَالْكُلُّ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ ، غَيْرَ أَنَّهُ يَرْضَى الْإِيمَانَ وَالطَّاعَةَ وَوَعَدَ عَلَيْهِمَا الثَّوَابَ وَلَا يَرْضَى الْكُفْرَ وَالْمَعْصِيَةَ وَأَوْعَدَ عَلَيْهِمَا الْعِقَابَ ، وَالْقَدَرُ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ مَلَكًا مُقَرَّبًا وَلَا نَبِيًّا مُرْسَلًا ، وَلَا يَجُوزُ الْخَوْضُ فِيهِ وَالْبَحْثُ عَنْهُ بِطَرِيقِ الْعَقْلِ ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ فَجَعَلَهُمْ فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةً خَلَقَهُمْ لِلنَّعِيمِ فَضْلًا وَفِرْقَةً لِلْجَحِيمِ عَدْلًا ، وَسَأَلَ رَجُلٌ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ : أَخْبِرْنِي عَنِ الْقَدَرِ ، قَالَ : طَرِيقٌ مُظْلِمٌ لَا تَسْلُكْهُ ، وَأَعَادَ السُّؤَالَ فَقَالَ : بَحْرٌ عَمِيقٌ لَا تَلِجْهُ ، وَأَعَادَ السُّؤَالَ فَقَالَ : سِرُّ اللَّهِ قَدْ خَفِيَ عَلَيْكَ فَلَا تَفْتِشْهُ ، وَلِلَّهِ دَرُّ مَنْ قَالَ : تَبَارَكَ مَنْ أَجْرَى الْأُمُورَ بِحُكْمِهِ كَمَا شَاءَ لَا ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا فَمَا لَكَ شَيْءٌ غَيْرُ مَا اللَّهُ شَاءَهُ فَإِنْ شِئْتَ طِبْ نَفْسًا وَإِنْ شِئْتَ مُتْ كَظْمًا . قَوْلُهُ : ( وَنَحْنُ نَتَنَازَعُ ) أَيْ حَالَ كَوْنِنَا نَتَبَاحَثُ ( فِي الْقَدَرِ ) أَيْ فِي شَأْنِهِ فَيَقُولُ بَعْضُنَا : إِذَا كَانَ الْكُلُّ بِالْقَدَرِ فَلِمَ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ ، كَمَا قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ ، وَالْآخَرُ يَقُولُ : فَمَا الْحِكْمَةُ فِي تَقْدِيرِ بَعْضٍ لِلْجَنَّةِ وَبَعْضٍ لِلنَّارِ ، فَيَقُولُ الْآخَرُ : لِأَنَّ لَهُمْ فِيهِ نَوْعَ اخْتِيَارٍ كَسَبِيٍّ . فَيَقُولُ الْآخَرُ : فمَنْ أَوْجَدَ ذَلِكَ الِاخْتِيَارَ وَالْكَسْبَ وَأَقْدَرَهُمْ عَلَيْهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ( فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ ) أَيْ نِهَايَةَ الِاحْمِرَارِ ( حَتَّى ) أَيْ حَتَّى صَارَ مِنْ شِدَّةِ حُمْرَتِهِ ( كَأَنَّمَا فُقِئَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ شُقَّ أَوْ عُصِرَ ( فِي وَجْنَتَيْهِ ) أَيْ خَدَّيْهِ ( الرُّمَّانُ ) أَيْ حَبُّهُ ، فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ مَزِيدِ حُمْرَةِ وَجْهِهِ الْمُنْبِئَةِ عَنْ مَزِيدِ غَضَبِهِ ، وَإِنَّمَا غَضِبَ لِأَنَّ الْقَدَرَ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ تَعَالَى وَطَلَبُ سِرِّهِ مَنْهِيٌّ ، وَلِأَنَّ مَنْ يَبْحَثُ فِيهِ لَا يَأْمَنُ مِنْ أَنْ يَصِيرَ قَدَرِيًّا أَوْ جَبْرِيًّا ، وَالْعِبَادُ مَأْمُورُونَ بِقَبُولِ مَا أَمَرَهُمُ الشَّرْعُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْلُبُوا سِرَّ مَا لَا يَجُوزُ طَلَبُ سِرِّهِ . ( أَبِهَذَا ) أَيْ أَبِالتَّنَازُع فِي الْقَدَرِ ؟ وَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ لِلْإِنْكَارِ وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ لِمَزِيدِ الِاهْتِمَامِ ( أَمْ بِهَذَا أُرْسِلْتُ إِلَيْكُمْ ) أَمْ مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنَى بَلْ وَالْهَمْزَةُ وَهِيَ لِلْإِنْكَارِ أَيْضًا تَرَقِّيًا مِنَ الْأَهْوَنِ إِلَى الْأَغْلَظِ وَإِنْكَارًا غِبَّ إِنْكَارٍ ، قَالَهُ الْقَارِي ( إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ) أَيْ مِنَ الْأُمَمِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوَابًا عَمَّا اتُّجِهَ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا لِمَ تُنْكِرْ هَذَا الْإِنْكَارَ الْبَلِيغَ ( حِينَ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ ) هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ وَإِهْلَاكَهُمْ كَانَ مِنْ غَيْرِ إِمْهَالٍ فَفِيهِ زِيَادَةُ وَعِيدٍ ( عَزَمْتُ ) أَيْ أَقْسَمْتُ أَوْ أَوْجَبْتُ ( عَلَيْكُمْ ) قِيلَ أَصْلُهُ عَزَمْتُ بِإِلْقَاءِ الْيَمِينِ وَإِلْزَامِهَا عَلَيْكُمْ ( أَلَّا تَنَازَعُوا ) بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ ( فِيهِ ) أَيْ فِي الْقَدَرِ أي لَا تَبْحَثُوا فِيهِ بَعْدَ هَذَا ، قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ : إِنَّ هَذِهِ يَمتنَعُ كَوْنَهَا مَصْدَرِيَّةً وَزَائِدَةً لِأَنَّ جَوَابَ الْقَسَمِ لَا يَكُونُ إِلَّا جُمْلَةً وَأَنْ لَا تُزَادَ مَعَ لَا فَهِيَ إِذًا مُفَسِّرَةٌ ، كأَقْسَمْتُ أَنْ لَا ضَرَبْتُ ، وَتَنَازَعُوا جُزِمَ بِلَا النَّاهِيَةِ ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ لِأَنَّهَا مَعَ اسْمِهَا وَخَبَرِهَا سَدَّتْ مَسَدَّ الْجُمْلَةِ ، كَذَا قَالَهُ زَيْنُ الْعَرَبِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ ، وَعَائِشَةَ ، وَأَنَسٍ ) أَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ : لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْقَدَرِ وَلَا تُفَاتِحُوهُمْ ، وَكَذَا أَحْمَدُ ، وَالْحَاكِمُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) فِي سَنَدِهِ صَالِحُ بْنُ بَشِيرِ بْنِ وَادِعٍ الْمُرِّيُّ أَبُو بِشْرٍ الْبَصْرِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَقَالَ الذَّهَبِيُّ : ضَعَّفُوهُ وَلَمْ يُخْرِجْ لَهُ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ فِيهَا سِوَى التِّرْمِذِيِّ وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ عَنِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ بِلَفْظِ : إِذَا ذُكِرَ الْقَدَرُ فَأَمْسِكُوا ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا حَدِيثُ ثَوْبَانَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْكَبِيرِ بِلَفْظِ : اجْتَمَعَ أَرْبَعُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ يَنْظُرُونَ فِي الْقَدَرِ ، الْحَدِيثَ . وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ بِلَفْظِ : خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعَ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ يَذْكُرُونَ الْقَدَرَ ، الْحَدِيثُ ، وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَوَاثِلَةَ ، وَأَبِي أُمَامَةَ ، وَأَنَسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْكَبِيرِ ( وَصَالِحٌ الْمُرِّيُّ لَهُ غَرَائِبُ يَتَفَرَّدُ بِهَا ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : صَالِحُ بْنُ بَشِيرِ بْنِ وَادِعٍ الْمُرِّيُّ بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ ، أَبُو الْبِشْرِ الْبَصْرِيُّ الْقَاصُّ الزَّاهِدُ ، ضَعِيفٌ مِنَ السَّابِعَةِ .
بَاب مَا جَاءَ أَنَّ النَّفْسَ تَمُوتُ حَيْثُ مَا كُتِبَ لَهَا 2146 حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ ، نا مُؤَمَّلٌ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ مَطَرِ بْنِ عُكَامِسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا قَضَى اللَّهُ لِعَبْدٍ أَنْ يَمُوتَ بِأَرْضٍ جَعَلَ لَهُ إِلَيْهَا حَاجَةً . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي عَزَّةَ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، وَلَا نعْرَفُ لِمَطَرِ بْنِ عُكَامِسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ . حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نا مُؤَمَّلٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ نَحْوَهُ . بَاب مَا جَاءَ أَنَّ النَّفْسَ تَمُوتُ حَيْثُ مَا كُتِبَ لَهَا قَوْلُهُ : ( نا مُؤَمَّلٌ ) بِوَزْنِ مُحَمَّدٍ بِهَمْزَةٍ ، ابْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبَصْرِيُّ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ نَزِيلُ مَكَّةَ ، صَدُوقٌ سَيِّئُ الْحِفْظِ مِنْ صِغَارِ التَّاسِعَةِ . قَوْلُهُ : ( إِذَا قَضَى اللَّهُ ) أَيْ أَرَادَ أَوْ قَدَّرَ أَوْ حَكَمَ ( جَعَلَ ) أَيْ أَظْهَرَ اللَّهُ ، ( لَهُ إِلَيْهَا حَاجَةً ) أَيْ فَيَأْتِيهَا وَيَمُوتُ فِيهَا إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي عَزَّةَ ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْحَاكِمُ ، وَقَالَ : صَحِيحٌ . ( وَلَا نَعْرِفُ لِمَطَرِ ) بِفَتْحَتَيْنِ ( بْنِ عُكَامِسٍ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْكَافِ وَكَسْرِ الْمِيمِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ السُّلَمِيِّ ، صَحَابِيٌّ سَكَنَ الْكُوفَةَ .
2147 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ الْمَعْنَى وَاحِدٌ قَالَا : ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ ، عَنْ أَبِي عَزَّةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا قَضَى اللَّهُ لِعَبْدٍ أَنْ يَمُوتَ بِأَرْضٍ ، جَعَلَ لَهُ إِلَيْهَا حَاجَةً . أَوْ قَالَ : بِهَا حَاجَةً . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَأَبُو عَزَّةَ لَهُ صُحْبَةٌ ، اسْمُهُ يَسَارُ بْنُ عَبْدٍ ، وَأَبُو الْمَلِيحِ بن أسامة اسْمُهُ عَامِرُ بْنُ أُسَامَةَ بْنِ عُمَيْرٍ الْهُذَلِيُّ قَوْلُهُ : ( نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ) هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ ( عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ ) بْنِ أُسَامَةَ بْنِ عُمَيْرٍ الْهُذَلِيِّ اسْمُهُ عَامِرٌ ، وَقِيلَ زَيْدٌ ، وَقِيلَ زِيَادٌ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ بِلَفْظِ : إِذَا أَرَادَ اللَّهُ قَبْضَ عَبْدٍ بِأَرْضٍ جَعَلَ لَهُ بِهَا حَاجَةً ( وَأَبُو عَزَّةَ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الزَّايِ ( اسْمُهُ يَسَارُ بْنُ عَبْدٍ ) الْهُذَلِيُّ ، صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ ، لَهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، وَصَرَّحَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ بِأَنَّهُ رَوَى حَدِيثَ الْبَابِ .
بَاب مَا جَاءَ لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ 2139 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَا : نَا يَحْيَى بْنُ الضُّرَيْسِ ، عَنْ أَبِي مَوْدُودٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي أَسِيدٍ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ الضُّرَيْسِ ، وَأَبُو مَوْدُودٍ اثْنَانِ أَحَدُهُمَا يُقَالُ لَهُ فِضَّةُ ، وَالْآخَرُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ أَحَدُهُمَا بَصْرِيٌّ وَالْآخَرُ مديني وَكَانَا فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ ، وَأَبُو مَوْدُودٍ الَّذِي رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ اسْمُهُ فِضَّةُ بَصْرِيٌّ . بَاب مَا جَاءَ لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ قَوْلُهُ : ( لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ ) الْقَضَاءُ هُوَ الْأَمْرُ الْمُقَدَّرُ وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ إِنْ أَرَادَ بِالْقَضَاءِ مَا يَخَافُهُ الْعَبْدُ مِنْ نُزُولِ الْمَكْرُوهِ بِهِ وَيَتَوَقَّاهُ فَإِذَا وُفِّقَ لِلدُّعَاءِ دَفَعَهُ اللَّهُ عَنْهُ فَتَسْمِيَتُهُ قَضَاءً مَجَازٌ عَلَى حَسَبِ مَا يَعْتَقِدُهُ الْمُتَوَقَّى عَنْهُ ، يُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرُّقَى : هُوَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ . وَقَدْ أَمَرَ بِالتَّدَاوِي وَالدُّعَاءِ مَعَ أَنَّ الْمَقْدُورَ كَائِنٌ لخفائه عَلَى النَّاسِ وُجُودًا وَعَدَمًا وَلَمَّا بَلَغَ عُمَرُ الشَّامَ وَقِيلَ لَهُ : إِنَّ بِهَا طَاعُونًا رَجَعَ ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : أَتَفِرُّ مِنَ الْقَضَاءِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَقَالَ : لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ ! نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ إِلَى قَضَاءِ اللَّهِ ، أَوْ أَرَادَ بِرَدِّ الْقَضَاءِ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ حَقِيقَتَهُ تَهْوِينَهُ وَتَيْسِيرَ الْأَمْرِ حَتَّى كَأَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ ، يُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : إنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ ، وَقِيلَ : الدُّعَاءُ كَالتُّرْسِ ، وَالْبَلَاءُ كَالسَّهْمِ ، وَالْقَضَاءُ أَمْرٌ مُبْهَمٌ مُقَدَّرٌ فِي الْأَزَلِ . ( وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَتُسَكَّنُ ( إِلَّا الْبِرُّ ) بِكَسْرِ الْبَاءِ وَهُوَ الْإِحْسَانُ وَالطَّاعَةُ ، قِيلَ : يُزَادُ حَقِيقَةً ، قَالَ تَعَالَى : وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ وَقَالَ : يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ وَذَكَرَ فِي الْكَشَّافِ أَنَّهُ لَا يَطُولُ عُمُرُ الْإِنْسَانِ وَلَا يَقْصُرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ وَصُورَتُهُ أَنْ يَكْتُبَ فِي اللَّوْحِ إِنْ لَمْ يَحُجَّ فُلَانٌ أَوْ يَغْزُ فَعُمُرُهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً ، وَإِنْ حَجَّ وَغَزَا فَعُمُرُهُ سِتُّونَ سَنَةً ، فَإِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَبَلَغَ السِّتِّينَ فَقَدْ عَمَّرَ ، وَإِذَا أَفْرَدَ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يَتَجَاوَزْ بِهِ الْأَرْبَعِينَ فَقَدْ نَقَصَ مِنْ عُمُرِهِ الَّذِي هُوَ الْغَايَةُ وَهُوَ السِّتُّونَ ، وَذُكِرَ نَحْوُهُ فِي مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أنَّهُ إِذَا بَرَّ لَا يَضِيعُ عُمُرُهُ فَكَأَنَّهُ زَادَ ، وَقِيلَ : قَدَّرَ أَعْمَالَ الْبِرِّ سَبَبًا لِطُولِ الْعُمُرِ كَمَا قَدَّرَ الدُّعَاءَ سَبَبًا لِرَدِّ الْبَلَاءِ ، فَالدُّعَاءُ لِلْوَالِدَيْنِ وَبَقِيَّةِ الْأَرْحَامِ يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إِمَّا بِمَعْنَى أَنَّهُ يُبَارَكُ لَهُ فِي عُمُرِهِ فَيُيَسِّرُ لَهُ فِي الزَّمَنِ الْقَلِيلِ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مَا لَا يَتَيَسَّرُ لِغَيْرِهِ مِنَ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ فَالزِّيَادَةُ مَجَازِيَّةٌ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ فِي الْآجَالِ الزِّيَادَةُ الْحَقِيقِيَّةُ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا عَلِمَ أَنَّ زَيْدًا يَمُوتُ سَنَةَ خَمْسِمِائَةٍ ، اسْتَحَالَ أَنْ يَمُوتَ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا ، فَاسْتَحَالَ أَنْ تَكُونَ الْآجَالُ الَّتِي عَلَيْهَا عِلْمُ اللَّهِ تَزِيدُ أَوْ تَنْقُصُ ، فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُ الزِّيَادَةِ أَنَّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ وُكِّلَ بِقَبْضِ الْأَرْوَاحِ وَأَمَرَهُ بِالْقَبْضِ بَعْدَ آجَالٍ مَحْدُودَةٍ ، فَإِنَّهُ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِذَلِكَ أَوْ يُثْبِتَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ يَنْقُصُ مِنْهُ أَوْ يَزِيدُ عَلَى مَا سَبَقَ عِلْمُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى : يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ وَعَلَى مَا ذُكِرَ يُحْمَلُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ قَضَى أَجَلا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ فَالْإِشَارَةُ بِالْأَجَلِ الْأَوَّلِ إِلَى مَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَمَا عِنْدَ مَلَكِ الْمَوْتِ وَأَعْوَانِهِ ، وَبِالْأَجَلِ الثَّانِي إِلَى مَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى : إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَضَاءَ الْمُعَلَّقَ يَتَغَيَّرُ ، وَأَمَّا الْقَضَاءُ الْمُبْرَمُ فَلَا يُبَدَّلُ وَلَا يُغَيَّرُ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ السِّينِ مُصَغَّرًا السَّاعِدِيِّ وَأَمَّا أَبُو أَسِيدٍ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ السِّينِ فَلَهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ وَهُوَ : كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ الْحَدِيثُ ، وَحَدِيثُ أَبِي أُسَيْدٍ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) أَخْرَجَهُ ابْنُ ماجة وأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ : صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ ثَوْبَانَ وَفِي رِوَايَتِهِمَا : لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إِلَّا الْبِرُّ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمَ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُذْنِبُهُ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . قَوْلُهُ : ( لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ الضُّرَيْسِ ) بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ مُصَغَّرًا الْبَجَلِيِّ الرَّازِيِّ الْقَاضِي صَدُوقٌ مِنَ التَّاسِعَةِ ( وَأَبُو مَوْدُودٍ اثْنَانِ ) أَيْ رَجُلَانِ ( أَحَدُهُمَا يُقَالُ لَهُ فِضَّةُ ) قَالَ الْحَافِظُ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمُعْجَمَةِ أَبُو مَوْدُودٍ الْبَصْرِيُّ ، نَزِيلُ خُرَاسَانَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ فِيهِ لِينٌ مِنَ الثَّامِنَةِ ( وَالْآخَرُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ) الْهُذَلِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو مَوْدُودٍ الْمَدَنِيُّ الْقَاصُّ ، مَقْبُولٌ مِنَ السَّادِسَةِ ( وَكَانَا فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ ) قَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : وَذَكَرَ أَبُو حَاتِمٍ آخَرَ يُقَالُ لَهُ أَبُو مَوْدُودٍ اسْمُهُ بَحْرُ بْنُ مُوسَى رَوَى عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعَنْهُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَقَالَ : أَبُو مَوْدُودٍ الْمَدَنِيُّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَبِي مَوْدُودٍ بَحْرٍ وَمِنْ أَبِي مَوْدُودٍ فِضَّةٍ ، انْتَهَى .
2142 أخبرنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إن الله إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ ، فَقِيلَ كَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ قَبْلَ الْمَوْتِ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ قَبْلَ الْمَوْتِ ) ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيْهِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ ، أَيْ يُمِيتُهُ وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِهِ ، قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ .
بَاب مَا جَاءَ أَنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ 2141 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بن سعيد ، نَا اللَّيْثُ ، عَنْ أَبِي قَبِيلٍ ، عَنْ شُفَيِّ بْنِ مَاتِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي يَدِهِ كِتَابَانِ فَقَالَ : أَتَدْرُونَ مَا هَذَانِ الْكِتَابَانِ ؟ فَقُلْنَا : لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا أَنْ تُخْبِرَنَا ، فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَدِهِ الْيُمْنَى : هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا ثُمَّ قَالَ لِلَّذِي فِي شِمَالِهِ : هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ النَّارِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا فَقَالَ أَصْحَابُهُ : فَفِيمَ الْعَمَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَ أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ ؟ فَقَالَ : سَدِّدُوا وَقَارِبُوا فَإِنَّ صَاحِبَ الْجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ وَإِنَّ صَاحِبَ النَّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدَيْهِ فَنَبَذَهُمَا ثُمَّ قَالَ : فَرَغَ رَبُّكُمْ مِنْ الْعِبَادِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ . حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا بَكْرُ بْنُ مُضَرٍ ، عَنْ أَبِي قَبِيلٍ نَحْوَهُ . وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ عُمَرَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ، وَأَبُو قَبِيلٍ اسْمُهُ حُيَيُّ بْنُ هَانِئٍ . بَاب مَا جَاءَ أَنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي قُبَيْلٍ ) اسْمُهُ حُيَيٌّ بِضَمِّ الْحَاءِ مُهْمَلَةً وَبِيَاءَيْنِ مُصَغَّرًا ، قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : حُيَيُّ بْنُ هَانِئِ بْنِ نَاضِرٍ ، بِنُونٍ وَمُعْجَمَةٍ أَبُو قَبِيلٍ ، بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ الْمَعَافِرِيُّ الْبَصْرِيُّ صَدُوقٌ يَهِمُ مِنَ الثَّالِثَةِ ( عَنْ شُفَيِّ بْنِ مَاتِعٍ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : شُفَيٌّ بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْفَاءِ مُصَغَّرًا ابْنُ مَاتِعٍ بِمُثَنَّاةٍ الْأَصْبَحِيُّ ، ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ، أَرْسَلَ حَدِيثًا فَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ فِي الصَّحَابَةِ خَطَأً ، مَاتَ فِي خِلَافَةِ هِشَامٍ ، قَالَهُ خَلِيفَةُ . قَوْلُهُ : ( وَفِي يَدِهِ ) بِالْإِفْرَادِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ وَفِي الْمِشْكَاةِ : يَدَيْهِ بِالتَّثْنِيَةِ وَالْوَاوُ لِلْحَالِ ( أَتَدْرُونَ مَا هَذَانِ الْكِتَابَانِ ) الظَّاهِرُ مِنَ الْإِشَارَةِ أَنَّهُمَا حِسِّيَّانِ وَقِيلَ تَمْثِيلٌ وَاسْتِحْضَارٌ لِلْمَعْنَى الدَّقِيقِ الْخَفِيِّ فِي مُشَاهَدَةِ السَّامِعِ حَتَّى كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ رَأْيَ الْعَيْنِ ، فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا كُوشِفَ لَهُ بِحَقِيقَةِ هَذَا الْأَمْرِ وَأَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ اطِّلَاعًا لَمْ يَبْقَ مَعَهُ خَفَاءُ صُوَرِ الشَّيْءِ الْحَاصِلِ فِي قَلْبِهِ بِصُورَةِ الشَّيْءِ الْحَاصِلِ فِي يَدِهِ وَأَشَارَ إِلَيْهِ إِشَارَةً إِلَى الْمَحْسُوسِ . ( فَقُلْنَا لَا ) أَيْ لَا نَدْرِي ( يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا أَنْ تُخْبِرَنَا ) اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ ، أَيْ لَا نَعْلَمُ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ إِلَّا بإِخْبَاركَ إِيَّانَا ، وَقِيلَ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ أَيْ لَكِنْ إِنْ أَخْبَرْتَنَا عَلِمْنَا ، وَكَأَنَّهُمْ طَلَبُوا بِهَذَا الِاسْتِدْرَاكِ إِخْبَارَهُ إِيَّاهُمْ ( فَقَالَ الَّذِي فِي يَدِهِ الْيُمْنَى ) أَيْ لِأَجلِهِ وَفِي شَأْنِهِ أَوْ عَنْهُ ، وَقِيلَ قَالَ بِمَعْنَى أَشَارَ فَاللَّامُ بِمَعْنَى إِلَى ( هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) خَصَّهُ بِالذِّكْرِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى مَالِكُهُمْ وَهُمْ لَهُ مَمْلُوكُونَ يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَيْفَ يَشَاءُ فَيُسْعِدُ مَنْ يَشَاءُ وَيُشْقِي مَنْ يَشَاءُ وَكُلُّ ذَلِكَ عَدْلٌ وَصَوَابٌ فَلَا اعْتِرَاضَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ ، وَقِيلَ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا كَلَامٌ صَادِرٌ عَلَى طَرِيقِ التَّصْوِيرِ وَالتَّمْثِيلِ مِثْلُ الثَّابِتِ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَوِ الْمُثْبَتِ فِي اللَّوْحِ بِالْمُثْبَتِ بِالْكِتَابِ الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ وَلَا يُسْتَبْعَدُ إِجْرَاؤُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَعِدٌّ لِإِدْرَاكِ الْمَعَانِي الْمغيبِيَّةِ وَمُشَاهَدَةِ الصُّوَرِ الْمَصُوغَةِ لَهَا . ( فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ ) الظَّاهِرُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ يُكْتَبُ أَسْمَاؤُهُمْ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ لِلتَّمْيِيزِ التَّامِّ كَمَا يُكْتَبُ فِي الصُّكُوكِ ( ثُمَّ أَجْمَلَ عَلَى آخِرِهِمْ ) مِنْ قَوْلِهِمْ أَجْمَلَ الْحِسَابَ إِذَا تَمَّمَ وَرَدَّ التَّفْصِيلَ إِلَى الْإِجْمَالِ ، وَأَثْبَتَ فِي آخِرِ الْوَرَقَةِ مَجْمُوعَ ذَلِكَ وَجُمْلَتُهُ كَمَا هُوَ عَادَةُ الْمُحَاسِبِينَ أَنْ يَكْتُبُوا الْأَشْيَاءَ مُفَصَّلَةً ثُمَّ يُوَقِّعُوا فِي آخِرِهَا فَذْلَكَةً تَرُدُّ التَّفْصِيلَ إِلَى الْإِجْمَالِ ، وَضَمَّنَ أَجْمَلَ مَعْنَى أَوْقَعَ فَعُدِّيَ بِعَلَى ، أَيْ أَوْقَعَ الْإِجْمَالَ عَلَى مَنِ انْتَهَى إِلَيْهِ التَّفْصِيلُ ، وَقِيلَ : ضَرَبَ بِالْإِجْمَالِ عَلَى آخِرِ التَّفْصِيلِ أَيْ كَتَبَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا أَيْ أَجْمَلَ فِي حَالِ انْتِهَاءِ التَّفْصِيلِ إِلَى آخِرِهِمْ ، فَعَلَى بِمَعْنَى إِلَى ( فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ ) جَزَاءُ شَرْطٍ أَيْ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا تَقَرَّرَ مِنَ التَّفْصِيلِ وَالتَّعْيِينِ وَالْإِجْمَالِ بَعْدَ التَّفْصِيلِ فِي الصَّكِّ فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ ( وَلَا يُنْقَصُ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( مِنْهُمْ أَبَدًا ) لِأَنَّ حُكْمَ اللَّهِ لَا يَتَغَيَّرُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ فَمَعْنَاهُ لِكُلِّ انْتِهَاءِ مُدَّةٍ وَقْتٌ مَضْرُوبٌ ، فَمَنِ انْتَهَى أَجَلُهُ يَمْحُوهُ وَمَنْ بَقِيَ مِنْ أَجَلِهِ يُبْقِيهِ عَلَى مَا هُوَ مُثْبَتٌ فِيهِ وَكُلُّ ذَلِكَ مُثْبَتٌ عِنْدَ اللَّهِ فِي أُمِّ الْكِتَابِ وَهُوَ الْقَدَرُ ، كَمَا يَمْحُو وَيُثْبِتُ هُوَ الْقَضَاءُ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَيْنَ مَا قُدِّرَ وَجَرَى فِي الْأَجَلِ فَلَا يَكُونُ تَغْيِيرًا ، أَوِ الْمُرَادُ مِنْهُ مَحْوُ الْمَنْسُوخِ مِنَ الْأَحْكَامِ وَإِثْبَاتُ النَّاسِخِ أَوْ مَحْوُ السَّيِّئَاتِ مِنَ التَّائِبِ وَإِثْبَاتُ الْحَسَنَاتِ بِمُكَافَأَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : الْمَحْوُ وَالْإِثْبَاتُ يَتَعَلَّقَانِ بِالْأُمُورِ الْمُعَلَّقَةِ دُونَ الْأَشْيَاءِ الْمُحْكَمَةِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . ( فَفِيمَ الْعَمَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَ أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ، يَعْنِي إِذَا كَانَ الْمَدَارُ عَلَى كِتَابَةِ الْأَزَلِ فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي اكْتِسَابِ الْعَمَلِ ( فَقَالَ سَدِّدُوا ) أَيِ اطْلُبُوا بِأَعْمَالِكُمُ السَّدَادَ وَالِاسْتِقَامَةَ ، وَهُوَ الْقَصْدُ فِي الْأَمْرِ وَالْعَدْلُ فِيهِ ، قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ ، ( وَقَارِبُوا ) أَيِ اقْتَصِدُوا فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا وَاتْرُكُوا الْغُلُوَّ فِيهَا وَالتَّقْصِيرَ ، يُقَالُ : قَارَبَ فُلَانٌ فِي أُمُورِهِ إِذَا اقْتَصَدَ ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْجَوَابُ مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ أَيْ فِيمَ أَنْتُمْ مِنْ ذِكْرِ الْقَدَرِ وَالِاحْتِجَاجِ بِهِ وَإِنَّمَا خُلِقْتُمْ لِلْعِبَادَةِ فَاعْمَلُوا وَسَدِّدُوا ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ رحمه الله ( فَإِنَّ صَاحِبَ الْجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ) : أَيْ بِعَمَلٍ مُشْعِرٍ بِإِيمَانِهِ وَمُشِيرٍ بِإِيقَائِهِ ( وَإِنْ عَمِلَ ) أَيْ وَلَوْ عَمِلَ قَبْلَ ذَلِكَ ( أَيَّ عَمَلٍ ) مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ ( وَإِنَّ صَاحِبَ النَّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ ) أَعَمُّ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي ( وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ ) أَيْ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ( ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدَيْهِ ) أَيْ أَشَارَ بِهِمَا ، وَالْعَرَبُ تَجْعَلُ الْقَوْلَ عِبَارَةً عَنْ جَمِيعِ الْأَفْعَالِ فَتُطْلِقُهُ عَلَى غَيْرِ الْكَلَامِ وَاللِّسَانِ ، فَتَقُولُ : قَالَ بِيَدِهِ ، أَيْ أَخَذَ ، وَقَالَ بِرِجْلِهِ أَيْ مَشَى ( فَنَبَذَهُمَا ) أَيْ طَرَحَ مَا فِيهِمَا مِنَ الْكِتَابَيْنِ وَفِي الْأَزْهَارِ : الضَّمِيرُ فِي نَبَذَهُمَا لِلْيَدَيْنِ لِأَنَّ نَبْذَ الْكِتَابَيْنِ بَعِيدٌ مِنْ دَأْبِهِ انْتَهَى ، قَالَ الْقَارِي وَفِيهِ أَنَّ نَبْذَهُمَا لَيْسَ بِطَرِيقِ الْإِهَانَةِ بَلْ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ نَبَذَهُمَا إِلَى عَالَمِ الْغَيْبِ ، ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ هُنَاكَ كِتَابٌ حَقِيقِيٌّ ، وَأَمَّا عَلَى التَّمْثِيلِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى نَبَذَهُمَا أَيِ الْيَدَيْنِ ، قُلْتُ : وَلَا مُلْجِئَ لِحَمْلِ لَفْظِ الْكِتَابِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ ، وَلَا مَانِعَ مِنْ إِرَادَةِ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ ، فَالظَّاهِرُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ . قَوْلُهُ : ( نَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ ) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ الْمِصْرِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ أَوْ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ ثِقَةٌ ثَبْتٌ مِنَ الثَّامِنَةِ ، قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ) أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ كَذَا فِي الْفَتْحِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ .
بَاب مَا جَاءَ لَا تَرُدُّ الرُّقَى والدَّوَاءُ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا 2148 حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ ابْنِ أَبِي خُزَامَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَرَأَيْتَ رُقًى نَسْتَرْقِيهَا وَدَوَاءً نَتَدَاوَى بِهِ وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا ، هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا ؟ قَالَ : هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ . هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، وَقَدْ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي خُزَامَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَهَذَا أَصَحُّ ، هَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي خُزَامَةَ عَنْ أَبِيهِ . بَاب مَا جَاءَ لَا تَرُدُّ الرُّقَى والدَّوَاءُ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ ) قَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيُّ ، رَوَى عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَغَيْرِهِ وَعَنْهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، قَالَ النَّسَائِيُّ : ثِقَةٌ . وَقَالَ مَرَّةً : لَا بَأْسَ بِهِ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ( عَنِ ابْنِ أَبِي خِزَامَةَ ) بِكَسْرِ الْخَاءِ وَتَخْفِيفِ الزَّايِ مَجْهُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ( عَنْ أَبِيهِ ) هُوَ أَبُو خِزَامَةَ بْنِ يَعْمُرَ السَّعْدِيُّ أَحَدُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ سَعْدِ بْنِ هُذَيْمٍ ، يُقَالُ اسْمُهُ زَيْدُ بْنُ الْحَارِثِ ، وَيُقَالُ : الْحَارِثُ ، وَكِلَاهُمَا وَهْمٌ ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ ، لَهُ حَدِيثٌ فِي الرُّقَى ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ . قَوْلُهُ : ( أَرَأَيْتَ رُقًى نَسْتَرْقِيهَا ) جَمْعُ رُقْيَةٍ ، كَظُلَمٍ جَمْعُ ظُلْمَةٍ ، وَهِيَ مَا يُقْرَأُ لِطَلَبِ الشِّفَاءِ وَالِاسْتِرْقَاءُ طَلَبُ الرُّقْيَةِ . ( وَدَوَاءً ) مَنْصُوبٌ ( نَتَدَاوَى بِهِ ) أَيْ نَسْتَعْمِلُهُ ( وَتُقَاةً ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ ( نَتَّقِيهَا ) أَيْ نَلْتَجِئُ بِهَا أَوْ نَحْذَرُ بِسَبَبِهَا ، وَأَصْلُ تُقَاةً وُقَاةً مِنْ وَقَى وَهِيَ اسْمُ مَا يَلْتَجِئُ بِهِ النَّاسُ مِنْ خَوْفِ الْأَعْدَاءِ كَالتُّرْسِ وَهُوَ مَا يَقِي مِنَ الْعَدُوِّ ، أَيْ يَحْفَظُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنَى الِاتِّقَاءِ . فَالضَّمِيرُ فِي نَتَّقِيهَا لِلْمَصْدَرِ ، قِيلَ : وَهَذِهِ الْمَنْصُوبَاتُ أَعْنِي رُقًى وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا مَوْصُوفَاتٌ بِالْأَفْعَالِ الْوَاقِعَةِ بَعْدَهَا وَمُتَعَلِّقَةٌ بِمَعْنَى أَرَأَيْتَ ، أَيْ أَخْبِرْنِي عَنْ رُقًى نَسْتَرْقِيهَا ، فَنُصِبَتْ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِلَفْظِ أَرَأَيْتَ وَالْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ الْمَوْصُوفُ مَعَ الصِّفَةِ ، وَالثَّانِي الِاسْتِفْهَامُ بِتَأْوِيلِ مَقُولًا فِي حَقِّهَا ( هَلْ تَرُدُّ ) أَيْ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ ( قَالَ هِيَ ) أَيِ الْمَذْكُورَاتُ الثَّلَاثُ ( مِنْ قَدَرِ اللَّهِ ) أَيْضًا يَعْنِي كَمَا أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَ الدَّاءَ وَقَدَّرَ زَوَالَهُ بِالدَّوَاءِ ، وَمَنِ اسْتَعْمَلَهُ وَلَمْ يَنْفَعْهُ فَلْيَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا قَدَّرَهُ ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ : جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ جَوَازُ الرُّقْيَةِ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامِ : اسْتَرْقُوا لَهَا فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ ، أَيِ اطْلُبُوا لَهَا مَنْ يَرْقِيهَا وَفِي بَعْضِهَا النَّهْيُ عَنْهَا كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي بَابِ التَّوَكُّلِ : الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ ، وَالْأَحَادِيثُ فِي الْقِسْمَيْنِ كَثِيرَةٌ ، وَوَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّ مَا كَانَ مِنَ الرُّقْيَةِ بِغَيْرِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَكَلَامِهِ فِي كُتُبِهِ الْمُنَزَّلَةِ ، أَوْ بِغَيْرِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ وَمَا يُعْتَقَدُ مِنْهَا أَنَّهَا نَافِعَةٌ لَا مَحَالَةَ ، فَيَتَّكِلُ عَلَيْهَا ، فَإِنَّهَا مَنْهِيَّةٌ وَإِيَّاهَا أَرَادَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِقَوْلِهِ : مَا تَوَكَّلَ مَنِ اسْتَرْقَى ، وَمَا كَانَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ كَالتَّعَوُّذِ بِالْقُرْآنِ وَأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَالرُّقَى الْمَرْوِيَّةِ فَلَيْسَتْ بِمَنْهِيَّةٍ ، وَلِذَلِكَ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلَّذِي رَقَى بِالْقُرْآنِ وَأَخَذَ عَلَيْهِ أَجْرًا : مَنْ أَخَذَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ فَقَدْ أَخَذْتُ بِرُقْيَةِ حَقٍّ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَّةٍ ، فَمَعْنَاهُ : لَا رُقْيَةَ أَوْلَى وَأَنْفَعَ مِنْهُمَا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ( وَهَذَا أَصَحُّ ) أَيْ رِوَايَةُ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي خِزَامَةَ بِحَذْفِ لَفْظِ ابْنِ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيِّ ، نَا سُفْيَانُ عن الزهري ، عَنِ ابْنِ أَبِي خِزَامَةَ بِزِيَادَةِ لَفْظِ ابْنِ ( هَكَذَا ) أَيْ بِحَذْفِ لَفْظِ ابْنِ .
بَاب مَا جَاءَ أَنَّ الْأَعْمَالَ بِالْخَوَاتِيمِ 2137 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : ثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ : إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ إِلَيْهِ الْمَلَكَ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعٍ يَكْتُبُ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ ثُمَّ يَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ ثُمَّ يَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، نَا الْأَعْمَشُ ، نَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مَسْعُودٍ قَالَ : ثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ ، وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ سَمِعْت أَحْمَدَ بْنَ الْحَسَنِ قَال : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ : مَا رَأَيْتُ بِعَيْنِي مِثْلَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رَوَاه شُعْبَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، عَنْ الْأَعْمَشِ نَحْوَهُ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، نَا وَكِيعٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ زَيْدٍ نَحْوَهُ . بَاب مَا جَاءَ أَنَّ الْأَعْمَالَ بِالْخَوَاتِيمِ ( وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ) الْأَوْلَى أَنْ تُجْعَلَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ اعْتِرَاضِيَّةً لَا حَالِيَّةً ، لِتَعُمَّ الْأَحْوَالَ كُلَّهَا وَأَنْ يَكُونَ مِنْ عَادَتِهِ ذَلِكَ ، فَمَا أَحْسَنَ مَوْقِعَهُ هَاهُنَا ، وَمَعْنَاهُ الصَّادِقُ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ حَتَّى قَبْلَ النُّبُوَّةِ لِمَا كَانَ مَشْهُورًا فِيمَا بَيْنَهُمْ بِمُحَمَّدٍ الْأَمِينِ ، الْمَصْدُوقِ فِي جَمِيعِ مَا أَتَاهُ مِنَ الْوَحْيِ الْكَرِيمِ صَدَّقَهُ زَيْدٌ راست كفت يَا وَزَيْدٌ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ : فَصَدَّقَنِي ، وَقَالَ فِي حَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ : صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ ، وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ : سَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقَكَ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ كَذَا قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ . وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَا قِيلَ : إِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا تَأْكِيدٌ إِذْ يَلْزَمُ مِنْ أَحَدِهِمَا الْآخَرُ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَخُصَّ بِهِ ( إِنَّ أَحَدَكُمْ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ فَتَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ التَّحْدِيثِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا ، وَفِي رِوَايَةٍ : إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ أَيْ مَادَّةَ خَلْقِ أَحَدِكُمْ أوْ مَا يُخْلَقُ مِنْهُ أَحَدُكُمْ ( يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ) أَيْ يُقَرَّرُ وَيُحْرَزُ فِي رَحِمِهَا ، وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِالْجَمْعِ مُكْثَ النُّطْفَةِ فِي الرَّحِمِ ( فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا ) يتخمر فِيهَا حَتَّى يَتَهَيَّأَ لِلْخَلْقِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النُّطْفَةَ إِذَا وَقَعَتْ فِي الرَّحِمِ فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ مِنْهَا بَشَرًا طَارَتْ فِي بَشَرَةِ الْمَرْأَةِ تَحْتَ كُلِّ ظُفْرٍ وَشَعْرٍ ثُمَّ تَمْكُثُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ تَنْزِلُ دَمًا فِي الرَّحِمِ فَذَلِكَ جَمْعُهَا ، وَالصَّحَابَةُ أَعْلَمُ النَّاسِ بِتَفْسِيرِ مَا سَمِعُوهُ وَأَحَقُّهُمْ بِتَأْوِيلِهِ وَأَكْثَرُهُمُ احْتِيَاطًا ، فَلَيْسَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ . قَالَ ابْنُ حَجَرٍ : وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ ، وَصَحَّ تَفْسِيرُ الْجَمْعِ بِمَعْنًى آخَرَ وَهُوَ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ خَلْقَ عَبْدٍ فَجَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ طَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عِرْقٍ وَعُضْوٍ مِنْهَا ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ السَّابِعِ جَمَعَهُ اللَّهُ ثُمَّ أَحْضَرَهُ كُلُّ عِرْقٍ لَهُ دُونَ آدَمَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِمَنْ قَالَ لَهُ وَلَدَتِ امْرَأَتِي غُلَامًا أَسْوَدَ : لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ ، وَأَصْلُ النُّطْفَةِ الْمَاءُ الْقَلِيلُ سُمِّيَ بِهَا الْمَنِيُّ لِقِلَّتِهِ ، وَقِيلَ لِنُطَافَتِهِ أَيْ سَيَلَانِهِ لِأَنَّهُ يَنْطِفُ نَطْفًا أَيْ يَسِيلُ ( ثُمَّ يَكُونُ ) أَيْ خَلْقُ أَحَدِكُمْ ( عَلَقَةً ) أَيْ دَمًا غَلِيظًا جَامِدًا ( مِثْلَ ذَلِكَ ) إِشَارَةٌ إِلَى مَحْذُوفٍ أَيْ مِثْلَ ذَلِكَ الزَّمَانِ يَعْنِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا ( ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً ) أَيْ قِطْعَةَ لَحْمٍ قَدْرَ مَا يُمْضَغُ ( مِثْلَ ذَلِكَ ) يَعْنِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَيَظْهَرُ التَّصْوِيرُ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعِينَ ( ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ إِلَيْهِ الْمَلَكَ ) أَيْ إِلَى خَلْقِ أَحَدِكُمْ أَوْ إِلَى أَحَدِكُمْ يَعْنِي فِي الطَّوْرِ الرَّابِعِ حِينَ مَا يَتَكَامَلُ بُنْيَانُهُ وَيَتَشَكَّلُ أَعْضَاؤُهُ ، وَالْمُرَادُ بِالْإِرْسَالِ أَمْرُهُ بِهَا وَالتَّصَرُّفُ فِيهَا لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ إِنَّهُ مُوَكَّلٌ بِالرَّحِمِ حِينَ كَانَ نُطْفَةً أَوْ ذَاكَ مَلَكٌ آخَرُ غَيْرُ مَلَكِ الْحِفْظِ ( وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعٍ ) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ : بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ أَيْ بِكِتَابَتِهَا وَكُلُّ قَضِيَّةٍ تُسَمَّى كَلِمَةً قَوْلًا كَانَ أَوْ فِعْلًا ( يَكْتُبُ رِزْقَهُ ) يَعْنِي أَنَّهُ قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ ( وَأَجَلَهُ ) أَيْ مُدَّةَ حَيَاتِهِ أَوِ انْتِهَاءِ عُمُرِهِ ( وَعَمَلَهُ ) أَيْ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ( وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ يَكْتُبُ هُوَ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ( حَتَّى مَا يَكُونَ ) فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالرَّفْعِ ، لَا لِأَنَّ مَا النَّافِيَةَ كَافَّةٌ عَنِ الْعَمَلِ ، بَلْ لِأَنَّ الْمَعْنَى عَلَى حِكَايَةِ حَالِ الرَّجُلِ لَا الْإِخْبَارِ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ ، كَذَا قَالَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ : حَتَّى هِيَ النَّاصِبَةُ وَمَا نَافِيَةٌ ، وَلَفْظَةُ يَكُونُ مَنْصُوبَةٌ بِحَتَّى وَمَا غَيْرُ مَانِعَةٍ لَهَا عَنِ الْعَمَلِ ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : الْأَوْجَهُ أَنَّهَا عَاطِفَةٌ وَيَكُونُ بِالرَّفْعِ عَلَى مَا قَبْلَهُ ( بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ) أَيْ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْجَنَّةِ ( إِلَّا ذِرَاعٌ ) تَمْثِيلٌ لِغَايَةِ قُرْبِهَا ( ثُمَّ يَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ ) ضُمِّنَ مَعْنَى يَغْلِبُ وَلِذَا عُدِّيَ بِعَلَى وَإِلَّا فَهُوَ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ أَيْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ كِتَابُ الشَّقَاوَةِ وَالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ ، وَالْكِتَابُ بِمَعْنَى الْمَكْتُوبِ أَيِ الْمُقَدَّرُ أَوِ التَّقْدِيرُ أَيِ التَّقْدِيرُ الْأَزَلِيُّ ( حَتَّى مَا يَكُونَ ) بِالْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَنَسٍ ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبُخَارِيُّ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الْقَدَرِيَّةِ 2149 حَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، نا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ حَبِيبٍ ، وَعَلِيُّ بْنُ نِزَارٍ ، عَنْ نِزَارٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَيْسَ لَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ نَصِيبٌ الْمُرْجِئَةُ وَالْقَدَرِيَّةُ . وَفِي الْبَاب عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ، ثنا سَلَّامُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ . ونا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ، نا عَلِيُّ بْنُ نِزَارٍ ، عَنْ نِزَارٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقَدَرِيَّةِ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالدَّالِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ) بْنِ هِلَالٍ الْأَسَدِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ أَوْ أَبُو مُحَمَّدٍ الْكُوفِيُّ ، ثِقَةٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ ( عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَبِيبٍ ) التَّمَّارِ الْكُوفِيِّ لِينٌ مِنَ السَّادِسَةِ ( وَعَلِيُّ بْنُ نِزَارِ ) بِكَسْرِ نُونٍ وَبِزَايٍ وَرَاءٍ ابْنِ حَيَّانَ بِفَتْحِ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَشِدَّةِ تَحْتِيَّةٍ وَبِنُونٍ ، الْأَسَدِيُّ الْكُوفِيُّ ضَعِيفٌ مِنَ السَّادِسَةِ ( عَنْ نِزَارٍ ) هُوَ ابْنُ حَيَّانَ الْأَسَدِيُّ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ ضَعِيفٌ مِنَ السَّادِسَةِ . قَوْلُهُ : ( صِنْفَانِ ) أَيْ نَوْعَانِ ( مِنْ أُمَّتِي ) أَيْ أُمَّةِ الْإِجَابَةِ ( لَيْسَ لَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ نَصِيبٌ ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ : رُبَّمَا يَتَمَسَّكُ بِهِ مَنْ يُكَفِّرُ الْفَرِيقَيْنِ وَالصَّوَابُ أَنْ لَا يُسَارِعَ إِلَى تَكْفِيرِ أَهْلِ الْبِدَعِ ؛ لِأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْجَاهِلِ أَوِ الْمُجْتَهِدِ الْمُخْطِئِ ؟ وَهَذَا قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ احْتِيَاطًا ، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ : لَيْسَ لَهُمَا نَصِيبٌ عَلَى سُوءِ الْحَظِّ وَقِلَّةِ النَّصِيبِ كَمَا يُقَالُ لَيْسَ لِلْبَخِيلِ مِنْ مَالِهِ نَصِيبٌ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : يَكُونُ فِي أُمَّتِي خَسْفٌ . وَقَوْلُهُ : سِتَّةٌ لَعَنْتُهُمْ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ ، فَيُحْمَلُ عَلَى الْمُكَذِّبِ بِهِ أَيْ بِالْقَدَرِ إِذَا أَتَاهُ مِنَ الْبَيَانِ مَا يَنْقَطِعُ بِهِ الْعُذْرُ أَوْ عَلَى مَنْ تُفْضِي بِهِ الْعَصَبِيَّةُ إِلَى تَكْذِيبِ مَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ النُّصُوصِ أَوْ إِلَى تَكْفِيرِ مَنْ خَالَفَهُ ، وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَارِدَةٌ ؛ تَغْلِيظًا وَزَجْرًا . انْتَهَى . وَقَالَ الْقَارِي : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ يَعْنِي الْمَكِّيَّ : فَمَنْ أَطْلقَ تَكْفِيرَ الْفَرِيقَيْنِ أَخَذ بِظَاهِرِ هَذَا الْخَبَرِ فَقَدِ اسْتَرْوَحَ ، بَلِ الصَّوَابُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّا لَا نُكَفِّرُ أَهْلَ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ إِلَّا إِنْ أَتَوْا بِمُكَفِّرٍ صَرِيحٍ لَا اسْتِلْزَامِيٍّ ; لِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ لَازِمَ الْمَذْهَبِ لَيْسَ بِلَازِمٍ ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَزَلِ الْعُلَمَاءُ يُعَامِلُونَهُمْ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِينَ فِي نِكَاحِهِمْ وَإِنْكَاحِهِمْ وَالصَّلَاةِ عَلَى مَوْتَاهُمْ وَدَفْنِهِمْ فِي مَقَابِرِهِمْ ; لِأَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا مُخْطِئِينَ غَيْرَ مَعْذُورِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ الْفِسْقِ وَالضَّلَالِ ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَقْصِدُوا بِمَا قَالُوهُ اخْتِيَارَ الْكُفْرِ ، وَإِنَّمَا بَذَلُوا وُسْعَهُمْ فِي إِصَابَةِ الْحَقِّ فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ ، لَكِنْ لِتَقْصِيرِهِمْ بِتَحْكِيمِ عُقُولِهِمْ وَأَهْوِيَتِهِمْ وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْ صَرِيحِ السُّنَّةِ وَالْآيَاتِ مِنْ تَأْوِيلٍ سَائِغٍ ، وَبِهَذَا فَارَقُوا مُجْتَهِدِي الْفُرُوعِ ، فَإِنَّ خَطَأَهُمْ إِنَّمَا هُوَ لِعُذْرِهِمْ بِقِيَامِ دَلِيلٍ آخَرَ عِنْدَهُمْ مُقَاوِمٍ لِدَلِيلِ غَيْرِهِمْ مِنْ جِنْسِهِ ، فَلَمْ يُقَصِّرُوا ، وَمِنْ ثَمَّ أُثِيبُوا عَلَى اجْتِهَادِهِمْ ، انْتَهَى كَلَامُ الْقَارِي . ( الْمُرْجِئَةُ ) يُهْمَزُ وَلَا يُهْمَزُ مِنَ الْإِرْجَاءِ مَهْمُوزًا وَمُعْتَلًّا وَهُوَ التَّأْخِيرُ ، يَقُولُونَ الْأَفْعَالُ كُلُّهَا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَيْسَ لِلْعِبَادِ فِيهَا اخْتِيَارٌ وَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ مَعْصِيَةٌ ، كَمَا لَا يَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ طَاعَةٌ ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ : قِيلَ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ الْإِيمَانُ قَوْلٌ بِلَا عَمَلٍ فَيُؤَخِّرُونَ الْعَمَلَ عَنِ الْقَوْلِ ، وَهَذَا غَلَطٌ ، بَلِ الْحَقُّ أَنَّ الْمُرْجِئَةَ هُمُ الْجَبْرِيَّةُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ إِضَافَةَ الْفِعْلِ إِلَى الْعَبْدِ كَإِضَافَتِهِ إِلَى الْجَمَادَاتِ ، سُمُّوا بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمْ يُؤَخِّرُونَ أَمْرَ اللَّهِ وَنَهْيَهُ عَنِ الِاعْتِدَادِ بِهِمَا وَيَرْتَكِبُونَ الْكَبَائِرَ ، فَهُمْ عَلَى الْإِفْرَاطِ وَالْقَدَرِيَّةُ عَلَى التَّفْرِيطِ وَالْحَقُّ مَا بَيْنَهُمَا انْتَهَى ، ( وَالْقَدَرِيَّةُ ) بِفَتْحِ الدَّالِ وَتُسَكَّنُ وَهُمُ الْمُنْكِرُونَ لِلْقَدَرِ ، الْقَائِلُونَ بِأَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ بِقُدْرَتِهِمْ وَدَوَاعِيهِمْ لَا بِقُدْرَةِ اللَّهِ وَإِرَادَتِهِ ، إِنَّمَا نُسِبَتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ إِلَى الْقَدَرِ لِأَنَّهُمْ يَبْحَثُونَ فِي الْقَدَرِ كَثِيرًا ، قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ) ، أَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ : لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْقَدَرِ وَلَا تُفَاتِحُوهُمْ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ ، وَالْحَاكِمُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ بَابَيْنِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ . قَوْلُهُ : ( هكذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَالْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ وَفِي سَنَدِهِ عَلِيُّ بْنُ نِزَارٍ وَأَبُوهُ نِزَارٌ وَهُمَا ضَعِيفَانِ كَمَا عَرَفْتَ ، وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ غَرِيبٌ وَلَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ حَسَنٍ فَظَهَرَ أَنَّ نُسَخَ التِّرْمِذِيِّ مُخْتَلِفَةٌ فِي ذِكْرِ لَفْظِ حَسَنٍ ، وَقَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ : عَدَّهُ فِي الْخُلَاصَةِ مِنَ الْمَوْضُوعَاتِ لَكِنْ قَالَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، قَالَ صَاحِبُ الْأَزْهَارِ : حَسَنٌ غَرِيبٌ وَكَتَبَ مَوْلَانَا زَادَهْ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي زَمَانِنَا إِنَّهُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ ، وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَيْضًا أَنَّ رُوَاتَهُ مَجْهُولُونَ ، كَذَا ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ ، وَقَالَ الْفَيْرُوزَابَادِيُّ : لَا يَصِحُّ فِي ذَمِّ الْمُرْجِئَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ حَدِيثٌ . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَالْخَطِيبُ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أَنَسٍ وَلَفْظُهُ : صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَا تَنَالُهُمْ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُرْجِئَةُ وَالْقَدَرِيَّةُ ، انْتَهَى مَا فِي الْمِرْقَاةِ . قَوْلُهُ : ( نا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ) الْعَبْدِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيُّ ، ثِقَةٌ حَافِظٌ مِنَ التَّاسِعَةِ ( ثنا سَلَّامُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ الْخُرَاسَانِيُّ أَبُو عَلِيٍّ ، ضَعِيفٌ مِنَ السَّادِسَةِ ، قَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : لَهُ فِي التِّرْمِذِيِّ حَدِيثٌ وَاحِدٌ في الْمُرْجِئَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : يَرْوِي عَنِ الثِّقَاتِ الْمَقْلُوبَاتِ لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِخَبَرِهِ ، قَالَ الْأَزْدِيُّ : وَاهِي الْحَدِيثِ .
بَاب 2134 حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ ، نَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، نَا أَبِي ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى فَقَالَ مُوسَى : يَا آدَمُ ، أَنْتَ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ أَغْوَيْتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنْ الْجَنَّةِ ، قَالَ : فَقَالَ آدَمُ : أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ أَتَلُومُنِي عَلَى عَمَلٍ عَمِلْتُهُ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، قَالَ : فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى . وَفِي الْبَاب عَنْ عُمَرَ وَجُنْدَبٍ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ الْأَعْمَشِ وَقَدْ رَوَاه بَعْضُ أَصْحَابِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . باب قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ ) الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ ( نَا أَبِي ) أَيْ سُلَيْمَانُ بْنُ طَرْخَانَ التَّيْمِيُّ أَبُو الْمُعْتَمِرِ الْبَصْرِيُّ ، نَزَلَ فِي التَّيْمِ فَنُسِبَ إِلَيْهِمْ ، ثِقَةٌ عَابِدٌ . قَوْلُهُ : ( احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى ) أَيْ تَحَاجَّا ، وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ قَالَ : قَالَ مُوسَى : يَا رَبِّ أَرِنَا آدَمَ الَّذِي أَخْرَجَنَا وَنَفْسَهُ مِنَ الْجَنَّةِ ، فَأَرَاهُ اللَّهُ آدَمَ ، فَقَالَ : أَنْتَ أَبُونَا ، الْحَدِيثُ ، قِيلَ : هَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي الدُّنْيَا ، قَالَ الْحَافِظُ : فِيهِ نَظَرٌ ، فَلَيْسَ قَوْلُ الْبُخَارِيِّ عِنْدَ اللَّهِ صَرِيحًا فِي أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَإِنَّ الْعِنْدِيَّةَ عِنْدِيَّةُ اخْتِصَاصٍ وَتَشْرِيفٍ لَا عِنْدِيَّةُ مَكَانٍ ، فَيحْتَمَل وُقُوعُ ذَلِكَ فِي كُلٍّ مِنَ الدَّارَيْنِ ، وَقَدْ وَرَدَتِ الْعِنْدِيَّةُ فِي الْقِيَامَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ وَفِي الدُّنْيَا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي ، انْتَهَى . وَقَدْ بَوَّبَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بَابَ تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَى عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى ، قَالَ الْحَافِظُ الَّذِي ظَهَرَ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمَحَ فِي التَّرْجَمَةِ بِمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طرقِ الْحَدِيثِ وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى عِنْدَ رَبِّهِمَا ، الْحَدِيثَ . ( فَقَالَ مُوسَى ) جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِمَعْنَى مَا قَبْلَهَا ( يَا آدَمُ أَنْتَ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ ) قَالَ الْقَارِي : أَيْ بِقُدْرَتِهِ ، قُلْتُ لَا حَاجَةَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ بَلْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا فِي مَوَاضِعَ عَدِيدَةٍ ، قَالَ وَخَصَّهُ بِالذِّكْرِ إِكْرَامًا وَتَشْرِيفًا ، وَأَنَّهُ خَلَقَهُ إِبْدَاعًا مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةِ أَبٍ وَأُمٍّ ( وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ ) الْإِضَافَةُ لِلتَّشْرِيفِ وَالتَّخْصِيصِ ، أَيْ مِنَ الرُّوحِ الَّذِي هُوَ مَخْلُوقٌ وَلَا يَدَ لِأَحَدٍ فِيهِ ( أَغْوَيْتَ النَّاسَ ) قَالَ الْحَافِظُ : مَعْنَى أَغْوَيْتَ كُنْتَ سَبَبًا لِغَوَايَةِ مَنْ غَوَى مِنْهُمْ وَهُوَ سَبَبٌ بَعِيدٌ ، إِذْ لَوْ لَمْ يَقَعِ الْأَكْلُ مِنَ الشَّجَرَةِ لَمْ يَقَعِ الْإِخْرَاجُ مِنَ الْجَنَّةِ ، وَلَوْ لَمْ يَقَعِ الْإِخْرَاجُ مَا تَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الشَّهَوَاتُ وَالشَّيْطَانُ الْمُسَبَّبُ عَنْهُمَا الْإِغْوَاءُ ، وَالْغَيُّ ضِدُّ الرُّشْدِ وَهُوَ الِانْهِمَاكُ فِي غَيْرِ الطَّاعَةِ ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى مُجَرَّدِ الْخَطَأِ يُقَالُ : غَوَى أَيْ أَخْطَأَ صَوَابَ مَا أُمِرَ بِهِ . ( وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ) أَيْ بخَطِيئَتكَ الَّتِي صَدَرَتْ مِنْكَ ( فَقَالَ آدَمُ أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ ) أَيِ اخْتَارَكَ بِتَكْلِيمِهِ إِيَّاكَ ( كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ) أَيْ قَدَّرَهُ وَقَضَاهُ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً ، قَالَ الْحَافِظُ : وَالْجَمْعُ بَيْنَهُ ـ يَعْنِي الرِّوَايَةَ الَّتِي لَيْسَتْ مُقَيَّدَةً بِأَرْبَعِينَ سَنَةً ـ وَبَيْنَ الرِّوَايَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً حَمْلُهَا عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْكِتَابَةِ وَحَمْلُ الْأُخْرَى عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعِلْمِ وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْأَرْبَعِينَ سَنَةً مَا بَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً إِلَى نَفْخِ الرُّوحِ فِي آدَمَ ، وَأَجَابَ غَيْرُهُ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْمُدَّةِ وَقْتُ الْكِتَابَةِ فِي الْأَلْوَاحِ وَآخِرُهَا ابْتِدَاءُ خَلْقِ آدَمَ . ( فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ) بِرَفْعِ آدَمَ عَلَى أَنَّهُ الْفَاعِلُ أَيْ غَلَبَهُ بِالْحُجَّةِ ، يُقَالُ : حَاجَجْتُ فُلَانًا فَحَجَجْتُهُ ، مِثْلُ خَاصَمْتُهُ فَخَصَمْتُهُ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ جَسِيمٌ لِأَهْلِ الْحَقِّ فِي إِثْبَاتِ الْقَدَرِ وَأَنَّ اللَّهَ قَضَى أَعْمَالَ الْعِبَادِ فَكُلُّ أَحَدٍ يَصِيرُ لِمَا قُدِّرَ لَهُ بِمَا سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ ، فَإِنْ قِيلَ فَالْعَاصِي مِنَّا لَوْ قَالَ هَذِهِ الْمَعْصِيَةَ قَدَّرَهَا اللَّهُ عَلَيَّ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ اللَّوْمُ وَالْعُقُوبَةُ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فِيمَا قَالَهُ ، فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْعَاصِيَ بَاقٍ فِي دَارِ التَّكْلِيفِ جَارٍ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُكَلَّفِينَ مِنَ الْعُقُوبَةِ وَاللَّوْمِ وَالتَّوْبِيخِ وَغَيْرِهَا ، وَفِي لَوْمِهِ وَعُقُوبَتِهِ زَجْرٌ لَهُ وَلِغَيْرِهِ عَنْ مِثْلِ هَذَا الْفِعْلِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى الزَّجْرِ مَا لَمْ يَمُتْ ، فَأَمَّا آدَمُ فَمَيِّتٌ خَارِجٌ عَنْ دَارِ التَّكْلِيفِ وَعَنِ الْحَاجَةِ إِلَى الزَّجْرِ فَلَمْ يَكُنْ فِي الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ لَهُ فَائِدَةٌ بَلْ فِيهِ إِيذَاءٌ وَتَخْجِيلٌ كَذَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ، لِلنَّوَوِيِّ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ ، وَجُنْدُبٍ ) أَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَأَبُو عَوَانَةَ ، وَأَمَّا حَدِيثُ جُنْدُبٍ فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا .
باب 2150 حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ مُحَمَّدُ بْنُ فِرَاسٍ الْبَصْرِيُّ ، نا أَبُو قُتَيْبَةَ سلم بن قتيبة ، نا أَبُو الْعَوَّامِ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مُثِّلَ ابْنُ آدَمَ وَإِلَى جَنْبِهِ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ مَنِيَّةً ، إِنْ أَخْطَأَتْهُ الْمَنَايَا ، وَقَعَ فِي الْهَرَمِ حَتَّى يَمُوتَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَأَبُو الْعَوَّامِ هُوَ عِمْرَانُ ، الْقَطَّانُ . باب قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ مُحَمَّدُ بْنُ فِرَاسٍ ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ الصَّيْرَفِيُّ صَدُوقٌ مِنْ الْحَادِيَةَ عَشَرَةَ ( نا أَبُو قُتَيْبَةَ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ ) الشُّعَيْرِيُّ الْخُرَاسَانِيُّ نَزِيلُ الْبَصْرَةِ صَدُوقٌ مِنَ التَّاسِعَةِ . قَوْلُهُ : ( مُثِّلَ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ مُثَلَّثَةٍ أَيْ صُوِّرَ وَخُلِقَ ( ابْنُ آدَمَ ) بِالرَّفْعِ نَائِبُ الْفَاعِلِ ، وَقِيلَ : مَثَلُ ابْنُ آدَمَ بِفَتْحَتَيْنِ وَتَخْفِيفِ الْمُثَلَّثَةِ وَيُرِيدُ بِهِ صِفَتَهُ وَحَالَهُ الْعَجِيبَةَ الشَّأْنِ ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الْجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَهُ ، أَيِ الظَّرْفَ ، وَتِسْعٌ وَتِسْعُونَ مُرْتَفِعٌ بِهِ ، أَيْ حَالَ ابْنِ آدَمَ أَنَّ تِسْعة وَتِسْعِينَ مَنِيَّةً مُتَوَجِّهَةٌ إِلَى نَحْوِهِ مُنْتَهِيَةٌ إِلَى جَانِبِهِ ، وَقِيلَ : خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ ، وَالتَّقْدِيرُ : مَثَلُ ابْنِ آدَمَ مَثَلُ الَّذِي يَكُونُ إِلَى جَنْبِهِ تِسْعة وَتِسْعُونَ مَنِيَّةً ، وَلَعَلَّ الْحَذْفَ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ . ( وَإِلَى جَنْبِهِ ) الْوَاوُ لِلْحَالِ أَيْ بِقُرْبِهِ ( تِسْعة وَتِسْعُونَ ) أَرَادَه بِهِ الْكَثْرَةَ دُونَ الْحَصْرِ ( مَنِيَّةً ) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ بَلِيَّةً مُهْلِكَةً ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَيْ سَبَبُ مَوْتٍ ( إِنْ أَخْطَأَتْهُ الْمَنَايَا ) قَالَ الطِّيبِيُّ : الْمَنَايَا جَمْعُ مَنِيَّةٍ ، وَهِيَ الْمَوْتُ ؛ لِأَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِوَقْتٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الْمِنَى وَهُوَ التَّقْدِيرُ ، سَمَّى كُلَّ بَلِيَّةٍ مِنَ الْبَلَايَا مَنِيَّةً ؛ لِأَنَّهَا طَلَائِعُهَا وَمُقَدِّمَاتُهَا انْتَهَى ، أَيْ إِنْ جَاوَزَتْهُ فَرْضًا أَسْبَابُ الْمَنِيَّةِ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَالْجُوعِ وَالْغَرَقِ وَالْحَرْقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى . ( وَقَعَ فِي الْهَرَمِ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْهَرَمُ مُحَرَّكَةٌ أَقْصَى الْكِبَرِ ( حَتَّى يَمُوتَ ) قَالَ بَعْضُهُمْ يُرِيدُ أَنَّ أَصْلَ خِلْقَةِ الْإِنْسَانِ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ لَا تُفَارِقَهُ الْمَصَائِبُ وَالْبَلَايَا وَالْأَمْرَاضُ وَالْأَدْوَاءُ ، كَمَا قِيلَ : الْبَرَايَا أَهْدَافُ الْبَلَايَا ، وَكَمَا قَالَ صَاحِبُ الْحِكَمِ ابْنُ عَطَاءٍ : مَا دُمْتَ فِي هَذِهِ الدَّارِ لَا تَسْتَغْرِبْ وُقُوعَ الْأَكْدَارِ ، فَإِنْ أَخْطَأَتْهُ تِلْكَ النَّوَائِبُ عَلَى سَبِيلِ النُّدْرَةِ أَدْرَكَهُ مِنَ الْأَدْوَاءِ الدَّاءُ الَّذِي لَا دَوَاءَ لَهُ وَهُوَ الْهَرَمُ ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ ، فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ صَابِرًا عَلَى حُكْمِ اللَّهِ ، رَاضِيًا بِمَا قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَضَاهُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ كَمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ . قَوْلُهُ : ( وَأَبُو الْعَوَّامِ هُوَ عِمْرَانُ الْقَطَّانُ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : عِمْرَانُ بْنُ دَاوَرَ بِفَتْحِ الْوَاوِ بَعْدَهَا رَاءٌ ، أَبُو الْعَوَّامِ الْقَطَّانُ الْبَصْرِيُّ ، صَدُوقٌ يَهِمُ ، وَرُمِيَ بِرَأْيِ الْخَوَارِجِ مِنَ السَّابِعَةِ .
باب 2152 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نا أَبُو عَاصِمٍ ، نا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ ، ثني نَافِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : إِنَّ فُلَانًا يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ ، فَقَالَ : إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ فَإِنْ كَانَ قَدْ أَحْدَثَ فَلَا تُقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوْ فِي أُمَّتِي الشَّكُّ مِنْهُ ، خَسْفٌ أَوْ مَسْخٌ أَوْ قَذْفٌ فِي أَهْلِ الْقَدَرِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ، وَأَبُو صَخْرٍ اسْمُهُ حُمَيْدُ بْنُ زِيَادٍ . باب قَوْلُهُ : ( نا حَيْوَةُ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ ( بْنُ شُرَيْحٍ ) مُصَغَّرًا ابْنِ صَفْوَانَ التَّجِيبِيُّ أَبُو زُرْعَةَ الْمُضَرِيُّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ فَقِيهٌ زَاهِدٌ مِنَ السَّابِعَةِ ( أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ ) اسْمُهُ : حُمَيْدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَبِي الْمُخَارِقِ الْخَرَّاطُ ، صَاحِبُ الْعَبَاءِ مَدَنِيٌّ سَكَنَ مِصْرَ ، وَيُقَالُ : هُوَ حُمَيْدُ بْنُ صَخْرٍ ، أَبُو مَرْدُودٍ الْخَرَّاطُ ، وَقِيلَ : إِنَّهُمَا اثْنَانِ ، صَدُوقٌ يَهِمُ مِنَ السَّادِسَةِ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ فُلَانًا يقْرأ عَلَيْكَ السَّلَامَ ) ضُبِطَ فِي النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ بِضَمِّ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ، وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ : قَرَأَ عَلَيْهِ السَّلَامَ ، أَبْلَغَهُ كَأَقْرَأَهُ ، أو لَاْ يُقَالُ أَقْرَأَهُ إِلَّا إِذَا كَانَ السَّلَامُ مَكْتُوبًا ( فَقَالَ ) أَيِ ابْنُ عُمَرَ ( إِنَّهُ ) أَيِ الشَّأْنُ وَتَفْسِيرُهُ الْخَبَرُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : ( بَلَغَنِي أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ ) أَيِ ابْتَدَعَ فِي الدِّينِ مَا لَيْسَ مِنْهُ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالْقَدَرِ ( فَإِنْ كَانَ قَدْ أَحْدَثَ ) أَيْ مَا ذُكِرَ ( فَلَا تُقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ ) كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ قَبُولِ سَلَامِهِ ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ ، قَالَ الْقَارِي : وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَهُ أَنْ لَا تُبَلِّغْهُ مِنِّي السَّلَامَ ، أَوْ رَدَّهُ ، فَإِنَّهُ بِبِدْعَتِهِ لَا يَسْتَحِقُّ جَوَابَ السَّلَامِ ، وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ ( فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوْ فِي أُمَّتِي ) يَحْتَمِلُ الدَّعْوَةَ وَالْإِجَابَةَ ( الشَّكُّ مِنْهُ ) الظَّاهِرُ أَنَّ قَائِلَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ يَرْجِعُ إِلَى شَيْخِهِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ ، وَيُحْتَمَلُ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . ( خَسْفٌ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : خُسِفَ الْمَكَانُ يُخْسَفُ خُسُوفًا : ذَهَبَ فِي الْأَرْضِ ( أَوْ مَسْخٌ ) أَيْ تَغْيِيرٌ فِي الصُّورَةِ ( أَوْ قَذْفٌ ) أَيْ رَمْيٌ بِالْحِجَارَةِ كَقَوْمِ لُوطٍ ، قَالَ مَيْرَكُ شَاهْ : الظَّاهِرُ أَنَّهُ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ : يُحْتَمَلُ التَّنْوِيعُ أَيْضًا . قُلْتُ : الظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّ أَوْ هَاهُنَا لِلتَّنْوِيعِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . ( فِي أَهْلِ الْقَدَرِ ) بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ قَوْلِهِ فِي أُمَّتِي بِإِعَادَةِ الْجَارِّ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
2156 حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُنْذِرِ الصَّغانِيُّ ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ ، نا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، ثني أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ يَقُولُ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : قَدَّرَ اللَّهُ الْمَقَادِيرَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضين بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُنْذِرِ الصَّغَانِيُّ ) مَسْتُورٌ مِنَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ( نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ ) الْمَكِّيُّ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَصْلُهُ مِنَ الْبَصْرَةِ أَوِ الْأَهْوَازِ ، ثِقَةٌ فَاضِلٌ ، أَقْرَأَ الْقُرْآنَ نَيِّفًا وَسَبْعِينَ سَنَةً مِنَ التَّاسِعَةِ ( ثني أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ ) اسْمُهُ حُمَيْدُ بْنُ هَانِئٍ الْمِصْرِيُّ لَا بَأْسَ بِهِ مِنَ الْخَامِسَةِ ( أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمَعَافِرِيُّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ( سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو ) بْنِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ سُعَيْدٍ بِالتَّصْغِيرِ ابْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ السَّهْمِيَّ ، أَحَدُ السَّابِقِينَ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَأَحَدُ الْعَبَادِلَةِ الْفُقَهَاءِ . قَوْلُهُ : ( قَدَّرَ اللَّهُ الْمَقَادِيرَ ) جَمْعُ مِقْدَارٍ ، وَهُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ قَدْرُ الشَّيْءِ وَكَمِّيَّتُهُ كَالْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْقَدْرِ نَفْسِهِ ، وَهُوَ الْكَمِّيَّةُ وَالْكَيْفِيَّةُ ( قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِينَ ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ ، قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ : أَيْ أَمَرَ اللَّهُ الْقَلَمَ أَنْ يُثْبِتَ فِي اللَّوْحِ مَا سَيُوجَدُ مِنَ الْخَلَائِقِ ذَاتًا وَصِفَةً وَفِعْلًا وَخَيْرًا وَشَرًّا عَلَى مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ إِرَادَتُهُ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ الْعُلَمَاءُ : الْمُرَادُ تَحْدِيدُ وَقْتِ الْكِتَابَةِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَوْ غَيْرِهِ لَا أَصْلُ التَّقْدِيرِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَزَلِيٌّ لَا أَوَّلَ لَهُ انْتَهَى ( بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) زَادَ مُسْلِمٌ : وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : أَيْ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
2157 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا : نا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَخْزُومِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : جَاءَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَاصِمُونَ فِي الْقَدَرِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( عَنْ زِيَادِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ) الْمَخْزُومِيِّ أَوِ السَّهْمِيِّ الْمَكِّيِّ صَدُوقٌ سَيِّئُ الْحِفْظِ مِنَ السَّادِسَةِ ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَخْزُومِيِّ ) الْمَكِّيِّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ : ( يُخَاصِمُونَ ) أَيْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ أَيْ يُجَرُّونَ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ أَيْ إِصَابَةَ جَهَنَّمَ لَكُمْ ، وَالتَّقْدِيرُ يُقَالُ لَهُمْ ذُوقُوا إِلَخْ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ بِتَقْدِيرٍ حَالٍ مِنْ كُلِّ ، أَيْ مُقَدَّرًا ، قَالَ النَّوَوِيُّ : الْمُرَادُ بِالْقَدَرِ هَاهُنَا الْقَدَرُ الْمَعْرُوفُ وَهُوَ مَا قَدَّرَ اللَّهُ وَقَضَاهُ وَسَبَقَ بِهِ عِلْمُهُ وَإِرَادَتُهُ ، وَأَشَارَ الْبَاجِيُّ إِلَى خِلَافِ هَذَا وَلَيْسَ كَمَا قَالَ ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَالْحَدِيثِ تَصْرِيحٌ بِإِثْبَاتِ الْقَدَرِ وَأَنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ شَيْءٍ فَكُلُّ ذَلِكَ مُقَدَّرٌ فِي الْأَزَلِ مَعْلُومٌ لِلَّهِ ، مُرَادٌ لَهُ انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ ، وَابْنُ مَاجَهْ . بسم الله الرحمن الرحيم
2155 حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى نا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، نا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ : قَدِمْتُ مَكَّةَ فَلَقِيتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ ، فَقُلْتُ لَهُ : يَا أَبَا مُحَمَّدٍ إِنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ يَقُولُونَ فِي الْقَدَرِ ، قَالَ : يَا بُنَيَّ أَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : فَاقْرَأْ الزُّخْرُفَ ، قَالَ : فَقَرَأْتُ حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ قَالَ : أَتَدْرِي مَا أُمُّ الْكِتَابِ ؟ قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : فَإِنَّهُ كِتَابٌ كَتَبَهُ اللَّهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاء وَقَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْأَرْضَ ، فِيهِ إِنَّ فِرْعَوْنَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، وَفِيهِ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ قَالَ عَطَاءٌ : فَلَقِيتُ الْوَلِيدَ بْنَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَأَلْتُهُ مَا كَانَت وَصِيَّةُ أَبِيكَ عِنْدَ الْمَوْتِ ؟ قَالَ : دَعَانِي فَقَالَ : يَا بُنَيَّ ، اتَّقِ اللَّهَ وَاعْلَمْ أَنَّكَ إن تَتَّقِيَ اللَّهَ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ كُلِّهِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ، فَإِنْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا دَخَلْتَ النَّارَ ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ ، فَقَالَ : اكْتُبْ ، فَقَالَ : مَا أَكْتُبُ ؟ قَالَ : كتب الْقَدَرَ مَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى الْأَبَدِ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ . قَوْلُهُ : ( نا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ سُلَيْمٍ ) الْمَالِكِيُّ الْبَصْرِيُّ ضَعِيفٌ مِنَ السَّابِعَةِ قَوْلُهُ : ( يَا أَبَا مُحَمَّدٍ ) هُوَ كُنْيَةُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ( يَقُولُونَ فِي الْقَدَرِ ) أَيْ بِنَفْيِ الْقَدَرِ ( فَاقْرَأِ الزُّخْرُفَ ) أَيْ أَوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ قَالَ فَقَرَأْتُ حم وَالْكِتَابِ أَيِ الْقُرْآنِ الْمُبِينِ أَيِ الْمُظْهِرِ طَرِيقَ الْهُدَى وَمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الشَّرِيعَةِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ أَيِ الْكِتَابَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا بِلُغَةِ الْعَرَبِ ( لَعَلَّكُمْ ) يَا أَهْلَ مَكَّةَ ( تَعْقِلُونَ ) تَفْهَمُونَ مَعَانِيَهُ ( وَإِنَّهُ ) مُثْبَتٌ فِي أُمِّ الْكِتَابِ أَصْلِ الْكِتَابِ أَيِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ( لَدَيْنَا ) بَدَلَ عِنْدِنَا ( لَعَلِيٌّ ) أَيِ الْكُتُبَ قَبْلَهُ ( حَكِيمٌ ) ذُو حِكْمَةٍ بَالِغَةٍ ( قَالَ فَإِنَّهُ ) أَيْ أُمَّ الْكِتَابِ ( فِيهِ ) أَيْ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ ( فَإِنْ مُتَّ ) بِضَمِّ الْمِيمِ مِنْ مَاتَ يَمُوتُ وَبِكَسْرِهَا مِنْ مَاتَ يُمِيتُ ( عَلَى غَيْرِ هَذَا ) أَيْ عَلَى اعْتِقَادٍ غَيْرِ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُ لَكَ مِنَ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ ( دَخَلْتَ النَّارَ ) يَحْتَمِلُ الْوَعِيدَ وَيَحْتَمِلُ التَّهْدِيدَ قَالَهُ الْقَارِي . قُلْتُ : وَالظَّاهِرُ هُوَ الْأَوَّلُ ( إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ ) بِالرَّفْعِ خَبَرُ إِنَّ قَالَ فِي الْأَزْهَارِ : أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ يَعْنِي بَعْدَ الْعَرْشِ وَالْمَاءِ وَالرِّيحِ ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قَالَ : وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ كَانَ الْمَاءُ ؟ قَالَ عَلَى مَتْنِ الرِّيحِ ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ فَالْأَوَّلِيَّةُ إِضَافِيَّةٌ ( فَقَالَ ) أَيِ اللَّهُ ( قَالَ مَا أَكْتُبُ ) مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ عَلَى الْفِعْلِ ( قَالَ اكْتُبِ الْقَدَرَ ) أَيِ الْمُقَدَّرَ الْمَقْضِيَّ ( مَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ ) بَدَلٌ مِنَ الْمُقَدَّرِ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ ، وَفِي الْمِشْكَاةِ : قَالَ اكْتُبِ الْقَدَرَ ، فَكَتَبَ مَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ ، قَالَهُ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ الْمَقْضِيُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : لَيْسَ حِكَايَةً عَمَّا أَمَرَ بِهِ الْقَلَمَ وَإِلَّا لَقِيلَ : فَكَتَبَ مَا يَكُونُ وَإِنَّمَا هُوَ إِخْبَارٌ بِاعْتِبَارِ حَالِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، أَيْ قَبْلَ تَكَلُّمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ ، لَا قَبْلَ الْقَلَمِ ، لِأَنَّ الْغَرَضَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَخْلُوقٍ نَعَمْ إِذَا كَانَتِ الْأَوَّلِيَّةُ نِسْبِيَّةً صَحَّ أَنْ يُرَادَ مَا كَانَ قَبْلَ الْقَلَمِ ، وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ : مَا كَانَ يَعْنِي الْعَرْشَ وَالْمَاءَ وَالرِّيحَ وَذَاتَ اللَّهِ وَصِفَاتَهُ ، انْتَهَى . ( إِلَى الْأَبَدِ ) قِيلَ الْأَبَدُ هُوَ الزَّمَانُ الْمُسْتَمِرُّ غَيْرُ الْمُنْقَطِعِ ، لَكِنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ هَاهُنَا الزَّمَانُ الطَّوِيلُ ، قُلْتُ : وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَفِيهَا : إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ ، رَوَاهَا الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهَا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَسَكَتَ عَلَيْهِ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الرِّضَاء بِالْقَضَاءِ 2151 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نا أَبُو عَامِرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سَعْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ رِضَاهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ لَهُ ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ تَرْكُهُ اسْتِخَارَةَ اللَّهِ ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ سَخَطُهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ لَهُ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا : حَمَّادُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ ، وَهُوَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْمَدينِيُّ وَلَيْسَ هُوَ بِالْقَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ . بَاب مَا جَاءَ فِي الرِّضَاء بِالْقَضَاءِ قَوْلُهُ : ( عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ) الزُّهْرِيِّ الْمَدَنِيِّ ثِقَةٌ حُجَّةٌ مِنَ الرَّابِعَةِ ( عَنْ أَبِيهِ ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الزُّهْرِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ الْمَدَنِيُّ نَزِيلُ الْكُوفَةِ ، كَانَ يُلَقَّبُ ظِلَّ الشَّيْطَانِ ؛ لِقِصَرِهِ ، ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ، قَتَلَهُ الْحَجَّاجُ ( عَنْ سَعْدِ ) بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، أَحَدِ الْعَشَرَةِ ، وَأَوَّلُ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ رِضَاهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ لَهُ ) أَيْ مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ اسْتِخَارَةَ اللَّهِ ، ثُمَّ رِضَاهُ بِمَا حَكَمَ بِهِ وَقَدَّرَهُ وَقَضَاهُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مُقَابَلَتُهُ بِقَوْلِ ( وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ تَرْكُهُ اسْتِخَارَةَ اللَّهِ ) أَيْ طَلَبَ الْخِيرَةِ مِنْهُ ، فَإِنَّهُ يَخْتَارُ لَهُ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ ( وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ سَخَطُهُ ) أَيْ غَضَبُهُ وَعَدَمُ رِضَاهُ ( بِمَا قَضَى اللَّهُ لَهُ ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : أَيِ الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ ، وَهُوَ تَرْكُ السَّخَطِ عَلَامَةُ سَعَادَتِهِ ، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ عَلَامَةَ سَعَادَةِ الْعَبْدِ لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : لِيَتَفَرَّغَ لِلْعِبَادَةِ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَرْضَ بِالْقَضَاءِ يَكُونُ مَهْمُومًا أَبَدًا مَشْغُولَ الْقَلْبِ بِحُدُوثِ الْحَوَادِثِ ، وَيَقُولُ لِمَ كَانَ كَذَا وَلِمَ لَا يَكُونُ كَذَا ؟ وَالثَّانِي : لِئَلَّا يَتَعَرَّضَ لِغَضَبِ اللَّهِ تَعَالَى بسَخَطِهِ ، وَسَخَطُ الْعَبْدِ أَنْ يَذْكُرَ غَيْرَ مَا قَضَى اللَّهُ لَهُ ، وَقَالَ إِنَّهُ أَصْلَحُ وَأَوْلَى فِيمَا لَا يُسْتَيْقَنُ فَسَادُهُ وَصَلَاحُهُ ، فَإِنْ قُلْتَ مَا مَوْقِعُ قَوْلِهِ وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ تَرْكُهُ اسْتِخَارَةَ اللَّهِ بَيْنَ الْمُتَقَابِلَيْنِ ، قُلْتُ : مَوْقِعُهُ بَيْنَ الْقَرِينَتَيْنِ ، لِدَفْعِ تَوَهُّمِ مَنْ يَتْرُكُ الِاسْتِخَارَةَ وَيُفَوِّضُ أَمْرَهُ بِالْكُلِّيَّةِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْحَاكِمُ ( لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ الزُّرَقِيِّ الْمَدَنِيِّ لَقَبُهُ حَمَّادٌ ضَعِيفٌ مِنَ السَّابِعَةِ .
بَاب مَا جَاءَ فِي السِّقَاءِ 1871 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، ثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كُنَّا نَنْبِذُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سِقَاءٍ يُوكَأُ أَعْلَاهُ ، لَهُ عَزْلَاءُ ، نَنْبِذُهُ غُدْوَةً وَيَشْرَبُهُ عِشَاءً ، وَنَنْبِذُهُ عِشَاءً وَيَشْرَبُهُ غُدْوَةً . وَفِي الْبَاب عَنْ جَابِرٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ . هَذَا حَدِيثٌ حسن غَرِيبٌ ، لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ إلا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه عَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا . بَابُ مَا جَاءَ فِي السِّقَاءِ أَيْ فِي الِانْتِبَاذِ فِي السِّقَاءِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ ) بْنِ دِينَارٍ الْعَبْدِيِّ ( عَنْ أُمِّهِ ) اسْمُهُا خَيْرَةُ مَوْلَاةُ أُمِّ سَلَمَةَ ، مَقْبُولَةٌ ، مِنَ الثَّانِيَةِ . قَوْلُهُ : ( كُنَّا نَنْبِذُ ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ لا غير وَيَجُوزُ ضَمُّ النُّونِ الْأُولَى مَعَ تَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِهَا ، وَفِي الْقَامُوسِ : النَّبْذُ : الطَّرْحُ ، وَالْفِعْلُ كَضَرَبَ ، وَالنَّبِيذُ الْمُلْقَى وَمَا نُبِذَ مِنْ عَصِيرٍ وَنَحْوِهِ ، وَقَدْ نَبَذَهُ وَأَنْبَذَهُ وَانْتَبَذَهُ وَنَبَّذَهُ . انْتَهَى ، أَيْ نَطْرَحُ الزَّبِيبَ وَنَحْوَهُ ( فِي سِقَاءٍ ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ مَمْدُودًا ( يُوكَأُ أَعْلَاهُ ) أَيْ يُشَدُّ رَأْسُهُ بِالْوِكَاءِ وَهُوَ الْخَيْطُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ رَأْسُ الْقِرْبَةِ . اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ يُوكَأُ بِالْهَمْزِ ، وَكَذَا وَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ . قَالَ النَّوَوِيُّ : قَوْلُهَا فِي سِقَاءٍ يُوكَأُ هَذَا مِمَّا رَأَيْتُهُ يُكْتَبُ وَيُضْبَطُ فَاسِدًا وَصَوَابُهُ يُوكي بِالْيَاءِ غَيْرُ مَهْمُوزٍ . انْتَهَى . وَذَكَرَهُ صَاحِبُ الْقَامُوسِ فِي الْمُعْتَلِّ وَقَالَ : الْوِكَاءُ كِكِسَاءٍ رِبَاطُ الْقِرْبَةِ وَغَيْرِهَا ، وَقَدْ وَكَاهَا وَأَوْكَاهَا وَعَلَيْهَا . انْتَهَى ، وَكَذَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ فِي الْمُعْتَلِّ ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُعْتَلٌّ لَا مَهْمُوزٌ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَوْكِئُوا السِّقَاءَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ بِضَمِّ الْكَافِ ( لَهُ ) أَيْ لِلسِّقَاءِ ( عَزْلَاءَ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الزَّايِ وَبِالْمَدِّ وَهُوَ الثُّقْبُ الَّذِي يَكُونُ فِي أَسْفَلِ الْمَزَادَةِ وَالْقِرْبَةِ . قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : أَيْ لَهُ ثُقْبَةٌ فِي أَسْفَلِهِ يُشْرَبُ مِنْهُ الْمَاءُ ( نَنْبِذُهُ ) أَيْ نَطْرَحُ التَّمْرَ وَنَحْوَهُ فِي السِّقَاءِ ( غُدْوَةً ) بِالضَّمِّ مَا بَيْنَ صلَاةِ الْغُدْوَةِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ ( وَيَشْرَبُهُ ) أَيْ هُوَ يَعْنِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ذَلِكَ الْمَنْبُوذِ ( عِشَاءً ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الشِّينِ وَبِالْمَدِّ ، وَهُوَ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ إِلَى الْمَغْرِبِ ، عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ هَذَا لَا يُخَالِفُ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنْبَذُ لَهُ الزَّبِيبُ فِي السِّقَاءِ فَيَشْرَبُهُ يَوْمَهُ وَالْغَدَ وَبَعْدَ الْغَدِ ، فَإِذَا كَانَ مَسَاءَ الثَّالِثَةِ شَرِبَهُ وَسَقَاهُ ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ أَهْرَاقَهُ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، فَإِنَّ الشُّرْبَ فِي يَوْمٍ لَا يَمْنَعُ الزِّيَادَةَ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَعَلَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ كَانَ زَمَنَ الْحَرِّ وَحَيْثُ يُخْشَى فَسَادُهُ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى يَوْمٍ ، وَحَدِيثُ أَبِي عَبَّاسٍ فِي زَمَنٍ يُؤْمَنُ فِيهِ التَّغَيُّرُ قَبْلَ الثَّلَاثِ ، وَقِيلَ : حَدِيثُ عَائِشَةَ مَحْمُولٌ عَلَى نَبِيذٍ قَلِيلٍ يَفْرَغُ فِي يَوْمِهِ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي كَثِيرٍ لَا يَفْرَغُ فِيهِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ) أَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُ ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ قَالَ : كَانَ يُنْتَبَذُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سِقَاءٍ ، فَإِذَا لَمْ يَجِدُوا سِقَاءً ، نُبِذَ لَهُ فِي تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُ وَلَفْظُهُ آنِفًا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ .
بَاب مَا جَاءَ فِي النَّهْيِ عَنْ الشُّرْبِ قَائِمًا 1879 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، ثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ سَعِيدِ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يَشْرَبَ الرَّجُلُ قَائِمًا ، فَقِيلَ : الْأَكْلُ ؟ قَالَ : ذَاكَ أَشَدُّ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ . باب ما جاء في النهي عن الشرب قائما قَوْلُهُ : ( عَنْ سَعِيدٍ ) هُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ . قَوْلُهُ : ( فَقِيلَ الْأَكْلُ ؟ قَالَ : ذَاكَ أَشَدُّ ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : قَالَ قَتَادَةُ : فَقُلْنَا : فَالْأَكْلُ ؟ فَقَالَ : ذَاكَ أَشَرُّ أَوْ أَخْبَثُ ، وَسَيَأْتِي الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يُخَالِفُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ .
1880 حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ ، ثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْجَذْمِيِّ ، عَنْ الْجَارُودِ بْنِ العلاء أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الشُّرْبِ قَائِمًا . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ . هَذَا حَدِيثٌ حسن غَرِيبٌ . وَهَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ ، عَنْ جَارُود عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ، عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ ، عَنْ الْجَارُودِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرَقُ النَّارِ وَالْجَارُودُ ، بْنُ الْمُعَلَّى ، يُقَالُ : ابْنُ الْعَلَاءِ وَالصَّحِيحُ ابْنُ الْمُعَلَّى قَوْلُهُ : ( ثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ) هُوَ الْهُجَيْمِيُّ أَبُو عُثْمَانَ الْبَصْرِيُّ ( عَنْ سَعِيدٍ ) هُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ( عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْجَذْمِيِّ ) بِالْجِيمِ الْمُعْجَمَةِ ، مَقْبُولٌ ، مِنَ الثَّالِثَةِ ( عَنِ الْجَارُودِ بْنِ الْعَلَاءِ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ . الْجَارُودُ الْعَبْدِيُّ اسْمُهُ بِشْرٌ ، وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِ أَبِيهِ ، فَقِيلَ : الْمُعَلَّى أَوِ الْعَلَاءُ ، وَقِيلَ : عَمْرٌو ، صَحَابِيٌّ ، جَلِيلٌ ، اسْتُشْهِدَ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ . قَوْلُهُ : ( نَهَى عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا ) أَيْ نَهْيَ تَنْزِيهٍ كَمَا سَيَتَّضِحُ لك . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَنَسٍ ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ بِلَفْظِ : نَهَى عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : زَجَرَ عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَائِمًا فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ : زَجَرَ عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ فِي مَعَانِي الْآثَارِ ( وَهَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ ، عَنْ جَارُودٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) يَعْنِي بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ بَيْنَ قَتَادَةَ وَبَيْنَ أَبِي مُسْلِمٍ ( وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ، عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ ، عَنِ الْجَارُودِ ) يَعْنِي بِذِكْرِ وَاسِطَةِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بَيْنَ قَتَادَةَ وَبَيْنَ أَبِي مُسْلِمٍ . وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا انْقِطَاعُ حَدِيثِ الْجَارُودِ فِي النَّهْيِ عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ قَتَادَةَ سَمِعَ حَدِيثَ النَّهْيِ عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا مِنْ أَبِي مُسْلِمٍ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ ، وَرَوَى حَدِيثَ الضَّالَّةِ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ بِوَاسِطَةِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَقَتَادَةَ كَمَا يَرْوِي عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ كَذَلِكَ يَرْوِي عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ أَيْضًا . قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي مُسْلِمٍ الْجَذْمِيِّ : رَوَى عَنِ الْجَارُودِ الْعَبْدِيِّ وَغَيْرِهِ ، وَعَنْهُ مُطَرِّفٌ ، وَأَبُو الْعَلَاءِ يَزِيدُ ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ، وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ ، وَقَالَ فِي تَرْجَمَةِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ : رَوَى عَنْهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ . قَوْلُهُ : ( ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ ) فِي النِّهَايَةِ : هِيَ الضَّائِعَةُ مِنْ كُلِّ مَا يُقْتَنَى مِنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ ، يُقَالُ : ضَلَّ الشَّيْءُ ، إِذَا ضَاعَ ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ فَاعِلَةٌ ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهَا فَصَارَتْ مِنَ الصِّفَاتِ الْغَالِبَةِ ، وَتَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ، وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ ، وَيُجْمَعُ عَلَى ضَوَالَّ ، وَالْمُرَادُ بِهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ الضَّالَّةُ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ ممَا يَحْمِي نَفْسَهُ وَيَقْدِرُ عَلَى الْإِبْعَادِ فِي طَلَبِ الْمَرْعَى وَالْمَاءِ بِخِلَافِ الْغَنَمِ ( حَرَقُ النَّارِ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالرَّاءِ وَقَدْ يُسَكَّنُ لَهَبُهَا أَيْ أَنَّ ضَالَّةَ الْمُؤْمِنِ اذَا أَخَذَهَا إِنْسَانٌ لِيَتَمَلَّكَهَا أَدَّتْهُ إِلَى النَّارِ ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ . وَحَدِيثُ الْجَارُودِ هَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالدَّارِمِيُّ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الْحُبُوبِ الَّتِي يُتَّخَذُ مِنْهَا الْخَمْرُ 1872 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، ثَنَا إِسْرَائِيلُ ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُهَاجِرٍ ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ مِنْ الْحِنْطَةِ خَمْرًا ، وَمِنْ الشَّعِيرِ خَمْرًا ، وَمِنْ التَّمْرِ خَمْرًا ، وَمِنْ الزَّبِيبِ خَمْرًا ، وَمِنْ الْعَسَلِ خَمْرًا . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ . حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ نَحْوَهُ ، وَرَوَى أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ قَالَ : إِنَّ مِنْ الْحِنْطَةِ خَمْرًا ، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ ، أخبرنا بِذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : إِنَّ مِنْ الْحِنْطَةِ خَمْرًا ، وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ : قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : لَمْ يَكُنْ إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُهَاجِرٍ بِالْقَوِيِّ . 1875 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، ثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَا : ثَنَا أَبُو كَثِيرٍ السُّحَيْمِيُّ قَال : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ النَّخْلَةُ وَالْعِنَبَةُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَأَبُو كَثِيرٍ السُّحَيْمِيُّ : هُوَ الْغُبَرِيُّ ، اسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غُفَيْلَةَ . بَابُ مَا جَاءَ في الْحُبُوبِ التي يُتَّخَذُ منها الْخَمْر قَوْلُهُ : ( حدثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ هُوَ الذُّهْلِيُّ ( ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ) هُوَ الضَّبِّيُّ مَوْلَاهُمُ الْفِرْيَابِيُّ ( ثَنَا إِسْرَائِيلُ ) هُوَ ابْنُ يُونُسَ ( ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُهَاجِرٍ ) هُوَ الْبَجْلِيُّ الْكُوفِيُّ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ مِنَ الْحِنْطَةِ خَمْرًا ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : تَسْمِيَتُهُ خَمْرًا مَجَازٌ لِإِزَالَتِهِ الْعَقْلَ . قُلْتُ : قَوْلُ ابْنِ الْمَلَكِ هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ هَذَا الْحَدِيثُ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ تَسْمِيَتَهُ خَمْرًا عَلَى سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ : الْعِنَبِ ، وَالتَّمْرِ ، وَالْحِنْطَةِ ، وَالشَّعِيرِ ، وَالْعَسَلِ . وَالْخَمْرُ : مَا خَامَرَ الْعَقْلَ . أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ تَصْرِيحٌ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا قَالَهُ عُمَرُ - رضي الله عنه - مِنْ كَوْنِ الْخَمْرِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْخَمْرَ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْخَمْسَةِ بِأَعْيَانِهَا ، وَإِنَّمَا جَرَى ذِكْرُهَا خُصُوصًا لِكَوْنِهَا مَعْهُودَةً فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ ، فَكُلَّمَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا مِنْ ذُرَةٍ أَوْ سَلْتٍ أَوْ لُبِّ ثَمَرَةٍ وَعُصَارَةِ شَجَرَةٍ فَحُكْمُهَا حُكْمُهَا كَمَا قُلْنَا فِي الرِّبَا وَرَدَدْنَا إِلَى الْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْخَبَرِ كُلَّمَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا مِنْ غَيْرِ الْمَذْكُورِ فِيهِ ، انْتَهَى . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : هَذَا الْحَدِيثُ يَعْنِي قَوْلَ عُمَرَ - رضي الله عنه - : نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ إِلَخْ ، أَوْرَدَهُ أَصْحَابُ الْمَسَانِيدِ وَالْأَبْوَابِ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ لِأَنَّ لَهُ عِنْدَهُمْ حُكْمُ الرَّفْعِ لِأَنَّهُ خَبَرُ صَحَابِيٍّ شَهِدَ التَّنْزِيلَ ، أَخْبَرَ عَنْ سَبَبِ نُزُولِهَا ، وَقَدْ خَطَبَ بِهِ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ بِحَضْرَةِ كِبَارِ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ ، فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِنْكَارُهُ ، وَأَرَادَ عُمَرُ بِنُزُولِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ نُزُولُ قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ الْآيَةَ ، فَأَرَادَ عُمَرُ التَّنْبِيهَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَمْرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَيْسَ خَاصًّا بِالْمُتَّخَذِ مِنَ الْعِنَبِ بَلْ يَتَنَاوَلُ الْمُتَّخَذَ مِنْ غَيْرِهَا : قَالَ قَوْلُهُ : وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ أَيْ غَطَّاهُ أَوْ خَالَطَهُ فَلَمْ يَتْرُكْهُ عَلَى حَالِهِ ، وَهُوَ مِنْ مَجَازِ التَّشْبِيهِ ، وَالْعَقْلُ هُوَ آلَةُ التَّمْيِيزِ فَلِذَلِكَ حُرِّمَ مَا غَطَّاهُ أَوْ غَيَّرَهُ ؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ يَزُولُ الْإِدْرَاكُ الَّذِي طَلَبَهُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ لِيَقُومُوا بِحُقُوقِهِ . قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : هَذَا تَعْرِيفٌ بِحَسَبِ اللُّغَةِ ، وَأَمَّا بِحَسَبِ الْعُرْفِ فَهُوَ مَا يُخَامِرُ الْعَقْلَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ خَاصَّةً . قَالَ الْحَافِظُ : وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ لَيْسَ فِي مَقَامِ تَعْرِيفِ اللُّغَةِ ، بَلْ هُوَ فِي مَقَامِ تَعْرِيفِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : الْخَمْرُ الَّذِي وَقَعَ تَحْرِيمُهُ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ هُوَ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ ، عَلَى أَنَّ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ اخْتِلَافًا فِي ذَلِكَ كَمَا قَدَّمْتُهُ ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ الْخَمْرَ فِي اللُّغَةِ يَخْتَصُّ بِالْمُتَّخَذِ مِنَ الْعِنَبِ فَالِاعْتِبَارُ بِالْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَقَدْ تَوَارَدَتِ الْأَحَادِيثُ عَلَى أَنَّ الْمُسْكِرَ مِنَ الْمُتَّخَذِ مِنْ غَيْرِ الْعِنَبِ يُسَمَّى خَمْرًا ، وَالْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى اللُّغَوِيَّةِ ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ : النَّخْلَةِ وَالْعِنَبَةِ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : لَيْسَ الْمُرَادُ الْحَصْرُ فِيهِمَا لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ الْخَمْرَ تُتَّخَذُ مِنْ غَيْرِهِمَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا فِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الْخَمْرَ شَرْعًا لَا تَخْتَصُّ بِالْمُتَّخَذِ مِنَ الْعِنَبِ . وَقَالَ الْحَافِظُ : يُحْمَلُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى الْغَالِبِ أَيْ أَكْثَرِ مَا يُتَّخَذُ الْخَمْرُ مِنَ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ ، وَيُحْمَلُ حَدِيثُ عُمَرَ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى إِرَادَةِ اسْتِيعَابِ ذِكْرِ مَا عُهِدَ حِينَئِذٍ أَنَّهُ يُتَّخَذُ مِنْهُ الْخَمْرُ . قَالَ الرَّاغِبُ فِي مُفْرَدَاتِ الْقُرْآنِ : سُمِّيَ الْخَمْرُ لِكَوْنِهِ خَامِرًا لِلْعَقْلِ أَيْ سَاتِرًا لَهُ ، وَهُوَ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ اسْمٌ لِكُلِّ مُسْكِرٍ ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ لِلْمُتَّخَذِ مِنَ الْعِنَبِ خَاصَّةً ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ لِلْمُتَّخَذِ مِنَ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ لِغَيْرِ الْمَطْبُوخِ ، فَرُجِّحَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَسْتُرُ الْعَقْلَ يُسَمَّى خَمْرًا حَقِيقَةً ، وَكَذَا قَالَ أَبُو نَصْرِ بْنُ الْقُشَيْرِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ . سُمِّيَتِ الْخَمْرُ خَمْرًا لِسَتْرِهَا الْعَقْلَ أَوْ لِاخْتِمَارِهَا ، وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ الدِّينَوَرِيُّ ، وَأَبُو نَصْرٍ الْجَوْهَرِيُّ . وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ : سُمِّيَتِ الْخَمْرُ لِأَنَّهَا تُرِكَتْ حَتَّى اخْتَمَرَتْ وَاخْتِمَارُهَا يُغَيِّرُ رَائِحَتَهَا ، وَقِيلَ : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِمُخَامَرَتِهَا الْعَقْلَ . نَعَمْ جَزَمَ ابْنُ سِيدَهْ فِي الْمُحْكَمِ بِأَنَّ الْخَمْرَ حَقِيقَةً إِنَّمَا هِيَ لِلْعِنَبِ وَغَيْرُهَا مِنَ الْمُسْكِرَاتِ يُسَمَّى خَمْرًا مَجَازًا . وَقَالَ صَاحِبُ الْفَائِقِ فِي حَدِيثِ : إِيَّاكُمْ وَالْغُبَيْرَاءَ فَإِنَّهَا خَمْرُ الْعَالَمِ هِيَ نَبِيذُ الْحَبَشَةِ مُتَّخَذَةٌ مِنَ الذُّرَةِ ، سُمِّيَتِ الْغُبَيْرَاءَ لِمَا فِيهَا مِنَ الْغُبرَةِ ، وَقَوْلُهُ : خَمْرُ الْعَالَمِ ، أَيْ هِيَ مِثْلُ خَمْرِ الْعَالَمِ لَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهَا ، وَقِيلَ : أَرَادَ أَنَّهَا مُعْظَمُ خَمْرِ الْعَالَمِ . وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ : الْخَمْرُ عِنْدَنَا مَا اعْتُصِرَ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ إِذَا اشْتَدَّ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ ، قَالَ : وَقِيلَ : هُوَ اسْمٌ لِكُلِّ مُسْكِرٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ . وَلِأَنَّهُ مِنْ مُخَامَرَةِ الْعَقْلِ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ مُسْكِرٍ ، قَالَ : وَلَنَا إِطْبَاقُ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى تَخْصِيصِ الْخَمْرِ بِالْعِنَبِ وَلِهَذَا اشْتُهِرَ اسْتِعْمَالُهَا فِيهِ ; وَلِأَنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ قَطْعِيٌّ ، وَتَحْرِيمَ مَا عَدَا الْمُتَّخَذِ مِنَ الْعِنَبِ ظَنِّيٌّ ، قَالَ : وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْخَمْرُ خَمْرًا لِتَخَمُّرِهِ لَا لِمُخَامَرَةِ الْعَقْلِ ، قَالَ : وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ كَوْنُ الِاسْمِ خَاصًّا فِيهِ كَمَا فِي النَّجْمِ فَإِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الظُّهُورِ ثُمَّ هُوَ خَاصٌّ بِالثُّرَيَّا . انْتَهَى . قَالَ الْحَافِظُ : وَالْجَوَابُ عَنِ الْحُجَّةِ الْأُولَى ثُبُوتُ النَّقْلِ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ اللُّغَةِ بِأَنَّ غَيْرَ الْمُتَّخَذِ مِنَ الْعِنَبِ يُسَمَّى خَمْرًا . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : يَزْعُمُ قَوْمٌ أَنَّ الْعَرَبَ لَا تَعْرِفُ الْخَمْرَ إِلَّا مِنَ الْعِنَبِ ، فَيُقَالُ لَهُمْ : إِنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ سَمَّوْا غَيْرَ الْمُتَّخَذِ مِنَ الْعِنَبِ خَمْرًا عَرَبٌ فُصَحَاءُ ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الِاسْمُ صَحِيحًا لَمَا أَطْلَقُوهُ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : قَالَ الْكُوفِيُّونَ : إِنَّ الْخَمْرَ مِنَ الْعِنَبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : أَعْصِرُ خَمْرًا قَالَ : فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْخَمْرَ هُوَ مَا يُعْتَصَرُ لَا يُنْتَبَذُ ، قَالَ : وَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى الْحَصْرِ . وَقَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَسَائِرُ الْحِجَازِيِّينَ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ كُلُّهُمْ : كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا اتُّخِذَ مِنَ الْعِنَبِ . وَمِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ أَنَّ الْقُرْآنَ لَمَّا نَزَلَ بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ فَهِمَ الصَّحَابَةُ وَهُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُسَمَّى خَمْرًا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ ، فَأَرَاقُوا الْمُتَّخَذَ مِنَ التَّمْرِ وَالرُّطَبِ وَلَمْ يَخُصُّوا ذَلِكَ بِالْمُتَّخَذِ مِنَ الْعِنَبِ . وَعَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَإِذَا ثَبَتَ تَسْمِيَةُ كُلِّ مُسْكِرٍ خَمْرًا مِنَ الشَّرْعِ كَانَ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً وَهِيَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ . وَعَنِ الثَّانِيَةِ : أَنَّ اخْتِلَافَ مُشْتَرَكَيْنِ فِي الْحُكْمِ فِي الْغِلَظِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ افْتِرَاقُهُمَا فِي التَّسْمِيَةِ كَالزِّنَا مَثَلًا فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى مَنْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً وَعَلَى وَطْءِ امْرَأَةِ جَارِهِ ، وَالثَّانِي أَغْلَظُ مِنَ الْأَوَّلِ ، وَعَلَى مَنْ وَطِئَ مَحْرَمًا لَهُ وَهُوَ أَغْلَظُ ، وَاسْمُ الزِّنَا مَعَ ذَلِكَ شَامِلٌ لِلثَّلَاثَةِ . وَأَيْضًا فَالْأَحْكَامُ الْفَرْعِيَّةُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْأَدِلَّةُ الْقَطْعِيَّةُ ، فَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْقَطْعِ بِتَحْرِيمِ الْمُتَّخَذِ مِنَ الْعِنَبِ ، وَعَدَمِ الْقَطْعِ بِتَحْرِيمِ الْمُتَّخَذِ مِنْ غَيْرِهِ أَنْ لَا يَكُونَ حَرَامًا بَلْ يُحْكَمُ بِتَحْرِيمِهِ إِذَا ثَبَتَ بِطَرِيقٍ ظَنِّيٍّ تَحْرِيمُهُ ، وَكَذَا تَسْمِيَتُهُ خَمْرًا . وَعَنِ الثَّالِثَةِ ثُبُوتُ النَّقْلِ عَنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِلِسَانِ الْعَرَبِ بِمَا نَفَاهُ هُوَ ، وَكَيْفَ يَسْتَجِيزُ أَنْ يَقُولَ لَا لِمُخَامَرَةِ الْعَقْلِ مَعَ قَوْلِ عُمَرَ بِمَحْضَرِ الصَّحَابَةِ : الْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ ، وَكَانَ مُسْتَنَدُهُ مَا ادَّعَاهُ مِنِ اتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ ، فَيُحْمَلُ قَوْلُ عُمَرَ عَلَى الْمَجَازِ ، لَكِنِ اخْتَلَفَ قَوْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي سَبَبِ تَسْمِيَةِ الْخَمْرِ خَمْرًا ، فَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ : سُمِّيَتِ الْخَمْرُ خَمْرًا لِأَنَّهَا تُخَامِرُ الْعَقْلَ أَيْ تُخَالِطُهُ ، قَالَ : وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ خَامَرَهُ الدَّاءُ أَيْ خَالَطَهُ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهَا تُخَمِّرُ الْعَقْلَ أَيْ تَسْتُرُهُ ، وَمِنْهُ خِمَارُ الْمَرْأَةِ لِأَنَّهُ يَسْتُرُ وَجْهَهَا . وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْمُخَالَطَةِ التَّغْطِيَةُ ، وَقِيلَ : سُمِّيَتْ خَمْرًا لِأَنَّهَا تُخَمَّرُ حَتَّى تُدْرِكَ ، كَمَا يُقَالُ : خَمَّرْتُ الْعَجِينَ فَتَخَمَّرَ أَيْ تَرَكْتُهُ حَتَّى أَدْرَكَ ، وَمِنْهُ خَمَّرْتُ الرَّأْيَ أَيْ تَرَكْتُهُ حَتَّى ظَهَرَ وَتَحَرَّرَ ، وَقِيلَ : سُمِّيَتْ خَمْرًا لِأَنَّهَا تُغَطَّى حَتَّى تَغْلِيَ ، وَمِنْهُ حَدِيثُ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ قُلْتُ لِأَنَسٍ : الْخَمْرُ مِنَ الْعِنَبِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا ؟ قَالَ : مَا خُمِّرَتْ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ الْخَمْرُ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ ، وَلَا مَانِعَ مِنْ صِحَّةِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا لِثُبُوتِهَا عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِاللِّسَانِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الْأَوْجُهُ كُلُّهَا مَوْجُودَةٌ فِي الْخَمْرِ لِأَنَّهَا تُرِكَتْ حَتَّى أَدْرَكَتْ وَسَكَنَتْ ، فَإِذَا شُرِبَتْ خَالَطَتِ الْعَقْلَ حَتَّى تَغْلِبَ عَلَيْهِ وَتُغَطِّيَهُ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ عَنْ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ عَلَى صِحَّتِهَا وَكَثْرَتِهَا تُبْطِلُ مَذْهَبَ الْكُوفِيِّينَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْخَمْرَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنَ الْعِنَبِ ، وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِهِ لَا يُسَمَّى خَمْرًا وَلَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْخَمْرِ ، وَهُوَ قَوْلٌ مُخَالِفٌ لِلُغَةِ الْعَرَبِ ، وَلِلسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ ، وَلِلصَّحَابَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ فَهِمُوا مِنَ الْأَمْرِ بِاجْتِنَابِ الْخَمْرِ تَحْرِيمَ كُلِّ مُسْكِرٍ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَا يُتَّخَذُ مِنَ الْعِنَبِ وَبَيْنَ مَا يُتَّخَذُ مِنْ غَيْرِهِ ، بَلْ سَوَّوْا بَيْنَهُمَا وَحَرَّمُوا كُلَّ مَا يُسْكِرُ نَوْعُهُ ، وَلَمْ يَتَوَقَّفُوا وَلَا اسْتَفْصَلُوا وَلَمْ يَشْكُلْ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، بَلْ بَادَرُوا إِلَى إِتْلَافِ مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ عَصِيرِ الْعِنَبِ ، وَهُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ وَبِلُغَتِهِمْ نَزَلَ الْقُرْآنُ لَوْ كَانَ عِنْدَهُمْ فِيهِ تَرَدُّدٌ لَتَوَقَّفُوا عَنِ الْإِرَاقَةِ حَتَّى يَسْتَكْشِفُوا وَيَسْتَفْصِلُوا وَيَتَحَقَّقُوا التَّحْرِيمَ لَمَّا كَانَ تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ مِنَ النَّهْيِ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ ، فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ وَبَادَرُوا إِلَى الْإِتْلَافِ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ فَهِمُوا التَّحْرِيمَ نَصًّا ، فَصَارَ الْقَائِلُ بِالتَّفْرِيقِ سَالِكًا غَيْرَ سَبِيلِهِمْ ، ثُمَّ انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ خُطْبَةُ عُمَرَ بِمَا يُوَافِقُ ذَلِكَ وَسَمِعَهُ الصَّحَابَةُ وَغَيْرُهُمْ فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِنْكَارُ ذَلِكَ ، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى التَّعْمِيمِ عُمَرُ ، وَعَلِيٌّ ، وَسَعْدٌ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَأَبُو مُوسَى ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةُ ، وَمِنَ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَعُرْوَةُ ، وَالْحَسَنُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَآخَرُونَ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَعَامَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ مَنْ أَطْلَقَ عَلَى غَيْرِ الْمُتَّخَذِ مِنَ الْعِنَبِ حَقِيقَةً يَكُونُ أَرَادَ الْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ ، وَمَنْ نَفَى أَرَادَ الْحَقِيقَةَ اللُّغَوِيَّةَ ، وَقَدْ أَجَابَ بِهَذَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَالَ : إِنَّ الْحُكْمَ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالِاسْمِ الشَّرْعِيِّ دُونَ اللُّغَوِيِّ ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِنَ الْبُسْرِ إِذْ ذَاكَ ، فَيَلْزَمُ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْخَمْرَ حَقِيقَةٌ فِي مَاءِ الْعِنَبِ مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ أَنْ يُجَوِّزَ إِطْلَاقَ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ ; لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا بَلَغَهُمْ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ أَرَاقُوا كُلَّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ الْخَمْرِ حَقِيقَةً وَمَجَازًا ، وَهُوَ لَا يُجَوِّزُ ذَلِكَ ، فَصَحَّ أَنَّ الْكُلَّ خَمْرٌ حَقِيقَةً وَلَا انْفِكَاكَ عَنْ ذَلِكَ : وَعَلَى تَقْدِيرِ إِرْخَاءِ الْعِنَانِ وَالتَّسْلِيمِ بِأَنَّ الْخَمْرَ حَقِيقَةً مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ خَاصَّةً فَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةُ اللُّغَوِيَّةُ ، فَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ فَالْكُلُّ خَمْرٌ حَقِيقَةً لِحَدِيثِ : كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ ، فَكُلُّ مَا اشْتَدَّ كَانَ خَمْرًا ، وَكُلُّ خَمْرٍ يَحْرُمُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ ، وَهَذَا يُخَالِفُ قَوْلَهُمْ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ هَذَا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ ، كَذَا فِي الْمُنْتَقَى . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ . فِي إِسْنَادِهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُهَاجِرِ الْبَجْلِيُّ الْكُوفِيُّ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ ، انْتَهَى . قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ ، لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ نَحْوَ أَرْبَعِينَ حَدِيثًا وَقَالَ أَحْمَدُ : لَا بَأْسَ بِهِ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ ، وَالْقَطَّانُ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ . انْتَهَى . قُلْتُ : وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ : صَدُوقٌ ، لَيِّنُ الْحِفْظِ . قَوْلُهُ : ( الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ النَّخْلَةِ وَالْعِنَبَةِ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا غَيْرُ مُخَالِفٍ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، وَإِنَّمَا وَجْهُهُ وَمَعْنَاهُ أَنَّ مُعْظَمَ مَا يُتَّخَذْ مِنْهُ الْخَمْرُ إِنَّمَا هُوَ مِنَ النَّخْلَةِ وَالْعِنَبَةِ وَإِنْ كَانَتِ الْخَمْرُ قَدْ تُتَّخَذْ أَيْضًا مِنْ غَيْرِهِمَا ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ التَّوْكِيدِ لِتَحْرِيمِ مَا يُتَّخَذُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ لِضَرَاوَتِهِ وَشِدَّةِ سَوْرَتِهِ ، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ : الشِّبَعُ فِي اللَّحْمِ ، وَالدِّفْءُ فِي الْوَبَرِ . وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ ، وَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ الشِّبَعِ مِنْ غَيِرِ اللَّحْمِ وَلَا نَفْيُ الدِّفْءِ عَنْ غَيْرِ الْوَبَرِ ، وَلَكِنْ فِيهِ التَّوْكِيدُ لِأَمْرِهِمَا وَالتَّقْدِيمُ لَهُمَا عَلَى غَيْرِهِمَا فِي نَفْسِ ذَلِكَ الْمَعْنَى . انْتَهَى . قُلْتُ : الْأَمْرُ كَمَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَغَايَةُ مَا هُنَاكَ أَنَّ مَفْهُومَ الْخَمْرِ الْمَدْلُولَ عَلَيْهِ بِاللَّامِ مُعَارَضٌ بِالْمَنْطُوقَاتِ وَهِيَ أَرْجَحُ بِلَا خِلَافٍ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيَّ . كَذَا فِي الْمُنْتَقَى ( وَأَبُو كَثِيرٍ السُّحَيْمِيُّ ) بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرًا ( هُوَ الْغُبَرِيُّ ) بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ( اسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غُفَيْلَةَ ) بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ مُصَغَّرًا الْيَمَامِيُّ الْأَعْمَى ، ثِقَةٌ ، مِنَ الثَّالِثَةِ
بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ أَنْ يُنْبَذَ فِي الدُّبَّاءِ والنقير وَالْحَنْتَمِ 1868 حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، ثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، ثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَال : سَمِعْتُ زَاذَانَ يَقُولُ : سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عن ما نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْأَوْعِيَةِ وأَخْبِرْنَاهُ بِلُغَتِكُمْ ، وَفَسِّرْهُ لَنَا بِلُغَتِنَا قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْحَنْتَمَةِ وَهِيَ الْجَرَّةُ وَنَهَى عَنْ الدُّبَّاءِ وَهِيَ الْقَرْعَةُ ، وَنَهَى عَنْ النَّقِيرِ وَهُوَ أَصْلُ النَّخْلِ ، يُنْقَرُ نَقْرًا أَوْ يُنْسَجُ نَسْجًا ، وَنَهَى عَنْ الْمُزَفَّتِ وَهِيَ الْمُقَيَّرُ ، وَأَمَرَ أَنْ يُنْتبَذَ فِي الْأَسْقِيَةِ . وَفِي الْبَاب عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ ، وَسَمُرَةَ ، وَأَنَسٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَعَائِذِ بْنِ عَمْرٍو ، وَالْحَكَمِ الْغِفَارِيِّ ، وَمَيْمُونَةَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ أَنْ يُنْبَذَ فِي الدُّبَّاءِ والنقير وَالْحَنْتَمِ ) الدُّبَّاءُ بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ وَهُوَ الْقَرْعُ الْيَابِسُ ، وَهُوَ مِنَ الْآنِيَةِ الَّتِي يُسْرِعُ الشَّرَابُ فِي الشِّدَّةِ إِذَا وُضِعَ فِيهَا ، وَأَمَّا النَّقِيرُ فَبِالنُّونِ الْمَفْتُوحَةِ وَالْقَافِ وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ مِنْ نَقَرَ يَنْقُرُ ، وَكَانُوا يَأْخُذُونَ أَصْلَ النَّخْلَةِ فَيَنْقُرُونَهُ فِي جَوْفِهِ وَيَجْعَلُونَهُ إِنَاءً يَنْتَبِذُونَ فِيهِ لِأَنَّ لَهُ تَأْثِيرًا فِي شِدَّةِ الشَّرَابِ . وَأَمَّا الْحَنْتَمُ فَبِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ نُونٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ تَاءٍ مُثَنَّاةٍ مِنْ فَوْقُ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ مِيمٍ الْوَاحِدَةُ حَنْتَمَةٌ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ) هُوَ الْجَمَلِيُّ الْمُرَادِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيُّ . قَوْلُهُ : ( سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ مَا نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْأَوْعِيَةِ إِلَخْ ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ : حَدِّثْنِي بِمَا نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْأَشْرِبَةِ بِلُغَتِكَ وَفَسِّرْهُ لِي بِلُغَتِنَا ، فَإِنَّ لَكُمْ لُغَةً سِوَى لُغَتِنَا ( وَأَخْبِرْنَاهُ بِلُغَتِكُمْ ) أَيْ وَقُلْتُ لَهُ أَخْبِرْنَاهُ أَيْ حَدِّثْنَا بِمَا نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلُغَتِكُمْ ( وَهِيَ الْجَرَّةُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : اخْتُلِفَ فِي الْحَنْتَمِ ، وَأَصَحُّ الْأَقْوَالِ وَأَقْوَاهَا : أَنَّهَا جِرَارٌ خُضْرٌ ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ ثَابِتٌ فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الصَّحَابِيِّ وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ ، أَوْ كَثِيرُونَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَغَرِيبِ الْحَدِيثِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ . وَالثَّانِي : أَنَّهَا الْجِرَارُ كُلُّهَا ، قَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَأَبُو سَلَمَةَ . وَالثَّالِثُ : أَنَّهَا جِرَارٌ يُؤْتَى بِهَا مِنْ مِصْرَ مُقَيَّرَاتُ الْأَجْوَافِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَنَحْوُهُ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَزَادَ أَنَّهَا حُمْرٌ . وَالرَّابِعُ : عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - جِرَارٌ حُمْرٌ أَعْنَاقُهَا فِي جُنُوبِهَا يُجْلَبُ فِيهَا الْخَمْرُ مِنْ مِصْرَ . وَالْخَامِسُ : عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى أَيْضًا أَفْوَاهُهَا فِي جُنُوبِهَا يُجْلَبُ لَهَا الْخَمْرُ مِنَ الطَّائِفِ وَكَانَ نَاسٌ يَنْتَبِذُونَ فِيهَا يُضَاهُونَ بِهِ الْخَمْرَ . وَالسَّادِسُ : عَنْ عَطَاءٍ جِرَارٌ كَانَتْ تُعْمَلُ مِنْ طِينٍ وَشَعْرٍ وَدَمٍ ، انْتَهَى . ( وَهِيَ الْقَرْعَةُ ) أَيِ الْيَابِسَةُ ( وَنَهَى عَنِ النَّقِيرِ وَهِيَ أَصْلُ النَّخْلِ يُنْقَرُ نَقْرًا أو يُنْسَجُ نَسْجًا ) كَذَا فِي النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ بِالْجِيمِ . قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : هِيَ النَّخْلَةُ تُنْسَجُ نَسْجًا هَكَذَا جَاءَ فِي مُسْلِمٍ ، وَالتِّرْمِذِيِّ . وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ : هُوَ وَهْمٌ وَإِنَّمَا هُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، قَالَ : وَمَعْنَاهُ أَنْ يُنَحَّى قِشْرُهَا عَنْهَا وَتُمْلَسَ وَتُحْفَرَ . وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : النَّسْجُ مَا تَحَاتَّ عَنِ التَّمْرِ مِنْ قِشْرِهِ وَأَقْمَاعِهِ مِمَّا يَبْقَى فِي أَسْفَلِ الْوِعَاءِ ، انْتَهَى . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : تُنْسَحُ نَسْحًا بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ ، وَالنَّسْحُ بِسِينٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَتَيْنِ أَيْ تُقْشَرُ ثُمَّ تُنْقَرُ فَتَصِيرُ نَقِيرًا ، وَوَقَعَ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ فِي بَعْضِ النُّسَخِ تُنْسَجُ بِالْجِيمِ ، قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ : هُوَ تَصْحِيفٌ ، وَادَّعَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي نُسَخِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَفِي التِّرْمِذِيِّ بِالْجِيمِ ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ ، بَلْ مُعْظَمُ نُسَخِ مُسْلِمٍ بِالْحَاءِ ، انْتَهَى ( وَنَهَى عَنِ الْمُزَفَّتِ ) بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَفْتُوحَةِ وَهُوَ الْإِنَاءُ الْمَطْلِيُّ بِالزِّفْتِ وَهُوَ الْقِيرُ ( وَهُوَ الْمُقَيَّرُ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَالْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَى النَّهْيِ عَنْ هَذِهِ الْأَرْبَعِ هُوَ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الِانْتِبَاذِ فِيهَا ، وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ فِي الْمَاءِ حَبَّاتٌ مِنْ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ نَحْوِهِمَا لِيَحْلُوَ وَيُشْرَبَ ، وَإِنَّمَا خُصَّتْ هَذِهِ بِالنَّهْيِ لِأَنَّهُ يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْإِسْكَارُ فِيهَا فَيَصِيرُ حَرَامًا نَجَسًا وَتَبْطُلُ مَالِيَّتُهُ ، فَنَهَى عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ إِتْلَافِ الْمَالِ وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا شَرِبَهُ بَعْدَ إِسْكَارِهِ مَنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ ، انْتَهَى ( وَأَمَرَ أَنْ يُنْتَبَذَ فِي الْأَسْقِيَةِ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : لَمْ يَنْهَ عَنِ الِانْتِبَاذِ فِي أَسْقِيَةِ الْأُدْمِ بَلْ أَذِنَ فِيهَا لِأَنَّهَا لِرِقَّتِهَا لَا يَخْفَى فِيهَا الْمُسْكِرُ بَلْ إِذَا صَارَ مُسْكِرًا شَقَّهَا غَالِبًا ، انْتَهَى . وَقَالَ الْقَارِيُّ : الْمُرَادُ بِالنَّهْيِ عَنْ هَذِهِ الْأَرْبَعِ لَيْسَ اسْتِعْمَالَهَا مُطْلَقًا بَلِ النَّقِيعَ فِيهَا وَالشُّرْبَ مِنْهَا مَا يُسْكِرُ وَإِضَافَةُ الْحُكْمِ إِلَيْهَا خُصُوصًا إِمَّا لِاعْتِيَادِهِمُ اسْتِعْمَالَهَا فِي الْمُسْكِرَاتِ ، أَوْ لِأَنَّهَا أَوْعِيَةٌ تُسْرِعُ بِالِاشْتِدَادِ فِيمَا يُسْتَنْقَعُ لِأَنَّهَا غَلِيظَةٌ لَا يَتَرَشَّحُ مِنْهَا الْمَاءُ وَلَا يَنْفُذُ فِيه الْهَوَاءُ فَلَعَلَّهَا تُغَيِّرُ النَّقِيعَ فِي زَمَانٍ قَلِيلٍ وَيَتَنَاوَلُهُ صَاحِبُهُ عَلَى غَفْلَةٍ بِخِلَافِ السِّقَاءِ فَإِنَّ التَّغَيُّرَ فِيهِ يَحْدُثُ عَلَى مَهْلٍ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ : نَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ ، فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا . وَقِيلَ : هَذِهِ الظُّرُوفُ كَانَتْ مُخْتَصَّةً بِالْخَمْرِ فَلَمَّا حُرِّمَتِ الْخَمْرُ حَرَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتِعْمَالَ هَذِهِ الظُّرُوفِ إِمَّا لِأَنَّ فِي اسْتِعْمَالِهَا تَشْبِيهًا بِشُرْبِ الْخَمْرِ ، وَإِمَّا لِأَنَّ هَذِهِ الظُّرُوفَ كَانَ فِيهَا أَثَرُ الْخَمْرِ ، فَلَمَّا أَمْضَتْ مُدَّةً أَبَاحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتِعْمَالَ هَذِهِ الظُّرُوفِ ، فَإِنَّ أَثَرَ الْخَمْرِ زَالَ عَنْهَا . وَأَيْضًا فِي ابْتِدَاءِ تَحْرِيمِ شَيْءٍ يُبَالَغُ وَيُشَدَّدُ لِيَتْرُكَهُ النَّاسُ مَرَّةً فَإِذَا تَرَكَهُ النَّاسُ وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ يَزُولُ التَّشْدِيدُ بَعْدَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ انْتَهَى كَلَامُ الْقَارِيِّ . قَالَ النَّوَوِيُّ : ثُمَّ إِنَّ هَذَا النَّهْيَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ثُمَّ نُسِخَ بِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - يَعْنِي الَّذِي يَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ إِلَخْ ) أَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ . وَأَمَّا حَدِيثُ سَمُرَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ . وَأَمَّا حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو وَحَدِيثُ الْحَكَمِ الْغِفَارِيِّ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُمَا . وَأَمَّا حَدِيثُ مَيْمُونَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تَنْبِذُوا فِي الدُّبَّاءِ وَلَا فِي الْمُزَفَّتِ وَلَا فِي النَّقِيرِ وَلَا فِي الْجِرَارِ ، وَقَالَ : كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ .
1882 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، ثَنَا هُشَيْمٌ ، ثَنَا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ ، وَمُغِيرَةُ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَرِبَ مِنْ زَمْزَمَ وَهُوَ قَائِمٌ . وَفِي الْبَاب عَنْ عَلِيٍّ ، وَسَعْدٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَعَائِشَةَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( ثَنَا هُشَيْمٌ ) هُوَ ابْنُ بَشِيرِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ دِينَارٍ السُّلَمِيُّ ( مُغِيرَةُ ) هُوَ ابْنُ مِقْسَمٍ الضَّبِّيُّ ، مَوْلَاهُمْ ، أَبُو هِشَامٍ الْكُوفِيُّ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَرِبَ مِنْ زَمْزَمَ وَهُوَ قَائِمٌ ) قَالَ السُّيُوطِيُّ : هَذَا لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَقَدْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ مَوْضِعًا لِلْقُعُودِ لِازْدِحَامِ النَّاسِ عَلَى مَاءِ زَمْزَمَ أَوِ ابْتِلَالِ الْمَكَانِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ ، وَسَعْدٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَعَائِشَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبُخَارِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ فِي رَحَبَةِ الْكُوفَةِ شَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ قَالَ : إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُونَ الشُّرْبَ قَائِمًا ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُ ، كَذَا فِي الْمُنْتَقَى ، وَأَمَّا حَدِيثُ سَعْدٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ هَذَا ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ ، وَأَبُو عَلِيٍّ الطُّوسِيُّ فِي الْأَحْكَامِ كَمَا فِي الْفَتْحِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَةِ فِي الشُّرْبِ قَائِمًا 1881 حَدَّثَنَا أَبُو السَّائِبِ سَلْمُ بْنُ جُنَادَةَ بن سلم الْكُوفِيُّ ، ثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كُنَّا نَأْكُلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ نَمْشِي ، وَنَشْرَبُ وَنَحْنُ قِيَامٌ . هَذَا حَدِيثٌ حسن صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَرَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُدَيْرٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي الْبَزَرِيِّ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَبُو الْبَزَرِيِّ اسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ عُطَارِدٍ باب ما جاء في الرخصة في الشرب قائما قَوْلُهُ : ( كُنَّا نَأْكُلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أَيْ فِي زَمَانِهِ ( وَنَحْنُ نَمْشِي ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ( وَنَشْرَبُ ) عَطْفٌ عَلَى نَأْكُلُ ( وَنَحْنُ قِيَامٌ ) قَيْدٌ لِلْأَخِيرِ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الْأَكْلِ مَاشِيًا ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ ، فَيُحْمَلُ حَدِيثُ أَنَسٍ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عَلَى الْجَوَازِ مَعَ الْكَرَاهَةِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالدَّارِمِيُّ . قَوْلُهُ : ( وَرَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُدَيْرٍ ) بِمُهْمَلَاتٍ مُصَغَّرًا السَّدُوسِيُّ أَبُو عُبَيْدَةَ ، الْبَصْرِيُّ ، ثِقَةٌ ، مِنَ السَّادِسَةِ ( وَأَبُو الْبَزْرِيِّ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالزَّايِ بَعْدَهَا رَاءٌ ( اسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ عُطَارِدٍ ) مَقْبُولٌ ، مِنَ الرَّابِعَةِ .
1883 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَشْرَبُ قَائِمًا وَقَاعِدًا . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ) هُوَ الْمَدَنِيُّ الْبَصْرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِغُنْدُرٍ ( عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ ) هُوَ ابْنُ ذَكْوَانَ الْعَوْذِيُّ . قَوْلُهُ : ( رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أَيْ أَبْصَرْتُهُ حَالَ كَوْنِهِ ( يَشْرَبُ قَائِمًا ) أَيْ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ أَوْ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ ( وَقَاعِدًا ) أَيْ فِي سَائِرِ أَوْقَاتِهِ ، وَأَحَادِيثُ الْبَابِ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الشُّرْبِ قَائِمًا ، وَأَحَادِيثُ الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ تَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ عَنْهُ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَسَلَكَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ مَسَالِكَ أَحَدُهَا التَّرْجِيحُ ، وَأَنَّ أَحَادِيثَ الْجَوَازِ أَثْبَتُ مِنْ أَحَادِيثِ النَّهْيِ ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أَبِي بَكْرٍ الْأَثْرَمِ فَقَالَ حَدِيثُ أَنَسٍ - يَعْنِي فِي النَّهْيِ - : جَيِّدُ الْإِسْنَادِ ، وَلَكِنْ قَدْ جَاءَ عَنْهُ خِلَافُهُ - يَعْنِي فِي الْجَوَازِ قَالَ : وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الطَّرِيقِ إِلَيْهِ فِي النَّهْيِ أَثْبَتُ مِنَ الطَّرِيقِ إِلَيْهِ فِي الْجَوَازِ أَنْ لَا يَكُونَ الَّذِي يُقَابِلُهُ أَقْوَى لِأَنَّ الْثَّبتَ قَدْ يَرْوِي هُوَ وَمَنْ دُونَهُ الشَّيْءَ فَيُرَجَّحُ عَلَيْهِ ، فَقَدْ رُجِّحَ نَافِعٌ عَلَى سَالِمٍ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَسَالِمٌ مُقَدَّمٌ عَلَى نَافِعٍ فِي التَّثَبُّتِ ، وَقُدِّمَ شَرِيكٌ عَلَى الثَّوْرِيِّ فِي حَدِيثَيْنِ ، وَسُفْيَانُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ فِي جُمْلَةِ أَحَادِيثَ ، ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : لَا بَأْسَ بِالشُّرْبِ قَائِمًا ، قَالَ الْأَثْرَمُ : فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ عَنْهُ فِي النَّهْيِ لَيْسَتْ ثَابِتَةً وَإِلَّا لَمَا قَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ ، قَالَ : وَيَدُلُّ عَلَى وهاء أَحَادِيثُ النَّهْيِ أَيْضًا اتِّفَاقُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ شَرِبَ قَائِمًا أَنْ يَسْتَقِيءَ . الْمَسْلَكُ الثَّانِي : دَعْوَى النَّسْخِ وَإِلَيْهَا جَنَحَ الْأَثْرَمُ ، وَابْنُ شَاهِينٍ فَقَرَّرَا عَلَى أَنَّ أَحَادِيثَ النَّهْيِ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا مَنْسُوخَةٌ بِأَحَادِيثِ الْجَوَازِ بِقَرِينَةِ عَمَلِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَمُعْظَمِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِالْجَوَازِ ، وَقَدْ عَكَسَ ذَلِكَ ابْنُ حَزْمٍ فَادَّعَى نَسْخَ أَحَادِيثِ الْجَوَازِ بِأَحَادِيثِ النَّهْيِ مُتَمَسِّكًا بِأَنَّ الْجَوَازَ عَلَى وَفْقِ الْأَصْلِ وَأَحَادِيثُ النَّهْيِ مُقَرِّرَةٌ لِحُكْمِ الشَّرْعِ ، فَمَنِ ادَّعَى الْجَوَازَ بَعْدَ النَّهْيِ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ فَإِنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ ، وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ أَحَادِيثَ الْجَوَازِ مُتَأَخِّرَةٌ لِمَا وَقَعَ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْأَخِيرَ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَلَّ عَلَى الْجَوَازِ وَيَتَأَيَّدُ بِفِعْلِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بَعْدَهُ . الْمَسْلَكُ الثَّالِثُ : الْجَمْعُ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ ، فَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ الثَّقَفِيُّ : الْمُرَادُ بِالْقِيَامِ هُنَا الْمَشْيُ ، يُقَالُ : قَامَ فِي الْأَمْرِ إِذَا مَشَى فِيهِ ، وَقُمْتُ فِي حَاجَتِي إِذَا سَعَيْتُ فِيهَا وَقَضَيْتُهَا ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا أَي مُوَاظِبًا بِالْمَشْيِ عَلَيْهِ ، وَجَنَحَ الطَّحَاوِيُّ إِلَى تَأْوِيلٍ آخَرَ وَهُوَ حَمْلُ النَّهْيِ عَلَى مَنْ لَمْ يُسَمِّ عِنْدَ شُرْبِهِ ، وَهَذَا إِنْ سُلِّمَ لَهُ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْأَحَادِيثِ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ فِي بَقِيَّتِهَا ، وَسَلَكَ آخَرُونَ فِي الْجَمْعِ حَمْلَ أَحَادِيثِ النَّهْيِ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ ، وَأَحَادِيثِ الْجَوَازِ عَلَى بَيَانِهِ ، وَهِيَ طَرِيقَةُ الْخَطَّابِيِّ ، وَابْنِ بَطَّالٍ فِي آخَرِينَ . قَالَ الْحَافِظُ : وَهَذَا أَحْسَنُ الْمَسَالِكِ وَأَسْلَمُهَا وَأَبْعَدُهَا مِنَ الِاعْتِرَاضِ ، وَقَدْ أَشَارَ الْأَثْرَمُ إِلَى ذَلِكَ أَخِيرًا ، فَقَالَ : إِنْ ثَبَتَتِ الْكَرَاهَةُ حُمِلَتْ عَلَى الْإِرْشَادِ وَالتَّأْدِيبِ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الطَّبَرِيُّ وَأَيَّدَهُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جَائِزًا ثُمَّ حَرَّمَهُ أَوْ كَانَ حَرَامًا ثُمَّ جَوَّزَهُ لَبَيَّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ بَيَانًا وَاضِحًا ، فَلَمَّا تَعَارَضَتِ الْأَخْبَارُ بِذَلِكَ جَمَعْنَا بَيْنَها بِهَذَا ، وَقِيلَ : إِنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ الطِّبِّ مَخَافَةَ وُقُوعِ ضَرَرٍ بِهِ ، فَإِنَّ الشُّرْبَ قَاعِدًا أَمْكَنُ وَأَبْعَدُ مِنَ الشَّرَقِ وَحُصُولِ الْوَجَعِ فِي الْكَبِدِ أَوِ الْحَلْقِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ قَدْ لَا يَأْمَنُ مِنْهُ مَنْ شَرِبَ قَائِمًا ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الصَّوَابُ أَنَّ النَّهْيَ فِيهَا مَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ ، وَأَمَّا شُرْبُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَائِمًا فَبَيَانٌ لِلْجَوَازِ ، فَلَا إِشْكَالَ وَلَا تَعَارُضَ ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ يَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ ، وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ نَسْخًا أَوْ غَيْرَهُ فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا فَاحِشًا ، وَكَيْفَ يُصَارُ إِلَى النَّسْخِ مَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ لَوْ ثَبَتَ التَّارِيخُ وَأَنَّى لَهُ بِذَلِكَ ، فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ يَكُونُ الشُّرْبُ قَائِمًا مَكْرُوهًا ، وَقَدْ فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ فِعْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا كَانَ بَيَانًا لِلْجَوَازِ لَا يَكُونُ مَكْرُوهًا ، بَلِ الْبَيَانُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَيْفَ يَكُونُ مَكْرُوهًا ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً ، وَطَافَ عَلَى بَعِيرٍ مَعَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، وَالطَّوَافَ مَاشِيًا أَكْمَلُ ، وَنَظَائِرُ هَذَا غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ ، فَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنَبِّهُ عَلَى جَوَازِ الشَّيْءِ مَرَّةً أَوْ مَرَّاتٍ وَيُوَاظِبُ عَلَى الْأَفْضَلِ مِنْهُ ، وَهَكَذَا كَانَ أَكْثَرُ وُضُوئِهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، وَأَكْثَرُ طَوَافِهِ مَاشِيًا ، وَأَكْثَرُ شُرْبِهِ جَالِسًا ، وَهَذَا وَاضِحٌ لَا يَتَشَكَّكُ فِيهِ مَنْ لَهُ أَدْنَى نِسْبَةٍ إِلَى عِلْمٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ فَمَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالنَّدْبِ ، فَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ شَرِبَ قَائِمًا أَنْ يَتَقَيَّأَهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ ، فَإِنَّ الْأَمْرَ إِذَا تَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلَى الْوُجُوبِ حُمِلَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، وَأَمَّا قَوْلُ الْقَاضِي عِيَاضٍ : لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ مَنْ شَرِبَ نَاسِيًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَقَيَّأَ فَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى تَضْعِيفِ الْحَدِيثِ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى إِشَارَتِهِ ، وَكَوْنُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَمْ يُوجِبُوا الِاسْتِقَاءَة لَا يَمْنَعُ كَوْنَهَا مُسْتَحَبَّةً ، فَإِنِ ادَّعَى مُدَّعٍ مَنْعَ الِاسْتِحْبَابِ فَهُوَ مُجَازِفٌ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ ، فَمِنْ أَيْنَ لَهُ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَنْعِ الِاسْتِحْبَابِ ؟ وَكَيْفَ تُتْرَكُ هَذِهِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ بِالتَّوَهُّمَاتِ وَالدَّعَاوَى وَالتُّرَّهَاتِ ؟ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ تُسْتَحَبُّ الِاسْتِقَاءَةُ لِمَنْ شَرِبَ قَائِمًا نَاسِيًا وَمُتَعَمِّدًا ، وَذِكْرُ النَّاسِي فِي الْحَدِيثِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ الْقَاصِدَ يُخَالِفُهُ بَلْ لِلتَّنْبِيهِ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ إِذَا أَمَرَ بِالنَّاسِي وَهُوَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ فَالْعَامِدُ الْمُخَاطَبُ الْمُكَلَّفُ الْأَوْلَى ، وَهَذَا وَاضِحٌ لَا شَكَّ فِيهِ .
بَاب مَا جَاءَ فِي نَبِيذِ الْجَرِّ 1867 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَا : ثنا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ ، عَنْ طَاوُسٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ ، فَقَالَ : نَعَمْ ، فَقَالَ طَاوُسٌ : وَاللَّهِ إِنِّي سَمِعْتُهُ مِنْهُ . وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَسُوَيْدٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي نَبِيذِ الْجَرِّ ) قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : النَّبِيذُ هُوَ مَا يُعْمَلُ مِنَ الْأَشْرِبَةِ مِنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْعَسَلِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، يقال : نَبَذْتَ التَّمْرَ وَالْعِنَبَ : إِذَا تَرَكْتَ عَلَيْهِ الْمَاءَ لِيَصِيرَ نَبِيذًا ، فَصُرِفَ مِنْ مَفْعُولٍ إِلَى فَعِيلٍ ، وَانْتَبَذْتَهُ اتَّخَذْتَهُ نَبِيذًا ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُسْكِرًا أَوْ غَيْرَ مُسْكِرٍ ، انْتَهَى . وَالنَّبِيذُ حَلَالٌ اتِّفَاقًا مَا دَامَ حُلْوًا وَلَمْ يَنْتَهِ إِلَى حَدِّ الْإِسْكَارِ ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ . وَالْجَرُّ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ جَمْعُ جَرَّةٍ كَتَمْرٍ جَمْعِ تَمْرَةٍ ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْجِرَارِ ، الْوَاحِدَةُ جَرَّةٌ ، وَهِيَ كُلُّ مَا يُصْنَعُ مِنْ مَدَرٍ . قَوْلُهُ : ( ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ) هُوَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مِقْسَمٍ ( ثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ ) هُوَ ابْنُ طَرْخَانَ ( عَنْ طَاوُسٍ ) هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ . قَوْلُهُ : ( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بِحَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ : أَنَهَى بِذِكْرِ الْهَمْزَةِ ( فَقَالَ : نَعَمْ ) أَيْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْجَرُّ وَالْجِرَارُ جَمْعُ جَرَّةٍ ، وَهُوَ الْإِنَاءُ الْمَعْرُوفُ مِنَ الْفَخَّارِ . وَأَرَادَ بِالنَّهْيِ عَنِ الْجِرَارِ الْمَدْهُونَةَ لِأَنَّهَا أَسْرَعُ فِي الشِّدَّةِ وَالتَّخْمِيرِ ، انْتَهَى . وَهَذَا يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْجِرَارِ مِنَ الْحَنْتَمِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ مَنْسُوخٌ كَمَا سَيَأْتِي . وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ : مَا الْجَرُّ ؟ فَقَالَ : كُلُّ شَيْءٍ يُصْنَعُ مِنَ الْمَدَرِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا تَصْرِيحٌ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَنَّ الْجَرَّ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْجِرَارِ الْمُتَّخَذَةِ مِنَ الْمَدَرِ الَّذِي هُوَ التُّرَابُ ، انْتَهَى ( فَقَالَ طَاوُسٌ إِلَخْ ) هَذَا قَوْلُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَسُوَيْدٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ) أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي أَوْفَى فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْهُ قَالَ : نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْجَرِّ الْأَخْضَرِ ، قُلْتُ : أَيُشْرَبُ فِي الْأَبْيَضِ ؟ قَالَ : لَا . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . وَأَمَّا حَدِيثُ سُوَيْدٍ وَهُوَ ابْنُ مُقَرِّنٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَبِيذٍ فِي جَرَّةٍ فَسَأَلْتُهُ فَنَهَانِي عَنْهَا فَكَسَرْتُهَا . وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُنْبَذَ فِي الْجَرِّ وَفِي كَذَا وَفِي كَذَا إِلَّا الْخَلَّ . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَةِ أَنْ يُنْتبَذَ فِي الظُّرُوفِ 1869 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالُوا : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ الظُّرُوفِ ، وَإِنَّ ظَرْفًا لَا يُحِلُّ شَيْئًا وَلَا يُحَرِّمُهُ ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . باب ما جاء في الرخصة أن ينتبذ في الظروف قَوْلُهُ : ( وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ) هُوَ الْخَلَّالُ الْحُلْوَانِيُّ ( ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ) اسْمُهُ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ النَّبِيلُ ( ثَنَا سُفْيَانُ ) هُوَ الثَّوْرِيُّ . قَوْلُهُ : ( إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الظُّرُوفِ ) أَيْ عَنِ الِانْتِبَاذِ فِي ظَرْفٍ مِنْ هَذِهِ الظُّرُوفِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ ( وَإِنَّ ظَرْفًا لَا يُحِلُّ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ لَا يُبِيحُ ( وَلَا يُحَرِّمُهُ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : نَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ ، فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا ، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا . قَالَ النَّوَوِيُّ : كَانَ الِانْتِبَاذُ فِي الْحَنْتَمِ وَالدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ مَنْهِيًّا عَنْهُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَصِيرَ مُسْكِرًا فِيهَا وَلَا نَعْلَمُ بِهِ لِكَثَافَتِهَا فَيُتْلِفُ مَالِيَّتَهُ وَرُبَّمَا شَرِبَهُ الْإِنْسَانُ ظَانًّا أَنْ لَمْ يَصِرْ مُسْكِرًا ، فَيَصِيرُ شَارِبًا لِلْمُسْكِرِ ، وَكَانَ الْعَهْدُ قَرِيبًا بِإِبَاحَةِ الْمُسْكِرِ ، فَلَمَّا طَالَ الزَّمَانُ وَاشْتَهَرَ تَحْرِيمُ الْمُسْكِرَاتِ وَتَقَرَّرَ ذَلِكَ فِي نُفُوسِهِمْ نُسِخَ ذَلِكَ وَأُبِيحَ لَهُمْ الِانْتِبَاذُ فِي كُلِّ وِعَاءٍ بِشَرْطِ أَنْ لَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا ، وَهَذَا صَرِيحُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ : كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ الِانْتِبَاذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ الْحَدِيثَ . قَالَ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَوْنِهِ مَنْسُوخًا هُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْقَوْلُ بِالنَّسْخِ هُوَ أَصَحُّ الْأَقَاوِيلِ . قَالَ : وَقَالَ قَوْمٌ : التَّحْرِيمُ بَاقٍ ، وَكَرِهُوا الِانْتِبَاذَ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ ، ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمُ - انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) قَالَ فِي الْمُنْتَقَى : رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيَّ ، وَأَبَا دَاوُدَ .
1870 حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، ثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الظُّرُوفِ ، فَشَكَتْ إِلَيْهِ الْأَنْصَارُ ، فَقَالُوا : لَيْسَ لَنَا وِعَاءٌ ، قَالَ : فَلَا إِذاً . وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي هريرة ، وَأَبِي سعيد ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( عَنْ سُفْيَانَ ) هُوَ الثَّوْرِيُّ ( عَنْ مَنْصُورٍ ) هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ ( عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ) هُوَ الْأَشْجَعِيُّ الْكُوفِيُّ . قَوْلُهُ : ( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الظُّرُوفِ ) جَمْعُ ظَرْفٍ وَهُوَ الْوِعَاءُ أَيْ عَنْ الِانْتِبَاذِ فِيهَا . وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ : نَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ ( فَقَالُوا : لَيْسَ لَنَا وِعَاءٌ ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ : إِنَّهُ لَا بُدَّ لَنَا مِنْهَا ( قَالَ ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( فَلَا إِذًا ) قَالَ الْحَافِظُ : جَوَابٌ وَجَزَاءٌ ، أَيْ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا بُدَّ لَكُمْ مِنْهَا فَلَا تَدَعُوهَا ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ النَّهْيَ كَانَ وَرَدَ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الِاحْتِيَاجِ أَوْ وَقَعَ وَحْيٌّ فِي الْحَالِ بِسُرْعَةٍ ، أَوْ كَانَ الْحُكْمُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ مُفَوَّضًا لِرَأْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذِهِ الِاحْتِمَالَاتُ تَرُدُّ عَلَى مَنْ جَزَمَ بِأَنَّ الْحَدِيثَ حُجَّةٌ فِي أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَحْكُمُ بِالِاجْتِهَادِ ، انْتَهَى . وَفِي عُمْدَةِ الْقَارِي : قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : النَّهْيُ عَنِ الْأَوْعِيَةِ إِنَّمَا كَانَ قَطْعًا لِلذَّرِيعَةِ فَلَمَّا قَالُوا : لَا بُدَّ لَنَا ، قَالَ : انْتَبِذُوا فِيهَا ، وَكَذَلِكَ كُلُّ نَهْيٍ كَانَ لِمَعْنَى النَّظَرِ إِلَى غَيْرِهِ ، كَنَهْيِهِ عَنِ الجُّلُوسِ فِي الطُّرُقَاتِ ، فَلَمَّا ذَكَرُوا أَنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ بُدًّا مِنْ ذَلِكَ قَالَ : إِذَا أَبَيْتُمْ فَأَعْطُوا الطَّرَيقَ حَقَّهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : الِانْتِبَاذُ فِي جَمِيعِ الْأَوْعِيَةِ كُلِّهَا مُبَاحٌ ، وَأَحَادِيثُ النَّهْيِ عَنْ الِانْتِبَاذِ مَنْسُوخَةٌ بِحَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَطْلَقَ لَهُمْ جَمِيعَ الْأَوْعِيَةِ وَالظُّرُوفِ حِينَ قَالَ لَهُ الْأَنْصَارُ : لَا بُدَّ لَنَا مِنْهَا ، فَقَالَ : فَلَا إِذًا ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهَا شَيْئًا ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ) أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ نَبِيذِ الْأَوْعِيَةِ ، أَلَا وَإِنَّ وِعَاءً لَا يُحَرِّمُ شَيْئًا ، كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُمَا . وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْهُ قَالَ : لَمَّا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ النَّبِيذِ فِي الْأَوْعِيَةِ قَالُوا : لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَجِدُ ، فَأَرْخَصَ لَهُمْ فِي الْجَرِّ غَيْرِ الْمُزَفَّتِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُ .
بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ 1878 حَدَّثَنَا بندار ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، ثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ الْحَكَمِ قَال : سَمِعْتُ ابْنَ أَبِى لَيْلَى يُحَدِّثُ أَنَّ حُذَيْفَةَ اسْتَسْقَى ، فَأَتَاهُ إِنْسَانٌ بِإِنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ ، فَرَمَاهُ بِهِ وَقَالَ : إِنِّي كُنْتُ قَدْ نَهَيْتُهُ فَأَبَى أَنْ يَنْتَهِيَ ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذهب والْفِضَّةِ ، وَلُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ ، وَقَالَ : هِيَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ . وَفِي الْبَاب عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَالْبَرَاءِ ، وَعَائِشَةَ . هَذَا حَدِيثٌ صحيح حَسَنٌ . باب ما جاء في كراهية الشرب في آنية الذهب والفضة قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ( سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى ) هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ حُذَيْفَةَ اسْتَسْقَى ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : كَانَ حُذَيْفَةُ بِالْمَدَائِنِ فَاسْتَسْقَى ، وَالْمَدَائِنُ اسْمٌ بِلَفْظِ الْجَمْعِ ، وَهُوَ بَلَدٌ عَظِيمٌ عَلَى دِجْلَةَ ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَغْدَادَ سَبْعَةُ فَرَاسِخَ ، وَكَانَ حُذَيْفَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَامِلًا عَلَيْهَا فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ إِلَى أَنْ مَاتَ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ ( فَأَتَاهُ إِنْسَانٌ ) وفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : فَأَتَاهُ دِهْقَانٌ ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ : فَسَقَاهُ مَجُوسِيٌّ ، قَالَ الْحَافِظُ : لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ بَعْدَ الْبَحْثِ ( فَرَمَاهُ بِهِ ) وَفِي رِوَايَةٍ : فَرَمَى بِهِ فِي وَجْهِهِ ( وَقَالَ : إِنِّي كُنْتُ قَدْ نَهَيْتُهُ فَأَبَى أَنْ يَنْتَهِيَ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : فَقَالَ إِنِّي لَمْ أَرْمِهِ إِلَّا أَنِّي نَهَيْتُهُ فَلَمْ يَنْتَهِ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ) كَذَا وَقَعَ فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ عَنْ حُذَيْفَةَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الشُّرْبِ ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ منْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى بِلَفْظِ : نَهَى أَنْ يُشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَأَنْ يُؤْكَلَ فِيهَا ( وَلُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الدِّيبَاجُ هُوَ الثِّيَابُ الْمُتَّخَذَةُ مِنَ الْإِبْرَيْسَمِ ، فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ ، وَقَدْ تُفْتَحُ دَالُهُ وَيُجْمَعُ عَلَى ديابيج وَدَبَابِيجَ بِالْيَاءِ وَالْبَاءِ ; لِأَنَّ أَصْلَهُ دَبَّاجٌ ، انْتَهَى . قِيلَ : الدِّيبَاجُ نَوْعٌ مِنَ الْحَرِيرِ مُخْتَصٌّ بِهَذَا الِاسْمِ فَتَخْصِيصُهُ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَدَمُ دُخُولِهِ فِيهِ ( وَقَالَ ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( هِيَ لَهُمْ ) أَيْ لِلْكُفَّارِ ( فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ ) لَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ هِيَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا إِبَاحَةُ اسْتِعْمَالِهِمْ إِيَّاهَا وَإِنَّمَا الْمَعْنَى هُمُ الَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَهَا مُخَالَفَةً لِزِيِّ الْمُسْلِمِينَ ، وَكَذَا قَوْلُهُ : وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ ، أَيْ تَسْتَعْمِلُونَهَا مُكَافَأَةً لَكُمْ عَلَى تَرْكِهَا فِي الدُّنْيَا ، وَيُمْنَعُ أُولَئِكَ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى مَعْصِيَتِهِمْ بِاسْتِعْمَالِهَا ، قَالَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ . قَالَ الْحَافِظُ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الَّذِي يَتَعَاطَى ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا لَا يَتَعَاطَاهُ فِي الْآخِرَةِ كَمَا فِي شُرْبِ الْخَمْرِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَالْبَرَاءِ ، وَعَائِشَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : إِنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ كَذَا فِي الْمِشْكَاةِ أَمَّا حَدِيثُ الْبَرَاءِ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ أَيْضًا عَنْهُ قَالَ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ : أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ الْحَدِيثَ وَفِيهِ : وَنَهَانَا عَنْ خَوَاتِيمِ الذَّهَبِ وَعَنِ الشُّرْبِ فِي الْفِضَّةِ إِلَخْ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ بِنَحْوِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ . وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، ذَكَرَ حَدِيثهمَا الْمُنْذِرِيُّ فِي كِتَابِهِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ ، أَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً ، وَلَا يَلْتَحِقُ ذَلِكَ بِالْحُلِيِّ لِلنِّسَاءِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ التَّزَيُّنِ الَّذِي أُبِيحَ لَهَا فِي شَيْءٍ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ : فِي الْحَدِيثِ تَحْرِيمُ اسْتِعْمَالِ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، وَيَلْحَقُ بِهِمَا مَا فِي مَعْنَاهُمَا مِثْلُ التَّطَيُّبِ وَالتَّكَحُّلِ وَسَائِرِ وُجُوهِ الِاسْتِعْمَالَاتِ وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ ، كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي . قُلْتُ : وَقَدْ أَجَازَ الْأَمِيرُ الْيَمَانِيُّ وَالْقَاضِي الشَّوْكَانِيُّ اسْتِعْمَالَ الْأَوَانِي مِنَ الْفِضَّةِ فِي غَيْرِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ كَالتَّطَيُّبِ وَالتَّكَحُّلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، قَالَ الْأَمِيرُ فِي السُّبُلِ : الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَصِحَافِهِمَا سَوَاءٌ أَكَانَ الْإِنَاءُ خَالِصًا ذَهَبًا أَوْ مَخْلُوطًا بِالْفِضَّةِ إِذْ هُوَ مِمَّا يَشْمَلُهُ أَنَّهُ إِنَاءُ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ ، قَالَ : وَهَذَا فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِيمَا ذُكِرَ لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَأَمَّا غَيْرُهُمَا فَفِيهَا الْخِلَافُ مِنْ سَائِرِ الِاسْتِعْمَالَاتِ ، قِيلَ : لَا تَحْرُمُ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَرِدْ إِلَّا فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، وَقِيلَ : تَحْرُمُ سَائِرُ الِاسْتِعْمَالَاتُ إِجْمَاعًا ، وَنَازَعَ فِي الْأَخِيرِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ ، وَقَالَ : النَّصُّ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لَا غَيْرُ وَإِلْحَاقُ سَائِرِ الِاسْتِعْمَالَاتِ بِهِمَا قِيَاسًا لَا يَتِمُّ فِيهِ شَرَائِطُ الْقِيَاسِ ، وَالْحَقُّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْقَائِلُ بِعَدَمِ تَحْرِيمِ غَيْرِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِيهِمَا إِذْ هُوَ الثَّابِتُ بِالنَّصِّ وَدَعْوَى الْإِجْمَاعِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ ، انْتَهَى كَلَامُ صَاحِبِ السُّبُلِ مُخْتَصَرًا . وقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : لَا شَكَّ أَنَّ أَحَادِيثَ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَأَمَّا سَائِرُ الِاسْتِعْمَالَاتِ فَلَا ، وَالْقِيَاسُ عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ ، فَإِنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ عَنِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ هِيَ التَّشَبُّهُ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ حَيْثُ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَّةٍ مِنْ فِضَّةٍ ، وَذَلِكَ مَنَاطٌ مُعْتَبَرٌ لِلشَّارِعِ كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ لَمَّا رَأَى رَجُلًا مُتَخَتِّمًا بِخَاتَمٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ : مَالِي أَرَى عَلَيْكَ حِلْيَةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ . أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ ، وَكَذَلِكَ فِي الْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ وَإِلَّا لَزِمَ تَحْرِيمُ التَّحَلِّي بِالْحُلِيِّ وَالِافْتِرَاشِ لِلْحَرِيرِ لِأَنَّ ذَلِكَ اسْتِعْمَالٌ ، وَقَدْ جَوَّزَهُ الْبَعْضُ مِنَ الْقَائِلِينَ بِتَحْرِيمِ الِاسْتِعْمَالِ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَصْلَ الْحِلُّ فَلَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ إِلَّا بِدَلِيلٍ يُسَلِّمُهُ الْخَصْمُ ، وَلَا دَلِيلَ فِي الْمَقَامِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ، فَالْوُقُوفُ عَلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ الْمُعْتَضِدِ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ هُوَ وَظِيفَةُ الْمُنْصِفِ الَّذِي لَمْ يُخْبَطْ بِسَوْطِ هَيْبَةِ الْجُمْهُورِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَيَّدَ هَذَا الْأَصْلَ حَدِيثُ : وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِالْفِضَّةِ فَالْعَبُوا بِهَا لَعِبًا ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا سَلَفَ : أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ جَاءَتْ بِجُلْجُلٍ مِنْ فِضَّةٍ فِيهِ شَعْرٌ مِنْ شَعْرِ رَسُولِ اللَّه ، فَخَضْخَضَتِ ، الْحَدِيثَ ، انْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ بِاخْتِصَارٍ . قُلْتُ : أَثَرُ أُمِّ سَلَمَةَ فِي اسْتِعْمَالِهَا الْجُلْجُلَ مِنَ الْفِضَّةِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ : أَرْسَلَنِي أَهْلِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَجَاءَتْ بِجُلْجُلٍ مِنْ فِضَّةٍ فِيهِ شَعْرٌ مِنْ شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ إِذَا أَصَابَ الْإِنْسَانَ عَيْنٌ أَوْ شَيْءٌ بَعَثَ إِلَيْهَا بِإِنَاءٍ فَخَضْخَضَتْ لَهُ فَشَرِبَ مِنْهُ ، فَاضْطَلَعْتُ فِي الْجُلْجُلِ فَرَأَيْتُ شَعَرَاتٍ حُمْرًا . قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُمَوَّهًا بِفِضَّةٍ لَا أَنَّهُ كَانَ كُلُّهُ فِضَّةً . قَالَ الْحَافِظُ : وَهَذَا يُنْبِئُ عَلَى أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ كَانَتْ لَا تُجِيزُ اسْتِعْمَالَ آنِيَّةِ الْفِضَّةِ فِي غَيْرِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، وَمِنْ أَيْنَ لَهُ ذَلِكَ ؟ فَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : وَالْحَقُّ الْجَوَازُ إِلَّا فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ لَمْ تَدُلَّ عَلَى غَيْرِهَا بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ ، انْتَهَى . قُلْتُ : وَأَمَّا قَوْلُ الشَّوْكَانِيِّ بِأَنَّهُ قَدْ أَيَّدَ هَذَا الْأَصْلَ حَدِيثُ : وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِالْفِضَّةِ فَالْعَبُوا بِهَا لَعِبًا ، فَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ قَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ أَبْوَابِ اللِّبَاسِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ حَسَنٌ ) أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ .
1877 حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ ، ثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ أَنْ يُخْلَطَ بَيْنَهُمَا ، وَنَهَى عَنْ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ أَنْ يُخْلَطَ بَيْنَهُمَا ، وَنَهَى عَنْ الْجِرَارِ أَنْ يُنْتبَذَ فِيهَا . وَفِي الْبَاب عَنْ أنس ، وجَابِرٍ ، وَأَبِي قَتَادَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ، وَمَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أُمِّهِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( ثَنَا جَرِيرٌ ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ( عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ) هُوَ ابْنُ طَرْخَانَ ( عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ) هو الْعَبْدِيِّ . قَوْلُهُ : ( نَهَى عَنِ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ أَنْ يُخْلَطَ بَيْنَهُمَا ) يَعْنِي فِي الِانْتِبَاذِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : مَنْ شَرِبَ النَّبِيذَ مِنْكُمْ فَلْيَشْرَبْهُ زَبِيبًا فَرْدًا أَوْ تَمْرًا فَرْدًا أَوْ بُسْرًا فَرْدًا . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ ، وَجَابِرٍ ، وَأبي قَتَادَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ، وَمَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أُمِّهِ ) أَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْهُ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَجْمَعَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ نَبِيذًا يَبْغِي أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ . وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ بِلَفْظِ : نَهَى أَنْ يُنْبَذَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا ، وَنَهَى أَنْ يُنْبَذَ الرُّطَبُ وَالْبُسْرُ جَمِيعًا . قَالَ فِي الْمُنْتَقَى بَعْدَ ذِكْرِهِ : رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ فَإِنَّ لَهُ مِنْهُ فَصْلَ الرُّطَبِ وَالْبُسْرِ . انْتَهَى . وَأَمَّا حَدِيثُ أبي قَتَادَةَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ . وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ أَبِي مَرْيَمَ قَالَتْ : سَأَلْتُ أُمَّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْها - مَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَى عَنْهُ ؟ قَالَتْ : كَانَ يَنْهَانَا أَنْ نَعْجُمَ النَّوَى طَبْخًا ، أَوْ نَخْلِطَ الزَّبِيبَ وَالتَّمْرَ . وَأَمَّا حَدِيثُ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أُمِّهِ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ .
بَاب مَا جَاءَ فِي خَلِيطِ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ 1876 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، ثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُنْتبَذَ الْبُسْرُ وَالرُّطَبُ جَمِيعًا . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي خَلِيطِ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ ) أَصْلُ الْخَلْطِ تَدَاخُلُ أَجْزَاءِ الْأَشْيَاءِ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ ، وَالْبُسْرُ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ نَوْعٌ مِنْ ثَمَرِ النَّخْلِ مَعْرُوفٌ ، وَالْمُرَادُ هُنَا التَّمْرُ قَبْلَ إِرْطَابِهِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَاسْمُ أَبِي رَبَاحٍ أَسْلَمَ الْقُرَشِيُّ ، مَوْلَاهُمُ ، الْمَكِّيُّ ، ثِقَةٌ ، فَقِيهٌ ، فَاضِلٌ ، لَكِنَّهُ كَثِيرُ الْإِرْسَالِ ، مِنَ الثَّالِثَةِ ، وَقِيلَ : إِنَّهُ تَغَيَّرَ بِآخِرِهِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهُ . قَوْلُهُ : ( نَهَى أَنْ يُنْتَبَذَ الْبُسْرُ وَالرُّطَبُ جَمِيعًا ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : نَهَى أَنْ يُخْلَطَ الزَّبِيبُ وَالتَّمْرُ ، وَالْبُسْرُ وَالتَّمْرُ ، وَفِي أُخْرَى لَهُ : لَا تَجْمَعُوا بَيْنَ الرُّطَبِ وَالْبُسْرِ ، وَبَيْنَ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ نَبِيذًا . قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذِهِ الْأَحَادِيثُ صَرِيحَةٌ فِي النَّهْيِ عَنِ انْتِبَاذِ الْخَلِيطَيْنِ وَشُرْبِهِمَا وَهُمَا تَمْرٌ وَزَبِيبٌ ، أَوْ تَمْرٌ وَرُطَبٌ ، أَوْ تَمْرٌ وَبُسْرٌ ، أَوْ رُطَبٌ وَبُسْرٌ ، أَوْ زَهْوٌ وَوَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ وَنَحْوُ ذَلِكَ . قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ : سَبَبُ الْكَرَاهَةِ فِيهِ أَنَّ الْإِسْكَارَ يُسْرِعُ إِلَيْهِ بِسَبَبِ الْخَلْطِ قَبْلَ أَنْ يَتَغَيَّرَ طَعْمُهُ فَيَظُنُّ الشَّارِبُ أَنَّهُ لَيْسَ مُسْكِرًا وَيَكُونُ مُسْكِرًا . وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّ هَذَا النَّهْيَ لِكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ وَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَصِرْ مُسْكِرًا ، وَبِهَذَا قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ . وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ : هُوَ حَرَامٌ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ : لَا كَرَاهَةَ فِيهِ وَلَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّ مَا حَلَّ مُفْرَدًا حَلَّ مَخْلُوطًا ، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ ، وَقَالُوا : مُنَابَذَةٌ لِصَاحِبِ الشَّرْعِ ، فَقَدْ ثَبَتَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ فِي النَّهْيِ عَنْهُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا كَانَ مَكْرُوهًا . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي أَنَّ النَّهْيَ هَلْ يَخْتَصُّ بِالشُّرْبِ أَمْ يَعُمُّهُ وَغَيْرَهُ ، وَالْأَصَحُّ التَّعْمِيمُ ، أَمَّا خَلْطُهُمَا لَا فِي الِانْتِبَاذِ بَلْ فِي مَعْجُونٍ وَغَيْرِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ . انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ . وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ : هَذِهِ جُرْأَةٌ شَنِيعَةٌ عَلَى إِمَامٍ أَجَلِّ مِنْ ذَلِكَ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَمْ يَكُنْ قَالَ ذَلِكَ بِرَأْيِهِ وَإِنَّمَا مُسْتَنَدُهُ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ ، مِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الجربي ، عَنْ مِسْعَرٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْها - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُنْبَذُ لَهُ زَبِيبٌ فَيُلْقَى فِيهِ تَمْرٌ ، أَوْ تَمْرٌ فَيُلْقَى فِيهِ زَبِيبٌ . وَرَوَى أَيْضًا عَنْ زِيَادٍ الْحَسَّانِيِّ حَدَّثَنَا أَبُو بَحْرٍ حَدَّثَنَا عَتَّابُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَدَّثَتْنِي صَفِيَّةُ بِنْتُ عَطِيَّةَ قَالَتْ : دَخَلْتُ مَعَ نِسْوَةٍ مِنْ عَبْدِ الْقِيسِ عَلَى عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَسَأَلْنَا عَنِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ فَقَالَتْ : كُنْتُ آخُذُ قَبْضَةً مِنْ تَمْرٍ وَقَبْضَةً مِنْ زَبِيبٍ فَأُلْقِيهِ فِي الْإِنَاءِ فَأَمْرُسُهُ ثُمَّ أَسْقِيهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْآثَارِ أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، وَسُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ عَنِ ابْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ أَفْطَرَ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَسَقَاهُ شَرَابًا فَكَأَنَّهُ أَخَذَ مِنْهُ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ : مَا هَذَا الشَّرَابُ مَا كِدْتُ أَهْتَدِي إِلَى مَنْزِلِي ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : مَا زِدْنَاكَ عَلَى عَجْوَةٍ وَزَبِيبٍ . فَإِنْ قُلْتَ : قَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ لِأَبِي دَاوُدَ امْرَأَةٌ لَمْ تُسَمَّ ، وَفِي الثَّانِي أَبُو بَحْرٍ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ ، عَنْ عَتَّابٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ عَنْ صَفِيَّةَ ، وَلَا يُدْرَى مَنْ هِيَ . قُلْتُ : هَذِهِ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا . انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ . قُلْتُ : فِي سَنَدِ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْأَوَّلِ امْرَأَةٌ مَجْهُولَةٌ ، وَفِي سَنَدِ حَدِيثِهَا الثَّانِي صَفِيَّةُ بِنْتُ عَطِيَّةَ وَهِيَ أَيْضًا مَجْهُولَةٌ ، وَفِيهِ أَبُو بَحْرٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ . وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّالِثُ فَلَيْسَ بِمَرْفُوعٍ ، فَكَيْفَ يُقَالُ إِنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ بَعْضَهَا يَشُدُّ بَعْضًا فَغَايَةُ مَا فِيهَا أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى مُطْلَقِ الْجَوَازِ فَهِيَ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَرْفُوعَةِ مَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ ، وَلِذَلِكَ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ ، وَلِذَلِكَ أَنْكَرُوا عَلَى الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي قَوْلِهِ بِالْجَوَازِ بِلَا كَرَاهَةٍ فَاعْتِرَاضُ الْعَيْنِيِّ عَلَى النَّوَوِيِّ بِقَوْلِهِ : هَذِهِ جُرْأَةٌ شَنِيعَةٌ إِلَخْ لَيْسَ مِمَّا يَنْبَغِي . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ بِزِيَادَةٍ .
بَاب مَا جَاءَ فِي التَّنَفُّسِ فِي الْإِنَاءِ 1884 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، وَيُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَا : ثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي عِصَامٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ ثَلَاثًا ، وَيَقُولُ : هُوَ أَمْرَأُ وَأَرْوَى . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَرَوَاهُ هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ ، عَنْ أَبِي عِصَامٍ ، عَنْ أَنَسٍ . وَرَوَى عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ ، عَنْ ثُمَامَةَ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ ثَلَاثًا . 1884 حَدَّثَنَا بندار ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، ثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ ثَلَاثًا . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ . باب ما جاء في التنفس في الإناء قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي عِصَامٍ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : أَبُو عِصَامٍ الْمُزَنِيُّ الْبَصْرِيُّ رَوَى عَنْ أَنَسٍ فِي التَّنَفُّسِ فِي الْإِنَاءِ ، وَعَنْهُ شُعْبَةُ ، وَهِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ، انْتَهَى ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَلْخِيصِ السُّنَنِ : أَبُو عِصَامٍ هَذَا لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ ، وَانْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ وَلَيْسَ لَهُ فِي كِتَابِهِ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ ، انْتَهَى . ( كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ ثَلَاثًا ) وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ مِثْلَ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ فِي أَثْنَاءِ شُرْبِهِ مِنَ الْإِنَاءِ أَوْ فِي أَثْنَاءِ شُرْبِهِ الشَّرَابَ ( وَيَقُولُ ) أي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( هُوَ ) أَيْ تَعَدُّدُ التَّنَفُّسِ أَوِ التَّثْلِيثِ ( أَمْرَأُ ) مِنْ مَرَأَ الطَّعَامُ إِذَا وَافَقَ الْمَعِدَةَ ، أَيْ أَكْثَرُ انْصِيَاغًا وَأَقْوَى هَضْمًا ، وَمَعْنَاهُ بِالْفَارِسِيَّةِ كواراتر ( وَأَرْوَى ) مِنَ الرِّيِّ بِكَسْرِ الرَّاءِ غَيْرُ مَهْمُوزٍ أَيْ أَكْثَرُ رِيًّا وَأَدْفَعُ لِلْعَطَشِ ، وَمَعْنَاهُ بِالْفَارِسِيَّةِ سيراب كننده تر ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : أَنَّهُ أَرْوَى وَأَبْرَأُ وَأَمْرَأُ ، بِزِيَادَةِ أَبْرَأُ . قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَى أَبْرَأُ أَيْ أَبْرَأُ مِنْ أَلَمِ الْعَطَشِ ، وَقِيلَ : أَبْرَأُ أَيْ أَسْلَمَ مِنْ مَرَضٍ أَوْ أَذًى يَحْصُلُ بِسَبَبِ الشُّرْبِ فِي نَفْسٍ وَاحِدٍ ، انْتَهَى ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : أَبْرَأُ بِالْهَمْزِ مِنَ الْبَرَاءَةِ أَوْ مِنَ الْبُرْءِ أَيْ يُبَرِّئُ مِنَ الْأَذَى وَالْعَطَشِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ أَهْنَأُ بَدَلَ قَوْلِهِ : أَرْوَى ، مِنَ الْهَنَأِ ، قَالَ : وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَصِيرُ هَنِيئًا مَرِيئًا بَرِيئًا أَيْ سَالِمًا أَوْ مَبْرِيًّا مِنْ مَرَضٍ أَوْ عَطَشٍ ، وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَقْمَعُ لِلْعَطَشِ وَأَقْوَى عَلَى الْهَضْمِ وَأَقَلُّ أَثَرًا فِي ضَعْفِ الْأَعْضَاءِ وَبَرْدِ الْمَعِدَةِ ، وَاسْتِعْمَالُ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ فِي هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْمَرَّتَيْنِ فِي ذَلِكَ مَدْخَلًا فِي الْفَضْلِ الْمَذْكُورِ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الشُّرْبِ فِي نَفَسٍ وَاحِدٍ لِلتَّنْزِيهِ ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ قَالَهُ الْحَافِظُ . قَوْلُهُ : ( وَرَوَاهُ هِشَامُ الدَّسْتَوَائِيُّ ، عَنْ أَبِي عِصَامٍ ، عَنْ أَنَسٍ ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ( وَرَوَى عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ ، عَنْ ثُمَامَةَ ، عَنْ أَنَسٍ إِلَخْ ) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ . قَوْلُهُ : ( كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ ) أَيْ فِي أَثْنَاءِ شُرْبِهِ مِنَ الْإِنَاءِ ، كَمَا تَقَدَّمَ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) تَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُ آنِفًا .
1885 حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، ثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ الْجَزَرِيِّ ، عَنْ ابْنٍ لِعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَشْرَبُوا وَاحِدًا كَشُرْبِ الْبَعِيرِ ، وَلَكِنْ اشْرَبُوا مَثْنَى وَثُلَاثَ ، وَسَمُّوا إِذَا أَنْتُمْ شَرِبْتُمْ ، وَاحْمَدُوا إِذَا أَنْتُمْ رَفَعْتُمْ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، وَيَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ الْجَزَرِيُّ هُوَ أَبُو فَرْوَةَ الرُّهَاوِيُّ قَوْلُهُ : ( عَنْ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ الْجَزَرِيِّ ) بِفَتْحِ جِيمٍ وَزَايٍ وَبِرَاءٍ مَنْسُوبٌ إِلَى جَزِيرَةٍ وَهِيَ بِلَادٌ بَيْنَ الْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ ، كَذَا فِي الْمُغْنِي ، ضَعِيفٌ ، مِنْ كِبَارِ السَّابِعَةِ ( عَنِ ابْنٍ لِعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ . قَوْلُهُ : ( لَا تَشْرَبُوا وَاحِدًا ) أَيْ شُرْبًا وَاحِدًا ( كَشُرْبِ الْبَعِيرِ ) أَيْ كَمَا يَشْرَبُ الْبَعِيرُ دَفْعَةً وَاحِدَةً لِأَنَّهُ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ ( وَلَكِنِ اشْرَبُوا مَثْنَى وَثُلَاثَ ) أَيْ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ، أَوْ ثَلَاثَةً ثَلَاثَةً ( وَسَمُّوا ) أَيْ قُولُوا : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( إِذَا أَنْتُمْ شَرِبْتُمْ ) أَيْ أَرَدْتُمُ الشُّرْبَ ( وَاحْمَدُوا إِذَا أَنْتُمْ رَفَعْتُمْ ) أَيِ الْإِنَاءَ عَنِ الْفَمِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَوْ فِي الْآخِرِ ، قَالَهُ الْقَارِي . قُلْتُ : قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَشْرَبُ فِي ثَلَاثَةِ أَنْفَاسٍ إِذَا أَدْنَى الْإِنَاءَ إِلَى فِيهِ ، يُسَمِّي اللَّهَ فَإِذَا أَخَّرَهُ حَمِدَ اللَّهَ ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا ، وَأَصْلُهُ فِي ابْنِ مَاجَهْ ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ ، وَالطَّبَرَانِيِّ ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَسَمُّوا إِذَا أَنْتُمْ شَرِبْتُمْ وَاحْمَدُوا إِذَا أَنْتُمْ رَفَعْتُمْ ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ فِي الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ فَقَطْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : سَنَدُهُ ضَعِيفٌ ، انْتَهَى .
أبواب الْأَشْرِبَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَاب مَا جَاءَ فِي شَارِبِ الْخَمْرِ 1861 حَدَّثَنَا يحيى بن درست أَبُو زَكَرِيَّا ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ، وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَعُبَادَةَ ، وَأَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ ، وابن عباس . حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَوَاهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا ولَمْ يَرْفَعْهُ . قَوْلُهُ : ( أَبْوَابُ الْأَشْرِبَةِ إلخ ) جَمْعُ شَرَابٍ وَهُوَ مَا يُشْرَبُ مِنْ مَاءٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَائِعَاتِ . قوله : ( بَابُ مَا جَاءَ فِي شَارِبِ الْخَمْرِ ) أَيْ مِنَ الْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ دُرُسْتَ ) بِضَمِّ الدَّالِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ ابْنِ زِيَادٍ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ ، رَوَى عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، وَإِسْمَاعِيلَ الْقَنَّادِ ، وَعَنْهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَالْخُلَاصَةِ ( كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ يُسَمَّى خَمْرًا ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ ، وَهُوَ الْقَوْلُ الْمَنْصُورُ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي هَذَا فِي بَابِ الْحُبُوبِ الَّتِي يُتَّخَذُ مِنْهَا الْخَمْرُ ( وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ تَصْرِيحٌ بِتَحْرِيمِ جَمِيعِ الْأَنْبِذَةِ الْمُسْكِرَةِ وَأَنَّ كُلَّهَا تُسَمَّى خَمْرًا سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْفَضِيخُ ، وَنَبِيذُ التَّمْرِ ، وَالرُّطَبُ ، وَالْبُسْرُ ، وَالزَّبِيبُ ، وَالشَّعِيرُ ، وَالذُّرَةُ ، وَالْعَسَلُ ، وَغَيْرُهَا ، هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ وَالْجَمَاهِيرُ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، انْتَهَى ( فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا ) أَيْ يُدَاوِمُ عَلَى شُرْبِهَا بِأَنْ لَمْ يَتُبْ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ عَلَى ذَلِكَ . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : أَدْمَنَ الشَّيْءَ أَدَامَهُ ( لَمْ يُشْرِبْهَا فِي الْآخِرَةِ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا فَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُحْرَمُ شُرْبَهَا فِي الْجَنَّةِ وَإِنْ دَخَلَهَا ، فَإِنَّهَا مِنْ فَاخِرِ شَرَابِ الْجَنَّةِ ، فَيُمْنَعَهَا هَذَا الْعَاصِيَ بِشُرْبِهَا فِي الدُّنْيَا ، قِيلَ : إِنَّهُ يَنْسَى شَهْوَتَهَا لِأَنَّ الْجَنَّةَ فِيهَا كُلُّ مَا يُشْتَهَى ، وَقِيلَ : لَا يَشْتَهِيهَا وَإِنْ ذَكَرَهَا ، وَيَكُونُ هَذَا نَقْصَ نَعِيمٍ فِي حَقِّهِ تَمْيِيزًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَارِكِ شُرْبِهَا ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ تُكَفِّرُ الْمَعَاصِي الْكَبَائِرَ ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : هَذَا مِنْ بَابِ التَّعْلِيقِ فِي الْبَيَانِ أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ لِأَنَّ الْخَمْرَ مِنْ شَرَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَإِذَا لَمْ يُشْرِبْهَا فِي الْآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ قَدْ دَخَلَ الْجَنَّةَ ، انْتَهَى . وَكَذَلِكَ قَالَ الْخَطَّابِيُّ ، وَالْبَغَوِيُّ . وَالْأَوْلَى عِنْدِي أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَمْ يُشْرِبْهَا فِي الْآخِرَةِ عَلَى ظَاهِرِهِ ، فَفِي إِحْدَى رِوَايَاتِ الْبَيْهَقِيِّ : مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا وَلَمْ يَتُبْ لَمْ يُشْرِبْهَا فِي الْآخِرَةِ وَإِنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ . ورَوَى أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَفَعَهُ : مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي وَهُوَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ شُرْبَهَا فِي الْجَنَّةِ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا : مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ وَإِنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ ، لَبِسَهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَلَمْ يَلْبَسْهُ هُوَ ، أَخْرَجَهُ الطَّيَالِسِيُّ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : ظَاهِرُ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّهُ لَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ فِي الْجَنَّةِ وَلَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِيهَا ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْتَعْجَلَ مَا أُمِرَ بِتَأْخِيرِهِ وَوُعِدَ بِهِ فَحُرِمَهُ عِنْدَ مِيقَاتِهِ . كَالْوَارِثِ فَإِنَّهُ إِذَا قَتَلَ مُوَرِّثَهُ فَإِنَّهُ يُحْرَمُ مِيرَاثَهُ لِاسْتِعْجَالِهِ ، وَبِهَذَا قَالَ نَفَرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمِنَ الْعُلَمَاءِ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : ظَاهِرُ الْحَدِيثِ تَأْبيدُ التَّحْرِيمِ ، فَإِنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ شَرِبَ مِنْ جَمِيعِ أَشْرِبَتِهَا إِلَّا الْخَمْرَ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَتَأَلَّمُ لِعَدَمِ شُرْبِهَا وَلَا يَحْسُدُ مَنْ يَشْرَبُهَا وَيَكُونُ حَالُهُ كَحَالِ أَصْحَابِ الْمَنَازِلِ فِي الْخَفْضِ وَالرِّفْعَةِ ، فَكَمَا لَا يَشْتَهِي مَنْزِلَةَ مَنْ هُوَ أَرْفَعُ مِنْهُ لَا يَشْتَهِيهَا أَيْضًا وَلَيْسَ ذَلِكَ بِعُقُوبَةٍ لَهُ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَعُبَادَةَ ، وَأَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَعَنْهُ فِي الْبَابِ أَحَادِيثُ أُخْرَى ذَكَرَهَا الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ وَعَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي وَهُوَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ شُرْبَهَا فِي الْجَنَّةِ ، وَمَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي وَهُوَ يَتَحَلَّى الذَّهَبَ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ لِبَاسَهُ فِي الْجَنَّةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : رُوَاةُ أَحْمَدَ ثِقَاتٌ . وَأَمَّا حَدِيثُ عُبَادَةَ فَأَخْرَجَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِهِ عَنْهُ عَنِ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَبِيتَنَّ أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى أَشَرٍ وَبَطَرٍ وَلَعِبٍ وَلَهْوٍ فَيُصْبِحُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ بِاسْتِحْلَالِهِمُ الْمَحَارِمَ وَاِتِّخَاذِهِمُ الْقَيْنَاتِ وَشُرْبِهِمُ الْخَمْرَ وَبِأَكْلِهِمُ الرِّبَا وَلُبْسِهِمُ الْحَرِيرَ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : تَشْرَبُ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا ، يُضْرَبُ عَلَى رُءُوسِهِمْ بِالْمَعَازِفِ وَالْقَيْنَاتِ ، يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ ، وَيَجْعَلُ اللَّهُ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ : حُدِّثْتُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مُدْمِنُ الْخَمْرِ إِنْ مَاتَ لَقِيَ اللَّهَ كَعَابِدِ وَثَنٍ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : رَوَاهُ أَحْمَدُ هَكَذَا ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ لَقِيَ اللَّهَ مُدْمِنَ خَمْرٍ لَقِيَهُ كَعَابِدِ وَثَنٍ . وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ أُخْرَى عَنْ عِدَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ غَيْرِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ التِّرْمِذِيُّ إِنْ شِئْتَ الْوُقُوفَ عَلَيْهَا فَارْجِعْ إِلَى التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ لِلْمُنْذِرِيِّ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ .
1862 أخبرنا قُتَيْبَةُ ، ثَنَا جَرِيرُ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةً أَرْبَعِينَ صَبَاحًا ، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ عَادَ لَمْ يَقْبَلْ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً أَرْبَعِينَ صَبَاحًا ، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ عَادَ لَمْ يَقْبَلْ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً أَرْبَعِينَ صَبَاحًا ، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ لَمْ يَقْبَلْ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً أَرْبَعِينَ صَبَاحًا ، فَإِنْ تَابَ لَمْ يَتُبْ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَقَاهُ مِنْ نَهْرِ الْخَبَالِ ، قِيلَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمَا نَهْرُ الْخَبَالِ ؟ قَالَ : نَهْرٌ مِنْ صَدِيدِ أَهْلِ النَّارِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدٍ ) بالتصغير ( ابْنِ عُمَيْرٍ ) بِالتَّصْغِيرِ أَيْضًا اللَّيْثِيِّ الْجُنْدَعِيِّ الْمَكِّيِّ ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَعَنْهُ بُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ وَغَيْرُهُ ، وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ ، قَالَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ : مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ ( عَنْ أَبِيهِ ) هُوَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ قَتَادَةَ اللَّيْثِيُّ أَبُو عَاصِمٍ الْمَكِّيُّ ، وُلِدَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ مُسْلِمٌ ، وَعَدَّهُ غَيْرُهُ فِي كِبَارِ التَّابِعِينَ ، وَكَانَ قَاص أَهْلِ مَكَّةَ ، مُجْمَعٌ عَلَى ثِقَتِهِ . قَوْلُهُ : ( مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ ) أَيْ وَلَمْ يَتُبْ مِنْهُ ( لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ ) بِالتَّنْوِينِ ( أَرْبَعِينَ صَبَاحًا ) ظَرْفٌ . قَالَ الْقَارِيُّ فِي الْمِرْقَاةِ . وَفِي نُسْخَةٍ يَعْنِي مِنَ الْمِشْكَاةِ بِالْإِضَافَةِ يَعْنِي بِإِضَافَةِ صَلَاةُ إِلَى أَرْبَعِينَ ، وَالْمَعْنَى لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَوَابٌ وَإِنْ بَرِئَ الذِّمَّةُ وَسَقَطَ الْقَضَاءُ بِأَدَاءِ أَرْكَانِهِ مَعَ شَرَائِطِهِ كَذَا قَالُوا . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : إِنَّ لِكُلِّ طَاعَةٍ اعْتِبَارَيْنِ أَحَدُهُمَا سُقُوطُ الْقَضَاءِ عَنِ الْمُؤَدِّي ، وَثَانِيهِمَا تَرْتِيبُ حُصُولِ الثَّوَابِ ، فَعَبَّرَ عَنْ عَدَمِ تَرْتِيبِ الثَّوَابِ بِعَدَمِ قَبُولِ الصَّلَاةِ ، انْتَهَى . وَخَصَّ الصَّلَاةَ بِالذِّكْرِ ؛ لِأَنَّهَا سَبَبُ حُرْمَتِهَا ، أَوْ لِأَنَّهَا أُمُّ الْخَبَائِثِ عَلَى مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، عَنِ ابْنَ عُمَرَ ، كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ أُمُّ الْعِبَادَاتِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَقِيلَ : إِنَّمَا خَصَّ الصَّلَاةَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ عِبَادَاتِ الْبَدَنِ ، فَإِذَا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهَا فَلِأَنْ لَا يُقْبَلُ مِنْهَا عِبَادَةٌ أَصْلًا كَانَ أَوْلَى . وَالْمُتَبَادَرُ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ قَوْلِهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا أَنَّ الْمُرَادَ صَلَاةُ الصُّبْحِ وَهِيَ أَفْضَلُ الصَّلَوَاتِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْيَوْمُ أَيْ صَلَاةُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ( فَإِنْ تَابَ ) أَيْ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ بِالْإِقْلَاعِ وَالنَّدَامَةِ ( تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ) أَيْ قَبِلَ تَوْبَتَهُ ( فَإِنْ عَادَ ) أَيْ إِلَى شُرْبِهَا ( فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ ) أَيْ رَجَعَ الرَّجْعَةَ الرَّابِعَةَ ( فَإِنْ تَابَ لَمْ يَتُبِ اللَّهُ عَلَيْهِ ) هَذَا مُبَالَغَةٌ فِي الْوَعِيدِ وَالزَّجْرِ الشَّدِيدِ ، وَإِلَّا فَقَدْ وَرَدَ : مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ( وَسَقَاهُ مِنْ نَهَرِ الْخَبَالِ ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ صَدِيدَ أَهْلِ النَّارِ لِكَثْرَتِهِ يَصِيرُ جَارِيًا كَالْأَنْهَارِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ مُخْتَصَرًا وَلَفْظُهُ : مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَلَمْ يَنْتَشِ لَمْ لم تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ مَا دَامَ فِي جَوْفِهِ أَوْ عُرُوقِهِ مِنْهَا شَيْءٌ ، وَإِنْ مَاتَ مَاتَ كَافِرًا ، وَإِنِ انْتَشَى لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، وَإِنْ مَاتَ فِيهَا مَاتَ كَافِرًا . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ) أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَلَفْظُهُ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَجَعَلَهَا فِي بَطْنِهِ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ صَلَاةٌ سَبْعًا ، وَإِنْ مَاتَ فِيهَا مَاتَ كَافِرًا ؟ فَإِنْ أَذْهَبَتْ عَقْلَهُ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْفَرَائِضِ - وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الْقُرْآنِ - لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، وَإِنْ مَاتَ فِيهَا مَاتَ كَافِرًا ( وَابْنِ عَبَّاسٍ ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ .
بَاب مَا جَاءَ كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ 1863 حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ ، ثَنَا مَعْنٌ ، ثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ الْبِتْعِ ، فَقَالَ : كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ . باب ما جاء كل مسكر حرام قَوْلُهُ : ( سُئِلَ عَنِ الْبِتْعِ ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْفَوْقِيَّةِ وَقَدْ يُحَرَّكُ وَهُوَ نَبِيذُ الْعَسَلِ ، كَذَا وَقَعَ تَفْسِيرُهُ فِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ ، وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْبِتْعُ بِالْكَسْرِ وَكَعِنَبٍ نَبِيذُ الْعَسَلِ الْمُشْتَدِّ أَوْ سُلَالَةُ الْعِنَبِ أَوْ بِالْكَسْرِ الْخَمْرُ ( فَقَالَ : كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ ) وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَأَحْمَدَ وَالْجَمَاهِيرِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ الْحَقُّ . قَالَ الطِّيبِيُّ : قَوْلُهُ : كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ ، جَوَابًا عَنْ سُؤَالِهِمْ عَنِ الْبِتْعِ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ كُلِّ مَا أَسْكَرَ ، وَعَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ بِاطِّرَادِ الْعِلَّةِ ، انْتَهَى . فَإِنْ قَالَ أَهْلُ الْكُوفَةِ : إِنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ يَعْنِي بِهِ الْجُزْءَ الَّذِي يَحْدُثُ عَقِبَهُ السُّكْرُ فَهُوَ حَرَامٌ ، فَالْجَوَابُ أَنَّ الشَّرَابَ اسْمُ جِنْسٍ فَيَقْتَضِي أَنْ يَرْجِعَ التَّحْرِيمُ إِلَى الْجِنْسِ كُلِّهِ كَمَا يُقَالُ : هَذَا الطَّعَامُ مُشْبِعٌ وَالْمَاءُ مُرْوٍ يُرِيدُ بِهِ الْجِنْسَ ، وَكُلُّ جُزْءٍ مِنْهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ الْفِعْلَ ، فَاللُّقْمَةُ تُشْبِعُ الْعُصْفُورَ وَمَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهَا يُشْبِعُ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنَ الْعُصْفُورِ ، وَكَذَلِكَ جِنْسُ الْمَاءِ يَرْوِي الْحَيَوَانَ عَلَى هَذَا الْحَدِّ فَكَذَلِكَ النَّبِيذُ . قَالَ الطَّبَرِيُّ : يُقَالُ لَهُمْ : أَخْبِرُونَا عَنِ الشَّرْبَةِ الَّتِي يَعْقُبُهَا السُّكْرُ أَهِيَ الَّتِي أَسْكَرَتْ صَاحِبَهَا دُونَ مَا تَقَدَّمَهَا مِنَ الشَّرَابِ ، أَمْ أَسْكَرَتْ بِاجْتِمَاعِهَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ وَأَخَذَتْ كُلُّ شَرْبَةٍ بِحَظِّهَا مِنَ الْإِسْكَارِ ؟ فَإِنْ قَالُوا : إِنَّمَا أَحْدَثَ لَهُ السُّكْرَ الشَّرْبَةُ الْآخِرَةُ الَّتِي وَجَدَ خَبَلَ الْعَقْلِ عَقِبَهَا ، قِيلَ لَهُمْ : وَهَلْ هَذِهِ الَّتِي أَحْدَثَتْ لَهُ ذَلِكَ إِلَّا كَبَعْضِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الشَّرَبَاتِ قَبْلَهَا فِي أَنَّهَا لَوِ انْفَرَدَتْ دُونَ مَا قَبْلَهَا كَانَتْ غَيْرَ مُسْكِرَةٍ وَحْدَهَا وَأَنَّهَا إِنَّمَا أَسْكَرَتْ بِاجْتِمَاعِهَا وَاجْتِمَاعِ عَمَلِهَا فَحَدَثَ عَنْ جَمِيعِهَا السُّكْرُ ، كَذَا فِي النَّيْلِ . وَاعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ هَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالشَّيْخَانِ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ لَكِنَّ التِّرْمِذِيَّ لَمْ يَقُلْ بَعْدَ رِوَايَتِهِ بِأَنَّهُ حَسَنٌ أَوْ صَحِيحٌ . وَرَوَى بَعْدَ هَذَا حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ وَقَالَ بَعْدَ رِوَايَتِهِ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، ثُمَّ قَالَ : وَفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ إِلَخْ ، ثُمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، فَإِنْ كَانَتِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، إِلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ فَفِيهِ بُعْدٌ كَمَا لَا يَخْفَى ، وَإِنْ كَانَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، فَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ بَعْدَ رِوَايَةِ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَأَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ بَعْدَ رِوَايَةِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ .
1864 حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ أَسْبَاطِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ الْكُوفِيُّ ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ قَالَا : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ هذا حديث حسن صحيح ، وَفِي الْبَاب عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَأَبِي مُوسَى ، وَالْأَشَجِّ الْعُصَرِيِّ ، وَدَيْلَمَ ، وَمَيْمُونَةَ ، وعائشة ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، وَمُعَاوِيَةَ ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ، وَبُرَيْدَةَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، ووائل بن حجر ، وقرة المزني . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوَهُ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ ، وروى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوَهُ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ أَسْبَاطَ ) بِمَفْتُوحَةٍ وَسُكُونِ مُهْمَلَةٍ وَبِمُوَحَّدَةٍ وَطَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَتَرْكِ صَرْفٍ كَذَا فِي الْمُغْنِي ( بْنِ مُحَمَّدِ الْقُرَشِيُّ ) الْكُوفِيُّ ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ ، وَعَنْهُ زت ق ، وَثَّقَهُ مُطَيَّنٌ ، وَقَالَ : مَاتَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ . قَوْلُهُ : ( كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ هَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مُطَوَّلًا فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ إِلَخْ ) حَدِيثُ عُمَرَ بِلَفْظِ : كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى وَفِيه الْإِفْرِيقِيِّ ، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ بِلَفْظِ : اجْتَنِبُوا مَا أَسْكَرَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَهُوَ حَسَنٌ ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقٍ لَيِّنٍ بِلَفْظِ عُمَرَ ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ لَيِّنٍ أَيْضًا بِلَفْظِ عَلِيٍّ ، وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ بِلَفْظِ عُمَرَ . وَحَدِيثُ الْأَشَجِّ الْعَصْرِيِّ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى كَذَلِكَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَحَدِيثُ دَيْلَمَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ فِيهِ قَالَ : هَلْ يُسْكِرُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَاجْتَنِبُوهُ . وَحَدِيثُ مَيْمُونَةَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِلَفْظِ : وَكُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ . وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقٍ جَيِّدٍ بِلَفْظِ عُمَرَ ، وَالْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقٍ لَيِّنٍ بِلَفْظِ : وَاجْتَنِبُوا كُلَّ مُسْكِرٍ . وَحَدِيثُ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِلَفْظِ حَدِيثِ عُمَرَ . وَحَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِلَفْظِ : وَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ . وَحَدِيثُ مُعَاوِيَةَ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِلَفْظِ عُمَرَ ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِلَفْظِ : اجْتَنِبُوا الْمُسْكِرَ . وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِلَفْظِ : نَهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفْتِرٍ . وَحَدِيثُ بُرَيْدَةَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ ، وَلَفْظُهُ مِثْلُ لَفْظِ عُمَرَ . وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ . وَحَدِيثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ . وَحَدِيثُ قُرَّةَ الْمُزَنِيِّ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِلَفْظِ عُمَرَ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ ، كَذَا فِي الْفَتْحِ . قُلْتُ : وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالشَّيْخَانِ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْبَابِ الْآتِي . وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ أُخْرَى عَنْ غَيْرِ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - ذَكَرَهَا الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ فِي بَابِ الْخَمْرِ مِنَ الْعَسَلِ وَهُوَ الْبِتْعُ ( وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوُهُ ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ .
بَاب مَا ذُكِرَ في الشُّرْبِ بِنَفَسَيْنِ 1886 حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ ، ثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ رِشْدِينَ بْنِ كُرَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا شَرِبَ يتَنَفَّسَ مَرَّتَيْنِ . هَذَا حَدِيثٌ حسن غَرِيبٌ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ بْنِ كُرَيْبٍ ، قَالَ : وَسَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ رِشْدِينَ بْنِ كُرَيْبٍ ، قُلْتُ : هُوَ أَقْوَى أَمْ مُحَمَّدُ بْنُ كُرَيْبٍ ؟ قَالَ : مَا أَقْرَبَهُمَا ، وَرِشْدِينُ بْنُ كُرَيْبٍ أَرْجَحُهُمَا عِنْدِي . وَسَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ عَنْ هَذَا فَقَالَ : مُحَمَّدُ بْنُ كُرَيْبٍ أَرْجَحُ مِنْ رِشْدِينَ بْنِ كُرَيْبٍ . وَالْقَوْلُ عِنْدِي مَا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، رِشْدِينُ بْنُ كُرَيْبٍ أَرْجَحُ وَأَكْبَرُ ، وَقَدْ أَدْرَكَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَرَآهُ ، وَهُمَا أَخَوَانِ ، وَعِنْدَهُمَا مَنَاكِيرُ . باب ما ذكر في الشرب بنفسين قَوْلُهُ : ( عَنْ رِشْدِينَ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ ( بْنِ كُرَيْبٍ ) بِالتَّصْغِيرِ . قَوْلُهُ : ( كَانَ إِذَا شَرِبَ يَتَنَفَّسُ مَرَّتَيْنِ ) فِيهِ ثُبُوتُ الشُّرْبِ بِنَفَسَيْنِ ، لَكِنْ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : هَذَا لَيْسَ نَصًّا فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الْمَرَّتَيْنِ بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ التَّنَفُّسُ فِي أَثْنَاءِ الشُّرْبِ ، فَيَكُونُ قَدْ شَرِبَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَسَكَتَ عَنِ التَّنَفُّسِ الْأَخِيرِ لِكَوْنِهِ مِنْ ضَرُورَةِ الْوَاقِعِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : سَنَدُهُ ضَعِيفٌ ، وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ ( قَالَ ) أَيْ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ ( وَسَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) هُوَ الدَّارِمِيُّ الْحَافِظُ صَاحِبُ الْمُسْنَدِ ( مَا أَقْرَبَهُمَا ) بِصِيغَةِ التَّعَجُّبِ ( وَرِشْدِينُ بْنُ كُرَيْبٍ أَرْجَحُهُمَا عِنْدِي ) اعْلَمْ أَنَّ رِشْدِيناً ، وَمُحَمَّدًا هُمَا أَخَوَانِ ابْنَانِ لِكُرَيْبٍ ، وَكِلَاهُمَا ضَعِيفَانِ لَكِنَّهُمَا لَيْسَا مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الضَّعْفِ ، فَعِنْدَ الدَّارِمِيِّ ، رِشْدِينُ أَرْجَحُ مِنْ مُحَمَّدٍ ، وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِالْعَكْسِ ، وَوَافَقَهُ أَبُو حَاتِمٍ فَقَالَ : يُكْتَبُ حَدِيثُهُ ، وَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَخِيهِ رِشْدِينَ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ بِمَا قَالَ الدَّارِمِيُّ .
بَاب مَا جَاءَ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ 1865 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ح وَثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ بَكْرِ بْنِ أَبِي الْفُرَاتِ ، عَنْ محمد بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ وَفِي الْبَاب عَنْ سَعْدٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَخَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ باب ما أسكر كثيره فقليله حرام قَوْلُهُ : ( عَنْ دَاوُدَ بْنِ بَكْرِ بْنِ أَبِي الْفُرَاتِ ) الْأَشْجَعِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيُّ ، صَدُوقٌ ، مِنَ السَّابِعَةِ . قَوْلُهُ : ( مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ : إِنَّ الْخَمْرَ يَحْرُمُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ ، وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُسْكِرَاتِ يَحْرُمُ قَدْرُ الْمُسْكِرِ مِنْهُ دُونَ الْقَلِيلِ ، وَهُوَ قول بَاطِلٌ يُبْطِلُهُ الْأَحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ سَعْدٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَخَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ ) أَمَّا حَدِيثُ سَعْدٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ قَلِيلِ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهَا مَرْفُوعًا : مَا أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرَقُ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَفِيهِ : حَرَامٌ قَلِيلُ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ وَلَفْظُهُ مِثْلُ لَفْظِ حَدِيثِ الْبَابِ . وَأَمَّا حَدِيثُ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ فَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ . وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ بَعْدَ الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ مَا نَصُّهُ : وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَحَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَجْوَدُهَا إِسْنَادًا ، فَإِنَّ النَّسَائِيَّ رَوَاهُ فِي سُنَنِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ الْمُوصِلِيِّ وَهُوَ أَحَدُ الثِّقَاتِ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَشَجِّ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَقَدِ احْتَجَّ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ بِهِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ ، وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : رِجَالُهُ ثِقَاتٌ .
1866 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، ثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ ح وَثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيُّ عن مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ الْمَعْنَى وَاحِدٌ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ، مَا أَسْكَرَ الْفَرَقُ مِنْهُ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ . قَالَ أَحَدُهُمَا : فِي حَدِيثِهِ الْحَسْوَةُ مِنْهُ حَرَامٌ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، قَدْ رَوَاهُ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ صَبِيحٍ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ الْأَنْصَارِيِّ نَحْوَ رِوَايَةِ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ ، وَأَبُو عُثْمَانَ الْأَنْصَارِيُّ اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ ، وَيُقَالُ : عُمَرُ بْنُ سَالِمٍ قَوْلُهُ : ( عَنْ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ ) الْأَزْدِيِّ الْمَغُولِيِّ ، الْبَصْرِيِّ ، ثِقَةٌ ، مِنْ صِغَارِ السَّادِسَةِ ( عَنْ أَبِي عُثْمَانَ الْأَنْصَارِيِّ ) الْمَدَنِيِّ قَاضِي مَرْوَ ، مَقْبُولٌ ، مِنَ الرَّابِعَةِ . قَوْلُهُ : ( مَا أَسْكَرَ الْفَرَقُ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِهَا وَالْفَتْحُ أَشْهَرُ ، وَهُوَ مِكْيَالٌ يَسَعُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا ، وَقِيلَ : هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ كَذَلِكَ ، فَإِذَا سُكِّنَتْ فَهُوَ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ رَطْلًا ( مِنْهُ ) أَيْ مِنْ كُلِّ مُسْكِرٍ ( فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ ) قَالَ الطِّيبِيُّ : الْفَرَقُ وَمِلْءُ الْكَفِّ عِبَارَتَانِ عَنِ التَّكْثِيرِ وَالتَّقْلِيلِ لَا التَّحْدِيدِ ، وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ السَّابِقُ . قَوْلُهُ : ( قَالَ أَحَدُهُمَا ) أَيْ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ ( فِي حَدِيثِهِ الْحُسْوَةُ مِنْهُ حَرَامٌ ) أَيْ مَكَانُ مِلْءِ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ ، وَالْحُسْوَةُ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ السِّينِ ، الْجَرْعَةُ مِنَ الشَّرَابِ بِقَدْرِ مَا يُحْسَى مَرَّةً ، وَبِالْفَتْحِ الْمَرَّةُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ وَرُوَاتُهُ كُلُّهُمْ مُحْتَجٌّ بِهِمْ فِي الصَّحِيحَيْنِ سِوَى أَبِي عُثْمَانَ عَمْرٍو ، وَيُقَالُ : عُمَرُ بْنُ سَالِمٍ الْأَنْصَارِيُّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيُّ ثُمَّ الْخُرَاسَانِيُّ ، وَهُوَ مَشْهُورٌ وَلِيَ الْقَضَاءَ بِمَرْوَ ، وَرَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ، وَسَمِعَ مِنَ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، وَرَوَى عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : لَمْ أَرَ أَحَدًا قَالَ فِيهِ كَلَامًا . وَقَالَ الْحَاكِمُ : هُوَ مَعْرُوفٌ بِكُنْيَتِهِ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ حِبَّانَ وَأَعَلَّهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِالْوَقْفِ ، كَذَا فِي النَّيْلِ .
بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ النَّفْخِ فِي الشَّرَابِ 1887 حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ ثنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَيُّوبَ وَهُوَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الْمُثَنَّى الْجُهَنِيَّ يَذْكُرُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ النَّفْخِ فِي الشرابِ ، فَقَالَ رَجُلٌ : الْقَذَاةُ أَرَاهَا فِي الْإِنَاءِ ، فقَالَ : أَهْرِقْهَا ، فقَالَ : فَإِنِّي لَا أَرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ ، قَالَ : فَأَبِنْ الْقَدَحَ إِذاً عَنْ فِيكَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . باب ما جاء في كراهية النفخ في الشراب قَوْلُهُ : ( عَنْ أَيُّوبَ وَهُوَ ابْنُ حَبِيبٍ ) الزُّهْرِيُّ ، الْمَدَنِيُّ ، ثِقَةٌ ، مِنَ السَّادِسَةِ ( سَمِعَ أَبَا الْمُثَنَّى الْجُهَنِيَّ ) الْمَدَنِيَّ ، مَقْبُولٌ ، مِنَ الثَّالِثَةِ ( نَهَى عَنِ النَّفْخِ فِي الشَّرَابِ ) قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : إِنَّمَا نَهَى عَنْهُ مِنْ أَجْلِ مَا يُخَافُ أَنْ يَبْدُرَ مِنْ رِيقِهِ فَيَقَعَ فِيهِ فَرُبَّمَا شَرِبَ بَعْدَهُ غَيْرُهُ فَيَتَأَذَّى بِهِ ( الْقَذَاةَ أَرَاهَا ) أَيْ أُبْصِرُهَا ، وَالْقَذَاةَ مَنْصُوبٌ عَلَى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ ( فِي الْإِنَاءِ ) أَيِ الَّذِي فِيهِ الشَّرَابُ فَلَا بُدَّ لِي أَنْ أَنْفُخَ فِي الشَّرَابِ لِتَذْهَبَ تِلْكَ الْقَذَاةُ ( فَقَالَ : أَهْرِقْهَا ) بِسُكُونِ الْهَاءِ مِنَ الْإِرَاقَةِ بِزِيَادَةِ الْهَاءِ أَيْ فَأَرِقْ تِلْكَ الْقَذَاةَ عَنِ الشَّرَابِ وَلَا تَنْفُخْ فِيهِ ، قَالَ الْقَارِي : أَيْ بَعْضَ الْمَاءِ لِتَخْرُجَ تِلْكَ الْقَذَاةُ مِنْهَا ، وَالْمَاءُ قَدْ يُؤَنَّثُ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُظْهِرُ فِي حَاشِيَةِ الْبَيْضَاوِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا وَأَشَارَ إِلَيْهِ صَاحِبُ الْقَامُوسِ بِقَوْلِهِ : مُوَيْهٌ وَمُوَيْهَةٌ . ( فَقَالَ ) أَيِ الرَّجُلُ ( فَإِنِّي لَا أَرْوَى ) بِفَتْحِ الْوَاوِ ( مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ ) بِفَتْحِ الْفَاءِ أَيْ بِتَنَفُّسٍ وَاحِدٍ أَيْ لَا يَحْصُلُ لِيَ الرِّيُّ مِنَ الْمَاءِ فِي تنَفَُّسٍ وَاحِدٍ فَلَا بُدَّ لِي أَنْ أَتَنَفَّسَ فِي الشَّرَابِ ( قَالَ : فَأَبِنِ الْقَدَحَ ) أَيْ أَبْعِدْهُ أَمْرٌ مِنَ الْإِبَانَةِ ( عَنْ فِيكَ ) أَيْ عَنْ فَمِكَ ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ : ثُمَّ تَنَفَّسْ . وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى إِبَاحَةِ الشُّرْبِ مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْهَ الرَّجُلَ عَنْهُ بَلْ قَالَ مَا مَعْنَاهُ : إِنْ كُنْتَ لَا تَرْوَى مِنْ وَاحِدٍ فَأَبِنِ الْقَدَحَ ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ كَمَا عَرَفْتَ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ ، وَمُجَرَّدُ الْجَوَازِ لَا يُنَافِي الْكَرَاهَةَ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالدَّارِمِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي مُوَطَّئِهِ .
1888 حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُتَنَفَّسَ فِي الْإِنَاءِ أَوْ يُنْفَخَ فِيهِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( نَهَى أَنْ يُتَنَفَّسَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ لِخَوْفِ بُرُوزِ شَيْءٍ مِنْ رِيقِهِ فَيَقَعُ فِي الْمَاءِ ، وَقَدْ يَكُونُ مُتَغَيِّرَ الْفَمِ فَتَعْلَقَ الرَّائِحَةُ بِالْمَاءِ لِرِقَّتِهِ وَلَطَافَتِهِ ، فَيَكُونُ الْأَحْسَنُ فِي الْأَدَبِ أَنْ يَتَنَفَّسَ بَعْدَ إِبَانَةِ الْإِنَاءِ عَنْ فَمِهِ وَأَنْ لَا يَتَنَفَّسَ فِيهِ ( أَوْ يُنْفَخَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْضًا لِأَنَّ النَّفْخَ إِنَّمَا يَكُونُ لِأَحَدِ مَعْنَيَيْنِ : فَإِنْ كَانَ مِنْ حَرَارَةِ الشَّرَابِ فَلْيَصْبِرْ حَتَّى يَبْرُدَ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَجْلِ قَذًى يُبْصِرُهُ فَلْيُمِطْهُ بِأُصْبُعٍ أَوْ بِخِلَالٍ أَوْ نَحْوِهِ وَلَا حَاجَةَ إِلَى النَّفْخِ فِيهِ بِحَالٍ ( فِيهِ ) أَيْ فِي الْإِنَاءِ الَّذِي يَشْرَبُ مِنْهُ ، وَالْإِنَاءُ يَشْمَلُ إِنَاءَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ، فَلَا يَنْفُخُ فِي الْإِنَاءِ لِيَذْهَبَ مَا فِي الْإِنَاءِ مِنْ قَذَاةٍ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو النَّفْخُ غَالِبًا مِنْ بُزَاقٍ يُسْتَقْذَرُ مِنْهُ ، وَكَذَا لَا يَنْفُخُ فِي الْإِنَاءِ لِتَبْرِيدِ الطَّعَامِ الْحَارِّ بَلْ يَصْبِرُ إِلَى أَنْ يَبْرُدَ ، وَقَالَ الْمُهَلَّبُ : وَمَحِلُّ هَذَا الْحُكْمِ إِذَا أَكَلَ وَشَرِبَ مَعَ غَيْرِهِ ، وَأَمَّا لَوْ أَكَلَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ أَهْلِهِ أَوْ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَتَقَذَّرُ شَيْئًا مِمَّا يَتَنَاوَلُهُ فَلَا بَأْسَ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَالْأَوْلَى تَعْمِيمُ الْمَنْعِ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ تَفْضُلَ فَضْلَةٌ أَوْ يَحْصُلَ التَّقَذُّرُ مِنَ الْإِنَاءِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ، انْتَهَى . قُلْتُ : بَلْ هُوَ الْمُتَعَيِّنُ عِنْدِي ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَسَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَنَقَلَ الْمُنْذِرِيُّ تَصْحِيحَ التِّرْمِذِيِّ وَأَقَرَّهُ .
بَاب مَا جَاءَ أَيُّ الشَّرَابِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 1895 حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ أَحَبُّ الشَّرَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحُلْوَ الْبَارِدَ . هَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ مِثْلَ هَذَا عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَالصَّحِيحُ مَا رُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرْسَلًا . باب ما جاء أي الشراب كان أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَوْلُهُ : ( كَانَ أَحَبُّ الشَّرَابِ ) بِالرَّفْعِ ، وَنَصْبُهُ أَحَبُّ ( الْحُلْوَ الْبَارِدَ ) بِالنَّصْبِ ، وَرَفْعُهُ أَرْفَعُ ، قَالَ الْقَارِي : وَمَعْنَى أَحَبُّ : أَلَذُّ ، لِأَنَّ مَاءَ زَمْزَمَ أَفْضَلُ ، وَكَذَا اللَّبَنُ عِنْدَهُ أَحَبُّ كَمَا سَيَأْتِي ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُرَادَ هَذَا الْوَصْفُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَعَمِّ فَيَشْمَلَ الْمَاءَ الْقَرَاحَ وَاللَّبَنَ وَالْمَاءَ الْمَخْلُوطَ بِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ كَالْعَسَلِ أَوِ الْمَنْقُوعِ فِيهِ تَمْرٌ أَوْ زَبِيبٌ ، وَبِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - : كَانَ أَحَبَّ الشَّرَابِ إِلَيْهِ اللَّبَنُ ، وَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ السُّنِّيِّ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - : كَانَ أَحَبَّ الشَّرَابِ إِلَيْهِ الْعَسَلُ ، انْتَهَى كَلَامُ الْقَارِي . قُلْتُ : وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : أَحَبُّ الشَّرَابِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ : أَيْ مِنْ أَحَبِّ الشَّرَابِ ، أَوْ كَوْنُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَحَبَّ إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مِنْ جِهَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ هَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْحَاكِمُ .
1896 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ثنا مَعْمَرٌ ، وَيُونُسُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ أَيُّ الشَّرَابِ أَطْيَبُ ؟ قَالَ : الْحُلْوُ الْبَارِدُ . وَهَكَذَا رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرْسَلًا ، وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ) هُوَ أَبُو الْعَبَّاسِ السِّمْسَارُ ، الْمَعْرُوفُ بِمَرْدَوَيْهِ ، ( وَيُونُسُ ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي النِّجَادِ الْأَيْلِيُّ . قَوْلُهُ : ( الْحُلْوُ ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ ؛ ضِدُّ الْمُرِّ ( الْبَارِدُ ) لِأَنَّهُ أَطْفَأُ لِلْحَرَارَةِ وَأَبْعَثُ عَلَى الشُّكْرِ وَأَنْفَعُ لِلْبَدَنِ .
بَاب مَا جَاءَ أَنَّ سَاقِيَ الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا 1894 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : سَاقِي الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا . وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . باب ما جاء أن ساقي القوم آخرهم شربا قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ أَبُو خَالِدٍ الْمَدَنِيُّ . قَوْلُهُ : ( سَاقِي الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُشْرَعُ لِمَنْ تَوَلَّى سِقَايَةَ قَوْمٍ أَنْ يَتَأَخَّرَ فِي الشُّرْبِ حَتَّى يَفْرُغُوا عَنْ آخِرِهِمْ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ إِصْلَاحِهِمْ عَلَى مَا يَخُصُّ نَفْسَهُ ، وَأَنْ يَكُونَ غَرَضُهُ إِصْلَاحَ حَالِهِمْ وَجَرَّ الْمَنْفَعَةِ إِلَيْهِمْ وَدَفْعَ الْمَضَارِّ عَنْهُمْ ، وَالنَّظَرَ لَهُمْ فِي دِقِّ أُمُورِهِمْ وَجُلِّهَا ، وَتَقْدِيمَ مَصْلَحَتِهِمْ عَلَى مَصْلَحَتِهِ ، وَكَذَا مَنْ يُفَرِّقُ عَلَى الْقَوْمِ فَاكِهَةً فَيَبْدَأُ بِسَقْيِ كَبِيرِ الْقَوْمِ أَوْ بِمَنْ عَنْ يَمِينِهِ إِلَى آخِرِهِمْ وَمَا بَقِيَ شُرْبُهُ ، وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثِ : ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ; لِأَنَّ ذَاكَ عَامٌّ وَهَذَا خَاصٌّ ، فَيُبْنَى الْعَامُّ عَلَى الْخَاصِّ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : رِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ هَكَذَا مُخْتَصَرًا وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مُطَوَّلًا وَفِيهِ : فَقُلْتُ لَا أَشْرَبُ حَتَّى يَشْرَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ سَاقِيَ الْقَوْمِ آخِرُهُمْ .
بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ التَّنَفُّسِ فِي الْإِنَاءِ 1889 حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، ثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ ، ثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . باب ما جاء في كراهية التنفس في الإناء قَوْلُهُ : ( إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ ) هَذَا بِظَاهِرِهِ مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ ثَلَاثًا ، قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : الْحَدِيثَانِ صَحِيحَانِ وَهُمَا بِاخْتِلَافِ تَقْدِيرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَشْرَبَ وَهُوَ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبِينَهُ عَنْ فِيهِ ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ ، وَالْآخَرُ أَنْ يَشْرَبَ مِنَ الْإِنَاءِ بثَلَاثَةَ أَنْفَاسٍ يَفْصِلُ فِيهَا فَاهُ عَنِ الْإِنَاءِ ، يُقَالُ : أَكْرَعَ فِي الْإِنَاءِ نَفَسًا أَوْ نَفَسَيْنِ ، أَيْ : جَرْعَةً أَوْ جَرْعَتَيْنِ ، انْتَهَى كَلَامُ الْجَزَرِيِّ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .
بَاب مَا جَاءَ أَنَّ الْأَيْمَنِينَ أَحَقُّ بالشرب 1893 حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ ، ثَنَا مَعْنٌ ، ثَنَا مَالِكٌ عن ابن شهاب ح وَثَنَا قُتَيْبَةُ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسٍ بن مالك أَنَّ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِلَبَنٍ قَدْ شِيبَ بِمَاءٍ ، وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ ، فَشَرِبَ ثُمَّ أَعْطَى الْأَعْرَابِيَّ ، وَقَالَ : الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ . وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . باب ما جاء أن الأيمنين أحق بالشرب قَوْلُهُ : ( قَدْ شِيبَ بِمَاءٍ ) أَيْ مُزِجَ بِالْمَاءِ ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَمْزُجُونَهُ بِالْمَاءِ لِأَنَّ اللَّبَنَ يَكُونُ عِنْدَ حَلْبِهِ حَارًّا ، وَتِلْكَ الْبِلَادُ فِي الْغَالِبِ حَارَّةٌ ، فَكَانُوا يَمْزُجُونَهُ بِالْمَاءِ لِذَلِكَ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : قَوْلُهُ شِيبَ أَيْ خُلِطَ ، وَفِيهِ جَوَازُ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا يُنْهَى عَنْ شَوْبِهِ إِذَا أَرَادَ بَيْعَهُ لِأَنَّهُ غِشٌّ ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَالْحِكْمَةُ فِي شَوْبِهِ أَنْ يَبْرُدَ أَوْ يَكْثُرَ أَوْ لِلْمَجْمُوعِ ، انْتَهَى . ( ثُمَّ أَعْطَى الْأَعْرَابِيَّ وَقَالَ : الْأَيْمَنُ فَالْأَيْمَنُ ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : الْأَيْمَنُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ ، أَيِ الْأَيْمَنُ مُقَدَّمٌ أَوْ أَحَقُّ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى تَقْدِيرِ قَدِّمُوا الْأَيْمَنَ أَوْ أَعْطُوا ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : ضُبِطَ الْأَيْمَنُ بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ وَهُمَا صَحِيحَانِ ، النَّصْبُ عَلَى تَقْدِيرِ أُعْطِي الْأَيْمَنَ ، وَالرَّفْعُ عَلَى تَقْدِيرِ الْأَيْمَنُ أَحَقُّ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : الْأَيْمَنُونَ وَهُوَ يُرَجِّحُ الرَّفْعَ انْتَهَى ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُقَدِّمُ مَنْ عَلَى يَمِينِ الشَّارِبِ فِي الشُّرْبِ وهَلُمَّ جَرًّا ، وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ : يَجِبُ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ شَرَابِ اللَّبَنِ وَغَيْرِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَغَيْرِهِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ بَيَانُ اسْتِحْبَابِ التَّيَامُنِ فِي كُلِّ مَا كَانَ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِكْرَامِ ، وَفِيهِ أَنَّ الْأَيْمَنَ فِي الشَّرَابِ وَنَحْوِهِ يُقَدَّمُ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ مَفْضُولًا لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدَّمَ الْأَعْرَابِيَّ وَالْغُلَامَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَمَّا تَقْدِيمُ الْأَفَاضِلِ وَالْكِبَارِ فَهُوَ عِنْدَ التَّسَاوِي فِي بَاقِي الْأَوْصَافِ ، وَلِهَذَا يُقَدَّمُ الْأَعْلَمُ وَالْأَقْرَأُ عَلَى الْأَسَنِّ الشَّيِّبِ فِي الْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ ، انْتَهَى ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْحَدِيثِ : إِنَّ سُنَّةَ الشُّرْبِ الْعَامَّةَ تَقْدِيمُ الْأَيْمَنِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ ، وَإِنَّ تَقْدِيمَ الَّذِي عَلَى الْيَمِينِ لَيْسَ لِمَعْنًى فِيهِ بَلِ الْمَعْنَى فِي جِهَةِ الْيَمِينِ وَهُوَ فَضْلُهَا عَلَى جِهَةِ الْيَسَارِ ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ تَرْجِيحًا لِمَنْ هُوَ عَلَى الْيَمِينِ بَلْ هُوَ تَرْجِيحٌ لِجِهَتِهِ . وَقَدْ يُعَارَضُ حَدِيثُ أَنَسٍ يَعْنِي الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ وَحَدِيثُ سَهْلٍ يَعْنِي الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ فِي الْبَابِ حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ الْآتِي فِي الْقَسَامَةِ كَبِّرْ كَبِّرْ ، وَتَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْأَمْرِ بِمُنَاوَلَةِ السِّوَاكَ الْأَكْبَرَ ، وَأَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى بِسَنَدٍ قَوِيٍّ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا سَقَى قَالَ : ابْدَءُوا بِالْكَبِيرِ . وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي يَجْلِسُونَ فِيهَا مُتَسَاوِينَ ، إِمَّا بَيْنَ يَدَيِ الْكَبِيرِ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ كُلُّهُمْ أَوْ خَلْفَهُ أَوْ حَيْثُ لَا يَكُونُ فِيهِمْ ، فَتُخَصُّ هَذِهِ الصُّورَةُ مِنْ عُمُومِ تَقْدِيمِ الْأَيْمَنِ ، أَوْ يُخَصُّ مِنْ عُمُومِ هَذِا الْأَمْرِ بِالْبُدَاءَةِ بِالْكَبِيرِ ما إِذَا جَلَسَ بَعْضٌ عَنْ يَمِينِ الرَّئِيسِ وَبَعْضٌ عَنْ يَسَارِهِ ، فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يُقَدَّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ وَالْمَفْضُولُ عَلَى الْفَاضِلِ ، وَيَظْهَرُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْأَيْمَنَ مَا امْتَازَ لِمُجَرَّدِ الْجُلُوسِ فِي الْجِهَةِ الْيُمْنَى بَلْ بِخُصُوصِ كَوْنِهَا يَمِينَ الرَّئِيسِ ، فَالْفَضْلُ إِنَّمَا فَاضَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَفْضَلِ ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ ) أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَمَّا حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ وَعَنْ يَسَارِهِ الْأَشْيَاخُ ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ ؟ فَقَالَ الْغُلَامُ : وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا ، قَالَا : فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي يَدِهِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
بَاب مَا جَاءَ فِي النَّهْيِ عَنْ اخْتِنَاثِ الْأَسْقِيَةِ 1890 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رِوَايَةً أَنَّهُ نَهَى عَنْ اخْتِنَاثِ الْأَسْقِيَةِ . وَفِي الْبَاب عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . باب ما جاء في اختناث الأسقية جَمْعُ السِّقَاءِ وَهُوَ الْقِرْبَةُ ، قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : خَنَثْتُ السِّقَاءَ إِذَا أَثْنَيْتُ فَمَهُ إِلَى خَارِجٍ وَشَرِبْتُ مِنْهُ ، وَقَبَعْتُهُ إِذَا أَثْنَيْتُهُ إِلَى دَاخِلٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رِوَايَةً ) أَيْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( أَنَّهُ ) أَيِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( نَهَى عَنِ اخْتِنَاثِ الْأَسْقِيَةِ ) إِنَّمَا نَهَى عَنْهُ لِأَنَّهُ يُنْتِنُهَا فَإِنَّ إِدَامَةَ الشُّرْبِ هَكَذَا مِمَّا يُغَيِّرُ رِيحَهَا ، وَقِيلَ : لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا هَامَّةٌ ، وَقِيلَ : لِئَلَّا يَتَرَشَّشَ الْمَاءُ عَلَى الشَّارِبِ لِسَعَةِ فَمِ السِّقَاءِ ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ إِبَاحَتُهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ خَاصًّا بِالسِّقَاءِ الْكَبِيرِ دُونَ الْإِدَاوَةِ أَوْ ذَا لِلضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ وَالنَّهْيُ عَنِ الِاعْتِيَادِ ، أَوِ الثَّانِي نَاسِخٌ لِلْأَوَّلِ ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا مُسْلِمًا عَنْهُ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الشُّرْبِ مِنْ فِي السِّقَاءِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
بَاب الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ 1891 حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى ، ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ إِلَى قِرْبَةٍ مُعَلَّقَةٍ ، فَخَنَثَهَا ، ثُمَّ شَرِبَ مِنْ فِيهَا . وَفِي الْبَاب عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ . هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِصَحِيحٍ . وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يُضَعَّفُ من قبل حفظه وَلَا أَدْرِي سَمِعَ مِنْ عِيسَى أَمْ لَا . باب الرخصة في ذلك قَوْلُهُ : ( ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ) هُوَ الْعُمَرِيُّ ( عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ ) بِالتَّصْغِيرِ ، الْأَنْصَارِيِّ ، الْمَدَنِيِّ ، مَقْبُولٌ ، مِنَ الرَّابِعَةِ ( عَنْ أَبِيهِ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَلْخِيصِ السُّنَنِ : أَبُو عِيسَى هَذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَهُوَ غَيْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ الْجُهَنِيِّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ، وَخَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ شَبَابٌ وَغَيْرُهُمَا ، انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : وَجَعَلَهُمَا وَاحِدًا أَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ ، فَإِنَّ كَوْنَهُ أَنْصَارِيًّا لَا يُنَافِي كَوْنَهُ جُهَنِيًّا لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ حَلِيفُ الْأَنْصَارِ ، انْتَهَى ( فَخَنَثَهَا ) أَيْ أَثْنَى فِيهَا إِلَى الْخَارِجِ ( ثُمَّ شَرِبَ مِنْ فِيهَا ) أَيْ مِنْ فَمِهَا . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهَا قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي الْبَيْتِ قِرْبَةٌ مُعَلَّقَةٌ فَشَرِبَ مِنْهَا فَقَطَعْتُ فَاهَا فَإِنَّهُ لَعِنْدِي ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ وَالطَّبَرَانِيُّ ، وَالطَّحَاوِيُّ فِي مَعَانِي الْآثَارِ وَابْنُ شَاهِينٍ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِصَحِيحٍ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ .
1892 حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ يزيد بن جَابِرٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ جَدَّتِهِ كَبْشَةَ ، قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَشَرِبَ مِنْ فِي قِرْبَةٍ مُعَلَّقَةٍ قَائِمًا فَقُمْتُ إِلَى فِيهَا فَقَطَعْتُهُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ، وَيَزِيدُ بْنُ يَزِيدَ هُوَ أَخُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ وَهُوَ أَقْدَمُ مِنْهُ مَوْتًا . قَوْلُهُ : ( عَنْ يَزِيدَ بْنِ يزيد بن جَابِرٍ ) الْأَزْدِيِّ الدِّمَشْقِيِّ ، ثِقَةٌ ، فَقِيهٌ ، مِنَ السَّادِسَةِ ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ ) الْأَنْصَارِيِّ الْبُخَارِيِّ الْقَاصِّ ، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : ثِقَةٌ ، كَثِيرُ الْحَدِيثِ ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ ( عَنْ جَدَّتِهِ كَبْشَةَ ) قَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : كَبْشَةُ يُقَالُ : كُبَيْشَةُ بِالتَّصْغِيرِ بِنْتُ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ الْأَنْصَارِيَّةُ أُخْتُ حَسَّانَ ، يُقَالُ لَهَا : الْبَرْصَاءُ ، رَوَتْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الشُّرْبِ قَائِمًا مِنْ فَمِ الْقِرْبَةِ ، وَعَنْهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبُي عَمْرَةَ وَهِيَ جَدَّتُهُ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( فَشَرِبَ مِنْ فيِّ قِرْبَةٍ ) أَيْ مِنْ فَمِهَا ( فَقُمْتُ إِلَى فِيهَا ) أَيْ إِلَى فيها ( فَقَطَعْتُهُ ) لَعَلَّهُ لِلتَّبَرُّكِ بِهِ لِوُصُولِ فَمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الشُّرْبِ مِنْ فم الْقِرْبَةِ ، وَأَحَادِيثُ الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِهَا . قَالَ الْحَافِظُ : قَالَ شَيْخُنَا - يَعْنِي الْحَافِظَ الْعِرَاقِيَّ - فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : لَوْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا يَكُونُ لِعُذْرٍ كَأَنْ تَكُونَ الْقِرْبَةُ مُعَلَّقَةً وَلَمْ يَجِدِ الْمُحْتَاجُ إِلَى الشُّرْبِ إِنَاءً مُتَيَسَّرًا ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ التَّنَاوُلِ بِكَفِّهِ فَلَا كَرَاهَةَ حِينَئِذٍ ، وَعَلَى ذَلِكَ تُحْمَلُ الْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ يَعْنِي أَحَادِيثَ الْإِبَاحَةِ وَبَيْنَ مَا يَكُونُ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَتُحْمَلُ عَلَيْهِ أَحَادِيثُ النَّهْيِ ، انْتَهَى . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ أَحَادِيثَ الْجَوَازِ كُلَّهَا فِيهَا أَنَّ الْقِرْبَةَ كَانَتْ مُعَلَّقَةً ، وَالشُّرْبُ مِنَ الْقِرْبَةِ الْمُعَلَّقَةِ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الْقِرْبَةِ ، وَلَا دَلَالَةَ فِي أَحَادِيثِ الْجَوَازِ عَلَى الرُّخْصَةِ مُطْلَقًا بَلْ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ وَحْدَهَا وَحَمْلُهَا عَلَى الضَّرُورَةِ جَمْعًا بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهَا عَلَى النَّسْخِ ، وَقَدْ سَبَقَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إِلَى نَحْوِ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ شَيْخُنَا فَقَالَ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ شُرْبُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَالِ ضَرُورَةٍ ، إِمَّا عِنْدَ الْحَرْبِ وَإِمَّا عِنْدَ عَدَمِ الْإِنَاءِ ، أَوْ مَعَ وُجُودِهِ لَكِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ لِشُغْلِهِ مِنَ التَّفْرِيغِ مِنَ السِّقَاءِ فِي الْإِنَاءِ ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . قُلْتُ : قَدْ رَدَّ الْقَاضِي الشَّوْكَانِيُّ عَلَى مَا جَمَعَ بِهِ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ بِمَا فِيهِ كَلَامٌ ثُمَّ قَالَ : فَالْأَوْلَى الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِحَمْلِ الْكَرَاهَةِ عَلَى التَّنْزِيهِ ، وَيَكُونُ شُرْبُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَانًا لِلْجَوَازِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
بَاب مَا جَاءَ فِي نُزُولِ الْعَذَابِ إِذَا لَمْ يُغَيَّرْ الْمُنْكَرُ 2168 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ نَحْوَهُ . وَفِي الْبَاب عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَحُذَيْفَةَ ، هَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ نَحْوَ حَدِيثِ يَزِيدَ ، وَرَفَعَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَوقَفَهُ بَعْضُهُمْ . بَاب مَا جَاءَ فِي نُزُولِ الْعَذَابِ إِذَا لَمْ يُغَيَّرْ الْمُنْكَرُ قَوْلُهُ : ( نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ) الْأَحْمَسِيُّ مَوْلَاهُمُ الْبَجَلِيُّ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ مِنَ الرَّابِعَةِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ أَيِ الْزَمُوا حِفْظَ أَنْفُسِكُمْ عَنِ الْمَعَاصِي فَإِذَا حَفِظْتُمْ أَنْفُسَكُمْ لَمْ يَضُرَّكُمْ إِذَا عَجَزْتُمْ عَنِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ضَلَالُ مَنْ ضَلَّ بِارْتِكَابِ الْمَنَاهِي إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اجْتِنَابِهَا ( وَإِنِّي ) أَيْ أَنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ ، وَتَجْرُونَ عَلَى عُمُومِهَا ، وَتَمْتَنِعُونَ عَنِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنِّي ( سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ النَّاسَ ) أَيِ الْمُطِيقِينَ لِإِزَالَةِ الْمُنْكَرِ مَعَ سَلَامَةِ الْعَافِيَةِ ( إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ ) أَيْ عَلِمُوا ظُلْمَهُ وَفِسْقَهُ وَعِصْيَانَهُ ( فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ ) أَيْ لَمْ يَكُفُّوهُ عَنِ الظُّلْمِ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ ( أَوْشَكَ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالشِّينِ أَيْ قَارَبَ أَوْ أَسْرَعَ ( أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ ) إِمَّا فِي الدُّنْيَا أَوِ الْآخِرَةِ أَوْ فِيهِمَا ، لِتَضْيِيعِ فَرْضِ اللَّهِ بِلَا عُذْرٍ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : خَافَ الصِّدِّيقُ أَنْ يَتَأَوَّلَ النَّاسُ الْآيَةَ غَيْرَ تَأْوِيلِهَا ، فَيَدْعُوهُمْ إِلَى تَرْكِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهَا لَيْسَتْ كَذَا ، وَأَنَّ الَّذِي أُذِنَ فِي الْإِمْسَاكِ عَنْ تَغْيِيرِهِ عَنِ الْمُنْكَرِ هُوَ الشِّرْكُ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ الْمُعَاهِدُونَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ يَتَدَيَّنُونَ بِهِ ، وَقَدْ صُولِحُوا عَلَيْهِ ، فَأَمَّا الْفُسُوقُ وَالْعِصْيَانُ وَالرَّيْبُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ الْآيَةَ فَلَيْسَتْ مُخَالِفَةً لِوُجُوبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ; لِأَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ فِي مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ مَا كُلِّفْتُمْ بِهِ فَلَا يَضُرُّكُمْ تَقْصِيرُ غَيْرِكُمْ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمِمَّا كُلِّفَ بِهِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ إِذَا فَعَلَهُ وَلَمْ يَمْتَثِلِ الْمُخَاطَبُ فَلَا عَتْبَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، لِكَوْنِهِ أَدَّى مَا عَلَيْهِ ، وَيَأْتِي بَاقِي الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ ، وَحَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ هَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ ، وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَحُذَيْفَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَمَّا حَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ الْأَصْبَهَانِيُّ ، وَأَمَّا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ .
بَاب مَا جَاءَ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا 2160 حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ ، نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، نا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَأْخُذْ أَحَدُكُمْ عَصَا أَخِيهِ لَاعِبًا جَادًّا ، فَمَنْ أَخَذَ عَصَى أَخِيهِ فَلْيَرُدَّهَا إِلَيْهِ . وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَسُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدَ وَجَعْدَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، وَالسَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ لَهُ صُحْبَةٌ ، قَدْ سَمِعَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ غُلَامٌ ، قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، والسائب ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ ، وأبوه يَزِيدُ بْنُ السَّائِبِ هُوَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحاديث ( بَابُ مَا جَاءَ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا ) بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ مِنَ التَّرْوِيعِ ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : رَاعَ أَفْزَعَ كَرَوَّعَ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ . قَوْلُهُ : ( نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ) قَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ الْكِنْدِيُّ ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ ، ابْنُ أُخْتِ نِمْرٍ ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ حَدِيثَ : لَا يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ عَصَا أَخِيهِ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ غَرِيبٌ ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، قَالَ أَحْمَدُ : لَا أَعْرِفُ لَهُ غَيْرَ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، وَأَمَّا السَّائِبُ فَقَدْ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ ثِقَةٌ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ، وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ : كَانَ ثِقَةً قَلِيلَ الْحَدِيثِ ، انْتَهَى ، ( عَنْ أَبِيهِ ) هُوَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ ثُمَامَةَ الْكِنْدِيُّ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فِي نَسَبِهِ ، وَيُعْرَفُ بِابْنِ أُخْتِ النَّمِرِ ، صَحَابِيٌّ صَغِيرٌ لَهُ أَحَادِيثُ قَلِيلَةٌ ، وَحَجَّ بِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ ، وَوَلَّاهُ عُمَرُ سُوقَ الْمَدِينَةِ ( عَنْ جَدِّهِ ) هُوَ يَزِيدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ ثُمَامَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ ، وَالِدُ السَّائِبِ صَحَابِيٌّ شَهِدَ الْفَتْحَ ، وَاسْتَقْضَاهُ عُمَرُ . قَوْلُهُ : ( لَا يَأْخُذْ ) بِصِيغَةِ النَّهْيِ ، وَقِيلَ بِالنَّفْيِ ( عَصَا أَخِيهِ ) يَعْنِي مَثَلًا ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : لَا يَأْخُذَنَّ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ ( لَاعِبًا جَادًّا ) حَالَانِ مِنْ فَاعِلِ يَأْخُذْ ، وَإِنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُمَا مُتَرَادِفَتَانِ تَنَاقَضَتَا ، وَإِنْ ذَهَبَ إِلَى التَّدَاخُلِ صَحَّ ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، قَالَ الْقَارِّيُّ : يَعْنِي وَيَكُونُ حَالًا مِنَ الْأَوَّلِ ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْحَالَ الثَّانِيَةَ مُقَدَّرَةٌ حَتَّى لَا يَلْزَمَ التَّنَاقُضُ ، سَوَاءٌ كَانَتَا مُتَرَادِفَتَيْنِ أَوْ مُتَدَاخِلَتَيْنِ ، إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ الْأَوَّلُ عَلَى ظَاهِرِ الْأَمْرِ وَالثَّانِي عَلَى بَاطِنِهِ ، أَيْ لَاعِبًا ظَاهِرًا ، جَادًّا بَاطِنًا ، أَيْ يَأْخُذُ عَلَى سَبِيلِ الْمُلَاعَبَةِ ، وَقَصْدُهُ فِي ذَلِكَ إِمْسَاكُهُ لِنَفْسِهِ لِئَلَّا يَلْزَمَ اللَّعِبُ وَالْجَدُّ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ ، وَلِذَا قَالَ الْمُظْهِرُ : مَعْنَاهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى وَجْهِ الدَّلِّ وَسَبِيلِ الْمِزَاحِ ثُمَّ يَحْبِسُهَا عَنْهُ وَلَا يَرُدُّهُ فَيَصِيرَ ذَلِكَ جِدًّا ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ : هُوَ أَنْ يَأْخُذَ مَتَاعَهُ لَا يُرِيدُ سَرِقَتَهُ ، إِنَّمَا يُرِيدُ إِدْخَالَ الْغَيْظِ عَلَيْهِ ، فَهُوَ لَاعِبٌ فِي السَّرِقَةِ جَادٌّ فِي إِدْخَالِ الْغَيْظِ وَالرَّوْعِ وَالْأَذَى عَلَيْهِ انْتَهَى ، وَيَنْصُرُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ : ( فَمَنْ أَخَذَ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرُدَّهَا إِلَيْهِ ) قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَإِنَّمَا ضَرَبَ الْمَثَلَ بِالْعَصَا لِأَنَّهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ التَّافِهَةِ الَّتِي لَا يَكُونُ لَهَا كَبِيرُ خَطَرٍ عِنْدَ صَاحِبِهَا لِيُعْلَمَ أَنَّ مَا كَانَ فَوْقَهُ فَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى أَحَقُّ وَأَجْدَرُ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ ، وَجَعْدَةَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ عَنْهُ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ : لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَوْ مُؤْمِنٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا ، كَذَا فِي التَّرْغِيبِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ وَحَدِيثُ جَعْدَةَ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُمَا ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ ذَكَرَهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي بَابِ التَّرْهِيبِ من تَرْوِيعِ الْمُسْلِمِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَسَكَتَ عَلَيْهِ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ . قَوْلُهُ : ( وَأَبُوهُ يَزِيدُ بْنُ السَّائِبِ إِلَخْ ) كَذَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ : يَزِيدُ بْنُ السَّائِبِ ، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ يَزِيدَ هَذَا هُوَ يَزِيدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ ثُمَامَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ ، فَلَعَلَّهُ يُقَالُ لَهُ يَزِيدُ بْنُ السَّائِبِ أَيْضًا ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
2170 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيُّ الْأَشْهَلِيُّ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتُلُوا إِمَامَكُمْ ، وَتَجْتَلِدُوا بِأَسْيَافِكُمْ ، وَيَرِثَ دُنْيَاكُمْ شِرَارُكُمْ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ قَوْلُهُ : ( حَتَّى تَقْتُلُوا إِمَامَكُمْ ) يَعْنِي السُّلْطَانَ ( وَتَجْتَلِدُوا بِأَسْيَافِكُمْ ) أَيْ تَضْرِبُوا بِهَا يَعْنِي مُقَاتَلَةَ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَهُمْ ( وَيَرِثَ دُنْيَاكُمْ شِرَارُكُمْ ) أَيْ يَأْخُذُ الظَّلَمَةُ الْمُلْكَ وَالْمَالَ ، وَإِيرَادُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ إِمَّا لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ هَذِهِ الْفِتْنَةَ تَقَعُ مِنْ أَجْلِ تَرْكِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ، أَوْ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ مَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فَهُوَ مِنَ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِخَيْرِ الْأُمَّةِ ، فَالشِّرَارُ الَّذِينَ يَرِثُونَ الدُّنْيَا لَا يَكُونُونَ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ وَكَذَا إِيرَادُ الْحَدِيثِ الْآتِي كَذَا فِي هَامِشِ النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .
2171 حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ذَكَرَ الْجَيْشَ الَّذِي يُخْسَفُ بِهِمْ ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : لَعَلَّ فِيهِمْ الْمُكْرَهُ ، قَالَ : إِنَّهُمْ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( ذَكَرَ الْجَيْشَ الَّذِي يُخْسَفُ بِهِمْ ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْقِبْطِيَّةِ قَالَ : دَخَلَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ وَأَنَا مَعَهُمَا عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، فَسَأَلَاهَا عَنِ الْجَيْشِ الَّذِي يُخْسَفُ بِهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَيَّامِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَعُوذُ عَائِذٌ بِالْبَيْتِ فَيُبْعَثُ إِلَيْهِ بَعْثٌ ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ خُسِفَ بِهِمْ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ بِمَنْ كَانَ كَارِهًا ؟ قَالَ : يُخْسَفُ بِهِ مَعَهُمْ ، وَلَكِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى نِيَّتِهِ ( إِنَّهُمْ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ ) مَعْنَاهُ إِنَّ الْأُمَمَ الَّتِي تُعَذَّبُ وَمَعَهُمْ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ يُصَابُ جَمِيعُهُمْ بِآجَالِهِمْ ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ ، فَالطَّائِعُ يُجَازَى بِنِيَّتِهِ وَعَمَلِهِ ، وَالْعَاصِي تَحْتَ الْمَشِيئَةِ ، قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ ، وَابْنُ مَاجَهْ
بَاب مَا جَاءَ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ 2169 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عذابا مِنْهُ ، فتَدْعُونَهُ ، فَلَا يُسْتَجيبُ لَكُمْ . حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ . هذا حديث حسن . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ) قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : الْمَعْرُوفُ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا عُرِفَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ ، وَكُلِّ مَا نَدَبَ إِلَيْهِ الشَّرْعُ وَنَهَى عَنْهُ مِنَ الْمُحَسَّنَاتِ وَالْمُقَبَّحَاتِ ، وَهُوَ مِنَ الصِّفَاتِ الْغَالِبَةِ أَيِّ أَمْرٍ مَعْرُوفٍ بَيْنَ النَّاسِ ، إِذَا رَأَوْهُ لَا يُنْكِرُونَهُ وَالْمَعْرُوفُ النَّصَفَةُ وَحُسْنُ الصُّحْبَةِ مَعَ الْأَهْلِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ النَّاسِ ، وَالْمُنْكَرُ ضِدُّ ذَلِكَ جَمِيعِهِ انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ) اسْمُهُ مَيْسَرَةُ مَوْلَى الْمُطَّلِبِ الْمَدَنِيِّ أَبُو عُثْمَانَ ثِقَةٌ رُبَّمَا وَهِمَ مِنَ الْخَامِسَةِ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَشْهَلِيُّ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيُّ الْأَشْهَلِيُّ حِجَازِيٌّ ، رَوَى عَنْ حُذَيْفَةَ وَعَنْهُ عَمْرُو بْنُ أَبِي عُمَرَ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ، رَوَى لَهُ التِّرْمِذِيُّ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ اثْنَانِ فِي أُمُورٍ تَقَعُ قَبْلَ السَّاعَةِ ، وَافَقَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي أَحَدِهِمَا ، وَالْآخَرُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ، قَالَ فِي سُؤَالَاتِ عُثْمَانَ الدَّارِمِيِّ ، يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ قَالَ : لَا أَعْرِفُهُ ، وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ : مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ( عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ) وَاسْمُ الْيَمَانِ ، حُسَيْلٌ مُصَغَّرًا ، وَيُقَالُ حَسْلٌ الْعَبْسِيُّ بِالْمُوَحَّدَةِ ، حَلِيفُ الْأَنْصَارِ ، صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ مِنَ السَّابِقِينَ ، صَحَّ فِي مُسْلِمٍ عَنْهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَهُ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ، وَأَبُوهُ صَحَابِيٌّ أَيْضًا اسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ . قَوْلُهُ : ( أَوْ لَيُوشِكَنَّ ) أَيْ لَيُسْرِعَنَّ ( عَذَابًا مِنْهُ ) ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عِقَابًا مِنْهُ ( فَتَدْعُونَهُ ) أَيْ تَسْأَلُونَهُ ( فَلَا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ ) وَالْمَعْنَى وَاللَّهِ أَنَّ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ وَاقِعٌ إِمَّا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ مِنْكُمْ ، وَإِمَّا إِنْزَالُ الْعَذَابِ مِنْ رَبِّكُمْ ، ثُمَّ عَدَمُ اسْتِجَابَةِ الدُّعَاءِ لَهُ فِي دَفْعِهِ عَنْكُمْ ، بِحَيْثُ لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يَرْتَفِعَانِ فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ لَمْ يَكُنْ عَذَابٌ ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا كَانَ عَذَابٌ عَظِيمٌ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) ذَكَرَ الْمُنْذِرِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي التَّرْغِيبِ ، وَنَقَلَ تَحْسِينَ التِّرْمِذِيِّ وَأَقَرَّهُ ، وَرَوَاهُ البزار ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلسُّيُوطِيِّ .
باب ما جاء في إشارة الرجل على أخيه بالسلاح 2162 حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ الْهَاشِمِيُّ ، نا مَحْبُوبُ بْنُ الْحَسَنِ ، نا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَشَارَ عَلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ لَعَنَتْهُ الْمَلَائِكَةُ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي بَكْرَةَ وَعَائِشَةَ وَجَابِرٍ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، يُسْتَغْرَبُ مِنْ حَدِيثِ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، وَرَوَى أَيُّوبُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ ، وَزَادَ فِيهِ : وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ ، حدثنا بِذَلِكَ قُتَيْبَةُ ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ بِهَذَا . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي إِشَارَةِ الرجل على أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ ) بِالْكَسْرِ ، قال في القاموس : السِّلَاحُ وَالسِّلَحُ كَعِنَبٍ ، وَالسُّلْحَانُ بِالضَّمِّ : آلَةُ الْحَرْبِ ، أَوْ حَدِيدَتُهَا ، وَيُؤَنَّثُ ، وَالسَّيْفُ وَالْقَوْسُ : بِلَا وَتَرٍ وَالْعَصَا ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ( الْهَاشِمِيُّ ) الْعَطَّارُ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ مِنْ كِبَارِ الْعَاشِرَةِ ، ( نا مَحْبُوبُ بْنُ الْحَسَنِ ) اسْمُهُ مُحَمَّدٌ ، وَمَحْبُوبٌ لَقَبُهُ ، قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ هِلَالِ بْنِ أَبِي زَيْنَبَ ، فَيْرُوزُ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو الْحَسَنِ لَقَبُهُ ، مَحْبُوبٌ صَدُوقٌ ، فِيهِ لِينٌ ، ورُمِيَ بِالْقَدَرِ مِنَ التَّاسِعَةِ . قَوْلُهُ : ( مَنْ أَشَارَ عَلَى أَخِيهِ ) فِي الدِّينِ ( بِحَدِيدَةٍ ) أَيْ بِسِلَاحٍ ، كَسِكِّينٍ وَخِنْجَرٍ وَسَيْفٍ وَرُمْحٍ ( لَعَنَتْهُ الْمَلَائِكَةُ ) أَيْ دَعَتْ عَلَيْهِ بِالطَّرْدِ وَالْبُعْدِ عَنِ الرَّحْمَةِ ، قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ، وَعَائِشَةَ ، وَجَابِرٍ ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ عَنْهَا مَرْفُوعًا : مَنْ أَشَارَ بِحَدِيدَةٍ إِلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُرِيدُ قَتْلَهُ فَقَدْ وَجَبَ دَمُهُ ، قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ : فِيهِ مَجْهُولٌ ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ . أَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ . قَوْلُهُ : ( وَزَادَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ ) أَيِ الْمُشِيرُ ( أَخَاهُ ) أَيْ أَخَا الْمُشَارِ إِلَيْهِ ( لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ ) أَيْ مَعًا وَإِنْ وَصْلِيَّةٌ ، قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلُهُ : وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ تَتْمِيمٌ لِمَعْنَى الْمُلَاعَبَةِ وَعَدَمِ الْقَصْدِ فِي الْإِشَارَةِ ، فَبَدَأَ بِمُطْلَقِ الْأُخُوَّةِ ثُمَّ قَيَّدَهُ بِالْأُخُوَّةِ بِالْأَبِ وَالْأُمِّ ؛ لِيُؤْذِنَ بِأَنَّ اللَّعِبَ الْمَحْضَ المعرى عَنْ شَائِبَةِ الْقَصْدِ إِذَا كَانَ حُكْمُهُ كَذَا ، فَمَا ظَنُّكَ بِغَيْرِهِ .
أبواب الْفِتَنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاب مَا جَاءَ لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ 2158 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَشْرَفَ يَوْمَ الدَّارِ فَقَالَ : أَنْشُدُكُمْ باللَّه ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ : زِنًى بَعْدَ إِحْصَانٍ ، أَوْ ارْتِدَادٍ بَعْدَ إِسْلَامٍ ، أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَقُتِلَ بِهِ ، فَوَاللَّهِ مَا زَنَيْتُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا فِي إِسْلَامٍ ، وَلَا ارْتَدَدْتُ مُنْذُ بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا قَتَلْتُ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ، فَبِمَ تَقْتُلُونِي . وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ورَفَعَهُ ، وَرَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، هَذَا الْحَدِيثَ فَوْقَفُوهُ وَلَمْ يَرْفَعُوهُ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ عُثْمَانَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( أَبْوَابُ الْفِتَنِ إِلَخْ ) الْفِتَنُ جَمْعُ فِتْنَةٍ قَالَ الرَّاغِبُ : أَصْلِ الْفِتَنِ إِدْخَالُ الذَّهَبِ فِي النَّارِ لِتَظْهَرَ جَوْدَتُهُ مِنْ رَدَاءَتِهِ ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي إِدْخَالِ الْإِنْسَانِ النَّارَ ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْعَذَابِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ عَلَى مَا يَحْصُلُ عِنْدَ الْعَذَابِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَعَلَى الِاخْتِبَارِ كَقَوْلِهِ : وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا وَفِيمَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ الْإِنْسَانُ مِنْ شِدَّةٍ وَرَخَاءٍ ، وَفِي الشِّدَّةِ أَظْهَرُ مَعْنًى ، وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا قَالَ تَعَالَى : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَقَالَ أَيْضًا الْفِتْنَةُ تَكُونُ مِنَ الْأَفْعَالِ الصَّادِرَةِ مِنَ اللَّهِ ، وَمِنَ الْعَبْدِ كَالْبَلِيَّةِ وَالْمُصِيبَةِ وَالْقَتْلِ وَالْعَذَابِ وَالْمَعْصِيَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَكْرُوهَاتِ ، فَإِنْ كَانَتْ مِنَ اللَّهِ فَهِيَ عَلَى وَجْهِ الْحِكْمَةِ ، وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْإِنْسَانِ بِغَيْرِ أَمْرِ اللَّهِ فَهِيَ مَذْمُومَةٌ ، فَقَدْ ذَمَّ الْإِنْسَانَ بِإِيقَاعِ الْفِتْنَةِ كَقَوْلِهِ : وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَقَالَ غَيْرُهُ : أَصْلُ الْفِتْنَةِ الِاخْتِبَارُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ فِيمَا أَخْرَجَتْهُ الْمِحْنَةُ وَالِاخْتِبَارُ إِلَى الْمَكْرُوهِ ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلَى كُلِّ مَكْرُوهٍ أَوْ أَوْصَلَ إِلَيْهِ كَالْكُفْرِ وَالْإِثْمِ وَالتَّحْرِيقِ وَالْفَضِيحَةِ وَالْفُجُورِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . باب ما جاء لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث قَوْلُهُ : ( عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ ) بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيِّ الْقَاضِي ثِقَةٌ ثَبْتٌ مِنَ الْخَامِسَةِ ( عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ) بِالتَّصْغِيرِ وَاسْمُهُ أَسْعَدُ ، قَالَ فِي التَّقْرِيبِ أَسْعَدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ الْأَنْصَارِيُّ أَبُو أُمَامَةَ مَعْرُوفٌ بِكُنْيَتِهِ مَعْدُودٌ فِي الصَّحَابَةِ لَهُ رُؤْيَةٌ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( أَشْرَفَ ) أَيِ اطَّلَعَ عَلَى النَّاسِ مِنْ فَوْقٍ ، يُقَالُ أَشْرَفَ عَلَيْهِ إِذَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ فَوْقٍ ( يَوْمَ الدَّارِ ) أَيْ وَقْتَ الْحِصَارِ ، أَيْ فِي الْأَيَّامِ الَّتِي جَلَسَ فِيهَا فِي دَارِهِ لِأَجْلِ أَهْلِ الْفِتْنَةِ ( فَقَالَ أَنْشُدُكُمْ ) بِضَمِّ الشِّينِ أَيْ أُقْسِمُكُمْ ( أَتَعْلَمُونَ ) الْهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ أَيْ قَدْ تَعْلَمُونَ ( لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ) هُوَ صِفَةٌ مُقَيِّدَةٌ لِامْرِئٍ أَيْ لَا يَحِلُّ إِرَاقَةُ دَمِهِ كُلِّهِ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ قَتْلِهِ وَلَوْ لَمْ يُرِقْ دَمَهُ ( إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ ) أَيْ مِنَ الْخِصَالِ ( زِنًى بَعْدَ إِحْصَانٍ ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ : أَصْلُ الْإِحْصَانِ الْمَنْعُ وَالْمَرْأَةُ تَكُونُ مُحْصَنَةً بِالْإِسْلَامِ وَبِالْعَفَافِ وَالْحُرِّيَّةِ وَبِالتَّزْوِيجِ ، يُقَالُ أَحْصَنَتِ الْمَرْأَةُ فَهِيَ مُحْصَنَةٌ وَمُحْصِنَةٌ وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ انْتَهَى ( فَقُتِلَ بِهِ ) تَقْرِيرٌ وَمَزِيدُ تَوْضِيحٍ لِلْمَعْنَى ( مُنْذُ بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَيْ بَيْعَةَ الْإِسْلَامِ ( وَلَا قَتَلْتُ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ) أَيْ قَتْلَهَا بِغَيْرِ حَقٍّ ( فَبِمَ تَقْتُلُونِّي ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ ، وَفِي الْمِشْكَاةِ : تَقْتُلُونَنِي ، قَالَ الْقَارِّيُّ : بِنُونَيْنِ ، وَفِي نُسْخَةٍ يَعْنِي مِنْهَا بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ ، وَفِي نُسْخَةٍ بِتَخْفِيفِهَا أَيْ فَبِأَيِّ سَبَبٍ تُرِيدُونَ قَتْلِي وَالْخِطَابُ لِلتَّغْلِيبِ انْتَهَى . قَالَ الْحَافِظُ : قَالَ شَيْخُنَا يَعْنِي الْحَافِظَ الْعِرَاقِيَّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : اسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ مِنَ الثَّلَاثَةِ قَتْلَ الصَّائِلِ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهُ لِلدَّفْعِ ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى قَوْلِ النَّوَوِيِّ يُخَصُّ مِنْ عُمُومِ الثَّلَاثَةِ الصَّائِلُ وَنَحْوُهُ ، فَيُبَاحُ قَتْلُهُ فِي الدَّفْعِ ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْمُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ لَا يَحِلُّ تَعَمُّدُ قَتْلِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ إِلَّا مُدَافَعَةً بِخِلَافِ الثَّلَاثَةِ ، قَالَ الْحَافِظُ وَالْجَوَابُ الثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَنْسُوخٌ بِآيَةِ الْمُحَارَبَةِ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ قَالَ فَأَبَاحَ الْقَتْلَ بِمُجَرَّدِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ ، قَالَ وقَدْ وَرَدَ فِي الْقَتْلِ بِغَيْرِ الثَّلَاثِ أَشْيَاءَ ، مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى : فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي وَحَدِيثُ مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوهُ ، وَحَدِيثُ مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ ، وَحَدِيثُ : مَنْ خَرَجَ وَأَمْرُ النَّاسِ جَمْعٌ يُرِيدُ تَفَرُّقَهُمْ فَاقْتُلُوهُ ، وَقَوْلُ جَمَاعَةِ من الْأَئِمَّةِ : إِنْ تَابَ أَهْلُ الْقَدَرِ وَإِلَّا قُتِلُوا وَقَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ : يُضْرَبُ الْمُبْتَدِعُ حَتَّى يَرْجِعَ أَوْ يَمُوتَ ، وَقَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ يُقْتَلُ تَارِكُ الصَّلَاةِ قَالَ وَهَذَا كُلُّهُ زَائِدٌ عَلَى الثَّلَاثِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَزَادَ غَيْرُهُ قَتْلَ مَنْ طَلَبَ أَخْذَ مَالِ إِنْسَانٍ أَوْ حَرِيمِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَمَنِ ارْتَدَّ وَلَمْ يُفَارِقِ الْجَمَاعَةَ ، وَمَنْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ وَأَظْهَرَ الشِّقَاقَ وَالْخِلَافَ ، وَالزِّنْدِيقِ إِذَا تَابَ عَلَى رَأْيٍ وَالسَّاحِرِ . وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ الْأَكْثَرَ فِي الْمُحَارَبَةِ أَنَّهُ إِنْ قَتَلَ قُتِلَ ، وَبِأَنَّ حُكْمَ الْآيَةِ فِي الْبَاغِي أَنْ يُقَاتَلَ لَا أَنْ يُقْصَدَ إِلَى قَتْلِهِ ، وَبِأَنَّ الْخَبَرَيْنِ فِي اللِّوَاطِ وَإِتْيَانِ الْبَهِيمَةِ لَمْ يَصِحَّا ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ فَهُمَا دَاخِلَانِ فِي الزِّنَا ، وَحَدِيثُ الْخَارِجِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ تَقَدَّمَ تَأْوِيلُهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَتْلِهِ حَبْسُهُ وَمَنْعُهُ مِنَ الْخُرُوجِ ، وَالْقَوْلُ فِي الْقَدَرِيَّةِ وَسَائِرِ الْمُبْتَدِعَةِ مُفَرَّعٌ عَلَى الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِهِمْ ، وَبِأَنَّ قَتْلَ تَارِكِ الصَّلَاةِ عِنْدَ مَنْ لَا يُكَفِّرُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَأَمَّا مَنْ طَلَبَ الْمَالَ أَوِ الْحَرِيمَ فَمِنْ حُكْمِ دَفْعِ الصَّائِلِ ، وَمُخَالِفُ الْإِجْمَاعِ دَاخِلٌ فِي مُفَارِقِ الْجَمَاعَةِ ، وَقَتْلُ الزِّنْدِيقِ لِاسْتِصْحَابِ حُكْمِ كُفْرِهِ ، وَكَذَا السَّاحِرُ ، وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ بَعْضِ أَشْيَاخِهِ أَنَّ أَسْبَابَ الْقَتْلِ عَشَرَةٌ ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَلَا تَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِحَالٍ ، فَإِنَّ مَنْ سَحَرَ أَوْ سَبَّ نَبِيَّ اللَّهِ كَفَرَ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي التَّارِكِ لِدِينِهِ انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ بِاخْتِصَارٍ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ) أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمَا ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ كَمَا فِي الْفَتْحِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالدَّارِمِيُّ .
بَاب النَّهْيِ عَنْ تَعَاطِي السَّيْفِ مَسْلُولًا 2163 حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيُّ الْبَصْرِيُّ ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُتَعَاطَى السَّيْفُ مَسْلُولًا . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، وَرَوَى ابْنُ لَهِيعَةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ بَنَّةَ الْجُهَنِيِّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَحَدِيثُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عِنْدِي أَصَحُّ . ( بَابُ النَّهْيِ عَنْ تَعَاطِي السَّيْفِ مَسْلُولًا ) التَّعَاطِي : التَّنَاوُلُ وَالْأَخْذُ وَالْإِعْطَاءُ . قَوْلُهُ : ( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُتَعَاطَى السَّيْفُ مَسْلُولًا ) فَيُكْرَهُ مُنَاوَلَتُهُ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُخْطِئُ فِي تَنَاوُلِهِ ، فَيَجْرَحُ شَيْئًا مِنْ بَدَنِهِ ، أَوْ يَسْقُطُ عَلَى أَحَدٍ فَيُؤْذِيهِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ كَمَا فِي الْفَتْحِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالْحَاكِمُ وَسَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَنَقَلَ الْمُنْذِرِيُّ تَحْسِينَ التِّرْمِذِيِّ وَأَقَرَّهُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ بَنَّةَ الْجُهَنِيِّ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : صَحَابِيٌّ ذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَهُ تَعْلِيقًا عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ بِسَنَدِهِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَثْقِيلِ النُّونِ ، وَقِيلَ : أَوَّلُهُ تَحْتَانِيَّةٌ ، وَرَجَّحَ ابْنُ مَعِينٍ أَنَّهُ بِنُونٍ وَمُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرًا انْتَهَى ، وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِي ضَبْطِهِ ، فَذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ فِي الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ السَّكَنِ فِي الْيَاءِ الْأَخِيرَةِ ، وَذَكَرَهُ عَبَّاسٌ الدَّوْرِيُّ ، عَنِ ابْنِ مَعِينٍ فِي النُّونِ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : هِيَ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَهِيَ أَرْجَحُ الرِّوَايَاتِ انْتَهَى .
بَاب مَا جَاءَ فِي تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ بِالْيَدِ أَوْ بِاللِّسَانِ أَوْ بِالْقَلْبِ 2172 حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَوَّلُ مَنْ قَدَّمَ الْخُطْبَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ مَرْوَانُ ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ لِمَرْوَانَ : خَالَفْتَ السُّنَّةَ ، فَقَالَ : يَا فُلَانُ ، تُرِكَ مَا هُنَالِكَ ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ رَأَى مُنْكَرًا فَلْيُنْكِرْهُ بِيَدِهِ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . بَاب مَا جَاءَ فِي تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ بِالْيَدِ أَوْ بِاللِّسَانِ أَوْ بِالْقَلْبِ قَوْلُهُ : ( خَالَفْتَ السُّنَّةَ ) لِأَنَّ الَّذِي ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ وعلي - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - تقديم الصلاة ، وعليه جماعة فقهاء الأمصار ، وقد عده بَعْضِهِمْ إِجْمَاعًا ، قَالَ النَّوَوِيُّ : يَعْنِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ بَعْدَ الْخِلَافِ أَوْ لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى خِلَافِ بَنِي أُمَيَّةَ بَعْدَ إِجْمَاعِ الْخُلَفَاءِ وَالصَّدْرِ الْأَوَّلِ انْتَهَى ( أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ ) مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ( مَنْ رَأَى ) أَيْ عَلِمَ ( مُنْكَرًا ) أَيْ شَيْئًا قَبَّحَهُ الشَّرْعُ فِعْلًا أَوْ قَوْلًا أَيْ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( فَلْيُنْكِرْهُ بِيَدِهِ ) وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ فَلْيُغَيِّرْهُ أَيْ بِأَنْ يَمْنَعَهُ بِالْفِعْلِ بِأَنْ يَكْسِرَ الْآلَاتِ وَيُرِيقَ الْخَمْرَ وَيَرُدَّ الْمَغْصُوبَ إِلَى مَالِكِهِ ( فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ ) أَيِ التَّغْيِيرَ بِالْيَدِ وَإِزَالَتَهُ بِالْفِعْلِ لِكَوْنِ فَاعِلِهِ أَقْوَى مِنْهُ ( فَبِلِسَانِهِ ) أَيْ فَلْيُغَيِّرْهُ بِالْقَوْلِ ، وَتِلَاوَةِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْوَعِيدِ عَلَيْهِ ، وَذِكْرَ الْوَعْظِ وَالتَّخْوِيفِ وَالنَّصِيحَةِ ( فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ ) أَيِ التَّغْيِيرَ بِاللِّسَانِ أَيْضًا ( فَبِقَلْبِهِ ) بِأَنْ لَا يَرْضَى بِهِ وَيُنْكِرَ فِي بَاطِنِهِ عَلَى مُتَعَاطِيهِ ، فَيَكُونُ تَغْيِيرًا مَعْنَوِيًّا إِذْ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ إِلَّا هَذَا الْقَدْرُ مِنَ التَّغْيِيرِ ، وَقِيلَ التَّقْدِيرُ فَلْيُنْكِرْهُ بِقَلْبِهِ لِأَنَّ التَّغْيِيرَ لَا يُتَصَوَّرُ بِالْقَلْبِ فَيَكُونُ التَّرْكِيبُ مِنْ بَابِ عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ ( وَذَلِكَ ) أَيِ الْإِنْكَارُ بِالْقَلْبِ وَهُوَ الْكَرَاهِيَةُ ( أَضْعَفُ الْإِيمَانِ ) أَيْ شُعَبِهِ أَوْ خِصَالِ أَهْلِهِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ أَقَلُّهَا ثَمَرَةً فَمَنْ غَيَّرَ الْمَرَاتِبَ مَعَ الْقُدْرَةِ كَانَ عَاصِيًا ، وَمَنْ تَرَكَهَا بِلَا قُدْرَةٍ أَوْ يَرَى الْمَفْسَدَةَ أَكْثَرَ وَيَكُونُ مُنْكِرًا بِقَلْبِهِ ، فَهُوَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ : وَذَلِكَ أَضْعَفُ زَمَنِ الْإِيمَانِ إِذْ لَوْ كَانَ إِيمَانُ أَهْلِ زَمَانِهِ قَوِيًّا لَقَدَرَ عَلَى الْإِنْكَارِ الْقَوْلِيِّ أَوِ الْفِعْلِيِّ وَلَمَا احْتَاجَ إِلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى الْإِنْكَارِ الْقَلْبِيِّ ، إِذْ ذَلِكَ الشَّخْصُ الْمُنْكِرُ بِالْقَلْبِ فَقَطْ أَضْعَفُ أَهْلِ الْإِيمَانِ ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ قَوِيًّا صُلْبًا فِي الدِّينِ لَمَا اكْتَفَى بِهِ ، وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ : أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ ، وَاقْتَصَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ : وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ عَلَى قَوْلِهِ مَعْنَاهُ أَقَلُّهُ ثَمَرَةً ، وَقَالَ : اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْبَابَ أَعْنِي الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ قَدْ ضُيِّعَ أَكْثَرُهُ مِنْ أَزْمَانٍ مُتَطَاوِلَةٍ ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ إِلَّا رُسُومٌ قَلِيلَةٌ جِدًّا ، وَهُوَ بَابٌ عَظِيمٌ بِهِ قِوَامُ الْأَمْرِ وَمَلَاكُهُ ، وَإِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ عَمَّ الْعِقَابُ لِلصَّالِحِ وَالطَّالِحِ ، وَإِذَا لَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدِ الظَّالِمِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابِهِ ، فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فَيَنْبَغِي لِطَالِبِ الْآخِرَةِ وَالسَّاعِي فِي تَحْصِيلِ رِضَا اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَعْتَنِيَ بِهَذَا الْبَابِ ، فَإِنَّ نَفْعَهُ عَظِيمٌ لَا سِيَّمَا وَقَدْ ذَهَبَ مُعْظَمُهُ وَيُخْلِصَ نِيَّتَهُ وَلَا يَهَابَنَّ مَنْ يُنْكِرُ عَلَيْهِ لِارْتِفَاعِ مَرْتَبَتِهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ثُمَّ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ، كَلَامًا طَوِيلًا حَسَنًا نَافِعًا ، فَعَلَيْكَ أَنْ تُطَالِعَهُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ .
بَاب مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ عز وجل 2164 حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ ، نا مَعْدِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ ، نا ابْنُ عَجْلَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ ، فَلَا يُتْبِعَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذِمَّتِهِ . وَفِي الْبَاب عَنْ جُنْدَبٍ وَابْنِ عُمَرَ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . بَاب مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ عز وجل قَوْلُهُ : ( نا مَعْدِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ ) صَاحِبُ الطَّعَامِ ضَعِيفٌ وَكَانَ عَابِدًا مِنَ الثَّامِنَةِ . قَوْلُهُ : ( مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ ) فِي جَمَاعَةٍ ( فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ عَهْدِهِ أَوْ أَمَانِهِ أَوْ ضَمَانِهِ ، فَلَا تَتَعَرَّضُوا لَهُ بِالْأَذَى ، وَهَذَا غَيْرُ الْأَمَانِ الَّذِي ثَبَتَ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ ( فَلَا يُتْبِعَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذِمَّتِهِ ) ظَاهِرُهُ النَّهْيُ عَنْ مُطَالَبَتِهِ إِيَّاهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ عَهْدِهِ ، لَكِنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى مَا يُوجِبُ الْمُطَالَبَةَ فِي نَقْضِ الْعَهْدِ وَإِخْفَارِ الذِّمَّةِ ، لَا عَلَى نَفْسِ الْمُطَالَبَةِ . وَفِي حَدِيثِ جُنْدُبٍ الْقَسْرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ : فَلَا يَطْلُبَنَّكُمُ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ ، قَالَ الْقَارِّيُّ : أَيْ لَا يُؤَاخِذُكُمْ مِنْ بَابِ لَا أَرَيْنَكَ ، الْمُرَادُ نَهْيُهُمْ عَنِ التَّعَرُّضِ لِمَا يُوجِبُ مُطَالَبَةَ الله إِيَّاهُمْ ، وَمِنْ بِمَعْنَى لِأَجْلِ ، وَالضَّمِيرُ فِي ذِمَّتِهِ إِمَّا لِلَّهِ ، وَإِمَّا لِمِنْ ، وَالْمُضَافُ مَحْذُوفٌ ، أَيْ لِأَجْلِ تَرْكِ ذِمَّتِهِ ، أَوْ بَيَانِيَّةٌ وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ حَالٌ مِنْ شَيْءٍ ، وَفِي الْمَصَابِيحِ بِشَيْءٍ مِنْ ذِمَّتِهِ ، قِيلَ أَيْ بِنَقْضِ عَهْدِهِ وَإِخْفَارِ ذِمَّتِهِ بِالتَّعَرُّضِ لِمَنْ لَهُ ذِمَّةٌ ، أَوِ الْمُرَادُ بِالذِّمَّةِ الصَّلَاةُ الْمُوجِبَةُ لِلْأَمَانِ ، أَيْ لَا تَتْرُكُوا صَلَاةَ الصُّبْحِ ، فَيُنْتَقَضُ بِهِ الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ فَيَطْلُبُكُمْ بِهِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ جُنْدُبٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ) أَمَّا حَدِيثُ جُنْدُبٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبَزَّارُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ بِنَحْوِهِ ، وَفِي أَوَّلِهِ قِصَّةٌ ثُمَّ ذَكَرَهَا بِطُولِهَا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) فِي سَنَدِهِ مَعْدِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا عَرَفْتَ ، لَكِنْ قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ : صَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَهُ .
بَاب مِنْهُ 2173 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، نا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عن الْأَعْمَشُ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْمُدْهِنِ فِيهَا ، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فِي الْبَحْرِ ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا ، وَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا ، فَكَانَ الَّذِينَ فِي البحر أَسْفَلِهَا يَصْعَدُونَ فَيَسْتَقُونَ الْمَاءَ ، فَيَصُبُّونَ عَلَى الَّذِينَ فِي أَعْلَاهَا ، فَقَالَ الَّذِينَ فِي أَعْلَاهَا : لَا نَدَعُكُمْ تَصْعَدُونَ فَتُؤْذُونَنَا ، فَقَالَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا : فَإِنَّا نَنْقُبُهَا في أَسْفَلِهَا فَنَسْتَقِي ، فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ فَمَنَعُوهُمْ نَجَوْا جَمِيعًا ، وَإِنْ تَرَكُوهُمْ غَرِقُوا جَمِيعًا . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . باب منه قَوْلُهُ : ( مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ ) أَيِ الْآمِرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِي عَنِ الْمُنْكَرِ ( وَالْمُدْهِنِ فِيهَا ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْهَاءِ وَبِالنُّونِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ يُرَائِي وَيُضَيِّعُ الْحُقُوقَ وَلَا يُغَيِّرُ الْمُنْكَرَ ، وَالْمُدْهِنُ وَالْمُدَاهِنُ وَاحِدٌ ( كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ ) أَيِ اقْتَسَمُوا مَحَالَّهَا وَمَنَازِلَهَا بِالْقُرْعَةِ ( فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا ) أَيْ أَعْلَى السَّفِينَةِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : فَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَسْفَلِهَا وَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَعْلَاهَا ( أَسْفَلَهَا ) أَيْ فِي أَسْفَلِ السَّفِينَةِ بَيَانٌ لِلْبَحْرِ ( لَا نَدَعُكُمْ ) بِفَتْحِ الدَّالِ أَيْ لَا نَتْرُكُكُمْ ( فَإِنَّا نَنْقُبُهَا ) أَيْ نَثْقُبُهَا ( فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ ) أَيِ أَمْسَكُوا أَيْدِيَهُمْ ( نَجَوْا جَمِيعًا إِلَخْ ) الْمَعْنَى أَنَّهُ كَذَلِكَ إِنْ مَنَعَ النَّاسُ الْفَاسِقَ عَنِ الْفِسْقِ نَجَا وَنَجَوْا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَإِنْ تَرَكُوهُ عَلَى فِعْلِ الْمَعْصِيَةِ وَلَمْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ ، حَلَّ بِهِمُ الْعَذَابُ وَهَلَكُوا بِشُؤْمِهِ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً أَيْ بَلْ تُصِيبُكُمْ عَامَّةً بِسَبَبِ مُدَاهَنَتِكُمْ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُدَاهَنَةِ الْمَنْهِيَّةِ وَالْمُدَارَاةِ الْمَأْمُورَةِ أَنَّ الْمُدَاهَنَةَ فِي الشَّرِيعَةِ أَنْ يَرَى مُنْكَرًا وَيَقْدِرَ عَلَى دَفْعِهِ وَلَمْ يَدْفَعْهُ حِفْظًا لِجَانِبِ مُرْتَكِبِهِ أَوْ جَانِبِ غَيْرِهِ لِخَوْفٍ أَوْ طَمَعٍ أَوْ لِاسْتِحْيَاءٍ مِنْهُ أَوْ قِلَّةِ مُبَالَاةٍ فِي الدِّينِ ، وَالْمُدَارَاةُ مُوَافَقَتُهُ بِتَرْكِ حَظِّ نَفْسِهِ وَحَقٍّ يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ وَعِرْضِهِ فَيَسْكُتُ عَنْهُ دَفْعًا لِلشَّرِّ وَوُقُوعِ الضَّرَرِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الشَّرِكَةِ وَفِي الشَّهَادَاتِ .
بَاب مَا جَاءَ في تحريم الدماء والأموال 2159 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، ثنا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ : أَيُّ يَوْمٍ هَذَا ؟ قَالُوا : يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ، قَالَ : فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا ، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ ، وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا ، وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحقرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَسَيَرْضَى بِهِ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي بَكْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَحِذْيَمِ بْنِ عَمْرٍو السَّعْدِيِّ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَرَوَى زَائِدَةُ ، عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ نَحْوَهُ ، وَلَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ بَاب مَا جَاءَ في تحريم الدماء والأموال قَوْلُهُ : ( عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ ) بِمُعْجَمَةٍ وَقَافٍ ثِقَةٌ مِنَ الرَّابِعَةِ ( عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأحْوَصِ ) الْجُشَمِيِّ الْكُوفِيِّ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ( عَنْ أَبِيهِ ) أَيْ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ الْجُشَمِيِّ ، قَالَ الْحَافِظُ : صَحَابِيٌّ لَهُ حَدِيثٌ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ . قَوْلُهُ : ( يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ) أَيْ يَوْمَ النَّحْرِ وَالْوَدَاعِ بِفَتْحِ الْوَاوِ مَصْدَرُ وَدَّعَ تَوْدِيعًا كَسَلَّمَ سَلَامًا وَكَلَّمَ كَلَامًا ، وَقِيلَ بِكَسْرِ الْوَاوِ فَيَكُونُ مَصْدَرُ الْمُوَادَعَةِ ، وَهُوَ إِمَّا لِوَدَاعِهِ النَّاسَ أَوِ الْحَرَمَ فِي تِلْكَ الْحِجَّةِ ، وَهِيَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا ، قَالَ الشُّمُنِّيُّ : لَمْ يُسْمَعْ فِي حَاءِ ذِي الْحِجَّةِ إِلَّا الْكَسْرُ ، قَالَ صَاحِبُ الصِّحَاحِ : الْحِجَّةُ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ ، وَهُوَ مِنَ الشَّوَاذِّ ; لِأَنَّ الْقِيَاسَ الْفَتْحُ ( أَيُّ يَوْمٍ هَذَا ؟ قَالُوا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ) قَالَ تَعَالَى : وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ أَيْ إِعْلَامٌ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : أَيْ يَوْمَ الْعِيدِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَمَامَ الْحَجِّ ، وَمُعْظَمَ أَفْعَالِهِ ، وَلِأَنَّ الْإِعْلَامَ كَانَ فِيهِ ، وَلِمَا رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَقَفَ يَوْمَ النَّحْرِ عِنْدَ الْجَمَرَاتِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ : هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ، وَقِيلَ يَوْمُ عَرَفَةَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : الْحَجُّ عَرَفَةُ . وَوُصِفَ الْحَجُّ بِالْأَكْبَرِ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ أَوْ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَجِّ مَا يَقَعُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ أَعْمَالِهِ ، فَإِنَّهُ أَكْبَرُ مِنْ بَاقِي الْأَعْمَالِ ، أَوْ لِأَنَّ ذَلِكَ الْحَجَّ اجْتَمَعَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ ، وَوَافَقَ عِيدُهُ أَعْيَادَ أَهْلِ الْكِتَابِ ، أَوْ لِأَنَّهُ ظَهَرَ فِيهِ عِزُّ الْمُسْلِمِينَ وَذُلُّ الْمُشْرِكِينَ انْتَهَى ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ : هُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ إِذْ مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ ثُمَّ قَوْلُهُمْ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ بِظَاهِرِهِ يُنَافِي جَوَابَهُمُ السَّابِقَ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، يَعْنِي فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ ، وَلَعَلَّ هَذَا فِي يَوْمٍ آخَرَ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ أَوْ أَحَدُ الْجَوَابَيْنِ صَدَرَ عَنْ بَعْضِهِمْ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . ( قَالَ فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ ) أَيْ تَعَرُّضَكُمْ لِبَعْضِكُمْ فِي دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ ، وَالْعِرْضُ بِالْكَسْرِ : مَوْضِعُ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ مِنَ الْإِنْسَانِ سَوَاءٌ كَانَ فِي نَفْسِهِ أَوْ سَلَفِهِ ( بَيْنَكُمْ ) احْتِرَازٌ عَنِ الْحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ ( حَرَامٌ ) أَيْ مُحَرَّمٌ مَمْنُوعٌ ( كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا ) يَعْنِي تَعَرُّضَ بَعْضِكُمْ دِمَاء بَعْضٍ وَأَمْوَالِهِ وَأَعْرَاضِهِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَيَّامِ كَحُرْمَةِ التَّعَرُّضِ لَهَا فِي هَذَا الْيَوْمِ ( فِي بَلَدِكُمْ ) أَيْ مَكَّةَ أَوِ الْحَرَمِ الْمُحْتَرَمِ ( هَذَا ) وَلَعَلَّ تَرْكَ الشَّهْرِ اقْتِصَارٌ مِنَ الرَّاوِي ، وَإِنَّمَا شَبَّهَهَا فِي الْحُرْمَةِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرَوْنَ اسْتِبَاحَةَ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ وَانْتِهَاكَ حُرْمَتِهَا بِحَالٍ ( أَلَا ) لِلتَّنْبِيهِ ( لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْجِنَايَةُ الذَّنْبُ وَالْجُرْمُ وَمَا يَفْعَلُهُ الْإِنْسَانُ مِمَّا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْعَذَابَ أَوِ الْقِصَاصَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِجِنَايَةِ غَيْرِهِ مِنْ أَقَارِبِهِ وَأَبَاعِدِهِ ، فَإِذَا جَنَى أَحَدُهُمَا جِنَايَةً لَا يُعَاقَبُ بِهَا الْآخَرُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى انْتَهَى . ( أَلَا ) لِلتَّنْبِيهِ ( لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ النَّهْيَ عَنِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ لِاخْتِصَاصِهَا بِمَزِيدِ قُبْحٍ وَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ تَأْكِيدَ لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ ، فَإِنَّ عَادَتَهُمْ جَرَتْ بِأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ أَقَارِبَ الشَّخْصِ بِجِنَايَتِهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا ظُلْمٌ يُؤَدِّي إِلَى ظُلْمٍ آخَرَ ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا نَفْيٌ ، فَيُوَافِقُ قَوْلَهُ تَعَالَى : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنَّمَا خَصَّ الْوَلَدَ وَالْوَالِدَ لِأَنَّهُمَا أَقْرَبُ الْأَقَارِبِ ، فَإِذَا لَمْ يُؤَاخَذَا بِفِعْلِهِ ، فَغَيْرُهُمَا أَوْلَى ، وَفِي رِوَايَةٍ لَا يُؤْخَذُ الرَّجُلُ بِجَرِيمَةِ أَبِيهِ ، وَضُبِطَ بِالْوَجْهَيْنِ . ( أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ ) وَهُوَ إِبْلِيسُ الرَّئِيسُ أَوِ الْجِنْسُ الْخَسِيسُ ( قَدْ أَيِسَ ) أَيْ قَنَطَ ( أَنْ يُعْبَدَ ) قَالَ الْقَارِّيُّ : أَيْ مِنْ أَنْ يُطَاعَ فِي عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، لِأَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ أَنَّهُ عَبَدَهُ أَحَدٌ مِنَ الْكُفَّارِ انْتَهَى ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ : إِنَّ الشَّيْطَانَ أَيِسَ أَنْ يَعُودَ أَحَدٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عِبَادَةِ الصَّنَمِ وَلَا يَرِدُ عَلَى هَذَا مِثْلُ أَصْحَابِ مَسيلَمَةَ وَمَانِعِي الزَّكَاةِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنِ ارْتَدَّ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْبُدُوا الصَّنَمَ ، وَيُحْتَمَلُ مَعْنًى آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ أَشَارَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَنَّ الْمُصَلِّينَ مِنْ أُمَّتِي لَا يَجْمَعُونَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَعِبَادَةِ الشَّيْطَانِ كَمَا فَعَلَتْهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ، وَلَكَ أَنْ تَقُولَ : مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الشَّيْطَانَ أَيِسَ مِنْ أَنْ يَتَبَدَّلَ دِينُ الْإِسْلَامِ وَيَظْهَرَ الْإِشْرَاكُ وَيَسْتَمِرَّ وَيَصِيرَ الْأَمْرُ كَمَا كَانَ مِنْ قَبْلُ ، وَلَا يُنَافِيهِ ارْتِدَادُ مَنِ ارْتَدَّ بَلْ لَوْ عَبَدَ الْأَصْنَامَ أَيْضًا لَمْ يَضُرَّ فِي الْمَقْصُودِ فَافْهَمْ ، كَذَا فِي اللُّمَعَاتِ مَعَ زِيَادَةٍ . ( فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ ) أَيْ مَكَّةَ وَمَا حَوْلَهَا مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ( وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ ) أَيِ انْقِيَادا وإطَاعَة ( فِيمَا تُحَقِّرُونَ ) بِتَشْدِيدِ الْقَافِ مِنَ التَّحْقِيرِ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ تَحْتَقِرُونَ ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْحَقْرُ الذِّلَّةُ كَالْحُقْرِيَّةِ بِالضَّمِّ الْحَقَارَةُ مُثَلَّثَةٌ وَالْمَحْقَرَةُ وَالْفِعْلُ كَضَرَبَ وَكَرُمَ وَالْإِذْلَالُ كَالتَّحْقِيرِ وَالِاحْتِقَارِ ، وَالِاسْتِحْقَارِ وَالْفِعْلُ كَضَرَبَ انْتَهَى ، ( مِنْ أَعْمَالِكُمْ ) أَيْ دُونَ الْكُفْرِ مِنَ الْقَتْلِ وَالنَّهْبِ وَنَحْوِهِمَا مِنَ الْكَبَائِرِ وَتَحْقِيرِ الصَّغَائِرِ ( فَسَيَرْضَى ) بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ أَيِ الشَّيْطَانُ ( بِهِ ) أَيْ بِالْمُحْتَقِرِ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الذَّنْبُ الْأَكْبَرُ وَلِهَذَا تَرَى الْمَعَاصِيَ مِنَ الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ وَنَحْوِهِمَا تُوجَدُ كَثِيرًا فِي الْمُسْلِمِينَ وَقَلِيلًا فِي الْكَافِرِينَ ، لِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ مِنَ الْكُفَّارِ بِالْكُفْرِ ، فَلَا يُوَسْوِسُ لَهُمْ فِي الْجُزْئِيَّاتِ وَحَيْثُ لَا يَرْضَى عَنِ الْمُسْلِمِينَ بِالْكُفْرِ فَيَرْمِيهِمْ فِي الْمَعَاصِي ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الصَّلَاةُ الَّتِي لَيْسَ لَهَا وَسْوَسَةٌ إِنَّمَا هِيَ صَلَاةُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَمِنَ الْأَمْثَالِ : لَا يَدْخُلُ اللِّصُّ فِي بَيْتٍ إِلَّا فِيهِ مَتَاعٌ نَفِيسٌ . وقَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : قَوْلُهُ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ أَيْ مِمَّا يَتَهَجَّص فِي خَوَاطِرِكُمْ وَتَتَفَوَّهُونَ عَنْ هَنَاتِكُمْ وَصَغَائِرِ ذُنُوبِكُمْ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى هَيْجِ الْفِتَنِ وَالْحُرُوبِ ، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ ، قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٍ ، وَحُذَيْمِ بْنِ عَمْرٍو السَّعْدِيِّ ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ الْخُطْبَةِ أَيَّامَ مِنًى . وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَأَمَّا حَدِيثُ حُذَيْمِ بْنِ عَمْرٍو السَّعْدِيِّ فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ ، وَالِدُ زِيَادٍ مَعْدُودٌ فِي الصَّحَابَةِ ، رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَا إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ الْحَدِيثَ حَدِيثًا وَاحِدًا ، وَعَنْهُ ابْنُهُ زِيَادٌ وَرَقَمَ عَلَيْهِ الْحَافِظُ عَلَامَةَ س . قَوْلُهُ ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .
بَاب أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةَ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ 2174 حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ دِينَارٍ الْكُوفِيُّ ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُصْعَبٍ أَبُو يَزِيدَ ، نا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ ، عَنْ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْجِهَادِ كَلِمَةَ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . بَاب أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةَ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ دِينَارٍ الْكُوفِيُّ ) هُوَ الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنُ دِينَارٍ الْقُرَشِيُّ ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْكُوفِيُّ الطَّحَّانُ ، وَرُبَّمَا نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ ، ثِقَةٌ مِنَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ( نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُصْعَبٍ أَبُو يَزِيدَ ) الْأَزْدِيُّ ثُمَّ الْمَعْنِيُّ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ النُّونِ ثُمَّ يَاءِ النِّسْبَةِ الْقَطَّانُ الْكُوفِيُّ نَزِيلُ الرَّيِّ ، مَقْبُولٌ مِنَ التَّاسِعَةِ ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْمُهْمَلَةِ ثِقَةٌ مِنَ الْخَامِسَةِ ( عَنْ عَطِيَّةَ ) بْنِ سَعْدِ بْنِ جُنَادَةَ الْعَوْفِيِّ الْجَدَلِيِّ الْكُوفِيِّ أَبُو الْحَسَنِ صَدُوقٌ يُخْطِئُ كَثِيرًا ، كَانَ شِيعِيًّا مُدَلِّسًا مِنَ الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْجِهَادِ ) وَفِي رِوَايَةٍ أَفْضَلِ الْجِهَادِ ( كَلِمَةُ عَدْلٍ ) أَيْ كَلِمَةُ حَقٍّ كَمَا فِي رِوَايَةٍ وَالْمُرَادُ بِالْكَلِمَةِ مَا أَفَادَ أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ مِنْ لَفْظٍ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ كَكِتَابَةٍ وَنَحْوِهَا ( عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ ) أَيْ صَاحِبِ جَوْرٍ وَظُلْمٍ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَإِنَّمَا صَارَ ذَلِكَ أَفْضَلَ الْجِهَادِ ; لِأَنَّ مَنْ جَاهَدَ الْعَدُوَّ كَانَ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ لَا يَدْرِي هَلْ يَغْلِبُ أَوْ يُغْلَبُ . وَصَاحِبُ السُّلْطَانِ مَقْهُورٌ فِي يَدِهِ فَهُوَ إِذَا قَالَ الْحَقَّ وَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلتَّلَفِ ، وَأَهْدَفَ نَفْسَهُ لِلْهَلَاكِ ، فَصَارَ ذَلِكَ أَفْضَلَ أَنْوَاعِ الْجِهَادِ مِنْ أَجْلِ غَلَبَةِ الْخَوْفِ ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ : وَإِنَّمَا كَانَ أَفْضَلَ لِأَنَّ ظُلْمَ السُّلْطَانِ يَسْرِي فِي جَمِيعِ مَنْ تَحْتَ سِيَاسَتِهِ وَهُوَ جَمٌّ غَفِيرٌ ، فَإِذَا نَهَاهُ عَنِ الظُّلْمِ فَقَدْ أَوْصَلَ النَّفْعَ إِلَى خَلْقٍ كَثِيرٍ بِخِلَافِ قَتْلِ كَافِرٍ انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وَعَزَاهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ إِلَى ابْنِ مَاجَهْ وَقَالَ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ الْبَجَلِيِّ الْأَحْمَسِيِّ : أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَقَدْ وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ ـ أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ قَالَ : كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ : إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَلْخِيصِ السُّنَنِ بَعْدَ نَقْلِ تَحْسِينِ التِّرْمِذِيِّ ، وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ ، قُلْتُ وَيَشْهَدُ لَهُ حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ وَحَدِيثُ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ الْمَذْكُورَانِ .
2267 حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ : هَهُنَا أَرْضُ الْفِتَنِ وَأَشَارَ إِلَى الْمَشْرِقِ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ أَوْ قَالَ قَرْنُ الشَّمْسِ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ هَهُنَا أَرْضُ الْفِتَنِ ) أَيِ الْبَلِيَّاتِ وَالْمِحَنِ الْمُوجِبَةِ لِضَعْفِ الدِّينِ ( حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : قَرْنُ الشَّيْطَانِ وَقَرْنَاهُ ؛ أُمَّتُهُ وَالْمُتَّبِعُونَ لِرَأْيِهِ أو قوته وَانْتِشَارُهُ وَتَسَلُّطُهُ ، انْتَهَى ( أَوْ قَالَ ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ( قَرْنُ الشَّمْسِ ) فِي الْقَامُوسِ : الْقَرْنُ مِنَ الشَّمْسِ نَاحِيَتُهَا أَوْ أَعْلَاهَا أَوْ أَوَّلُ شُعَاعِهَا وَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَوَاخِرِ الْكِتَابِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .
2268 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَخْرُجُ مِنْ خُرَاسَانَ رَايَاتٌ سُودٌ فَلَا يَرُدُّهَا شَيْءٌ حَتَّى تُنْصَبَ بِإِيلِيَاءَ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ . قَوْلُهُ : ( عَنْ يُونُسَ ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ ( عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ ) بِالْمُعْجَمَةِ مُصَغَّر . قَوْلُهُ : ( يَخْرُج مِنْ خُرَاسَانَ رَايَاتٌ ) جَمْعُ رَايَةٍ وَهِيَ عَلَمُ الْجَيْشِ ( سُودٌ ) جَمْعُ أَسْوَدَ صِفَةُ رَايَاتٍ ( فَلَا يَرُدُّهَا شَيْءٌ ) فَإِنَّ فِيهَا خَلِيفَةَ اللَّهِ الْمَهْدِيَّ ، رَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ ثَوْبَانَ مَرْفُوعًا : إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّايَاتِ السُّودَ قَدْ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ خُرَاسَانَ فَأْتُوهَا فَإِنَّ فِيهَا خَلِيفَةَ اللَّهِ الْمَهْدِيَّ ( حَتَّى تُنْصَبَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيِ الرَّايَاتُ ( بِإِيلِيَاءَ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَبِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ مَدِينَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) فِي سَنَدِهِ رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَفِي سَنَدِ حَدِيثِ ثَوْبَانَ الْمَذْكُورِ شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي ، تَغَيَّرَ حِفْظُهُ مُنْذُ وَلِيَ الْقَضَاءَ بِالْكُوفَةِ ، وَفِيهِ أَيْضًا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ هُوَ ابْنُ جُدْعَانَ وَهُوَ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ .
باب : 2266 حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ الْجَوْزَجَانِيُّ ، نَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ مَنْ تَرَكَ مِنْكُمْ عُشْرَ مَا أُمِرَ بِهِ هَلَكَ ، ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ بِعُشْرِ مَا أُمِرَ بِهِ نَجَا . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَأَبِي سَعِيدٍ . باب : قَوْلُهُ : ( إِنَّكُمْ ) أَيُّهَا الصَّحَابَةُ ( فِي زَمَانٍ ) مُتَّصِفٍ بِالْأَمْنِ وَعِزِّ الْإِسْلَامِ ( مَنْ تَرَكَ مِنْكُمْ ) أَيْ فِيهِ وَهُوَ الرَّابِطُ لِجُمْلَةِ الشَّرْطِ بِمَوْصُوفِهَا وَهُوَ زَمَانٌ ( عُشْرَ مَا أُمِرَ بِهِ ) مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ( هَلَكَ ) أَيْ وَقَعَ فِي الْهَلَاكِ لِأَنَّ الدِّينَ عَزِيزٌ وَفِي أَنْصَارِهِ كَثْرَةٌ فَالتَّرْكُ تَقْصِيرٌ فَلَا عُذْرَ ( ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ ) يَضْعُفُ فِيهِ الْإِسْلَامُ وَيَكْثُرُ الظُّلْمُ وَيَعُمُّ الْفِسْقُ وَيَقِلُّ أَنْصَارُ الدِّينِ وَحِينَئِذٍ ( مَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ ) أَيْ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَنِ ( بِعُشْرِ مَا أُمِرَ بِهِ نَجَا ) لِأَنَّهُ الْمَقْدُورُ وَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ نُعَيْمٍ ) وَنُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ هَذَا صَدُوقٌ يُخْطِئُ كَثِيرًا كَمَا فِي التَّقْرِيبِ ، قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ .
2176 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ ، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا ، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا ، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ ، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ ، وَإِنَّ رَبِّي قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ ، ولَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ ، وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا ، أَوْ قَالَ : مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ ) الرَّحَبِيِّ ، اسْمُهُ عمرو بْنُ مَرْثَدٍ الدِّمَشْقِيُّ ، وَيُقَالُ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ( عَنْ ثَوْبَانَ ) الْهَاشِمِيِّ مَوْلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، صَحِبَهُ وَلَازَمَهُ وَنَزَلَ بَعْدَهُ الشَّامَ وَمَاتَ بِحِمْصٍ ، قَوْلُهُ : ( إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ ) أَيْ جَمَعَهَا لِأَجْلِي ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ زَوَيْتُ الشَّيْءَ جَمَعْتُهُ وَقَبَضْتُهُ ، يُرِيدُ بِهِ تَقْرِيبَ الْبَعِيدِ مِنْهَا ، حَتَّى اطَّلَعَ عَلَيْهِ اطِّلَاعَهُ عَلَى الْقَرِيبِ مِنْهَا ( فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا ) أَيْ جَمِيعَهَا ( وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زَوَى لِي مِنْهَا ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ تَوَهَّمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ مِنْ فِي مِنْهَا لِلتَّبْعِيضِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَلْ هِيَ لِلتَّفْصِيلِ لِلْجُمْلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَالتَّفْصِيلُ لَا يُنَاقِضُ الْجُمْلَةَ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْأَرْضَ زُوِيَتْ لِي جُمْلَتُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا ، ثُمَّ هِيَ تُفْتَحُ لِأُمَّتِي جُزْءًا فَجُزْءًا حَتَّى يَصِلَ مُلْكُ أُمَّتِي إِلَى كُلِّ أَجْزَائِهَا ، قَالَ الْقَارِي : وَلَعَلَّ وَجْهَ مَنْ قَالَ بِالتَّبْعِيضِ هُوَ أَنَّ مُلْكَ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَا بَلَغَ جَمِيعَ الْأَرْضِ فَالْمُرَادُ بِالْأَرْضِ أَرْضُ الْإِسْلَامِ ، وَأَنَّ ضَمِيرَ مِنْهَا رَاجِعٌ إِلَيْهَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِخْدَامِ . ( وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ ) بَدَلَانِ مِمَّا قَبْلَهُمَا أَيْ كَنْزَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ : يُرِيدُ بِالْأَحْمَرِ وَالْأَبْيَضِ خَزَائِنَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى نقود مَمَالِكِ كِسْرَى الدَّنَانِيرُ ، وَالْغَالِبَ عَلَى نقود مَمَالِكِ قَيْصَرَ الدَّرَاهِمُ ( بِسَنَةٍ عَامَّةٍ ) أَيْ بِقَحْطٍ شَائِعٍ لِجَمِيعِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : السَّنَةُ الْقَحْطُ وَالْجَدْبُ وَهي مِنَ الْأَسْمَاءِ الْغَالِبَةِ ( وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا ) وَهُمُ الْكُفَّارُ ، وَقَوْلُهُ : ( مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ ) صِفَةٌ ( عَدُوًّا ) أَيْ كَائِنًا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ ( فَيَسْتَبِيحُ ) أَيِ الْعَدُوُّ وَهُوَ مِمَّا يَسْتَوِي فِيهِ الْجَمْعُ وَالْمُفْرَدُ أَيْ يَسْتَأْصِلُ ( بَيْضَتَهُمْ ) قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ أَيْ مُجْتَمَعَهُمْ ، وَمَوْضِعَ سُلْطَانِهِمْ ، وَمُسْتَقَرَّ دَعْوَتِهِمْ ، وَبَيْضَةُ الدَّارِ وَسَطُهَا وَمُعْظَمُهَا ، أَرَادَ عَدُوًّا يَسْتَأْصِلُهُمْ وَيُهْلِكُهُمْ جَمِيعَهُمْ ، قِيلَ أَرَادَ إِذَا أُهْلِكَ أَصْلُ الْبَيْضَةِ كَانَ هَلَاكُ كُلِّ مَا فِيهَا مِنْ طَعْمٍ أَوْ فَرْخٍ ، وَإِذَا لَمْ يُهْلِكْ أَصْلَ الْبَيْضَةِ ربمَا سَلِمَ بَعْضُ فِرَاخِهَا ، وَقِيلَ أَرَادَ بِالْبَيْضَةِ الْخُوذَةَ ، فَكَأَنَّهُ شَبَّهَ مَكَانَ اجْتِمَاعِهِمْ وَالْتِآمِهِمْ بِبَيْضَةِ الْحَدِيدِ ، انْتَهَى مَا فِي النِّهَايَةِ . ( إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً ) أَيْ حَكَمْتُ حُكْمًا مُبْرَمًا ( فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ ) أَيْ بِشَيْءٍ لِخِلَافِ الْحُكْمِ الْمُعَلَّقِ بِشَرْطِ وُجُودِ شَيْءٍ أَوْ عَدَمِهِ ( وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ ) أَيْ عَهْدِي وَمِيثَاقِي ( لِأُمَّتِكَ ) أَيْ لِأَجْلِ أُمَّةِ إِجَابَتِكَ ( أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ ) أَيْ : بِحَيْثُ يَعُمُّهُمُ الْقَحْطُ وَيُهْلِكُهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : اللَّامُ فِي لِأُمَّتِكَ هِيَ الَّتِي فِي قَوْلِهِ سَابِقًا : سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَيْ أُعْطِيتَ سُؤَالَكَ لِدُعَائِكَ لِأُمَّتِكَ وَالْكَافُ هُوَ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ ، وَقَوْلُهُ : أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ ، الْمَفْعُولُ الثَّانِي كَمَا هُوَ فِي قَوْلِهِ : سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا هُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي ( وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ ) أَيِ الَّذِينَ هُمْ ( بِأَقْطَارِهَا ) أَيْ بِأَطْرَافِهَا جَمْعُ قُطْرٍ وَهُوَ الْجَانِبُ وَالنَّاحِيَةُ . وَالْمَعْنَى : فَلَا يَسْتَبِيحُ عَدُوٌّ مِنَ الْكُفَّارِ بَيْضَتَهُمْ وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَى مُحَارَبَتِهِمْ مِنْ أَطْرَافِ بَيْضَتِهِمْ ، وَجَوَابُ لَوْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ، وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ ( أَوْ قَالَ مِنْ بَيْنِ أَقْطَارِهَا ) أَوِ الشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي ( وَيَسْبِي ) كَيَرْمِي بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى يُهْلِكُ أَيْ وَيَأْسِرُ ( بَعْضَهُمْ ) بِوَضْعِ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ ( بَعْضًا ) أَيْ بَعْضًا آخَرَ ، قَالَ الطِّيبِيُّ حَتَّى بِمَعْنَى كَيْ أَيْ لِكَيْ يَكُونَ بَعْضُ أُمَّتِكَ يُهْلِكُ بَعْضًا ، فَقَوْلُهُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَلَا يُرَدُّ تَوْطِئَةً لِهَذَا الْمَعْنَى ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ يَعْنِي حَدِيثَهُ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْبَابِ ، قَالَ الْمُظْهِرُ : اعْلَمْ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ قَضَاءَيْنِ مُبْرَمًا وَمُعَلَّقًا بِفِعْلٍ ، كَمَا قَالَ إِنَّ فعل الشَّيْءَ الْفُلَانِيَّ كَانَ كَذَا وَكَذَا ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَلَا يَكُونُ كَذَا وَكَذَا مِنْ قَبِيلِ مَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ الْمَحْوُ وَالْإِثْبَاتُ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَأَمَّا الْقَضَاءُ الْمُبْرَمُ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَمَّا قَدَّرَهُ سُبْحَانَهُ فِي الْأَزَلِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَلِّقَهُ بِفِعْلٍ ، فَهُوَ فِي الْوُقُوعِ نَافِذٌ غَايَةَ النَّفَاذِ ، بِحَيْثُ لَا يَتَغَيَّرُ بِحَال وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمُقْضَى عَلَيْهِ ، وَلَا الْمَقْضِيِّ لَهُ ; لِأَنَّهُ مِنْ عِلْمِهِ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ ، وَخِلَافُ مَعْلُومِهِ مُسْتَحِيلٌ قَطْعًا ، وَهَذَا مِنْ قَبِيلِ مَا لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ الْمَحْوُ وَالْإِثْبَاتُ قَالَ تَعَالَى : لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا مَرَدَّ لِقَضَائِهِ وَلَا مَرَدَّ لِحُكْمِهِ ، فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَلَا يُرَدُّ مِنَ الْقَبِيلِ الثَّانِي ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُجَبْ إِلَيْهِ ، وَفِيهِ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مُسْتَجَابُو الدَّعْوَةِ إِلَّا فِي مِثْلِ هَذَا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
بَاب سُؤَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثًا فِي أُمَّتِهِ 2175 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، ثنا أَبِي قَال : سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ رَاشِدٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةً فَأَطَالَهَا ، فقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، صَلَّيْتَ صَلَاةً لَمْ تَكُنْ تُصَلِّيهَا ، قَالَ : أَجَلْ إِنَّهَا صَلَاةُ رَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ ، إِنِّي سَأَلْتُ اللَّهَ فِيهَا ثَلَاثًا ، فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً ، سَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِسَنَةٍ فَأَعْطَانِيهَا ، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَعْطَانِيهَا ، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ فَمَنَعَنِيهَا . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَفِي الْبَاب عَنْ سَعْدٍ وَابْنِ عُمَرَ . بَاب سُؤَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثًا فِي أُمَّتِهِ قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ رَاشِدٍ ) الْجَزَرِيَّ أَبَا إِسْحَاقَ الرَّقِّيَّ مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ صَدُوقٌ سَيِّئُ الْحِفْظِ مِنَ السَّادِسَةِ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابِ ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْأُولَى ( بْنِ الْأَرَتِّ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ الْمَدَنِيِّ حَلِيفِ بَنِي زُهْرَةَ يُقَالُ لَهُ رُؤْبَةٌ ، وَوَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ فَقَالَ ثِقَةٌ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ قَتَلَهُ الْحَرُورِيَّةُ ، قَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : رَوَى لَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ حَدِيثًا وَاحِدًا أَنَّهُ صَلَّى لَيْلَةً وَقَالَ : سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثَ خِصَالٍ انْتَهَى ( عَنْ أَبِيهِ ) هو خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ التَّمِيمِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَكَانَ يُعَذَّبُ فِي اللَّهِ ، وَشَهِدَ بَدْرًا ثُمَّ نَزَلَ الْكُوفَةَ وَمَاتَ بِهَا . قَوْلُهُ : ( فَأَطَالَهَا ) أَيْ جَعَلَهَا طَوِيلَةً بِاعْتِبَارِ أَرْكَانِهَا أَوْ بِالدُّعَاءِ فِيهَا ( صَلَّيْتُ صَلَاةً ) أَيْ عَظِيمَةً ( لَمْ تَكُنْ تُصَلِّيهَا ) أَيْ عَادَةً ( قَالَ أَجَلْ ) أَيْ نَعَمْ ( إِنَّهَا صَلَاةُ رَغْبَةٍ ) أَيْ رَجَاءٍ ( وَرَهْبَةٍ ) أَيْ خَوْفٍ ، قِيلَ : أَيُّ صَلَاةٍ فِيهَا رَجَاءٌ لِلثَّوَابِ ، وَرَغْبَةٌ إِلَى اللَّهِ وَخَوْفٌ مِنْهُ تَعَالَى ، قَالَ الْقَارِي : الْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِهِ أنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ جَامِعَةٌ ، بَيْنَ قَصْدِ رَجَاءِ الثَّوَابِ وَخَوْفِ الْعِقَابِ ، بِخِلَافِ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ إِذْ قَدْ يَغْلِبُ فِيهَا أَحَدُ الْبَاعِثَيْنِ عَلَى أَدَائِهَا ، قَالُوا وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى : يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا بِمَعْنَى أَوْ لِمَانِعَةِ الْخُلُوِّ ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ سَبَبُ صَلَاتِهِ الدُّعَاءَ لِأُمَّتِهِ وَهُوَ كَانَ بَيْنَ رَجَاءِ الْإِجَابَةِ وَخَوْفِ الرَّدِّ طَوَّلَهَا ، وَلِذَا قَالَ ( وَإِنِّي سَأَلْتُ اللَّهَ فِيهَا ثَلَاثًا ) أَيْ ثَلَاثَ مَسَائِلَ ( وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً ) تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ ضِمْنًا ( بِسَنَةٍ ) أَيْ بِقَحْطِ عَامٍ ( عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ ) وَهُمُ الْكُفَّارُ ; لِأَنَّ الْعَدُوَّ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَهْوَنُ وَلَا يَحْصُلُ بِهِ الْهَلَاكُ الْكُلِّيُّ وَلَا إِعْلَاءُ كَلِمَتِهِ السُّفْلَى ( أَنْ لَا يُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ) أَيْ حَرْبَهُمْ وَقَتْلَهُمْ وَعَذَابَهُمْ ( فَمَنَعَنِيهَا ) أَيِ الْمَسْأَلَةَ الثَّالِثَةَ وَلَمْ يُعْطِنِيهَا ، قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ هُوَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا أَيْ يَجْعَلُ كُلَّ فِرْقَةٍ مِنْكُمْ مُتَابِعَةً لِإِمَامٍ وَيَنْشَبُ الْقِتَالُ بَيْنَكُمْ وَتَخْتَلِطُوا وَتَشْتَبِكُوا فِي مَلَاحِمِ الْقِتَالِ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ وَيُذِيقُ بَعْضُكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ، الْمَعْنَى يَخْلِطُكُمْ فِرَقًا مُخْتَلِفِينَ عَلَى أَهْوَاءٍ شَتَّى انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ سَعْدٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ) أَمَّا حَدِيثُ سَعْدٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ بِالْجَنَّةِ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَفِيهِ : سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بالسنة فَأَعْطَانِيهَا ، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ ، فَأَعْطَانِيهَا ، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ .
2262 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، ثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ، نَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ : عَصَمَنِي اللَّهُ بِشَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا هَلَكَ كِسْرَى قَالَ : مَنْ اسْتَخْلَفُوا ؟ قَالُوا : ابْنَتَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً قَالَ : فَلَمَّا قَدِمَتْ عَائِشَةُ يَعْنِي الْبَصْرَةَ ذَكَرْتُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَصَمَنِي اللَّهُ بِهِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( عَنِ الْحَسَنِ ) هُوَ الْبَصْرِيُّ . قَوْلُهُ : ( عَصَمَنِي اللَّهُ ) أَيْ مِنْ أَنْ أَلْحَقَ بِأَصْحَابِ الْجَمَلِ ( بِشَيْءٍ ) أَيْ بِحَدِيثٍ ( سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا هَلَكَ كِسْرَى ) أَيْ سَمِعْتُهُ حِينَ هَلَاكِهِ ( قَالُوا : ابْنَتُهُ ) هِيَ بُورَانُ بِنْتُ شِيرَوَيْهِ بْنِ كِسْرَى بْنِ بِرْوِيزَ ، وَذَلِكَ أَنَّ شِيرَوَيْهِ لَمَّا قَتَلَ أَبَاهُ كَانَ أَبُوهُ لَمَّا عَرَفَ أَنَّ ابْنَهُ قَدْ عَمِلَ عَلَى قَتْلِهِ احْتَالَ عَلَى قَتْلِ ابْنِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَعَمِلَ فِي بَعْضِ خَزَائِنِهِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ حُقًّا مَسْمُومًا وَكَتَبَ عَلَيْهِ حُقُّ الْجِمَاعِ مَنْ تَنَاوَلَ مِنْهُ كَذَا جَامَعَ كَذَا فَقَرَأَهُ شِيرَوَيْهِ فَتَنَاوَلَ مِنْهُ فَكَانَ فِيهِ هَلَاكُهُ فَلَمْ يَعِشْ بَعْدَ أَبِيهِ سِوَى سِتَّةَ أَشْهُرٍ ، فَلَمَّا مَاتَ لَمْ يُخَلِّفْ أَخًا لِأَنَّهُ كَانَ قَتَلَ إِخْوَتَهُ حِرْصًا عَلَى الْمُلْكِ ، وَلَمْ يُخَلِّفْ ذَكَرًا ، وَكَرِهُوا خُرُوجَ الْمُلْكِ عَنْ ذَلِكَ الْبَيْتِ فَمَلَّكُوا الْمَرْأَةَ وَاسْمُهَا بُورَانُ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ ، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي الْمَغَازِي ، وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا أَنَّ أُخْتَهَا أَرْزِمِيدَ خُتٍّ مَلَكَتْ أَيْضًا ( لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْحَدِيثِ : إِنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَلِي الْإِمَارَةَ وَلَا الْقَضَاءَ وَفِيهِ إِنَّهَا لَا تُزَوِّجُ نَفْسَهَا وَلَا تَلِي الْعَقْدَ عَلَى غَيْرِهَا كَذَا قَالَ ، وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ وَالْمَنْعُ مِنْ أَنْ تَلِيَ الْإِمَارَةَ وَالْقَضَاءَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَأَجَازَهُ الطَّبَرِيُّ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تَلِي الْحُكْمَ فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ . ( ذَكَرَتْ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) يَعْنِي قَوْلَهُ : لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ إِلَخْ ( فَعَصَمَنِي اللَّهُ بِهِ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ ، لَقَدْ نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامَ الْجَمَلِ بَعْدَ مَا كِدْتُ أَنْ أَلْحَقَ بِأَصْحَابِ الْجَمَلِ فَأُقَاتِلَ مَعَهُمْ ، قَالَ الْحَافِظُ : قَوْلُهُ بَعْدَ مَا كِدْتُ أَنْ أَلْحَقَ بِأَصْحَابِ الْجَمَلِ يَعْنِي عَائِشَةَ رضي الله عنها وَمَنْ مَعَهَا ، وَمُحَصِّلُ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ عُثْمَانَ لَمَّا قُتِلَ وَبُويِعَ عَلِيٌّ بِالْخِلَافَةِ خَرَجَ طَلْحَةُ ، وَالزُّبَيْرُ إِلَى مَكَّةَ فَوَجَدَا عَائِشَةَ وَكَانَتْ قَدْ حَجَّتْ ، فَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى التَّوَجُّهِ إِلَى الْبَصْرَةِ يَسْتَنْفِرُونَ النَّاسَ لِلطَّلَبِ بِدَمِ عُثْمَانَ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَكَانَتْ وَقْعَةُ الْجَمَلِ ، وَنُسِبَتْ إِلَى الْجَمَلِ الَّذِي كَانَتْ عَائِشَةُ قَدْ رَكِبَتْهُ وَهِيَ فِي هَوْدَجِهَا تَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِصْلَاحِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي آخِرِ الْمَغَازِي ، وَفِي الْفِتَنِ وَالنَّسَائِيُّ فِي الْفَضَائِلِ .
2264 حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، نَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ ضَبَّةَ بْنِ مِحْصَنٍ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّهُ سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أَئِمَّةٌ تَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ ، فَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ بَرِئَ ، وَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ سَلِمَ وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ قَالَ : لَا مَا صَلُّوا . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( عَنْ ضَبَّةَ ) بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ الْمُشَدَّدَةِ ( بْنِ مِحْصَنٍ ) الْعَنَزِيِّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ ، بَصْرِيٌّ صَدُوقٌ مِنَ الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ إِنَّهُ سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أَئِمَّةٌ تَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ ) قَالَ الْقَاضِي : هُمَا صِفَتَانِ لِأَئِمَّةٍ ، وَالرَّاجِحُ فِيهِمَا مَحْذُوفٌ أَيْ تَعْرِفُونَ بَعْضَ أَفْعَالِهِمْ وَتُنْكِرُونَ بَعْضَهَا يُرِيدُ أَنَّ أَفْعَالَهُمْ يَكُونُ بَعْضُهَا حَسَنًا وَبَعْضُهَا قَبِيحًا ( فَمَنْ أَنْكَرَ ) أَيْ مَنْ قَدَرَ أَنْ يُنْكِرَ بِلِسَانِهِ عَلَيْهِمْ قَبَائِحَ أَفْعَالِهِمْ وَسَمَاجَةَ أَحْوَالِهِمْ وَأَنْكَرَ ( فَقَدْ بَرِئَ ) أَيْ مِنَ الْمُدَاهَنَةِ وَالنِّفَاقِ ( وَمَنْ كَرِهَ ) أَيْ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنْ أَنْكَرَ بِقَلْبِهِ وَكَرِهَ ذَلِكَ ( فَقَدْ سَلِمَ ) أَيْ مِنْ مُشَارَكَتِهِمْ فِي الْوِزْرِ وَالْوَبَالِ ( وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ ) أَيْ بِفِعْلِهِمْ بِالْقَلْبِ ( وَتَابَعَ ) أَيْ تَابَعَهُمْ فِي الْعَمَلِ فَهُوَ الَّذِي شَارَكَهُمْ فِي الْعِصْيَانِ ، وَحُذِفَ الْخَبْرُ فِي قَوْلِهِ : مَنْ رَضِيَ لِدَلَالَةِ الْحَالِ عَلَى أَنَّ حُكْمَ هَذَا الْقَسَمِ ضِدُّ مَا أَثْبَتَهُ لِقَسِيمِهِ ( أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ قَالَ لَا ) أَيْ لَا تُقَاتِلُوهُمْ ( مَا صَلَّوْا ) إِنَّمَا مَنَعَ عَنْ مُقَاتَلَتِهِمْ مَا دَامُوا يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ الَّتِي هِيَ عِنْوَانُ الْإِسْلَامِ حَذَرًا مِنْ هَيْجِ الْفِتَنِ وَاخْتِلَافِ الْكَلِمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ أَشَدَّ نِكَايَةً مِنَ احْتِمَالِ نُكْرِهِمْ وَالْمُصَابَرَةِ عَلَى مَا يُنْكِرُونَ مِنْهُمْ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ص 295 ج 6 فِي مُسْنَدِهِ .
باب : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكِنْدِيُّ ، نَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ ، ثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا مَشَتْ أُمَّتِي الْمُطَيْطِيَاءَ وَخَدَمَهَا أَبْنَاءُ الْمُلُوكِ أَبْنَاءُ فَارِسَ وَالرُّومِ سُلِّطَ شِرَارُهَا عَلَى خِيَارِهَا . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ حَدَّثَنَا بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْوَاسِطِيُّ ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأنصاري ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ وَلَا يُعْرَفُ لِحَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَصْلٌ إِنَّمَا الْمَعْرُوفُ حَدِيثُ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ . وَقَدْ رَوَى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مُرْسَلًا ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ باب : قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ ابْنُ نَشِيطٍ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ مُهْمَلَةٌ الرَّبَذِيُّ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ أَبُو عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَدَنِيُّ ضَعِيفٌ وَلَا سِيَّمَا فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ وَكَانَ عَابِدًا مِنْ صِغَارِ السَّادِسَةِ . قَوْلُهُ : ( إِذَا مَشَتْ أُمَّتِي الْمُطَيْطِيَاءَ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ الْأُولَى بَعْدَهَا تَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ وَكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَهَا تَحْتِيَّةٌ وَأَلِفٌ مَمْدُودَةٌ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِغَيْرِ الْيَاءِ الْأَخِيرَةِ ، قَالَ فِي الْمَجْمَعِ : هِيَ بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ مِشْيَةٌ فِيهَا تَبَخْتُرٌ وَمَدُّ الْيَدَيْنِ ، يُقَالُ : مَطَوْتُ وَمَطَطْتُ بِمَعْنَى مَدَدْتُ وَلَمْ تُسْتَعْمَلْ إِلَّا مُصَغَّرًا ( وَخَدَمَهَا ) أَيْ قَامَ بِخِدْمَتِهَا وَانْقَادَ فِي حَضْرَتِهَا ( أَبْنَاءُ فَارِسَ وَالرُّومِ ) بَدَلٌ مِمَّا قَبْلَهُ وَبَيَانٌ لَهُ ( سُلِّطَ شِرَارُهَا عَلَى خِيَارِهَا ) وَهُوَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ فَإِنَّهُمْ لَمَّا فَتَحُوا بِلَادَ فَارِسَ وَالرُّومِ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ وَسَبَوْا أَوْلَادَهُمْ سَلَّطَ اللَّهُ قَتَلَةَ عُثْمَانَ عَلَيْهِ حَتَّى قَتَلُوهُ ثُمَّ سَلَّطَ بَنِي أُمَيَّةَ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ فَفَعَلُوا مَا فَعَلُوا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) وَفِي سَنَدِهِ مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا عَرَفْتَ .
2265 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَشْقَرُ ، نَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَهَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَا : نَا صَالِحٌ الْمُرِّيُّ ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا كَانَتْ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ فَظَهْرُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا ، وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلَاءَكُمْ وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ فَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ ، وَصَالِحٌ فِي حَدِيثِهِ غَرَائِبُ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهَا وَهُوَ رَجُلٌ صَالِحٌ . قَوْلُهُ : ( إِذَا كَانَتْ أُمَرَاؤُكُمْ ) أَيْ وُلَاةُ أُمُورِكُمْ ( خِيَارَكُمْ ) أَيْ أَتْقِيَاءَكُمْ ( وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ ) أَيْ أَسْخِيَاءَكُمْ ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : سَمُحَ كَكَرُمَ سَمَاحًا وَسَمَاحَةً وَسُمُوحًا جَادَ وَكَرُمَ فَهُوَ سَمْحٌ سَمْحَاءُ كَأَنَّهُ جَمْعُ سَمِيحٍ ، انْتَهَى ( وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ ) مَصْدَرٌ بِمَعْنَى التَّشَاوُرِ أَيْ ذَوَاتُ شُورَى عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَوْ عَلَى أَنَّ الْمَصْدَرَ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ أَيْ : مُتَشَاوِرِينَ فِيهَا وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ( فَظَهْرُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا ) يَعْنِي الْحَيَاةُ خَيْرٌ لَكُمْ ، مِنَ الْمَوْتِ ( وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ ) أَيْ مُفَوَّضٌ إِلَى رَأْيِهِنَّ ، وَالْحَالُ أَنَّهُنَّ مِنْ نَاقِصَاتِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ ، وَقَدْ وَرَدَ : شَاوِرُوهُنَّ وَخَالِفُوهُنَّ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . قُلْتُ : قَالَ صَاحِبُ مَجْمَعِ الْبِحَارِ فِي كِتَابِهِ تَذْكِرَةِ الْمَوْضُوعَاتِ فِي الْمَقَاصِدِ شَاوِرُوهُنَّ وَخَالِفُوهُنَّ لَمْ أَرَهُ مَرْفُوعًا ، وَلَكِنْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ : خَالِفُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ فِي خِلَافِهِنَّ الْبَرَكَةَ ، بَلْ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ رَفْعُهُ لَا يَفْعَلَنَّ أَحَدُكُمْ أَمْرًا حَتَّى يَسْتَشِيرَ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَسْتَشِيرُهُ فَلْيَسْتَشِرِ امْرَأَةً ثُمَّ لِيُخَالِفْهَا فَإِنَّ فِي خِلَافِهَا الْبَرَكَةَ ، وَفِي سَنَدِهِ عِيسَى ضَعِيفٌ جِدًّا مَعَ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ ، وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا بِطُرُقٍ ضِعَافٍ : طَاعَةُ النِّسَاءِ نَدَامَةٌ وَإِدْخَالُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي الْمَوْضُوعَاتِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ ، وَقَدِ اسْتَشَارَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّ سَلَمَةَ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَصَارَ دَلِيلَ اسْتِشَارَةِ الْمَرْأَةِ الْفَاضِلَةِ ، وَقَدِ اسْتُدْرِكَ عَلَيْهِ ابْنَةُ شُعَيْبٍ فِي أَمْرِ مُوسَى عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي آخَرِينَ ، وَفِي الَّذِينَ لَا يَفْعَلَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَخْ فِيهِ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ ، الصَّغَانِيُّ حَدِيثُ عَائِشَةَ مَوْضُوعٌ ، اللَّالِيُّ حَدِيثُهَا لَا يَصِحُّ ، قُلْتُ : لَهُ طُرُقٌ وَشَوَاهِدُ مِنْهَا عَوِّدُوا النِّسَاءَ لَا فَإِنَّهَا حَقِيقَةٌ إِنْ أَطَعْتَهَا أَهْلَكَتْكَ ، وَخَالِفُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ فِي خِلَافِهِنَّ الْبَرَكَةَ انْتَهَى ( فَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا ) أَيْ فَالْمَوْتُ خَيْرٌ لَكُمْ مِنَ الْحَيَاةِ لِفَقْدِ اسْتِطَاعَةِ إِقَامَةِ الدِّينِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ إِلَخْ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : صَالِحُ بْنُ بَشِيرٍ الْمُرِّيُّ الْقَاصُّ الزَّاهِدُ ضَعِيفٌ مِنَ السَّابِعَةِ .
2263 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نَا أَبُو عَامِرٍ ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخِيَارِ أُمَرَائِكُمْ وَشِرَارِهِمْ خِيَارُهُمْ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَتَدْعُونَ لَهُمْ وَيَدْعُونَ لَكُمْ ، وَشِرَارُ أُمَرَائِكُمْ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ ، وَمُحَمَّدٌ يُضَعَّفُ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ . قَوْلُهُ : ( نَا أَبُو عَامِرٍ ) هُوَ الْعَقَدِيُّ اسْمُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو ( عَنْ أَبِيهِ ) هُوَ أَسْلَمُ الْعَدَوِيُّ . قَوْلُهُ : ( خِيَارُهُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ ) أَيِ الَّذِينَ عَدَلُوا فِي الْحُكْمِ فَتَنْعَقِدَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مَوَدَّةٌ وَمَحَبَّةٌ ( وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ ) أَيْ تَدْعُونَ عَلَيْهِمْ وَيَدْعُونَ عَلَيْكُمْ أَوْ تَطْلُبُونَ الْبُعْدَ عَنْهُمْ لِكَثْرَةِ شَرِّهِمْ وَيَطْلُبُونَ الْبُعْدَ عَنْكُمْ لِقِلَّةِ خَيْرِكُمْ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ ، وَمُحَمَّدٌ يُضَعَّفُ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ إِبْرَاهِيمُ الْأَنْصَارِيُّ الزُّرَّقِيُّ أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْمَدَنِيُّ لَقَبُهُ حَمَّادٌ ضَعِيفٌ مِنَ السَّابِعَةِ .
بَابٌ : 2261 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ عَلَى نَاسٍ جُلُوسٍ فَقَالَ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِكُمْ مِنْ شَرِّكُمْ قَالَ : فَسَكَتُوا فَقَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ رَجُلٌ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنَا بِخَيْرِنَا مِنْ شَرِّنَا قَالَ : خَيْرُكُمْ مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ ، وَشَرُّكُمْ مَنْ لَا يُرْجَى خَيْرُهُ وَلَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ . باب : قَوْلُهُ : ( وَقَفَ عَلَى نَاسٍ جُلُوسٍ ) أَيْ جَالِسِينَ أَوْ ذَوِي جُلُوسٍ ( فَقَالَ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِكُمْ مِنْ شَرِّكُمْ ) أَيْ مُمَيَّزًا مِنْهُ حَالٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ ( قَالَ ) أَيْ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( قَالَ خَيْرُكُمْ مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ ) فَخَيْرُ الْأَوَّلِ بِمَعْنَى الْأَخِيرِ وَالثَّانِي مُفْرَدُ الْخُيُورِ أَيْ مَنْ يَرْجُو النَّاسُ مِنْهُ إِحْسَانَهُ إِلَيْهِمْ ( وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ ) أَيْ مَنْ يَأْمَنُونَ عَنْهُ مِنْ إِسَاءَتِهِ عَلَيْهِمْ ( وَشَرُّكُمْ إِلَخْ ) قَالَ الْقَارِي : تَرَكَ ذِكْرَ مَنْ يَأْتِي مِنْهُ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ وَنَقِيضُهُ فَإِنَّهُمَا سَاقِطَا الِاعْتِبَارِ حَيْثُ تَعَارَضَا تَسَاقَطَا ، انْتَهَى ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ لَمَّا تَوَهَّمُوا مَعْنَى التَّمْيِيزِ وَتَخَوَّفُوا مِنَ الْفَضِيحَةِ سَكَتُوا حَتَّى كَرَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ أَبْرَزَ الْبَيَانَ فِي مُعْرِضِ الْعُمُومِ لِئَلَّا يُفْضَحُوا فَقَالَ ( خَيْرُكُمْ ) ، وَالتَّقْسِيمُ الْعَقْلِيُّ يَقْتَضِي أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ ، ذَكَرَ مِنْهَا اثْنَيْنِ تَرْغِيبًا وَتَرْهِيبًا ، وَتَرَكَ قِسْمَيْنِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا تَرْغِيبٌ وَتَرْهِيبٌ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وَابْنُ حِبَّانَ .
بَاب فِي لُزُومِ الْجَمَاعَةِ 2165 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، نا النَّضْرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَبُو الْمُغِيرَةِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : خَطَبَنَا عُمَرُ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي قُمْتُ فِيكُمْ كَمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِينَا ، فَقَالَ : أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ وَلَا يُسْتَحْلَفُ ، وَيَشْهَدَ الشَّاهِدُ وَلَا يُسْتَشْهَدُ ، أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ ، عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ ، وَهُوَ مِنْ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمْ الْجَمَاعَةَ ، مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكُمْ الْمُؤْمِنُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . بَاب فِي لُزُومِ الْجَمَاعَةِ قَوْلُهُ ( نا النَّضْرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَبُو الْمُغِيرَةِ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : النَّضْرُ بِالْمُعْجَمَةِ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ حَازِمٍ الْبَجَلِيُّ أَبُو الْمُغِيرَةِ الْكُوفِيُّ الْقَاصُّ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ مِنْ صِغَارِ الثَّامِنَةِ ، ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ الْغَنَوِيِّ ، أَبِي بَكْرٍ الْكُوفِيِّ الْعَابِدِ ، ثِقَةٌ مَرْضِيٌّ عَابِدٌ مِنَ الْخَامِسَةِ . قَوْلُهُ : ( خَطَبَنَا عُمَرُ بِالْجَابِيَةِ ) خُطْبَةُ عُمَرَ هَذِهِ مَشْهُورَةٌ ، خَطَبَهَا بِالْجَابِيَةِ وَهِيَ قَرْيَةٌ بِدِمَشْقَ ( فَقَالَ ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ ( أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ) أَيِ التَّابِعِينَ ( ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ) أَيْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ ، وَقَوْلُهُ بِأَصْحَابِي وَلَيْسَ هناك أحد غيرهم مُرَادُهُ بِهِ وُلَاةَ الْأ مُورِ ( ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ ) أَيْ يَظْهَرُ وَيَنْتَشِرُ بَيْنَ النَّاسِ بِغَيْرِ نَكِيرٍ ( حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ وَلَا يُسْتَحْلَفُ ) أَيْ لَا يُطْلَبُ مِنْهُ الْحَلِفُ لِجُرْأَتِهِ عَلَى اللَّهِ ( وَيَشْهَدُ الشَّاهِدُ وَلَا يُسْتَشْهَدُ ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي أَوَاخِرِ الشَّهَادَاتِ : الْمُرَادُ بِهِ شَهَادَةُ الزُّورِ ( أَلَا ) بِالتَّخْفِيفِ حَرْفُ تَنْبِيهٍ ( لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ ) أَيْ أَجْنَبِيَّةٍ ( إِلَّا كَانَ ثَالِثُهُمَا الشَّيْطَانَ ) بِرَفْعِ الْأَوَّلِ وَنَصْبِ الثَّانِي ، وَيَجُوزُ الْعَكْسُ ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ ، وَالْمَعْنَى يَكُونُ الشَّيْطَانُ مَعَهُمَا يُهَيِّجُ شَهْوَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا حَتَّى يُلْقِيَهُمَا فِي الزِّنَا . ( عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ ) أَيِ الْمُنْتَظِمَةِ بِنَصْبِ الْإِمَامَةِ ( وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ ) أَيِ احْذَرُوا مُفَارَقَتَهَا مَا أَمْكَنَ ، وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً الْحَدِيثُ ، ورَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ حُذَيْفَةَ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثِ : تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ ، قُلْتُ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ ؟ قَالَ : فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا ، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ ، قَالَ الْحَافِظُ قَوْلُهُ : تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ أَيْ أَمِيرَهُمْ ، زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ : تَسْمَعُ وَتُطِيعُ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ سُبَيْعٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ : فَإِنْ رَأَيْتَ خَلِيفَةً فَالْزَمْهُ وَإِنْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَلِيفَةً فَالْهَرَبَ ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : اخْتُلِفَ فِي هَذَا الْأَمْرِ وَفِي الْجَمَاعَةِ ، فَقَالَ قَوْمٌ هُوَ لِلْوُجُوبِ ، وَالْجَمَاعَةُ السَّوَادُ الْأَعْظَمُ ، ثُمَّ سَاقَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَصَّى مَنْ سَأَلَهُ لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ : عَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيَجْمَعَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَى ضَلَالَةٍ ، وَقَالَ قَوْمٌ : الْمُرَادُ بِالْجَمَاعَةِ الصَّحَابَةُ دُونَ مَنْ بَعْدَهُمْ ، وَقَالَ قَوْمٌ : الْمُرَادُ بِهِمْ أَهْلُ الْعِلْمِ لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُمْ حُجَّةً عَلَى الْخَلْقِ وَالنَّاسُ تَبَعٌ لَهُمْ فِي أَمْرِ الدِّينِ ، قَالَ الطَّبَرِيُّ : وَالصَّوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْخَبَرِ لُزُومُ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ فِي طَاعَةِ مَنِ اجْتَمَعُوا عَلَى تَأْمِيرِهِ ، فَمَنْ نَكَثَ بَيْعَتَهُ خَرَجَ عَنِ الْجَمَاعَةِ ، قَالَ : وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ مَتَى لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ إِمَامٌ فَافْتَرَقَ النَّاسُ أَحْزَابًا فَلَا يَتْبَعُ أَحَدًا فِي الْفُرْقَةِ وَيَعْتَزِلُ الْجَمِيعَ إِنِ اسْتَطَاعَ ذَلِكَ خَشْيَةً مِنَ الْوُقُوعِ فِي الشَّرِّ ، وَعَلَى ذَلِكَ يَتَنَزَّلُ مَا جَاءَ فِي سَائِرِ الْأَحَادِيثِ ، وَبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ مَا ظَاهِرُهُ الِاخْتِلَافُ مِنْهَا انْتَهَى . ( فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ ) أَيِ الْخَارِجِ عَنْ طَاعَةِ الْأَمِيرِ الْمُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ ( وَهُوَ ) أَيِ الشَّيْطَانُ ( مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ ) أَيْ بَعِيدٌ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : أَفْعَلُ هُنَا لِمُجَرَّدِ الزِّيَادَةِ وَلَوْ كَانَ مَعَ الثَّلَاثَةِ لَكَانَ بِمَعْنَى التَّفْضِيلِ ، إِذِ الْبُعْدُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَالِاثْنَيْنِ دُونَ الِاثْنَيْنِ وَالْفَذِّ ، عَلَى مَا لَا يَخْفَى ( مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَتَيْنِ أَيْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْكُنَ وَسَطَهَا وَخِيَارَهَا ( مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ ) أَيْ إِذَا وَقَعَتْ مِنْهُ ( وَسَاءَتْ سَيِّئَتُهُ ) أَيْ أَحْزَنَتْهُ إِذَا صَدَرَتْ عَنْهُ ( فَذَلِكُمُ الْمُؤْمِنُ ) أَيِ الْكَامِلُ لِأَنَّ الْمُنَافِقَ حَيْثُ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ اسْتَوَتْ عِنْدَهُ الْحَسَنَةُ وَالسَّيِّئَةُ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْحَاكِمُ ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مَنَاقِبِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَعْزُهُ إِلَى أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ بَلْ تَرَكَ بَيَاضًا . قَالَ الْقَارِّيُّ : هُنَا بَيَاضٌ فِي أَصْلِ الْمُصَنِّفِ وَأَلْحَقَ بِهِ النَّسَائِيُّ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ إِلَّا إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْحَسَنِ الْخَثْعَمِيَّ فَإِنَّهُ لَمْ يُخَرِّجْ لَهُ الشَّيْخَانِ وَهُوَ ثِقَةٌ ثَبْتٌ ذَكَرَهُ الْجَزَرِيُّ ، فَالْحَدِيثُ بِكَمَالِهِ إِمَّا صَحِيحٌ أَوْ حَسَنٌ انْتَهَى .
2167 حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْبَصْرِيُّ ، ثنا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، ثنا سُلَيْمَانُ الْمَدينيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي ، أَوْ قَالَ : أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَى ضَلَالَةٍ ، وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّارِ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَسُلَيْمَانُ الْمَدينيُّ هُوَ عِنْدِي سُلَيْمَانُ بْنُ سُفْيَانَ ، وفي الباب عن ابن عباس قَوْلُهُ : ( ثنا سُلَيْمَانُ ) بْنُ سُفْيَانَ التَّيْمِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو سُفْيَانَ الْمَدَنِيُّ ، ضَعِيفٌ مِنَ الثَّامِنَةِ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أمتي أَوْ قَالَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَى ضَلَالَةٍ ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي قَالَ الْقَارِّيُّ فِي الْمِرْقَاةِ ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : الْمُرَادُ أُمَّةُ الْإِجَابَةِ أَيْ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى ضَلَالَةٍ غَيْرِ الْكُفْرِ ، وَلِذَا ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ اجْتِمَاعَ الْأُمَّةِ عَلَى الْكُفْرِ مُمْكِنٌ بَلْ وَاقِعٌ إِلَّا أَنَّهَا لَا تَبْقَى بَعْدَ الْكُفْرِ أُمَّةً لَهُ . وَالْمَنْفِيُّ اجْتِمَاعُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَى الضَّلَالَةِ ، وَإِنَّمَا حَمَلَ الْأُمَّةَ عَلَى أُمَّةِ الْإِجَابَةِ لِمَا وَرَدَ : أَنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ إِلَّا عَلَى الْكُفَّارِ ، فَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اجْتِمَاعَ الْمُسْلِمِينَ حَقٌّ وَالْمُرَادُ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ وَلَا عِبْرَةَ بِإِجْمَاعِ الْعَوَامِّ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ عَنْ عِلْمٍ ( يَدُ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ ) أَيْ حِفْظُهُ وَكَلَاءَتُهُ عَلَيْهِمْ ، يَعْنِي أَنَّ جَمَاعَةَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي كَنَفِ اللَّهِ فَأَقِيمُوا فِي كَنَفِ اللَّهِ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ وَلَا تُفَارِقُوهُمْ ( وَمَنْ شَذَّ ) أَيِ انْفَرَدَ عَنِ الْجَمَاعَةِ بِاعْتِقَادٍ أَوْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ لَمْ يَكُونُوا عَلَيْهِ ( شَذَّ إِلَى النَّارِ ) أَيِ انْفَرَدَ فِيهَا ، وَمَعْنَاهُ انْفَرَدَ عَنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأُلْقِيَ فِي النَّارِ ، قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي تَرْجَمَةِ الْمِشْكَاةِ مَا لَفْظُهُ : وَمَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّارِ وكسى كه تنها افتداز جماعت وبيرون ايداز سواد أعظم انداخته ميشود دراتش دوزخ شذاول برصيغه معلوم ست ودوم مجهول وبمعلوم نيزامده انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ قَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ، لَكِنْ لَهُ شَوَاهِدُ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : قَوْلُهُ وَأُمَّتُهُ مَعْصُومَةٌ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى الضَّلَالَةِ ، هَذَا فِي حَدِيثٍ مَشْهُورٍ لَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ لَا يَخْلُو وَاحِدٌ مِنْهَا مِنْ مَقَالٍ ، مِنْهَا لِأَبِي دَاوُدَ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا : إِنَّ اللَّهَ أَجَارَكُمْ مِنْ ثَلَاثِ خِلَالٍ : أَنْ لَا يَدْعُوَ عَلَيْكُمْ نَبِيُّكُمْ لِتَهْلَكُوا جَمِيعًا ، وَأَنْ لَا يَظْهَرَ أَهْلُ الْبَاطِلِ عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ ، وَأَنْ لَا يَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلَالَةٍ ، وَفِي إِسْنَادِهِ انْقِطَاعٌ ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ ، وَالْحَاكِمِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا : لَا تَجْتَمِعُ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ضَلَالٍ أَبَدًا ، وَفِيهِ سُلَيْمَانُ بْنُ سُفْيَانَ الْمَدَنِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ لَهُ شَوَاهِدَ وَيُمْكِنُ الِاسْتِدْلَالُ لَهُ بِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ مَرْفُوعًا : لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ ، أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مِنْهُ أَنَّ بِوُجُودِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ الْقَائِمَةِ بِالْحَقِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يَحْصُلُ الِاجْتِمَاعُ عَلَى الضَّلَالَةِ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الْمُسَيِّبِ بْنِ رَافِعٍ ، عَنْ يَسِيرِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : شَيَّعْنَا ابْنَ مَسْعُودٍ حِينَ خَرَجَ فَنَزَلَ فِي طَرِيقِ الْقَادِسِيَّةِ فَدَخَلَ بُسْتَانًا فَقَضَى حَاجَتَهُ ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْهِ ثُمَّ خَرَجَ وَإِنَّ لِحْيَتَهُ لَيَقْطُرُ مِنْهَا الْمَاءُ ، فَقُلْنَا لَهُ اعْهَدْ إِلَيْنَا فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ وَقَعُوا فِي الْفِتَنِ ، وَلَا نَدْرِي هَلْ نَلْقَاكَ أَمْ لَا ، قَالَ : اتَّقُوا اللَّهَ وَاصْبِرُوا حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ ، أَوْ يُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ ، وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَى ضَلَالَةٍ . إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ ، وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى عِنْدَهُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ ، عَنِ التَّيْمِيِّ ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ : أَنَّ أَبَا مَسْعُودٍ خَرَجَ مِنَ الْكُوفَةِ فَقَالَ عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيَجْمَعَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَى ضَلَالٍ انْتَهَى ، وَرَوَى الدَّارِمِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ مَرْفُوعًا : نَحْنُ الْآخِرُونَ وَنَحْنُ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْحَدِيثُ ، وَفِي آخِرِهِ : وَإِنَّ اللَّهَ وَعَدَنِي فِي أُمَّتِي وَأَجَارَهُمْ مِنْ ثَلَاثٍ : لَا يَعُمُّهُمْ بِسَنَةٍ ، وَلَا يَسْتَأْصِلُهُمْ عَدُوٌّ ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ عَلَى ضَلَالَةٍ وَرَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا أَنَّهُ قَالَ : اثْنَانِ خَيْرٌ مِنْ وَاحِدٍ وَثَلَاثٌ خَيْرٌ مِنَ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ ثَلَاثَةٍ ، فَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَنْ يَجْمَعَ أُمَّتِي إِلَّا عَلَى هُدًى . قَوْلُهُ : ( وَسُلَيْمَانُ الْمَدِينِيُّ هُوَ عِنْدِي سُلَيْمَانُ بْنُ سُفْيَانَ ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ الْمُفْرَدِ عَنِ الْبُخَارِيِّ : إنَّهُ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ ، كَذَا فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ هَذَا .
2166 حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى ، ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْمُونٍ ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ ، وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى ) الْبَلْخِيُّ لَقَبُهُ خَتٌّ ( ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ) بْنُ هَمَّامِ بْنِ نَافِعٍ الْحِمْيَرِيُّ الصَّنْعَانِيُّ ( نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْمُونٍ ) الصَّنْعَانِيُّ أَوِ الزَّبِيدِيُّ بِفَتْحِ الزَّايِ ثِقَةٌ مِنَ الثَّامِنَةِ ( عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ) اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسِ بْنِ كَيْسَانَ الْيَمَانِيُّ كُنْيَتُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ ثِقَةٌ فَاضِلٌ ( عَنْ أَبِيهِ ) هُوَ طَاوُسُ بْنُ كَيْسَانَ الْيَمَانِيُّ . قَوْلُهُ : ( يَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ ) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى الْجَمَاعَةِ ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ : أَيْ أَنَّ الْجَمَاعَةَ الْمُتَّفِقَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي كَنَفِ اللَّهِ وَوِقَايَتُهُ فَوْقَهُمْ وَهُمْ بَعِيدٌ مِنَ الْأَذَى وَالْخَوْفِ ، فَأَقِيمُوا بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ ، انْتَهَى ، قَالَ فِي الْمَجْمَعِ أَيْ سَكِينَتُهُ وَرَحْمَتُهُ مَعَ الْمُتَّفِقِينَ وَهُمْ بَعِيدة مِنَ الْخَوْفِ وَالْأَذَى وَالِاضْطِرَابِ ، فَإِذَا تَفَرَّقُوا زَالَ السَّكِينَةُ وَأُوقِعَ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ وَفَسَدَ الْأَحْوَالُ انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) رُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمُ .
باب : 2259 حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ، عَنْ مِسْعَرٍ ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ الْعَدَوِيِّ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ : خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتِسْعَةٌ خَمْسَةٌ وَأَرْبَعَةٌ أَحَدُ الْعَدَدَيْنِ مِنْ الْعَرَبِ وَالْآخَرُ مِنْ الْعَجَمِ ، فَقَالَ : اسْمَعُوا هَلْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ فَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَصَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ وَلَيْسَ بِوَارِدٍ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَلَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ فَهُوَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ وَهُوَ وَارِدٌ عَلَيَّ الْحَوْضَ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ مِسْعَرٍ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ قَالَ هَارُونُ : وَثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَاصِمٍ الْعَدَوِيِّ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ قَالَ هَارُونُ : وَثَنِي مُحَمَّدٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ زُبَيْدٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَلَيْسَ بِالنَّخَعِيِّ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ حَدِيثِ مِسْعَرٍ . وَفِي الْبَاب عَنْ حُذَيْفَةَ وَابْنِ عُمَرَ . ( باب ) قَوْلُهُ : ( نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ) الْقَنَّادُ بِالْقَافِ وَالنُّونِ أَبُو يَحْيَى الْكُوفِيُّ ، وَيُقَالُ لَهُ السُّكَّرِيُّ أَيْضًا ثِقَةٌ عَابِدٌ مِنَ التَّاسِعَةِ ( عَنِ الْعَدَوِيِّ ) هُوَ عَاصِمٌ ، قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : عَاصِمٌ الْعَدَوِيُّ الْكُوفِيُّ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ مِنَ الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ : ( وَنَحْنُ تِسْعَةٌ خَمْسَةٌ وَأَرْبَعَةٌ ) تَفْسِيرٌ لِتِسْعَةٍ ( أَحَدُ الْعَدَدَيْنِ مِنَ الْعَرَبِ وَالْآخَرُ مِنَ الْعَجَمِ ) أَيْ خَمْسَةٌ مِنَ الْعَرَبِ وَأَرْبَعَةٌ مِنَ الْعَجَمِ أَوْ عَكْسُ ذَلِكَ ( فَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ ) أَيْ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ أَيْ بِالْإِفْتَاءِ وَنَحْوِهِ ( فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ ) أَيْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ بَرَاءَةٌ وَنَقْضُ ذِمَّةٍ ( وَلَيْسَ بِوَارِدٍ عَلَيَّ ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ ( الْحَوْضَ ) أَيِ الْحَوْضَ الْكَوْثَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا قَالَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ : أَعَاذَكَ اللَّهُ مِنْ إِمَارَةِ السُّفَهَاءِ ، قَالَ : وَمَا إِمَارَةُ السُّفَهَاءِ ؟ قَالَ : أُمَرَاءُ يَكُونُونَ بَعْدِي لَا يَهْتَدُونَ بِهَدْيِي وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي ، فَمَنْ صَدَّقَهُمْ بِكَذبِهِمِ الْحَدِيثُ ، وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَرُوَاتُهُمَا مُحْتَجٌّ بِهِمْ فِي الصَّحِيحِ كَذَا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ ( قَالَ هَارُونُ ) هُوَ ابْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ الْمَذْكُورُ ( عَنْ زَبِيدٍ ) هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ الْيَامِيُّ ( عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَلَيْسَ بِالنَّخَعِيِّ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : إِبْرَاهِيمُ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ مَجْهُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ وَلَيْسَ هُوَ النَّخَعِيُّ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ حُذَيْفَةَ ، وَابْنِ عُمَرَ ) أَمَّا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ص 384 ج 5 فِي مُسْنَدِهِ ، أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ .
2260 حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى الْفَزَارِيُّ ابْنُ ابْنَةِ السُّدِّيِّ الْكُوفِيِّ ، نَا عُمَرُ بْنُ شَاكِرٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَعُمَرُ بْنُ شَاكِرٍ رَوَى عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ شَيْخٌ بَصْرِيٌّ . قَوْلُهُ : ( نَا عُمَرُ بْنُ شَاكِرٍ ) الْبَصْرِيُّ ضَعِيفٌ مِنَ الْخَامِسَةِ قَالَهُ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ في تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : ضَعِيفٌ يَرْوِي عَنْ أَنَسٍ الْمَنَاكِيرَ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : شَيْخٌ بَصْرِيٌّ يَرْوِي عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ نُسْخَةَ قَرِيبٍ مِنْ عِشْرِينَ حَدِيثًا غَيْرَ مَحْفُوظَةٍ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ رَوَى لَهُ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثًا وَاحِدًا يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ ، الْحَدِيثَ ، وَقَالَ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَلَيْسَ فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ حَدِيثٌ ثُلَاثِيٌّ سِوَاهُ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ الْبُخَارِيُّ : مُقَارَبُ الْحَدِيثِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ ) أَيْ فِي أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ ( عَلَى دِينِهِ ) أَيْ عَلَى حِفْظِ أَمْرِ دِينِهِ بِتَرْكِ دُنْيَاهُ ( كَالْقَابِضِ ) أَيْ كَصَبْرِ الْقَابِضِ فِي الشِّدَّةِ وَنِهَايَةِ الْمِحْنَةِ ( عَلَى الْجَمْرِ ) جَمْعُ الْجَمْرَةِ وَهِيَ شُعْلَةٌ مِنْ نَارٍ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : الْمَعْنَى كَمَا لَا يَقْدِرُ الْقَابِضُ عَلَى الْجَمْرِ أَنْ يَصْبِرَ لِإِحْرَاقِ يَدِهِ ، كَذَلِكَ الْمُتَدَيِّنُ يَوْمَئِذٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى ثَبَاتِهِ عَلَى دِينِهِ لِغَلَبَةِ الْعُصَاةِ وَالْمَعَاصِي وَانْتِشَارِ الْفِسْقِ وَضَعْفِ الْإِيمَانِ ، انْتَهَى ، وَقَالَ الْقَارِي : الظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ كَمَا لَا يُمْكِنُ الْقَبْضُ عَلَى الْجَمْرَةِ إِلَّا بِصَبْرٍ شَدِيدٍ وَتَحَمُّلِ غَلَبَةِ الْمَشَقَّةِ كَذَلِكَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لَا يُتَصَوَّرُ حِفْظُ دِينِهِ وَنُورِ إِيمَانِهِ إِلَّا بِصَبْرٍ عَظِيمٍ انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) فِي سَنَدِهِ عُمَرُ بْنُ شَاكِرٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا .
باب : 2258 حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نَا أَبُو دَاوُدَ ، نَا شُعْبَةُ ، عَنْ الْأَعْمَشِ وَعَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ وحماد سَمِعُوا أَبَا وَائِلٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : قَالَ عُمَرُ : أَيُّكُمْ يَحْفَظُ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفِتْنَةِ فَقَالَ حُذَيْفَةُ : أَنَا قَالَ حُذَيْفَةُ : فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ ، قَالَ عُمَرُ : لَسْتُ عَنْ هَذَا أَسْأَلُكَ وَلَكِنْ عَنْ الْفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ قَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا قَالَ عُمَرُ : أَيُفْتَحُ أَمْ يُكْسَرُ ؟ قَالَ : بَلْ يُكْسَرُ قَالَ : إِذن لَا يُغْلَقُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . قَالَ أَبُو وَائِلٍ فِي حَدِيثِ حَمَّادٍ فَقُلْتُ لِمَسْرُوقٍ : سَلْ حُذَيْفَةَ عَنْ الْبَابِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ عُمَرُ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ . باب : قَوْلُهُ : ( تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الصَّلَاةِ وَمَا مَعَهَا مُكَفِّرَةً لِلْمَذْكُورَاتِ كُلِّهَا لَا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ مَثَلًا مُكَفِّرَةٌ لِلْفِتْنَةِ فِي الْأَهْلِ وَالصَّوْمِ فِي الْوَلَدِ إِلَخْ ، وَالْمُرَادُ بِالْفِتْنَةِ مَا يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ مَعَ مَنْ ذُكِرَ مِنَ الْبَشَرِ أَوِ الِالْتِهَاءُ بِهِمْ أَوْ أَنْ يَأْتِيَ لِأَجْلِهِمْ بِمَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَوْ يُخِلُّ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ ، وَاسْتَشْكَلَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ وُقُوعَ التَّكْفِيرِ بِالْمَذْكُورَاتِ لِلْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ وَالْإِخْلَالِ بِالْوَاجِبِ ; لِأَنَّ الطَّاعَاتِ لَا تُسْقِطُ ذَلِكَ ، فَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْوُقُوعِ فِي الْمَكْرُوهِ وَالْإِخْلَالِ بِالْمُسْتَحَبِّ لَمْ يُنَاسِبْ إِطْلَاقَ التَّكْفِيرِ ، وَالْجَوَابُ الْتِزَامُ الْأَوَّلِ وَإِنِ الْمُمْتَنِعَ مِنْ تَكْفِيرِ الْحَرَامِ وَالْوَاجِبِ مَا كَانَ كَبِيرَةً فَهِيَ الَّتِي فِيهَا النِّزَاعُ ، وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَلَا نِزَاعَ أَنَّهَا تُكَفِّرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ الْآيَةَ وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : الْفِتْنَةُ بِالْأَهْلِ تَقَعُ بِالْمَيْلِ إِلَيْهِنَّ أَوْ عَلَيْهِنَّ فِي الْقِسْمَةِ وَالْإِيثَارِ حَتَّى فِي أَوْلَادِهِنَّ ، وَمِنْ جِهَةِ التَّفْرِيطِ فِي الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ لَهُنَّ ، وَبِالْمَالِ يَقَعُ الِاشْتِغَالُ بِهِ عَنِ الْعِبَادَةِ أَوْ بِحَبْسِهِ عَنْ إِخْرَاجِ حَقِّ اللَّهِ ، وَالْفِتْنَةُ بِالْأَوْلَادِ تَقَعُ بِالْمَيْلِ الطَّبِيعِيِّ إِلَى الْوَلَدِ وَإِيثَارِهِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ ، وَالْفِتْنَةُ بِالْجَارِ تَقَعُ بِالْحَسَدِ وَالْمُفَاخَرَةِ وَالْمُزَاحَمَةِ فِي الْحُقُوقِ وَإِهْمَالِ التَّعَاهُدِ ثُمَّ قَالَ : وَأَسْبَابُ الْفِتْنَةِ بِمَنْ ذُكِرَ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِيمَا ذَكَرْتُ مِنَ الْأَمْثِلَةِ ، وَأَمَّا تَخْصِيصُ الصَّلَاةِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهَا بِالتَّكْفِيرِ دُونَ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَعْظِيمِ قَدْرِهَا ، لَا نفي أَنَّ غَيْرَهَا مِنَ الْحَسَنَاتِ لَيْسَ فِيهَا صَلَاحِيَّةُ التَّكْفِيرِ ، ثُمَّ إِنَّ التَّكْفِيرَ الْمَذْكُورَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَقَعَ بِنَفْسِ فِعْلِ الْحَسَنَاتِ الْمَذْكُورَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقَعَ بِالْمُوَازَنَةِ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ . ( تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ ) أَيْ تَضْطَرِبُ اضْطِرَابَ الْبَحْرِ عِنْدَ هَيَجَانِهِ وَكَنَّى بِذَلِكَ عَنْ شِدَّةِ الْمُخَاصَمَةِ وَكَثْرَةِ الْمُنَازَعَةِ وَمَا يَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الْمُشَاتَمَةِ وَالْمُقَاتَلَةِ ( قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا بَأْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا ، قَالَ الْحَافِظُ زَادَ فِي رِوَايَةِ رِبْعِيِّ : تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ فَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى يَصِيرَ أَبْيَضَ مِثْلَ الصَّفَاةِ لَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ ، وَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ حَتَّى يَصِيرَ أَسْوَدَ كَالْكُوزِ مَنْكُوسًا ، لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا ، وَحَدَّثَتْهُ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ بَابًا مُغْلَقًا ( أَنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا ) أَيْ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا شَيْءٌ فِي حَيَاتِكَ . قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : آثَرَ حُذَيْفَةُ الْحِرْصَ عَلَى حِفْظِ السِّرِّ وَلَمْ يُصَرِّحْ لِعُمَرَ بِمَا سَأَلَ عَنْهُ وَإِنَّمَا كَنَّى عَنْهُ كِنَايَةً وَكَأَنَّهُ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حُذَيْفَةُ عَلِمَ أَنَّ عُمَرَ يُقْتَلَ وَلَكِنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُخَاطِبَهُ بِالْقَتْلِ لِأَنَّ عُمَرَ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ الْبَابُ فَأَتَى بِعِبَارَةٍ يَحْصُلُ بِهَا الْمَقْصُودُ بِغَيْرِ تَصْرِيحٍ بِالْقَتْلِ انْتَهَى ، وَكَأَنَّهُ مَثَّلَ الْفِتَنَ بِدَارٍ وَمَثَّلَ حَيَاةَ عُمَرَ بِبَابٍ لَهَا مُغْلَقٍ وَمَثَّلَ مَوْتَهُ بِفَتْحِ ذَلِكَ الْبَابِ ، فَمَا دَامَتْ حَيَاةُ عُمَرَ مَوْجُودَةً فَهِيَ الْبَابُ الْمُغْلَقُ لَا يَخْرُجُ مِمَّا هُوَ دَاخِلٌ تِلْكَ الدَّارَ شَيْءٌ فَإِذَا مَاتَ فَقَدِ انْفَتَحَ ذَلِكَ الْبَابُ فَخَرَجَ مَا فِي تِلْكَ الدَّارِ . ( قَالَ عُمَرُ : أَيُفْتَحُ أَمْ يُكْسَرُ قَالَ بَلْ يُكْسَرُ ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الْغَلْقَ إِنَّمَا يَقَعُ فِي الصَّحِيحِ ، فَأَمَّا إِذَا انْكَسَرَ فَلَا يُتَصَوَّرُ غَلْقُهُ حَتَّى يُجْبَرَ ، انْتَهَى ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَنَّى عَنِ الْمَوْتِ بِالْفَتْحِ وَعَنِ الْقَتْلِ بِالْكَسْرِ وَلِهَذَا قَالَ فِي رِوَايَةِ رِبْعِيٍّ : فَقَالَ عُمَرُ كَسْرًا لَا أَبَا لَكَ ، لَكِنْ بَقِيَّةُ رِوَايَةِ رِبْعِيٍّ تَدُلُّ عَلَى مَا قَدَّمْتُهُ فَإِنَّ فِيهِ : وَحَدَّثْتُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْبَابَ رَجُلٌ يُقْتَلُ أَوْ يَمُوتُ ( قَالَ إِذَنْ لَا يُغْلَقُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) زَادَ الْبُخَارِيُّ ، قُلْنَا : عَلِمَ عُمَرُ الْبَابَ قَالَ : نَعَمْ كَمَا أَنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً ، قَالَ الْحَافِظُ : إِنَّمَا قَالَ عُمَرُ ذَلِكَ اعْتِمَادًا عَلَى مَا عِنْدَهُ مِنَ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ فِي وُقُوعِ الْفِتَنِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَوُقُوعِ الْبَأْسِ بَيْنَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، رَوَى الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ عَنْ أَخِيهِ عُثْمَانَ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ : يَا غَلْقَ الْفِتْنَةِ ، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : مَرَرْتُ وَنَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هَذَا غَلْقُ الْفِتْنَةِ لَا يُزَالُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْفِتْنَةِ بَابٌ شَدِيدُ الْغَلْقِ مَا عَاشَ . فَإِنْ قِيلَ : إِذَا كَانَ عُمَرُ عَارِفًا بِذَلِكَ فَلِمَ شَكَّ فِيهِ حَتَّى سَأَلَ عَنْهُ ؟ فَالْجَوَابُ : أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ مِثْلُهُ عِنْدَ شِدَّةِ الْخَوْفِ أَوْ لَعَلَّهُ خَشِيَ أَنْ يَكُونَ نَسِيَ فَسَأَلَ مَنْ يَذْكُرُهُ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ ( فَقُلْتُ لِمَسْرُوقٍ ) هُوَ ابْنُ الْأَجْدَعِ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ وَكَانَ مِنْ أَخِصَّاءِ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَحُذَيْفَةَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ ( سَلْ حُذَيْفَةُ عَنِ الْبَابِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ عُمَرُ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ وَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا فَسَأَلَهُ فَقَالَ : مَنِ الْبَابُ ؟ فَقَالَ عُمَرُ ، قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : تَقَدَّمَ قَوْلُهُ أَنَّ بَيْنَ الْفِتْنَةِ وَبَيْنَ عُمَرَ بَابًا فَكَيْفَ يُفَسَّرُ الْبَابُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ عُمَرُ ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ فِي الْأَوَّلِ تَجَوُّزٌ ، وَالْمُرَادُ بَيْنَ الْفِتْنَةِ وَبَيْنَ حَيَاةِ عُمَرَ ، أَوْ بَيْنَ نَفْسِ عُمَرَ وَبَيْنَ الْفِتْنَةِ بَدَنُهُ لِأَنَّ الْبَدَنَ غَيْرُ النَّفْسِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .
بَاب مَا جَاءَ فِي رَفْعِ الْأَمَانَةِ 2179 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، نا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ ، قال : حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَيْنِ قَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا ، وَأَنَا أَنْتَظِرُ الْآخَرَ ، حَدَّثَنَا أَنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ ، ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ ، فَعَلِمُوا مِنْ الْقُرْآنِ وَعَلِمُوا مِنْ السُّنَّةِ ، ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِ الْأَمَانَةِ فَقَالَ : يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْوَكْتِ ، ثُمَّ يَنَامُ نَوْمَةً فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْمَجْلِ كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفَطَتْ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا ، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ ، ثُمَّ أَخَذَ حَصَاةً فَدَحْرَجَهَا عَلَى رِجْلِهِ ، قَالَ : فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ لَا يَكَادُ أَحَد يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ حَتَّى يُقَالَ : إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا ، وَحَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ : مَا أَجْلَدَهُ وَأَظْرَفَهُ وَأَعْقَلَهُ وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ ، قَالَ : وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِي أَيُّكُمْ بَايَعْتُ فِيهِ ، لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ دِينُهُ ، وَلَئِنْ كَانَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ أُبَايِعَ مِنْكُمْ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . بَاب مَا جَاءَ فِي رَفْعِ الْأَمَانَةِ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَيْنِ ) أَيْ فِي أَمْرِ الْأَمَانَةِ الْحَادِثَةِ فِي زَمَنِ الْفِتْنَةِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : الْأَوَّلُ : حَدَّثَنَا أَنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ إِلَى آخِرِهِ ، وَالثَّانِي : حَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا ، قَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا ، وَهُوَ نُزُولُ الْأَمَانَةِ ( وَأَنَا أَنْتَظِرُ الْآخَرَ ) وَهُوَ رَفْعُ الْأَمَانَةِ ( حَدَّثَنَا ) وَهُوَ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ( أَنَّ الْأَمَانَةَ ) الْمَذْكُورَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ وَهِيَ عَيْنُ الْإِيمَانِ ، أَوْ كُلُّ مَا يَخْفَى وَلَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ مِنَ الْمُكَلَّفِ أَوِ الْمُرَادُ بِهَا التَّكْلِيفُ الَّذِي كَلَّفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عِبَادَهُ أَوِ الْعَهْدُ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِمْ . ( نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَيُكْسَرُ وَسُكُونُ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا رَاءٌ أَيْ فِي أَصْلِ قُلُوبِهِمْ ، وَجَذْرُ كُلِّ شَيْءٍ أَصْلُهُ أَيْ أَنَّ الْأَمَانَةَ أَوَّلَ مَا نَزَلَتْ فِي قُلُوبِ الرِّجَالِ وَاسْتَوْلَتْ عَلَيْهَا فَكَانَتْ هِيَ الْبَاعِثَةُ عَلَى الْأَخْذِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْنَى بِقَوْلِهِ : ( ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ فَعَلِمُوا ) أَيْ بِنُورِ الْإِيمَانِ ( مِنَ الْقُرْآنِ ) أَيْ مِمَّا يَتَلَقَّوْنَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاجِبًا كَانَ أَوْ نَفْلًا ، حَرَامًا أَوْ مُبَاحًا ، مَأْخُوذًا مِنَ الْكِتَابِ أَوِ الْحَدِيثِ ( وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ بِإِعَادَةِ ثُمَّ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمُوا السُّنَّةَ . ( ثُمَّ حَدَّثَنَا ) وَهُوَ الْحَدِيثُ الثَّانِي ( عَنْ رَفْعِ الْأَمَانَةِ ) أَيْ عَنْ ذَهَابِهَا أَصْلًا حَتَّى لَا يَبْقَى مَنْ يُوصَفُ بِالْأَمَانَةِ إِلَّا النَّادِرُ ، وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ مَنْ يُنْسَبُ لِلْأَمَانَةِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالِ الْأَوَّلِينَ ، فَالَّذِينَ أَشَارَ إِلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ مَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا هُمْ مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَخِيرِ الَّذِي أَدْرَكَهُ وَالْأَمَانَةُ فِيهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَصْرِ الْأَوَّلِ أَقَلُّ ، وَأَمَّا الَّذِي يَنْتَظِرُهُ فَإِنَّهُ حَيْثُ تُفْقَدُ الْأَمَانَةُ مِنَ الْجَمِيعِ إِلَّا النَّادِرَ كَذَا فِي الْفَتْحِ ( فَيَظَلُّ أَثَرُهَا ) بفَتَحَاتٍ فتَشْدِيدِ لَامٍ أَيْ فَيَصِيرُ ، وَأَصْلُ ظَلَّ ؛ مَا عُمِلَ بِالنَّهَارِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى كُلِّ وَقْتٍ ، وَهِيَ هُنَا عَلَى بَابِهَا لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْحَالَةَ الَّتِي تَكُونُ بَعْدَ النَّوْمِ ، وَهِيَ غَالِبًا تَقَعُ عِنْدَ الصُّبْحِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْأَمَانَةَ تَذْهَبُ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهَا إِلَّا الْأَثَرُ الْمَوْصُوفُ فِي الْحَدِيثِ ( مِثْلُ الْوَكْتِ ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مِثْلُ أَثَرِ الْوَكْتِ وَهو بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْكَافِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ فَوْقِيَّةٌ ، الْأَثَرُ فِي الشَّيْءِ كَالنُّقْطَةِ مِنْ غَيْرِ لَوْنِهِ ، يُقَالُ : وَكَتَ الْبُسْرُ : إِذْ بَدَتْ فِيهِ نُقْطَةُ الْإِرْطَابِ . ( ثُمَّ يَنَامُ نَوْمَةً ) أَيْ أُخْرَى ( فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ ) أَيْ مَا بَقِيَ مِنْهَا مِنْ قَلْبِهِ ( فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلُ أَثَرِ الْمَجْلِ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَقَدْ تُفْتَحُ بَعْدَهَا لَامٌ ، هُوَ أَثَرُ الْعَمَلِ فِي الْكَفِّ قَالَ فِي الْفَائِقِ : الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَكْتِ وَالْمَجْلِ أَنَّ الْوَكْتَ ؛ النُّقْطَةُ فِي الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ لَوْنِهِ وَالْمَجْلَ ؛ غِلَظُ الْجِلْدِ مِنَ الْعَمَلِ لَا غَيْرُ ( كَجَمْرٍ ) بالْجِيمُ الْمَفْتُوحَةُ وَالْمِيمُ السَّاكِنَةُ أَيْ تَأْثِيرٌ كَتَأْثِيرِ جَمْرٍ وَقِيلَ أُبْدِلَ مِنْ مِثْلِ أَثَرِ الْمَجْلِ أَيْ يَكُونُ أَثَرُهَا فِي الْقَلْبِ كَأَثَرِ جَمْرٍ أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُوَ يَعْنِي أَثَرَ الْمَجْلِ كَجَمْرٍ ( دَحْرَجْتُهُ ) أَيْ قَلَّبْتُهُ وَدَوَّرْتُهُ ( عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَتْ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : نَفِطَتْ كَفَرِحَتْ نَفْطًا وَنَفَطًا وَنَفِيطًا ، قَرِحَتْ عَمَلًا أَوْ مَجِلَتْ ( فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا ) بِنُونٍ ، ثُمَّ مُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ أَيْ مُنْتَفِخًا وَتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ عَلَى إِرَادَةِ الْمَوْضِعِ الْمُدَحْرَجِ عَلَيْهِ الْجَمْرُ قِيلَ الْمَعْنَى : يُخَيَّلُ إِلَيْكَ أَنَّ الرَّجُلَ ذُو أَمَانَةٍ وَهُوَ فِي ذَلِكَ بِمَثَابَةِ نَفِطَةً تَرَاهَا مُنْتَفِطَةً مُرْتَفِعَةً كَبِيرَةً لَا طَائِلَ تَحْتَهَا ( وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ ) أَيْ صَالِحٌ بَلْ مَاءٌ فَاسِدٌ ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : قَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ : مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْأَمَانَةَ تَزُولُ عَنِ الْقُلُوبِ شَيْئًا فَشَيْئًا ، فَإِذَا زَالَ أَوَّلُ جُزْءٍ مِنْهَا زَالَ نُورُهَا وَخَلَفَتْهُ ظُلْمَةٌ كَالْوَكْتِ ، وَهُوَ اعْتِرَاضُ لَوْنٍ مُخَالِفٍ لِلَّوْنِ الَّذِي قَبْلَهُ ، فَإِذَا زَالَ شَيْءٌ آخَرُ صَارَ كَالْمَجْلِ وَهُوَ أَثَرٌ مُحْكِمٌ لَا يَكَادُ يَزُولُ إِلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ ، وَهَذِهِ الظُّلْمَةُ فَوْقَ الَّتِي قَبْلَهَا ، ثُمَّ شَبَّهَ زَوَالَ ذَلِكَ النُّورِ بَعْدَ وُقُوعِهِ فِي الْقَلْبِ وَخُرُوجِهِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهِ فِيهِ وَاعْتِقَابِ الظُّلْمَةِ إِيَّاهُ ـ بِجَمْرٍ يُدَحْرِجُهُ عَلَى رِجْلِهِ حَتَّى يُؤَثِّرَ فِيهَا ثُمَّ يَزُولُ الْجَمْرُ وَيَبْقَى النَّفْطُ انْتَهَى ، ( قَالَ فَيُصْبِحُ النَّاسُ ) أَيْ يَدْخُلُونَ فِي الصَّبَاحِ ( يَتَبَايَعُونَ ) أَيِ السِّلَعَ وَنَحْوَهَا بِأَنْ يَشْتَرِيَهَا أَحَدُهُمْ مِنَ الْآخَرِ ( لَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ ) لِأَنَّ مَنْ كَانَ مَوْصُوفًا بِالْأَمَانَةِ سَلَبَهَا حَتَّى صَارَ خَائِنًا ( وَحَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ ) أَيْ مِنْ أَرْبَابِ الدُّنْيَا ، مِمَّنْ لَهُ عَقْلٌ فِي تَحْصِيلِ الْمَالِ وَالْجَاهِ وَطَبْعٍ فِي الشِّعْرِ وَالنَّثْرِ ، وَفَصَاحَةٍ وَبَلَاغَةٍ وَصَبَاحَةٍ وَقُوَّةٍ بَدَنِيَّةٍ وَشَجَاعَةٍ وَشَوْكَةٍ ( مَا أَجْلَدَهُ ) بِالْجِيمِ ( وَأَظْرَفَهُ ) بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ ( وَأَعْقَلَهُ ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْقَافِ ، تَعَجُّبًا مِنْ كَمَالِهِ وَاسْتِغْرَابًا مِنْ مَقَالِهِ وَاسْتِبْعَادًا مِنْ جَمَالِهِ . وَحَاصِلُهُ أَنَّهُمْ يَمْدَحُونَهُ بِكَثْرَةِ الْعَقْلِ وَالظَّرَافَةِ وَالْجَلَادَةِ وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ ، وَلَا يَمْدَحُونَ أَحَدًا بِكَثْرَةِ الْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ ( وَمَا فِي قَلْبِهِ ) حَالٌ مِنَ الرَّجُلِ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي قَلْبِهِ ( مِثْقَالُ حَبَّةٍ ) أَيْ مِقْدَارُ شَيْءٍ قَلِيلٍ ( مِنْ خَرْدَلٍ ) مِنْ بَيَانِيَّةٌ لِحَبَّةٍ أَيْ هِيَ خَرْدَلٌ ( مِنْ إِيمَانٍ ) أَيْ كَائِنًا مِنْهُ قَالَ الطِّيبِيُّ ، لَعَلَّهُ إِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى تَفْسِيرِ الْأَمَانَةِ فِي قَوْلِهِ إِنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ بِالْإِيمَانِ لِقَوْلِهِ آخِرًا : وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ ، فَهَلَّا حَمَلُوهَا عَلَى حَقِيقَتِهَا لِقَوْلِهِ : وَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ وَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ فَيَكُونُ وَضْعُ الْإِيمَانِ آخِرًا مَوْضِعَهَا تَفْخِيمًا لِشَأْنِهَا ، وَحَثًّا عَلَى أَدَائِهَا ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا دِينَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ قَالَ الْقَارِي : إِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَ آخِرًا وَمَا صَدَّرَ أَوَّلًا مِنْ قَوْلِهِ : نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ ، فَإِنَّ نُزُولَ الْأَمَانَةِ بِمَعْنَى الْإِيمَانِ هُوَ الْمُنَاسِبُ لِأَصْلِ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ يَعْلَمُونَ إِيقَانَهُ وَإِيقَانَهُمْ بِتَتَبُّعِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ . وَأَمَّا الْأَمَانَةُ فَهِيَ جُزْئِيَّةٌ مِنْ كُلِّيَّةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ انْتَهَى . ( قَالَ ) أَيْ حُذَيْفَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ ( زَمَانٌ ) كُنْتُ أَعْلَمُ فِيهِ أَنَّ الْأَمَانَةَ مَوْجُودَةٌ فِي النَّاسِ ( وَمَا أُبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ فِيهِ ) أَيْ بِعْتُ أَوِ اشْتَرَيْتُ غَيْرَ مُبَالٍ بِحَالِهِ ( لَئِنْ ) بفَتْح اللَّامِ وَكَسْرُ الْهَمْزَةِ ( لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ ) بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ ( دِينُهُ ) بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ أَيْ فَلَا يَخُونُنِي بَلْ يَحْمِلُهُ إِسْلَامُهُ عَلَى أَدَاءِ الْأَمَانَةِ فَأَنَا وَاثِقٌ بِأَمَانَتِهِ ( لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ ) أَيِ الَّذِي أُقِيمُ عَلَيْهِ فَهُوَ يَقُومُ بِوِلَايَتِهِ وَيَسْتَخْرِجُ مِنْهُ حَقِّي ، وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ أَيْ رَئِيسُهُمُ الَّذِي يَصْدُرُونَ عَنْ رَأْيِهِ وَقِيلَ أَيِ الْوَالِي الَّذِي عَلَيْهِ أَيْ يُنْصِفُنِي مِنهُ وَكُلُّ مَنْ وَلِيَ أَمْرَ قَوْمٍ فَهُوَ سَاعٍ عَلَيْهِمْ ، يَعْنِي أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مُهْتَمِّينَ بِالْإِسْلَامِ فَيَحْفَظُونَ بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ ، وَالْمُلُوكُ ذَو عَدْلٍ ، فَمَا كُنْتُ أُبَالِي مَنْ أُعَامِلُ إِنْ كَانَ مُسْلِمًا رَدَّهُ إِلَى بالْخُرُوجِ عَنِ الْحَقِّ عَمَلُهُ بِمُقْتَضَى الْإِسْلَامِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُسْلِمٍ أَنْصَفَنِي مِنْهُ عَامِلُهُ عَلَى الصَّدَقَةِ انْتَهَى . ( فَأَمَّا الْيَوْمَ ) فَقَدْ ذَهَبَتِ الْأَمَانَةُ وَظَهَرَتِ الْخِيَانَةُ فَلَسْتُ أَثِقُ بِأَحَدٍ فِي بَيْعٍ وَلَا شِرَاءٍ ، ( فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ مِنْكُمْ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا ) أَيْ أَفْرَادًا مِنَ النَّاسِ قَلَائِلَ مِمَّنْ أَثِقُ بِهِمْ فَكَانَ يَثِقُ بِالْمُسْلِمِ لِذَاتِهِ ، وَبِالْكَافِرِ لِوُجُودِ سَاعِيهِ ، وَهُوَ الْحَاكِمُ الَّذِي يَحْكُمُ عَلَيْهِ ، وَكَانُوا لَا يَسْتَعْمِلُونَ فِي كُلِّ عَمَلٍ قَلَّ أَوْ جَلَّ إِلَّا الْمُسْلِمَ فَكَانَ وَاثِقًا بِإِنْصَافِهِ وَتَخْلِيصِهِ حَقَّهُ مِنَ الْكَافِرِ إِنْ خَانَهُ ، بِخِلَافِ الْوَقْتِ الْأَخِيرِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ صَارَ لَا يُبَايِعُ إِلَّا أَفْرَادًا مِنَ النَّاسِ يَثِقُ بِهِمْ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ حَالَ الْأَمَانَةِ أَخَذَ فِي النَّقْصِ مِنْ ذَلِكَ الزَّمَانِ ، وَكَانَتْ وَفَاةُ حُذَيْفَةَ أَوَّلَ سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ بِقَلِيلٍ ، فَأَدْرَكَ بَعْضَ الزَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ التَّغَيُّرُ ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : قَالَ حُذَيْفَةُ هَذَا الْقَوْلُ لَمَّا تَغَيَّرَتِ الْأَحْوَالُ الَّتِي كَانَ يَعْرِفُهَا عَلَى عَهْدِ النُّبُوَّةِ وَالْخَلِيفَتَيْنِ ، فَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِالْمُبَايَعَةِ وَكَنَّى عَنِ الْإِيمَانِ بِالْأَمَانَةِ وَعَمَّا يُخَالِفُ أَحْكَامَهُ بِالْخِيَانَةِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .
باب : 2256 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، نَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ جَفَا ، وَمَنْ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ ، وَمَنْ أَتَى أَبْوَابَ السُّلْطَانِ افْتَتَنَ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبَي هُرَيْرَةَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ . باب : قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي مُوسَى ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : أَبُو مُوسَى عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ مَجْهُولٌ مِنَ السَّادِسَةِ ، وَوَهِمَ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ إِسْرَائِيلُ بْنُ مُوسَى انْتَهَى ، وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : أَبُو مُوسَى شَيْخٌ يَمَانِيٌّ رَوَى عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثَ مَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ ، وَعَنْهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ مَجْهُولٌ قَالَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ ، ذَكَرَ الْمِزِّيُّ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي مُوسَى إِسْرَائِيلَ بْنِ مُوسَى الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ رَوَى عَنِ ابْنِ مُنَبِّهٍ وَعَنْهُ الثَّوْرِيُّ وَلَمْ يَلْحَقِ الْبَصْرِيُّ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ ، وَإِنَّمَا هَذَا آخَرُ وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ وَابْنُ الْجَارُودِ فِي الْكُنَى وَجَمَاعَةٌ انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ جَفَا ) أَيْ جَهِلَ قَالَ تَعَالَى : الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ قَالَهُ الْقَارِي ، وَقَالَ الْقَاضِي : جَفَا الرَّجُلُ إِذَا غَلُظَ قَلْبُهُ وَقَسَا وَلَمْ يَرِقَّ لِبِرٍّ وَصِلَةِ رَحِمٍ وَهُوَ الْغَالِبُ عَلَى سُكَّانِ الْبَوَادِي لِبُعْدِهِمْ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقِلَّةِ اخْتِلَاطِهِمْ بِالنَّاسِ ، فَصَارَتْ طِبَاعُهُمْ كَطِبَاعِ الْوُحُوشِ وَأَصْلُ التَّرْكِيبِ لِلنُّبُوِّ عَنِ الشَّيْءِ ( وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ ) أَيْ لَازَمَ اتِّبَاعَ الصَّيْدِ وَالِاشْتِغَالَ بِهِ وَرَكِبَ عَلَى تَتَبُّعِ الصَّيْدِ كَالْحَمَامِ وَنَحْوِهِ لَهْوًا وَطَرَبًا ( غَفَلَ ) أَيْ عَنِ الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ وَلُزُومِ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ وَبَعُدَ عَنِ الرِّقَّةِ وَالرَّحْمَةِ لِشَبَهِهِ بِالسَّبُعِ وَالْبَهِيمَةِ ( وَمَنْ أَتَى أَبْوَابَ السُّلْطَانِ ) أَيْ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَحَاجَةٍ لِمَجِيئِهِ ( افْتُتِنَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ وَقَعَ فِي الْفِتْنَةِ فَإِنَّهُ إِنْ وَافَقَهُ فِيمَا يَأْتِيهِ وَيَذَرُهُ فَقَدْ خَاطَرَ عَلَى دِينِهِ وَإِنْ خَالَفَهُ فَقَدْ خَاطَرَ عَلَى دُنْيَاهُ ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ : يَعْنِي مَنِ الْتَزَمَ الْبَادِيَةَ وَلَمْ يَحْضُرْ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ وَلَا الْجَمَاعَةِ وَلَا مَجَالِسَ الْعُلَمَاءِ فَقَدْ ظَلَمَ على نَفْسَهُ ، وَمَنِ اعْتَادَ الِاصْطِيَادَ لِلَّهْوِ وَالطَّرَبِ يَكُونُ غَافِلًا لِأَنَّ اللَّهْوَ وَالطَّرَبَ يَحْدُثُ مِنَ الْقَلْبِ الْمَيْتِ ، وَأَمَّا مَنِ اصْطَادَ لِلْقُوتِ فَجَازَ لَهُ لِأَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَصْطَادُونَ ، وَمَنْ دَخَلَ عَلَى السُّلْطَانِ وَدَاهَنَهُ وَقَعَ فِي الْفِتْنَةِ ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُدَاهِنْ وَنَصَحَهُ وَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ فَكَانَ دُخُولُهُ عَلَيْهِ أَفْضَلَ الْجِهَادِ انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ هَذَا وَفِي إِسْنَادِهِ أَبُو مُوسَى ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، وَلَا نَعْرِفُهُ ، قَالَ الْحَافِظُ أَحْمَدُ الْكَرَابِيسِيُّ : حَدِيثُهُ لَيْسَ بِالْقَائِمِ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا ، وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَتَفَرَّدَ بِهِ شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِيمَا قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَشَرِيكٌ فِيهِ مَقَالٌ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .
2257 حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نَا أَبُو دَاوُدَ ، أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَال : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بن عبد الرحمن بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّكُمْ مَنْصُورُونَ وَمُصِيبُونَ وَمَفْتُوحٌ لَكُمْ فَمَنْ أَدْرَكَ ذَاكَ مِنْكُمْ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَلْيَنْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ ، وَمَنْ يَكَذِبْ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( إِنَّكُمْ مَنْصُورُونَ ) أَيْ عَلَى الْأَعْدَاءِ ( وَمُصِيبُونَ ) أَيْ لِلْغَنَائِمِ ( وَمَفْتُوحٌ لَكُمْ ) أَيِ الْبِلَادُ الْكَثِيرَةُ ( فَمَنْ أَدْرَكَ ذَاكَ ) أَيْ مَا ذُكِرَ ( فَلِيَتَّقِ اللَّهَ ) أَيْ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ لِيَكُونَ كَامِلًا ( وَلْيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَلْيَنْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ ) لِيَكُونَ مُكَمِّلًا لَا سِيَّمَا فِي أَيَّامِ إِمَارَتِهِ ( فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ) أَيْ فَلْيَتَّخِذْ لِنَفْسِهِ مَنْزِلًا ، يُقَالُ : تَبَوَّأَ الرَّجُلُ الْمَكَانَ إِذَا اتَّخَذَهُ مَسْكَنًا وَهُوَ أَمْرٌ بِمَعْنَى الْخَبَرِ أَوْ بِمَعْنَى التَّهْدِيدِ أَوْ بِمَعْنَى التَّهَكُّمِ أَوْ دُعَاءٍ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ أَيْ بَوَّأَهُ اللَّهُ ذَلِكَ ، وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَالْمَعْنَى مَنْ كَذَبَ فَلْيَأْمُرْ نَفْسَهُ بِالتَّبَوُّءِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَأَوَّلُهَا أَوْلَاهَا فَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ : بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي النَّارِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ .
بَاب لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ 2180 حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ مَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ ، يُقَالُ لَهَا : ذَاتُ أَنْوَاطٍ ، يُعَلِّقُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، هَذَا كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى : اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَأَبُو وَاقِدٍ اللَّيْثِيُّ اسْمُهُ الْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ ، وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ . بَاب لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ قَوْلُهُ : ( عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ ) الدِّيلِيِّ الْمَدَنِيِّ ، ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ( عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ) صَحَابِيٌّ قِيلَ اسْمُهُ الْحَارِثُ بْنُ مَالِكٍ وَقِيلَ ابْنُ عَوْفٍ وَقِيلَ : عَوْفُ بْنُ الْحَارِثِ . قَوْلُهُ : ( لَمَّا خَرَجَ ) أَيْ عَنْ مَكَّةَ كَمَا فِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ ( إِلَى حُنَيْنٍ ) كَزُبَيْرٍ مَوْضِعٌ بَيْنَ الطَّائِفِ وَمَكَّةَ ( يُقَالُ لَهَا ذَاتُ أَنْوَاطٍ ) قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : هِيَ اسْمُ شَجَرَةٍ بِعَيْنِهَا كَانَتْ لِلْمُشْرِكِينَ يَنُوطُونَ بِهَا سِلَاحَهُمْ أَيْ يُعَلِّقُونَهُ بِهَا وَيَعْكُفُونَ حَوْلَهَا فَسَأَلُوهُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ مِثْلَهَا فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَأَنْوَاطُ جَمْعِ نَوْطٍ وَهُوَ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الْمَنُوطُ انْتَهَى . ( سُبْحَانَ اللَّهِ ) تَنْزِيهًا وَتَعَجُّبًا ( هَذَا ) أَيْ هَذَا الْقَوْلُ مِنْكُمْ ( كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ لَكِنْ لَا يَخْفَى مَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاوُتِ الْمُسْتَفَادُ مِنَ التَّشْبِيهِ حَيْثُ يَكُونُ الْمُشَبَّهُ بِهِ أَقْوَى ( لَتَرْكَبُنَّ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمَعْنَى لَتَتَّبِعُنَّ ( سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ : لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا ، وَذِرَاعًا ذِرَاعًا ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ، قَالَ فَمَنْ؟ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِي آخِرِهِ : وَحَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكمْ جَامَعَ امْرَأَتَهُ فِي الطَّرِيقِ لَفَعَلْتُمُوهُ قَالَ الْمُنَاوِيُّ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَالسَّنَّةُ لُغَةً الطَّرِيقَةُ حَسَنَةً كَانَتْ أَوْ سَيِّئَةً ، وَالْمُرَادُ هُنَا طَرِيقَةُ أَهْلِ الْهَوَاءِ وَالْبِدَعِ الَّتِي ابْتَدَعُوهَا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ بَعْدَ أَنْبِيَائِهِمْ مِنْ تَغْيِيرِ دِينِهِمْ وَتَحْرِيفِ كِتَابِهِمْ كَمَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الْمُرَادُ الْمُوَافَقَةُ فِي الْمَعَاصِي وَالْمُخَالَفَاتِ لَا فِي الْكُفْرِ وَفِي هَذَا مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ وَقَعَ مَا أَخْبَرَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَقَدْ تَقَدَّمَ لَفْظُهُ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ مَرْفُوعًا : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَأْخُذَ أُمَّتِي بِأَخْذِ الْقُرُونِ قَبْلَهَا شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَفَارِسَ وَالرُّومِ ؟ قَالَ : وَمَنِ النَّاسُ إِلَّا أُولَئِكَ .
باب : 2255 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ الْمُؤدب ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ، نَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ ، عَنْ أَنَس بن مالك ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ نَصَرْتُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا ؟ قَالَ : تَكُفُّهُ عَنْ الظُّلْمِ فَذَاكَ نَصْرُكَ إِيَّاهُ . وَفِي الْبَاب عَنْ عَائِشَةَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . باب : قَوْلُهُ : ( انْصُرْ أَخَاكَ ) أَيِ الْمُسْلِمَ ( ظَالِمًا ) حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ ( أَوْ مَظْلُومًا ) تَنْوِيعٌ ( تَكُفُّهُ عَنِ الظُّلْمِ ) أَيْ تَمْنَعُ عَنِ الْفِعْلِ الَّذِي يُرِيدُهُ ( فَذَاكَ ) أَيْ كَفُّكَ إِيَّاهُ عَنْهُ ( نَصْرُكَ إِيَّاهُ ) أَيْ عَلَى شَيْطَانِهِ الَّذِي يُغْوِيهِ أَوْ عَلَى نَفْسِهِ الَّتِي تُطْغِيهِ ، قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ ) لِيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبُخَارِيُّ .
بَاب مَا جَاءَ فِي كَلَامِ السِّبَاعِ 2181 حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ ، نا أَبِي ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ ، نا أَبُو نَضْرَةَ الْعَبْدِيُّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُكَلِّمَ السِّبَاعُ الْإِنْسَ ، وَحَتَّى يكَلِّمَ الرَّجُلَ عَذَبَةُ سَوْطِهِ وَشِرَاكُ نَعْلِهِ ، وَتُخْبِرَهُ فَخِذُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ مِنْ بَعْدِهِ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ ، وَالْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ( بَابُ مَا جَاءَ فِي كَلَامِ السِّبَاعِ ) جَمْعُ السَّبُعِ وَهُوَ بِضَمِّ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا وَسُكُونِهَا الْمُفْتَرِسُ مِنَ الْحَيَوَانِ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى تُكَلَّمَ السِّبَاعُ ) أَيْ سِبَاعُ الْوَحْشِ كَالْأَسَدِ أَوْ سِبَاعُ الطَّيْرِ كَالْبَازِي وَلَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ ( الْإِنْسَ ) أَيْ جِنْسَ الْإِنْسَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ ( وَحَتَّى يُكَلِّمَ الرَّجُلَ ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ ( عَذَبَةُ سَوْطِهِ ) بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ ، وَالْعَذَبَةُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ طَرَفُهُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ وَغَيْرِهِ ، وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ هُوَ قَدٌّ فِي طَرَفِ السَّوْطِ ( وَشِرَاكُ نَعْلِهِ ) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَحَدُ سُيُورِ النَّعْلِ تَكُونُ عَلَى وَجْهِهَا . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) لِيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ . قَوْلُهُ : ( وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غريب ) فِي سَنَدِهِ سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ وَهُوَ صَدُوقٌ ، إِلَّا أَنَّهُ ابْتُلِيَ بِوَرَّاقِهِ ، فَأَدْخَلَ عَلَيْهِ مَا لَيْسَ مِنْ حَدِيثِهِ ، فَنَصَحَ فَلَمْ يُقْبَلْ فَسَقَطَ حَدِيثُهُ ، قَالَهُ الْحَافِظُ ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ . قَوْلُهُ : ( وَالْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ ثِقَةٌ إِلَخْ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مَعْدَانَ الْحُدَّانِيُّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّشْدِيدِ أَبُو الْمُغِيرَةِ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ مِنَ السَّابِعَةِ رُمِيَ بِالْإِرْجَاءِ .
باب : 2254 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ جُنْدَبٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ قَالُوا : وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ ؟ قَالَ : يَتَعَرَّضُ مِنْ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ . باب : قَوْلُهُ : ( نَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ ) هُوَ الْكِلَابِيُّ الْقَيْسِيُّ ( عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ) هُوَ الْمَعْرُوفُ بِعَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ ( عَنِ الْحَسَنِ ) هُوَ الْبَصْرِيُّ ( عَنْ جُنْدُبٍ ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ سُفْيَانَ . قَوْلُهُ : ( لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ ) أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ ( أَنْ يُذِلَّ ) مِنَ الْإِذْلَالِ ( قَالَ يَتَعَرَّضُ ) أَيْ يَتَصَدَّى ( مِنَ الْبَلَاءِ ) بَيَانٌ مُقَدَّمٌ لِقَوْلِهِ مَا لَا يُطِيقُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) فِي سَنَدِهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَإِنَّمَا حَسَّنَ حَدِيثَهُ التِّرْمِذِيُّ لِأَنَّهُ صَدُوقٌ عِنْدَهُ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِهِ .
بَاب مَا جَاءَ فِي انْشِقَاقِ الْقَمَرِ 2182 حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نا أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : انْفَلَقَ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اشْهَدُوا . وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَنَسٍ وَجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي انْشِقَاقِ الْقَمَرِ ) أَيْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَبِيلِ الْمُعْجِزَةِ لَهُ . قَوْلُهُ : ( انْفَلَقَ الْقَمَرُ ) أَيِ انْشَقَّ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي التَّفْسِيرِ : انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةً فَوْقَ الْجَبْلِ وَفِرْقَةً دُونَهُ ، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً فَأَرَاهُمُ الْقَمَرَ شِقَتَيْنِ حَتَّى رَأَوْا حِرَاءً بَيْنَهُمَا ، قَالَ الْحَافِظُ قَوْلُهُ شِقَتَيْنِ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ نِصْفَيْنِ ، وَقَوْلُهُ حَتَّى رَأَوْا حِرَاءً أَيْ جَبَلَ حِرَاءٍ بَيْنَهُمَا ، أَيْ بَيْنَ الْفِرْقَتَيْنِ ، وَجَبَلُ حِرَاءٍ عَلَى يَسَارِ السَّائِرِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى مِنًى ، وَقَالَ وَجَدْتُ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَيَانُ صُورَةِ السُّؤَالِ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ لَمْ يُدْرِكِ الْقِصَّةَ لَكِنْ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، فَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : اجْتَمَعَ الْمُشْرِكُونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمُ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ ، وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ ، وَالنَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ وَنُظَرَاؤُهُمْ فَقَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَشُقَّ لَنَا الْقَمَرَ فِرْقَتَيْنِ فَسَأَلَ رَبَّهُ فَانْشَقَّ ( اشْهَدُوا ) أَيْ عَلَى نُبُوَّتِي أَوْ مُعْجِزَتِي مِنَ الشَّهَادَةِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ احْضُرُوا وَانْظُرُوا مِنَ الشُّهُودِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَنَسٍ ، وَجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ) أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ أَحَادِيثَ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْقَمَرِ ، قَالَ الْحَافِظُ وَقَدْ وَرَدَ انْشِقَاقُ الْقَمَرِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ، وَحُذَيْفَةَ ، وَجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، وَابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمْ ، فَأَمَّا أَنَسٌ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ فَلَمْ يَحْضُرَا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِنَحْوِ خَمْسِ سِنِينَ ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذْ ذَاكَ لَمْ يُولَدْ ، وَأَمَّا أَنَسٌ فَكَانَ ابْنَ أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ بِالْمَدِينَةِ ، وَأَمَّا غَيْرُهُمَا فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَاهَدَ ذَلِكَ ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِرُؤْيَتِهِ ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . اعْلَمْ أَنَّ أَحَادِيثَ الْبَابِ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ فِي ثُبُوتِ مُعْجِزَةِ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَرَوَى ذَلِكَ عَنْهُمْ أَمْثَالُهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ ثُمَّ نَقَلَهُ عَنْهُمُ الْجَمُّ الْغَفِيرُ إِلَى أَنِ انْتَهَى إِلَيْنَا ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فَلَمْ يَبْقَ لِاسْتِبْعَادِ مَنِ اسْتَبْعَدَ وُقُوعَهُ عُذْرٌ ، وَقَدْ يَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ قَبْلَ طُلُوعِهِ عَلَى آخَرِينَ ، وَأَيْضًا فَإِنَّ زَمَنَ الِانْشِقَاقِ لَمْ يَطُلْ وَلَمْ تَتَوَفَّرِ الدَّوَاعِي عَلَى الِاعْتِنَاءِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ بَعَثَ أَهْلُ مَكَّةَ إِلَى آفَاقِ مَكَّةَ يَسْأَلُونَ عَنْ ذَلِكَ ، فَجَاءَتِ السُّفَّارُ وَأَخْبَرُوا بِأَنَّهُمْ عَايَنُوا ذَلِكَ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسَافِرِينَ فِي اللَّيْلِ غَالِبًا يَكُونُونَ سَائِرِينَ فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ : أَنْكَرَ بَعْضُ الْمُبْتَدِعَةِ الْمُوَافِقِينَ لِمُخَالِفِي الْمِلَّةِ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ ، وَلَا إِنْكَارَ لِلْعَقْلِ فِيهِ ; لِأَنَّ الْقَمَرَ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ يَفْعَلُ فِيهِ مَا يَشَاءُ ، كَمَا يُكَوِّرُهُ يَوْمَ الْبَعْثِ وَيُفْنِيهِ ، وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ : لَوْ وَقَعَ لَجَاءَ مُتَوَاتِرًا وَاشْتَرَكَ أَهْلُ الْأَرْضِ فِي مَعْرِفَتِهِ ، وَلَمَا اخْتَصَّ بِهَا أَهْلُ مَكَّةَ ، فَجَوَابُهُ : أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لَيْلًا وَأَكْثَرُ النَّاسِ نِيَامٌ ، وَالْأَبْوَابُ مُغْلَقَةٌ ، وَقَلَّ مَنْ يُرَاصِدُ السَّمَاءَ إِلَّا النَّادِرَ ، وَقَدْ يَقَعُ بِالْمُشَاهَدَةِ فِي الْعَادَةِ أَنْ يَنْكَشِفَ الْقَمَرُ وَتَبْدُوَ الْكَوَاكِبُ الْعِظَامُ وَغَيْرُ ذَلِكَ فِي اللَّيْلِ وَلَا يُشَاهِدُهَا إِلَّا الْآحَادُ ، فَكَذَلِكَ الِانْشِقَاقُ كَانَ آيَةً وَقَعَتْ فِي اللَّيْلِ لِقَوْمٍ سَأَلُوا وَاقْتَرَحُوا فَلَمْ يَتَأَهَّبْ غَيْرُهُمْ لَهَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْقَمَرُ لَيْلَتَئِذٍ ، كَانَ فِي بَعْضِ الْمَنَازِلِ الَّتِي تَظْهَرُ لِبَعْضِ أَهْلِ الْآفَاقِ دُونَ بَعْضٍ ، كَمَا يَظْهَرُ الْكُسُوفُ لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : انْشِقَاقُ الْقَمَرِ آيَةٌ عَظِيمَةٌ لَا يَكَادُ يَعْدِلُهَا شَيْءٌ مِنْ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ظَهَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاءِ خَارِجًا مِنْ جُمْلَةِ طِبَاعِ مَا فِي هَذَا الْعَالَمِ الْمُرَكَّبِ مِنَ الطَّبَائِعِ ، فَلَيْسَ مِمَّا يُطْمَعُ فِي الْوُصُولِ إِلَيْهِ بِحِيلَةٍ فَلِذَلِكَ صَارَ الْبُرْهَانُ بِهِ أَظْهَرَ ، وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ ، فَقَالَ : لَوْ وَقَعَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَخْفَى أَمْرُهُ عَلَى عَوَامِّ النَّاسِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ صَدَرَ عَنْ حِسٍّ وَمُشَاهَدَةٍ ، فَالنَّاسُ فِيهِ شُرَكَاءُ وَالدَّوَاعِي مُتَوَفِّرَةٌ عَلَى رُؤْيَةِ كُلِّ غَرِيبٍ ، وَنَقْلِ مَا لَمْ يُعْهَدْ فَلَوْ كَانَ لِذَلِكَ أَصْلٌ لَخُلِّدَ فِي كُتُبِ أَهْلِ التَّسْيِيرِ وَالتَّنْجِيمِ إِذْ لَا يَجُوزُ إِطْبَاقُهُمْ عَلَى تَرْكِهِ ، وَإِغْفَالِهِ مَعَ جَلَالَةِ شَأْنِهِ وَوُضُوحِ أَمْرِهِ . وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ خَرَجَتْ عَنْ بَقِيَّةِ الْأُمُورِ الَّتِي ذَكَرُوهَا لِأَنَّهُ شَيْءٌ طَلَبَهُ خَاصٌّ مِنَ النَّاسِ فَوَقَعَ لَيْلًا لِأَنَّ الْقَمَرَ لَا سُلْطَانَ لَهُ بِالنَّهَارِ وَمِنْ شَأْنِ اللَّيْلِ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرُ النَّاسِ فِيهِ نِيَامًا وَمُسْتَكِنِّينَ بِالْأَبْنِيَةِ ، وَالْبَارِزُ بِالصَّحْرَاءِ مِنْهُمْ إِذَا كَانَ يَقْظَانَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَشْغُولًا فَمَا يُلْهِيهِ مِنْ سَمَرٍ وَغَيْرِهِ ، وَمِنَ الْمُسْتَبْعَدِ أَنْ يَقْصِدُوا إِلَى مَرَاصِدِ مَرْكَزِ الْقَمَرِ نَاظِرِينَ إِلَيْهِ لَا يَغْفُلُونَ عَنْهُ ، فَقَدْ يَجُوزُ أَنَّهُ وَقَعَ وَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ أَكْثَرُ النَّاسِ ، وَإِنَّمَا رَآهُ مَنْ تَصَدَّى لِرُؤْيَتِهِ مِمَّنِ اقْتَرَحَ وُقُوعَهُ ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ فِي قَدْرِ اللَّحْظَةِ الَّتِي هِيَ مُدْرَكُ الْبَصَرِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ : ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الْقُدَمَاءِ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : وَانْشَقَّ الْقَمَرُ أَيْ سَيَنْشَقُّ كَمَا قَالَ تَعَالَى أَتَى أَمْرُ اللَّهِ أَيْ سَيَأْتِي ، وَالنُّكْتَةُ فِي ذَلِكَ إِرَادَةُ الْمُبَالَغَةِ فِي تَحَقُّقِ وُقُوعِ ذَلِكَ ، فَنَزَلَ مَنْزِلَةَ الْوَاقِعِ ، وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَصَحُّ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَحُذَيْفَةُ وَغَيْرُهُمَا وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ فَإِنَّ ذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وُقُوعُ انْشِقَاقِهِ ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَقُولُونَ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَهُمْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ فِي الدُّنْيَا تَبَيَّنَ وُقُوعُ الِانْشِقَاقِ وَأَنَّهُ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ الَّتِي زَعَمُوا أنَّهَا سِحْرٌ انْتَهَى ، وَقَالَ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ الْكَبِيرِ بَعْدَ مَا أَثْبَتَ هَذِهِ الْمُعْجِزَةَ مَا لَفْظُهُ : وَأَمَّا الْمُؤَرِّخُونَ تَرَكُوهُ لِأَنَّ التَّوَارِيخَ فِي أَكْثَرِ الْأَمْرِ يَسْتَعْمِلُهَا الْمُنَجِّمُ وَهُوَ لَمَّا وَقَعَ الْأَمْرُ قَالُوا بِأَنَّهُ مِثْلُ خُسُوفِ الْقَمَرِ ، وَظُهُورِ شَيْءٍ فِي الْجَوِّ عَلَى شَكْلِ نِصْفِ الْقَمَرِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَتَرَكُوا حِكَايَتَهُ فِي تَوَارِيخِهِمْ ، وَالْقُرْآنُ أَدَلُّ دَلِيلٍ وَأَقْوَى مُثْبِتٍ لَهُ وَإِمْكَانُهُ لَا يُشَكُّ فِيهِ وَقَدْ أَخْبَرَ عَنْهُ الصَّادِقُ فَيَجِبُ اعْتِقَادُ وُقُوعِهِ ، وَحَدِيثُ امْتِنَاعِ الْخَرْقِ وَالِالْتِئَامِ حَدِيثُ اللِّئَامِ ، وَقَدْ ثَبَتَ جَوَازُ الْخَرْقِ وَالتَّخْرِيبِ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَذَكَرْنَاهُ مِرَارًا فَلَا نُعِيدُهُ انْتَهَى .
باب : 2253 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ، نَا أَبِي ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَضَحِكَ فَقَالَ : إِنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ حَدَّثَنِي بِحَدِيثٍ فَفَرِحْتُ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُحَدِّثَكُمْ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ فِلَسْطِينَ رَكِبُوا سَفِينَةً فِي الْبَحْرِ فَجَالَتْ بِهِمْ حَتَّى قَذَفَتْهُمْ فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ ، فَإِذَا هُمْ بِدَابَّةٍ لَبَّاسَةٍ نَاشِرَةٍ شَعْرَهَا فَقَالُوا : مَا أَنْتِ ؟ قَالَتْ : أَنَا الْجَسَّاسَةُ قَالُوا : فَأَخْبِرِينَا قَالَتْ : لَا أُخْبِرُكُمْ وَلَا أَسْتَخْبِرُكُمْ وَلَكِنْ ائْتُوا أَقْصَى الْقَرْيَةِ فَإِنَّ ثَمَّ مَنْ يُخْبِرُكُمْ وَيَسْتَخْبِرُكُمْ ، فَأَتَيْنَا أَقْصَى الْقَرْيَةِ فَإِذَا رَجُلٌ مُوثَقٌ بِسِلْسِلَةٍ فَقَالَ : أَخْبِرُونِي عَنْ عَيْنِ زُغَرَ قُلْنَا : مَلْأَى تَدْفُقُ ، قَالَ : أَخْبِرُونِي عَنْ الْبُحَيْرَةِ قُلْنَا : مَلْأَى تَدْفُقُ ، قَالَ : أَخْبِرُونِي عَنْ نَخْلِ بَيْسَانَ الَّذِي بَيْنَ الْأُرْدُنِّ وَفِلَسْطِينَ هَلْ أَطْعَمَ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ ، قَالَ : أَخْبِرُونِي عَنْ النَّبِيِّ هَلْ بُعِثَ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ ، قَالَ : أَخْبِرُونِي كَيْفَ النَّاسُ إِلَيْهِ ؟ قُلْنَا : سِرَاعٌ قَالَ : فَنَزَّى نَزْوَةً حَتَّى كَادَ قُلْنَا : فَمَا أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا الدَّجَّالُ وَإِنَّهُ يَدْخُلُ الْأَمْصَارَ كُلَّهَا إِلَّا طَيْبَةَ وَطَيْبَةُ الْمَدِينَةُ . هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ( باب ) : قَوْلُهُ : ( صَعِدَ الْمِنْبَرَ ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، وَأَبِي دَاوُدَ : فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ وَعْظِ الْوَاعِظِ النَّاسَ جَالِسًا عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَأَمَّا الْخُطْبَةُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ فَلَا بُدَّ لِلْخَطِيبِ أَنْ يَخْطُبَهَا قَائِمًا ( فَضَحِكَ ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : وَهُوَ يَضْحَكُ أَيْ يَبْتَسِمُ ضَاحِكًا عَلَى عَادَتِهِ الشَّرِيفَةِ ( فَقَالَ : إِنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ ) هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى جَدٍّ لَهُ اسْمُهُ الدَّارِ ( حَدَّثَنِي بِحَدِيثٍ فَفَرِحْتُ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُحَدِّثَكُمْ ) . وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَقَالَ : لِيَلْزَمْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُصَلَّاهُ ثُمَّ قَالَ : أَتَدْرُونَ لِمَ جَمَعْتُكُمْ ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ : قَالَ : إِنِّي وَاللَّهِ مَا جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَةٍ وَلَا لِرَهْبَةٍ ، وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ لِأَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ كَانَ رَجُلًا نَصْرَانِيًّا ، فَجَاءَ فَبَايَعَ وَأَسْلَمَ وَحَدَّثَنِي حَدِيثًا وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنِ مَسِيحِ الدَّجَّالِ ( أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ فِلَسْطِينَ ) بِكَسْرِ فَاءٍ وَفَتْحِ لَامٍ كُورَةٌ مَعْرُوفَةٌ مَا بَيْنَ الْأُرْدُنِّ وَدِيَارِ مِصْرَ وَأُمُّ دِيَارِهَا بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَذَا فِي الْمَجْمَعِ ( رَكِبُوا سَفِينَةً فِي الْبَحْرِ ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي أَنَّهُ رَكِبَ فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ مَعَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ لَخْمٍ وَجُذَامٍ ( فَجَالَتْ بِهِمْ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : أَجَالَهُ وَبِهِ أَدَارَهُ كَجَالَ بِهِ وَاجْتَالَهُمْ حَوَّلَهُمْ عَنْ قَصْدِهِمْ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَلَعِبَ بِهِمُ الْمَوْجُ شَهْرًا ( حَتَّى قَذَفَتْهُمْ ) أَيْ أَلْقَتْهُمْ ( فَإِذَا هُمْ بِدَابَّةٍ لَبَّاسَةٍ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : رَجُلٌ لَبَّاسٌ كَكَتَّانٍ كَثِيرُ اللِّبَاسِ انْتَهَى ، لَكِنْ مَعْنَاهُ هَهُنَا الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُلْقٍ فِي اللُّبْسِ وَالِاخْتِلَاطِ بِأَنْ تَكُونَ صِيغَةَ مُبَالَغَةٍ مِنَ اللُّبْسِ كَذَا فِي هَامِشِ النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ ، قُلْتُ : الظَّاهِرُ عِنْدِي وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : لَبَّاسَةٍ كَثِيرَةُ اللِّبَاسِ وَكُنِّيَ بِكَثْرَةِ لِبَاسِهَا عَنْ كَثْرَةِ شَعْرِهَا ، وَقَوْلُهُ ( نَاشِرَةٍ شَعْرَهَا ) كَالْبَيَانِ لَهُ ( نَاشِرَةٍ ) بِالْجَرِّ صِفَةٌ ثَانِيَةٌ لِدَابَّةٍ ( شَعْرَهَا ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ أَيْ جَاعِلَةٍ شَعْرَهَا مُنْتَشِرَةً ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَلَقِيَتْهُمْ دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرُ الشَّعْرِ لَا يَدْرُونَ مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعْرِ ( أَنَا الْجَسَّاسَةُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : هِيَ بِفَتْحِ الْجِيمِ فَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ الْأُولَى ، قِيلَ : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَجَسُّسِهَا الْأَخْبَارَ لِلدَّجَّالِ ، وَجَاءَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهَا دَابَّةُ الْأَرْضِ الْمَذْكُورَةُ فِي الْقُرْآنِ انْتَهَى . ( فَإِذَا رَجُلٌ مُوثَقٌ بِسِلْسِلَةٍ ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَإِذَا فِيهِ أَعْظَمُ إِنْسَانٍ مَا رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقًا وَأَشَدُّهُ وِثَاقًا ، مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ مَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى كَعْبَيْهِ بِالْحَدِيدِ ، قُلْنَا : وَيْلَكَ مَا أَنْتَ ؟ قَالَ : قَدْ قَدَرْتُمْ عَلَى خَبَرِي فَأَخْبِرُونِي مَا أَنْتُمْ ؟ قَالُوا : نَحْنُ أُنَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ ( فَقَالَ : أَخْبِرُونِي عَنْ عَيْنِ زُغَرٍ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : هِيَ بِزَايٍ مُعْجَمَةٍ مَضْمُومَةٍ ، ثُمَّ غَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ ، ثُمَّ رَاءٍ وَهُوَ بَلْدَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي الْجَانِبِ الْقِبْلِيِّ مِنَ الشَّامِ ( قُلْنَا مَلْأَى تَدْفُقُ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : دَفَقَهُ يَدْفُقُهُ وَيَدْفِقُهُ صَبَّهُ ، وَهُوَ مَاءٌ دَافِقٌ أَيْ مَدْفُوقٌ ; لِأَنَّ دَفَقَ مُتَعَدٍّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ قَالُوا : عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ ؟ قَالَ : هَلْ فِي الْعَيْنِ مَاءٌ وَهَلْ يَزْرَعُ أَهْلُهَا بِمَاءِ الْعَيْنِ ؟ قُلْنَا لَهُ : نَعَمْ هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ وَأَهْلُهَا يَزْرَعُونَ مِنْ مَائِهَا . ( قَالَ أَخْبِرُونِي عَنِ الْبُحَيْرَةِ ) تَصْغِيرُ الْبَحْرِ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : عَنْ بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الطَّبَرِيَّةُ مُحَرَّكَةٌ قَصَبَةٌ بِالْأُرْدُنِّ وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهَا طَبَرَانِيٌّ ( أَخْبِرُونِي عَنْ نَخْلِ بَيْسَانَ ) بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ وَهِيَ قَرْيَةٌ بِالشَّامِ قَرِيبَةٌ مِنَ الْأُرْدُنِّ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ ( الَّذِي بَيْنَ الْأُرْدُنِّ ) بِضَمَّتَيْنِ وَشَدِّ الدَّالِ كُورَةٌ بِالشَّامِ كَذَا فِي الْقَامُوسِ ( هَلْ أَطْعَمَ ) أَيْ أَثْمَرَ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : هَلْ يُثْمِرُ ؟ قُلْنَا لَهُ : نَعَمْ ، قَالَ : أَمَا إِنَّهَا يُوشِكُ أَنْ لَا تُثْمِرَ ( أَخْبِرُونِي عَنِ النَّبِيِّ هَلْ بُعِثَ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : أَخْبِرُونِي عَنْ نَبِيِّ الْأُمِّيِّينَ مَا فَعَلَ ؟ قَالُوا : قَدْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَنَزَلَ يَثْرِبَ ( فَنَزَى نَزْوَةً ) أَيْ وَثَبَ وَثْبَةً ( حَتَّى كَادَ ) أَيْ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنَ الْوِثَاقِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الْخَسْفِ 2183 حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ فُرَاتٍ الْقَزَّازِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ قَالَ : أَشْرَفَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غُرْفَةٍ ، وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ السَّاعَةَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَرَوْا عَشْرَ آيَاتٍ ؛ طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا ، وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ، وَالدَّابَّةَ ، وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ ؛ خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ تَسُوقُ النَّاسَ أَوْ تَحْشُرُ النَّاسَ فَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا ، وَتَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا . حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، نَحْوَهُ ، وَزَادَ فِيهِ : والدُّخَانَ . حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، نا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ فُرَاتٍ الْقَزَّازِ نَحْوَ حَدِيثِ وَكِيعٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، عَنْ شُعْبَةَ ، وَالْمَسْعُودِيِّ سَمِعَا فُرَاتا الْقَزَّازِ نَحْوَ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ فُرَاتٍ ، وَزَادَ فِيهِ : الدَّجَّالَ أَوْ الدُّخَانَ . حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، نا أَبُو النُّعْمَانِ الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعِجْلِيُّ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ فُرَاتٍ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ ، عَنْ شُعْبَةَ ، وَزَادَ فِيهِ : وَالْعَاشِرَةُ إِمَّا رِيحٌ تَطْرَحُهُمْ فِي الْبَحْرِ ، وَإِمَّا نُزُولُ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ . وَفِي الْبَاب عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَصَفِيَّةَ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . بَاب مَا جَاءَ فِي الْخَسْفِ قَوْلُهُ : ( عَنْ فُرَاتٍ الْقَزَّازِ ) هُوَ فُرَاتُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَزَّازُ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ مِنَ الْخَامِسَةِ ( عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ السِّينِ الْغِفَارِيِّ صَحَابِيٌّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو سَرِيحَةَ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ . قَوْلُهُ : ( أَشْرَفَ عَلَيْنَا ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : اطَّلَعَ عَلَيْنَا قَالَ فِي الْقَامُوسِ أَشْرَفَ عَلَيْهِ اطَّلَعَ مِنْ فَوْقَ ( مِنْ غُرْفَةٍ ) بِالضَّمِّ ، الْعَلِيَّةُ وَهِيَ بِالْفَارِسِيَّةِ بالأخانه وحجره بالاى حجره ، ( وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ ) أَيْ فِيمَا بَيْنَنَا ( السَّاعَةَ ) أَيْ أَمْرَ الْقِيَامَةِ وَاحْتِمَالَ قِيَامِهَا فِي كُلِّ سَاعَةٍ ( عَشْرَ آيَاتٍ ) أَيْ عَلَامَاتٍ ( وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ) بِأَلِفٍ فِيهِمَا وَيُهْمَزُ أَيْ خُرُوجَهُمَا ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا فِي بَابِ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ( وَالدَّابَّةَ ) وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ الْآيَةَ ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ هِيَ دَابَّةٌ عَظِيمَةٌ تَخْرُجُ مِنْ صَدْعٍ فِي الصَّفَا ، وَعَنِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أنَّهَا الْجَسَّاسَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الحَدِيثِ الدَّجَّالِ ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ . وَقَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : دَابَّةُ الْأَرْضِ قِيلَ طُولُهَا سِتُّونَ ذِرَاعًا ذَاتُ قَوَائِمَ وَوَبَرٍ ، وَقِيلَ هِيَ مُخْتَلِفَةُ الْخِلْقَةِ تُشْبِهُ عِدَّةً مِنَ الْحَيَوَانَاتِ يَنْصَدِعُ جَبَلُ الصَّفَا فَتَخْرُجُ مِنْهُ لَيْلَةَ جَمْعٍ ، وَالنَّاسُ سَائِرُونَ إِلَى مِنًى ، وَقِيلَ مِنْ أَرْضِ الطَّائِفِ وَمَعَهَا عَصَا مُوسَى وَخَاتَمُ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ لَا يُدْرِكُهَا طَالِبٌ وَلَا يُعْجِزُهَا هَارِبٌ ، تَضْرِبُ الْمُؤْمِنَ بِالْعَصَا وَتَكْتُبُ فِي وَجْهِهِ مُؤْمِنٌ ، وَتَطْبَعُ الْكَافِرَ بِالْخَاتَمِ وَتَكْتُبُ فِي وَجْهِهِ كَافِرٌ انْتَهَى ، اعْلَمْ أَنَّ الْمُفَسِّرِينَ قَدْ ذَكَرُوا لِدَابَّةِ الْأَرْضِ أَوْصَافًا كَثِيرَةً مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ مَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهَا ، فَكُلُّ مَا ثَبَتَ بِالْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ ، وَمَا لَا فَلَا اعْتِمَادَ عَلَيْهِ . ( وَثَلَاثَ خُسُوفٍ ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : قَدْ وُجِدَ الْخَسْفُ فِي مَوَاضِعَ لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْخُسُوفِ الثَّلَاثَةِ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى مَا وُجِدَ كَأَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ مَكَانًا وَقَدْرًا ( خَسْفٍ ) بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِمَّا قَبْلَهُ وَبِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِيرِ أَحَدِهَا أَوْ مِنْهَا ( مِنْ قَعْرِ عَدَنَ ) أَيْ أَقْصَى أَرْضِهَا وَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ وَقِيلَ مُنْصَرِفٌ بِاعْتِبَارِ الْبُقْعَةِ وَالْمَوْضِعِ فَفِي الْمَشَارِقِ عَدَنُ مَدِينَةٌ مَشْهُورَةٌ بِالْيَمَنِ ، وَفِي الْقَامُوسِ عَدَنُ مُحَرَّكَةٌ جَزِيرَةٌ بِالْيَمَنِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : تَخْرُجُ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : لَعَلَّهَا نَارَانِ تَجْتَمِعَانِ تَحْشُرَانِ النَّاسَ أَوْ يَكُونُ ابْتِدَاءُ خُرُوجِها مِنَ الْيَمَنِ وَظُهُورُهَا مِنَ الْحِجَازِ ، ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ( تَسُوقُ ) أَيْ تَطْرُدُ النَّارُ ( أَوْ تَحْشُرُ ) أَوْ لِلشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي وفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : تَسُوقُ النَّاسَ إِلَى الْمَحْشَرِ أَيْ إِلَى الْمَجْمَعِ وَالْمَوْقِفِ ، قِيلَ الْمُرَادُ مِنَ الْمَحْشَرِ أَرْضُ الشَّامِ إِذْ صَحَّ فِي الْخَبَرِ أَنَّ الْحَشْرَ يَكُونُ فِي أَرْضِ الشَّامِ ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَؤُهُ مِنْهَا أَوْ تُجْعَلَ وَاسِعَةً تَسَعُ خَلْقَ الْعَالَمِ فِيهَا قَالَهُ الْقَارِي ، ( وَتَقِيلُ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : قَالَ قِيلًا وَقَائِلَةً وَقَيْلُولَةً وَمَقَالًا وَمَقِيلًا وَتُقِيلُ نَامَ فِي نِصْفِ النَّهَارِ انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَزَادَ فِيهِ وَالدُّخَانَ ) قَالَ الطِّيبِيُّ - رحمه الله - هُوَ الَّذِي ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ وَذَلِكَ كَانَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ : إِنَّهُ يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ ، أنَّ الدُّخَانَ دُخَانٌ يَأْخُذُ بِأَنْفَاسِ الْكُفَّارِ وَيَأْخُذُ الْمُؤْمِنُ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ ، وَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ قَرِيبًا مِنْ قِيَامِ السَّاعَةِ ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه : إِنَّمَا هُوَ عِبَارَةٌ عَمَّا نَالَ قُرَيْشًا مِنَ الْقَحْطِ حَتَّى كَانُوا يَرَوْنَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ ، وَقَدْ وَافَقَ ابْنَ مَسْعُودٍ رضي الله عنه جَمَاعَةٌ ، وَقَالَ بِالْقَوْلِ الْآخَرِ حُذَيْفَةُ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَالْحَسَنُ وَرَوَاهُ حُذَيْفَةُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ يَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهمَا دُخَانَانِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الْآثَارِ انْتَهَى ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ قَالَ ابْنُ دِحْيَةَ : وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ الصَّحِيحُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى قَضِيَّتَيْنِ ، إِحْدَاهُمَا وَقَعَتْ وَكَانَتِ الْأُخْرَى سَتَقَعُ وَتَكُونُ ، فَأَمَّا الَّتِي كَانَتْ فَهِيَ الَّتِي كَانُوا يَرَوْنَ فِيهَا كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ ، غَيْرَ الدُّخَانِ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ ظُهُورِ الْآيَاتِ ، الَّتِي هِيَ مِنَ الْأَشْرَاطِ وَالْعَلَامَاتِ ، وَلَا يَمْتَنِعُ إِذَا ظَهَرَتْ هَذِهِ الْعَلَامَةُ أَنْ يَقُولُوا رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ فَيُكْشَفُ عَنْهُمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِقُرْبِ السَّاعَةِ ، وَقَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه لَمْ يُسْنِدْهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ تَفْسِيرِهِ ، وَقَدْ جَاءَ النَّصُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَافِهِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أنَّهُمَا دُخَانَانِ ، قَالَ مُجَاهِدٌ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه يَقُولُ هُمَا دُخَانَانِ ، قَدْ مَضَى أَحَدُهُمَا وَالَّذِي بَقِيَ يَمْلَأُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( نا أَبُو النُّعْمَانِ الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعِجْلِيُّ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو النُّعْمَانِ الْبَصْرِيُّ قِيلَ إِنَّهُ قَيْسِيٌّ أَوْ أَنْصَارِيٌّ أَوْ عِجْلِيٌّ ثِقَةٌ ، لَهُ أَوْهَامٌ مِنَ التَّاسِعَةِ . قَوْلُهُ : ( إِمَّا رِيحٌ تَطْرَحُهُمْ فِي الْبَحْرِ ) أَيْ تُلْقِيهِمْ فِيهِ ، قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ، وَصْفِيَّةَ ) أَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ رضي الله عنه وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُمَا التِّرْمِذِيُّ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ بَابِ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ صَفِيَّةَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ . اعْلَمْ أَنَّ الرِّوَايَاتِ قَدِ اخْتَلَفَتْ فِي تَرْتِيبِ الْآيَاتِ الْعَشْرِ وَلِذَا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَرْتِيبِهَا ، فَقَدْ قِيلَ إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ الدُّخَانُ ، ثُمَّ خُرُوجُ الدَّجَّالِ ، ثُمَّ نُزُولُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، ثُمَّ خُرُوجُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ، ثُمَّ خُرُوجُ الدَّابَّةِ ، ثُمَّ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا ، فَإِنَّ الْكُفَّارَ يُسْلِمُونَ فِي زَمَنِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حَتَّى تَكُونَ الدَّعْوَةُ وَاحِدَةً ، وَلَوْ كَانَتِ الشَّمْسُ طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا قَبْلَ خُرُوجِ الدَّجَّالِ وَنُزُولِهِ لَمْ يَكُنِ الْإِيمَانُ مَقْبُولًا مِنَ الْكُفَّارِ ، فَالْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ فَلَا يَرِدُ أَنَّ نُزُولَهُ قَبْلَ طُلُوعِهَا وَلَا مَا وَرَدَ أَنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ أَوَّلُ الْآيَاتِ ، وَقَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ قِيلَ : أَوَّلُ الْآيَاتِ الْخَسُوفَاتُ ، ثُمَّ خُرُوجُ الدَّجَّالِ ، ثُمَّ نُزُولُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، ثُمَّ خُرُوجُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ، ثُمَّ الرِّيحُ الَّتِي تُقْبَضُ عِنْدَهَا أَرْوَاحُ أَهْلِ الْإِيمَانِ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَخْرُجُ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا ، ثُمَّ تَخْرُجُ دَابَّةُ الْأَرْضِ ، ثُمَّ يَأْتِي الدُّخَانُ ، قَالَ صَاحِبُ فَتْحِ الْوَدُودِ وَالْأَقْرَبُ فِي مِثْلِهِ التَّوَقُّفُ وَالتَّفْوِيضُ إِلَى عَالِمِهِ انْتَهَى . قُلْتُ : ذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَذْكِرَتِهِ مِثْلَ هَذَا التَّرْتِيبِ إِلَّا أَنَّهُ جَعَلَ الدَّجَّالَ مَكَانَ الدُّخَانِ . وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ ، عَنِ الْحَاكِمِ مِثْلَ تَرْتِيبِ الْقُرْطُبِيِّ وَجَعَلَ خُرُوجَ الدَّابَّةِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا ، فَالظَّاهِرُ بَلِ الْمُتَعَيِّنُ هُوَ مَا قَالَ صَاحِبُ فَتْحِ الْوَدُودِ مِنْ أَنَّ الْأَقْرَبَ فِي مِثْلِهِ هُوَ التَّوَقُّفُ وَالتَّفْوِيضُ إِلَى عَالِمِهِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
2185 حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، نا صَيْفِيُّ بْنُ رِبْعِيٍّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَكُونُ فِي آخِرِ هذه الْأُمَّةِ خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ ، قَالَتْ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ، قَالَ : نَعَمْ ، إِذَا ظَهَرَ الْخُبْثُ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ تَكَلَّمَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ . قَوْلُهُ : ( نا صَيْفِيُّ بْنُ رِبْعِيٍّ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ الْأَنْصَارِيُّ أَبُو هِشَامٍ الْكُوفِيِّ صَدُوقٌ يَهِمُ مِنْ التَّاسِعَةِ ( عَنْ عبدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ) هو العمري ، عن عبيد الله هُوَ عَبْيدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْعُمَرِيُّ الْمَدَنِيُّ أَبُو عُثْمَانَ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ قَدَّمَهُ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ عَلَى مَالِكٍ فِي نَافِعٍ ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ مَعِينٍ فِي الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ عَلَى الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْهَا ، مِنَ الْخَامِسَةِ ; قَالَهُ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ : رَوَى عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهِ وَعَنْهُ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ وَغَيْرُهُ ( عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ ) بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ التَّيْمِيِّ ، ثِقَةٌ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ بِالْمَدِينَةِ ، قَالَ أَيُّوبُ : مَا رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْهُ ، مِنْ كِبَارِ الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ : ( خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : خَسَفَ الْمَكَانُ يَخْسِفُ خُسُوفًا ذَهَبَ فِي الْأَرْضِ ، وَقَالَ مَسَخَهُ كَمَنَعَهُ حَوَّلَ صُورَتَهُ إِلَى أُخْرَى أَقْبَحَ ، وَقَالَ قَذَفَ بِالْحِجَارَةِ يَقْذِفُ رَمَى بِهَا ( أَنَهْلَكُ ) بِفَتْحِ اللَّامِ مِنَ الْإِهْلَاكِ أَوْ بِكَسْرِ اللَّامِ مِنَ الْهَلَاكِ ( وَفِينَا الصَّالِحُونَ ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ( إِذَا ظَهَرَ الْخَبَثُ ) هُوَ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالْبَاءِ وَفَسَّرَهُ الْجُمْهُورُ بِالْفُسُوقِ وَالْفُجُورِ ، وَقِيلَ الْمُرَادُ الزِّنَا خَاصَّةً ، وَقِيلَ أَوْلَادُ الزِّنَا ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الْمَعَاصِي مُطْلَقًا ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْخَبَثَ إِذَا كَثُرَ فَقَدْ يَحْصُلُ الْهَلَاكُ الْعَامُّ ، وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ صَالِحُونَ ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ . قَوْلُهُ : ( وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ تَكَلَّمَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ ) اعْلَمْ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ الْعُمَرِيَّ مُكَبَّرًا وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ الْعُمَرِيَّ مُصَغَّرًا أَخَوَانِ ، فَالْمُكَبَّرُ ضَعِيفٌ وَالْمُصَغَّرُ ثِقَةٌ .
2184 حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نا أَبُو نُعَيْمٍ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْمُرْهِبِيِّ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صَفْوَانَ ، عَنْ صَفِيَّةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَنْتَهِي النَّاسُ عَنْ غَزْوِ هَذَا الْبَيْتِ حَتَّى يَغْزُوَ جَيْشٌ ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْبَيْدَاءِ ، وبِبَيْدَاءَ مِنْ الْأَرْضِ خُسِفَ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ ، وَلَمْ يَنْجُ أَوْسَطُهُمْ ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَمَنْ كَرِهَ مِنْهُمْ ، قَالَ : يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمْ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ) الْحَضْرَمِيِّ أَبِي يَحْيَى الْكُوفِيِّ ثِقَةٌ مِنَ الرَّابِعَةِ ( عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْمُرْهِبِيِّ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْهَاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ الْكُوفِيُّ ، اسْمُهُ سَوَّارٌ أَوْ مُسَاوِرٌ صَدُوقٌ يَتَشَيَّعُ مِنْ الرَّابِعَةِ ( عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صَفْوَانَ ) مَجْهُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ فِي هَامِشِ الْخُلَاصَةِ نَقْلًا عَنِ التَّهْذِيبِ : وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْبَيْدَاءِ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ ( أَوْ بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي وَفِي حَدِيثِ حَفْصَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ . قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ : الْبَيْدَاءُ كُلُّ أَرْضٍ مَلْسَاءُ لَا شَيْءَ بِهَا ( خُسِفَ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ وَلَمْ يَنْجُ أَوْسَطُهُمْ ) أَيْ يَقَعُ الْهَلَاكُ فِي الدُّنْيَا عَلَى جَمِيعِهِمْ ( فَمَنْ كَرِهَ مِنْهُمْ قَالَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمْ ) وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : فَكَيْفَ بِمَنْ كَانَ كَارِهًا ؟ قَالَ يُخْسَفُ بِهِ مَعَهُمْ وَلَكِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى نِيَّتِهِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ أَيْ يُبْعَثُونَ مُخْتَلِفِينَ عَلَى قَدْرِ نِيَّاتِهِمْ فَيُجَازَوْنَ بِحَسَبِهَا ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ التَّبَاعُدُ مِنْ أَهْلِ الظُّلْمِ ، وَالتَّحْذِيرُ مِنْ مُجَالَسَتِهِمْ وَمُجَالَسَةِ الْبُغَاةِ وَنَحْوِهِمْ مِنَ الْمُبْطِلِينَ ، لِئَلَّا يَنَالُهُ مَا يُعَاقَبُونَ بِهِ وَفِيهِ أنَّ مَنْ كَثَّرَ سَوَادَ قَوْمٍ جَرَى عَلَيْهِمْ حُكْمُهُمْ فِي ظَاهِرِ عُقُوبَاتِ الدُّنْيَا انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَةِ مُسْلِمِ بْنِ صَفْوَانَ : رَوَى عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَنْتَهِي النَّاسُ عَنْ غَزْوِ هَذَا الْبَيْتِ ، وَرَوَى عَنْهُ أَبُو إِدْرِيسَ الْمُرْهِبِيُّ ، صَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَهُ ، قَالَ الْحَافِظُ وَهُوَ مَعْلُولٌ انْتَهَى . قُلْتُ : لَمْ يَذْكُرْ وَجْهَ كَوْنِهِ مَعْلُولًا ، فَإِنْ كَانَ وَجْهُهُ جَهَالَةَ مُسْلِمِ بْنِ صَفْوَانَ ، فَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّ ابْنَ حِبَّانَ وَثَّقَهُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
بَاب مَا جَاءَ فِي النَّهْيِ عَنْ سَبِّ الرِّيَاحِ 2252 حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، نَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ ذَرٍّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ فَقُولُوا : اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرِّيحِ وَخَيْرِ مَا فِيهَا وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الرِّيحِ وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ . وَفِي الْبَاب عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَأَنَسٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . ( بَاب مَا جَاءَ فِي النَّهْيِ عَنْ سَبِّ الرِّيَاحِ ) قَوْلُهُ : ( عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبِ ) بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيِّ الْخَزْرَجِيِّ ، كُنْيَتُهُ أَبُو الْمُنْذِرِ سَيِّدُ الْقُرَّاءِ ، وَيُكَنَّى أَبَا الطُّفَيْلِ أَيْضًا مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ اخْتُلِفَ فِي سَنَةِ مَوْتِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا قِيلَ : سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ ، وَقِيلَ : سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ ) فَإِنَّ الْمَأْمُورَ مَعْذُورٌ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ : لَا تَلْعَنُوا الرِّيحَ فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ ، وَإِنَّهُ مَنْ لَعَنَ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ ( فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ ) أَيْ رِيحًا تَكْرَهُونَهَا لِشِدَّةِ حَرَارَتِهَا أَوْ بُرُودَتِهَا أَوْ تَأَذَّيْتُمْ لِشِدَّةِ هُبُوبِهَا ( فَقُولُوا ) أي رَاجِعِينَ إِلَى خَالِقِهَا وَآمِرِهَا ( اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرِّيحِ ) أَيْ خَيْرِ ذَاتِهَا ( وَخَيْرِ مَا فِيهَا ) أَيْ مِنْ مَنَافِعِهَا كُلِّهَا ( وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ ) أَيْ بِخُصُوصِهَا فِي وَقْتِهَا ، وَهُوَ بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : يُحْتَمَلُ الْفَتْحُ عَلَى الْخِطَابِ ( وَشَرُّ مَا أُمِرَتْ بِهِ ) عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ لِيَكُونَ مِنْ قَبِيلِ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدِكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ إِلَخْ ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ كَذَا فِي الْمِشْكَاةِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ اللَّعْنَةِ مِنْ أَبْوَابِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ ، وَأَمَّا أَحَادِيثُ بَقِيَّةِ الصَّحَابَةِ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهَا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ .
2251 حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، نَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ وَهُوَ ابْنُ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ : صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ صَلَاةَ الْعِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ : أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ . قَالَ ابْنُ عُمَرَ : فَوَهِلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ فِيمَا يَتَحَدَّثُونَهُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ نحو مِائَةِ سَنَةٍ ، وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَنْخَرِمَ ذَلِكَ الْقَرْنُ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : أَبُو بَكْرِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَيْفَةَ الْعَدَوِيُّ الْمَدَنِيُّ ثِقَةٌ عَارِفٌ بِالنَّسَبِ مِنَ الرَّابِعَةِ . قَوْلُهُ : ( فِي آخِرِ حَيَاتِهِ ) جَاءَ مُقَيَّدًا فِي رِوَايَةِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ مَوْتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَهْرٍ ( فَقَالَ أَرَأَيْتَكُمْ ) قَالَ الْحَافِظُ : هُوَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ لِأَنَّهَا ضَمِيرُ الْمُخَاطَبِ وَالْكَافُ ضَمِيرٌ ثَانٍ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ ، وَالْهَمْزَةُ الْأُولَى لِلِاسْتِفْهَامِ . وَالرُّؤْيَةُ بِمَعْنَى الْعِلْمِ أَوِ الْبَصَرِ ، وَالْمَعْنَى أُعْلِمْتُمْ أَوْ أَبْصَرْتُمْ لَيْلَتَكُمْ وَهِيَ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ ، وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ قَالُوا نَعَمْ قَالَ : فَاضْبُطُوهَا انْتَهَى . ( عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ ) أَيْ عِنْدَ انْتِهَاءِ مِائَةِ سَنَةٍ ( لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ ) أَيْ لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِمَّنْ هُوَ مَوْجُودٌ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ ( فَوَهَلَ النَّاسُ ) بِفَتْحِ الْهَاءِ أَيْ غَلِطُوا ، يُقَالُ : وَهَلَ بِفَتْحِ الْهَاءِ يَهِلُ بِكَسْرِهَا وَهَلًا أَيْ غَلِطَ وَذَهَبَ وَهْمُهُ إِلَى خِلَافِ الصَّوَابِ ، وَأَمَّا وَهِلْتُ بِكَسْرِهَا أَوْهَلُ بِفَتْحِهَا وَهَلًا كَحَذِرْتُ أَحْذَرُ حَذَرًا فَمَعْنَاهُ فَزِعْتُ ، وَالْوَهَلُ بِالْفَتْحِ الْفَزَعُ ( فِي مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ فِيمَا يَتَحَدَّثُونَهُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ نَحْوَ مِائَةِ سَنَةٍ ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : فَوَهِلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَا يَتَحَدَّثُونَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ قَالَ الْحَافِظُ : لِأَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ يَقُولُ : إِنَّ السَّاعَةَ تَقُومُ عِنْدَ تَقَضِّي مِائَةُ سَنَةٍ ، كَمَا رَوَى ذَلِكَ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ ، وَرَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ انْتَهَى ، ( يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَنْخَرِمَ ذَلِكَ الْقَرْنُ ) قَالَ الْحَافِظُ : قَدْ بَيَّنَ ابْنُ عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُرَادَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّ مُرَادَهُ أَنَّ عِنْدَ انْقِضَاءِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْ مَقَالَتِهِ تِلْكَ يَنْخَرِمُ ذَلِكَ الْقَرْنُ فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ مِمَّنْ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ تِلْكَ الْمَقَالَةِ ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ بِالِاسْتِقْرَاءِ فَكَانَ آخِرُ مَنْ ضَبَطَ أَمْرَهُ مِمَّنْ كَانَ مَوْجُودًا حِينَئِذٍ أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ ، وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ آخِرَ الصَّحَابَةِ مَوْتًا ، وَغَايَةُ مَا قِيلَ فِيهِ أَنَّهُ بَقِيَ إِلَى سَنَةِ عَشْرٍ وَمِائَةٍ وَهِيَ رَأْسُ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْ مَقَالَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .
باب : 2250 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا عَلَى الْأَرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ يَعْنِي الْيَوْمَ يَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ ، وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَبُرَيْدَةَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ( بَابٌ ) قَوْلُهُ : ( مَا عَلَى الْأَرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ ) أَيْ مَوْلُودَةٌ ( يَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ عَلَى الْأَرْضِ لَا يَعِيشُ بَعْدَهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ سَنَةٍ سَوَاءٌ قَلَّ عُمُرُهُ قَبْلَ ذَلِكَ أَمْ لَا ، وَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ عَيْشِ أَحَدٍ يُوجَدُ بَعْدَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَوْقَ مِائَةِ سَنَةٍ ، وَمَعْنَى نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ أَيْ مَوْلُودَةٍ وَفِيهِ احْتِرَازٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ فِي بَابِ السَّمَرِ فِي الْفِقْهِ وَالْخَيْرِ بَعْدَ الْعِشَاءِ : قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ : احْتَجَّ الْبُخَارِيُّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَوْتِ الْخَضِرِ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ ، وَأَجَابُوا عَنْهُ بِأَنَّ الْخَضِرَ كَانَ حِينَئِذٍ مِنْ سَاكِنِي الْبَحْرِ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْحَدِيثِ ، قَالُوا : وَمَعْنَى الْحَدِيثِ لَا يَبْقَى مِمَّنْ تَرَوْنَهُ أَوْ تَعْرِفُونَهُ فَهُوَ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ وَقِيلَ : احْتَرَزَ بِالْأَرْضِ عَنِ الْمَلَائِكَةِ ، وَقَالُوا : خَرَجَ عِيسَى مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ حَيٌّ لِأَنَّهُ فِي السَّمَاءِ لَا فِي الْأَرْضِ وَخَرَجَ إِبْلِيسُ لِأَنَّهُ عَلَى الْمَاءِ أَوْ فِي الْهَوَاءِ ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ إِنَّ اللَّامَ فِي الْأَرْضِ عَهْدِيَّةٌ وَالْمُرَادُ أَرْضُ الْمَدِينَةِ ، وَالْحَقُّ أَنَّهَا لِلْعُمُومِ وَتَتَنَاوَلُ جَمِيعَ بَنِي آدَمَ ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ الْمُرَادُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ سَوَاءٌ أُمَّةُ الْإِجَابَةِ وَأُمَّةُ الدَّعْوَةِ وَخَرَجَ عِيسَى وَالْخَضِرُ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أُمَّتِهِ فَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ لِأَنَّ عِيسَى يَحْكُمُ بِشَرِيعَتِهِ فَيَكُونُ مِنْ أُمَّتِهِ ، وَالْقَوْلُ فِي الْخَضِرِ إِنْ كَانَ حَيًّا كَالْقَوْلِ فِي عِيسَى ، وَقَالَ فِي بَابِ حَدِيثِ الْخَضِرِ مَعَ مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ : وَالَّذِي جَزَمَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ الْآنَ الْبُخَارِيُّ ، وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ ، وَأَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْمُنَادِي ، وَأَبُو يَعْلَى بْنُ الْفَرَّاءِ ، وَأَبُو طَاهِرٍ الْعَبَّادِيُّ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ وَطَائِفَةٌ . وَعُمْدَتُهُمُ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَجَابِرٍ وَغَيْرِهِمَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ : لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهَا الْيَوْمَ أَحَدٌ ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ : أَرَادَ بِذَلِكَ انْخِرَامَ قَرْنِهِ . وَمِنْ حُجَجِ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ : مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا أَخَذَ عَلَيْهِ الْمِيثَاقَ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وَهُوَ حَيٌّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ وَلَيَنْصُرَنَّهُ ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَلَمْ يَأْتِ فِي خَبَرٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا قَاتَلَ مَعَهُ ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ : اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ لَا تُعْبَدُ فِي الْأَرْضِ ، فَلَوْ كَانَ الْخَضِرُ مَوْجُودًا لَمْ يَصِحَّ هَذَا النَّفْيُ . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى لَوَدِدْنَا لَوْ كَانَ صَبَرَ حَتَّى يَقُصَّ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا ، فَلَوْ كَانَ الْخَضِرُ مَوْجُودًا لَمَا حَسُنَ هذا التَّمَنِّي وَلَأَحْضَرَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَرَاهُ الْعَجَائِبَ ، وَكَانَ أَدْعَى لِإِيمَانِ الْكَفَرَةِ لَا سِيَّمَا أَهْلُ الْكِتَابِ . وَجَاءَ فِي اجْتِمَاعِهِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ كَلَامًا فَقَالَ : يَا أَنَسُ اذْهَبْ إِلَى هَذَا الْقَائِلِ فَقُلْ لَهُ يَسْتَغْفِرُ لِي فَذَهَبَ إِلَيْهِ فَقَالَ : قُلْ لَهُ إِنَّ اللَّهَ فَضَّلَكَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِمَا فَضَّلَ بِهِ رَمَضَانَ عَلَى الشُّهُورِ ، قَالَ : فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ فَإِذَا هُوَ الْخَضِرُ إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ . ثُمَّ ذَكَرَ الْحَافِظُ أَحَادِيثَ وَآثَارًا مَعَ الْكَلَامِ عَلَى كُلِّ وِاحِدٍ مِنْهَا ثُمَّ قَالَ : وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ فِي تَارِيخِهِ وَأَبُو عَرُوبَةَ مِنْ طَرِيقِ رِيَاحٍ ـ بِالتَّحْتَانِيَّةِ ـ ابْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ : رَأَيْتُ رَجُلًا يُمَاشِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ مُعْتَمِدًا عَلَى يَدَيْهِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ لَهُ : مَنِ الرَّجُلُ ؟ قَالَ : رَأَيْتُهُ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : أَحْسِبُكَ رَجُلًا صَالِحًا ذَاكَ أَخِي الْخَضِرُ بَشَّرَنِي أَنِّي سَأُوَلَّى وَأَعْدِلُ ، لَا بَأْسَ بِرِجَالِهِ ، وَلَمْ يَقَعْ لِي إِلَى الْآنَ خَبَرٌ وَلَا أَثَرٌ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ غَيْرُهُ ، وَهَذَا لَا يُعَارِضُ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ فِي مِائَةِ سَنَةٍ فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ الْمِائَةِ ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . قُلْتُ : الْقَوْلُ الرَّاجِحُ عِنْدِي هُوَ مَا جَزَمَ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَمْ أَرَ حَدِيثًا مَرْفُوعًا صَحِيحًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخَضِرَ مَوْجُودٌ الْآنَ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَبُرَيْدَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ هَذَا ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْهُ قَالَ : لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَبُوكَ سَأَلُوهُ عَنِ السَّاعَةِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَأْتِي مِائَةُ سَنَةٍ وَعَلَى الْأَرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ الْيَوْمَ ، وَأَمَّا حَدِيثُ بُرَيْدَةَ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
بَاب : مَا جَاءَ فِي ذِكْرِ ابْنِ صياد 2246 - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ ، نا عَبْدُ الْأَعْلَى ، عَنْ الْجُرَيْرِيِّ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : صَحِبَنِي ابْنُ صيادٍ إِمَّا حُجَّاجًا وَإِمَّا مُعْتَمِرِينَ ، فَانْطَلَقَ النَّاسُ وَتُرِكْتُ أَنَا وَهُوَ ، فَلَمَّا خَلَصْتُ بِهِ اقْشَعْرَرْتُ مِنْهُ وَاسْتَوْحَشْتُ مِنْهُ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ فِيهِ ، فَلَمَّا نَزَلْتُ قُلْتُ لَهُ : ضَعْ مَتَاعَكَ حَيْثُ تِلْكَ الشَّجَرَةِ ، قَالَ : فَأَبْصَرَ غَنَمًا فَأَخَذَ الْقَدَحَ فَانْطَلَقَ فَاسْتَحْلَبَ ثُمَّ أَتَانِي بِلَبَنٍ ، فَقَالَ لِي : يَا أَبَا سَعِيدٍ اشْرَبْ ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَشْرَبَ عن يَدِهِ شَيْئًا لِمَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهِ ، فَقُلْتُ لَهُ : هَذَا الْيَوْمُ يَوْمٌ صَائِفٌ وَإِنِّي أَكْرَهُ فِيهِ اللَّبَنَ ، فقَالَ : يَا أَبَا سَعِيدٍ لقد هَمَمْتُ أَنْ آخُذَ حَبْلًا فَأُوثِقَهُ إِلَى الشَجَرَةٍ ثُمَّ أَخْتَنِقَ لِمَا يَقُولُ النَّاسُ لِي وَفِيَّ ، أَرَأَيْتَ مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ حَدِيثِي فَلَنْ يَخْفَى عَلَيْكُمْ ، أنتم أَعْلَمَ النَّاسِ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ كَافِرٌ ، وَأَنَا مُسْلِمٌ ، أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ عَقِيمٌ لَا يُولَدُ لَهُ ، وَقَدْ خَلَّفْتُ وَلَدِي بِالْمَدِينَةِ ، أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَحِلُّ لَهُ مَكَّةُ ، أَلَسْتُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَهُوَ ذَا أَنْطَلِقُ مَعَكَ إِلَى مَكَّةَ ، قال : فَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَجِيءُ بِهَذَا حَتَّى قُلْتُ : فَلَعَلَّهُ مَكْذُوبٌ عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا أَبَا سَعِيدٍ وَاللَّهِ لَأُخْبِرَنَّكَ خَبَرًا حَقًّا ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْرِفُهُ وَأَعْرِفُ وَالِدَهُ وأَيْنَ هُوَ السَّاعَةَ مِنْ الْأَرْضِ ، فَقُلْتُ : تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : يُقَالُ لَهُ ابْنُ صَيَّادٍ وَابْنُ صَائِدٍ وَسُمِّيَ بِهَما فِي الْأَحَادِيثِ وَاسْمُهُ صَافٍ ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَقِصَّتُهُ مُشْكِلَةٌ وَأَمْرُهُ مُشْتَبِهٌ فِي أَنَّهُ هَلْ هُوَ الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ الْمَشْهُورُ أَمْ غَيْرُهُ ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ دَجَّالٌ مِنَ الدَّجَاجِلَةِ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ بِأَنَّهُ الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ وَلَا غَيْرُهُ ، وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ بِصِفَاتِ الدَّجَّالِ ، وَكَانَ فِي ابْنِ صَيَّادٍ قَرَائِنُ مُحْتَمَلَةٌ ، فَلِذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَقْطَعُ بِأَنَّهُ الدَّجَّالُ وَلَا غَيْرُهُ ، وَلِهَذَا قَالَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ : إِنْ يَكُنْ هُوَ فَلَنْ تَسْتَطِيعَ قَتْلَهُ ، وَأَمَّا احْتِجَاجُهُ بِأَنَّهُ هُوَ مُسْلِمٌ وَالدَّجَّالُ كَافِرٌ ، وَبِأَنَّهُ لَا يُولَدُ لِلدَّجَّالِ وَقَدْ وُلِدَ لَهُ بَنُونَ ، وَأَن لَا يَدْخُلُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ ، وَأَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى مَكَّةَ فَلَا دَلَالَةَ لَهُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ صِفَاتِهِ وَقْتَ فِتْنَتِهِ وَخُرُوجِهِ فِي الْأَرْضِ ، وَمِنَ اشْتِبَاهِ قِصَّتِهِ وَكَوْنِهِ أَحَدَ الدَّجَاجِلَةِ الْكَذَّابِينَ قَوْلُهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ، وَدَعْوَاهُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ صَادِقٌ وَكَاذِبٌ ، وَأَنَّهُ يَرَى عَرْشًا فَوْقَ الْمَاءِ ، وَأَنَّهُ لَا يَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الدَّجَّالُ ، وَأَنَّهُ يَعْرِفُ مَوْضِعَهُ ، وَقَوْلُهُ : إِنِّي لَأَعْرِفُهُ وَأَعْرِفُ مَوْلِدَهُ وَأَيْنَ هُوَ الْآنَ ، وَانْتِفَاخَهُ حَتَّى مَلَأَ السِّكَّةَ ، وَأَمَّا إِظْهَارُهُ الْإِسْلَامَ وَحَجُّهُ وَجِهَادُهُ وَإِقْلَاعُهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي أَنَّهُ غَيْرُ الدَّجَّالِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي أَمْرِهِ بَعْدَ كِبَرِهِ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ تَابَ مِنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ ، وَأَنَّهُمْ لَمَّا أَرَادُوا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ كَشَفُوا عَنْ وَجْهِهِ حَتَّى رَآهُ النَّاسُ ، وَقِيلَ لَهُمُ اشْهَدُوا ، قَالَ : وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ، وَجَابِرٌ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُمَا يَحْلِفَانِ أَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالُ لَا يَشُكَّانِ فِيهِ ، فَقِيلَ لِجَابِرٍ : إِنَّهُ أَسْلَمَ فَقَالَ : وَإِنْ أَسْلَمَ ، فَقِيلَ : إِنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ ، فَقَالَ : وَإِنْ دَخَلَ ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : فَقَدْنَا ابْنَ صَيَّادٍ يَوْمَ الْحِرَّةِ ، وَهَذَا يُبْطِلُ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى أَنَّهُ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَلَفَ بِاللَّهِ تَعَالَى أَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالُ وَأَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : وَاللَّهِ مَا أَشُكُّ أَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ هُوَ الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ الْبَعْثُ وَالنُّشُورُ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَمْرِ ابْنِ صَيَّادٍ اخْتِلَافًا كَثِيرًا هَلْ هُوَ الدَّجَّالُ ؟ قَالَ : وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ غَيْرُهُ احْتَجَّ بِحَدِيثِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ فِي قِصَّةِ الْجَسَّاسَةِ الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا قَالَ : وَيَجُوزُ أَنْ تُوَافِقَ صِفَةُ ابْنِ صَيَّادٍ صِفَةَ الدَّجَّالِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ أَشْبَهَ النَّاسِ بِالدَّجَّالِ ، عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ قَطَنٍ وَلَيْسَ هُوَ هُوَ ، قَالَ : وَكَانَ أَمْرُ ابْنِ صَيَّادٍ فِتْنَةً ابْتَلَى اللَّهُ تَعَالَى بِهَا عِبَادَهُ ، فَعَصَمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا الْمُسْلِمِينَ وَوَقَاهُمْ شَرَّهَا ، قَالَ : وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَكْثَرُ مِنْ سُكُوتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَوْلُ عُمَرَ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ كَالْمُتَوَقِّفِ فِي أَمْرِهِ ثُمَّ جَاءَهُ الْبَيَانُ أَنَّهُ غَيْرُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ تَمِيمٍ ، هَذَا كَلَامُ الْبَيْهَقِيِّ ، وَاخْتَارَ أَنَّهُ غَيْرُهُ ، وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ صَحَّ عَنْ عمر ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَجَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ الدَّجَّالُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ لَمْ يَقْتُلْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَنَّهُ ادَّعَى بِحَضْرَتِهِ النُّبُوَّةَ ؟ فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ كَانَ غَيْرَ بَالِغٍ ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هَذَا الْجَوَابَ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ كَانَ فِي أَيَّامِ مُهَادَنَةِ الْيَهُودِ وَحُلَفَائِهِمْ ، وَجَزَمَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ بِهَذَا الْجَوَابِ الثَّانِي ، قَالَ : لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ كَتَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَهُودِ كِتَابَ صُلْحٍ عَلَى أَنْ لَا يُهَاجُوا وَيُتْرَكُوا عَلَى أَمْرِهِمْ ، وَكَانَ ابْنُ صَيَّادٍ مِنْهُمْ أَوْ دَخِيلًا فِيهِمْ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ ) هُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ الرَّوَّاسِيُّ ( نا عَبْدُ الْأَعْلَى ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْبَصْرِيُّ الشَّامِيُّ ( عَنِ الْجَرِيرِيِّ ) هُوَ سَعِيدُ بْنُ إِيَاسٍ ( عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ) هُوَ الْعَبْدِيُّ . قَوْلُهُ ( إِمَّا حُجَّاجًا وَإِمَّا مُعْتَمِرِينَ ) حَالٌ مِنْ فَاعِلِ صَحِبَ وَمَفْعُولُهُ ( وَتُرِكَتْ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( فَلَمَّا خَلَصَتْ بِهِ ) أَيِ انْفَرَدَتْ بِهِ ( اقْشَعْرَرَتْ مِنْهُ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ أَخَذَتْهُ قُشَعْرِيرَةٌ أَيْ رِعْدَةٌ ( حَيْثُ تِلْكَ الشَّجَرَةُ ) أَيْ عِنْدَهَا ( هَذَا الْيَوْمُ يَوْمٌ صَائِفٌ ) أَيْ حَارٌّ ( ثُمَّ أَخْتَنِقُ ) أَيْ أَعْصِرُ حَلْقِي بِذَلِكَ الْحَبْلِ وَأَمُوتُ ( وَهُوَ ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ ( ذَا ) أَيِ ابْنُ صَيَّادٍ وَفِيهِ الْتِفَاتٌ مِنَ التَّكَلُّمِ إِلَى الْغَيْبَةِ ( فَلَعَلَّهُ مَكْذُوبٌ عَلَيْهِ ) أَيْ ظَنَنْتُ أَنَّ مَا يَقُولُهُ النَّاسُ فِي حَقِّهِ مِنْ أَنَّهُ دَجَّالٌ هُوَ كَذِبٌ عَلَيْهِ ( وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْرِفُهُ وَأَعْرِفُ وَالِدَهُ وَأَيْنَ هُوَ السَّاعَةَ مِنَ الْأَرْضِ ) زَادَ مُسْلِمٌ : قَالَ فَلَبَسَنِي ، قَالَ النَّوَوِيُّ : بِالتَّخْفِيفِ : أَيْ جَعَلَنِي أَلْتَبِسُ فِي أَمْرِهِ وَأَشُكُّ فِيهِ ، قَالَ الْقَارِي : يَعْنِي حَيْثُ قَالَ أَوَّلًا : أَنَا مُسْلِمٌ ثُمَّ ادَّعَى الْغَيْبَ بِقَوْلِهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ ، وَمَنِ ادَّعَى عِلْمَ الْغَيْبِ فَقَدْ كَفَرَ ، فَالْتَبَسَ عَلَيَّ إِسْلَامُهُ وَكُفْرُهُ ( فَقُلْتُ : تَبًّا لَكَ ) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ هَلَاكًا وَخُسْرَانًا ( سَائِرَ الْيَوْمِ ) أَيْ جَمِيعَ الْيَوْمِ أَوْ بَاقِيهِ أَيْ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْيَوْمِ قَدْ خَسِرْتُ فِيهِ فَكَذَا فِي بَاقِيهِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
2249 - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، نا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِابْنِ صَيَّادٍ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ منهم عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ عِنْدَ أُطُمِ بَنِي مَغَالَةَ ، وَهُوَ غُلَامٌ ، فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ : أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ ، قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الْأُمِّيِّينَ ، قال : ثُمَّ قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا يَأْتِيكَ ؟ قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ : يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خُلِّطَ عَلَيْكَ الْأَمْرُ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي قد خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا ، وَخَبَأَ لَهُ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ : وهُوَ الدُّخُّ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ ، قَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنْ يَكُ حَقًّا فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَا يَكُ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ - قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : يَعْنِي الدَّجَّالَ قَوْلُهُ : ( عِنْدَ أُطُمٍ ) بِضَمَّتَيْنِ ، الْقَصْرُ وَكُلُّ حِصْنٍ مَبْنِيٌّ بِحِجَارَةٍ وَكُلُّ بَيْتٍ مُرَبِّعٍ مُسَطَّحٍ ، الْجَمْعُ آطَامٌ وَأُطُومٌ ( بَنِي مَغَالَةَ ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : هَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بَنِي مَغَالَةَ وَفِي بَعْضِهَا ابْنُ مَغَالَةَ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ ، وَالْمَغَالَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ، وَذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَة الْحَسَنَ الْحَلْوَانِيَّ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ أَنَّهُ أُطُمُ بَنِي مُعَاوِيَةَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : الْمَشْهُورُ الْمَعْرُوفُ هُوَ الْأَوَّلُ ، قَالَ الْقَاضِي : وَبَنُو مَغَالَةَ كُلُّ مَا كَانَ عَلَى يَمِينِكَ إِذَا وَقَفْتَ آخِرَ الْبَلَاطِ مُسْتَقْبِلَ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَهُوَ غُلَامٌ ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : وَقَدْ قَارَبَ ابْنُ صَيَّادٍ يَوْمَئِذٍ الْحُلُمَ ( فَلَمْ يَشْعُرْ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ( ظَهْرَهُ ) أَيْ ظَهْرَ ابْنِ صَيَّادٍ ( ثُمَّ قَالَ ) أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الْأُمِّيِّينَ ) قَالَ الْقَاضِي : يُرِيدُ بِهِمُ الْعَرَبَ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَهُمْ كَانُوا لَا يَكْتُبُونَ وَلَا يَقْرَءُونَ ، وَمَا ذَكَرَهُ وَإِنْ كَانَ حَقًّا مِنْ قِبَلِ الْمَنْطُوقِ لَكِنَّهُ يُشْعِرُ بِبَاطِلٍ مِنْ حَيْثُ الْمَفْهُومِ ، وَهُوَ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالْعَرَبِ غَيْرُ مَبْعُوثٍ إِلَى الْعَجَمِ كَمَا زَعَمَهُ بَعْضُ الْيَهُودِ ، وَهُوَ إِنْ قَصَدَ بِهِ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُلْقِي إِلَيْهِ الْكَاذِبُ الَّذِي يَأْتِيهِ وَهُوَ شَيْطَانُهُ ، انْتَهَى ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَقَالَ : لَا ، بَلْ تَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ( فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرَسلِهِ ) قَالَ الطِّيبِيُّ : الْكَلَامُ خَارِجٌ عَلَى إِرْخَاءِ الْعِنَانِ ، أَيْ آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ، فَتَفَكَّرْ هَلْ أَنْتَ مِنْهُمْ ، انْتَهَى ، قَالَ الْقَارِي : وَفِيهِ إِبْهَامُ تَجْوِيزِ التَّرَدُّدِ فِي كَوْنِهِ مِنَ الرُّسُلِ أَمْ لَا ، وَلَا يَخْفَى فَسَادُهُ . فَالصَّوَابُ أَنَّهُ عَمِلَ بِالْمَفْهُومِ كَمَا فَعَلَهُ الدَّجَّالُ ، فَالْمَعْنَى أَنِّي آمَنْتُ بِرُسُلِهِ وَأَنْتَ لَسْتَ مِنْهُمْ فَلَوْ كُنْتَ مِنْهُمْ لَآمَنْتُ بِكَ ، وَهَذَا أَيْضًا عَلَى الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ ، وَإِلَّا فَبَعْدَ الْعِلْمِ بِالْخَاتِمَةِ فَلَا يَجُوزُ أَيْضًا الْفَرْضُ وَالتَّقْدِيرُ بِهِ ، انْتَهَى . ( يَأْتِينِي صَادِقٌ ) أَيْ خَبَرٌ صَادِقٌ تَارَةً ( وَكَاذِبٌ ) أَيْ أُخْرَى ، وَقِيلَ حَاصِلُ السُّؤَالِ أَنَّ الَّذِي يَأْتِيكَ مَا يَقُولُ لَكَ ، وَمُجْمَلُ الْجَوَابِ أَنَّهُ يُحَدِّثُنِي بِشَيْءٍ قَدْ يَكُونُ صَادِقًا وَقَدْ يَكُونُ كَاذِبًا ( فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خُلِّطَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّخْلِيطِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : أَيْ مَا يَأْتِيكَ بِهِ شَيْطَانُكَ مُخَلَّطٌ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ تَارَاتٌ يُصِيبُ فِي بَعْضِهَا وَيُخْطِئُ فِي بَعْضِهَا فَلِذَلِكَ الْتَبَسَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ ( إِنِّي قَدْ خَبَّأْتُ ) أَيْ أَضْمَرْتُ فِي نَفْسِي ( خَبِيئًا ) أَيِ اسْمًا مُضْمَرًا لَتُخْبِرَنِّي بِهِ ( وَهُوَ الدُّخُّ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : هُوَ بِضَمِّ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْخَاءِ ، وَهِيَ لُغَةٌ فِي الدُّخَانِ ، وَحَكَى صَاحِبُ نِهَايَةِ الْغَرِيبِ فِيهِ فَتْحَ الدَّالِ وَضَمَّهَا ، وَالْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ وَالْحَدِيثِ ضَمُّهَا فَقَطْ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالدُّخِّ هُنَا الدُّخَانُ وَأَنَّهَا لُغَةٌ فِيهِ ، وَخَالَفَهُمُ الْخَطَّابِيُّ فَقَالَ : لَا مَعْنَى لِلدُّخَانِ هُنَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يُخَبَّأُ فِي كَفٍّ أَوْ كُمٍّ ، كَمَا قَالَ ، بَلِ الدُّخُّ بَيْتٌ مَوْجُودٌ بَيْنَ النَّخِيلِ وَالْبَسَاتِينِ ، قَالَ : إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَى خَبَّأْتُ أَضْمَرْتُ لَكَ اسْمَ الدُّخَانِ فَيَجُوزُ ، والصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَضْمَرَ لَهُ آيَةَ الدُّخَانِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى : فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ قَالَ الْقَاضِي : قَالَ الدَّاوُدِيُّ وَقِيلَ : كَانَتْ سُورَةُ الدُّخَانِ مَكْتُوبَةً فِي يَدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقِيلَ : كَتَبَ الْآيَةَ فِي يَدِهِ ، قَالَ الْقَاضِي : وَأَصَحُّ الْأَقْوَالِ أَنَّهُ لَمْ يَهْتَدِ مِنَ الْآيَةِ الَّتِي أَضْمَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا لِهَذَا اللَّفْظِ النَّاقِصِ عَلَى عَادَةِ الْكُهَّانِ إِذَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ إِلَيْهِمْ بِقَدْرِ مَا يَخْطَفُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ الشِّهَابُ انْتَهَى ، قَالَ صَاحِبُ اللُّمَعَاتِ : هَذَا إِمَّا لِكَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكَلَّمَ فِي نَفْسِهِ أَوْ كَلَّمَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ فَسَمِعَهُ الشَّيْطَانُ فَأَلْقَاهُ إِلَيْهِ انْتَهَى . ( اخْسَأْ ) بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ كَلِمَةُ زَجْرٍ وَاسْتِهَانَةٍ مِنَ الْخَسْءِ وَهُوَ زَجْرُ الْكَلْبِ أَيِ امْكُثْ صَاغِرًا أَوِ ابْعُدْ حَقِيرًا أَوِ اسْكُتْ مَزْجُورًا ( فَلَنْ تَعْدُوَ ) بِضَمِّ الدَّالِ أَيْ فَلَنْ تُجَاوِزَ ( قَدْرَكَ ) أَيِ الْقَدْرَ الَّذِي يُدْرِكُهُ الْكُهَّانُ مِنَ الِاهْتِدَاءِ إِلَى بَعْضِ الشَّيْءِ وَمَا لَا يَبِينُ مِنْهُ حَقِيقَتُهُ ، وَلَا يَصِلُ بِهِ إِلَى بَيَانِ وَتَحْقِيقِ أُمُورِ الْغَيْبِ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ لَا تَتَجَاوَزْ عَنْ إِظْهَارِ الْخَبِيَّاتِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَمَا هُوَ دَأْبُ الْكَهَنَةِ إِلَى دَعْوَى النُّبُوَّةِ فَتَقُولُ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ( إِنْ يَكُ حَقًّا ) أَيْ إِنْ يَكُ ابْنُ صَيَّادٍ دَجَّالًا ( فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ ) وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : دَعْهُ فَإِنْ يَكُنِ الَّذِي تَخَافُ لَنْ تَسْتَطِيعَ قَتْلَهُ ( فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ ) أَيْ إِمَّا لِكَوْنِهِ صَغِيرًا أَوْ ذِمِّيًّا ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ : إِنْ يَكُنْ هُوَ فَلَسْتُ صَاحِبَهُ ، إِنَّمَا صَاحِبُهُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ ، وَإِلَّا يَكُنْ هُوَ فَلَيْسَ لَكَ أَنْ تَقْتُلَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ هَذَا أَخْرَجَهُ أَيْضًا الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ . قَوْلُهُ : ( وَلَهُ ذُؤَابَةٌ ) بِالضَّمِّ النَّاصِيَةُ أَوْ مَنْبَتُهَا مِنَ الرَّأْسِ كَذَا فِي الْقَامُوسِ ، وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : الذُّؤَابَةُ الشَّعْرُ الْمَضْفُورُ مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ ( قَالَ أَرَى عَرْشًا ) أَيْ سَرِيرًا ( قَالَ أَرَى صَادِقًا وَكَاذِبَيْنِ أَوْ صَادِقَيْنِ وَكَاذِبًا ) هَذَا الشَّكُّ مِنِ ابْنِ صَّيَّادِ فِي عَدَدِ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ يَدُلُّ عَلَى افْتِرَائِهِ إِذِ الْمُؤَيَّدُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ ( لُبِسَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ اللَّبْسِ أَوِ التَّلْبِيسِ أَيْ خُلِطَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ ( فَدَعَاهُ ) بِصِيغَةٍ الأمر لِلتَّثْنِيَةِ مِنْ وَدَعَ يَدَعُ أَيِ اتْرُكَاهُ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ دَعُوهُ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ ، وَحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ إِلَخْ ) أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ وَقَدْ مَرَّ ، وَلَهُ حَدِيثٌ آخَرُ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَحَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرُجهُمَا مُسْلِمٌ ، وَأَمَّا حَدِيثُ حَفْصَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ وَحَدِيثُ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُمَا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . قَوْلُهُ : ( وَأَقَلُّهُ مَنْفَعَةً ) أَيْ أَقَلُّ شَيْءٍ مَنْفَعَةً ( تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ ) قَالَ الْقَاضِي : أَيْ لَا تُقْطَعُ أَفْكَارُهُ الْفَاسِدَةُ عَنْهُ عِنْدَ النَّوْمِ لِكَثْرَةِ وَسَاوِسِهِ وَتَخَيُّلَاتِهِ وَتَوَاتُرِ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ إِلَيْهِ ، كَمَا لَمْ يَكُنْ يَنَامُ قَلْبُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَفْكَارِهِ الصَّالِحَةِ بِسَبَبِ مَا تَوَاتَرَ عَلَيْهِ مِنَ الْوَحْيِ وَالْإِلْهَامِ ( فَقَالَ ) أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَبُوهُ طُوَالٌ ) بِضَمِّ الطَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ مُبَالَغَةُ طَوِيلٍ ، وَالْمُشَدَّدُ أَكْثَرُ مُبَالَغَةً لَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الرِّوَايَةُ ( ضَرْبُ اللَّحْمِ ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ هُوَ الْخَفِيفُ اللَّحْمُ الْمُسْتَدَقُّ وَفِي صِفَةِ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ الرِّجَالِ ( كَأَنَّ ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ ( أَنْفَهُ مِنْقَارٌ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ فِي أَنْفِهِ طُولٌ بِحَيْثُ يُشْبِهُ مِنْقَارَ طَائِرِ ( وَأُمُّهُ امْرَأَةٌ فِرْضَاخِيَّةٌ ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ أَيْ ضَخْمَةٌ عَظِيمَةٌ ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَفِي الْفَائِقِ : هِيَ صِفَةٌ بِالضَّخْمِ وَقِيلَ بِالطُّولِ وَالْيَاءُ مَزِيدَةٌ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ كَأَحْمَرِيٍّ ، وَفِي الْقَامُوسِ : رَجُلٌ فَرِضَاخٌ ضَخْمٌ عَرِيضٌ أَوْ طَوِيلٌ وَهِيَ بِهَاءٍ أَوِ امْرَأَةٌ فِرْضَاخَةٌ أَوْ فِرْضَاخِيَّةٌ عَظِيمَةُ الثَّدْيَيْنِ ، وَفِي النِّهَايَةِ فِرْضَاخِيَّةٌ ضَخْمَةٌ عَظِيمَةُ الثَّدْيَيْنِ ( فَإِذَا نَعْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمَا ) أَيْ وَصْفُهُ مَوْجُودٌ فِيهِمَا ( فَإِذَا هُوَ ) أَيِ الْغُلَامُ ( مُنْجَدِلٌ ) بِكَسْرِ الدَّالِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ مُلْقًى عَلَى الْجَدَالَةِ وَهِيَ الْأَرْضُ ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : أَنَا خَاتَمُ الأنبياء فِي أُمِّ الْكِتَابِ وَآدَمُ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ ( فِي قَطِيفَةٍ ) أَيْ دِثَارٍ مُخَمَّلٍ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ ( وَلَهُ هَمْهَمَةٌ ) أَيْ زَمْزَمَةٌ ، وَقِيلَ : أَيْ كَلَامٌ غَيْرُ مَفْهُومٍ مِنْهُ شَيْءٌ وَهِيَ فِي الْأَصْلِ تَرْدِيدُ الصَّوْتِ فِي الصَّدْرِ انْتَهَى ، وَفِي النِّهَايَةِ : وَأَصْلُ الْهَمْهَمَةِ صَوْتُ الْبَقَرِ ( فَكَشَفَ ) أَيِ ابْنُ صَيَّادٍ ( عَنْ رَأْسِهِ ) أَيْ غِطَاءَهُ ( فَقَالَ مَا قُلْتُمَا ) فَكَأَنَّهُ وَقَعَ كَلَامٌ بَيْنَهُمَا فِيهِ أَوْ فِي غَيْرِهِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ غَيْرِ التِّرْمِذِيِّ .
بَاب مَا جَاءَ فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا 2186 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، نا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ حِينَ غَابَتْ الشَّمْسُ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فَقَالَ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ ؟ قَالَ : قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : فَإِنَّهَا تَذْهَبُ لتَسْتَأْذِن فِي السُّجُودِ ، فَيُؤْذَنُ لَهَا ، وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا اطْلُعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا ، قَالَ : ثُمَّ قَرَأَ وَذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَهَا وقَالَ : ذَلِكَ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ . وَفِي الْبَاب عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ، وَحُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ وَأَنَسٍ وَأَبِي مُوسَى ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . بَاب مَا جَاءَ فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا قَوْلُهُ : ( عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ بْنُ شَرِيكٍ ، يُكَنَّى أَبَا أَسْمَاءَ الْكُوفِيَّ الْعَابِدَ ثِقَةٌ ، إِلَّا أَنَّهُ يُرْسِلُ وَيُدَلِّسُ مِنَ الْخَامِسَةِ ( عَنْ أَبِيهِ ) أَيْ يَزِيدَ بْنِ شَرِيكِ بْنِ طَارِقٍ التَّيْمِيِّ الْكُوفِيِّ ثِقَةٌ ، يُقَالُ إِنَّهُ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ مِنَ الثَّانِيَةِ . قَوْلُهُ : ( أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ ) أَيِ الشَّمْسُ ، وَالْإِشَارَةُ لِلتَّعْظِيمِ ( فَإِنَّهَا تَذْهَبُ لِتَسْتَأْذِنَ فِي السُّجُودِ فَيُؤْذَنُ لَهَا ) أَيْ فِي السُّجُودِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : اسْتِئْذَانُ الشَّمْسِ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ فِيهَا حَيَاةً ، يُوجَدُ الْقَوْلُ عِنْدَهَا ; لِأَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى إِحْيَاءِ الْجَمَادِ وَالْمَوَاتِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِئْذَانُ أُسْنِدَ إِلَيْهَا مَجَازًا ، وَالْمُرَادُ مَنْ هُوَ مُوَكَّلٌ بِهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ . قُلْتُ : الظَّاهِرُ هُوَ الْأَوَّلُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ : فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ فَتَسْتَأْذِنَ فَيُؤْذَنُ لَهَا ، قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ : أَيْ فِي الطُّلُوعِ مِنَ الْمَشْرِقِ عَلَى عَادَتِهَا فَيُؤْذَنُ لَهَا فَتَبْدُو مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ ، قَالَ الْحَافِظُ وأَمَّا قَوْلُهُ : تَحْتَ الْعَرْشِ فَقِيلَ هُوَ حِينَ مُحَاذَاتِهَا وَلَا يُخَالِفُ هَذَا قَوْلَهُ : وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا نِهَايَةُ مُدْرَكِ الْبَصَرِ إِلَيْهَا حَالَ الْغُرُوبِ ، وَسُجُودُهَا تَحْتَ الْعَرْشِ إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ الْغُرُوبِ . ( وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا اطْلُعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ الْمَذْكُورَةِ : وَيُوشِكُ أَنْ تَسْجُدَ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا ، وَتَسْتَأْذِنُ فَلَا يُؤْذَنُ لَهَا ، يُقَالُ لَهَا ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا ( قَالَ ثُمَّ قَرَأَ ) عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ( وَذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَهَا وَقَالَ ) أَيْ أَبُو ذَرٍّ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ ( ذَلِكَ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ) ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ وَالتَّفْسِيرِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ هِيَ الْمُتَوَاتِرَةُ ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي التَّفْسِيرِ قَالَ : مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِمُسْتَقَرِّهَا غَايَةُ مَا تَنْتَهِي إِلَيْهِ فِي الِارْتِفَاعِ ، وَذَلِكَ أَطْوَلُ يَوْمٍ فِي السَّنَةِ ، وَقِيلَ إِلَى مُنْتَهَى أَمْرِهَا عِنْدَ انْتِهَاءِ الدُّنْيَا ، قَالَ الْحَافِظُ : وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِقْرَارِ وُقُوعُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عِنْدَ سُجُودِهَا ، وَمُقَابِلُ الِاسْتِقْرَارِ الْمَسِيرُ الدَّائِمُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْجَرْيِ انْتَهَى ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ بَعْدَ ذِكْرِ التَّأْوِيلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي كَلَامِ الْحَافِظِ مَا لَفْظُهُ : وَأَمَّا قَوْلُهُ مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ فَلَا يُنْكَرُ أَنْ يَكُونَ لَهَا اسْتِقْرَارٌ تَحْتَ الْعَرْشِ مِنْ حَيْثُ لَا نُدْرِكُهُ وَلَا نُشَاهِدُهُ ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ غَيْبٍ فَلَا نُكَذِّبُهُ وَلَا نُكَيِّفُهُ ، لِأَنَّ عِلْمَنَا لَا يُحِيطُ بِهِ انْتَهَى كَلَامُ الطِّيبِيِّ ، وَقَالَ الشَّيْخُ فِي اللُّمَعَاتِ قَوْلُهُ : وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا قَدْ ذُكِرَ فِي التَّفَاسِيرِ وُجُوهٌ غَيْرُ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ هُوَ الْمُعْتَبَرُ وَالْمُعْتَمَدُ ، وَالْعَجَبُ مِنَ الْبَيْضَاوِيِّ أَنَّهُ ذَكَرَ وُجُوهًا فِي تَفْسِيرِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْوَجْهَ ، وَلَعَلَّهُ أَوْقَعَهُ فِي ذَلِكَ تَفَلْسُفُهُ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ ، وَفِي كَلَامِ الطِّيبِيِّ أَيْضًا مَا يُشْعِرُ بِضِيقِ الصَّدْرِ نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ، وَحُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ ، وَأَنَس وأَبِي مُوسَى ) أَمَّا حَدِيثُ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ مَرْفُوعًا : إِنَّ مِنْ قِبَلِ مَغْرِبِ الشَّمْسِ بَابًا مَفْتُوحًا عَرْضُهُ سَبْعُونَ سَنَةً ، فَلَا يَزَالُ ذَلِكَ الْبَابُ مَفْتُوحًا لِلتَّوْبَةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ نَحْوِهِ ، فَإِذَا طَلَعَتْ مِنْ نَحْوِهِ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبْتِ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ، وَأَمَّا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي بَابِ الْآيَاتِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبُخَارِيُّ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ وَالتَّفْسِيرِ وَالتَّوْحِيدِ ، وَمُسْلِمٌ فِي الْإِيمَانِ ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي الْحُرُوفِ ، وَالنَّسَائِيُّ فِي التَّفْسِيرِ ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ يس .
باب 2245 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ قَال : سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الْأَعْوَرَ الْكَذَّابَ ، أَلَا إِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كافر . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ . ( باب ) قَوْلُهُ : ( أَلَّا إِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ ) قَالَ النَّوَوِيُّ رحمه الله : هُوَ بَيَانُ عَلَامَةٍ تَدُلُّ عَلَى كَذِبِ الدَّجَّالِ دَلَالَةً قَطْعِيَّةً بَدِيهِيَّةً يُدْرِكُهَا كُلُّ أَحَدٍ ، وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى كَوْنِهِ جِسْمًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الدَّلَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ ، لِكَوْنِ بَعْضِ الْعَوَامِّ لَا يَهْتَدِي إِلَيْهَا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
بَاب مَا جَاءَ فِي خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ 2187 حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا : نا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ حَبِيبَةَ ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ : اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَوْمٍ مُحْمَرًّا وَجْهُهُ ، وَهُوَ يَقُولُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، يُرَدِّدُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدْ اقْتَرَبَ ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ ، وَعَقَدَ عَشْرًا ، قَالَتْ زَيْنَبُ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ، قَالَ : نَعَمْ ، إِذَا كَثُرَ الْخُبْثُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، جَوَّدَ سُفْيَانُ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ عن ، سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ : حَفِظْتُ مِنْ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الإسناد أَرْبَعَ نِسْوَةٍ ؛ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ حَبِيبَةَ ، وَهُمَا رَبِيبَتَا النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ، زَوْجَيْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ورَوَى مَعْمَرٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، وَلَمْ يَذْكُر فِيهِ عَنْ حَبِيبَةَ ، ( بَابُ مَا جَاءَ فِي خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ) بِغَيْرِ هَمْزٍ لِأَكْثَرِ الْقُرَّاءِ ، وَقَرَأَ عَاصِمٌ بِالْهَمْزَةِ السَّاكِنَةِ فِيهِمَا وهي لُغَةِ بَنِي أَسَدٍ وَهُمَا اسْمَانِ أَعْجَمِيَّانِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ مُنِعَا مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالْعُجْمَةِ وَقِيلَ : بَلْ عَرَبِيَّانِ وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِقَاقِهِمَا فَقِيلَ : مِنْ أَجِيجِ النَّارِ وَهُوَ الْتِهَابُهَا ، وَقِيلَ : مِنَ الْأَجَّةِ بِالتَّشْدِيدِ وَهِيَ الِاخْتِلَاطُ أَوْ شِدَّةِ الْحَرِّ وَقِيلَ : غَيْرُ ذَلِكَ وَجَاءَ فِي صِفَتِهِمْ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ رَفَعَهُ قَالَ : يَأْجُوجُ أُمَّةٌ وَمَأْجُوجُ أُمَّةٌ كُلُّ أُمَّةٍ أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ ، لَا يَمُوتُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى أَلْفِ ذَكَرٍ مِنْ صُلْبِهِ كُلُّهُمْ قَدْ حَمَلَ السِّلَاحَ ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْعَطَّارِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، وَالْعَطَّارُ ضَعِيفٌ جِدًّا ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : لَيْسَ هُوَ صَاحِبُ الْمَغَازِي بَلْ هُوَ الْعُكَّاشِيُّ قَالَ وَالْحَدِيثُ مَوْضُوعٌ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مُنْكَرٌ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : لَكِنْ لِبَعْضِهِ شَاهِدٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ : أَنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَقَلُّ مَا يَتْرُكُ أَحَدُهُمْ لِصُلْبِهِ أَلْفًا مِنَ الذُّرِّيَّةِ ، وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ ، عَنْ أبيه رَفْعُهُ : إنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ يُجَامِعُونَ مَا شَاءُوا وَلَا يَمُوتُ رَجُلٌ مِنْهُمْ إِلَّا تَرَكَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ أَلْفًا فَصَاعِدًا . وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَوَرَاءَهُمْ ثَلَاثُ أُمَمٍ ، وَلَنْ يَمُوتَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا تَرَكَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ أَلْفًا فَصَاعِدًا ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ مِثْلَهُ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : الْجِنُّ وَالْإِنْسُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ فَتِسْعَةُ أَجْزَاءٍ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَجُزْءٌ سَائِرُ النَّاسِ ، وَمِنْ طَرِيقِ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ كَعْبٍ قَالَ : هُمْ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ ، صِنْفٌ أَجْسَادُهُمْ كَالْأَرْزِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ثُمَّ زَايٍ هُوَ شَجَرٌ كِبَارٌ جِدًّا ، وَصِنْفٌ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ فِي أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ ، وَصِنْفٌ يَفْتَرِشُونَ آذَانَهُمْ وَيَلْتَحِفونَ بِالْأُخْرَى ، وَوَقَعَ نَحْوُ هَذَا فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا هُوَ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْجَوْزَاءِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ شِبْرًا شِبْرًا وَشِبْرَيْنِ شِبْرَيْنِ وَأَطْوَلُهُمْ ثَلَاثَةُ أَشْبَارٍ ، وَهُمْ مِنْ وَلَدِ آدَمَ ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ : وُلِدَ لِنُوحٍ سَامُ ، وِحَامُ ، وَيَافِثُ ، فَوُلِدَ لِسَامَ الْعَرَبُ وَفَارِسُ وَالرُّومُ ، وَوُلِدَ لِحَامَ : الْقِبْطُ وَالْبَرْبَرُ وَالسُّودَانُ ، وَوُلِدَ لِيَافِثَ : يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَالتُّرْكُ وَالصَّقَالِبَةُ وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ ، وَمِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ثِنْتَانِ وَعِشْرُونَ قَبِيلَةً ، بَنَى ذُو الْقَرْنَيْنِ السَّدَّ عَلَى إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَكَانَتْ مِنْهُمْ قَبِيلَةٌ غَائِبَةً فِي الْغَزْوِ وَهُمُ الْأَتْرَاكُ فَبَقُوا دُونَ السَّدِّ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ : التُّرْكُ سَرِيَّةٌ مِنْ سَرَايَا يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ، خَرَجَتْ تُغِيرُ فَجَاءَ ذُو الْقَرْنَيْنِ فَبَنَى السَّدَّ فَبَقُوا خَارِجًا ، وَوَقَعَ فِي فَتَاوَى الشَّيْخِ مُحْي الدِّينِ : يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ مِنْ أَوْلَادِ آدَمَ لَا مِنْ حَوَّاءَ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ ، فَيَكُونُونَ إِخْوَانَنَا لِأَبٍ كَذَا قَالَ وَلَمْ نَرَ هَذَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ إِلَّا عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ وَيَرُدُّهُ الْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ إِنَّهُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ وَنُوحٌ مِنْ ذُرِّيَّةِ حَوَّاءَ قَطْعًا انْتَهَى مَا فِي الْفَتْحِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ حَبِيبَةَ ) بِنْتِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ الْأَسَدِيَّةِ ، أُمُّهَا أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ ، لَهَا صُحْبَةٌ ، وَهَاجَرَتْ مَعَ أَبَوَيْهَا إِلَى الْحَبَشَةِ ، وَيُقَالُ إِنَّهَا وَلَدَتْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ ( عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشِ ) ابْنِ رَبَابِ بْنِ يَعْمُرَ الْأَسَدِيَّةِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، أُمُّهَا أُمَيْمَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، يُقَالُ مَاتَتْ سَنَةَ عِشْرِينَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ . قَوْلُهُ : ( اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَوْمٍ مُحْمَرًّا وَجْهُهُ ) وَفِي رِوَايَةِ للْبُخَارِيِّ : دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا فَزِعًا ، فَيُجْمَعُ عَلَى أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهَا بَعْدَ أَنِ اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَزِعًا ، وَكَانَتْ حُمْرَةُ وَجْهِهِ مِنْ ذَلِكَ الْفَزَعِ ، وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ ، فَقَالَ : فَزِعًا مُحْمَرًّا وَجْهُهُ ( وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ ) فِي الْقَامُوسِ : الْوَيْلُ حُلُولُ الشَّرِّ وَهُوَ تَفْجِيعٌ انْتَهَى ، وَخُصَّ بِذَلِكَ الْعَرَبُ لِأَنَّهُمْ كَانُوا حِينَئِذٍ مُعْظَمَ مَنْ أَسْلَمَ وَالْمُرَادُ بِالشَّرِّ مَا وَقَعَ بَعْدَهُ مِنْ قَتْلِ عُثْمَانَ ، ثُمَّ تَوَالَتِ الْفِتَنُ حَتَّى صَارَتِ الْعَرَبُ بَيْنَ الْأُمَمِ كَالْقَصْعَةِ بَيْنَ الْأَكَلَةِ ، كَمَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ الْآخِرِ : يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا ، وَإِنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ الْعَرَبُ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالشَّرِّ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ : مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتَنِ ؟ وَمَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الْخَزَائِنِ ؟ فَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الْفُتُوحِ الَّتِي فُتِحَتْ بَعْدَهُ فَكَثُرَتِ الْأَمْوَالُ فِي أَيْدِيهِمْ فَوَقَعَ التَّنَافُسُ الَّذِي جَرَّ الْفِتَنَ ، وَكَذَلِكَ التَّنَافُسُ عَلَى الْإِمْرَةِ فَإِنَّ مُعْظَمَ مَا أَنْكَرُوهُ عَلَى عُثْمَانَ تَوْلِيَةُ أَقَارِبِهِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَغَيْرِهِمْ حَتَّى أَفْضَى ذَلِكَ إِلَى قَتْلِهِ ، وَتَرَتَّبَ عَلَى قَتْلِهِ مِنَ الْقِتَالِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مَا اشْتُهِرَ وَاسْتَمَرَّ ( قَدِ اقْتَرَبَ ) أَيْ قَرُبَ ذَلِكَ الشَّرُّ فِي غَايَةِ الْقُرْبِ بَيَانُهُ . قَوْلُهُ : ( فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ) الْمُرَادُ بِالرَّدْمِ السَّدُّ الَّذِي بَنَاهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ بِزُبَرِ الْحَدِيدِ وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنْهُ ( مِثْلُ هَذِهِ ) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ نَائِبُ الْفَاعِلِ لِقَوْلِهِ فُتِحَ وَالْإِشَارَةُ إِلَى الْحَلَقَةِ الْمُبَيَّنَةِ بِقَوْلِهِ : ( وَعَقَدَ عَشْرًا ) وَعَقْدُ الْعَشَرَةِ أَنْ يُجْعَلَ طَرَفُ السَّبَّابَةِ الْيُمْنَى فِي بَاطِنِ طَيِّ عُقْدَةِ الْإِبْهَامِ الْعُلْيَا ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الرَّدْمِ ثُقْبَةٌ إِلَى الْيَوْمِ ، وَقَدِ انْفَتَحَتْ فِيهِ ، إِذِ انْفِتَاحُهَا مِنْ عَلَامَاتِ قُرْبِ السَّاعَةِ ، فَإِذَا اتَّسَعَتْ خَرَجُوا ، وَذَلِكَ بَعْدَ خُرُوجِ الدَّجَّالِ كَمَا تَقَدَّمَ ( أَفَنُهْلَكُ ) بضَمّ النُّونِ وَفَتْحُ اللَّامِ مِنَ الْإِهْلَاكِ أَوْ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ اللَّامِ مِنَ الْهَلَاكِ ( وَفِينَا الصَّالِحُونَ ) قَالَ الْقَارِي : أَيْ أَنُعَذَّبُ فَنَهْلِكُ نَحْنُ مَعْشَرَ الْأُمَّةِ وَالْحَالُ أَنَّ بَعْضَنَا مُؤْمِنُونَ وَفِينَا الطَّيِّبُونَ الطَّاهِرُونَ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ عَلَى تَقْدِيرِ الِاسْتِغْنَاءِ أَيْ وَفِينَا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ انْتَهَى ، ( قَالَ نَعَمْ ) أَيْ يَهْلِكُ الطَّيِّبُ أَيْضًا ( إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ ، فَسَّرُوهُ بِالزِّنَا وَبِأَوْلَادِ الزِّنَا وَبِالْفِسْقِ وَالْفُجُورِ وَهُوَ أَوْلَى لِأَنَّهُ قَابَلَهُ بِالصَّلَاحِ ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ النَّارَ إِذَا وَقَعَتْ فِي مَوْضِعٍ وَاشْتَدَّتْ أَكَلَتِ الرَّطْبَ وَالْيَابِسَ ، وَغَلَبَتْ عَلَى الطَّاهِرِ وَالنَّجِسِ ، وَلَا تُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْمُنَافِقِ وَالْمُخَالِفِ وَالْمُوَافِقِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ . قَوْلُهُ : ( جَوَّدَ سُفْيَانُ هَذَا الْحَدِيثَ ) أَيْ بِذِكْرِ النِّسْوَةِ الْأَرْبَعِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْإِسْنَادِ ، وَقَدْ أَطَالَ الْحَافِظُ الْكَلَامَ فِي هَذَا الْمَقَامِ فِي الْفَتْحِ فِي بَابِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ ، مِنْ كِتَابِ الْفِتَنِ ، فَعَلَيْكَ أَنْ تُرَاجِعَهُ .
بَاب : مَا جَاءَ فِي قَتْلِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ الدَّجَّالَ 2244 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نا اللَّيْثُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيَّ يُحَدِّثُ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيِّ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ قال : سَمِعْتُ عَمِّي مُجَمِّعَ بْنَ جَارِيَةَ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : يَقْتُلُ ابْنُ مَرْيَمَ الدَّجَّالَ بِبَابِ لُدٍّ . وَفِي الْبَاب عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَنَافِعِ بْنِ عُتْبَةَ وَأَبِي بَرْزَةَ وَحُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَكَيْسَانَ وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَجَابِرٍ وَأَبِي أُمَامَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ عَمْرٍو وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ وَالنَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ وَعَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ . ( باب ما جاء قي قتل عيسى ابن مريم الدجال ) قَوْلُهُ : ( أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيَّ ) الْمَدَنِيَّ ، وَقِيلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ شَيْخُ الزُّهْرِيِّ لَا يُعْرَفُ وَاخْتُلِفَ فِي إِسْنَادِ حَدِيثِهِ مِنَ الثَّالِثَةِ ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيِّ ) الْمَدَنِيِّ هُوَ أَخُو عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ لِأُمِّهِ ، يُقَالُ : وُلِدَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي ثِقَاتِ التَّابِعِينَ ( مُجَمِّعَ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْمَكْسُورَةِ بَدَلٌ مِنْ عَمِّي ( بْنَ جَارِيَةَ ) بِالْجِيمِ ابْنَ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيَّ الْأَوْسِيَّ الْمَدَنِيَّ ، صَحَابِيٌّ مَاتَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ . قَوْلُهُ : ( بِبَابِ لُدٍّ ) تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ وَمَعْنَاهُ فِي بَابِ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَنَافِعِ بْنِ عُتْبَةَ إِلَخْ ) أَمَّا أَحَادِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَنَافِعِ بْنِ عُتْبَةَ ، وَأَبِي بَرْزَةَ ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ، وَجَابِرٍ ، وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ، وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ فَأَخْرَجَهَا أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ فَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ ، كَذَا فِي الْفَتْحِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَمَّا حَدِيثُ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ . وَأَمَّا حَدِيثُ كَيْسَانَ وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُمَا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ .
بَاب ما جاء فِي صِفَةِ الْمَارِقَةِ 2188 حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ ؛ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ ، لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ ، يَقُولُونَ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ . وَفِي الْبَاب عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي ذَرٍّ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رُوِيَ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ إِنَّمَا هُمْ الْخَوَارِجُ الْحَرُورِيَّةُ ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْخَوَارِجِ . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ الْمَارِقَةِ ) أَيِ الْخَوَارِجِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَاصِمٍ ) هُوَ ابْنُ بَهْدَلَةَ ( عَنْ زِرٍّ ) هُوَ ابْنُ حُبَيْشٍ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ) هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه . قَوْلُهُ : ( يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَهَذَا قَدْ يُخَالِفُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ ، يَعْنِي الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ : مَنْ تَرَكَ قِتَالَ الْخَوَارِجِ لِلتَّأَلُّفِ وإِلَّا يُنَفِّرُ النَّاسَ عَنْهُ ، فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُمْ خَرَجُوا فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ ، وَكَذَا أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي أَمْرِهِمْ ، وَأَجَابَ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ الْمُرَادَ زَمَانُ الصَّحَابَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ آخِرَ زَمَانِ الصَّحَابَةِ كَانَ عَلَى رَأْسِ الْمِائَةِ وَهم قَدْ خَرَجُوا قَبْلَ ذَلِكَ بِأَكْثَرَ مِنْ سِتِّينَ سَنَةً ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِآخِرِ الزَّمَانِ زَمَانُ خِلَافَةِ النُّبُوَّةِ ، فَإِنَّ فِي حَدِيثِ سَفِينَةَ الْمُخَرَّجِ فِي السُّنَنِ وَصَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِ مَرْفُوعًا الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ تَصِيرُ مُلْكًا وَكَانَتْ قِصَّةُ الْخَوَارِجِ وَقَتْلِهِمْ بِالنَّهْرَوَانِ فِي أَوَاخِرِ خِلَافَةِ عَلِيٍّ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدُونِ الثَّلَاثِينَ بِنَحْوِ سَنَتَيْنِ انْتَهَى . ( أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ ) قَالَ الْحَافِظُ : أَحْدَاثُ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ جَمْعُ حَدَثٍ بِفَتْحَتَيْنِ ، وَالْحَدَثُ هُوَ الصَّغِيرُ السِّنِّ ، وَالْأَسْنَانُ جَمْعُ سِنٍّ وَالْمُرَادُ بِهِ الْعُمُرُ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ شَبَابٌ انْتَهَى ، ( سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ ) جَمْعُ حِلْمٍ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْعَقْلُ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ عُقُولَهُمْ رَدِيئَةٌ قَالَ النَّوَوِيُّ يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ التَّثَبُّتَ وَقُوَّةَ الْبَصِيرَةِ تَكُونُ عِنْدَ كَمَالِ السِّنِّ وَكَثْرَةِ التَّجَارِبِ وَقُوَّةِ الْعَقْلِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَلَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ الْأَخْذِ مِنْهُ فَإِنَّ هَذَا مَعْلُومٌ بِالْعَادَةِ لَا مِنْ خُصُوصِ كَوْنِ هَؤُلَاءِ كَانُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ ( لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ ) قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : التَّرَاقِي جَمْعُ تَرْقُوَةٍ وَهِيَ الْعَظْمُ الَّذِي بَيْنَ ثُغْرَةِ النَّحْرِ وَالْعَاتِقِ ، وَهُمَا تَرْقُوَتَانِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ ، وَزْنُهَا فَعْلُوَةٌ بِالْفَتْحِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ قِرَاءَتَهُمْ لَا يَرْفَعُهَا اللَّهُ وَلَا يَقْبَلُهَا ، فَكَأَنَّهَا لَمْ تَتَجَاوَزْ حُلُوقَهُمْ ، وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنَّهُمْ لَا يَعْمَلُونَ بِالْقُرْآنِ وَلَا يُثَابُونَ عَلَى قِرَاءَتِهِ فَلَا يَحْصُلُ لَهُمْ غَيْرُ الْقِرَاءَةِ انْتَهَى ( يَقُولُونَ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ ) قَالَ الْحَافِظُ : أَيْ مِنَ الْقُرْآنِ وَكَانَ أَوَّلُ كَلِمَةٍ خَرَجُوا بِهَا قَوْلَهُمْ : لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ وَانْتَزَعُوهَا مِنَ الْقُرْآنِ ، وَحَمَلُوهَا غَيْرَ مَحْمَلِهَا ( يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ ) إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْإِسْلَامُ فَهُوَ حُجَّةٌ لِمَنْ يُكَفِّرُ الْخَوَارِجَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالدِّينِ الطَّاعَةَ فَلَا يَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ ، وَإِلَيْهِ جَنَحَ الْخَطَّابِيُّ ، ( كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ) بِوَزْنِ فَعِيلَةٍ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ ، وَهُوَ الصَّيْدُ الْمَرْمِيُّ ، شَبَّهَ مُرُوقَهُمْ مِنَ الدِّينِ بِالسَّهْمِ الَّذِي يُصِيبُ الصَّيْدَ فَيَدْخُلُ فِيهِ ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ ، وَمِنْ شِدَّةِ سُرْعَةِ خُرُوجِهِ لِقُوَّةِ الرَّامِي لَا يَعْلَقُ مِنْ جَسَدِ الصَّيْدِ شَيْءٌ ، قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : أَيْ يَجُوزُونَهُ وَيَخْرِقُونَهُ وَيَتَعَدَّوْنَهُ ، كَمَا يَخْرِقُ السَّهْمُ الشَّيْءَ الْمَرْمِيَّ بِهِ وَيَخْرُجُ مِنْهُ انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَأَبِي ذَرٍّ ) أَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ وَغَيْرِهِ وَمُسْلِمٌ فِي الزَّكَاةِ وَأَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَّةِ وَالنَّسَائِيُّ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وَابْنُ مَاجَهْ فِي السُّنَّةِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ وَغَيْرِهِ ، وَمُسْلِمٌ فِي الزَّكَاةِ ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَّةِ ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الْمُحَارَبَةِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَمُسْلِمٌ فِي الزَّكَاةِ ( وَقَدْ رُوِيَ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ ) كَحَدِيثِ عَلِيٍّ ، وَأَبِي سَعِيدٍ وَغَيْرِهِمَا ( إِنَّمَا هُمُ الْخَوَارِجُ ) جَمْعُ خَارِجَةٍ وَهُمْ قَوْمٌ مُبْتَدِعُونَ ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِخُرُوجِهِمْ عَنِ الدِّينِ وَخُرُوجِهِمْ عَلَى خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ أَطَالَ الْحَافِظُ الْكَلَامَ فِي بَيَانِ مُعْتَقَدِهِمْ وَحَالِهِمْ فِي الْفَتْحِ فِي بَابِ قَتْلِ الْخَوَارِجِ وَالْمُلْحِدِينَ . ( الْحَرُورِيَّةُ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي شَرْحِ قَوْلِ عَائِشَةَ : أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ ؟ مَا لَفْظُهُ الْحَرُورِيُّ مَنْسُوبٌ إِلَى حَرُورَاءَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَبَعْدَ الْوَاوِ السَّاكِنَةِ رَاءٌ أَيْضًا ، بَلْدَةٌ عَلَى مِيلَيْنِ مِنَ الْكُوفَةِ ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهَا بِالْمَدِّ قَالَ الْمُبَرِّدُ : النِّسْبَةُ إِلَيْهَا حَرُورَاوِيٌّ ، وَكَذَا كُلُّ مَا كَانَ فِي آخِرِهِ أَلْفُ تَأْنِيثٍ مَمْدُودَةٍ ، وَلَكِنْ قِيلَ الْحَرُورِيُّ بِحَذْفِ الزَّوَائِدِ ، وَيُقَالُ لِمَنْ يَعْتَقِدُ مَذْهَبَ الْخَوَارِجِ حَرُورِيٌّ لِأَنَّ أَوَّلَ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ خَرَجُوا عَلَى عَلِيٍّ بِالْبَلْدَةِ الْمَذْكُورَةِ فَاشْتُهِرُوا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا وَهُمْ فِرَقٌ كَثِيرَةٌ لَكِنْ مِنْ أُصُولِهِمِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا بَيْنَهُمُ ـ الْأَخْذُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَرَدُّ مَا زَادَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَدِيثِ مُطْلَقًا .
2243 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْإِيمَانُ يَمَانٍ ، وَالْكُفْرُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ ، وَالسَّكِينَةُ لِأَهْلِ الْغَنَمِ ، وَالْفَخْرُ وَالرِّيَاءُ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْخَيْلِ وَأَهْلِ الْوَبَرِ ، يَأْتِي الْمَسِيحُ إِذَا جَاءَ دُبُرَ أُحُدٍ صَرَفَتْ الْمَلَائِكَةُ وَجْهَهُ قِبَلَ الشَّامِ وَهُنَالِكَ يَهْلَكُ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ ( الْإِيمَانُ يَمَانٍ ) هُوَ نِسْبَةُ الْإِيمَانِ إِلَى الْيَمَنِ لِأَنَّ أَصْلَ يَمَانٍ يَمَنِيٌّ فَحُذِفَتْ يَاءُ النَّسَبِ وَعُوِّضَ بِالْأَلِفِ بَدَلَهَا فَلَا يَجْتَمِعَانِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ : أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ ، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً ، وَأَلْيَنُ قُلُوبًا ، الْإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَّةٌ ، وَفِي أُخْرَى لَهُمَا : أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ أَضْعَفُ قُلُوبًا وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً ، الْفِقْهُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَّةٌ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ : أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْيَمَنِ فَقَالَ : الْإِيمَانُ يَمَانٍ هَاهُنَا ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : أَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ نِسْبَةِ الْإِيمَانِ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَدْ صَرَفُوهُ عَنْ ظَاهِرِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ مَبْدَأَ الْإِيمَانِ مِنْ مَكَّةَ ثُمَّ مِنَ الْمَدِينَةِ حَرَسَهما اللَّهُ تَعَالَى ، فَحَكَى أَبُو عُبَيْدٍ إِمَامُ الْغَرِيبِ ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُ فِي ذَلِكَ أَقْوَالًا . أَحَدُهَا : أَرَادَ بِذَلِكَ مَكَّةَ فَإِنَّهُ يُقَالُ إِنَّ مَكَّةَ مِنْ تِهَامَةَ وَتِهَامَةُ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ . وَالثَّانِي : الْمُرَادُ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ فَإِنَّهُ يُرْوَى فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ هَذَا الْكَلَامَ وَهُوَ بِتَبُوكَ ، وَمَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ حِينَئِذٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَمَنِ فَأَشَارَ إِلَى نَاحِيَةِ الْيَمَنِ وَهُوَ يُرِيدُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ ، فَقَالَ : الْإِيمَانُ يَمَانٍ فَنَسَبَهُمَا إِلَى الْيَمَنِ لِكَوْنِهِمَا حِينَئِذٍ مِنْ نَاحِيَةِ الْيَمَنِ ، كَمَا قَالُوا الرُّكْنُ الْيَمَانِيُّ وَهُوَ بِمَكَّةَ لِكَوْنِهِ إِلَى نَاحِيَةِ الْيَمَنِ . وَالثَّالِثُ : مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَهُوَ أَحْسَنُهَا عِنْدَ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْأَنْصَارُ لِأَنَّهُمْ يَمَانونَ فِي الْأَصْلِ فَنُسِبَ الْإِيمَانُ إِلَيْهِمْ لِكَوْنِهِمْ أَنْصَارَهُ ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ : وَلَوْ جَمَعَ أَبُو عُبَيْدٍ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُ طُرُقَ الْحَدِيثِ بِأَلْفَاظِهِ كَمَا جَمَعَهَا مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ وَتَأَمَّلُوهَا لَصَارُوا إِلَى غَيْرِ مَا ذَكَرُوهُ ، وَلَمَا تَرَكُوا الظَّاهِرَ وَلَفَظُوا بِأَنَّ الْمُرَادَ الْيَمَنُ وَأَهْلُ الْيَمَنِ عَلَى مَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ إِطْلَاقِ ذَلِكَ ، إِذْ مِنْ أَلْفَاظِهِ : أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ ، وَالْأَنْصَارُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ فَهُمْ إِذًا غَيْرُهُمْ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ ، وَإِنَّمَا جَاءَ حِينَئِذٍ غَيْرُ الْأَنْصَارِ ، ثُمَّ إِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفَهُمْ بِمَا يَقْضِي بِكَمَالِ إِيمَانِهِمْ وَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْإِيمَانُ يَمَانٍ ، وَكَانَ ذَلِكَ إِشَارَةً لِلْإِيمَانِ إِلَى مَنْ أَتَاهُ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ لَا إِلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ، وَلَا مَانِعَ مِنْ إِجْرَاءِ الْكَلَامِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَمْلِهِ عَلَى أَهْلِ الْيَمَنِ حَقِيقَةً ; لِأَنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِشَيْءٍ وَقَوِيَ قِيَامُهُ بِهِ وَتَأَكُّد اضْطِلَاعُهُ مِنْهُ نُسِبَ ذَلِكَ الشَّيْءُ إِلَيْهِ إِشْعَارًا بِتَمييزِهِ بِهِ وَكَمَالِ حَالِهِ فِيهِ ، وَهَكَذَا كَانَ حَالُ أَهْلِ الْيَمَنِ حِينَئِذٍ فِي الْإِيمَانِ ، وَحَالُ الْوَافِدِينَ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِي أَعْقَابِ مَوْتِهِ ، كَأُوَيْسٍ الْقَرَنَيِّ ، وَأَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ وَشِبْهِهِمَا مِمَّنْ سَلِمَ قَلْبُهُ وَقَوِيَ إِيمَانُهُ فَكَانَتْ نِسْبَةُ الْإِيمَانِ إِلَيْهِمْ لِذَلِكَ إِشْعَارًا بِكَمَالِ إِيمَانِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ نَفْيٌ لَهُ عَنْ غَيْرِهِمْ ، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْإِيمَانُ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ ثُمَّ الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْمَوْجُودُونَ مِنْهُمْ حِينَئِذٍ لَا كُلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ فِي كُلِّ زَمَانٍ فَإِنَّ اللَّفْظَ لَا يَقْتَضِيهِ ، هَذَا هُوَ الْحَقُّ فِي ذَلِكَ ( وَالْكُفْرُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ رَأْسُ الْكُفْرِ قِبَلَ الْمَشْرِقِ ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ مِنْ جِهَتِهِ ، وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى شِدَّةِ كُفْرِ الْمَجُوسِ لِأَنَّ مَمْلَكَةَ الْفُرْسِ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ مِنَ الْعَرَبِ كَانَتْ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَكَانُوا فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ وَالتَّجَبُّرِ حَتَّى مَزَّقَ مَلِكُهُمْ كِتَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاسْتَمَرَّتِ الْفِتَنُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ . ( وَالسَّكِينَةُ لِأَهْلِ الْغَنَمِ ) السَّكِينَةُ تُطْلَقُ عَلَى الطُّمَأْنِينَةِ وَالسُّكُونِ وَالْوَقَارِ وَالتَّوَاضُعِ ، وَإِنَّمَا خَصَّ أَهْلَ الْغَنَمِ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ غَالِبًا دُونَ أَهْلِ الْإِبِلِ فِي التَّوَسُّعِ وَالْكَثْرَةِ ، وَهُمَا مِنْ سَبَبِ الْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ ، وَقِيلَ أَرَادَ بِأَهْلِ الْغَنَمِ أَهْلَ الْيَمَنِ لِأَنَّ غَالِبَ مَوَاشِيهِمِ الْغَنَمُ بِخِلَافِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ إِبِلٍ ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا : اتَّخِذِي الْغَنَمَ فَإِنَّ فِيهَا بَرَكَةً . ( وَالْفَخْرُ ) هُوَ الِافْتِخَارُ وَعَدَّ الْمَآثِرَ الْقَدِيمَةَ تَعْظِيمًا ( فِي الْفَدَّادِينَ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : الصَّوَابُ فِي الْفَدَّادِينَ بِتَشْدِيدِ الدَّالِ جَمْعُ فَدَّادٍ بِدَالَيْنِ أُولَاهُمَا مُشَدَّدَةٌ ، وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْأَصْمَعِيِّ وَجُمْهُورِ أَهْلِ اللُّغَةِ ، وَهُوَ مِنَ الْفَدِيدِ وَهُوَ الصَّوْتُ الشَّدِيدُ ، فَهُمُ الَّذِينَ تَعْلُو أَصْوَاتُهُمْ فِي إِبِلِهِمْ وَخَيْلِهِمْ وَحُرُوثِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، انْتَهَى . ( أَهْلِ الْخَيْلِ وَأَهْلِ الْوَبَرِ ) بِالْجَرِّ بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ ، وَالْوَبَرُ بِفَتْحِ الْوَاوِ الْمُوَحَّدَةِ شَعْرُ الْإِبِلِ ، أَيْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْمَدَرِ ; لِأَنَّ الْعَرَبَ تُعَبِّرُ عَنْ أَهْلِ الْحَضَرِ بِأَهْلِ الْمَدَرِ ، وَعَنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ بِأَهْلِ الْوَبَرِ لِأَنَّ بُيُوتَهُمْ غَالِبًا خِيَامٌ مِنَ الشَّعْرِ ( يَأْتِي الْمَسِيحُ ) أَيِ الدَّجَّالُ ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّ عَيْنَهُ الْوَاحِدَةَ مَمْسُوحَةٌ ( دُبُرِ أُحُدٍ ) بِضَمِّ الدَّالِ والْمُوَحَّدَةِ ، أَيْ خَلْفَ أُحُدٍ وَهُوَ بِضَمَّتَيْنِ ، جَبَلٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ أَقَلُّ مِنْ فَرْسَخٍ ( قِبَلَ الشَّامِ ) أَيْ نَحْوَهُ . قَوْلُهُ : وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .
بَاب مَا جَاءَ فِي أن الدَّجَّالِ لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ 2242 - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيُّ ، نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، نَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَأْتِي الدَّجَّالُ الْمَدِينَةَ فَيَجِدُ الْمَلَائِكَةَ يَحْرُسُونَهَا فَلَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ومحجن وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ . ( باب ما جاء في أن الدجال لا يدخل المدينة ) قَوْلُهُ : ( فَيَجِدُ الْمَلَائِكَةَ يَحْرُسُونَهَا ) فِي حَدِيثِ مِحْجَنٍ الْأَدْرَعِ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالْحَاكِمِ فِي ذِكْرِ الْمَدِينَةِ ، وَلَا يَدْخُلُهَا الدَّجَّالُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، كُلَّمَا أَرَادَ دُخُولَهَا تَلَقَّاهُ بِكُلِّ نَقَبٍ مِنْ نِقَابِهَا مَلَكٌ مُصْلِتٌ سَيْفَهُ يَمْنَعُهُ عَنْهَا ، وَعِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْقَرَّاظِ ، سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولَانِ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ، الْحَدِيثُ ، وَفِيهِ : ألا إنَّ الْمَلَائِكَةَ مُشْتَبِكَةٌ بِالْمَلَائِكَةِ ، عَلَى كُلِّ نَقَبٍ مِنْ أَنْقَابِهَا مَلَكَانِ يَحْرُسَانِهَا ، لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : يُجْمَعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ عَلَى كُلِّ نَقَبٍ مَلَكان : أنَّ سَيْفَ أَحَدِهِمَا مَسْلُولٌ وَالْآخَرُ بِخِلَافِهِ ( فَلَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ) قِيلَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ مُحْتَمِلٌ لِلتَّعْلِيقِ وَمُحْتَمِلٌ لِلتَّبَرُّكِ وَهُوَ أَوْلَى ، وَقِيلَ : إِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالطَّاعُونِ فَقَطْ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَحَدِيثُ مِحْجَنِ بْنِ الْأَدْرَعِ الْمَذْكُورُ آنِفًا يُؤَيِّدُ أَنَّهُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ إِلَخْ ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَفِيهِ ذِكْرُ الْجَسَّاسَةِ وَالدَّجَّالِ ، وَفِيهِ : وَإِنِّي مُخْبِرُكُمْ عَنِّي : إِنِّي أَنَا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ ، فَأَسِيرُ فِي الْأَرْضِ فَلَا أَدَعُ قَرْيَةً إِلَّا هَبَطْتُهَا فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً غَيْرَ مَكَّةَ وَطِيبَةَ ، وَأَمَّا حَدِيثُ مِحْجَنٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْحَاكِمُ وَقَدْ تَقَدَّمَ لَفْظُهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ص 17 ج 5 . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .
2190 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا ، قَالَوا : فَمَا تَأْمُرُنَا ؟ قَالَ : أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ ، وَاسَألُوا اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْأَثَرَةُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالثَّاءِ الِاسْمُ مِنْ آثَرَ يُؤْثِرُ إِيثَارًا إِذَا أَعْطَى ، أَرَادَ أَنَّهُ يَسْتَأْثِرُ عَلَيْكُمْ فَيُفَضِّلُ غَيْرَكُمْ فِي نَصِيبِهِ مِنَ الْفَيْءِ ، وَالِاسْتِئْثَارُ الِانْفِرَادُ بِالشَّيْءِ ( أُمُورًا تُنْكِرُونَهَا ) يَعْنِي مِنْ أُمُورِ الدِّينِ ( قَالُوا فَمَا تَأْمُرنَا ) أَيْ أَنْ نَفْعَلَ إِذَا وَقَعَ ذَلِكَ ( أَدُّوا إِلَيْهِمْ ) أَيْ إِلَى الْأُمَرَاءِ ( حَقَّهُمْ ) أَيِ الَّذِي وَجَبَ لَهُمُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ وَقَبْضُهُ سَوَاءٌ كَانَ يَخْتَصُّ بِهِمْ أَوْ يَعُمُّ ( وَاسْأَلُوا اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ ) أَيْ بِأَنْ يُلْهِمَهُمْ إِنْصَافَكُمْ أَوْ يُبْدِلَكُمْ خَيْرًا مِنْهُمْ كَذَا فِي الْفَتْحِ ، وقَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ ولَا تُقَاتِلُوهُمْ بِاسْتِيفَاءِ حَقِّكُمْ وَلَا تُكَافِئُوا اسْتِئْثَارَهُمْ بِاسْتِئْثَارِكُمْ بَلْ وَفِّرُوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ مِنَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَحُقُوقِ الدِّينِ وَسَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ أَنْ يُوصِلَ إِلَيْكُمْ حَقَّكُمْ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ وَنَحْوِهِمَا ، وُكِّلُوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَمْرَكُمْ ، وَاللَّهُ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .
بَاب ما جاء فِي الْأَثَرَةِ 2189 حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نا أَبُو دَاوُدَ ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، نا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اسْتَعْمَلْتَ فُلَانًا وَلَمْ تَسْتَعْمِلْنِي ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً ، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . بَاب ما جاء فِي الْأَثَرَةِ قَوْلُهُ : ( اسْتَعْمَلْتُ فُلَانًا ) أَيْ جَعَلْتُهُ عَامِلًا ( فَقَالَ ) أَيْ لِلْأَنْصَارِ كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ ( إِنَّكُمْ ) أَيُّهَا الْأَنْصَارُ ( سَتَرَوْنَ بَعْدِي أُثْرَةً ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَبِفَتْحَتَيْنِ ، وَيَجُوزُ كَسْرُ أَوَّلِهِ مَعَ الْإِسْكَانِ ، أَيِ الِانْفِرَادُ بِالشَّيْءِ الْمُشْتَرَكِ دُونَ مَنْ يُشْرِكُهُ فِيهِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَسْتَأْثِرُ عَلَيْهِمْ بِمَا لَهُمْ فِيهِ اشْتِرَاكٌ فِي الِاسْتِحْقَاقِ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : مَعْنَاهُ يُفَضِّلُ نَفْسَهُ عَلَيْكُمْ فِي الْفَيْءِ كَذَا فِي الْفَتْحِ ( فاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ ) أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، أَيِ اصْبِرُوا حَتَّى تَمُوتُوا فَإِنَّكُمْ سَتَجِدُونَنِي عِنْدَ الْحَوْضِ فَيَحْصُلُ لَكُمُ الِانْتِصَافُ مِمَّنْ ظَلَمَكُمْ وَالثَّوَابُ الْجَزِيلُ عَلَى الصَّبْرِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَالسِّرُّ فِي جَوَابِهِ عَلَى طَلَبِ الْوِلَايَةِ بِقَوْلِهِ ( سَتَرَوْنَ بَعْدِي أُثْرَةً ) إِرَادَةُ نَفْيِ ظَنِّهِ أَنَّهُ آثَرَ الَّذِي وَلَّاهُ عَلَيْهِ فَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقَعُ فِي زَمَانِهِ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَخُصَّهُ بِذَلِكَ لِذَاتِهِ بَلْ لِعُمُومِ مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَنَّ الِاسْتِئْثَارَ لِلْحَظِّ الدُّنْيَوِيِّ إِنَّمَا يَقَعُ بَعْدِي وَأَمَرَهُمْ عِنْدَ وُقُوعِ ذَلِكَ بِالصَّبْرِ انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالنَّسَائِيُّ .
بَاب : مَا جَاءَ فِي صِفَةِ الدَّجَّالِ 2241 - حَدَّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ ، نا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الدَّجَّالِ فَقَالَ : أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ ، أَلَا وَإِنَّهُ أَعْوَرُ ، عَيْنُهُ الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ . وَفِي الْبَاب عَنْ سَعْدٍ وَحُذَيْفَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَسْمَاءَ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي بَكْرَةَ وَعَائِشَةَ وَأَنَسٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْفَلَتَانِ بْنِ عَاصِمٍ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ( باب ما جاء في صفة الدجال ) قَوْلُهُ : ( كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ ) أَيْ شَبِيهَةٌ بِهَا ( طَافِيَةٌ ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَبِالتَّحْتِيَّةِ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : قَوْلُهُ كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ بِيَاءٍ غَيْرِ مَهْمُوزَةٍ أَيْ بَارِزَةٌ ، وَلِبَعْضِهِمْ بِالْهَمْزِ أَيْ ذَهَبَ ضَوْؤُهَا ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : رَوَيْنَاهُ عَنِ الْأَكْثَرِ بِغَيْرِ هَمْزٍ وَهُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ الْجُمْهُورُ وَجَزَمَ بِهِ الْأَخْفَشُ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا نَاتِئَةٌ نُتُوءَ حَبَّةِ الْعِنَبِ مِنْ بَيْنِ أَخَوَاتِهَا ، قَالَ : وَضَبَطَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ بِالْهَمْزِ وَأَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ ، وَلَا وَجْهَ لِإِنْكَارِهِ فَقَدْ جَاءَ فِي آخِرَ : أَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ مَطْمُوسَةٌ وَلَيْسَتْ جَحْرَاءَ وَلَا نَاتِئَةً ، هَذِهِ صِفَةُ حَبَّةِ الْعِنَبِ إِذَا سَالَ مَاؤُهَا وَهُوَ يُصَحِّحُ رِوَايَةَ الْهَمْزِ ، قُلْتُ : الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ يُوَافِقُهُ حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَلَفْظُهُ : رَجُلٌ قَصِيرٌ أَفْحَجُ بِفَاءٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ جِيمٍ مِنَ الْفَحَجِ وَهُوَ تَبَاعُدُ مَا بَيْنَ السَّاقَيْنِ أَوِ الْفَخِذَيْنِ ، وَقِيلَ : تدَانِي صُدُورَ الْقَدَمَيْنِ مَعَ تَبَاعُدِ الْعَقِبَيْنِ ، وَقِيلَ : هُوَ الَّذِي فِي رِجْلِهِ اعْوِجَاجٌ ، وَفِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ : جعد أَعْوَرَ مَطْمُوسَ الْعَيْنِ لَيْسَتْ بِنَاتِئَةٍ ـ بِنُونٍ وَمُثَنَّاةٍ ـ وَلَا جَحْرَاءَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ مَمْدُودَ أَيْ عَمِيقَةٍ ، وَبِتَقْدِيمِ الْحَدِّ أَيْ لَيْسَتْ مُتَصَلِّبَةً ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ : مَمْسُوحَ الْعَيْنِ ، وَفِي حَدِيثِ سَمُرَةَ مِثْلُهُ ، وَكِلَاهُمَا عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَلَكِنْ فِي حَدِيثِهِمَا : أَعْوَرَ الْعَيْنِ الْيُسْرَى ، وَمِثْلُهُ لِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ ، وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ : أَعْوَرَ الْعَيْنِ الْيُمْنَى ، وَقَدِ اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فَيَكُونُ أَرْجَحَ ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَكِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا الْقَاضِي عِيَاضٌ فَقَالَ : تُصَحَّحُ الرِّوَايَتَانِ مَعًا بِأَنْ تَكُونَ الْمَطْمُوسَةُ وَالْمَمْسُوحَةُ هِيَ الْعَوْرَاءُ الطَّافئةُ بِالْهَمْزِ أَيِ الَّتِي ذَهَبَ ضَوْؤُهَا ، وَهِيَ الْعَيْنُ الْيُمْنَى كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَتَكُونُ الْجَاحِظَةُ الَّتِي كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ وَكَأَنَّهَا نُخَامَةٌ فِي حَائِطٍ هِيَ الطَّافِيَةُ ، بِلَا هَمْزٍ ، وَهِيَ الْعَيْنُ الْيُسْرَى كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، وَعَلَى هَذَا فَهُوَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى مَعًا ، فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَوْرَاءُ أَيْ مَعِيبَةٌ ، فَإِنَّ الْأَعْوَرَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ الْمَعِيبُ ، وَكِلَا عَيْنَيِ الدَّجَّالِ مَعِيبَةٌ فَإِحْدَاهُمَا مَعِيبَةٌ بِذَهَابِ ضَوْئِهَا حَتَّى ذَهَبَ إِدْرَاكُهَا ، وَالْأُخْرَى بِنُتُوئِهَا ، انْتَهَى ، قَالَ النَّوَوِيُّ : هُوَ فِي نِهَايَةِ الْحُسْنِ ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ ، وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ هُنَا فِي الْفَتْحِ مَنْ شَاءَ الْوُقُوفَ عَلَيْهِ فَلْيُرَاجِعْهُ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ سَعْدٍ ، وَحُذَيْفَةَ إِلَخْ ) أَمَّا حَدِيثُ سَعْدٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ أَيْضًا . وَأَمَّا حَدِيثُ أَسْمَاءَ وَهِيَ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ فَأَخْرَجَهُ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَتَقَدَّمَ لَفْظُهُ ، وَلَهَا حَدِيثٌ آخَرُ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ بَابِ الْعَلَامَاتِ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ وَذَكَرَ الدَّجَّالَ ، وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ أَيْضًا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ بَابَيْنِ ، وَأَمَّا أَحَادِيثُ بَقِيَّةِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهَا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .
بَاب : مَا جَاءَ فِي فِتْنَةِ الدَّجَّالِ 2240 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ ، دَخَلَ حَدِيثُ أَحَدِهِمَا فِي حَدِيثِ الْآخَرِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ الطَّائِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الْكِلَابِيِّ قَالَ : ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ ، فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ ، قَالَ : فَانْصَرَفْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ رحنَا إِلَيْهِ فَعَرَفَ ذَلِكَ فِينَا ، فَقَالَ : مَا شَأْنُكُمْ ؟ قَالَ : قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ الْغَدَاةَ فَخَفَّضْتَ وَرَفَّعْتَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ ، قَالَ : غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُ لِي عَلَيْكُمْ ، إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ، إِنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ عَيْنُهُ قائمة ، شَبِيهٌ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ ، فَمَنْ رَآهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ فَوَاتِحَ سُورَةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ ، قَالَ : يَخْرُجُ مَا بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ ، فَعَاثَ يَمِينًا وَشِمَالًا ، يَا عِبَادَ اللَّهِ البثوا ، قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا لَبْثُهُ فِي الْأَرْضِ ؟ قَالَ : أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، يَوْمٌ كَسَنَةٍ ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ ، قَالَ : قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ الْيَوْمَ الَّذِي كَالسَّنَةِ ، أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنْ اقْدُرُوا لَهُ ، قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا سُرْعَتُهُ فِي الْأَرْضِ ؟ قَالَ : كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ ، فَيَأْتِي الْقَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ فَيُكَذِّبُونَهُ وَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ، فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ فَتَتْبَعُهُ أَمْوَالُهُمْ ، فيُصْبِحُونَ لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ ، ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ فَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ وَيُصَدِّقُونَهُ ، فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطِرَ فَتُمْطِرَ ، وَيَأْمُرُ الْأَرْضَ أَنْ تُنْبِتَ فَتُنْبِتَ ، فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ كَأَطْوَلِ مَا كَانَتْ ذُرى وَأَمَدِّهِ خَوَاصِرَ وَأَدَرِّهِ ضُرُوعًا ، ثُمَّ يَأْتِي الْخَرِبَةَ فَيَقُولُ لَهَا : أَخْرِجِي كُنُوزَكِ ، فَيَنْصَرِفُ مِنْهَا فَتتْبَعُهُ كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ ، ثُمَّ يَدْعُو رَجُلًا شَابًّا مُمْتَلِئًا شَبَابًا فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ فَيَقْطَعُهُ جِزْلَتَيْنِ ، ثُمَّ يَدْعُوهُ فَيُقْبِلُ يَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ يَضْحَكُ ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ هَبَطَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ بِشَرْقِيِّ دِمَشْقَ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ ، وَاضِعًا يَدَهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَّانٌ كَاللُّؤْلُؤِ ، قَالَ : وَلَا يَجِدُ رِيحَ نَفْسِهِ - يَعْنِي أَحَدًا - إِلَّا مَاتَ ، وَرِيحُ نَفْسِهِ مُنْتَهَى بَصَرِهِ ، قَالَ : فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ فَيَقْتُلَهُ ، قَالَ : فَيَلْبَثُ كَذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ ، قَالَ : ثُمَّ يُوحِي اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ حَوِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ ، فَإِنِّي قَدْ أَنْزَلْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ ، قَالَ : وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ، وَهُمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ : وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ قَالَ : ويَمُرُّ أَوَّلُهُمْ بِبُحَيْرَةِ الطَّبَرِيَّةِ فَيَشْرَبُ مَا فِيهَا ، ثُمَّ يَمُرُّ بِهَا آخِرُهُمْ فَيَقُولُون : لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ ، ثُمَّ يَسِيرُونَ حَتَّى يَنْتَهُوا إِلَى جَبَلِ بَيْتِ المَقْدِسٍ ، فَيَقُولُونَ : لَقَدْ قَتَلْنَا مَنْ فِي الْأَرْضِ فَهَلُمَّ فَلْنَقْتُلْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ، فَيَرْمُونَ بِنُشَّابِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ ، فَيَرُدُّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نُشَّابَهُمْ مُحْمَرًّا دَمًا ، وَيُحَاصَرُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ يَوْمَئِذٍ خَيْرًا لهِمْ مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُمْ الْيَوْمَ ، قَالَ : فَيَرْغَبُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ إِلَى اللَّهِ وَأَصْحَابُهُ ، قَالَ : فَيُرْسِلُ اللَّهُ عليْهِمْ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ ، فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى مَوْتَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ، قَالَ : وَيَهْبِطُ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ فَلَا يَجِدُ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلَّا وَقَدْ مَلَأَتْهُ زَهَمَتُهُمْ وَنَتَنُهُمْ وَدِمَاؤُهُمْ ، قَالَ : فَيَرْغَبُ عِيسَى إِلَى اللَّهِ وَأَصْحَابُهُ ، قَالَ : فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَيْرًا كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ ، فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَحُهُمْ بِالْمَهْبِلِ ، وَيَسْتَوْقِدُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ قِسِيِّهِمْ وَنُشَّابِهِمْ وَجِعَابِهِمْ سَبْعَ سِنِينَ ، وَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَطَرًا لَا يُكَنُّ مِنْهُ بَيْتُ وَبَرٍ وَلَا مَدَرٍ ، قَالَ : فَيَغْسِلُ الْأَرْضَ فَيَتْرُكُهَا كَالزَّلَفَةِ ، قَالَ : ثُمَّ يُقَالُ لِلْأَرْضِ : أَخْرِجِي ثَمَرَتَكِ وَرُدِّي بَرَكَتَكِ ، فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنْ الرُّمَّانَةِ ، وَيَسْتَظِلُّونَ بِقَحْفِهَا ، وَيُبَارَكُ فِي الرِّسْلِ حَتَّى إِنَّ الْفِئَامَ مِنْ النَّاسِ لَيَكْتَفُونَ بِاللِّقْحَةِ مِنْ الْإِبِلِ ، وَإِنَّ الْقَبِيلَةَ لَيَكْتَفُونَ بِاللِّقْحَةِ مِنْ الْبَقَرِ ، وَإِنَّ الْفَخِذَ لَيَكْتَفُونَ بِاللِّقْحَةِ مِنْ الْغَنَمِ ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا فَقَبَضَتْ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ ، وَيَبْقَى سَائِرُ النَّاسِ يَتَهَارَجُونَ كَمَا يتَهَارَجُ الْحُمُرُ فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ . هَذَا حَدِيثٌ غريب حَسَنٌ صَحِيحٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ ( باب ما جاء في فتنة الدجال ) قَوْلُهُ : ( نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ) الْقُرَشِيُّ الدِّمَشْقِيُّ ( وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ ) الْأَزْدِيُّ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الدِّمَشْقِيُّ ، قَالَ النَّسَائِيُّ : لَا بَأْسَ بِهِ ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ . قَوْلُهُ : ( ذَاتَ غَدَاةٍ ) كَلِمَةُ ذَاتَ مُقْحَمَةٌ ( فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ ) بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ فِيهِمَا ، وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ خَفَّضَ فِيهِ بِمَعْنَى حَقَّرَهُ ، وَقَوْلُهُ رَفَّعَهُ أَيْ عَظَّمَهُ وَفَخَّمَهُ ، فَمِنْ تَحْقِيرِهِ وَهُوَ أَنَّهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى عَوْدُهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ ، وَأنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى قَتْلِ أَحَدٍ إِلَّا ذَلِكَ الرَّجُلِ ثُمَّ يَعْجِزُ عَنْهُ ، وَأنَّهُ يَضْمَحِلُّ أَمْرُهُ وَيُقْتَلُ بَعْدَ ذَلِكَ هُوَ وَأَتْبَاعُهُ ، وَمِنْ تَفْخِيمِهِ وَتَعْظِيمِ فِتْنَتِهِ وَالْمِحْنَةِ بِهِ هَذِهِ الْأُمُورُ الْخَارِقَةُ لِلْعَادَةِ ، وَأنَّهُ مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ خَفَّضَ مِنْ صَوْتِهِ فِي حَالِ كَثْرَةِ مَا تَكَلَّمَ فِيهِ ، فَخَفَّضَ بَعْدَ طُولِ الْكَلَامِ وَالتَّعَبِ لِيَسْتَرِيحَ ثُمَّ رَفَّعَ لِيَبْلُغَ صَوْتُهُ كَمَالًا ( فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ ) أَيْ نَاحِيَتِهِ وَجَانِبِهِ ( ثُمَّ رُحْنَا إِلَيْهِ ) مِنْ رَاحَ يَرُوحُ ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : رُحْتُ الْقَوْمَ وَإِلَيْهِمْ وَعِنْدَهُمْ رَوْحًا وَرَوَاحًا ذَهَبْتُ إِلَيْهِمْ ، رَوَاحًا كَرَوَّحْتُهُمْ وَتَرَوَّحْتُهُمْ ، وَقَالَ فِيهِ : وَالرَّوَاحُ الْعَشِيُّ أَوْ مِنَ الزَّوَالِ إِلَى اللَّيْلِ ، انْتَهَى ( فَعَرَفَ ذَلِكَ ) أَيْ أَثَرَ خَوْفِ الدَّجَّالِ ( إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ ) أَيْ مَوْجُودٌ فِيمَا بَيْنَكُمْ فَرْضًا وَتَقْدِيرًا ( فَأَنَا حَجِيجُهُ ) فَعِيلٌ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ مِنَ الْحُجَّةِ وَهِيَ الْبُرْهَانُ أَيْ غَالِبٌ عَلَيْهِ بِالْحُجَّةِ ( دُونَكُمْ ) أَيْ قُدَّامَكُمْ وَدَافِعُهُ عَنْكُمْ ، وَفِيهِ إِرْشَادٌ إلى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي الْمُحَاجَّةِ مَعَهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى مُعَاوَنَةِ مُعَاوِنٍ مِنْ أُمَّتِهِ فِي غَلَبَتِهِ عَلَيْهِ بِالْحُجَّةِ ( فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ ) بِالرَّفْعِ أَيْ فَكُلُّ امْرِئٍ يُحَاجُّهُ وَيُحَاوِرُهُ وَيُغَالِبُهُ لِنَفْسِهِ ( وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ) يَعْنِي : وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَلِيُّ كُلِّ مُسْلِمٍ وَحَافِظُهُ فَيُعِينُهُ عَلَيْهِ وَيَدْفَعُ شَرَّهُ ( إِنَّهُ ) أَيِ الدَّجَّالَ ( شَابٌّ قَطَطٌ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالطَّاءِ أَيْ شَدِيدُ جُعُودَةِ الشَّعْرِ ( عَيْنُهُ قَائِمَةٌ ) أَيْ بَاقِيَةٌ فِي مَوْضِعِهَا ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : عَيْنُهُ طَافِئَةٌ أَيْ مُرْتَفِعَةٌ ( شَبِيهٌ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ ) بِفَتْحَتَيْنِ . قَالَ الطِّيبِيُّ : قِيلَ إِنَّهُ كَانَ يَهُودِيًّا ، قَالَ الْقَارِي : وَلَعَلَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مُشْركٌ ؛ لِأَنَّ الْعُزَّى اسْمُ صَنَمٍ ، وَيُؤَيِّدُهُ ما جاء فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي هُوَ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ هَلَكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، انْتَهَى ( فَلْيَقْرَأْ فَوَاتِحَ سُورَةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ ) أَيْ أَوَائِلَهَا ، قَالَ الطِّيبِيُّ : الْمَعْنَى أَنَّ قِرَاءَتَهُ أَمَانٌ لَهُ مِنْ فِتْنَتِهِ كَمَا آمَنَ تِلْكَ الْفِتْيَةَ مِنْ فِتْنَةِ دِقْيَانُوسَ الْجَبَّارِ ( فَعَاثَ يَمِينًا وَشِمَالًا ) قَالَ النَّوَوِيُّ : هُوَ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَهُوَ فِعْلُ مَاضٍ ، وَالْعَيْثُ الْفَسَادُ أَوْ أَشَدُّ الْفَسَادِ وَالْإِسْرَاعُ فِيهِ ، يُقَالُ مِنْهُ عَاثَ يَعِيثُ ، وَحَكَى الْقَاضِي أَنَّهُ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ فَعَاثٍ بِكَسْرِ الثَّاءِ مُنَوَّنَةٍ ، اسْمُ فَاعِلٍ ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ ( يَا عِبَادَ اللَّهِ الْبَثُوا ) مِنَ اللُّبْثِ وَهُوَ الْمُكْثُ ، وَالْفِعْلُ لَبِثَ كَسَمِعَ وَهُوَ نَادِرٌ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ مِنْ فِعْلٍ بِالْكَسْرِ قِيَاسُهُ بِالتَّحْرِيكِ إِذْا لَمْ يَتَعَدَّ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ( يَا عِبَادَ اللَّهِ فَاثْبُتُوا ) مِنَ الثَّبَاتِ وَكَذَا فِي الْمِشْكَاةِ ، قَالَ الْقَارِي : أَيْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْمَوْجُودُونَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَوْ أَنْتُمْ أَيُّهَا الْمُخَاطَبُونَ عَلَى فَرْضِ أَنَّكُمْ تُدْرِكُونَ ذَلِكَ الْأَوَانَ فَاثْبُتُوا عَلَى دِينِكُمْ وَإِنْ عَاقَبَكُمْ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : هَذَا مِنَ الْخِطَابِ الْعَامِّ أَرَادَ بِهِ مَنْ يُدْرِكُ الدَّجَّالَ مِنْ أُمَّتِهِ ، ثُمَّ قِيلَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ اسْتِمَالَةً لِقُلُوبِ أُمَّتِهِ وَتَثْبِيتَهُمْ عَلَى مَا يُعَايِنُونَهُ مِنْ شَرِّ الدَّجَّالِ وَتَوْطِينِهِمْ عَلَى مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ تَعَالَى وَاعْتِقَادِهِ وَتَصْدِيقِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَمَا لَبْثُهُ ) بِفَتْحِ لَامٍ وَسُكُونِ مُوَحَّدَةٍ أَيْ مَا قَدْرُ مُكْثِهِ وَتَوَقُّفِهِ ( قَالَ : أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، يَوْمٌ كَسَنَةٍ وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ وَيَوْمٌ كَجُمْعَةٍ وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ ) فَإِنْ قُلْتَ : هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدَّجَّالَ يَمْكُثُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، وَحَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ قَالَتْ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَمْكُثُ الدَّجَّالُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، السَّنَةُ كَالشَّهْرِ وَالشَّهْرُ كَالْجُمْعَةِ وَالْجُمْعَةُ كَالْيَوْمِ وَالْيَوْمُ كَاضْطِرَامِ السَّعَفَةِ فِي النَّارِ ، رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَمْكُثُ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، فَمَا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا ؟ قُلْتُ : قَالَ الْقَارِي : لَعَلَّ وَجْهَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا اخْتِلَافُ الْكَمِّيَّةِ وَالْكَيْفِيَّةِ كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ : السَّنَةُ كَالشَّهْرِ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى سُرْعَةِ الِانْقِضَاءِ ، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ ( يَوْمٌ كَسَنَةٍ ) مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الشِّدَّةَ فِي غَايَةٍ مِنَ الِاسْتِقْصَاءِ عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ اخْتِلَافُهُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالرِّجَالِ ، قَالَهُ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ الْمَذْكُورِ ، وَقَالَ فِي شَرْحِ حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ - الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِيهِ ( أَرْبَعِينَ يَوْمًا ) - مَا لَفْظُهُ : الْحَدِيثُ الَّذِي نَقَلَهُ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُعَارِضًا لِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ هَذِهِ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ لَعَلَّ الْمُرَادَ بِأَحَدِ الْمُكْثَيْنِ مُكْثٌ خَاصٌّ عَلَى وَصْفٍ مُعَيَّنٍ مُبَيَّنٍ عِنْدَ الْعَالِمِ بِهِ ، انْتَهَى . قُلْتُ : الْمُعْتَمَدُ هُوَ أَنَّ رِوَايَةَ الْبَغَوِيِّ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُعَارِضًا لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . قَالَ النَّوَوِيُّ رحمه الله : قَالَ الْعُلَمَاءُ : هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَهَذِهِ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ طَوِيلَةٌ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ ( وَلَكِنِ اقْدُرُوا لَهُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ : هَذَا حُكْمٌ مَخْصُوصٌ بِذَلِكَ الْيَوْمِ شَرَعَهُ لَنَا صَاحِبُ الشَّرْعِ ، قَالُوا : لَوْلَا هَذَا الْحَدِيثُ وَوُكِلْنَا إِلَى اجْتِهَادِنَا لَاقْتَصَرْنَا فِيهِ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ عِنْدَ الْأَوْقَاتِ الْمَعْرُوفَةِ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَيَّامِ ، وَمَعْنَى ( اقْدُرُوا لَهُ ) أَنَّهُ إِذَا مَضَى بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ قَدْرُ مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الظُّهْرِ كُلَّ يَوْمٍ فَصَلُّوا الظُّهْرَ ، ثُمَّ إِذَا مَضَى بَعْدَهُ قَدْرُ مَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَصْرِ فَصَلُّوا الْعَصْرَ ، وَإِذَا مَضَى بَعْدَ هَذَا قَدْرُ مَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ فَصَلُّوا الْمَغْرِبَ ، وَكَذَا الْعِشَاءُ وَالصُّبْحُ ثُمَّ الظُّهْرُ ثُمَّ الْعَصْرُ ثُمَّ الْمَغْرِبُ ، وَهَكَذَا حَتَّى يَنْقَضِيَ ذَلِكَ الْيَوْمُ ، وَقَدْ وَقَعَ فِيهِ صَلَوَاتُ سَنَةٍ ، فَرَائِضُ كُلُّهَا مُؤَدَّاةٌ فِي وَقْتِهَا ، وَأَمَّا الثَّانِي الَّذِي كَشَهْرٍ وَالثَّالِثُ الَّذِي كَجُمْعَةٍ فَقِيَاسُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ أَنْ يُقْدَرَ لَهُمَا كَالْيَوْمِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، انْتَهَى . ( فَمَا سُرْعَتُهُ فِي الْأَرْضِ ) قَالَ الطِّيبِيُّ : لَعَلَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ لَهُ إِسْرَاعًا فِي الْأَرْضِ فَسَأَلُوا عَنْ كَيْفِيَّتِهِ كَمَا كَانُوا عَالِمِينَ بِلُبْثِهِ فَسَأَلُوا عَنْ كَمِّيَّتِهِ بِقَوْلِهِمْ مَا لُبْثُهُ ؟ أَيْ مَا مُدَّةُ لُبْثِهِ ( قَالَ : كَالْغَيْثِ ) الْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْغَيْمُ إِطْلَاقًا لِلسَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ ، أَيْ يُسْرِعُ فِي الْأَرْضِ إِسْرَاعَ الْغَيْمِ ( اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : الْجُمْلَةُ حَالٌ أَوْ صِفَةٌ لِلْغَيْثِ وَأَلْ فِيهِ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ هَذَا مِثَالٌ لَا يُدْرَكُ كَيْفِيَّتُهُ وَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ كَمِّيَّتِهِ ( فَيَأْتِي ) أَيِ الدَّجَّالُ ( فَيَدْعُوهُمْ ) أَيْ إِلَى دَعْوَى أُلُوهِيَّتِهِ ( وَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ) أَيْ لَا يَقْبَلُونَهُ أَوْ يُبْطِلُونَهُ بِالْحُجَّةِ ( ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمُ ) أَيْ قَوْمًا آخَرِينَ ( فَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ ) أي فيقبلون أُلُوهِيَّتَهُ ( فَيَأْمُرَ السَّمَاءَ ) أَيِ السَّحَابَ ( فَتُمْطِرَ ) مِنَ الْإِمْطَارِ حَتَّى تَجْرِيَ الْأَنْهَارُ ( فَتُنْبِتَ ) مِنَ الْإِنْبَاتِ ( فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ ) أَيْ فَتَرْجِعُ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلَيْهِمْ مَاشِيَتُهُمُ الَّتِي تَذْهَبُ بِالْغَدْوَةِ إِلَى مَرَاعِيهَا ( كَأَطْوَلِ مَا كَانَتْ ) أَيِ السَّارِحَةَ مِنَ الْإِبِلِ ( ذُرًى ) بِضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَحُكِيَ كَسْرُهَا وَفَتْحُ الرَّاءِ مُنَوَّنًا ، جَمْعُ ذُرْوَةٍ مُثَلَّثَةٍ ، وَهِيَ أَعْلَى السَّنَامِ ، وَذُرْوَةُ كُلِّ شَيْءٍ أَعْلَاهُ ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ السِّمَنِ ( وَأَمَدِّهِ ) أَيْ وَأَمَدِّ مَا كَانَتْ ، وَهُوَ اسْمُ تَفْضِيلٍ مِنَ الْمَدِّ ( خَوَاصِرَ ) جَمْعُ خَاصِرَةٍ ، وَهِيَ مَا تَحْتَ الْجَنْبِ ، وَمَدُّهَا كِنَايَةٌ عَنِ الِامْتِلَاءِ وَكَثْرَةِ الْأَكْلِ ( وَأَدَرِّهِ ) أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ مِنَ الدَّرِّ ، وَهُوَ اللَّبَنُ ( ضُرُوعًا ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ جَمْعُ ضَرْعٍ : وَهُوَ الثَّدْيُ كِنَايَةً عَنْ كَثْرَةِ اللَّبَنِ ( ثُمَّ يَأْتِي الْخَرِبَةَ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيِ الْأَرْضَ الْخَرِبَةَ وَالْبِقَاعَ الْخَرِبَةَ ( أَخْرِجِي كُنُوزَكِ ) بِضَمِّ الْكَافِ جَمْعُ كَنْزٍ أَيْ مَدْفُونَكِ أَوْ مَعَادِنَكِ ( فَيَنْصَرِفُ ) أَيِ الدَّجَّالُ ( مِنْهَا ) أَيْ مِنَ الْخَرِبَةِ ( فَتَتْبَعُهُ ) الْفَاءُ فَصَيْحَةٌ ، أَيْ فَتَخْرُجُ الْكُنُوزُ فَتَعْقُبَ الدَّجَّالَ ( كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ ) أَيْ كَمَا يَتْبَعُ النَّحْلُ الْيَعْسُوبَ ، وَالْيَعْسُوبُ : أَمِيرُ النَّحْلِ وَذَكَرُهَا والرَّئِيسُ الْكَبِيرُ ، كَذَا فِي الْقَامُوسِ ، وَالْمُرَادُ هُنَا أَمِيرُ النَّحْلِ ، قَالَ الْقَارِي : وَفِي الْكَلَامِ نَوْعُ قَلْبٍ إِذْ حَقُّ الْكَلَامِ كَنَحْلِ الْيَعَاسِيبِ ، انْتَهَى ( ثُمَّ يَدْعُو ) أَيْ يَطْلُبُ ( مُمْتَلِئًا شَبَابًا ) قَالَ الطِّيبِيُّ : هُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي غَايَةِ الشَّبَابِ ( فَيَضْرِبَهُ بِالسَّيْفِ ) أَيْ غَضَبًا عَلَيْهِ لِإِبَائِهِ قَبُولَ دَعْوَتِهِ الْأُلُوهِيَّةَ ، أَوْ إِظْهَارًا لِلْقُدْرَةِ وَتَوْطِئَةً لِخَرْقِ الْعَادَةِ ( فَيَقْطَعَهُ جَزْلَتَيْنِ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتُكْسَرُ أَيْ قِطْعَتَيْنِ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الْغَرَضِ ، قَالَ الْقَارِي : أَيْ قَدْرَ حَذْفِ الْهَدَفِ ، فَهِيَ مَنْصُوبَةٌ بِمقَدرَ ، وَفَائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِهِ أَنْ يَظْهَرَ عِنْدَ النَّاسِ أَنَّهُ هَلَكَ بِلَا شُبْهَةٍ كَمَا يَفْعَلُهُ السَّحَرَةُ وَالْمُشَعْبِذَةُ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَى رَمْيَةَ الْغَرَضِ أَنَّهُ يَجْعَلُ بَيْنَ الْجَزْلَتَيْنِ مِقْدَارَ رَمْيَتِهِ ـ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمَشْهُورُ ، وَحَكَى الْقَاضِي هَذَا ، ثُمَّ قَالَ : وَعِنْدِي أَنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا ، وَتَقْدِيرُهُ فَيُصِيبَهُ إِصَابَةَ رَمْيَةِ الْغَرَضِ فَيَقْطَعَهُ جَزْلَتَيْنِ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، انْتَهَى ، ( فَيُقْبِلُ ) أَيِ الرَّجُلُ الشَّابُّ ، عَلَى الدَّجَّالِ ( يَتَهَلَّلُ ) أَيْ يَتَلَأْلَأُ وَيُضِيءُ ( يَضْحَكُ ) حَالٌ مِنْ فَاعِلِ يُقْبِلُ ، أَيْ يُقْبِلُ ضَاحِكًا بَشَّاشًا فَيَقُولُ : هَذَا كَيْفَ يَصْلُحُ إِلَهًا ( فَبَيْنَمَا هُوَ ) أَيِ الرَّجُلُ ( كَذَلِكَ ) أَيْ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ ( إِذْ هَبَطَ ) أَيْ نَزَلَ ( بِشَرْقِيِّ ) بِالْإِضَافَةِ ( دِمَشْقَ ) بِكَسْرِ الدَّالِ وَفَتْحِ الْمِيمِ ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ ، وَحَكَى صَاحِبُ الْمَطَالِعِ : كَسْرَ الْمِيمِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ فَضَائِلِ دِمَشْقَ ( عِنْدَ الْمَنَارَةِ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذِهِ الْمَنَارَةُ مَوْجُودَةٌ الْيَوْمَ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ ، وَقَالَ الْقَارِي : ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى ابْنِ مَاجَهْ أَنَّهُ قَالَ : الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي رِوَايَةٍ أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَنْزِلُ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَفِي رِوَايَةٍ بِالْأُرْدُنِّ ، وَفِي رِوَايَةٍ بِمُعَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ . قُلْتُ : حَدِيثُ نُزُولِهِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ ، وَهُوَ عِنْدِي أَرْجَحُ ، وَلَا يُنَافِي سَائِرَ الرِّوَايَاتِ ; لِأَنَّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ وَهُوَ مُعَسْكَرُ الْمُسْلِمِينَ إِذْ ذَاكَ ، وَالْأُرْدُنُّ اسْمُ الْكُورَةِ كَمَا فِي الصِّحَاحِ ، وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ دَاخِلٌ فِيهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ الْآنَ مَنَارَةٌ ، فَلَا بُدَّ أَنْ تَحْدُثَ قَبْلَ نُزُولِهِ ، انْتَهَى ( بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : الْمَهْرُودَتَانِ روي بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُهْمَلَةُ أَكْثَرُ ، وَالْوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِلْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْغَرِيبِ وَغَيْرِهِمْ ، وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ فِي النُّسَخِ بِالْمُهْمَلَةِ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ ، وَمَعْنَاهُ لَابِسٌ مَهْرُودَتَيْنِ : أَيْ ثَوْبَيْنِ مَصْبُوغَيْنِ بِوَرْسٍ ، ثُمَّ بِزَعْفَرَانٍ ، وَقِيلَ : هُمَا شُقَّتَانِ ، وَالشُّقَّةُ نِصْفُ الْمِلَاءَةِ ، وَقَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : الْقَوْلُ عِنْدَنَا فِي الْحَدِيثِ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ : يُرْوَى بِالدَّالِ وَالذَّالِ أَيْ بَيْنَ مُمَصَّرَتَيْنِ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ وَلَمْ نَسْمَعْهُ إِلَّا فِيهِ ، وَكَذَلِكَ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ لَمْ تُسْمَعْ إِلَّا فِي الْحَدِيثِ ، وَالْمُمَصَّرَةُ مِنَ الثِّيَابِ الَّتِي فِيهَا صُفْرَةٌ خَفِيفَةٌ ، وَقِيلَ الْمَهْرُودُ : الثَّوْبُ الَّذِي يُصْبَغُ بِالْعُرُوقِ ، وَالْعُرُوقُ يُقَالُ لَهَا الْهَرْدُ ، انْتَهَى . ( وَاضِعًا يَدَهُ ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَاضِعًا كَفَّيْهِ ( إِذَا طَأْطَأَ ) بِهَمْزَتَيْنِ أَيْ خَفَضَ ( تَحَدَّرَ ) مَاضٍ مَعْلُومٌ مِنَ التَّحَدُّرِ ، أَيْ نَزَلَ وَقَطَرَ ( جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ هِيَ حَبَّاتٌ مِنَ الْفِضَّةِ تُصْنَعُ عَلَى هَيْئَةِ اللُّؤْلُؤِ الْكِبَارِ ، وَالْمُرَادُ يَتَحَدَّرُ مِنْهُ الْمَاءُ عَلَى هَيْئَةِ اللُّؤْلُؤِ فِي صِفَاتِهِ ، فَسُمِّيَ الْمَاءُ جُمَانًا لِشَبَهِهِ بِهِ فِي الصَّفَاءِ ( رِيحَ نَفَسِهِ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْفَاءِ ( يَعْنِي أَحَدٌ ) هَذَا بَيَانٌ لِفَاعِلِ يَجِدُ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ ، أَيْ لَا يَجِدُ أَحَدٌ مِنَ الْكُفَّارِ ( إِلَّا مَاتَ ) قَالَ الْقَارِي : مِنَ الْغَرِيبِ أَنَّ نَفَسَ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَعَلَّقَ بِهِ الْإِحْيَاءُ لِبَعْضٍ وَالْإِمَاتَةُ لِبَعْضٍ ( وَرِيحُ نَفَسِهِ مُنْتَهَى بَصَرِهِ ) ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ ( فَيَطْلُبُهُ ) أَيْ يَطْلُبُ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الدَّجَّالَ ( حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : هُوَ بِضَمِّ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ مَصْرُوفٌ ، وَهُوَ بَلْدَةٌ قَرِيبَةٌ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ . وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : لُدٌّ مَوْضِعُ بِالشَّامِ وَقِيلَ بِفِلَسْطِينَ ( أَنْ حَوِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ وَبِالزَّايِ أَمْرٌ مِنَ التَّحْوِيزِ أَيْ نَحِّهِمْ وَأَزِلْهُمْ عَنْ طَرِيقِهِمْ إِلَى الطُّورِ ( قَدْ أَنْزَلْتُ عِبَادًا لِي ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي أَيْ أَظْهَرْتُ جَمَاعَةً وَهُمْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ( لَا يَدَانِ ) بِكَسْرِ النُّونِ تَثْنِيَةُ يَدٍ ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : مَعْنَاهُ لَا قُدْرَةَ وَلَا طَاقَةَ ، يُقَالُ : مَا لِي بِهَذَا الْأَمْرِ يَدٌ وَمَا لِي بِهِ يَدَانِ ، لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ وَالدَّفْعَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْيَدِ ، وَكَأَنَّ يَدَيْهِ مَعْدُومَتَانِ لِعَجْزِهِ عَنْ دَفْعِهِ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ مِنَ الْأَرْضِ يَنْسِلُونَ أَيْ يَمْشُونَ مُسْرِعِينَ ( بِبُحَيْرَةِ الطَّبَرِيَّةِ ) بِالْإِضَافَةِ ، وَبُحَيْرَةٌ تَصْغِيرُ بَحْرَةٍ وَهِيَ مَاءٌ مُجْتَمِعٌ بِالشَّامِ طُولُهُ عَشَرَةُ أَمْيَالٍ ، وَالطَّبَرِيَّةُ بِفَتْحَتَيْنِ اسْمُ مَوْضِعٍ ( فَهَلُمَّ ) أَيْ تَعَالَ ، وَالْخِطَابُ لِأَمِيرِهِمْ وَكَبِيرِهِمْ ، أَوْ عَامٌّ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِأَحَدِهِمْ ، وَفِي النِّهَايَةِ فِيهِ لُغَتَانِ فَأَهْلُ الْحِجَازِ يُطْلِقُونَهُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ وَالْمُؤَنَّثِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ مَبْنِيٍّ عَلَى الْفَتْحِ ، وَبَنُو تَمِيمٍ تُثَنِّي وَتجْمَعُ وَتُؤَنِّثُ تَقُولُ : هَلُمَّ وَهَلُمِّي وَهَلُمَّا وَهَلُمُّوا ( فَيَرْمُونَ بِنُشَّابِهِمْ ) بِضَمٍّ فَتَشْدِيدٍ مُفْرَدُهُ نُشَّابَةٌ ، وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ ، أَيْ سِهَامِهِمْ ( وَيُحَاصَرُ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ يُحْبَسُ فِي جَبَلِ الطُّورِ ( حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ يَوْمَئِذٍ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُمُ الْيَوْمَ ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ : أَيْ تَبْلُغُ بِهِمُ الْفَاقَةُ إِلَى هَذَا الْحَدِّ ، إِنَّمَا ذَكَرَ رَأْسَ الثَّوْرِ لِيُقَاسَ الْبَقِيَّةُ عَلَيْهِ فِي الْقِيمَةِ ( فَيَرْغَبُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ إِلَى اللَّهِ وَأَصْحَابُهُ ) قَالَ الْقَاضِي : أَيْ يَرْغَبُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي إِهْلَاكِهِمْ وَإِنْجَائِهِمْ عَنْ مُكَابَدَةِ بَلَائِهِمْ ، وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ ، فَيَسْتَجِيبُ اللَّهُ فَيُهْلِكَهُمْ بِالنَّغَفِ كَمَا قَالَ ( فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) أَيْ عَلَى يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ( النَّغَفَ ) بِنُونٍ وَغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ فَاءٍ ، وَهُوَ دُودٌ يَكُونُ فِي أُنُوفِ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ ، الْوَاحِدَةُ نَغَف ( فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى ) كَهَلْكَى وَزْنًا وَمَعْنًى ، وَهُوَ جَمْعُ فَرِيسٍ كَقَتِيلِ وَقَتْلَى مِنْ فَرَسَ الذِّئْبُ الشَّاةَ إِذَا كَسَرَهَا وَقَتَلَهَا وَمِنْهُ فَرِيسَةُ الْأَسَدِ ( كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ) لِكَمَالِ الْقُدْرَةِ وَتَعَلُّقِ الْمَشِيئَةِ ، قَالَ تَعَالَى : مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ( وَيَهْبِطُ ) أَيْ يَنْزِلُ مِنَ الطُّورِ ( وَقَدْ مَلَأَتْهُ زَهَمَتُهُمْ ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : زَهَمُهُمْ بِغَيْرِ التَّاءِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : هُوَ بِفَتْحِ الْهَاءِ أَيْ دَسَمُهُمْ وَرَائِحَتُهُمُ الْكَرِيهَةُ ( فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَيْرًا كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ ) بِضَمِّ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ مُعْجَمَةٍ نَوْعٌ مِنَ الْإِبِلِ أَيْ طَيْرًا أَعْنَاقُهَا فِي الطُّولِ وَالْكِبَرِ كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ ، وَالطَّيْرُ جَمْعُ طَائِرَةٍ وَقَدْ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ ( فَتَطْرَحُهُمْ بِالْمَهْبِلِ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ هُوَ الْهُوَّةُ الذَّاهِبَةُ فِي الْأَرْضِ ( وَيَسْتَوْقِدُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ قِسِيِّهِمْ ) بِكِسْرَتَيْنِ فَتَشْدِيدِ تَحْتِيَّةٍ جَمْعُ قَوْسٍ ، وَالضَّمِيرُ لِيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ( وَنُشَّابِهِمْ ) أَيْ سِهَامِهِمْ ( وَجِعَابِهِمْ ) بِكَسْرِ الْجِيمِ جَمْعُ جَعْبَةٍ بِالْفَتْحِ ، وَهِيَ ظَرْفُ النُّشَّابِ ( لَا يَكُنُّ ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ مِنْ كَنَنْتُ الشَّيْءَ أَيْ سَتَرْتُهُ وَصُنْتُهُ عَنِ الشَّمْسِ وَهِيَ مِنْ أَكْنَنْتُ الشَّيْءَ بِهَذَا الْمَعْنَى ، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ وَالْجُمْلَةُ صِفَةُ ، مَطَرًا أَيْ لَا يَسْتُرُ وَلَا يَصُونَ شَيْئًا ( مِنْهُ ) أَيْ مِنْ ذَلِكَ الْمَطَرِ ( بَيْتُ وَبَرٍ ) أَوْ صُوفٍ أَوْ شَعْرٍ ( وَلَا مَدَرٍ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالدَّالِ وَهُوَ الطِّينُ الصُّلْبُ ، وَالْمُرَادُ تَعْمِيمُ بُيُوتِ أَهْلِ الْبَدْوِ وَالْحَضَرِ ( فَيَغْسِلُ ) أَيِ الْمَطَرُ ( فَيَتْرُكَهَا كَالزَّلْفَةِ ) بِفَتْحِ الزَّايِ وَاللَّامِ وَيَسْكُنُ وَبِالْفَاءِ وَقِيلَ بِالْقَافِ ، وَهِيَ الْمِرْآةُ بِكَسْرِ الْمِيمِ ، وَقِيلَ مَا يُتَّخَذُ لِجَمْعِ الْمَاءِ مِنَ الْمَصْنَعِ ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الْمَاءَ يَعُمُّ جَمِيعَ الْأَرْضِ بِحَيْثُ يَرَى الرَّائِي وَجْهَهُ فِيهِ ( تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيِ الْجَمَاعَةُ ( وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا ) بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ بِقِشْرِهَا ، قَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ مُقَعَّرُ قِشْرِهَا ، شَبَّهَهَا بِقِحْفِ الْآدَمِيِّ وَهُوَ الَّذِي فَوْقَ الدِّمَاغِ ، وَقِيلَ مَا انْفَلَقَ مِنْ جُمْجُمَتِهِ وَانْفَصَلَ ، انْتَهَى . ( وَيُبَارَكُ فِي الرِّسْلِ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ السِّينِ أَيِ اللَّبَنِ ( حَتَّى إِنَّ الْفِئَامَ ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَمْدُودَةٌ وَهِيَ الْجَمَاعَةُ الْكَثِيرَةُ ( لَيَكْتَفُونَ بِاللِّقْحَةِ ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَالْكَسْرُ أَشْهَرُ ، وَهِيَ الْقَرِيبَةُ الْعَهْدِ بِالْوِلَادَةِ وَجَمْعُهَا لِقَحٌ بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ كَبِرْكَةٍ وَبِرَكٍ وَاللَّقُوحُ ذَاتُ اللَّبَنِ وَجَمْعُهَا لِقَاحٌ ( وَإِنَّ الْفَخْذَ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْفَخِذُ الْجَمَاعَةُ مِنَ الْأَقَارِبِ وَهُمْ دُونَ الْبَطْنِ ، وَالْبَطْنُ دُونَ الْقَبِيلَةِ ، قَالَ الْقَاضِي : قَالَ ابْنُ فَارِسٍ : الْفَخْذُ هُنَا بِإِسْكَانِ الْخَاءِ لَا غَيْرُ فَلَا يُقَالُ إِلَّا بِإِسْكَانِهَا بِخِلَافِ الْفَخِذِ الَّتِي هِيَ الْعُضْوُ فَإِنَّهَا تُكْسَرُ وَتُسَكَّنُ ، انْتَهَى . ( وَيَبْقَى سَائِرُ النَّاسِ ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ ( يَتَهَارَجُونَ كَمَا يَتَهَارَجُ الْحُمُرُ ) أَيْ يُجَامِعُ الرِّجَالُ النِّسَاءَ بِحَضْرَةِ النَّاسِ كَمَا يَفْعَلُ الْحَمِيرُ وَلَا يَكْتَرِثُونَ لِذَلِكَ ، وَالْهَرْجُ بِإِسْكَانِ الرَّاءِ الْجِمَاعُ ، يُقَالُ هَرَجَ زَوْجَتَهُ أَيْ جَامَعَهَا يَهْرُجُهَا بِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا وَكَسْرِهَا ( فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ ) أَيْ لَا عَلَى غَيْرِهِمْ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ ، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالُ فِي الْأَرْضِ اللَّهُ اللَّهُ ، رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ .
بَاب مَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ 2191 حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى الْقَزَّازُ الْبَصْرِيُّ ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، نا عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا صَلَاةَ الْعَصْرِ بِنَهَارٍ ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا يَكُونُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا أَخْبَرَنَا بِهِ ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ ، فكَانَ فِيمَا قَالَ : إِنَّ الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا ، فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ، أَلَا فَاتَّقُوا الدُّنْيَا ، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ ، وَكَانَ فِيمَا قَالَ : أَلَا لَا تمْنَعَنَّ رَجُلًا هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا عَلِمَهُ ، قَالَ : فَبَكَى أَبُو سَعِيدٍ ، فَقَالَ : قَدْ وَاللَّهِ رَأَيْنَا أَشْيَاءَ فَهِبْنَا ، وكَانَ فِيمَا قَالَ : أَلَا إِنَّهُ يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ ، وَلَا غَدْرَةَ أَعْظَمُ مِنْ غَدْرَةِ إِمَامِ عَامَّةٍ ، يُرْكَزُ لِوَاؤُهُ عِنْدَ اسْتِهِ ، وكَانَ فِيمَا حَفِظْنَا يَوْمَئِذٍ ، أَلَا إِنَّ بَنِي آدَمَ خُلِقُوا عَلَى طَبَقَاتٍ شَتَّى ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا وَيَحْيَى مُؤْمِنًا ، وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا وَيَحْيَى كَافِرًا وَيَمُوتُ كَافِرًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا وَيَحْيَى مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ كَافِرًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا وَيَحْيَى كَافِرًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا ، أَلَا وَإِنَّ مِنْهُمْ الْبَطِيءَ الْغَضَبِ ، سَرِيعَ الْفَيْءِ ، وَمِنْهُمْ سَرِيعُ الْغَضَبِ سَرِيعُ الْفَيْءِ ، فَتِلْكَ بِتِلْكَ ، أَلَا وَإِنَّ مِنْهُمْ سَرِيعَ الْغَضَبِ بَطِيءَ الْفَيْءِ ، أَلَا وَخَيْرُهُمْ بَطِيءُ الْغَضَبِ سَرِيعُ الْفَيْءِ ، وَشَرُّهُمْ سَرِيعُ الْغَضَبِ بَطِيءُ الْفَيْءِ ، أَلَا وَإِنَّ مِنْهُمْ حَسَنَ الْقَضَاءِ حَسَنَ الطَّلَبِ ، وَمِنْهُمْ سَيِّئُ الْقَضَاءِ حَسَنُ الطَّلَبِ ، وَمِنْهُمْ حَسَنُ الْقَضَاءِ سَيِّئُ الطَّلَبِ ، فَتِلْكَ بِتِلْكَ ، أَلَا وَإِنَّ مِنْهُمْ السَّيِّئَ الْقَضَاءِ السَّيِّئَ الطَّلَبِ ، أَلَا وَخَيْرُهُمْ الْحَسَنُ الْقَضَاءِ الْحَسَنُ الطَّلَبِ ، أَلَا وَشَرُّهُمْ سَيِّئُ الْقَضَاءِ سَيِّئُ الطَّلَبِ ، أَلَا وَإِنَّ الْغَضَبَ جَمْرَةٌ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ ، أَمَا رَأَيْتُمْ إِلَى حُمْرَةِ عَيْنَيْهِ وَانْتِفَاخِ أَوْدَاجِهِ ، فَمَنْ أَحَسَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَلْصَقْ بِالْأَرْضِ ، قَالَ : وَجَعَلْنَا نَلْتَفِتُ إِلَى الشَّمْسِ هَلْ بَقِيَ مِنْهَا شَيْءٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَا إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ الدُّنْيَا فِيمَا مَضَى مِنْهَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا فِيمَا مَضَى مِنْهُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَفِي الْبَاب عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَأَبِي زَيْدِ بْنِ أَخْطَبَ وحُذَيْفَةَ وَأَبِي مَرْيَمَ ، ذَكَرُوا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَهُمْ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ . بَاب مَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَوْلُهُ : ( بِنَهَارٍ ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَجَّلَ الْعَصْرَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ( ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ) أي وَاعِظًا ( فَلَمْ يَدَعْ ) أَيْ لَمْ يَتْرُكْ ( شَيْئًا ) أَيْ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ الدِّينِ مِمَّا لَا بُدَّ منه ( يَكُونُ ) أَيْ يَقَعُ ذَلِكَ الشَّيْءُ ( إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ ) أَيْ سَاعَةَ الْقِيَامَةِ ( حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ ) أَيْ مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ وَحَفِظَهُ ( وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ ) أَيْ مَنْ أَنْسَاهُ اللَّهُ وَتَرَكَ نَصْرَهُ ( فَكَانَ ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَكَانَ ( فِيمَا قَالَ ) أَيْ مِنْ خُطْبَتِهِ وَمَوْعِظَتِهِ ( إِنَّ الدُّنْيَا خَضِرَةٌ ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ ، أَيْ نَاعِمَةٌ طَرِيَّةٌ مَحْبُوبَةٌ ( حُلْوَةٌ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ لَذِيذَةٌ حَسَنَةٌ ، وَإِنَّمَا وَصَفَهَا بِالْخَضِرَةِ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الشَّيْءَ النَّاعِمَ خَضِرًا أَوْ لِشَبَهِهَا بِالْخَضْرَوَاتِ فِي ظُهُورِ كَمَالِهَا وَسُرْعَةِ زَوَالِهَا ، وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّهَا تَفْتِنُ النَّاسَ ، بِلَوْنِهَا وَطَعْمِهَا ( وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) أَيْ جَاعِلُكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ قَرْنٍ خَلَوْا قَبْلَكُمْ فَيَنْظُرَ تُطِيعُونَهُ أَوْ لَا ( أَلَا ) لِلتَّنْبِيهِ ( فَاتَّقُوا الدُّنْيَا ) أَيِ احْذَرُوا زِيَادَتَهَا عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ الْمُعِينَةِ لِلدِّينِ النَّافِعَةِ فِي الْأُخْرَى ( وَاتَّقُوا النِّسَاءَ ) أَيْ كَيْدَهُنَّ وَمَكْرَهُنَّ ( وَكَانَ فِيمَا قَالَ ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خُطْبَتِهِ ( أَلَا ) لِلتَّنْبِيهِ ( هَيْبَةُ النَّاسِ ) أَيْ عَظَمَتُهُمْ وَشَوْكَتُهُمْ وَمَخَافَتُهُمْ وَمَهَابَتُهُمْ ( أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ ) أَيْ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ أَوْ يَأْمُرَ بِهِ ( قَدْ وَاللَّهِ رَأَيْنَا أَشْيَاءَ فَهِبْنَا ) أَيْ خِفْنَا مِنْ هَابَهُ يَهَابُهُ أَيْ يَخَافُهُ ، وَالْمَعْنَى مَنَعَتْنَا هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ نَتَكَلَّمَ فِيهَا ( يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ ) مِنَ الْغَدْرِ وَهُوَ تَرْكُ الْوَفَاءِ ( لِوَاءٌ ) بِكَسْرِ اللَّامِ أَيْ عَلِمَ إِعْلَامًا بِسُوءِ حَالِهِ وَقُبْحِ مَآلِهِ ( بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ ) مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْغَدْرِ ( وَلَا غَدْرَةَ أَعْظَمَ مِنْ غَدْرَةِ إِمَامٍ عَامَّةٍ ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : أَرَادَ بِهِ الْمُتَغَلِّبَ الَّذِي يَسْتَوْلِي عَلَى أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَبِلَادِهِمْ بِتَأْمِيرِ الْعَامَّةِ وَمُعَاضَدَتِهِمْ إِيَّاهُ مِنْ غَيْرِ مُؤَامَرَةٍ مِنَ الْخَاصَّةِ ، وَأَهْلِ الْعَقْدِ مِنْ أُولِي الْعِلْمِ وَمَنْ يَنْضَمُّ إِلَيْهِمْ مِنْ ذَوِي السَّابِقَةِ وَوُجُوهِ النَّاسِ ( يُرْكَزُ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ، أَيْ يُغْرَزُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ ( لِوَاؤُهُ عِنْدَ اسْتِهِ ) بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ مَكْسُورَةٍ ، الْعَجُزُ أَوْ حَلْقَةُ الدُّبُرِ أَيْ يُنْصَبُ لِوَاؤُهُ عِنْدَ اسْتِهِ تَحْقِيرًا لَهُ ( أَلَا ) لِلتَّنْبِيهِ ( خُلِقُوا ) أَيْ جُبِلُوا عَلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ فِيهِمْ مِنِ اخْتِيَارِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ( عَلَى طَبَقَاتٍ شَتَّى ) أَيْ مَرَاتِبَ مُخْتَلِفَةٍ بِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ وَأَوْقَاتِهِمَا . ( فَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا ) أَيْ مِنْ أَبَوَيْهِ الْمُؤْمِنَيْنِ أَوْ فِي بِلَادِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ حِينَ يُولَدُ قَبْلَ التَّمْيِيزِ لَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ الْإِيمَانُ إِلَّا بِاعْتِبَارِ مَا عَلِمَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الْأَزَلِ ، أَوْ بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ أَمْرُهُ فِي الِاسْتِقْبَالِ ( يَحْيَى ) أَيْ يَعِيشُ فِي جَمِيعِ عُمْرِهِ مِنْ حِينِ تَمْيِيزِهِ إِلَى انْتِهَاءِ عُمْرِهِ ( مُؤْمِنًا ) أَيْ كَامِلًا أَوْ نَاقِصًا ( وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا ) أَيْ وَكَذَلِكَ جَعَلَنَا اللَّهُ مِنْهُمْ ( وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا ) أَيْ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ وَهُوَ لَا يُنَافِي مَا وَرَدَ : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا قَابِلِيَّةُ قَبُولِ الْهِدَايَةِ لَوْلَا مَانِعٌ مِنْ بَوَاعِثِ الضَّلَالَةِ ، كَمَا يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ : فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ الْحَدِيثُ ، ( وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا وَيَحْيَى كَافِرًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا ) فَالْعِبْرَةُ بِالْخَوَاتِيمِ ، وَكَأَنَّ التَّقْسِيمَ غَالِبِيٌّ ، وَإِلَّا فَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا وَيَحْيَى كَافِرًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا وَيَحْيَى مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ كَافِرًا ، وَلَعَلَّ عَدَمَ ذِكْرِهِمَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْخَاتِمَةِ وَقَدْ عَلِمْتَ مِمَّا ذُكِرَ إِجْمَالًا . ( أَلَا ) لِلتَّنْبِيهِ وَكَذَا مَا بَعْدَهُ ( وَإِنَّ مِنْهُمْ ) أَيْ مِنْ بَنِي آدَمَ ( الْبَطِيءَ الْغَضَبِ ) فَعِيلَ مِنَ الْبُطْءِ مَهْمُوزٌ ، وَقَدْ يُبْدَلُ وَيُدْغَمُ وَهُوَ ضِدُّ السَّرِيعِ ( سَرِيعَ الْفَيْءِ ) أَيْ سَرِيعَ الرُّجُوعِ مِنَ الْغَضَبِ ( وَمِنْهُمْ سَرِيعُ الْغَضَبِ سَرِيعُ الْفَيْءِ فَتِلْكَ بِتِلْكَ ) وَفِي الْمِشْكَاةِ فَإِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى . قَالَ الْقَارِي : أَيْ إِحْدَى الْخَصْلَتَيْنِ مُقَابَلَةٌ بِالْأُخْرَى وَلَا يَسْتَحِقُّ الْمَدْحَ وَالذَّمَّ فَاعِلُهُمَا لِاسْتِوَاءِ الْحَالَتَيْنِ فِيهِ بِمُقْتَضَى الْعَقْلِ ، فَلَا يُقَالُ فِي حَقِّهِ إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ وَلَا شَرُّهُمْ ، انْتَهَى ، وَهَاهُنَا قِسْمٌ رَابِعٌ لَمْ يَذْكُرْهُ التِّرْمِذِيُّ وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ ، فَفِي الْمِشْكَاةِ : وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ بَطِيءَ الْغَضَبِ بَطِيءَ الْفَيْءِ ، فَإِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى ، قَالَ الْقَارِي : وَالتَّقْسِيمُ بِمُقْتَضَى الْعَقْلِ رُبَاعِيٌّ لَا خَامِسَ لَهُ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ فِيهِ جَمِيعِ الْأَخْلَاقِ الْمَرْضِيَّةِ وَالدَّنِيَّةِ ، وَأَنَّ كَمَالَهُ أَنْ تَغْلِبَ لَهُ الصِّفَاتُ الْحَمِيدَةُ عَلَى الذَّمِيمَةِ ، لَا أَنَّهَا تَكُونُ مَعْدُومَةً فِيهِ بِالْكُلِّيَّةِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ وَالْعَادِمِينَ ، إِذْ أَصْلُ الْخَلْقِ لَا يَتَغَيَّرُ وَلَا يَتَبَدَّلُ ، وَلِذَا وَرَدَ : وَلَوْ سَمِعْتُمْ أَنَّ جَبَلًا زَالَ عَنْ مَكَانِهِ فَصَدِّقُوهُ ، وَإِنْ سَمِعْتُمْ أَنَّ رَجُلًا تَغَيَّرَ عَنْ خَلْقِهِ أَيِ الْأَصْلِيِّ فَلَا تُصَدِّقُوهُ ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَبْدِيلِ الْأَخْلَاقِ فِي الْجُمْلَةِ دُعَاؤُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِصَالِحِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِصَالِحِهَا إِلَّا أَنْتَ ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ انْتَهَى . ( أَلَا وَإِنَّ مِنْهُمْ حَسَنَ الْقَضَاءِ ) أَيْ مُسْتَحْسَنَ الْأَدَاءِ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ ( حَسَنَ الطَّلَبِ ) أَيْ إِذَا كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى أَحَدٍ ( وَمِنْهُمْ سَيِّئُ الْقَضَاءِ حَسَنُ الطَّلَبِ ) أَيْ فَإِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى كَمَا فِي رِوَايَةِ ( وَمِنْهُمْ حَسَنُ الْقَضَاءِ سَيِّئُ الطَّلَبِ فَتِلْكَ بِتِلْكَ ) : وَفِي الْمِشْكَاةِ : مِنْكُمْ مَنْ يَكُونُ حَسَنَ الْقَضَاءِ ، وَإِذَا كَانَ لَهُ أَفْحَشَ فِي الطَّلَبِ ، قَالَ الْقَارِي : بِأَنْ لَمْ يُرَاعِ الْأَدَبَ وَآذَى فِي تَقَاضِيهِ ، وَعَسُرَ عَلَى صَاحِبِهِ فِي الطَّلَبِ ( أَلَا وَإِنَّ الْغَضَبَ جَمْرَةٌ ) أَيْ حَرَارَةٌ غَرِيزِيَّةٌ ، وَحِدَةٌ جِبِلِّيَّةٌ مُشْعِلَةٌ جَمْرَةَ نَارٍ مَكْمُونَةٍ فِي كَانُونِ النَّفْسِ ( إِلَى حُمْرَةِ عَيْنَيْهِ ) كَمَا يُوجَدُ مِثْلُ هَذَا عِنْدَ حَرَارَةِ الطَّبِيعَةِ فِي أَثَرِ الْحُمَّى ( وَانْتِفَاخِ أَوْدَاجِهِ ) ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْأَوْدَاجُ مَا أَحَاطَ بِالْعُنُقِ مِنَ الْعُرُوقِ الَّتِي يَقْطَعُهَا الذَّابِحُ وَاحِدُهَا وَدَجٌ بِالتَّحْرِيكِ ، وَقِيلَ الْوَدَجَانِ هُمَا عِرْقَانِ غَلِيظَانِ عَنْ جَانِبَيْ ثُغْرَةِ النَّحْرِ انْتَهَى ، ( فَمَنْ أَحَسَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ) أَيْ أَدْرَكَ ظُهُورَ أَثَرٍ مِنْهُ أَوْ مَنْ عَلِمَ فِي بَاطِنِهِ شَيْئًا مِنْهُ ( فَلْيَلْصَقْ بِالْأَرْضِ ) مِنْ بَابِ عَلِمَ يَعْلَمُ أَيْ فَلْيَلْتَزِقْ بِهَا حَتَّى يَسْكُنَ غَضَبُهُ ، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّعَةِ عَنِ الِاسْتِعْلَاءِ ، وَتَذْكَارِ أَنَّ مَنْ كَانَ أَصْلُهُ مِنَ التُّرَابِ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يَتَكَبَّرَ ( وَلَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا فِيمَا مَضَى مِنْهَا ) أَيْ فِي جُمْلَةِ مَا مَضَى مِنْهَا ( إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا فِيمَا مَضَى مِنْهُ ) يَعْنِي نِسْبَةُ مَا بَقِيَ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا إِلَى جُمْلَةِ مَا مَضَى كَنِسْبَةِ مَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا إِلَى مَا مَضَى مِنْهُ ، وَقَوْلُهُ إِلَّا كَمَا بَقِيَ مُسْتَثْنًى مِنْ فَاعِلِ لَمْ يَبْقَ أَيْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مِثْلُ مَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) فِي سَنَدِهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ وَهُوَ صَدُوقٌ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ ضَعِيفٌ عِنْدَ غَيْرِهِ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، وَأَبِي زَيْدِ بْنِ أَخْطَبَ ، وَحُذَيْفَةَ ، وَأَبِي مَرْيَمَ إِلَخْ ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي زَيْدِ بْنِ أَخْطَبَ ، فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ فِي الْفِتَنِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ حذيفة فأخرجه البخاري في القدر ، ومسلم في الفتن ، وَأَمَّا حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ ، وَأَبِي مَرْيَمَ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ .
2239 - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نا أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : فَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ مَعَ قِيَامِ السَّاعَةِ . قَالَ مَحْمُودٌ : هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، وَالْقُسْطَنْطِينِيَّةُ هِيَ مَدِينَةُ الرُّومِ تُفْتَحُ عِنْدَ خُرُوجِ الدَّجَّالِ ، وَالْقُسْطَنْطِينِيَّةُ قَدْ فُتِحَتْ فِي زَمَانِ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ ) بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ ، كُنْيَتُهُ أَبُو سَعِيدٍ الْقَاضِي ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ مِنَ الْخَامِسَةِ . قَوْلُهُ : ( فَتْحُ الْقُسْطُنْطِينَةِ مَعَ قِيَامِ السَّاعَةِ ) أَيْ مَعَ قُرْبِ قِيَامِهَا .
بَاب : مَا جَاءَ فِي عَلَامَاتِ خُرُوجِ الدَّجَّالِ 2238 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، نا الْحَكَمُ بْنُ الْمُبَارَكِ ، نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ سُفْيَانَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ قُطَيْبٍ السَّكُونِيِّ ، عَنْ أَبِي بَحْرِيَّةَ صَاحِبِ مُعَاذٍ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْمَلْحَمَةُ الْعُظْمَى ، وَفَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ ، وَخُرُوجُ الدَّجَّالِ ، فِي سَبْعَةِ أَشْهُرٍ . وَفِي الْبَاب عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . ( باب ما جاء في علامات خروج الدجال ) قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) هُوَ الدَّارِمِيُّ ( نا الْحَكَمُ بْنُ الْمُبَارَكِ ) الْبَاهِلِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو صَالِحٍ الْخَاشِتِيُّ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِ الشِّينِ وَآخِرُهُ مُثَنَّاةٌ ، وَخَاشِتُ مِنْ مَحَالِّ بَلْخٍ ، صَدُوقٌ رُبَّمَا وَهِمَ ، مِنَ الْعَاشِرَةِ ( عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ ، أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ الْغَسَّانِيُّ الشَّامِيُّ وَقَدْ يُنْسَبُ إِلَى جَدِّهِ ، قِيلَ : اسْمُهُ بُكَيْرٌ ، وَقِيلَ عَبْدُ السَّلَامِ ضَعِيفٌ ، وَكَانَ قَدْ سُرِقَ بَيْتُهُ فَاخْتَلَطَ مِنَ السَّابِعَةِ ( عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ سُفْيَانَ ) بْنِ أَبِي مَرْيَمَ الْغَسَّانِيِّ ، شَامِيٌّ مَجْهُولٌ مِنَ السَّادِسَةِ ( عَنْ يَزِيدَ بْنِ قُطَيْبٍ ) بِفَتْحِ الطَّاءِ مُصَغَّرًا السكوني ، مَقْبُولٌ ، مِنَ السَّادِسَةِ ( عَنْ أَبِي بَحْرِيَّةَ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ ، قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ الْترَاغِمِيُّ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُعْجَمَةِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ ، أَبُو بَحْرِيَّةَ الْحِمْصِيُّ ، شَهِدَ الْجَابِيَةَ ، روِى عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَقَالَ فِي الْمُغْنِي : فِي نِسْبَتِهِ التَّرَاغِمِيُّ بِضَمِّ فَوْقِيَّةٍ وَخِفَّةِ رَاءٍ وَكَسْرِ غَيْنٍ مُعْجَمَةٍ فِي آخِرِهَا مِيمٌ مَنْسُوبٌ إِلَى تَرَاغِمَ بْنِ كَذَا . قَوْلُهُ : ( الْمَلْحَمَةُ ) أَيِ الْموقعَةُ الْعَظِيمَةُ الْقَتْلِ ( الْعُظْمَى ) وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلسُّيُوطِي الْكُبْرَى ، قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِهِ أَيْ : الْحَرْبُ الْعَظِيمُ ( وَفَتْحُ الْقُسْطُنْطِينَةِ ) بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ السِّينِ وَضَمِّ الطَّاءِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ بَيْنَهُمَا نُونٌ سَاكِنَةٌ وَبَعْدَ الطَّاءِ الثَّانِيَةِ تَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ نُونٌ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ ، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي فِي الْمَشَارِقِ عَنِ الْمُتْقِنِينَ وَالْأَكْثَرِينَ وَعَنْ بَعْضِهِمْ زِيَادَةُ يَاءٍ مُشَدَّدَةٍ بَعْدَ النُّونِ ، وَهِيَ مَدِينَةٌ مَشْهُورَةٌ مِنْ أَعْظَمِ مَدَائِنِ الرُّومِ ( فِي سَبْعَةِ أَشْهُرٍ ) أَيْ هَذِهِ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ تَكُونُ فِي سَبْعَةِ أَشْهُرٍ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ الصَّعْبِ ابْنِ جَثَّامَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ) أَمَّا حَدِيثُ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا يَخْرُجُ الدَّجَّالُ حَتَّى تَذْهَلَ النَّاسُ عَنْ ذِكْرِهِ ، وَحَتَّى يَتْرُكَ الْأَئِمَّةُ ذِكْرَهُ عَلَى الْمَنَابِرِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : بَيْنَ الْمَلْحَمَةِ وَفَتْحِ الْمَدِينَةِ سِتُّ سِنِينَ وَيَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي السَّابِعَةِ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ ، قُلْتُ : وَفِي سَنَدِهِ أَيْضًا الْوَلِيدُ بْنُ سُفْيَانَ وَهُوَ مَجْهُولٌ . تَنْبِيهٌ : فَإِنْ قُلْتَ بَيْنَ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ وَبَيْنَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ تَخَالُفٌ ظَاهِرٌ فَإِنَّهُ وَقَعَ فِي الْأَوَّلِ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَفِي الثَّانِي سَبْعَ سِنِينَ فَمَا وَجْهُ الْجَمْعِ ؟ قُلْتُ : قَالَ أَبُو دَاوُدَ بَعْدَ رِوَايَةِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ : هَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ عِيسَى ، انْتَهَى . أَرَادَ بِحَدِيثِ عِيسَى حَدِيثَ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ الْمَذْكُورَ الَّذِي رَوَاهُ قَبْلَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ ، قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ : هَذا إِشَارَةٌ إِلَى جَوَابِ مَا يُقَالُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ تَنَافٍ فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الثَّانِيَ أَرْجَحُ إِسْنَادًا فَلَا يُعَارِضُهُ الْأَوَّلُ ، انْتَهَى ، وَقَالَ الْقَارِي : فَفِيهِ ( أَيْ فِي قَوْلِ أَبِي دَاوُدَ هَذَا أَصَحُّ ) دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ التَّعَارُضَ ثَابِتٌ وَالْجَمْعَ مُمْتَنِعٌ ، وَالْأَصَحُّ هُوَ الْمُرَجَّحُ ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ بَيْنَ الْمَلْحَمَةِ الْعُظْمَى وَبَيْنَ خُرُوجِ الدَّجَّالِ سَبْعَ سِنِينَ أَصَحُّ مِنْ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ .
بَاب مَا جَاءَ فِي أهل الشَّامِ 2192 حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نا أَبُو دَاوُدَ ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا فَسَدَ أَهْلُ الشَّامِ فَلَا خَيْرَ فِيكُمْ ، لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي مَنْصُورِينَ ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ : هُمْ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ . وَفِي الْبَاب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوَالَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، نا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيْنَ تَأْمُرُنِي ؟ قَالَ : هَاهُنَا وَنَحَا بِيَدِهِ نَحْوَ الشَّامِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . بَاب مَا جَاءَ فِي أهل الشَّامِ قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِيهِ ) أَيْ قُرَّةَ بْنِ إِيَاسِ بْنِ هِلَالٍ الْمُزَنِيِّ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، صَحَابِيٌّ نَزِيلُ الْبَصْرَةِ . قَوْلُهُ : ( إِذَا فَسَدَ أَهْلُ الشَّامِ فَلَا خَيْرَ فِيكُمْ ) أَيْ لِلْقُعُودِ فِيهَا أَوِ التَّوَجُّهِ إِلَيْهَا ( لَا تَزَالُ ) الْمُثَنَّاةُ الْفَوْقِيَّةُ أَوَّلُهُ ( طَائِفَةٌ ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الطَّائِفَةُ الْجَمَاعَةُ ، وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : الطَّائِفَةُ الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ وَتَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ نَفْسًا طَائِفَةً ( مَنْصُورِينَ ) أَيْ غَالِبِينَ عَلَى أَعْدَاءِ الدِّينِ ( لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ ) أَيْ تَرَكَ نُصْرَتَهُمْ وَمُعَاوَنَتَهُمْ ( حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ) أَيْ تَقْرَبَ السَّاعَةُ وَهُوَ خُرُوجُ الرِّيحِ ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ ، وَقَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ : وَاسْتُشْكِلَ بِحَدِيثِ مُسْلِمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ الْحَدِيثَ . وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ الَّذِينَ تَقُومُ عَلَيْهِمُ السَّاعَةُ قَوْمٌ يَكُونُونَ بِمَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ ، وَبِمَوْضِعٍ آخَرَ تَكُونُ طَائِفَةٌ يُقَاتِلُونَ على الْحَقِّ وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ : قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيْنَ هُمْ ؟ قَالَ : بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَالْمُرَادُ بِهِمُ الَّذِينَ يَحْصُرُهُمُ الدَّجَّالُ إِذَا خَرَجَ فَيَنْزِلُ عِيسَى إِلَيْهِمْ فَيَقْتُلُ الدَّجَّالَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِ الدَّجَّالِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ هُبُوبِ الرِّيحِ الَّتِي تَهُبُّ بَعْدَهُ فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ إِلَّا قَبَضَتْهُ ، وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ ، وَهُنَاكَ يَتَحَقَّقُ خُلُوُّ الْأَرْضِ عَنْ مُسْلِمٍ ، فَضْلًا عَنْ هَذِهِ الطَّائِفَةِ الْكَرِيمَةِ ، وَهَذَا كَمَا فِي الْفَتْحِ أَوْلَى مَا يُتَمَسَّكُ بِهِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ انْتَهَى . ( قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ) يَعْنِي الْإِمَامَ الْبُخَارِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ( قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ) هوَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ نَجِيحٍ السَّعْدِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ إِمَامٌ أَعْلَمُ أَهْلِ عَصْرِهِ بِالْحَدِيثِ وَعِلَلِهِ حَتَّى قَالَ الْبُخَارِيُّ : مَا اسْتَصْغَرْتُ نَفْسِي إِلَّا عِنْدَهُ ، وَقَالَ فِيهِ شَيْخُهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ : كُنْتُ أَتَعَلَّمُ مِنْهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَعَلَّمُهُ مِنِّي ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ : كَأَنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ لِلْحَدِيثِ ( هُمْ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ ) وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ : وَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَأَخْرَجَ الْحَاكَمُ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَحْمَدَ : إِنْ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ الْحَدِيثِ فَلَا أَدْرِي مَنْ هُمْ ، وَمِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ مِثْلُهُ انْتَهَى ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : إِنَّمَا أَرَادَ أَحْمَدُ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَمَنْ يَعْتَقِدُ مَذْهَبَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : وَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ مُتَفَرِّقَةٌ بَيْنَ أَنْوَاعِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ شُجْعَانٌ مُقَاتِلُونَ ، وَمِنْهُمْ فُقَهَاءُ ، وَمِنْهُمْ مُحَدِّثُونَ ، وَمِنْهُمْ زُهَّادٌ وَآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَمِنْهُمْ أَهْلُ أَنْوَاعٍ أُخْرَى مِنَ الْخَيْرِ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونُوا مُجْتَمِعِينَ بَلْ قَدْ يَكُونُونَ مُتَفَرِّقِينَ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوَالَةَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ) أَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوَالَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَحَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَأَخْرَجَهُمَا التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ فَضْلِ الشَّامِ وَالْيَمَنِ ، مِنْ أَبْوَابِ الْمَنَاقِبِ ، وَلِابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ آخَرُ يَأْتِي فِي بَابِ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ قِبَلِ الْحِجَازِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ، قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنَا بَهْزٌ ) بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ هَاءٍ فَزَايٍ ، قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : بَهْزُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيُّ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ صَدُوقٌ مِنَ السَّادِسَةِ ( عَنْ أَبِيهِ ) أَيْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ الْقُشَيْرِيِّ ، قَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْفَضَائِلِ الصَّغَانِيُّ فِيمَنِ اخْتُلِفَ فِي صُحْبَتِهِ وَهُوَ وَهْمٌ مِنْهُ ، فَإِنَّهُ تَابِعِيٌّ قَطْعًا انْتَهَى ( عَنْ جَدِّهِ ) أَيْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ بَيْنَهُمَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ابْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ كَعْبٍ الْقُشَيْرِيِّ صَحَابِيٌّ نَزَلَ الْبَصْرَةَ . قَوْلُهُ : ( وَنَحَا بِيَدِهِ ) أَيْ أَشَارَ بِهَا ( نَحْوَ الشَّامِ ) أَيْ إِلَى جِهَةِ الشَّامِ ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : نَحَاهُ يَنْحُوهُ وَيَنْحَاهُ قَصَدَهُ كَانْتَحَاهُ وَالنَّحْوُ الطَّرِيقُ وَالْجِهَةُ ، وَرَوَى أَحْمَدُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مُسْنَدِهِ بِلَفْظِ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ تَأْمُرُنِي ؟ خِرْ لِي ، فَقَالَ بِيَدِهِ نَحْوَ الشَّامِ ، وَقَالَ : إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ رِجَالًا وَرُكْبَانًا وَتُجَرُّونَ عَلَى وُجُوهِكُمْ ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِلَفْظِ : عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ قَالَ الْمُنَاوِيُّ : أَيِ الْزَمُوا سُكْنَاهُ لِكَوْنِهَا أَرْضَ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ ، أَوِ الْمُرَادُ آخِرَ الزَّمَانِ لِأَنَّ جُيُوشَ الْمُسْلِمِينَ تَنْزَوِي إِلَيْهَا عِنْدَ غَلَبَةِ الْفَسَادِ ، قَالَ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ كَمَا عَرَفْتَ .
بَاب : مَا جَاءَ مِنْ أَيْنَ يَخْرُجُ الدَّجَّالُ 2237 - حَدَّثَنَا بندار ، وَأَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ قَالَا : نا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ سُبَيْعٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ : حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الدَّجَّالُ يَخْرُجُ مِنْ أَرْضٍ بِالْمَشْرِقِ يُقَالُ لَهَا خُرَاسَانُ ، يَتْبَعُهُ أَقْوَامٌ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَوْذَبٍ ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ ، وَلَا يعْرِفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي التَّيَّاحِ ( باب ما جاء من أين يخرج الدجال ) قَوْلُهُ : ( عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ سُبَيْعٍ ) بِمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرًا ، الْعِجْلِيُّ ثِقَةٌ ، مِنَ الْخَامِسَةِ ، قَوْلُهُ : ( قَالَ الدَّجَّالَ إِلَخْ ) اسْتِئْنَافٌ مُؤَكَّدٌ لِحَدَّثَنَا أَوْ يَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِ الشَّاطِبِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَنَّ الْإِبْدَالَ يَجْرِي فِي الْأَفْعَالِ ، وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ ، أَوِ التَّقْدِيرُ حَدَّثَنَا أَشْيَاءَ مِنْ جُمْلَتِهَا قَالَ الدَّجَّالَ إِلَخْ ( يُقَالُ لَهَا خُرَاسَانُ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَهِيَ بِلَادٌ مَعْرُوفَةٌ بَيْنَ بِلَادِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَبُلْدَانِ الْعِرَاقِ ، مُعْظَمُهَا الْآنَ بَلْدَةُ هَرَاةَ الْمُسَمَّاةُ بِخُرَاسَانَ كَتَسْمِيَةِ دِمَشْقَ بِالشَّامِ ، كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الدَّجَّالَ يَخْرُجُ مِنْ خُرَاسَانَ ، قَالَ الْحَافِظُ : أَمَّا مِنْ أَيْنَ يَخْرُجُ فَمِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ جَزْمًا ، ثُمَّ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ : أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ خُرَاسَانَ ، أَخْرَجَ ذَلِكَ أَحْمَدُ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ، وَفِي أُخْرَى : أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ أَصْبَهَانَ ، أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ ، انْتَهَى . قُلْتُ : أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَيْهِمُ الطَّيَالِسَةُ ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ لَيْسَتْ بِصَرِيحَةٍ فِي أَنَّ الدَّجَّالَ يَخْرُجُ مِنْ أَصْبَهَانَ ، وَلَمْ أَجِدْ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ رِوَايَةً صَرِيحَةً فِي خُرُوجِهِ مِنْهَا ( يَتْبَعُهُ ) بِسُكُونِ التَّاءِ وَفَتْحِ الْبَاءِ أَيْ يَلْحَقُهُ وَيُطِيعُهُ ( كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ جَمْعُ الْمِجَنِّ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَهُوَ التُّرْسُ ( الْمُطْرَقَةُ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الطَّاءِ ، وَقَالَ السُّيُوطِيُّ : رُوِيَ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِهَا فَهِيَ مَفْعُولَةٌ مِنْ إِطْرَاقِهِ أَوْ طَرْقِهِ أَيْ جَعَلَ الطَّرْقَ عَلَى وَجْهِ التُّرْسِ وَالطِّرَاقُ بِكَسْرِ الطَّاءِ الْجِلْدُ الَّذِي يُقْطَعُ عَلَى مِقْدَارِ التُّرْسِ فَيُلْصَقُ عَلَى ظَهْرِهِ ، وَالْمَعْنَى : أَنَّ وُجُوهَهُمْ عَرِيضَةٌ وَوَجَنَاتُهُمْ مُرْتَفِعَةٌ كَالْمِجَنَّةِ ، وَهَذَا الْوَصْفُ إِنَّمَا يُوجَدُ فِي طَائِفَةِ التَّرْكِ وَالْأُزْبَكِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَائِشَةَ ) ، أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْهُ مَرْفُوعًا : يَأْتِي الْمَسِيحُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ هِمَّتُهُ الْمَدِينَةَ ، الْحَدِيثُ ، أَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمُ . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَوْذَبٍ ) الْخُرَاسَانِيُّ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، سَكَنَ الْبَصْرَةَ ثُمَّ الشَّامَ ، صَدُوقٌ عَابِدٌ ، مِنَ السَّابِعَةِ .
بَاب لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ 2193 حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، نا فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ ، ثنا عِكْرِمَةُ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ . وَفِي الْبَاب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَجَرِيرٍ وَابْنِ عُمَرَ وَكُرْزِ بْنِ عَلْقَمَةَ وَوَاثِلَةَ بن الأسقع وَالصُّنَابِحِيِّ ، وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . بَاب لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ قَوْلُهُ : ( لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي ) أَيْ لَا تَصِيرُوا بَعْدَ مَوْتِي ( كُفَّارًا ) قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ مُشَبَّهِينَ بِهِمْ فِي الْأَعْمَالِ ( يَضْرِبْ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ) قَالَ الْحَافِظُ بِجَزْمِ يَضْرِبْ عَلَى أَنَّهُ جَوَابُ النَّهْيِ ، وَبِرَفْعِهِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ أَوْ يُجْعَلُ حَالًا انْتَهَى ، وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ : أَيْ لَا تَصِيرُوا بَعْدَ مَوْقِفِي هَذَا أَيْ بَعْدَ مَوْتِي مُسْتَحِلِّينَ للْقِتَال أَوْ لَا تَتَشَبَّهُوا بِالْكُفَّارِ فِي الْقِتَالِ انْتَهَى ، قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَجَرِيرٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَكُرْزِ بْنِ عَلْقَمَةَ ، وَوَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ، وَالصُّنَابِحِيِّ ) أَمَّا حَدِيثُ جَرِيرٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَمَّا حَدِيثُ كُرْزِ بْنِ عَلْقَمَةَ وَحَدِيثُ الصُّنَابِحِيِّ فَأَخْرَجَهُمَا أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ، وَحَدِيثُ الصُّنَابِحِيِّ أَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَحَدِيثُ وَاثِلَةَ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُمَا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْفِتَنِ .
بَاب : مَا جَاءَ فِي الدَّجَّالِ 2234 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيُّ ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُرَاقَةَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ بَعْدَ نُوحٍ إِلَّا قَدْ أَنْذَرَ قومه الدَّجَّالَ ، وَإِنِّي أُنْذِرُكُمُوهُ ، فَوَصَفَهُ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : لَعَلَّهُ سَيُدْرِكُهُ بَعْضُ مَنْ رَآنِي أَوْ سَمِعَ كَلَامِي ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَكَيْفَ قُلُوبُنَا يَوْمَئِذٍ ؟ فقَالَ : مِثْلُهَا - يَعْنِي الْيَوْمَ - أَوْ خَيْرٌ . وَفِي الْبَاب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ، لا نعرفه إلا من حديث خالد الحذاء ، وأبو عبيدة بن الجراح اسمه عامر بن عبد الله بن الجراح ( بَابُ مَا جَاءَ فِي الدَّجَّالِ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : هُوَ فَعَّالٌ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ، وَالتَّشْدِيدُ مِنَ الدَّجَلِ وَهُوَ التَّغْطِيَةُ ، وَسُمِّيَ الْكَذَّابُ دِجَالًا لِأَنَّهُ يُغَطِّي الْحَقَّ بِبَاطِلِهِ ، وَيُقَالُ دَجَّلَ الْبَعِيرَ بِالْقَطِرَانِ إِذَا غَطَّاهُ ، وَالْإِنَاءَ بِالذَّهَبِ إذا طَلَاهُ ، وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ : سُمِّيَ دَجَّالًا لِأَنَّهُ يُغَطِّي الْحَقَّ بِالْكَذِبِ ، وَقِيلَ لِضَرْبِهِ نَوَاحِي الْأَرْضِ ، يُقَالُ : دَجَلَ مُخَفَّفًا وَمُشَدَّدًا إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ . تَنْبِيهٌ : اشْتُهِرَ السُّؤَالُ عَنِ الْحِكْمَةِ فِي عَدَمِ التَّصْرِيحِ بِذِكْرِ الدَّجَّالِ فِي الْقُرْآنِ مَعَ مَا ذُكِرَ عَنْهُ مِنَ الشَّرِّ وَعَظْمِ الْفِتْنَةِ بِهِ وَتَحْذِيرِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْهُ وَالْأَمْرِ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ حَتَّى فِي الصَّلَاةِ ، وَأُجِيبَ بِأَجْوِبَةٍ : أَحَدِهَا : أَنَّهُ ذَكَرَ فِي قَوْلِهِ : يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا إِلَخْ فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ : ثَلَاثَةٌ إِذَا خَرَجْنَ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ : الدَّجَّالُ وَالدَّابَّةُ وَطُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا . الثَّانِي : قَدْ وَقَعَتِ الْإِشَارَةُ فِي الْقُرْآنِ إِلَى نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ وَصَحَّ أَنَّهُ الَّذِي يَقْتُلُ الدَّجَّالَ ، فاكْتَفَى بِذِكْرِ أَحَدِ الضِّدَّيْنِ عَنِ الْآخَرِ ، وَلِكَوْنِهِ يُلَقَّبُ الْمَسِيحَ كَعِيسَى لَكِنَّ الدَّجَّالَ مَسِيحُ الضَّلَالَةِ ، وَعِيسَى مَسِيحُ الْهُدَى . الثَّالِثُ : أَنَّهُ تَرَكَ ذِكْرَهُ احْتِقَارًا وَتُعُقِّبَ بِذِكْرِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ، وَلَيْسَتِ الْفِتْنَةُ بِهِمْ بِدُونِ الْفِتْنَةِ بِالدَّجَّالِ وَالَّذِي قَبْلَهُ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ السُّؤَالَ بَاقٍ وَهُوَ : مَا الْحِكْمَةُ فِي تَرْكِ التَّنْصِيصِ عَلَيْهِ؟ وَأَجَابَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْبُلْقِينِيُّ بِأَنَّهُ اعْتَبَرَ كُلَّ مَنْ ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَوُجِدَ كُلُّ مَنْ ذُكِرَ إِنَّمَا هُمْ مِمَّنْ مَضَى وَانْقَضَى أَمْرُهُ ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَجِئْ بَعْدُ فَلَمْ يَذْكُرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ، انْتَهَى ، وَهَذَا يَنْتَقِضُ بِيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ الْبَغَوِيِّ أَنَّ الدَّجَّالَ مَذْكُورٌ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّاسِ هُنَا الدَّجَّالُ مِنْ إِطْلَاقِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ ، وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ أَحْسَنُ الْأَجْوِبَةِ فَيَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ مَا تَكَفَّلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَيَانِهِ ، كَذَا فِي الْفَتْحِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُرَاقَةَ ) الْأَزْدِيِّ الْبَصْرِيِّ ، وَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : لَا يُعْرَفُ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مِنَ الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ ( إِنَّهُ ) أَيِ الشَّأْنَ ( لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ بَعْدَ نُوحٍ إِلَّا قَدْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ الدَّجَّالَ ) أَيْ خَوَّفَهُمْ بِهِ ، وَيَأْتِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بَعْدَ هَذَا أَنَّ نُوحًا قَدْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ ، فَقَوْلُهُ بَعْدَ نُوحٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ( لَيْسَ ) لِلِاحْتِرَازِ ، وَلِذَا قَالَ صَاحِبُ فَتْحِ الْوَدُودِ : لَعَلَّ إِنْذَارَ مَنْ بَعْدَ نُوحٍ أَشَدُّ وَأَكْثَرُ ( وَإِنِّي أُنْذِرُكُمُوهُ ) أَيِ الدَّجَّالَ بِبَيَانِ وَصْفِهِ خَوْفًا عَلَيْكُمْ مِنْ تَلْبِيسِهِ وَمَكْرِهِ ( لَعَلَّهُ سَيُدْرِكُهُ بَعْضُ مَنْ رَآنِي ) أَيْ عَلَى تَقْدِيرِ خُرُوجِهِ سَرِيعًا ، وَقِيلَ : دَلَّ عَلَى بَقَاءِ الْخَضِرِ . قُلْتُ : وَسَتَأْتِي مَسْأَلَةُ حَيَاةِ الْخَضِرِ وَمَوْتِهِ بَعْدَ عِدَّةِ أَبْوَابٍ ( أَوْ سَمِعَ كَلَامِي ) لَيْسَ أَوْ لِلشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي بَلْ لِلتَّنْوِيعِ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الرُّؤْيَةِ السَّمَاعُ ، وَهُوَ لِمَنْعِ الْخَلْو لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ ، وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَوْ سَمِعَ حَدِيثِي بِأَنْ وَصَلَ إِلَيْهِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ ، قَالَهُ الْقَارِي ( فَقَالَ مِثْلَهَا ) أَيْ مِثْلَ قُلُوبِكُمُ الْآنَ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الرَّاوِي ( يَعْنِي ) أَيْ يُرِيدُ بِالْإِطْلَاقِ تَقْيِيدَ الْكَلَامِ بِقَوْلِهِ : ( الْيَوْمَ أَوْ خَيْرٌ ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، وَيَحْتَمِلُ التَّنْوِيعَ بِحَسَبِ الْأَشْخَاصِ ، قَالَهُ الْقَارِي ، قُلْتُ : لَيْسَ أَوْ لِلشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي بَلْ هُوَ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ فَفِيهَا : قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ قُلُوبُنَا يَوْمَئِذٍ ، أَمِثْلُهَا الْيَوْمَ؟ قَالَ أَوْ خَيْرٌ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَسَكَتَ عَنْهُ ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ بَعْدَ نَقْلِ تَحْسِينِ التِّرْمِذِيِّ : ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ سُرَاقَةَ لَا يُعْرَفُ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ أَبِي عُبَيْدَةَ .
2235 - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، نا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاسِ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ : إِنِّي لَأُنْذِرُكُمُوهُ وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ ، وَلَقَدْ أَنْذَرَه نُوحٌ قَوْمَهُ ، وَلَكِن سَأَقُولُ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ ، تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَعْوَرُ وَأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ . قَالَ الزُّهْرِيُّ : فأَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَئِذٍ لِلنَّاسِ وَهُوَ يُحَذِّرُهُمْ فِتْنَة : تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ ، وَأنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كافر ، يَقْرَؤُهُ مَنْ كَرِهَ عَمَلَهُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( وَلَقَدْ أَنْذَرَه نُوحٌ قَوْمَهُ ) قَدِ اسْتُشْكِلَ إِنْذَارُ نُوحٍ قَوْمَهُ بِالدَّجَّالِ مَعَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ قَدْ ثَبَتَتْ أَنَّهُ يَخْرُجُ بَعْدَ أُمُورٍ ذُكِرَتْ وَأَنَّ عِيسَى يَقْتُلُهُ بَعْدَ أَنْ يَنْزِلَ مِنَ السَّمَاءِ فَيَحْكُمَ بِالشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ كَانَ وَقْتَ خُرُوجِهِ أَخْفَى عَلَى نُوحٍ وَمَنْ بَعْدَهُ ، فَكَأَنَّهُمْ أُنْذِرُوا بِهِ وَلَمْ يُذْكَرْ لَهُمْ وَقْتُ خُرُوجِهِ ، فَحَذَّرُوا قَوْمَهُمْ مِنْ فِتْنَتِهِ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ : إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ ، فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ وَقْتُ خُرُوجِهِ وَعَلَامَاتُهُ ، فَكَانَ يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ فِي حَيَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ بُيِّنَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَالُهُ وَوَقْتُ خُرُوجِهِ فَأَخْبَرَ بِهِ ، فَبِذَلِكَ تَجْتَمِعُ الْأَخْبَارُ . ( وَلَكِنْ سَأَقُولُ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ ) قِيلَ : إِنَّ السِّرَّ فِي اخْتِصَاصِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّنْبِيهِ الْمَذْكُورِ مَعَ أَنَّهُ أَوْضَحُ الْأَدِلَّةَ فِي تَكْذِيبِ الدَّجَّالِ أَنَّ الدَّجَّالَ إِنَّمَا يَخْرُجُ فِي أُمَّتِهِ دُونَ غَيْرِهَا مِمَّنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأُمَمِ ، وَدَلَّ الْخَبَرُ عَلَى أَنَّ عِلْمَ كَوْنِهِ يَخْتَصُّ خُرُوجُهُ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ كَانَ طُوِيَ عَنْ غَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا طُوِيَ عَنِ الْجَمِيعِ عِلْمُ وَقْتِ قِيَامِ السَّاعَةِ ( تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَعْوَرُ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ ) إِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ مَعَ أَنَّ أَدِلَّةَ الْحُدُوثِ فِي الدَّجَّالِ ظَاهِرَةٌ لِكَوْنِ الْعَوَرِ أَثَرا مَحْسُوسا يُدْرِكُهُ الْعَالِمُ وَالْعَامَيُّ وَمَنْ لَا يَهْتَدِي إِلَى الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ ، فَإِذَا ادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ وَهُوَ نَاقِصُ الْخِلْقَةِ ، وَالْإِلَهُ يَتَعَالَى عَنِ النَّقْصِ ، عُلِمَ أَنَّهُ كَاذِبٌ . قَوْلُهُ : ( فَأَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ ) الْخَزْرَجِيُّ الْمَدَنِيُّ ، ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ، وَأَخْطَأَ مَنْ عَدَّهُ فِي الصَّحَابَةِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ يَوْمَئِذٍ لِلنَّاسِ وَهُوَ يُحَذِّرُهُمْ فِتْنَة : تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ ) فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ دَعْوَاهُ الرُّبُوبِيَّةَ كَذِبٌ لِأَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى مُقَيَّدَةٌ بِالْمَوْتِ ، وَالدَّجَّالُ يَدَّعِي أَنَّهُ اللَّهُ وَيَرَاهُ النَّاسُ مَعَ ذَلِكَ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَرَى اللَّهَ تَعَالَى فِي الْيَقَظَةِ ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ ، وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ رُؤْيَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا الْقُوَّةَ الَّتِي يُنْعِمُ بِهَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الْآخِرَةِ ( وَأَنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ يَقْرَؤُهُ مَنْ كَرِهَ عَمَلَهُ ) وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ : مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ ـ ثُمَّ تَهَجَّاهَا ـ ك ف ر يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُسْلِمٍ ، فَرِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ هَذِهِ أَخَصُّ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ : يَقْرَؤُهُ الْأُمِّيُّ وَالْكَاتِبُ وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ : يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ كَاتِبٍ وَغَيْرِ كَاتِبٍ ، وَلِأَحْمَدَ ، عَنْ جَابِرٍ : مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ مُهَجَّاةٌ ، وَمِثْلُهُ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ، وَقَوْلُهُ : كُلُّ مُؤْمِنٍ مِنْ كَاتِبٍ وَغَيْرِ كَاتِبٍ ، إِخْبَارٌ بِالْحَقِيقَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِدْرَاكَ فِي الْبَصَرِ يَخْلُقُهُ اللَّهُ لِلْعَبْدِ كَيْفَ شَاءَ وَمَتَى شَاءَ ، فَهَذَا يَرَاهُ الْمُؤْمِنُ بِغَيْرِ بَصَرِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَعْرِفُ الْكِتَابَةَ ، وَلَا يَرَاهُ الْكَافِرُ وَلَوْ كَانَ يَعْرِفُ الْكِتَابَةَ ، كَمَا يَرَى الْمُؤْمِنُ الْأَدِلَّةَ بِغَيْرِ بَصِيرَتِهِ وَلَا يَرَاهَا الْكَافِرُ ، فَيَخْلُقُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ الْإِدْرَاكَ دُونَ تَعَلُّمٍ لِأَنَّ ذَلِكَ الزَّمَانَ تَنْخَرِقُ فِيهِ الْعَادَاتُ فِي ذَلِكَ ، وَيُحْتَمَلُ قَوْلُهُ : ( يَقْرَؤُهُ مَنْ كَرِهَ عَمَلَهُ ) ، أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ عُمُومًا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَخْتَصَّ بِبَعْضِهِمْ مِمَّنْ قَوِيَ إِيمَانُهُ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّ الْكِتَابَةَ الْمَذْكُورَةَ حَقِيقَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ عَلَامَةً قَاطِعَةً بِكَذِبِ الدَّجَّالِ فَيُظْهِرُ اللَّهُ الْمُؤْمِنَ عَلَيْهَا وَيُخْفِيهَا عَلَى مَنْ أَرَادَ شَقَاوَتَهُ ، كَذَا فِي الْفَتْحِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .
2236 - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، نا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : تُقَاتِلُكُمْ الْيَهُودُ ، فَتُسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَقُولَ الْحَجَرُ : يَا مُسْلِمُ هَذَا اليَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( فَتُسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ ) مِنَ التَّسْلِيطِ ، أَيْ تُغَلَّبُونَ عَلَيْهِمْ ( حَتَّى يَقُولَ الْحَجَرُ إِلَخْ ) هَذَا مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ، رَوَى مُسْلِمٌ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ ، فَيَقْتُلُهُمْ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ أَوِ الشَّجَرِ ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ : يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ ، إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : الْغَرْقَدُ نَوْعٌ مِنْ شَجَرِ الشَّوْكِ مَعْرُوفٌ بِبِلَادِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَهُنَاكَ يَكُونُ قَتْلُ الدَّجَّالِ وَالْيَهُودِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
بَاب مَا جَاءَ أَنَّهُ تَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ 2194 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نا اللَّيْثُ ، عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ عِنْدَ فِتْنَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ : أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ ؛ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ ، وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي ، وَالْمَاشِي خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي ، قَالَ : أَفَرَأَيْتَ إِنْ دَخَلَ عَلَيَّ بَيْتِي وَبَسَطَ يَدَهُ إِلَيَّ لِيَقْتُلَنِي ، قَالَ : كُنْ كَابْنِ آدَمَ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَخَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ وَأَبِي بَكْرَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي وَاقِدٍ وَأَبِي مُوسَى وَخَرَشَةَ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَرَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ ليْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَزَادَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ رَجُلًا . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ سَعْدٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ . بَاب مَا جَاءَ أَنَّهُ تَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ قَوْلُهُ : ( نا اللَّيْثُ ) هُوَ ابْنُ سَعْدٍ ( عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ ) الْقِتْبَانِيِّ الْمِصْرِيِّ ثِقَةٌ مِنَ السَّادِسَةِ . قَوْلُهُ : ( إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ ) أَيْ عَظِيمَةٌ ( الْقَاعِدُ فِيهَا ) أَيْ فِي تِلْكَ الْفِتْنَةِ ( خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ ) لِأَنَّهُ يَرَى وَيَسْمَعُ مَا لَا يَرَاهُ وَلَا يَسْمَعُهُ الْقَاعِدُ ، فَيَكُونُ أَقْرَبَ مِنْ عَذَابِ تِلْكَ الْفِتْنَةِ بِمُشَاهَدَتِهِ مَا لَا يُشَاهِدُهُ الْقَاعِدُ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْقَاعِدِ هُوَ الثَّابِتُ فِي مَكَانِهِ غَيْرُ مُتَحَرِّكٍ لِمَا يَقَعُ مِنَ الْفِتْنَةِ فِي زَمَانِهِ ، وَالْمُرَادُ بِالْقَائِمِ مَا يَكُونُ فِيهِ نَوْعُ بَاعِثٍ وَدَاعِيَّةٍ ، لَكِنَّهُ مُتَرَدِّدٌ فِي إِثَارَةِ الْفِتْنَةِ ( للْقَائِمُ ) فِي الْفِتْنَةِ أَيْ مِنْ بَعِيدٍ مُتشْرِفٌ عَلَيْهَا أَوِ الْقَائِمُ بِمَكَانِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ( خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي ) أَيْ مِنَ الذَّاهِبِ عَلَى رِجْلِهِ إِلَيْهَا ( وَالْمَاشِي خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي ) أَيِ الْمُسْرِعِ إِلَيْهَا مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا . قَالَ الْحَافِظُ قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ فِي قَوْلِهِ : ( وَالْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ ) أَيِ الْقَاعِدُ فِي زَمَانِهَا عَنْهَا . قَالَ : والْمُرَادُ بِالْقَائِمِ الَّذِي لَا يَسْتَشْرِفُهَا ، وَبِالْمَاشِي مَنْ يَمْشِي فِي أَسْبَابِهِ لِأَمْرٍ سِوَاهَا فَرُبَّمَا يَقَعُ بِسَبَبِ مَشْيِهِ فِي أَمْرٍ يَكْرَهُهُ ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ يَكُونُ مُبَاشِرًا لَهَا فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا ، يَعْنِي أَنَّ بَعْضَهُمْ فِي ذَلِكَ أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَعْلَاهُمْ فِي ذَلِكَ السَّاعِي فِيهَا بِحَيْثُ يَكُونُ سَبَبًا لِإِثَارَتِهَا ، ثُمَّ مَنْ يَكُونُ قَائِمًا بِأَسْبَابِهَا وَهُوَ الْمَاشِي ، ثُمَّ مَنْ يَكُونُ مُبَاشِرًا لَهَا وَهُوَ الْقَائِمُ ، ثُمَّ مَنْ يَكُونُ مَعَ النِّظَارَةِ وَلَا يُقَاتِلُ وَهُوَ الْقَاعِدُ ، ثُمَّ مَنْ يَكُونُ مُجْتَنِبًا لَهَا وَلَا يُبَاشِرُ وَلَا يَنْظُرُ وَهُوَ الْمُضْطَجِعُ الْيَقْظَانُ ، ثُمَّ مَنْ لَا يَقَعُ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَكِنَّهُ رَاضٍ وَهُوَ النَّائِمُ ، وَالْمُرَادُ بِالْأَفْضَلِيَّةِ فِي هَذِهِ الْخَيْرِيَّةِ مَنْ يَكُونُ أَقَلَّ شَرًّا مِمَّنْ فَوْقَهُ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ ، انْتَهَى . ( قَالَ ) أَيْ سَعْدٌ ( أَفَرَأَيْتَ ) أَيْ فَأَخْبِرْنِي ( إِنْ دَخَلَ عَلَيَّ ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ ( وَبَسَطَ يَدَهُ ) أَيْ مَدَّهَا ( كُنْ كَابْنِ آدَمَ ) الْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إِلَى الْكَامِلِ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ إلى أَنَّ هَابِيلَ الْمَقْتُولَ الْمَظْلُومَ هُوَ ابْنُ آدَمَ لَا قَابِيلُ الْقَاتِلُ الظَّالِمُ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ وَلَدِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ مَنْ لَا يَرَى الْقِتَالَ فِي الْفِتْنَةِ بِكُلِّ حَالٍ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قِتَالِ الْفِتْنَةِ ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يُقَاتَلُ فِي فِتَنِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ دَخَلُوا عَلَيْهِ بَيْتَهُ ، وَطَلَبُوا قَتْلَهُ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْمُدَافَعَةُ عَنْ نَفْسِهِ ; لِأَنَّ الطَّالِبَ مُتَأَوِّلٌ وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَغَيْرُهُ ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَعِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَغَيْرُهُمَا : لَا يَدْخُلُ فِيهَا لَكِنْ إِنْ قَصَدَ الدَّفْعَ عَنْ نَفْسِهِ فَهَذَانِ الْمَذْهَبَانِ مُتَّفِقَانِ عَلَى تَرْكِ الدُّخُولِ فِي جَمِيعِ فِتَنِ الْإِسْلَامِ ، وَقَالَ مُعْظَمُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَعَامَّةُ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ : يَجِبُ نَصْرُ الْمُحِقِّ فِي الْفِتَنِ وَالْقِيَامُ مَعَهُ بِمُقَاتَلَةِ الْبَاغِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي الْآيَةَ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَتُتَأَوَّلُ الْأَحَادِيثُ عَلَى مَنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ الْمُحِقُّ أَوْ عَلَى طَائِفَتَيْنِ ظَالِمَتَيْنِ لَا تَأْوِيلَ لِوَاحِدة مِنْهُمَا . وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُونَ لَظَهَرَ الْفَسَادُ وَاسْتَطَالَ أَهْلُ الْبَغْيِ وَالْمُبْطِلُونَ انْتَهَى ، قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَخَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ ، وَأَبِي بَكْرَةَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي وَاقِدٍ ، وَأَبِي مُوسَى ، وَخَرْشَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي وَاقِدٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبُو مُوسَى فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَمَّا حَدِيثُ خَرَشَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو يَعْلَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي الْفِتَنِ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ .
بَاب : مَا جَاءَ فِي نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ 2233 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نا اللَّيْثُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النبي اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا ، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ ، وَيَفِيضُ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ) يَعْنِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ . قَوْلُهُ : ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ) فِيهِ الْحَلِفُ فِي الْخَبَرِ مُبَالَغَةً فِي تَأْكِيدِهِ ( لَيُوشِكَنَّ ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ ، أَيْ لَيَقْرَبَنَّ ، أَيْ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ سَرِيعًا ( أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ) أَيْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ فَإِنَّهُ خِطَابٌ لِبَعْضِ الْأُمَّةِ مِمَّنْ لَا يُدْرِكُ نُزُولَهُ ( حُكْمًا ) أَيْ حَاكِمًا ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَنْزِلُ حَاكِمًا بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ ، فَإِنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ بَاقِيَةٌ لَا تُنْسَخُ بَلْ يَكُونُ عِيسَى حَاكمًا مِنْ حُكَّامِ هَذِهِ الْأُمَّةِ ( مُقْسِطًا ) الْمُقْسِطُ الْعَادِلُ بِخِلَافِ الْقَاسِطِ فَهُوَ الْجَائِرُ ( فَيَكْسِرُ ) أَيْ يَهْدِمُ ويقطع ( الصَّلِيبَ ) قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَغَيْرِهِ ، أَيْ فَيُبْطِلُ النَّصْرَانِيَّةَ وَيَحْكُمُ بِالْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : الصَّلِيبُ فِي اصْطِلَاحِ النَّصَارَى خَشَبَةٌ مُثَلَّثَةٌ يَدَّعُونَ أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ صُلِبَ عَلَى خَشَبَةٍ مُثَلَّثَةٍ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ صُورَةُ الْمَسِيحِ ( وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ ) أَيْ يُحَرِّمُ اقْتِنَاءَهُ وَأَكْلَهُ وَيُبِيحُ قَتْلَهُ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : أَيْ يُبْطِلُ دِينَ النَّصْرَانِيَّةِ بِأَنْ يَكْسِرَ الصَّلِيبَ حَقِيقَةً وَيُبْطِلَ مَا تَزْعُمُهُ النَّصَارَى مِنْ تَعْظِيمِهِ ( وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ ) قَالَ الْحَافِظُ : الْمَعْنَى أَنَّ الدِّينَ يَصِيرُ وَاحِدًا ، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الذمة يُؤَدِّي الْجِزْيَةَ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَالَ يَكْثُرُ حَتَّى لَا يَبْقَى مَنْ يُمْكِنُ صَرْفُ مَالِ الْجِزْيَةِ لَهُ فَتُتْرَكُ الْجِزْيَةُ اسْتِغْنَاءً عَنْهَا ، وَقَالَ عِيَاضٌ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِوَضْعِ الْجِزْيَةِ تَقْرِيرَهَا عَلَى الْكُفَّارِ مِنْ غَيْرِ مُحَابَاةٍ ، وَيَكُونُ كَثْرَةُ الْمَالِ بِسَبَبِ ذَلِكَ ، وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ : الصَّوَابُ أَنَّ عِيسَى لَا يَقْبَلُ إِلَّا الْإِسْلَامَ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ عِنْدَ أَحْمَدَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَتَكُونُ الدَّعْوَى وَاحِدَةً . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَمَعْنَى وَضْعِ عِيسَى الْجِزْيَةَ مَعَ أَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ مَشْرُوعِيَّتَهَا مُقَيَّدَةٌ بِنُزُولِ عِيسَى ، لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْخَبَرُ ، وَلَيْسَ عِيسَى بِنَاسِخٍ لِحُكْمِ الْجِزْيَةِ بَلْ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُبَيِّنُ لِلنَّسْخِ ، فَإِنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَحْكُمُ بِشَرْعِنَا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ قَبُولِ الْجِزْيَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ هُوَ شَرْعُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَيَفِيضُ الْمَالُ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَبِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ، أَيْ يَكْثُرُ وَيَنْزِلُ الْبَرَكَاتُ ، وَتَكْثُرُ الْخَيْرَاتُ بِسَبَبِ الْعَدْلِ وَعَدَمِ التَّظَالُمِ ، وَتَقِيءُ الْأَرْضُ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ . وَتَقِلُّ أَيْضًا الرَّغَبَاتُ لِقِصَرِ الْآمَالِ وَعِلْمِهِمْ بِقُرْبِ الْقِيَامَةِ ، فَإِنَّ عِيسَى عَلَيْهِ الصلاة وَالسَّلَامُ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ السَّاعَةِ ، وَقَالَ الْعُلَمَاءُ : الْحِكْمَةُ فِي نُزُولِ عِيسَى دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الرَّدُّ عَلَى الْيَهُودِ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى كَذِبَهُمْ ، وَأَنَّهُ الَّذِي يَقْتُلُهُمْ ، أَوْ نُزُولُهُ لِدُنُوِّ أَجَلِهِ لِيُدْفَنَ فِي الْأَرْضِ إِذْ لَيْسَ لِمَخْلُوقٍ مِنَ التُّرَابِ أَنْ يَمُوتَ فِي غَيْرِهَا ، وَقِيلَ إِنَّهُ دَعَا اللَّهَ لَمَّا رَأَى صِفَةَ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ أَنْ يَجْعَلَهُ مِنْهُمْ فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ وَأَبْقَاهُ حَتَّى يَنْزِلَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ مُجَدِّدًا لِأَمْرِ الْإِسْلَامِ ، فَيُوَافِقَ خُرُوجَ الدَّجَّالِ فَيَقْتُلَهُ ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالشَّيْخَانِ .
2198 - حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، نا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ الْحَسَنِ قَالَ : كَانَ يَقُولُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا ، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا ، قَالَ : يُصْبِحُ مُحَرِّمًا لِدَمِ أَخِيهِ وَعِرْضِهِ وَمَالِهِ ، وَيُمْسِي مُسْتَحِلًّا لَهُ ، وَيُمْسِي مُحَرِّمًا لِدَمِ أَخِيهِ وَعِرْضِهِ وَمَالِهِ ، وَيُصْبِحُ مُسْتَحِلًّا لَهُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ هِشَامٍ ) هُوَ ابْنُ حَسَّانَ ( عَنِ الْحَسَنِ ) هُوَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ .
2197 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نا اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سِنَانٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : تَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا ، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا ، يَبِيعُ أَقْوَامٌ دِينَهُمْ بِعَرَضٍ الدُّنْيَا . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجُنْدَبٍ وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَأَبِي مُوسَى ، هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ سَعْدِ بْنِ سِنَانٍ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ سَعْدُ بْنُ سِنَانٍ ، وَيُقَالُ سِنَانُ بْنُ سَعْدٍ الْكِنْدِيُّ الْمِصْرِيُّ ، وَصَوَّبَ الثَّانِيَ الْبُخَارِيُّ ، وَابْنُ يُونُسَ صَدُوقٌ لَهُ أَفْرَادٌ مِنَ الْخَامِسَةِ . قَوْلُهُ : ( تَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ ) أَيْ قُدَّامَهَا مِنْ أَشْرَاطِهَا ( فِتَنٌ ) أَيْ فِتَنٌ عِظَامٌ وَمِحَنٌ جِسَامٌ ( كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الطَّاءِ وَيُسَكَّنُ ، أَيْ كُلُّ فِتْنَةٍ كَقِطْعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ فِي شِدَّتِهَا وَظُلْمَتِهَا وَعَدَمِ تَبَيُّنِ أَمْرِهَا ، قَالَ الطِّيبِيُّ : يُرِيدُ بِذَلِكَ الْتِبَاسَهَا وَفَظَاعَتَهَا وَشُيُوعَهَا وَاسْتِمْرَارَهَا ( يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا ) أَيْ فِي تِلْكَ الْفِتَنِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِصْبَاحِ وَالْإِمْسَاءِ تَقَلُّبُ النَّاسِ فِيهَا وَقْتًا دُونَ وَقْتٍ ، لَا بِخُصُوصِ الزَّمَانَيْنِ ، فَكَأَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ تَرَدُّدِ أَحْوَالِهِمْ ، وَتَذَبْذُبِ أَقْوَالِهِمْ ، وَتَنَوُّعِ أَفْعَالِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَنَقْضٍ ، وَأَمَانَةٍ وَخِيَانَةٍ ، وَمَعْرُوفٍ وَمُنْكَرٍ ، وَسُنَّةٍ وَبِدْعَةٍ ، وَإِيمَانٍ وَكُفْرٍ ( بِعَرَضِ الدُّنْيَا ) أَيْ بِقَلِيلٍ مِنْ حُطَامِهَا ، وَالْعَرَضُ مَا عَرَضَ لَكَ مِنْ مَنَافِعِ الدُّنْيَا ، قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَجُنْدُبٍ ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، وَأَبِي مُوسَى ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَعَلَّ التِّرْمِذِيَّ أَشَارَ إِلَى حَدِيثٍ لَهُ آخَرَ غَيْرَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ جُنْدُبٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ ، وأَمَّا حَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى فَتَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) لَمْ يُحَسِّنْهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ حَسَنٌ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ .
2199 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ ، نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجُلٌ يسَأَلَهُ فَقَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَمْنَعُونَا حَقَّنَا وَيَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا ، فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( وَرَجُلٌ يَسْأَلُهُ ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ : سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِلَخْ ( يَمْنَعُونَّا ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ صِفَةُ أُمَرَاءَ ( حَقَّنَا ) أَيْ مِنَ الْعَدْلِ وَإِعْطَاءِ الْغَنِيمَةِ ( وَيَسْأَلُونَّا ) أَيْ يَطْلُبُونَنَا ( حَقَّهُمْ ) مِنَ الطَّاعَةِ وَالْخِدْمَةِ ( اسْمَعُوا ) أَيْ ظَاهِرًا ( وَأَطِيعُوا ) أَيْ بَاطِنًا ، أَوِ اسْمَعُوا قَوْلًا وَأَطِيعُوا فِعْلًا ( فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا ) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ ، أَيْ مَا كُلِّفُوا مِنَ الْعَدْلِ وَإِعْطَاءِ حَقِّ الرَّعِيَّةِ ( وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : وَإِنَّمَا عَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ أَيْ مِنَ الطَّاعَةِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْبَلِيَّةِ ، وَكَأَنَّ الْحَدِيثَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مَا كُلِّفَ بِهِ ، وَلَمْ يَتَعَدَّ حَدَّهُ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : قَدَّمَ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ عَلَى عَامِلِهِ لِلِاخْتِصَاصِ ، أَيْ لَيْسَ عَلَى الْأُمَرَاءِ إِلَّا مَا حَمَّلَهُ اللَّهُ ، وَكَلَّفَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَدْلِ وَالتَّسْوِيَةِ ، فَإِذَا لَمْ يُقِيمُوا بِذَلِكَ فَعَلَيْهِمُ الْوِزْرُ وَالْوَبَالُ ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَعَلَيْكُمْ مَا كُلِّفْتُمْ بِهِ مِنَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ ، وَأَدَاءِ الْحُقُوقِ ، فَإِذَا قُمْتُمْ بِمَا عَلَيْكُمْ فَاللَّهُ تَعَالَى يَتَفَضَّلُ عَلَيْكُمْ وَيُثِيبُكُمْ بِهِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
2196 - حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، نا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنْ الْفِتْنَةِ ؟ مَاذَا أُنْزِلَ مِنْ الْخَزَائِنِ ؟ مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ ؟ يَا رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٌ فِي الْآخِرَةِ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ ) بْنِ سُوَيْدٍ الْمَرْوَزِيُّ لَقَبُهُ الشَّاهُ ثِقَةٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ ( عَنْ هِنْدِ بِنْتِ الْحَارِثِ ) الْفِرَاسِيَّةِ وَيُقَالُ الْقُرَشِيَّةِ ، ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً ) زَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ فَزِعًا ( فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ) بِالنَّصْبِ بِفِعْلٍ لَازِمِ الْحَذْفِ ، قَالَهُ تَعَجُّبًا وَاسْتِعْظَامًا ( مَاذَا ) مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِمَعْنَى التَّعَجُّبِ وَالتَّعْظِيمِ ( أُنْزِلَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ أَنْزَلَ اللَّهُ بِإِظْهَارِ الْفَاعِلِ ، وَالْمُرَادُ بِالْإِنْزَالِ إِعْلَامُ الْمَلَائِكَةِ بِالْأَمْرِ الْمَقْدُورِ ، أَوْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْحَى إِلَيْهِ فِي نَوْمِهِ ذَاكَ بِمَا سَيَقَعُ بَعْدَهُ مِنَ الْفِتَنِ ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْإِنْزَالِ ، قَالَهُ الْحَافِظُ ( اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتْنَةِ ؟ مَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الْخَزَائِنِ ؟ ) عَبَّرَ عَنِ الرَّحْمَةِ بِالْخَزَائِنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ وَعَنِ الْعَذَابِ بِالْفِتْنَةِ لِأَنَّهَا أَسْبَابُهُ ، قَالَهُ الْكَرْمَانِيُّ ( مَنْ يُوقِظُ ) اسْتِفْهَامٌ أَيْ : هَلْ أَحَدٌ يُوقِظُ ، قَالَ الْحَافِظُ : أَرَادَ بِقَوْلِهِ مَنْ يُوقِظُ ـ بَعْضَ خَدَمِهِ كَمَا قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ : مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ ؟ وَأَرَادَ أَصْحَابَهُ ، لَكِنْ هُنَاكَ عُرِفَ الَّذِي انْتُدِبَ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُنَا لَمْ يَذْكُرْ . ( صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ ؟ ) جَمْعُ حُجْرَةٍ ، قَالَ فِي الصُّرَاحِ : حُجْرَةٌ حَظِيرَةٌ شتروخانة خورد ، وَالْجَمْعُ حُجَرٌ ، مِثْلُ غُرْفَةٍ وَغُرَفٌ ، وَحُجُرَاتٌ بِضَمِّ الْجِيمِ ، انْتَهَى - يَعْنِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَوَاحِبِ الْحُجُرَاتِ أَزْوَاجَهُ ، وَإِنَّمَا خَصَّهُنَّ بِالْإِيقَاظِ لِأَنَّهُنَّ الْحَاضِرَاتُ أَوْ مِنْ بَابِ ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ ( يَا رُبَّ كَاسِيَةٍ ) قِيلَ الْمُنَادَى فِيهِ مَحْذُوفٌ ، وَالتَّقْدِيرُ يَا سَامِعِينَ ، وَرُبَّ لِلتَّكْثِيرِ ( عَارِيَةٌ فِي الْآخِرَةِ ) قَالَ عِيَاضٌ : الْأَكْثَرُ بِالْخَفْضِ عَلَى الْوَصْفِ لِلْمَجْرُورِ بِرُبَّ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : الْأَوْلَى الرَّفْعُ عَلَى إِضْمَارِ مُبْتَدَأٍ وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ النَّعْتِ ، أَيْ هِيَ عَارِيَةٌ ، وَالْفِعْلُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ رُبَّ مَحْذُوفٌ ، وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : الْأَحْسَنُ الْخَفْضُ عَلَى النَّعْتِ لِأَنَّ رُبَّ حَرْفُ جَرٍّ يَلْزَمُ صَدْرَ الْكَلَامِ ، وَهَذَا رَأْيُ سِيبَوَيْهِ ، وَعِنْدَ الْكِسَائِيِّ هُوَ اسْمٌ مُبْتَدَأٌ وَالْمَرْفُوعُ خَبَرُهُ ، وَإِلَيْهِ كَانَ يَذْهَبُ بَعْضُ شُيُوخِنَا ، انْتَهَى ، وَأَشَارَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ إِلَى مُوجِبِ اسْتِيقَاظِ أَزْوَاجِهِ ، أَيْ يَنْبَغِي لَهُنَّ أَنْ لَا يَتَغَافَلْنَ عَنِ الْعِبَادَةِ وَيَعْتَمِدْنَ عَلَى كَوْنِهِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ الْحَافِظُ : وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ كَاسِيَةٍ وَعَارِيَةٍ عَلَى أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا بِالثِّيَابِ لِوُجُودِ الْغِنَى ، عَارِيَةٍ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الثَّوَابِ لِعَدَمِ الْعَمَلِ فِي الدُّنْيَا . ثَانِيهَا : كَاسِيَةٍ بِالثِّيَابِ لَكِنَّهَا شَفَّافَةٌ لَا تَسْتُرُ عَوْرَتَهَا فَتُعَاقَبُ فِي الْآخِرَةِ بِالْعُرْيِ جَزَاءً عَلَى ذَلِكَ . ثَالِثُهَا : كَاسِيَةٍ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ ، عَارِيَةٌ مِنَ الشَّكْلِ الَّذِي تَظْهَرُ ثَمَرَتُهُ فِي الْآخِرَةِ بِالثَّوَابِ . رَابِعُهَا : كَاسِيَةٍ جَسَدَهَا لَكِنَّهَا تَشُدُّ خِمَارَهَا مِنْ وَرَائِهَا فَيَبْدُو صَدْرُهَا فَتَصِيرُ عَارِيَةً ، فَتُعَاقَبُ فِي الْآخِرَةِ . خَامِسُهَا : كَاسِيَةٍ مِنْ خِلْعَةِ التَّزَوُّجِ بِالرَّجُلِ الصَّالِحِ ، عَارِيَةٌ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْعَمَلِ ، فَلَا يَنْفَعُهَا صَلَاحُ زَوْجِهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ ذَكَرَ هَذَا الْأَخِيرَ الطِّيبِيُّ وَرَجَّحَهُ لِمُنَاسَبَةِ الْمَقَامِ ، وَاللَّفْظَةُ وَإِنْ وَرَدَتْ فِي أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكِنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِنَّ الْمَفْتُوحَ فِي الْخَزَائِنِ تَنْشَأُ عَنْهُ فِتْنَةُ الْمَالِ بِأَنْ يُتَنَافَسَ فِيهِ فَيَقَعَ الْقِتَالُ بِسَبَبِهِ وَأَنْ يَبْخَلَ بِهِ فَيَمْنَعَ الْحَقَّ ، أَوْ يَبْطَرَ فَيُسْرِفَ ، فَأَرَادَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْذِيرَ أَزْوَاجِهِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَكَذَا غَيْرَهُنَّ مِمَّنْ بَلَغَهُ ذَلِكَ ، وَفِي الْحَدِيثِ النَّدْبُ إِلَى الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ عِنْدَ نُزُولِ الْفِتْنَةِ ، وَلَا سِيَّمَا فِي اللَّيْلِ لِرَجَاءِ وَقْتِ الْإِجَابَةِ لِتُكْشَفَ أَوْ يَسْلَمَ الدَّاعِي ، وَمَنْ دَعَا لَهُ ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبُخَارِيُّ .
بَاب مَا جَاءَ سَتَكُونُ فِتَنة كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ 2195 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا ، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ أَحَدُهُمْ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . بَاب مَا جَاءَ سَتَكُونُ فِتَنة كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِيهِ ) أَيْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ الْجُهَنِيِّ الْمَدَنِيِّ ، مَوْلَى الْحُرَقَةِ ، ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ : ( بَادِرُوا ) أَيْ سَابِقُوا وَسَارِعُوا ( بِالْأَعْمَالِ ) أَيْ بِالِاشْتِغَالِ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ( فِتَنًا ) أَيْ وُقُوعَ فِتَنٍ ( كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الطَّاءِ جَمْعُ قِطْعَةٍ وَهِيَ طَائِفَةٌ ، وَالْمَعْنَى كَقِطَعٍ مِنَ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ لِفَرْطِ سَوَادِهَا وَظُلْمَتِهَا وَعَدَمِ تَبَيُّنِ الصَّلَاحِ وَالْفَسَادِ فِيهَا ، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى تَعَجَّلُوا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ مَجِيءِ الْفِتَنِ الْمُظْلِمَةِ مِنَ الْقَتْلِ وَالنَّهْبِ وَالِاخْتِلَافِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ ، فَإِنَّكُمْ لَا تُطِيقُونَ الْأَعْمَالَ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ فِيهَا ، وَالْمُرَادُ مِنَ التَّشْبِيهِ بَيَانُ حَالِ الْفِتَنِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ بَشِيعٌ فَظِيعٌ ، وَلَا يُعْرَفُ سَبَبُهَا وَلَا طَرِيقُ الْخَلَاصِ مِنْهَا ، فَالْمُبَادَرَةُ الْمُسَارَعَةُ بِإِدْرَاكِ الشَّيْءِ قَبْلَ فَوَاتِهِ أَوْ بِدَفْعِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ ( يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا ) أَيْ مَوْصُوفًا بِأَصْلِ الْإِيمَانِ أَوْ بِكَمَالِهِ ( وَيُمْسِي كَافِرًا ) أَيْ حَقِيقَةً أَوْ كَافِرًا لِلنِّعْمَةِ أَوْ مُشَابِهًا لِلْكَفَرَةِ أَوْ عَامِلًا عَمَلَ الْكَافِرِ ، وَقِيلَ الْمَعْنَى يُصْبِحُ مُحَرِّمًا مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ ، وَيُمْسِي مُسْتَحِلًّا إِيَّاهُ وَبِالْعَكْسِ . قُلْتُ : وَهَذَا الْمَعْنَى الْأَخِيرُ اخْتَارَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ ( يَبِيعُ أَحَدُهُمْ دِينَهُ ) أَيْ بِتَرْكِهِ ( بِعَرَضٍ ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ بِأَخْذِ مَتَاعٍ دَنِيءٍ وَثَمَنٍ رَدِيءٍ ، قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : قَوْلُهُ يُصْبِحُ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ لِحَالِ الْمُشَبَّهِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ فِتَنًا ، وَقَوْلُهُ يَبِيعُ إِلَخْ بَيَانٌ لِلْبَيَانِ . وَقَالَ الْمُظْهِرُ : فِيهِ وُجُوهٌ : أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قِتَالٌ لِمُجَرَّدِ الْعَصَبِيَّةِ وَالْغَضَبِ ، فَيَسْتَحِلُّونَ الدَّمَ وَالْمَالَ . وثَانِيهَا أَنْ يَكُونَ وُلَاةُ الْمُسْلِمِينَ ظَلَمَةً ، فَيُرِيقُونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَيَأْخُذُونَ أَمْوَالَهُمْ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَيَزْنُونَ وَيَشْرَبُونَ الْخَمْرَ ، فَيَعْتَقِدُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ وَيُفْتِيهِمْ بَعْضُ عُلَمَاءِ السُّوءِ ، عَلَى جَوَازِ مَا يَفْعَلُونَ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ ، مِنْ إِرَاقَةِ الدِّمَاءِ وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ وَنَحْوِهَا . وَثَالِثُهَا مَا يَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ مِمَّا يُخَالِفُ الشَّرْعَ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالْمُبَايَعَاتِ وَغَيْرِهَا فَيَسْتَحِلُّونَهَا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ .
بَاب : مَا جَاءَ فِي الْمَهْدِيِّ 2230 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ أَسْبَاطِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ ، نا أَبِي ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمْلِكَ الْعَرَبَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي . وَفِي الْبَاب عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمَهْدِيِّ ) اعْلَمْ أَنَّ الْمَشْهُورَ بَيْنَ الْكَافَّةِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ عَلَى مَمَرِّ الْأَعْصَارِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي آخِرِ الزَّمَانِ مِنْ ظُهُورِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ يُؤَيِّدُ الدِّينَ وَيُظْهِرُ الْعَدْلَ وَيَتَّبِعُهُ الْمُسْلِمُونَ وَيَسْتَوْلِي عَلَى الْمَمَالِكِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَيُسَمَّى بِالْمَهْدِيِّ ، وَيَكُونُ خُرُوجُ الدَّجَّالِ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ الثَّابِتَةِ فِي الصَّحِيحِ عَلَى أَثَرِهِ ، وَأَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَنْزِلُ مِنْ بَعْدِهِ فَيَقْتُلَ الدَّجَّالَ ، أَوْ يَنْزِلُ معه فَيُسَاعِدَهُ عَلَى قَتْلِهِ وَيَأْتَمَّ بِالْمَهْدِيِّ فِي صَلَاتِهِ ، وَخَرَّجَ أَحَادِيثَ الْمَهْدِيِّ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ مِنْهُمْ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْبَزَّارُ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، وَأَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ ، وَأَسْنَدُوهَا إِلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِثْلِ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَطَلْحَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَنَسٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَأُمِّ حَبِيبَةَ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ، وَثَوْبَانَ ، وَقُرَّةَ بْنِ إِيَاسٍ ، وَعَلِيٍّ الْهِلَالِيِّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَإِسْنَادُ أَحَادِيثِ هَؤُلَاءِ بَيْنَ صَحِيحٍ وَحَسَنٍ وَضَعِيفٍ ، وَقَدْ بَالَغَ الْإِمَامُ الْمُؤَرِّخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خُلْدُونَ الْمَغْرِبِيُّ فِي تَارِيخِهِ فِي تَضْعِيفِ أَحَادِيثِ الْمَهْدِيِّ كُلِّهَا فَلَمْ يُصِبْ بَلْ أَخْطَأَ ، وَمَا رُوِيَ مرفوعا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرٍ : مَنْ كَذَّبَ بِالْمَهْدِيِّ فَقَدْ كَفَرَ ، فَمَوْضُوعٌ ، وَالْمُتَّهَمُ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْكَافُ ، وَرُبَّمَا تَمَسَّكَ الْمُنْكِرُونَ لِشَأْنِ الْمَهْدِيِّ بِمَا رُوِيَ مَرْفُوعًا أَنَّهُ قَالَ : لَا مَهْدِيَّ إِلَّا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ، وَالْحَدِيثُ ضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَالْحَاكِمُ ، وَفِيهِ أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، كَذَا فِي عَوْنِ الْمَعْبُودِ . قُلْتُ : الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي خُرُوجِ الْإِمَامِ الْمَهْدِيِّ كَثِيرَةٌ جِدًّا ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهَا ضِعَافٌ ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ لَا يَنْحَطُّ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ وَلَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ مِنْ بَيْنِ حِسَانٍ وَضِعَافٍ ، فَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ هَذَا مَعَ شَوَاهِدِهِ وَتَوَابِعِهِ صَالِحٌ لِلِاحْتِجَاجِ بِلَا مِرْيَةٍ ، فَالْقَوْلُ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ الْمَهْدِيِّ وَظُهُورِهِ هُوَ الْقَوْلُ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَقَالَ الْقَاضِي الشَّوْكَانِيُّ فِي الْفَتْحِ الرَّبَّانِيِّ : الَّذِي أَمْكَنَ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْمَهْدِيِّ الْمُنْتَظَرِ خَمْسُونَ حَدِيثًا وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ أَثَرًا ، ثُمَّ سَرَدَهَا مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهَا ، ثُمَّ قَالَ : وَجَمِيعُ مَا سُقْنَاهُ بَالِغٌ حَدَّ التَّوَاتُرِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ فَضْلُ اطِّلَاعٍ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ) هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه . قَوْلُهُ : ( لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا ) أَيْ لَا تَفْنَى وَلَا تَنْقَضِي ( حَتَّى يَمْلِكَ الْعَرَبُ ) قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ : خَصَّ الْعَرَبَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمُ الْأَصْلُ وَالْأَشْرَافُ ، انْتَهَى ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ : لَمْ يَذْكُرِ الْعَجَمَ وَهُمْ مُرَادُونَ أَيْضًا لِأَنَّهُ إِذَا مَلَكَ الْعَرَبُ وَاتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُمْ وَكَانُوا يَدًا وَاحِدَةً قَهَرُوا سَائِرَ الْأُمَمِ ، وَيُؤَيِّدُه حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ يَعْنِي الْمَذْكُورَ فِي الْمِشْكَاةِ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ بَابِ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ، وَفِيهِ : وَيُعْمَلُ فِي النَّاسِ بِسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ وَيُلْقِي الْإِسْلَامُ بِجِرَانِهِ فِي الْأَرْضِ ، فَيَلْبَثُ سَبْعَ سِنِينَ ثُمَّ يُتَوَفَّى وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ ، قَالَ الْقَارِي : وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : ذَكَرَ الْعَرَبَ لِغَلَبَتِهِمْ فِي زَمَنِهِ ، أَوْ لِكَوْنِهِمْ أَشْرَفَ ، أَوْ هُوَ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ ، وَمُرَادُهُ الْعَرَبَ وَالْعَجَمَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ أَيْ وَالْبَرْدَ ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الْعَرَبِ لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ يُطِيعُونَهُ بِخِلَافِ الْعَجَمِ ، بِمَعْنَى ضِدِّ الْعَرَبِ ، فَإِنَّهُ قَدْ يَقَعُ مِنْهُمْ خِلَافُهُ فِي إِطَاعَتِهِ ، انْتَهَى . ( رجُل مِنْ أَهْلِ بَيْتِي ) هُوَ الْإِمَامُ الْمَهْدِيُّ ( يُوَاطِئُ ) أَيْ يُوَافِقُ وَيُطَابِقُ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَنَظَرَ إِلَى ابْنِهِ الْحَسَنِ فَقَالَ : إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ كَمَا سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَيَخْرُجُ مِنْ صُلْبِهِ رَجُلٌ يُسَمَّى بِاسْمِ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشْبِهُهُ فِي الْخُلُقِ وَلَا يُشْبِهُهُ فِي الْخَلْق الْحَدِيثُ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : هَذَا مُنْقَطِعٌ ، أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ رَأى عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَامُ رُؤْيَةً ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ مَرْفُوعًا : الْمَهْدِيُّ مِنِّي ، أَجْلَى الْجَبْهَةِ ، أَقْنَى الْأَنْفِ ، يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا ، وَيَمْلِكُ سَبْعَ سِنِينَ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ عِمْرَانُ الْقَطَّانُ وَهُوَ أَبُو الْعَوَّامِ عِمْرَانُ بْنُ دَاوُدَ الْقَطَّانُ الْبَصْرِيُّ ، اسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَوَثَّقَهُ عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ وَأَحْسَنَ عَلَيْهِ الثَّنَاءَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، وَضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، وَالنَّسَائِيُّ ، انْتَهَى ، وَفِي الْخُلَاصَةِ وَقَالَ أَحْمَدُ : أَرْجُو أَنْ يَكُونَ صَالِحَ الْحَدِيثِ ، انْتَهَى ، وَلَهُ حَدِيثٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْهَا مَرْفُوعًا : الْمَهْدِيُّ مِنْ عِتْرَتِي مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ ، وَقَدْ بَسَطَ الْمُنْذِرِيُّ الْكَلَامَ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلِأُمِّ سَلَمَةَ حَدِيثٌ آخَرُ فِي هَذَا الْبَابِ كَمَا عَرَفْتَ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَسَكَتَ عَنْهُ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ ، وَابْنُ الْقَيِّمِ ، وَقَالَ الْحَاكِمُ : رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، وَشُعْبَةُ ، وَزَائِدَةُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ عَاصِمٍ قَالَ : وَطُرُقُ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ ، إِذْ عَاصِمٌ إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ ، انْتَهَى . قُلْتُ : وَعَاصِمٌ هَذَا هُوَ ابْنُ أَبِي النُّجُودِ ، وَاسْمُ أَبِي النُّجُودِ بَهْدَلَةُ أَحَدُ الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : عَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ وَهُوَ ابْنُ أَبِي النُّجُودِ بِنُونٍ وَجِيمٍ الْأَسَدِيُّ مَوْلَاهُمُ الْكُوفِيُّ أَبُو بَكْرٍ الْمُقْرِئُ ، صَدُوقٌ لَهُ أَوْهَامٌ ، حُجَّةٌ فِي الْقِرَاءَةِ وَحَدِيثُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مَقْرُونٌ مِنَ السَّادِسَةِ ، انْتَهَى .
2231 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ الْعَطَّارُ ، نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَلِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي . قَالَ عَاصِمٌ : ونا أَبُو صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْما لَطَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ حَتَّى يَلِيَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِي ، فَيَكُونُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الشِّيعَةِ حَيْثُ يَقُولُونَ : الْمَهْدِيُّ الْمَوْعُودُ هُوَ الْقَائِمُ الْمُنْتَظَرُ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيُّ . قَوْلُهُ : ( قَالَ عَاصِمٌ : ونا أَبُو صَالِحٍ إِلَخْ ) هَذَا مُتَّصِلٌ بِالْإِسْنَادِ السَّابِقِ ( لَطَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ حَتَّى يَلِيَ ) أَيْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) حَدِيثُ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ قَبْلَ هَذَا بِأَطْوَلَ مِنْهُ كَمَا عَرَفْتَ ، وَحَدِيثُ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .
2232 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، نا شُعْبَةُ قَال : سَمِعْتُ زَيْدًا الْعَمِّيَّ قَال : سَمِعْتُ أَبَا الصِّدِّيقِ النَّاجِيَّ يُحَدِّثُ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : خَشِينَا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ نَبِيِّنَا حَدَثٌ ، فَسَأَلْنَا نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ فِي أُمَّتِي الْمَهْدِيَّ يَخْرُجُ يَعِيشُ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ تِسْعًا - زَيْدٌ الشَّاكُّ - قَالَ : قُلْنَا : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ : سِنِينَ ، قَالَ : فَيَجِيءُ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَيَقُولُ : يَا مَهْدِيُّ أَعْطِنِي أَعْطِنِي ، قَالَ : فَيَحْثِي لَهُ فِي ثَوْبِهِ مَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَحْمِلَهُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَبُو الصِّدِّيقِ النَّاجِيُّ اسْمُهُ بَكْرُ بْنُ عَمْرٍو ، وَيُقَالُ : بَكْرُ بْنُ قَيْسٍ قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ أَبَا الصِّدِّيقِ ) بِتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمَكْسُورَةِ ( النَّاجِيَّ ) بِالنُّونِ وَالْجِيمِ ، بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ ، مِنَ الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ : ( خَشِينَا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ نَبِيِّنَا حَدَثٌ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْحَدَثُ الْأَمْرُ الْحَادِثُ الْمُنْكَرُ الَّذِي لَيْسَ بِمُعْتَادٍ وَلَا مَعْرُوفٍ فِي السُّنَّةِ ، انْتَهَى ، ( يَعِيشُ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ تِسْعًا - زَيْدٌ الشَّاكُّ - ) أَيِ الشَّكُّ مِنْ زَيْدٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ : وَيَمْلِكُ سَبْعَ سِنِينَ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ ، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ عِنْدَهُ بِلَفْظِ : فَيَلْبَثُ سَبْعَ سِنِينَ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ ، فَقَوْلُ الْجَازِمِ مُقَدَّمٌ عَلَى قَوْلِ الشَّاكِّ ( أعْطِنِي أعْطِنِي ) التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أعْطِنِي مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى لِمَا تَعَوَّدَ مِنْ كَرْمِهِ وَإِحْسَانِهِ ( قَالَ ) أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَيُحْثِي لَهُ فِي ثَوْبِهِ مَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَحْمِلَهُ ) أَيْ يُعْطِيَهُ قَدْرَ مَا يَسْتَطِيعُ حَمْلَهُ ، وَذَا لِكَثْرَةِ الْأَمْوَالِ وَالْغَنَائِمِ وَالْفُتُوحَاتِ مَعَ سَخَاءِ نَفْسِهِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) فِي إِسْنَادِهِ زَيْدٌ الْعَمِّيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا .
بَاب : مَا جَاءَ فِي الْأَئِمَّةِ الْمُضِلِّينَ 2229 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ ، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي أَئِمَّةَ مُضِلِّينَ ، قَالَ : وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خذلهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ . ( باب ما جاء في الأئمة المضلين ) قَوْلُهُ : ( إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي أَئِمَّةَ مُضِلِّينَ ) أَيْ دَاعِينَ إِلَى الْبِدَعِ وَالْفِسْقِ وَالْفُجُورِ ( عَلَى الْحَقِّ ) خَبَرٌ لِقَوْلِهِ لَا تَزَالُ : أَيْ ثَابِتِينَ عَلَى الْحَقِّ عِلْمًا وَعَمَلًا ( ظَاهِرِينَ ) أَيْ غَالِبِينَ عَلَى الْبَاطِلِ وَلَوْ حُجَّةً ، قَالَ الطِّيبِيُّ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي ثَابِتِينَ أي ثابتين عَلَى الْحَقِّ فِي حَالَةِ كَوْنِهِمْ غَالِبِينَ عَلَى الْعَدُوِّ ( لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ ) أَيْ لِثَبَاتِهِمْ عَلَى دِينِهِمْ ( حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ لَا تَزَالُ ، قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ : أَيِ الرِّيحُ الَّتِي يُقْبَضُ عِنْدَهَا رُوحُ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَابْنُ مَاجَهْ بِدُونِ ذِكْرِ : إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي أَئِمَّةً مُضِلِّينَ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مُطَوَّلًا .
بَاب : مَا جَاءَ أَنَّ الْخُلَفَاءَ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ 2227 - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَصْرِيُّ ، نا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَال : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي الْهُذَيْلِ يَقُولُ : كَانَ نَاسٌ مِنْ رَبِيعَةَ عِنْدَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ : لَتَنْتَهِيَنَّ قُرَيْشٌ أَوْ لَيَجْعَلَنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ فِي جُمْهُورٍ مِنْ الْعَرَبِ غَيْرِهِمْ ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ : كَذَبْتَ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : قُرَيْشٌ وُلَاةُ النَّاسِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ عمر وابن مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غريب . ( بَاب مَا جَاءَ أَنَّ الْخُلَفَاءَ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ ) قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ ) بْنِ أَيُّوبَ الذَّارِعُ السَّعْدِيُّ أَبُو عَلِيٍّ الْبَصْرِيُّ ، صَدُوقٌ ، مِنَ الْعَاشِرَةِ ( عَنْ حَبِيبِ بْنِ الزُّبَيْرِ ) بْنِ مِشْكَانَ الْهِلَالِيِّ أَوِ الْحَنَفِيِّ الْأَصْبَهَانِيِّ ، أَصْلُهُ مِنَ الْبَصْرَةِ ، ثِقَةٌ ، مِنْ السَّادِسَةِ ( سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي الْهُذَيْلِ ) الْكُوفِيَّ ، كُنْيَتُهُ أَبُو الْمُغِيرَةِ ، ثِقَةٌ ، مِنَ الثَّانِيَةِ . قَوْلُهُ : ( لَتَنْتَهِيَنَّ قُرَيْشٌ ) أَيْ مِنَ الْفِسْقِ وَالْعِصْيَانِ ( أَوْ لَيَجْعَلَنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ ) أَيِ الرِّيَاسَةَ وَالْخِلَافَةَ ( غَيْرِهِمْ ) أَيْ غَيْرِ قُرَيْشٍ ( قُرَيْشٌ وُلَاةُ النَّاسِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ) أَيْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَيَسْتَمِرُّ ذَلِكَ ( إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) فَالْخِلَافَةُ فِيهِمْ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا ، وَمَنْ تَغَلَّبَ عَلَى الْمُلْكِ بِالشَّوْكَةِ لَا يُنْكِرُ أَنَّ الْخِلَافَةَ فِيهِمْ ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : هَذِهِ الْأَحَادِيثُ يَعْنِي أَحَادِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الَّتِي رَوَاهَا مُسْلِمٌ فِي بَابِ الْخِلَافَةِ فِي قُرَيْشٍ وَأَشْبَاهُهَا دَلِيلٌ ظَاهِرٌ أَنَّ الْخِلَافَةَ مُخْتَصَّةٌ بِقُرَيْشٍ لَا يَجُوزُ عَقْدُهَا لِأَحَدٍ مِنْ غَيْرِهِمْ ، وَعَلَى هَذَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَكَذَلِكَ بَعْدَهُمْ ، وَمَنْ خَالَفَ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ فَهُوَ مَحْجُوجٌ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ، قَالَ الْقَاضِي : اشْتِرَاطُ كَوْنِهِ قُرَشِيًّا هُوَ مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً ، قَالَ : وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَلَى الْأَنْصَارِ يَوْمَ السَّقِيفَةِ فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ ، قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ عَدَّهَا الْعُلَمَاءُ فِي مَسَائِلِ الْإِجْمَاعِ ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ فِيهَا قَوْلٌ وَلَا فِعْلٌ يُخَالِفُ مَا ذَكَرْنَا ، وَكَذَلِكَ مَنْ بَعْدَهُمْ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ ، قَالَ : وَلَا اعْتِدَادَ بِقَوْلِ النَّظَّامِ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنَ الْخَوَارِجِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ أَنَّهُ يَجُوزُ كَوْنُهُ مِنْ غَيْرِ قُرَيْشٍ ، وَلَا بِسَخَافَةِ ضِرَارِ بْنِ عَمْرٍو فِي قَوْلِهِ : إِنَّ غَيْرَ الْقُرَشِيِّ مِنَ النَّبَطِ وَغَيْرِهِمْ يُقَدَّمُ عَلَى قُرَشِيٍّ لِهَوَانِ خَلْعِهِ إِنْ عَرَضَ مِنْهُ أَمْرٌ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مِنْ بَاطِلِ الْقَوْلِ وَزُخْرُفِهِ مَعَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ مُخَالَفَةِ إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، فَمَعْنَاهُ فِي الْإِسْلَامِ وَالْجَاهِلِيَّةِ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، يَعْنِي رِوَايَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ : النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ مُسْلِمُهُمْ لِمُسْلِمِهِمْ وَكَافِرُهُمْ لِكَافِرِهِمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ رُؤَسَاءَ الْعَرَبِ وَأَصْحَابَ حَرَمٍ وَأَهْلَ حَجِّ بَيْتِ اللَّهِ ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَنْتَظِرُ إِسْلَامَهُمْ فَلَمَّا أَسْلَمُوا وَفُتِحَتْ مَكَّةُ تَبِعَهُمُ النَّاسُ وَجَاءَتْ وُفُودُ الْعَرَبِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ ، وَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ، وَكَذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ هُمْ أَصْحَابُ الْخِلَافَةِ وَالنَّاسُ تَبَعٌ لَهُمْ ، وَبَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مُسْتَمِرٌّ إِلَى آخِرِ الدُّنْيَا مَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ اثْنَانِ ، وَقَدْ ظَهَرَ مَا قَالَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمِنْ زَمَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْآنَ الْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ مِنْ غَيْرِ مُزَاحَمَةٍ لَهُمْ فِيهَا ، وَتَبْقَى كَذَلِكَ مَا بَقِيَ اثْنَانِ كَمَا قَالَه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَيَحْتَاجُ مَنْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ إِلَى تَأْوِيلِ مَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ مِنْ ذَلِكَ ، فَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ عُمَرَ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ أَنَّهُ قَالَ : إِنْ أَدْرَكَنِي أَجَلِي وَأَبُو عُبَيْدَةَ حَيٌّ اسْتَخْلَفْتُهُ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ : فَإِنْ أَدْرَكَنِي أَجَلِي وَقَدْ مَاتَ أَبُو عُبَيْدَةَ اسْتَخْلَفْتُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ، الْحَدِيثَ ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ أَنْصَارِيٌّ لَا نَسَبَ لَهُ فِي قُرَيْشٍ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : لَعَلَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ بَعْدَ عُمَرَ عَلَى اشْتِرَاطِ أَنْ يَكُونَ الْخَلِيفَةُ قُرَشِيًّا أَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ عُمَرَ فِي ذَلِكَ ، وَأَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ لَمْ يُعَيِّنِ الْخِلَافَةَ فِي قُرَيْشٍ مِنْ تَأْمِيرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ ، وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ، وَأُسَامَةَ وَغَيْرِهِمْ فِي الْحُرُوبِ فَلَيْسَ مِنَ الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى فِي شَيْءٍ ، بَلْ فِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْخَلِيفَةِ اسْتِنَابَةُ غَيْرِ قُرَيْشٍ فِي حَيَاتِهِ ، انْتَهَى . فَإِنْ قُلْتَ : مَا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ الْخِلَافَةِ بِقُرَيْشٍ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالْبُخَارِيِّ ، وَالنَّسَائِيِّ مَرْفُوعًا : اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ ، وَحَدِيثِ أُمِّ الْحُصَيْنِ عِنْدَ مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا : إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا . قُلْتُ : الْمُرَادُ مِنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا أَنَّ الْإِمَامَ الْأَعْظَمَ إِذَا اسْتَعْمَلَ الْعَبْدَ الْحَبَشِيَّ عَلَى إِمَارَةِ بَلَدٍ مَثَلًا وَجَبَتْ طَاعَتُهُ ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ الْعَبْدَ الْحَبَشِيَّ يَكُونُ هُوَ الْإِمَامَ الْأَعْظَمَ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَدْ يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِمَا لَا يَقَعُ فِي الْوُجُودِ ، يَعْنِي وَهَذَا مِنْ ذَاكَ ، أَطْلَقَ الْعَبْدَ الْحَبَشِيَّ مُبَالَغَةً فِي الْأَمْرِ بِالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ لَا يُتَصَوَّرُ شَرْعًا أَنْ يَلِيَ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَجَابِرٍ ) أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَلَفْظُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ : لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ اثْنَانِ ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْمُحَلَّى بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : هَذِهِ اللَّفْظَةُ لَفْظَةُ الْخَبَرِ ، فَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ الْأَمْرَ فَحَرَامٌ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ فِي غَيْرِهِمْ أَبَدًا ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ مَعْنَى الْخَبَرِ كَلَفْظِهِ فَلَا شَكَّ فِي أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ قُرَيْشٍ فَلَا أَمْرَ لَهُ ، وَإِنِ ادَّعَاهُ ، فَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَهَذَا خَبَرٌ يُوجِبُ مَنْعَ الْأَمْرِ عَمَّنْ سِوَاهُمْ ، انْتَهَى ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَلَفْظُهُ : النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، قَالَ الْمُنَاوِيُّ : بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ .
2228 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ قَال : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى يَمْلِكَ رَجُلٌ مِنْ الْمَوَالِي يُقَالُ لَهُ جَهْجَاهُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ ) بْنِ رَافِعِ بْنِ سِنَانٍ الْمَدَنِيِّ الْأَنْصَارِيِّ ، حَلِيفِ الْأَوْسِ ، ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ، قَوْلُهُ : ( لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ) أَيْ لَا يَنْقَطِعُ الزَّمَانُ وَلَا تَأْتِي الْقِيَامَةُ ( حَتَّى يَمْلِكَ رَجُلٌ مِنَ الْمَوَالِي ) أَيْ عَلَى سَبِيلِ التَّغَلُّبِ لَا بِشُورَى أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ ، فَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يُخَالِفُ الْأَحَادِيثَ الْقَاضِيَةَ بِأَنَّ الْخِلَافَةَ فِي قُرَيْشٍ ، وَالْمَوَالِي بِفَتْحِ الْمِيمِ جَمْعُ الْمَوْلَى أَيِ الْمَمَالِيكُ ، وَالْمَعْنَى حَتَّى يَصِيرَ حَاكِمٌ عَلَى النَّاسِ ( يُقَالُ لَهُ جَهْجَاهٌ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : هُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ ـ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَعْنِي نُسَخَ مُسْلِمٍ الْجَهْجَهَا بِهَائيْنِ ـ وَفِي بَعْضِهَا الْجَهْجَا بِحَذْفِ الْهَاءِ الَّتِي بَعْدَ الْأَلِفِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ .
بَاب : مَا جَاءَ فِي الْخِلَافَةِ 2225 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، نا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ ، نا حَشْرَجُ بْنُ نُبَاتَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُمْهَانَ قَالَ : ثَنِي سَفِينَةُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْخِلَافَةُ فِي أُمَّتِي ثَلَاثُونَ سَنَةً ، ثُمَّ مُلْكٌ بَعْدَ ذَلِكَ . ثُمَّ قَالَ لِي سَفِينَةُ : أَمْسِكْ خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ ، ثُمَّ قَالَ : وَخِلَافَةَ عُمَرَ ، وَخِلَافَةَ عُثْمَانَ ، ثُمَّ قَالَ : أَمْسِكْ خِلَافَةَ عَلِيٍّ ، فَوَجَدْنَاهَا ثَلَاثِينَ سَنَةً ، قَالَ سَعِيدٌ : فَقُلْتُ لَهُ : إِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْخِلَافَةَ فِيهِمْ قَالَ : كَذَبُوا بَنُو الزَّرْقَاءِ ، بَلْ هُمْ مُلُوكٌ مِنْ شَرِّ الْمُلُوكِ . وَفِي الْبَاب عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ قَالَا : لَمْ يَعْهَدْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخِلَافَةِ شَيْئًا ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ قَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُمْهَانَ ، وَلَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِه . ( باب ما جاء في الخلافة ) قَوْلُهُ : ( نا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ ) بِمُهْمَلَةٍ وَرَاءٍ وَجِيمٍ مُصَغَّرًا ، ابْنُ مَرْوَانَ الْجَوْهَرِيُّ أَبُو الْحَسَنِ الْبَغْدَادِيِّ أَصْلُهُ مِنْ خُرَاسَانَ ، ثِقَةٌ يَهِمُ قَلِيلًا مِنْ كِبَارِ الْعَاشِرَةِ ( حَدَّثَنَا حَشْرَجُ بْنُ نُبَاتَةَ ) بِضَمِّ النُّونِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ الْمُثَنَّاةِ ، الْأَشْجَعِيُّ ، أَبُو مُكْرَمٍ الْوَاسِطِيُّ أَوِ الْكُوفِيُّ ، صَدُوقٌ يَهِمُ ، مِنَ الثَّامِنَةِ ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُمْهَانَ ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ ، الْأَسْلَمِيِّ ، كُنْيَتُهُ أَبُو حَفْصٍ الْبَصْرِيُّ ، صَدُوقٌ لَهُ أَفْرَادٌ ، مِنَ الرَّابِعَةِ ( ثني سَفِينَةُ ) مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، يُقَالُ : كَانَ اسْمُهُ مِهْرَانَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَلُقِّبَ سَفِينَةَ لِكَوْنِهِ حَمَلَ شَيْئًا كَبِيرًا فِي السَّفَرِ ، مَشْهُورٌ ، لَهُ أَحَادِيثُ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : قَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُمْهَانَ ، عَنْ سَفِينَةَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ وَكَانَ إِذَا أَعْيَا بَعْضُ الْقَوْمِ أَلْقَى عَلَيَّ سَيْفَهُ ، أَلْقَى عَلَيَّ تُرْسَهُ ، حَتَّى حَمَلْتُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا كَثِيرًا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْتَ سَفِينَةٌ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( الْخِلَافَةُ فِي أُمَّتِي ثَلَاثُونَ سَنَةً ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً ، قَالَ الْعَلْقَمِيُّ : قَالَ شَيْخُنَا - يَعْنِي الْحَافِظَ السُّيُوطِيَّ - : لَمْ يَكُنْ فِي الثَّلَاثِينَ بَعْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ وَأَيَّامُ الْحَسَنِ ، قَالَ الْعَلْقَمِيُّ : بَلِ الثَّلَاثُونَ سَنَةً هِيَ مُدَّةُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ كَمَا حَرَّرْتُهُ ، فَمُدَّةُ خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ سَنَتَانِ وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةُ أَيَّامٍ ، وَمُدَّةُ عُمَرَ عَشْرُ سِنِينَ وَسِتَّةُ أَشْهُرٍ وَثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ ، وَمُدَّةُ عُثْمَانَ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً وَأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا وَتِسْعَةُ أَيَّامٍ ، وَمُدَّةُ خِلَافَةِ عَلِيٍّ أَرْبَعُ سِنِينَ وَتِسْعَةُ أَشْهُرٍ وَسَبْعَةُ أَيَّامٍ ، هَذَا هُوَ التَّحْرِيرُ فَلَعَلَّهُمْ أَلْغَوُا الْأَيَّامَ وَبَعْضَ الشُّهُورِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ : مُدَّةُ خِلَافَةِ عُمَرَ عَشْرُ سِنِينَ وَخَمْسَةُ أَشْهُرٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ يَوْمًا ، وَعُثْمَانَ ثنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً إِلَّا سِتَّ لَيَالٍ ، وَعَلِيٍّ خَمْسُ سِنِينَ ، وَقِيلَ خَمْسُ سِنِينَ إِلَّا أَشْهُرًا ، وَالْحَسَنِ نَحْوُ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ ، انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ ، وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ سَهْلٌ ، هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْعَلْقَمِيِّ ( ثُمَّ مُلْكٌ بَعْدَ ذَلِكَ ) قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْ بَعْدَ انْقِضَاءِ زَمَانِ خِلَافَةِ النُّبُوَّةِ يَكُونُ مُلْكًا ; لِأَنَّ اسْمَ الْخِلَافَةِ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ صَدَقَ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ بِعَمَلِهِ لِلسُّنَّةِ ، وَالْمُخَالِفُونَ مُلُوكٌ لَا خُلَفَاءُ وَإِنَّمَا تَسَمَّوْا بِالْخُلَفَاءِ لِخَلَفِهِمِ الْمَاضِي ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ عَنْ سَفِينَةَ أَنَّ أَوَّلَ الْمُلُوكِ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَالْمُرَادُ بِخِلَافَةِ النُّبُوَّةِ هِيَ الْخِلَافَةُ الْكَامِلَةُ وَهِيَ مُنْحَصِرَةٌ فِي الْخَمْسَةِ ، فَلَا يُعَارِضُ الْحَدِيثُ : لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا حَتَّى يَمْلِكَ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مُطْلَقُ الْخِلَافَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، انْتَهَى كَلَامُهُ مُحَصَّلًا . ( أَمْسِكْ عَلَيْكَ خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ ) أَيِ اضْبُطِ الْحِسَابَ عَاقِدًا أَصَابِعَكَ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : أَمْسِكْ عَلَيْكَ أَبَا بَكْرٍ سَنَتَيْنِ وَعُمَرَ عَشْرًا وَعُثْمَانَ اثْنَيْ عَشَرَ وَعَلِيًّا كَذَا ، وَلَفْظُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ : قَالَ سَفِينَةُ : أَمْسِكْ خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَنَتَيْنِ وَخِلَافَةَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَشْرَ سِنِينَ وَخِلَافَةَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اثْنَيْ عَشَرَ سَنَةً وَخِلَافَةَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سِتَّ سِنِينَ ( فَقُلْتُ لَهُ ) أَيْ لِسَفِينَةَ ( قَالَ ) أَيْ سَفِينَةُ ( كَذَبُوا بَنُو الزَّرْقَاءِ ) هُوَ مِنْ بَابِ أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ ، وَالزَّرْقَاءُ امْرَأَةٌ مِنْ أُمَّهَاتِ بَنِي أُمَيَّةَ ، قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ ( بَلْ هُمْ مُلُوكٌ مِنْ شَرِّ الْمُلُوكِ ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : قُلْتُ لِسَفِينَةَ إِنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ بِخَلِيفَةٍ ، قَالَ : كَذَبَتْ أَسْتَاهُ بَنِي الزَّرْقَاءِ ، يَعْنِي بَنِي مَرْوَانَ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ قَالَا : لَمْ يَعْهَدْ ) أَيْ لَمْ يُوصِ ، أَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ هَذَا ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُفْيَانَ قَالَ : لَمَّا ظَهَرَ عَلِيٌّ يَوْمَ الْجَمَلِ قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْهَدْ إِلَيْنَا فِي هَذِهِ الْإِمَارَةِ شَيْئًا حَتَّى رَأَيْنَا مِنَ الرَّأْيِ أَنْ نَسْتَخْلِفَ أَبَا بَكْرٍ فَأَقَامَ وَاسْتَقَامَ حَتَّى مَضَى سَبِيلَهُ ، ثُمَّ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَأَى مِنَ الرَّأْيِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عُمَرَ فَأَقَامَ وَاسْتَقَامَ حَتَّى ضَرَبَ الدِّينُ بِجِرَانِهِ ، ثُمَّ إِنَّ أَقْوَامًا طَلَبُوا الدُّنْيَا فَكَانَتْ أُمُورٌ يَقْضِي اللَّهُ فِيهَا ، وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ : قِيلَ لِعَلِيٍّ أَلَا تَسْتَخْلِفُ عَلَيْنَا ؟ قَالَ : مَا اسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْتَخْلِفُ ، وَلَكِنْ إِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِالنَّاسِ خَيْرًا فَسَيَجْمَعُهُمْ بَعْدِي عَلَى خَيْرِهِمْ كَمَا جَمَعَهُمْ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ عَلَى خَيْرِهِمْ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ .
2226 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، نا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : لَوْ اسْتَخْلَفْتَ ، قَالَ : إِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدْ اسْتَخْلَفَ أَبُو بَكْرٍ ، وَإِنْ لَمْ أَسْتَخْلِفْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ طويلة ، هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَوْلُهُ : ( لَوِ اسْتَخْلَفْتَ ) لَوْ لِلتَّمَنِّي أَوْ جَوَابُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ لَكَانَ خَيْرًا ( إِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ أَبُو بَكْرٍ وَإِنْ لَمْ أَسْتَخْلِفْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ، حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْخَلِيفَةَ إِذَا حَضَرَهُ مُقَدِّمَاتُ الْمَوْتِ ، وَقَبْلَ ذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ وَيَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ ، فَإِنْ تَرَكَهُ فَقَدِ اقْتَدَى بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا وَإِلَّا فَقَدِ اقْتَدَى بِأَبِي بَكْرٍ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى انْعِقَادِ الْخِلَافَةِ بِالِاسْتِخْلَافِ ، وَعَلَى انْعِقَادِهَا بِعَقْدِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ لِإِنْسَانٍ إِذَا لَمْ يَسْتَخْلِفِ الْخَلِيفَةُ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ جَعْلِ الْخَلِيفَةِ الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَ جَمَاعَةٍ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بِالسِّتَّةِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ نَصْبُ خَلِيفَةٍ وَوُجُوبُهُ بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ ، وَأَمَّا مَا حُكِيَ عَنِ الْأَصَمِّ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَجِبُ ، وَعَنْ غَيْرِهِ : أَنَّهُ يَجِبُ بِالْعَقْلِ لَا بِالشَّرْعِ فَبَاطِلَانِ ، أَمَّا الْأَصَمُّ فَمَحْجُوجٌ بِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي بَقَاءِ الصَّحَابَةِ بِلَا خَلِيفَةٍ فِي مُدَّةِ التَّشَاوُرِ يَوْمَ السَّقِيفَةِ وَأَيَّامَ الشُّورَى بَعْدَ وَفَاةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا تَارِكِينَ لِنَصْبِ الْخَلِيفَةِ بَلْ كَانُوا سَاعِينَ فِي النَّظَرِ فِي أَمْرِ مَنْ يُعْقَدُ لَهُ ، وَأَمَّا الْقَائِلُ الْآخَرُ فَفَسَادُ قَوْلِهِ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا يُوجِبُ شَيْئًا وَلَا يُحَسِّنُهُ وَلَا يُقَبِّحُهُ ، إِنَّمَا يَقَعُ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْعَادَةِ لَا بِذَاتِهِ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنُصَّ عَلَى خَلِيفَةٍ ، وَهُوَ إِجْمَاعُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَغَيْرِهِمْ ، قَالَ الْقَاضِي : وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ بَكْرُ بْنُ أُخْتِ عَبْدِ الْوَاحِدِ فَزَعَمَ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ، وَقَالَ ابْنُ رَاوَنْدِيِّ : نَصَّ عَلَى الْعَبَّاسِ ، وَقَالَتِ الشِّيعَةُ وَالرَّافِضَةُ : عَلَى عَلِيٍّ ، وَهَذِهِ دَعَاوَى بَاطِلَةٌ وَجَسَارَةٌ عَلَى الِافْتِرَاءِ وَوَقَاحَةٌ فِي مُكَابَرَةِ الْحِسِّ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى اخْتِيَارِ أَبِي بَكْرٍ وَعَلَى تَنْفِيذِ عَهْدِهِ إِلَى عُمَرَ ، وَعَلَى تَنْفِيذِ عَهْدِ عُمَرَ بِالشُّورَى ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا أَحَدٌ ، وَلَمْ يَدَّعِ عَلِيٌّ وَلَا الْعَبَّاسُ وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَصِيَّةً فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ وَقَدِ اتَّفَقَ عَلِيٌّ ، وَالْعَبَّاسُ عَلَى جَمِيعِ هَذَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ مَانِعَةٍ مِنْ ذِكْرِ وَصِيَّةٍ لَوْ كَانَتْ ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ وَصِيَّةٌ فَقَدْ نَسَبَ الْأُمَّةَ إِلَى اجْتِمَاعِهَا عَلَى الْخَطَأِ وَاسْتِمْرَارِهَا عَلَيْهِ ، وَكَيْفَ يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ أَنْ يَنْسُبَ الصَّحَابَةَ إِلَى الْمُوَاطَأَةِ عَلَى الْبَاطِلِ فِي كُلِّ هَذِهِ الْأَحْوَالِ ؟ وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ لَنُقِلَ ، فَإِنَّهُ مِنَ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ ) أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْإِمَارَةِ ، قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .
بَاب : مَا جَاءَ فِي الْخُلَفَاءِ 2223 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، نا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَكُونُ مِنْ بَعْدِي اثْنَا عَشَرَ أَمِيرًا قَالَ : ثُمَّ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ لَمْ أَفْهَمْهُ فَسَأَلْتُ الَّذِي يَلِينِي ، فَقَالَ : قال : كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ . حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، نا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ هَذَا الْحَدِيثِ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ يُسْتَغْرَبُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو . ( باب ما جاء في الخلفاء ) قَوْلُهُ : ( نا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ ) بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ الطَّنَافِسِيُّ ، الْكُوفِيُّ ، صَدُوقٌ مِنَ الثَّامِنَةِ . قَوْلُهُ : ( يَكُونُ مِنْ بَعْدِي اثْنَا عَشَرَ أَمِيرًا ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَنْقَضِي حَتَّى يَمْضِيَ فِيهِمِ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ : لَا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِيًا مَا وَلِيَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا ، وَفِي أُخْرَى لَهُ : لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ عَزِيزًا مَنِيعًا إِلَى اثَّنَى عَشَرَ خَلِيفَةً ، وَفِي أُخْرَى لَهُ : لَا يَزَالُ الدِّينُ قَائِمًا ، حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ أَوْ يَكُونَ عَلَيْكُمُ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ عِنْدَ الْبَزَّارِ ، وَالطَّبَرَانِيِّ نَحْوُ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ بِلَفْظِ : لَا يَزَالُ أَمْرُ أُمَّتِي صَالِحًا ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ نَحْوَهُ قَالَ : وَزَادَ : فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ أَتَتْهُ قُرَيْشٌ فَقَالُوا : ثُمَّ يَكُونُ مَاذَا ؟ قَالَ : الْهَرْجُ ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عنه بِلَفْظِ : لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا حَتَّى يَكُونَ عَلَيْكُمُ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ تَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : تَوَجَّهَ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ سُؤَالَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ يُعَارِضُهُ ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ سَفِينَةَ ، يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ : الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا ، لِأَنَّ الثَّلَاثِينَ سَنَةً لَمْ يَكُنْ فِيهَا إِلَّا الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ وَأَيَّامُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَالثَّانِي : أَنَّهُ وَلِيَ الْخِلَافَةَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا الْعَدَدِ ، قَالَ : وَالْجَوَابُ عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّهُ أَرَادَ فِي حَدِيثِ سَفِينَةَ خِلَافَةَ النُّبُوَّةِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ بِذَلِكَ ، وَعَنِ الثَّانِي أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ : لَا يَلِي إِلَّا اثْنَا عَشَرَ وَإِنَّمَا قَالَ : يَكُونُ اثْنَا عَشَرَ ، وَقَدْ وَلِيَ هَذَا الْعَدَدُ وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ الزِّيَادةَ عَلَيْهِمْ . قَالَ : وَهَذَا إِنْ جعل اللَّفْظُ وَاقِعًا عَلَى كُلِّ مَنْ وَلِيَ ، وَإِلَّا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْخِلَافَةَ مِنْ أَئِمَّةِ الْعَدْلِ ، وَقَدْ مَضَى مِنْهُمُ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَمَامِ الْعِدَّةِ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ يَفْتَرِقُ النَّاسُ عَلَيْهِمْ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي الْمِائَةِ الْخَامِسَةِ فِي الْأَنْدَلُسِ وَحْدَهَا سِتُّهُ أَنْفُسٍ كُلُّهُمْ يَتَسَمَّى بِالْخِلَافَةِ وَمَعَهُمْ صَاحِبُ مِصْرَ وَالْعَبَّاسِيَّةِ بِبَغْدَادَ إِلَى مَنْ كَانَ يَدَّعِي الْخِلَافَةَ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ مِنَ الْعَلَوِيَّةِ وَالْخَوَارِجِ ، قَالَ : وَيُعَضِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي مُسْلِمٍ : سَتَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ ، قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ الِاثْنَا عَشَرَ فِي مُدَّةِ عِزَّةِ الْخِلَافَةِ وَقُوَّةِ الْإِسْلَامِ وَاسْتِقَامَةِ أُمُورِهِ وَالِاجْتِمَاعِ عَلَى مَنْ يَقُومُ بِالْخِلَافَةِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ : كُلُّهُمْ تَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ ، وَهَذَا قَدْ وُجِدَ فِي مَنِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ إِلَى أَنِ اضْطَرَبَ أَمْرُ بَنِي أُمَيَّةَ وَوَقَعَتْ بَيْنَهُمُ الْفِتْنَةُ زَمَنَ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ ، فَاتَّصَلَتْ بَيْنَهُمْ إِلَى أَنْ قَامَتِ الدَّوْلَةُ الْعَبَّاسِيَّةُ فَاسْتَأْصَلُوا أَمْرَهُمْ ، وَهَذَا الْعَدَدُ مَوْجُودٌ صَحِيحٌ إِذَا اعْتُبِرَ ، قَالَ : وَقَدْ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا أُخَرَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِ نَبِيِّهِ ، انْتَهَى . قَالَ الْحَافِظُ : وَالِاحْتِمَالُ الَّذِي قَبْلَ هَذَا وَهُوَ اجْتِمَاعُ اثْنَيْ عَشَرَ فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ كُلُّهُمْ يَطْلُبُ الْخِلَافَةَ هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ المهلب كَمَا تَقَدَّمَ وَقَدْ ذَكَرْتُ وَجْهَ الرَّدِّ عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَرِدْ إِلَّا قَوْلُهُ : كُلُّهُمْ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ النَّاسُ ، فَإِنَّ فِي وَجُودِهِمْ فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ يُوجَدُ عَيْنُ الِافْتِرَاقِ ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ ، انْتَهَى . ثُمَّ نَقَلَ الْحَافِظُ كَلَامَ ابْنِ الْجَوْزِيِّ عَنْ كِتَابِهِ كَشْفِ الْمُشْكِلِ ، ثُمَّ قَالَ : وَيَنْتَظِمُ مِنْ مَجْمُوعِ مَا ذَكَرَاهُ ـ يَعْنِي الْقَاضِيَ عِيَاضٍ ، وَابْنَ الْجَوْزِيِّ ـ أَوْجُهٌ أَرْجَحُهَا الثَّالِثُ مِنْ أَوْجُهِ الْقَاضِي لِتَأْيِيدِهِ بِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحَةِ : كُلُّهُمْ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ النَّاسُ ، وَإِيضَاحُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاجْتِمَاعِ انْقِيَادُهُمْ لِبَيْعَتِهِ ، وَالَّذِي وَقَعَ أَنَّ النَّاسَ اجْتَمَعُوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ ثُمَّ عَلِيٍّ إِلَى أَنْ وَقَعَ أَمْرُ الْحَكَمَيْنِ فِي صِفِّينَ فَسُمِّيَ مُعَاوِيَةُ يَوْمَئِذٍ بِالْخِلَافَةِ ، ثُمَّ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى مُعَاوِيَةَ عِنْدَ صُلْحِ الْحَسَنِ ثُمَّ اجْتَمَعُوا عَلَى وَلَدِهِ يَزِيدَ ، وَلَمْ يَنْتَظِمْ لِلْحُسَيْنِ أَمْرٌ بَلْ قُتِلَ قَبْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ لَمَّا مَاتَ يَزِيدُ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ إِلَى أَنِ اجْتَمَعُوا عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بَعْدَ قَتْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا عَلَى أَوْلَادِهِ الْأَرْبَعَةِ الْوَلِيدِ ثُمَّ سُلَيْمَانَ ثُمَّ يَزِيدَ ثُمَّ هِشَامٍ وَتَخَلَّلَ بَيْنَ سُلَيْمَانَ ، وَيَزِيدَ ، عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فَهَؤُلَاءِ سَبْعَةٌ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ، وَالثَّانِي عَشَرَ هُوَ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ لَمَّا مَاتَ عَمُّهُ هِشَامٌ فَوُلِّيَ نَحْوَ أَرْبَعِ سِنِينَ ثُمَّ قَامُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ ، وَانْتَشَرَتِ الْفِتَنُ وَتَغَيَّرَتِ الْأَحْوَالُ مِنْ يَوْمِئِذٍ وَلَمْ يَتَّفِقْ أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَى خَلِيفَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ ، لِأَنَّ يَزِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ الَّذِي قَامَ عَلَى ابْنِ عَمِّهِ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ لَمْ تَطُلْ مُدَّتُهُ بَلْ ثَارَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ ابْنُ عَمِّ أَبِيهِ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ ، وَلَمَّا مَاتَ يَزِيدُ وَلِيَ أَخُوهُ إِبْرَاهِيمُ فَغَلَبَهُ مَرْوَانُ ثُمَّ ثَارَ عَلَى مَرْوَانَ بَنُو الْعَبَّاسِ إِلَى أَنْ قُتِلَ ، ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ أَبُو الْعَبَّاسِ السَّفَّاحُ وَلَمْ تَطُلْ مُدَّتُهُ مَعَ كَثْرَةِ مَنْ ثَارَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ وَلِيَ أَخُوهُ الْمَنْصُورُ فَطَالَتْ مُدَّتُهُ لَكِنْ خَرَجَ عَنْهُ الْمَغْرِبُ الْأَقْصَى بِاسْتِيلَاءِ الْمَرْوَانِيِّينَ عَلَى الْأَنْدَلُسِ ، وَاسْتَمَرَّتْ فِي أَيْدِيهِمْ مُتَغَلِّبِينَ عَلَيْهَا إِلَى أَنْ تَسَمَّوْا بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ ذَلِكَ وَانْفَرَطَ الْأَمْرُ فِي جَمِيعِ أَقْطَارِ الْأَرْضِ إِلَى أَنْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الْخِلَافَةِ إِلَّا الِاسْمُ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ بَعْدَ أَنْ كَانُوا فِي أَيَّامِ بَنِي عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يُخْطَبُ لِلْخَلِيفَةِ فِي جَمِيعِ أَقْطَارِ الْأَرْضِ شَرْقًا وَغَرْبًا وَشِمَالًا وَيَمِينًا مِمَّا غَلَبَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ ، وَلَا يَتَوَلَّى أَحَدٌ فِي بَلَدٍ مِنَ الْبِلَادِ كُلِّهَا الْإِمَارَةَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا إِلَّا بِأَمْرِ الْخَلِيفَةِ ، وَمَنْ نَظَرَ فِي أَخْبَارِهِمْ عَرَفَ صِحَّةَ ذَلِكَ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ثُمَّ يَكُونُ الْهَرْجُ يَعْنِي الْقَتْلَ النَّاشِئَ عَنِ الْفِتَنِ وُقُوعًا فَاشِيًّا يَفْشُو وَيَسْتَمِرُّ وَيَزْدَادُ عَلَى مَدَى الْأَيَّامِ وَكَذَا كَانَ ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . وقَالَ الْحَافِظُ عِمَادُ الدِّينِ بْنِ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا بَعْدَ إِيرَادِ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ مِنْ رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ : وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ الْبِشَارَةُ بِوُجُودِ اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً صَالِحًا يُقِيمُ الْحَقَّ وَيَعْدِلُ فِيهِمْ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا تَوَالِيهِمْ وَتَتَابُعُ أَيَّامِهِمْ ، بَلْ قَدْ وُجِدَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ عَلَى نَسَقٍ وَهُمُ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ ، وَمِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِلَا شَكٍّ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ ، وَبَعْضُ بَنِي الْعَبَّاسِ ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَكُونَ وِلَايَتُهُمْ لَا مَحَالَةَ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِنْهُمُ الْمَهْدِيَّ الْمُبَشَّرَ بِهِ فِي الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِذِكْرِهِ أَنَّهُ يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِيهِ فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا وَقِسْطًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا ، وَلَيْسَ هَذَا بِالْمُنْتَظَرِ الَّذِي يَتَوَهَّمُ الرَّافِضَةُ وُجُودَهُ ثُمَّ ظُهُورَهُ مِنْ سِرْدَابِ سَامِرَّا ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ وَلَا وُجُودٌ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ مِنْ هَوَسِ الْعُقُولِ السَّخِيفَةِ وَتَوَهُّمِ الْخَيَالَاتِ الضَّعِيفَةِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَؤُلَاءِ الْخُلَفَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ الْأَئِمَّةَ الَّذِينَ يَعْتَقِدُ فِيهِمِ الِاثْنَا عَشْرِيَّةَ مِنَ الرَّوَافِضِ لِجَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ عَقْلِهِمْ ، انْتَهَى . ( ثُمَّ تَكَلَّمَ ) أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَسَأَلْتُ الَّذِي يَلِينِي ) وَفِي عِدَّةٍ مِنْ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ : فَسَأَلْتُ أَبِي . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمْ ( وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ) رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ حَدِيثَ جَابِرٍ هَذَا مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ ، قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِيهِ ) هُوَ عُبَيْدُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ الطَّنَافِسِيُّ الْحَنَفِيُّ ، وَيُقَالُ الْإِيَادِيُّ ، مَوْلَاهُمْ أَبُو الْفَضْلِ اللَّحَّامُ الْكُوفِيُّ ، صَدُوقٌ مِنَ السَّادِسَةِ ( عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى ) الْأَشْعَرِيِّ الْكُوفِيِّ اسْمُهُ عَمْرٌو أَوْ عَامِرٌ ، ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ) أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبَزَّارُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ : أَنَّهُ سُئِلَ كَمْ يَمْلِكُ هَذِهِ الْأُمَّةَ مِنْ خَلِيفَةٍ ؟ فَقَالَ : سَأَلْنَا عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : اثْنَا عَشَرَ كَعِدَّةِ نُقَبَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ مَرْفُوعًا : إِذَا مَلَكَ اثْنَا عَشَرَ مِنْ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ كَانَ النَّقْفُ وَالنِّقَافُ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَالنَّقْفُ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْقَافِ ، وَهُوَ كَسْرُ الْهَامَةِ عَنِ الدِّمَاغِ ، وَالنِّقَافُ بِوَزْنِ فِعَالٍ مِنْهُ ، وَكُنِّيَ بِذَلِكَ عَنِ الْقَتْلِ وَالْقِتَالِ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ثُمَّ يَكُونُ الْهَرْجُ ، وَأَمَّا صَاحِبُ النِّهَايَةِ فَضَبَطَهُ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ بَدَلَ النُّونِ وَفَسَّرَهُ بِالْجِدِّ الشَّدِيدِ فِي الْخِصَامِ ، وَلَمْ أَرَ فِي اللُّغَةِ تَفْسِيرَهُ بِذَلِكَ ، بَلْ مَعْنَاهُ الْفِطْنَةُ وَالْحَذْقُ وَنَحْوُ ذَلِكَ ، وَفِي قَوْلِهِ مِنْ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ إِشَارَةٌ إِلَى كَوْنِهِمْ مِنْ قُرَيْشٍ ; لِأَنَّ لُؤَيًّا هُوَ ابْنُ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ وَفِيهِمْ جِمَاعُ قُرَيْشٍ ، انْتَهَى .
2224 - حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ ، نا أَبُو دَاوُدَ ، نا حُمَيْدُ بْنُ مِهْرَانَ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَوْسٍ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ كُسَيْبٍ الْعَدَوِيِّ قَالَ : كُنْتُ مَعَ أَبِي بَكْرَةَ تَحْتَ مِنْبَرِ ابْنِ عَامِرٍ وَهُوَ يَخْطُبُ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ رِقَاقٌ ، فَقَالَ أَبُو بِلَالٍ : انْظُرُوا إِلَى أَمِيرِنَا يَلْبَسُ ثِيَابَ الْفُسَّاقِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ : اسْكُتْ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ أَهَانَ سُلْطَانَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ أَهَانَهُ اللَّهُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ . قَوْلُهُ : ( نا حُمَيْدُ بْنُ مِهْرَانَ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : حُمَيْدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدِ بْنِ مِهْرَانَ الْخَيَّاطُ الْكِنْدِيُّ أَوِ الْمَالِكِيُّ ، ثِقَةٌ مِنَ السَّابِعَةِ ، وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ رَوَى لَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ حَدِيثًا وَاحِدًا : مَنْ أَهَانَ سُلْطَانًا أَهَانَهُ اللَّهُ ، انْتَهَى ، ( عَنْ سَعْدِ بْنِ أَوْسٍ ) الْعَدَوِيِّ أَوِ الْعَبْدِيِّ الْبَصْرِيِّ صَدُوقٌ لَهُ أَغَالِيطُ مِنَ الْخَامِسَةِ ( عَنْ زِيَادِ بْنِ كَسِيبٍ الْعَدَوِيِّ ) الْبَصْرِيِّ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ لَهُ عِنْدَهُمَا ، يَعْنِي التِّرْمِذِيَّ ، وَالنَّسَائِيَّ حَدِيثٌ وَاحِدٌ تَقَدَّمَ فِي حُمَيْدِ بْنِ مِهْرَانَ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ رِقَاقٌ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ رَقِيقَةٌ رَفِيعَةٌ ( فَقَالَ أَبُو بِلَالٍ ) قَالَ الْقَارِي : لَعَلَّهُ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَلَدُهُ بِلَالٌ كَانَ وَالِيًا عَلَى الْبَصْرَةِ ( يَلْبَسُ ثِيَابَ الْفُسَّاقِ ) يُحْتَمَلُ كَوْنُهَا مُحَرَّمَةً مِنَ الْحَرِيرِ ، وَكَوْنُهَا رِقَاقًا لَا مُحَرَّمَةً لَكِنْ لِكَوْنِهَا ثِيَابَ الْمُتَنَعِّمِينَ نَسَبَهُ إِلَى الْفِسْقِ تَغْلِيظًا وَهُوَ الظَّاهِرُ ، وَلِذَا رَدَّهُ أَبُو بَكْرَةَ بِقَوْلِهِ : ( مَنْ أَهَانَ سُلْطَانَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ أَهَانَهُ اللَّهُ ) أَيْ مَنْ أَهَانَ مَنْ أَعَزَّهُ اللَّهُ وَأَلْبَسَهُ خِلْعَةَ السَّلْطَنَةِ أَهَانَهُ اللَّهُ ، وَفِي الْأَرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِسُلْطَانِ اللَّهِ تَعَلُّقَهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ وَالْإِضَافَةُ فِي سُلْطَانِ اللَّهِ إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ ، كَبَيْتِ اللَّهِ وَنَاقَةِ اللَّهِ ، وَيُحْكَى عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ مَعَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَعَلَى جَعْفَرٍ جُبَّةُ خَزٍّ دَكْنَاءُ فَقَالَ لَهُ : يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ لَيْسَ هَذَا مِنْ لِبَاسِكِ ، فَحَسَرَ عَنْ رَدْنِ جُبَّتِهِ فَإِذَا تَحْتَهَا جُبَّةُ صُوفٍ بَيْضَاءُ يَقْصُرُ الذَّيْلُ عَنِ الذَّيْلِ وَالرَّدْنُ عَنِ الرَّدْنِ ، فَقَالَ : يَا ثَوْرِيُّ لَبِسْنَا هَذَا لِلَّهِ وَهَذِي لَكُمْ ، فَمَا كَانَ لِلَّهِ أَخْفَيْنَاهُ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَبْدَيْنَاهُ ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ جَامِعِ الْأُصُولِ فِي كِتَابِ مَنَاقِبِ الْأَوْلِيَاءِ ، وَالدَّكْنَاءُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ تَأْنِيثُ الْأَدْكَنِ وَهُوَ ثَوْبٌ مُغَبَّرُ اللَّوْنِ ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ .
بَاب مَا جَاءَ في الرجل يَكُونُ فِي الْفِتْنَةِ 2177 حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى الْقَزَّازُ الْبَصْرِيُّ ، نا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ أُمِّ مَالِكٍ الْبَهْزِيَّةِ ، قَالَتْ : ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِتْنَةً فَقَرَّبَهَا ، قَالَتْ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ : مَنْ خَيْرُ النَّاسِ فِيهَا ، قَالَ : رَجُلٌ فِي مَاشِيَتِهِ ، يُؤَدِّي حَقَّهَا ، وَيَعْبُدُ رَبَّهُ ، وَرَجُلٌ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ ، يُخِيفُ الْعَدُوَّ وَيُخوفونَهُ . وَفِي الْبَاب عَنْ أُمِّ مُبَشِّرٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الخدري وَابْنِ عَبَّاسٍ ، هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، ورَوَاهُ ليْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ ، عَنْ طَاوُسٍ عَنْ أُمِّ مَالِكٍ الْبَهْزِيَّةِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . بَاب مَا جَاءَ في الرجل يَكُونُ فِي الْفِتْنَةِ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عِمْرَانُ مُوسَى ) بْنِ حِبَّانَ ( الْقَزَّازُ ) اللَّيْثِيُّ أَبُو عَمْرٍو ( الْبَصْرِيُّ ) صَدُوقٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ ( نا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدِ ) بْنِ ذَكْوَانَ الْعَنْبَرِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ التَّنُّورِيُّ الْبَصْرِيُّ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ رُمِيَ بِالْقَدَرِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ مِنَ الثَّامِنَةِ ( عَنْ أُمِّ مَالِكٍ الْبَهْزِيَّةِّ ) صَحَابِيَّةٌ لَهَا حَدِيثُ الْبَابِ كَمَا فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ . قَوْلُهُ : ( ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِتْنَةً فَقَرَّبَهَا ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ ، أَيْ فَعَدَّهَا قَرِيبَةَ الْوُقُوعِ ، قَالَ الْأَشْرَفُ : مَعْنَاهُ وَصَفَهَا لِلصَّحَابَةِ وَصْفًا بَلِيغًا ، فَإِنَّ مَنْ وَصَفَ عِنْدَ أَحَدٍ وَصْفًا بَلِيغًا ، فَكَأَنَّهُ قَرَّبَ ذَلِكَ الشَّيْءَ إِلَيْهِ ( قَالَ رَجُلٌ فِي مَاشِيَتِهِ ) أَيْ مِنَ الْغَنَمِ وَنَحْوِهَا ، قَالَ فِي الْمَجْمَعِ : الْمَاشِيَةُ تَقَعُ عَلَى الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ ، وَالْأَخِيرُ أَكْثَرُ ( يُؤَدِّي حَقَّهَا ) أَيْ مِنْ الزَكَاة وَغَيْرِهَا ( وَرَجُلٌ آخِذٌ ) بصيغة اسْمُ الْفَاعِلِ أَيْ مَاسِكٌ ( يُخِيفُ الْعَدُوَّ ) مِنَ الْإِخَافَةِ بِمَعْنَى التَّخْوِيفِ أَيْ يَرْتَبِطُ فِي بَعْضِ ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ يُخَوِّفُ الْكُفَّارَ وَيُخَوِّفُونَهُ ، قَالَ الْمُظْهِرُ : يَعْنِي رَجُلٌ هَرَبَ مِنَ الْفِتَنِ وَقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَصَدَ الْكُفَّارَ يُحَارِبُهُمْ وَيُحَارِبُونَهُ ، يَعْنِي فَيَبْقَى سَالِمًا مِنَ الْفِتْنَةِ وَغَانِمًا لِلْأَجْرِ وَالْمَثُوبَةِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أُمِّ مُبَشِّرٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ) أَمَّا حَدِيثُ أُمِّ مُبَشِّرٍ ، وَهِيَ الْأَنْصَارِيَّةُ ، فَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا ، وَالطَّبَرَانِيُّ كَذَا فِي التَّرْغِيبِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ مَرْفُوعًا : يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ مِنْ أَبْوَابِ فَضَائِلِ الْجِهَادِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ .
2178 حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيُّ ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سِيْمِينَ كُرشَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَكُونُ الفِتْنَةٌ تَسْتَنْظِفُ الْعَرَبُ قَتْلَاهَا فِي النَّارِ اللِّسَانُ فِيهَا أَشَدُّ مِنْ السَّيْفِ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ : لَا نعرف لِزِيَادِ بْنِ سِيْمِينَ كُرشَ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ ، ورَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ لَيْثٍ ، فَرَفَعَهُ ، وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ لَيْثٍ فَوْقَفَهُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ لَّيْثِ ) هُوَ ابْنُ أَبِي سَلِيمٍ ( عَنْ زِيَادِ بْنِ سِيمِينَ كُرشَ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : زِيَادُ بْنُ سَلِيمٍ الْعَبْدِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو أُمَامَةَ الْمَعْرُوفُ بِالْأَعْجَمِ الشَّاعِرِ ، مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ، وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ وَهُوَ زِيَادٌ : سِيمِينَ كُرشَ ، مَوْلَى عَبْدِ الْقَيْسِ ، رَوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَغَيْرِهِ وَعَنْهُ طَاوُسٌ وَغَيْرُهُ ، رَوَى لَهُ الثَّلَاثَةُ حَدِيثًا وَاحِدًا فِي الْفِتَنِ وَسِيمِينَ كُرشَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمِيمِ بَيْنَهُمَا مُثَنَّاةٌ مِنْ تَحْتَ بَعْدَ الْمِيمِ أُخْرَى ، ثُمَّ نُونٍ سَاكِنَةٍ وَكَافٍ مَضْمُومَةٍ وَوَاوٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ ، ثُمَّ قِيلَ هُوَ اسْمُ وَالِدِهِ وَقِيلَ بَلْ لَقَبُهُ انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( تَكُونُ الْفِتْنَةُ تَسْتَنْظِفُ الْعَرَبَ ) أَيْ تَسْتَوْعِبُهُمْ هَلَاكًا ، يُقَالُ اسْتَنْظَفْتُ الشَّيْءَ إِذَا أَخَذْتُهُ كُلَّهُ وَمِنْهُ قَوْلُهُمُ : اسْتَنْظَفْتُ الْخُرَاجَ وَلَا يُقَالُ نَظَّفْتُهُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ ، قَالَ الْقَارِي وَقِيلَ أَيْ تُطَهِّرُهُمْ مِنَ الْأَرْذَالِ وَأَهْلِ الْفِتَنِ ( قَتْلَاهَا ) جَمْعُ قَتِيلٍ بِمَعْنَى مَقْتُولٍ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ : ( فِي النَّارِ ) أَيْ سَيَكُونُونَ فِي النَّارِ ، أَوْ هُمْ حِينَئِذٍ فِي النَّارِ ; لِأَنَّهُمْ يُبَاشِرُونَ مَا يُوجِبُ دُخُولَهُمْ فِي النَّارِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ : الْمُرَادُ بِقَتْلَاهَا مَنْ قُتِلَ فِي تِلْكَ الْفِتْنَةِ ، وَإِنَّمَا هُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ؛ لِأَنَّهُمْ مَا قَصَدُوا بِتِلْكَ الْمُقَاتَلَةِ ، وَالْخُرُوجِ إِلَيْهَا ، إِعْلَاءَ دِينٍ ، أَوْ دَفْعَ ظَالِمٍ ، أَوْ إِعَانَةَ مُحِقٍّ ، وَإِنَّمَا كَانَ قَصْدُهُمُ التَّبَاغِي وَالتَّشَاجُرَ طَمَعًا فِي الْمَالِ وَالْمُلْكِ . ( اللِّسَانُ فِيهَا ) أَيْ وَقْعُهُ وَطَعْنُهُ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ إِشْرَافِ اللِّسَانِ أَيْ إِطْلَاقُهُ وَإِطَالَتُهُ ( أَشَدُّ مِنَ السَّيْفِ ) أَيْ وَقْعُ السَّيْفِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ ؛ لِأَنَّ السَّيْفَ إِذَا ضُرِبَ بِهِ أَثَّرَ فِي وَاحِدٍ وَاللِّسَانُ تَضْرِبُ بِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَلْفَ نَسَمَةٍ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي بَابِ كَفِّ اللِّسَانِ مِنْ كِتَابِ الْفِتَنِ وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ( سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ : لَا نَعْرِفُ لِزِيَادِ بْنِ سِيمِينَ كُوشَ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ إِلَخْ ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ أَنَّ حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ رَوَاهُ عَنْ لَيْثٍ وَرَفَعَهُ . وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، قَوْلُهُ : قَالَ وَهَذَا أَصَحُّ مِنَ الْأَوَّلِ ، وَهَكَذَا قَالَ فِيهِ زِيَادُ بْنُ سِيمِينَ كُوشَ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : زِيَادُ سِيمِينَ كُوشَ وَاسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ ، وَكَانَ مِنَ الْعُبَّادِ ، وَلَكِنَّهُ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ حَتَّى كَانَ لَا يَدْرِي مَا يُحَدِّثُ بِهِ ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ ، انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .
2222 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بن سعيد ، نا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - قَالَ : وَلَا أَعْلَمُ أذَكَرَ الثَّالِثَ أَمْ لَا - ثُمَّ يَنْشَأُ أَقْوَامٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ ، وَيَفْشُو فِيهِمْ السِّمَنُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ) ( قَالَ ) أَيْ عِمْرَانُ ( وَلَا أَعْلَمُ أَذَكَرَ الثَّالِثَ أَمْ لَا ) وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى ، عَنْ عِمْرَانَ ، وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ طَرِيقِ زَهْدَمٍ ، عَنْ عِمْرَانَ ، قَالَ عِمْرَانُ : فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَقَعَ مِثْلُ هَذَا الشَّكِّ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَجَاءَ فِي أَكْثَرِ الطُّرُقِ بِغَيْرِ شَكٍّ مِنْهَا عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَعَنْ مَالِكٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ ؟ قَالَ : الْقَرْنُ الَّذِي أَنَا فِيهِ ثُمَّ الثَّانِي ثُمَّ الثَّالِثُ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ وَسَمْوَيْهِ مَا يُفَسَّرُ بِهِ هَذَا السُّؤَالُ ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيقِ بِلَالِ بْنِ سَعدِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ ؟ فَقَالَ : أَنَا وَقَرْنِي ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ ، وَلِلطَّيَالِسِيِّ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ رَفَعَهُ : خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِي أَنَا مِنْهُمْ ثُمَّ الثَّانِي ثُمَّ الثَّالِثُ ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرة عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَالطَّبَرَانِيِّ إِثْبَاتُ الْقَرْنِ الرَّابِعِ ، وَلَفْظُهُ : خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الْآخَرُونَ أَرْدَأُ ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّ جَعْدَةَ مُخْتَلَفٌ فِي صِحبتِهِ ، انْتَهَى . ( يَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ ) أَيْ لَا يَثِقُ النَّاسُ بِهِمْ وَلَا يَعْتَقِدُونَهُمْ أُمَنَاءَ بِأَنْ تَكُونَ خِيَانَتُهُمْ ظَاهِرَةً بِحَيْثُ لَا يَبْقَى لِلنَّاسِ اعْتِمَادٌ عَلَيْهِمْ ( وَيَفْشُو ) أَيْ يَظْهَرُ ( فِيهِمُ السِّمَنُ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ بَعْدَهَا نُونٌ ، أَيْ يُحِبُّونَ التَّوَسُّعَ فِي الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَهِيَ أَسْبَابُ السِّمَنِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .
بَاب : مَا جَاءَ فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ 2221 - حَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِهِمْ قَوْمٌ يَتَسَمَّنُونَ وَيُحِبُّونَ السِّمَنَ ، يُعْطُونَ الشَّهَادَةَ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلُوهَا . هَكَذَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ ، وَرَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْحُفَّاظِ عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عَلِيَّ بْنَ مُدْرِكٍ . حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ ، نا وَكِيعٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، نا هِلَالُ بْنُ يَسَافٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ ، وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدِي مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ ، وَقَدْ رُوِيَ هذا الحديث مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ ) وَهُوَ قَرْنُ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : الصَّحِيحُ أَنَّ قَرْنَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحَابَةِ ، وَالثَّانِي التَّابِعُونَ ، وَالثَّالِثُ تَابِعُوهُمْ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ) أَيْ أَهْلُ قَرْنِي ، قَالَ الْحَافِظُ : وَالْمُرَادُ بِقَرْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحَابَةُ ، وَقَدْ سَبَقَ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ : ( وَبُعِثْتُ فِي خيْرِ قُرُونِ بَنِي آدَمَ ) وَفِي رِوَايَةِ بُرَيْدَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ : خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْقَرْنُ الَّذِينَ بُعِثْتُ فِيهِمْ ، وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الَّذِي بَيْنَ الْبَعْثَةِ وَآخِرِ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ مِائَةُ سَنَةٍ وَعِشْرُونَ سَنَةً أَوْ دُونَهَا أَوْ فَوْقَهَا بِقَلِيلٍ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي وَفَاةِ أَبِي الطُّفَيْلِ وَإِنِ اعْتُبِرَ ذَلِكَ مِنْ بَعْدِ وَفَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَكُونُ مِائَةَ سَنَةٍ أَوْ تِسْعِينَ أَوْ سَبْعًا وَتِسْعِينَ ، وَأَمَّا قَرْنُ التَّابِعِينَ فَإِنِ اعْتُبِرَ مِنْ سَنَةِ مِائَةٍ كَانَ نَحْوَ سَبْعِينَ أَوْ ثَمَانِينَ ، وَأَمَّا الَّذِينَ بَعْدَهُمْ فَإِنِ اعْتُبِرَ مِنْهَا كَانَ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ ، فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ مُدَّةَ الْقَرْنِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَعْمَارِ أَهْلِ كُلِّ زَمَانٍ ، وَاتَّفَقُوا أَنَّ آخِرَ مَنْ كَانَ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ مِمَّنْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ مَنْ عَاشَ إِلَى حُدُودِ الْعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ ، انْتَهَى . ( ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ) أَيِ الْقَرْنَ الَّذِي بَعْدَهُمْ وَهُمُ التَّابِعُونَ ( ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ) وَهُمْ أَتْبَاعُ التَّابِعِينَ ، وَيَأْتِي شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ وَتَخْرِيجُهُ فِي أَبْوَابِ الشَّهَادَاتِ .
بَاب : مَا جَاءَ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابٌ ومبير 2220 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، نا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى ، عَنْ شَرِيكِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُصْمٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِي ثَقِيفٍ كَذَّابٌ وَمُبِيرٌ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ وَاقِدٍ ، نا شَرِيكٌ نَحْوَهُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ ، وَشَرِيكٌ يَقُولُ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُصْمٍ ، وَإِسْرَائِيلُ يَقُولُ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِصْمَةَ . ويُقَالُ : الْكَذَّابُ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ ، وَالْمُبِيرُ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ . حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ سَلْمٍ الْبَلْخِيُّ ، نا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ : أَحْصَوْا مَا قَتَلَ الْحَجَّاجُ صَبْرًا ، فَبَلَغَ مِائَةَ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ قَتِيلٍ . ( باب ما جاء في ثقيف كذاب ومبير ) قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُصْمٍ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ، وَيُقَالُ عَصْمَةَ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ ، كُنْيَتُهُ أَبُو عُلْوَانَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ ، الْحَنَفِيُّ الْيَمَامِيُّ ، نَزَلَ الْكُوفَةَ ، صَدُوقٌ يُخْطِئُ ، أَفْرَطَ ابْنُ حِبَّانَ فِيهِ وَتَنَاقَضَ . قَوْلُهُ : ( فِي ثَقِيفٍ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : ثَقِيفٌ كَأَمِيرٍ أَبُو قَبِيلَةٍ مِنْ هَوَازِنَ وَاسْمُهُ قَسِيُّ بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ وَالنِّسْبَةُ ثَقَفِيٌّ مُحَرَّكَةٌ ، انْتَهَى ( كَذَّابٌ ) قِيلَ هُوَ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ الزَّاعِمُ أَنَّ جِبْرِيلَ يَأْتِيهِ ( وَمُبِيرٌ ) أَيْ مُهْلِكٌ يُسْرِفُ فِي إِهْلَاكِ النَّاسِ ، يُقَالُ : بَارَ الرَّجُلُ يَبُورُ بَوْرًا ، فَهُوَ بَائِرٌ ، وَأَبَارَ غَيْرَهُ ، فَهُوَ مُبِيرٌ وَهُوَ الْحَجَّاجُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ فِي الْإِهْلَاكِ مِثْلَهُ ، قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي بَابِ ذِكْرِ كَذَّابِ ثَقِيفٍ وَمُبِيرِهَا ، مِنْ كِتَابِ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ ، قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ وَاقِدِ ) بْنِ مُسْلِمٍ الْبَغْدَادِيُّ أَبُو مُسْلِمٍ الْوَاقِدِيُّ أَصْلُهُ بَصْرِيٌّ صَدُوقٌ يَغْلَطُ ، مِنَ الْعَاشِرَةِ ( نَحْوَهُ ) أَيْ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ سَلَامَةَ بِنْتِ الْحُرِّ ، قَالَ الْمُنَاوِيُّ : إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ . قَوْلُهُ : ( وَشَرِيكٌ يَقُولُ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُصْمٍ ، وَإِسْرَائِيلُ يَقُولُ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَصْمَةَ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُصْمٍ : قَالَ الْآجُرِّيُّ ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ قَالَ إِسْرَائِيلُ : عَصْمَةُ ، وَقَالَ شَرِيكٌ : عُصْمٌ ، وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ يَقُولُ الْقَوْلُ قَوْلُ شَرِيكٍ ، وَكَذَا قَالَ أَبُو الْقَاسِم الطَّبَرَانِيُّ أَنَّ الصَّوَابَ عُصْمٌ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( الْكَذَّابُ هُوَ : الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ ) بِالتَّصْغِيرِ ، وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ قَامَ بَعْدَ وَقْعَةِ الْحُسَيْنِ وَدَعَا النَّاسَ إِلَى طَلَبِ ثَأْرِهِ وَكَانَ غَرَضُهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَصْرِفَ إِلَى نَفْسِهِ وُجُوهَ النَّاسِ وَيَتَوَسَّلَ بِهِ إِلَى الْإِمَارَةِ ، وَكَانَ طَالِبًا لِلدُّنْيَا مُدَلِّسًا فِي تَحْصِيلِهَا ، كَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَفِي الْإِكْمَالِ لِصَاحِبِ الْمِشْكَاةِ : الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ هُوَ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ كَانَ أَبُوهُ مِنْ أَجِلَّةِ الصَّحَابَةِ وَوُلِدَ الْمُخْتَارُ عَامَ الْهِجْرَةِ وَلَيْسَ لَهُ صُحْبَةٌ وَلَا رِوَايَةٌ ، هُوَ الَّذِي قَالَ فِي حَقِّهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَصْمَةَ : هُوَ الْكَذَّابُ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِي ثَقِيفٍ كَذَّابٌ ، كَانَ أَوَّلًا مَشْهُورًا بِالْفَضْلِ وَالْعِلْمِ وَالْخَيْرِ ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا يُبْطِنُهُ إِلَى أَنْ فَارَقَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ، وَطَلَبَ الْإِمَارَةَ وَأَظْهَرَ مَا كَانَ يُبْطِنُ مِنْ فَسَادِ الرَّأْيِ وَالْعَقِيدَةِ وَالْهَوَى إِلَى أَنْ ظَهَرَ مِنْهُ أَسْبَابٌ كَثِيرَةٌ تُخَالِفُ الدِّينَ ، وَكَانَ يُظْهِرُ طَلَبَ ثَأْرِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لِيَتَمَشَّى أَمْرُهُ الَّذِي يَرُومُهُ مِنَ الْإِمَارَةِ وَطَلَبِ الدُّنْيَا ، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ قُتِلَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ فِي أَيَّامِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، انْتَهَى . ( وَالْمُبِيرُ : الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ ) وَهُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ مُبَالَغَةً ، الْحَاجُّ بِمَعْنَى الْآتِي بِالْحُجَّةِ ، قَالَ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ : هُوَ عَامِلُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ عَلَى الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَبَعْدَهُ لِابْنِهِ الْوَلِيدِ ، مَاتَ بِوَاسِطَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَعُمُرُهُ أَرْبَعٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً ، قُلْتُ : حَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ هَذَا هُوَ الْأَمِيرُ الظَّالِمُ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فِي الظُّلْمِ وَالْقَتْلِ وَالسَّفْكِ ، قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ سَلْمٍ الْبَلْخِيُّ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : سُلَيْمَانُ بْنُ سَلْمِ بْنِ سَابِقٍ الْهَدَاوِيُّ ، بِفَتْحِ الْهَاءِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ ، أَبُو دَاوُدَ الْمُصَاحِفِيُّ الْبَلْخِيُّ ، ثِقَةٌ ، مِنَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ . قَوْلُهُ : ( أَحْصَوْا ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالصَّادِ أَيِ اضْبُطُوا وعُدُّوا ( صَبْرًا ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ : كُلُّ مَنْ قُتِلَ فِي غَيْرِ مَعْرَكَةٍ وَلَا حَرْبٍ وَلَا خَطَأٍ ، فَإِنَّهُ مَقْتُولٌ صَبْرًا .
2219 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ ، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ ، وَحَتَّى يَعْبُدُوا الْأَوْثَانَ ، وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي ثَلَاثُونَ كَذَّابُونَ ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لَا نَبِيَّ بَعْدِي . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ ) مِنْهَا مَا وَقَعَ بَعْدَ وَفَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( الْأَوْثَانَ ) أَيِ الْأَصْنَامَ ( وَإِنَّهُ ) أَيِ الشَّأْنَ ( كَذَّابُونَ ) أَيْ فِي ادِّعَائِهِمِ النُّبُوَّةَ ( وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ ) بِكَسْرِ التَّاءِ وَفَتْحِهَا ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ ( لَا نَبِيَّ بَعْدِي ) تَفْسِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْفِتَنِ مُطَوَّلًا .
بَاب : مَا جَاءَ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ كَذَّابُونَ 2218 - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، نا مَعْمَرٌ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْبَعِثَ كذابون دَجَّالُونَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ . وَفِي الْبَاب عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ وَابْنِ عُمَرَ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . ( باب ما جاء لا تقوم الساعة حتى يخرج كذابون ) قَوْلُهُ : ( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْبَعِثَ ) أَيْ يَخْرُجَ ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ حَتَّى يُبْعَثَ ، قَالَ الْحَافِظُ : بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ يُخْرَجُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْبَعْثِ بِمَعْنَى الْإِرْسَالِ الْمُقَارِنِ لِلنُّبُوَّةِ بل هُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ ( كَذَّابُونَ دَجَّالُونَ ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ ، قَالَ الْحَافِظُ : الدَّجَلُ التَّغْطِيَةُ وَالتَّمْوِيهُ ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْكَذِبِ أَيْضًا ، فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ كَذَّابُونَ تَأْكِيدٌ ( قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ ) مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ عَدَدُهُمْ قَرِيبٌ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ ثَوْبَانَ الْآتِي بَعْدَ هَذَا ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَكَذَا فِي أَحَادِيثَ أُخْرَى بِالْجَزْمِ أَنَّهُمْ ثَلَاثُونَ ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ : سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ دَجَّالُونَ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ مِنْهُمْ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ ، وَإِنِّي خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لَا نَبِيَّ بَعْدِي ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ الثَّلَاثِينَ بِالْجَزْمِ عَلَى طَرِيقِ جَبْرِ الْكَسْرِ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ سَبْعُونَ كَذَّابًا ، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ ، وَعِنْدَ أَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوُهُ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ أَيْضًا ، وَهُوَ مَحْمُولٌ إِنْ ثَبَتَ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْكَثْرَةِ لَا عَلَى التَّحْدِيدِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ مَنِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ مُطْلَقًا فَإِنَّهُمْ لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً لِكَوْنِ غَالِبِهِمْ يَنْشَأُ لَهُمْ ذَلِكَ عَنْ جُنُونٍ أَوْ سَوْدَاءَ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مَنْ قَامَتْ لَهُ شَوْكَةٌ وَبَدَتْ لَهُ شُبْهَةٌ ، هَذَا تَلْخِيصُ كَلَامِ الْحَافِظِ ، وَقَدْ ذَكَرَ هُنَا عِدَّةً مِنَ الْكَذَّابِينَ الدَّجَّالِينَ وَذَكَرَ أَسْمَاءَهُمْ وَشَيْئًا مِنْ أَحْوَالِهِمْ . ( كُلَّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ) هَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ ، وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي قَوْلِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ الْآتِي : وَإِنِّي خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لَا نَبِيَّ بَعْدِي ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ النُّبُوَّةَ مِنْهُمْ مَا ذُكِرَ مِنَ الثَّلَاثِينَ أَوْ نَحْوِهَا وَأَنَّ مَنْ زَادَ عَلَى الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ يَكُونُ كَذَّابًا فَقَطْ ، لَكِنْ يَدْعُو إِلَى الضَّلَالَةِ كَغُلَاةِ الرَّافِضَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ وَأَهْلِ الْوَحْدَةِ وَالْحُلُولِيَّةِ وَسَائِرِ الْفِرَقِ الدُّعَاةِ إِلَى مَا يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ خِلَافُ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ أَحْمَدَ فَقَالَ عَلِيٌّ ، لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْكَوَّاءِ : وَإِنَّكَ لَمُنهَمٌ وَابْنُ الْكَوَّاءِ لَمْ يَدَّعِ النُّبُوَّةَ وَإِنَّمَا كَانَ يَغْلُو فِي الرَّفْضِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ جابر بن سَمُرَةَ ، وَابْنِ عُمَرَ ) أَمَّا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ .
بَاب : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ قِبَلِ الْحِجَازِ 2217 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، نا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ ، ثنا شَيْبَانُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَتَخْرُجُ نَارٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ أَوْ مِنْ نَحْوِ بَحْرِ حَضْرَمَوْتَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَحْشُرُ النَّاسَ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا تَأْمُرُنَا ؟ فقَالَ : عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ . وَفِي الْبَاب عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي ذَرٍّ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ . بَاب : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ قِبَلِ الْحِجَازِ قَوْلُهُ : ( نا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَهْرَامَ التَّمِيمِيُّ أَبُو أَحْمَدَ ، وَأَبُو عَلِيٍّ الْمَرُّوذِيُّ بِتَشْدِيدِ الواو وَبِذَالٍ مُعْجَمَةٍ ، نَزِيلُ بَغْدَادَ ، ثِقَةٌ مِنَ التَّاسِعَةِ . قَوْلُهُ : ( ثنا شَيْبَانُ ) بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّمِيمِيُّ مَوْلَاهُمُ النَّحْوِيُّ أَبُو مُعَاوِيَةَ الْبَصْرِيُّ نَزِيلُ الْكُوفَةِ ، ثِقَةٌ ، صَاحِبُ كِتَابٍ ، يُقَالُ إِنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى نَحْوَةَ ، بَطْنٌ مِنَ الْأَزْدِ ، لَا إِلَى عِلْمِ النَّحْوِ مِنَ السَّابِعَةِ . قَوْلُهُ : ( سَتَخْرُجُ نَارٌ ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً وَهُوَ الظَّاهِرُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْجَزَرِيُّ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْفِتْنَةُ ( مِنْ حَضْرَمَوْتَ ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَفَتْحَتَيْنِ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ ، فَفِي الْقَامُوسِ : حَضْرَمُوتُ وبِضَمِّ الْمِيمِ بَلَدٌ وَقَبِيلَةٌ ، وَيُقَالُ هَذَا حَضْرَمَوْتُ ، وَيُضَافُ فَيُقَالُ حَضْرُمَوْتَ بِضَمِّ الرَّاءِ ، وَإِنْ شِئْتَ لَا تُنَوِّنِ الثَّانِيَ ( تَحْشُرُ النَّاسَ ) أَيْ تَجْمَعُهُمُ النَّارُ وَتَسُوقُهُمْ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ ( فَمَا تَأْمُرُنَا ) أَيْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ( فَقَالَ : عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ ) أَيْ خُذُوا طَرِيقَهَا وَالْزَمُوا فَرِيقَهَا ، فَإِنَّهَا سَالِمَةٌ مِنْ وُصُولِ النَّارِ الْحِسِّيَّةِ أَوِ الْحُكْمِيَّةِ إِلَيْهَا حِينَئِذٍ لِحِفْظِ مَلَائِكَةِ الرَّحْمَةِ إِيَّاهَا ، وَالْحَدِيثُ بِظَاهِرِهِ لَا يُطَابِقُ الْبَابَ فَتَفَكَّرْ وَتَأَمَّلْ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ ، وَأَنَسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي ذَرٍّ ) ، أَمَّا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ الْخَسْفِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ مَرْفُوعًا : أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ نَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْهُ مَرْفُوعًا : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ تُضِيءُ أَعْنَاقَ الْإِبِلِ بِبُصْرَى ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ .
بَاب : مَا جَاءَ إِذَا ذَهَبَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ 2216 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . ( بَابُ مَا جَاءَ إِذَا ذَهَبَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ ) بِكَسْرِ الْكَافِ وَيَجُوزُ الْفَتْحُ ، وَهُوَ لَقَبٌ لِكُلِّ مَنْ وَلِيَ مَمْلَكَةَ الْفُرْسِ ، قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : الْكَسْرُ أَفْصَحُ فِي كِسْرَى ، وَكَانَ أَبُو حَاتِمٍ يَخْتَارُهُ ، وَأَنْكَرَ الزَّجَّاجُ الْكَسْرَ عَلَى ثَعْلَبَ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النِّسْبَةَ إِلَيْهِ كَسْرَوِيٌّ بِالْفَتْحِ ، وَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ فَارِسٍ بِأَنَّ النِّسْبَةَ قَدْ يُفْتَحُ فِيهَا مَا هُوَ فِي الْأَصْلِ مَكْسُورٌ أَوْ مَضْمُومٌ كَمَا قَالُوا فِي بَنِي تَغْلِبَ بِكَسْرِ اللَّامِ تَغْلَبِيٌّ بِفَتْحِهَا ، وَفِي سَلَمَةَ كَذَلِكَ ، فَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى تَخْطِئَةِ الْكَسْرِ . ( وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ ) لَقَبٌ لِكُلِّ مَنْ وَلِيَ مَمْلَكَةَ الرُّومِ ( فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ ) ، قَالَ الْحَافِظُ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ : قَدِ اسْتُشْكِلَ هَذَا مَعَ بَقَاءِ مَمْلَكَةِ الْفُرْسِ ؛ لِأَنَّ آخِرَهُمْ قُتِلَ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ ، وَاسْتُشْكِلَ أَيْضًا مَعَ بَقَاءِ مَمْلَكَةِ الرُّومِ وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَادَ لَا يَبْقَى كِسْرَى بِالْعِرَاقِ وَلَا قَيْصَرَ بِالشَّامِ ، وَهَذَا مَنْقُولٌ عَنِ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ : وَسَبَبُ الْحَدِيثِ أَنَّ قُرَيْشًا كَانُوا يَأْتُونَ الشَّامَ وَالْعِرَاقَ تُجَّارًا ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا خَافُوا انْقِطَاعَ سَفَرِهِمْ إِلَيْهِمَا لِدُخُولِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ لَهُمْ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ وَتَبْشِيرًا لَهُمْ بِأَنَّ مُلْكَهُمَا سَيَزُولُ عَنِ الْإِقْلِيمَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ ، وَقِيلَ الْحِكْمَةُ فِي أَنَّ قَيْصَرَ بَقِيَ مُلْكُهُ وَإِنَّمَا ارْتَفَعَ مِنَ الشَّامِ وَمَا وَالَاهَا ، وَكِسْرَى ذَهَبَ مُلْكُهُ أَصْلًا وَرَأْسًا ، أَنَّ قَيْصَرَ لَمَّا جَاءَهُ كِتَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبِلَهُ وَكَادَ أَنْ يُسْلِمَ ، وَكِسْرَى لَمَّا أَتَاهُ كِتَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَزَّقَهُ ، فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُمَزَّقَ مُلْكُهُ كُلَّ مُمَزَّقٍ ، فَكَانَ كَذَلِكَ ، قَالَ الْخَطَّابُ : مَعْنَاهُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ يَمْلِكُ مِثْلَ مَا يَمْلِكُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بِالشَّامِ وَبِهَا بَيْتُ الْمَقْدِسِ الَّذِي لَا يَتِمُّ لِلنَّصَارَى نُسُكٌ إِلَّا بِهِ وَلَا يَمْلِكُ عَلَى الرُّومِ أَحَدٌ إِلَّا كَانَ قَدْ دَخَلَهُ إِمَّا سِرًّا وَإِمَّا جَهْرًا ، فَانْجَلَى عَنْهَا قَيْصَرُ ، وَاسْتُفْتِحَتْ خَزَائِنُهُ وَلَمْ يَخْلُفْهُ أَحَدٌ مِنَ الْقَيَاصِرَةِ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ بَعْدَهُ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .
2208 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو . ح وثنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيُّ الْأَشْهَلِيُّ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ أَسْعَدَ النَّاسِ بِالدُّنْيَا لُكَعُ بْنُ لُكَعٍ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو قَوْلُهُ : ( عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ) اسْمُهُ مَيْسَرَةُ ، مَوْلَى الْمُطَّلِبِ الْمَدَنِيُّ أَبُو عُثْمَانَ ، ثِقَةٌ ، رُبَّمَا وَهِمَ مِنَ الْخَامِسَةِ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى يَكُونَ أَسْعَدَ النَّاسِ ) بِنَصْبِ أَسْعَدَ وَيُرْفَعُ أَيْ أَكْثَرُهُمْ مَالًا وَأَطْيَبُهُمْ عَيْشًا وَأَرْفَعُهُمْ مَنْصِبًا وَأَنْفَذُهُمْ حُكْمًا ( بِالدُّنْيَا ) أَيْ بِأُمُورِهَا أَوْ فِيهَا ( لُكَعُ بْنُ لُكَعَ ) بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْكَافِ غَيْرُ مَصْرُوفٍ أَيْ لَئِيمُ بْنُ لَئِيمٍ ، أَيْ رَدِيءُ النَّسَبِ ، دَنِيءُ الْحَسَبِ ، وَقِيلَ أَرَادَ بِهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ ، وَلَا يُحْمَدُ لَهُ خُلُقٌ ، قَالَهُ الْقَارِي ، وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : اللُّكَعُ عِنْدَ الْعَرَبِ الْعَبْدُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الْحَمَقِ وَالذَّمِّ ، يُقَالُ لِلرَّجُلِ لُكَعُ وَلِلْمَرْأَةِ لَكَاعِ ، وَقَدْ لَكِعَ الرَّجُلُ يَلْكَعُ لَكْعًا فَهُوَ أَلْكَعُ ، وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ فِي النِّدَاءِ وَهُوَ اللَّئِيمُ ، وَقِيلَ الْوَسَخُ ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الصَّغِيرِ ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ جَاءَ يَطْلُبُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ قَالَ : أَثِمَ لُكَعُ ؟ فَإِنْ أُطْلِقَ عَلَى الْكَبِيرِ أُرِيدَ بِهِ الصَّغِيرُ الْعِلْمِ وَالْعَقْلِ ، وَمِنْهُ حَدِيثُ الْحَسَنِ قَالَ لِرَجُلٍ : يَا لُكَعُ ، يُرِيدُ يَا صَغِيرًا فِي الْعِلْمِ وَالْعَقْلِ ، انْتَهَى ، وَحُذِفَ أَلِفُ ابْنٍ لِإِجْرَاءِ اللَّفْظَيْنِ مَجْرَى عَلَمَيْنِ لِشَخْصَيْنِ خَسِيسَيْنِ لَئِيمَيْنِ ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ : فِي بَعْضِ النُّسَخِ يَعْنِي مِنَ الْمِشْكَاةِ بِنَصْبِ أَسْعَدَ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ يَكُونُ ، وَفِي بَعْضِهَا بِرَفْعِهِ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي يَكُونُ لِلشَّأْنِ ، وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ تَفْسِيرٌ لِلضَّمِيرِ الْمَذْكُورِ ، انْتَهَى . وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَسْعَدُ اسْمًا وَلُكَعَ بِنَصْبٍ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ لِفَسَادِ الْمَعْنَى كَمَا لَا يَخْفَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ وَالضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ .
2209 - حَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، نا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَقِيءُ الْأَرْضُ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا أَمْثَالَ الْأُسْطُوَانِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، قَالَ : فَيَجِيءُ السَّارِقُ فَيَقُولُ فِي مِثْلِ هَذَا قُطِعَتْ يَدِي ، وَيَجِيءُ الْقَاتِلُ فَيَقُولُ فِي هَذَا قَتَلْتُ ، وَيَجِيءُ الْقَاطِعُ فَيَقُولُ فِي هَذَا قَطَعْتُ رَحِمِي ، ثُمَّ يَدَعُونَهُ فَلَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ شَيْئًا . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . قَوْلُهُ : ( تَقِيءُ الْأَرْضُ ) مُضَارِعٌ مِنَ الْقَيْءِ أَيْ تُلْقِي الْأَرْضُ ( أَفْلَاذَ كَبِدِهَا ) قَالَ الْقَارِي بِفَتْحِ الْهَمْزَ جَمْعٌ الْفِلْذَةِ وَهِيَ الْقِطْعَةُ الْمَقْطُوعَةُ طُولًا وَسُمِّيَ مَا فِي الْأَرْضِ كَبِدًا تَشْبِيهًا بِالْكَبِدِ الَّتِي فِي بَطْنِ الْبَعِيرِ لِأَنَّهَا أَحَبُّ مَا هُوَ مُخَبَّأٌ فِيهَا ، كَمَا أَنَّ الْكَبِدَ أَطْيَبُ مَا فِي بَطْنِ الْجَزُورِ وَأَحَبُّهُ إِلَى الْعَرَبِ ، وَإِنَّمَا قُلْنَا فِي بَطْنِ الْبَعِيرِ لِأَنَّ ابْنَ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ : الْفِلْذ لَا يكُونُ إِلَّا لِلْبَعِيرِ ، فَالْمَعْنَى تُظْهِرُ كُنُوزَهَا وَتُخْرِجُهَا مِنْ بُطُونِهَا إِلَى ظُهُورِهَا ، انْتَهَى . ( أَمْثَالَ الْأُسْطُوَانِ ) بِضَمِّ الْهَمْز وَالطَّاءِ . وَقَوْلُهُ : ( مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ) لِبَيَانِ مُجْمَلِ الْحَالِ ، قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ : مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَرْضَ تُلْقِي مِنْ بَطْنِهَا مَا فِيهِ مِنَ الْكُنُوزِ وَقِيلَ مَا وَسِخَ فِيهَا مِنَ الْعُرُوقِ الْمَعْدِنِيَّةِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ أَمْثَالَ الْأُسْطُوَانَةِ وَشَبَّهَهَا بِأَفْلَاذِ الْكَبِدِ هَيْئَةً وَشَكْلًا فَإِنَّهَا قِطَعُ الْكَبِدِ الْمَقْطُوعَةِ طُولًا ( قُطِعَتْ يَدِي ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( وَيَجِيءُ الْقَاتِلُ ) أَيْ قَاتِلُ النَّفْسِ ( فِي هَذَا ) أَيْ فِي طَلَبِ هَذَا الْغَرَضِ ولِأَجْلِ تَحْصِيلِ هَذَا الْمَقْصُودِ ( قُتِلْتُ ) أَيْ مَنْ قَتَلْتُ مِنَ الْأَنْفُسِ ( وَيَجِيءُ الْقَاطِعُ ) أَيْ قَاطِعُ الرَّحِمِ ( ثُمَّ يَدَعُونَهُ ) بِفَتْحِ الدَّالِ ، أَيْ يَتْرُكُونَ مَا قَاءَهُ الْأَرْضُ مِنَ الْكَنْزِ أَوِ الْمَعْدِنِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
2207 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ اللَّهُ اللَّهُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، نا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ نَحْوَهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ ، وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ . قَوْلُهُ : ( نا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ) اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَدِيٍّ ، وَيُقَالُ إِنَّ كُنْيَتَهُ إِبْرَاهِيمُ أَبُو عَدِيٍّ السُّلَمِيُ مَوْلَاهُمُ الْقَسَمِيُّ ، أُنْزِلَ فِيهِمْ أَبُو عَمْرٍو الْبَصْرِيُّ ، ثِقَةٌ مِنَ التَّاسِعَةِ . قَوْلُهُ : ( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ اللَّهُ اللَّهُ ) بِالرَّفْعِ فِيهِمَا وَكُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْقِيَامَةَ إِنَّمَا تَقُومُ عَلَى شِرَارِ الْخَلْقِ كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، يَعْنِي حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَتَأْتِي الرِّيحُ مِنْ قِبَلِ الْيَمَنِ فَتَقْبِضُ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ قُرْبِ السَّاعَةِ ، انْتَهَى ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ مَعْنَى حَتَّى لَا يُقَالَ حَتَّى لَا يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ وَلَا يُعْبَدَ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ ، قَوْلُهُ : ( وَهَذَا أَصَحُّ مِنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ) لِأَنَّ خَالِدَ بْنَ الْحَارِثِ أَوْثَقُ مِنِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ .
2206 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ قَالَ : دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قال : فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنْ الْحَجَّاجِ ، فَقَالَ : مَا مِنْ عَامٍ إِلَّا والَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ ، سَمِعْتُ هَذَا مِنْ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ ) الْهَمْدَانِيِّ الْيَامِيِّ بِالتَّحْتَانِيَّةِ كُنْيَتُهُ أَبو عَدِيٍّ الْكُوفِيُّ ، وَلِيَ قَضَاءَ الرَّيِّ ، ثِقَةٌ مِنَ الْخَامِسَةِ ، وَقَالَ فِي الْفَتْحِ : وَهُوَ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ ، يَعْنِي حَدِيثَ الْبَابِ ، قَوْلُهُ : ( مِنَ الْحَجَّاجِ ) أَيِ ابْنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيِّ الْأَمِيرِ الْمَشْهُورِ ، وَالْمُرَادُ شَكْوَاهُمْ مَا يَلْقَوْنَ مِنْ ظُلْمِهِ لَهُمْ وَتَعَدِّيهِ ، وقَدْ ذَكَرَ الزُّبَيْرُ فِي الْمُوَفَّقِيَّاتِ مِنْ طَرِيقِ مُجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : كَانَ عُمَرُ فَمَنْ بَعْدَهُ إِذَا أَخَذُوا الْعَاصِيَ أَقَامُوهُ لِلنَّاسِ وَنَزَعُوا عِمَامَتَهُ ، فَلَمَّا كَانَ زِيَادٌ ضَرَبَ فِي الْجِنَايَاتِ بِالسِّيَاطِ ، ثُمَّ زَادَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ حَلْقَ اللِّحْيَةِ ، فَلَمَّا كَانَ بِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ سَمَّرَ كَفَّ الْجَانِي بِمِسْمَارٍ ، فَلَمَّا قَدِمَ الْحَجَّاجُ قَالَ هَذَا كُلُّهُ لَعِبٌ ، فَقَتَلَ بِالسَّيْفِ ، كَذَا فِي الْفَتْحِ . ( فَقَالَ : مَا مِنْ عَامٍ إِلَّا وَالَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : فَقَالَ : اصْبِرُوا فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ ( حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ ) أَيْ حَتَّى تَمُوتُوا ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثٍ آخَرَ : وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : هَذَا الْخَبَرُ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ ، لِإِخْبَارِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفَسَادِ الْأَحْوَالِ وَذَلِكَ مِنَ الْغَيْبِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ بِالرَّأْيِ وَإِنَّمَا يُعْلَمُ بِالْوَحْيِ ، انْتَهَى ، وَقَدِ اسْتُشْكِلَ هَذَا الْإِطْلَاقُ مَعَ أَنَّ بَعْضَ الْأَزْمِنَةِ تَكُونُ فِي الشَّرِّ دُونَ الَّتِي قَبْلَهَا ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ إِلَّا زَمَنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَهُوَ بَعْدَ زَمَنِ الْحَجَّاجِ بِيَسِيرٍ ، وَقَدِ اشْتُهِرَ الْخَيْرُ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، بَلْ لَوْ قِيلَ إِنَّ الشَّرَّ اضْمَحَلَّ فِي زَمَانِهِ لَمَّا كَانَ بَعِيدًا ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ شَرًّا مِنَ الزَّمَنِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَقَدْ حَمَلَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ عَلَى الْأَكْثَرِ الْأَغْلَبِ فَسُئِلَ عَنْ وُجُودِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعْدَ الْحَجَّاجِ ، فَقَالَ : لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ تَنْفِيسٍ . وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ : أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّفْضِيلِ تَفْضِيلُ مَجْمُوعِ الْعَصْرِ عَلَى مَجْمُوعِ الْعَصْرِ ، فَإِنَّ عَصْرَ الْحَجَّاجِ كَانَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي الْأَحْيَاءِ ، وَفِي عَصْرِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ انْقَرَضُوا ، وَالزَّمَانُ الَّذِي فِيهِ الصَّحَابَةُ خَيْرٌ مِنَ الزَّمَانِ الَّذِي بَعْدَهُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ . قَالَ الْحَافِظُ : ثُمَّ وَجَدْتُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ التَّصْرِيحَ بِالْمُرَادِ وَهُوَ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ ، فَأَخْرَجَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ بْنِ حَصِيرَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ : لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ يَوْمٌ إِلَّا وَهُوَ شَرٌّ مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ، لَسْتُ أَعْنِي رَخَاءً مِنَ الْعَيْشِ يُصِيبُهُ ، وَلَا مَالًا يُفِيدُهُ ، وَلَكِنْ لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ يَوْمٌ إِلَّا وَهُوَ أَقَلُّ عِلْمًا مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي مَضَى قَبْلَهُ ، فَإِذَا ذَهَبَ الْعُلَمَاءُ اسْتَوَى النَّاسُ ، فَلَا يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ، وَلَا يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَهْلِكُونَ ، وَمِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْهُ قَالَ : لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا وَهُوَ شَرٌّ مِمَّا كَانَ قَبْلَهُ ، أَمَا إِنِّي لَا أَعْنِي أَمِيرًا خَيْرًا مِنْ أَمِيرٍ ، وَلَا عَامًا خَيْرًا مِنْ عَامٍ ، وَلَكِنْ عُلَمَاؤُكُمْ وَفُقَهَاؤُكُمْ يَذْهَبُونَ ثُمَّ لَا تَجِدُونَ مِنْهُمْ خلَفا ، وَيَجِيءُ قَوْمٌ يُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ ، وَفِي لَفْظٍ عَنْهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ : وَمَا ذَاكَ بِكَثْرَةِ الْأَمْطَارِ وَقِلَّتِهَا ، وَلَكِنْ بِذَهَابِ الْعُلَمَاءِ ، ثُمَّ يُحْدِثُ قَوْمٌ يُفْتُونَ فِي الْأُمُورِ بِرَأْيِهِمْ فَيَثْلِمُونَ الْإِسْلَامَ وَيَهْدِمُونَهُ . وَاسْتَشْكَلُوا أَيْضًا زَمَانَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ بَعْدَ زَمَانِ الدَّجَّالِ ، وَأَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ الزَّمَانُ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ عِيسَى ، أو الْمُرَادُ جِنْسُ الزَّمَانِ الَّذِي فِيهِ الْأُمَرَاءُ ، وَإِلَّا فَمَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ زَمَانَ النَّبِيِّ الْمَعْصُومِ لَا شَرَّ فِيهِ قَالَ الْحَافِظُ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْأَزْمِنَةِ مَا قَبْلَ وُجُودِ الْعَلَامَاتِ الْعِظَامِ كَالدَّجَّالِ وَمَا بَعْدَهُ ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْأَزْمِنَةِ الْمُتَفَاضِلَةِ فِي الشَّرِّ مِنْ زَمَنِ الْحَجَّاجِ فَمَا بَعْدَهُ إِلَى زَمَنِ الدَّجَّالِ ، وَأَمَّا زَمَنُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَلَهُ حُكْمٌ مُسْتَأْنَفٌ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْأَزْمِنَةِ الْمَذْكُورَةِ أَزْمِنَةَ الصَّحَابَةِ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ هُمُ الْمُخَاطَبُونَ بِذَلِكَ ، فَيَخْتَصُّ بِهِمْ ، فَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُمْ فَلَمْ يُقْصَدْ فِي الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ لَكِنَّ الصَّحَابِيَّ فَهِمَ التَّعْمِيمَ ، فَلِذَلِكَ أَجَابَ مَنْ شَكَا إِلَيْهِ الْحَجَّاجَ بِذَلِكَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّبْرِ وهم أَوْ جُلُّهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ ، انْتَهَى مَا فِي الْفَتْحِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْفِتَنِ .
بَاب : مَا جَاءَ فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ 2205 - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي ، أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ ، وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ ، وَيَفْشُوَ الزِّنَا ، وَيشْرَبَ الْخَمْرُ ، وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةٍ قَيِّمٌ وَاحِدٌ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي مُوسَى وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ) أَيْ عَلَامَاتُهَا فَفِي النِّهَايَةِ : الْأَشْرَاطُ الْعَلَامَاتُ وَاحِدَتُهَا شَرَطٌ بِالتَّحْرِيكِ ، وَبِهِ سُمِّيَتْ شُرَطُ السُّلْطَانِ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا لِأَنْفُسِهِمْ عَلَامَاتٍ يُعْرَفُونَ بِهَا ، هَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( لَا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قَالَ الْحَافِظُ : عَرَفَ أَنَسٌ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِمَّنْ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُهُ ، لِأَنَّهُ كَانَ آخِرَ مَنْ مَاتَ بِالْبَصْرَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ ، فَلَعَلَّ الْخِطَابَ بِذَلِكَ كَانَ لِأَهْلِ الْبَصْرَةِ أَوْ كَانَ عَامًّا ، وَكَانَ تَحْدِيثُهُ بِذَلِكَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ مَنْ ثَبَتَ سَمَاعُهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا النَّادِرَ ، مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْمَتْنُ مِنْ مَرْوِيِّهِ ، انْتَهَى . ( أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ ) هُوَ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ لِأَنَّهُ اسْمُ إِنَّ وَالْمُرَادُ بِرَفْعِهِ مَوْتُ حَمَلَتِهِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : أَنْ يَقِلَّ الْعِلْمُ ، قَالَ الْحَافِظُ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِقِلَّتِهِ أَوَّلُ الْعَلَامَةِ ، وَبِرَفْعِهِ آخِرُهَا ، أَوْ أُطْلِقَتِ الْقِلَّةُ وَأُرِيدَ بِهَا الْعَدَمُ ، كَمَا يُطْلَقُ الْعَدَمُ ، وَيُرَادُ بِهِ الْقِلَّةُ وَهَذَا أَلْيَقُ لِاتِّحَادِ الْمَخْرَجِ ، انْتَهَى . ( وَيُفْشُو الزِّنَا ) بِالْقَصْرِ عَلَى لُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَبِهَا جَاءَ التَّنْزِيلُ وَبِالْمَدِّ لِأَهْلِ نَجْدٍ وَالنِّسْبَةُ إِلَى الْأَوَّلِ زِنَوِيٌّ ، وَإِلَى الْآخَرِ زِنَاوِيٌّ ( يُشْرَبُ الْخَمْرُ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ عَلَى الْعَطْفِ ، وَالْمُرَادُ كَثْرَةُ ذَلِكَ وَاشْتِهَارُهُ ( وَيكْثُرُ النِّسَاءُ ) قِيلَ سَبَبُهُ أَنَّ الْفِتَنَ تَكْثُرُ فَيَكْثُرُ الْقَتْلُ فِي الرِّجَالِ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الْحَرْبِ دُونَ النِّسَاءِ ، وَقَالَ أبو عَبْدِ الْمَلِكِ : هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى كَثْرَةِ الْفُتُوحِ فَتَكْثُرُ السَّبَايَا ، فَيَتَّخِذُ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ عِدَّةَ مَوْطُوءَاتٍ . قَالَ الْحَافِظُ : وفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِالْعِلَّةِ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْآتِي ، يَعْنِي فِي الزَّكَاةِ ، عِنْدَ الْبُخَارِيِّ : فَقَالَ : مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا عَلَامَةٌ مَحْضَةٌ لَا بِسَبَبٍ آخَرَ ، بَلْ يُقَدِّرُ اللَّهُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَنْ يَقِلَّ مَنْ يُولَدُ مِنَ الذُّكُورِ ، وَيَكْثُرَ مَنْ يُولَدُ مِنَ الْإِنَاثِ ، وَكَوْنُ كَثْرَةِ النِّسَاءِ مِنَ الْعَلَامَاتِ مُنَاسِبٌ لِظُهُورِ الْجَهْلِ وَرَفْعِ الْعِلْمِ ، انْتَهَى ، ( وَيَقِلُّ ) بِكَسْرِ الْقَافِ مِنَ الْقِلَّةِ ( لِخَمْسِينَ ) يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ حَقِيقَةُ هَذَا الْعَدَدِ أَوْ يَكُونَ مَجَازًا عَنِ الْكَثْرَةِ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى ، وَيُرَى الرَّجُلُ الْوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً ( قَيِّمٌ وَاحِدٌ ) بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِقَيِّمٍ ، أَيْ مَنْ يَقُومُ بِأَمْرِهِنَّ وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ إِشْعَارًا بِمَا هُوَ مَعْهُودٌ مِنْ كَوْنِ الرِّجَالِ قَوَّامِينَ عَلَى النِّسَاءِ ، وَكَأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ الْخَمْسَةَ خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهَا مُشْعِرَةً بِاخْتِلَالِ الْأُمُورِ الَّتِي يَحْصُلُ بِحِفْظِهَا صَلَاحُ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ ، وَهِيَ الدِّينُ لِأَنَّ رَفْعَ الْعِلْمِ يُخِلُّ بِهِ ، وَالْعَقْلُ لِأَنَّ شُرْبَ الْخَمْرِ يُخِلُّ بِهِ ، وَالنَّسَبُ لِأَنَّ الزِّنَا يُخِلُّ بِهِ ، وَالنَّفْسُ وَالْمَالُ لِأَنَّ كَثْرَةَ الْفِتَنِ تُخِلُّ بِهِمَا ، قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : وَإِنَّمَا كَانَ اخْتِلَالُ هَذِهِ الْأُمُورِ مُؤْذِنًا بِخَرَابِ الْعَالَمِ ; لِأَنَّ الْخَلْقَ لَا يُتْرَكُونَ هَمَلًا وَلَا نَبِيَّ بَعْدَ نَبِيِّنَا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ فَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي مُوسَى ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
بَاب : مَا جَاءَ فِي قِتَالِ التُّرْكِ 2215 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَعَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَا : نا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمْ الشَّعَرُ ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَبُرَيْدَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَعَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ وَمُعَاوِيَةَ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي قِتَالِ التُّرْكِ ) اخْتُلِفَ فِي أَصْلِ التُّرْكِ ، فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُمْ بَنُو قُنْطُورَاءَ أُمَّةٌ كَانَتْ لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَقَالَ كُرَاعٌ هُمُ الدَّيْلَمُ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُمْ جِنْسٌ مِنَ التُّرْكِ وَكَذَلِكَ الْغِزَ ، وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : وَهُمْ مِنْ أَوْلَادِ يَافِثَ وَهُمْ أَجْنَاسٌ كَثِيرَةٌ ، وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ : هُمْ بَنُو عَمِّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ لَمَّا بَنَى ذُو الْقَرْنَيْنِ السَّدَّ كَانَ بَعْضُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ غَائِبِينَ فَتُرِكُوا لَمْ يَدْخُلُوا مَعَ قَوْمِهِمْ فَسُمُّوا التُّرْكَ ، وَقِيلَ إِنَّهُمْ مِنْ نَسْلِ تُبَّعٍ ، وَقِيلَ مِنْ وَلَدِ أَفْرِيدُونَ بْنِ سَامَ بْنِ نُوحٍ ، وَقِيلَ ابْنِ يَافِثَ لِصُلْبِهِ ، وَقِيلَ ابْنِ كُومِي بْنِ يَافِثَ ، كَذَا فِي الْفَتْحِ . قَوْلُهُ : ( وَعَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ ) بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعَطَّارُ الْبَصْرِيُّ أَبُو بَكْرٍ نَزِيلُ مَكَّةَ ، لَا بَأْسَ بِهِ ، مِنْ صِغَارِ الْعَاشِرَةِ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ ) بِفَتْحَتَيْنِ وَسُكُونٍ ، قِيلَ الْمُرَادُ بِهِ طُولُ شُعُورِهِمْ حَتَّى تَصِيرَ أَطْرَافُهَا فِي أَرْجُلِهِمْ مَوْضِعَ النِّعَالِ ، وَقِيلَ الْمُرَادُ أَنَّ نِعَالَهُمْ مِنَ الشَّعَرِ بِأَنْ يَجْعَلُوا نِعَالَهُمْ مِنْ شَعْرٍ مَضْفُورٍ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ التُّرْكَ ، قَوْمًا كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ ، يَلْبَسُونَ الشَّعْرَ ، وَيَمْشُونَ فِي الشَّعْرِ ، وَزَعَمَ ابْنُ دِحْيَةَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْقُنْدُسُ الَّذِي يَلْبَسُونَهُ فِي الشَّرَابِيشِ ، قَالَ وَهُوَ جِلْدُ كَلْبِ الْمَاءِ ، ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ، قُلْتُ : وَالظَّاهِرُ هُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ الْمَذْكُورَةُ ( كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ جَمْعُ الْمِجَنِّ بِكَسْرِ الْمِيمِ : وَهُوَ التُّرْسُ ( الْمُطْرَقَةُ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُخَفَّفَةِ الْمُجَلَّدَةُ طَبَقًا فَوْقَ طَبَقٍ ، وَقِيلَ هِيَ التي أُلْبِسَتْ طرَاقًا أَيْ جِلْدًا يَغْشَاهَا ، شَبَّهَ وُجُوهَهُمْ بِالتِّرْسَةِ لِبَسْطِهَا وَتَدْوِيرِهَا ، وَبِالْمُطْرَقَةِ لِغِلَظِهَا وَكَثْرَةِ لَحْمِهَا ، قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَبُرَيْدَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَعَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ ، وَمُعَاوِيَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ مِنْ أَيْنَ يَخْرُجُ الدَّجَّالُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ بُرَيْدَةَ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَمَّا حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ فَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى : ذَكَرَ الْحَافِظُ لَفْظَهُ فِي الْفَتْحِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .
بَاب : مَا جَاءَ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ 2213 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ هَيَّاجٍ الْأَسَدِيُّ الْكُوفِيُّ ، نا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَرْحَبِيُّ ، نا عُبَيْدَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ الْفِهْرِيِّ ، رَوَاه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : بُعِثْتُ أنا فِي نَفَسِ السَّاعَةِ فَسَبَقْتُهَا كَمَا سَبَقَتْ هَذِهِ هَذِهِ - لِأُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . ( باب ما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم : بعثت أنا والساعة كهاتين ) قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنُ هَيَّاجٍ الْأَسَدِيُّ الْكُوفِيُّ ) صَدُوقٌ مِنَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ( نا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَرْحَبِيُّ ) الْكُوفِيُّ ، صَدُوقٌ ، رُبَّمَا أَخْطَأَ ، مِنَ التَّاسِعَةِ ( أَخْبَرَنَا عُبَيْدَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ ) بْنِ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ الْكُوفِيُّ ، صَدُوقٌ ، رُبَّمَا دَلَّسَ ، مِنَ الثَّامِنَةِ . قَوْلُهُ : ( بُعِثْتُ أَنَا فِي نَفَسِ السَّاعَةِ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْفَاءِ لَا غَيْرُ ، أَرَادَ بِهِ قُرْبَهَا أَيْ حِينَ تَنَفَّسَتْ ، تَنَفُّسُهَا ظُهُورُ أَشْرَاطِهَا ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ أَيْ ظَهَرَ آثَارُ طُلُوعِهِ ، وَبَعْثَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَوَّلِ أَشْرَاطِهَا ، هَذَا مَعْنَى كَلَامِ التُّورِبِشْتِيِّ ، كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ ( فَسَبَقْتُهَا ) أَيِ السَّاعَةُ فِي الْوُجُودِ ( كَمَا سَبَقَتْ هَذِهِ ) أَيِ السَّبَّابَةُ ( هَذِهِ ) أَيِ الْوُسْطَى أَيْ وُجُودًا أو حِسَابًا بِاعْتِبَارِ الِابْتِدَاءِ مِنْ جَانِبِ الْإِبْهَامِ ، وَعَدَلَ عَنِ الْإِبْهَامِ لِطُولِ الْفَصْلِ بَيْنَهُ وَالْمُسَبِّحَةِ ( لِأُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى ) فِي الْمِشْكَاةِ وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ .
2214 - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نا أَبُو دَاوُدَ ، أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ . وَأَشَارَ أَبُو دَاوُدَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى ، فَمَا فَضل إِحْدَيهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ! . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ ) قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ الْعُكْبَرِيُّ فِي إعْرَابِ الْمُسْنَدِ : السَّاعَةَ بِالنَّصْبِ وَالْوَاوُ فِيهِ بِمَعْنَى مَعَ ، قَالَ : وَلَوْ قُرِئَ بِالرَّفْعِ لَفَسَدَ الْمَعْنَى ; لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ بُعِثَتِ السَّاعَةُ وَلَا هُوَ فِي مَوْضِعِ الْمَرْفُوعِ لِأَنَّهَا لَمْ تُوجَدْ بَعْدُ ، وَأَجَازَ غَيْرُهُ الْوَجْهَيْنِ بَلْ جَزَمَ عِيَاضٌ بِأَنَّ الرَّفْعَ أَحْسَنُ وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى ضَمِيرِ الْمَجْهُولِ فِي بُعِثْتُ ، قَالَ : وَيَجُوزُ النَّصْبُ وَذَكَرَ نَحْوَ تَوْجِيهِ أَبِي الْبَقَاءِ ، وَزَادَ أَوْ عَلَى ضَمِيرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَالُ نَحْوُ فَانْتَظِرُوا كَمَا قُدِّرَ فِي نَحْوِ : جَاءَ الْبَرْدُ وَالطَّيَالِسَةُ فَاسْتَعَدُّوا ، قَالَ الْحَافِظُ : وَالْجَوَابُ عَنِ الَّذِي اعْتَلَّ بِهِ أَبُو الْبَقَاءِ أَوَّلًا أَنْ يُضَمِّنَ بُعِثْتُ مَعْنًى يَجْمَعُ إِرْسَالَ الرَّسُولِ وَمَجِيءَ السَّاعَةِ نَحْوَ جِئْتُ ، وَعَنِ الثَّانِي بِأَنَّهَا نُزِّلَتْ مَنْزِلَةَ الْمَوْجُودِ مُبَالَغَةً فِي تَحَقُّقِ مَجِيئِهَا ، انْتَهَى . ( كَهَاتَيْنِ ) قَالَ عِيَاضٌ : أَشَارَ بِهَذَا الْحَدِيثِ إِلَى قِلَّةِ الْمُدَّةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّاعَةِ ، وَالتَّفَاوُتُ إِمَّا فِي الْمُجَاوَرَةِ وَإِمَّا فِي قَدْرِ مَا بَيْنَهُمَا ، وَيُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ : كَفَضْلِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا الَّذِي يَتَّجِهُ أَنْ يُقَالَ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْأَوَّلَ لَقَامَتِ السَّاعَةُ لِاتِّصَالِ إِحْدَى الْأُصْبُعَيْنِ بِالْأُخْرَى ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ كَهَاتَيْنِ ، فَقِيلَ : كَمَا بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى فِي الطُّولِ ، وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا نَبِيٌّ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ : حَاصِلُ الْحَدِيثِ تَقْرِيبُ أَمْرِ السَّاعَةِ وَسُرْعَةُ مَجِيئِهَا ، قَالَ : وَعَلَى رِوَايَةِ النَّصْبِ يكَوْنِ التَّشْبِيهِ وَقَعَ بِالِانْضِمَامِ ، وَعَلَى الرَّفْعِ وَقَعَ بِالتَّفَاوُتِ ، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّ نِسْبَةَ تَقَدُّمِ الْبَعْثَةِ النَّبَوِيَّةِ عَلَى قِيَامِ السَّاعَةِ ، كَنِسْبَةِ فَضْلِ إِحْدَى الْأُصْبُعَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى ، وَقِيلَ الْمُرَادُ اسْتِمْرَارُ دَعْوَتِهِ لَا تَفْتَرِقُ إِحْدَاهُمَا عَنِ الْأُخْرَى ، كَمَا أَنَّ الْأُصْبُعَيْنِ لَا تَفْتَرِقُ إِحْدَاهُمَا عَنِ الْأُخْرَى ، وَرَجَّحَ الطِّيبِيُّ قَوْلَ الْبَيْضَاوِيِّ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ : مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ تَقْرِيبُ أَمْرِ السَّاعَةِ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِحَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّاعَةِ نَبِيٌّ كَمَا لَيْسَ بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى أُصْبُعٌ أُخْرَى ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ عِلْمُ وَقْتِهَا بِعَيْنِهِ ، لَكِنَّ سِيَاقَهُ يُفِيدُ قُرْبَهَا وَأَنَّ أَشْرَاطَهَا مُتَتَابِعَةٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى : فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا قَالَ الضَّحَّاكُ : أَوَّلُ أَشْرَاطِهَا بَعْثَةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْحِكْمَةُ فِي تَقَدُّمِ الْأَشْرَاطِ إِيقَاظُ الْغَافِلِينَ وَحَثُّهُمْ عَلَى التَّوْبَةِ وَالِاسْتِعْدَادُ ، كَذَا فِي الْفَتْحِ . ( فَمَا فَضْلُ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ) أَيْ فِي الطُّولِ وَالْمَعْنَى لَيْسَ بَيْنَهُمَا إِلَّا فَصلٌ يَسِيرٌ ، وَزَادَ مُسْلِمٌ بَعْدَ رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ : قَالَ شُعْبَةُ : وَسَمِعْتُ قَتَادَةَ يَقُولُ فِي قَصَصِهِ : كَفَضْلِ إِحْدَيْهِمَا عَلَى الْأُخْرَى ، فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَهُ عَنْ أَنَسٍ أَوْ قَالَهُ قَتَادَةُ ؟ قَالَ الْحَافِظُ : وَجَدْتُ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مَرْفُوعَةً فِي حَدِيثِ أَبِي جُبَيْرَةَ بْنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ الطَّبَرِيِّ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ .
2212 - حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكُوفِيُّ ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَتَى ذَلكَ ؟ قَالَ : إِذَا ظَهَرَتْ الْقَيان وَالْمَعَازِفُ وَشُرِبَتْ الْخُمُورُ . هذا حديث غريب ، رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلا . قَوْلُهُ : ( نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ ) التَّمِيمِيُّ السَّعْدِيُّ الْكُوفِيُّ صَدُوقٌ ، رُمِيَ بِالرَّفْضِ وَكَانَ أَيْضًا يُخْطِئُ ، مِنَ التَّاسِعَةِ . قَوْلُهُ : ( فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ ) أَيْ يَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) ذَكَرَهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ وَسَكَتَ عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : وَيُقَالُ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ سَابِطٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَيُقَالُ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيُّ الْمَكِّيُّ ، ثِقَةٌ كَثِيرُ الْإِرْسَالِ ، مِنَ الثَّالِثَةِ .
بَاب : 2210 - حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، نا الْفَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ أَبُو فَضَالَةَ الشَّامِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا فَعَلَتْ أُمَّتِي خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً حَلَّ بِهَا الْبَلَاءُ ، قِيلَ : وَمَا هي يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : إِذَا كَانَ الْمَغْنَمُ دُوَلًا ، وَالْأَمَانَةُ مَغْنَمًا ، وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا ، وَأَطَاعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ ، وَعَقَّ أُمَّهُ ، وَبَرَّ صَدِيقَهُ ، وَجَفَا أَبَاهُ ، وَارْتَفَعَتْ الْأَصْوَاتُ فِي الْمَسَاجِدِ ، وَكَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ ، وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخَافَةَ شَرِّهِ ، وَشُرِبَتْ الْخُمُورُ ، وَلُبِسَ الْحَرِيرُ ، وَاتُّخِذَتْ القيان وَالْمَعَازِفُ ، وَلَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا ، فَلْيَرْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ رِيحًا حَمْرَاءَ أَوْ خَسْفًا أو مَسْخًا . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى هذا الحديث عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ غَيْرَ الْفَرَجِ بْنِ فَضَالَةَ ، وقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَضَعَّفَهُ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ وَكِيعٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ . ( باب ) قَوْلُهُ : ( نا الْفَرَجُ بن فضالة أَبُو فَضَالَةَ الشَّامِيُّ ) التَّنُوخِيُّ ضَعِيفٌ مِنَ الثَّامِنَةِ ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِ بْنِ عَلِيٍّ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، صَدُوقٌ مِنَ السَّادِسَةِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ جَدِّهِ مُرْسَلَةٌ . قَوْلُهُ : ( خَصْلَةً ) بِالْفَتْحِ أَيْ خُلَّةً ( حَلَّ ) أَيْ نَزَلَ أَوْ وَجَبَ ( إِذَا كَانَ الْمَغْنَمُ ) أَيِ الْغَنِيمَةُ ( دِوَلًا ) بِكَسْرِ الدَّالِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَيُضَمُّ أَوَّلُهُ جَمْعُ دُولَةٍ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ وَهُوَ مَا يُتَدَاوَلُ مِنَ الْمَالِ فَيَكُونُ لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ : أَيْ إِذَا كَانَ الْأَغْنِيَاءُ وَأَصْحَابُ الْمَنَاصِبِ يَسْتَأْثِرُونَ بِحُقُوقِ الْفُقَرَاءِ أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّ أَمْوَالَ الْفَيْءِ تُؤْخَذُ غَلَبَةً وَأَثَرَةً صَنِيعُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَذَوِي الْعُدْوَانِ ( وَالْأَمَانَةُ مَغْنَمًا ) أَيْ بِأَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِوَدَائِعِ بَعْضِهِمْ وَأَمَانَاتِهِمْ ، فَيَتَّخِذُونَهَا كَالْمَغَانِمِ يَغْنَمُونَهَا ( وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا ) أَيْ بِأَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِمْ أَدَاؤُهَا بِحَيْثُ يَعُدُّونَ إِخْرَاجَهَا غَرَامَةً ( وَأَطَاعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ ) أَيْ فِيمَا تَأْمُرُهُ وَتَهْوَاهُ مُخَالِفًا لِأَمْرِ اللَّهِ ( وَعَقَّ أُمَّهُ ) أَيْ خَالَفَهَا فِيمَا تَأْمُرُهُ وَتَنْهَاهُ ( وَبَرَّ صَدِيقَهُ ) أَيْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ وَأَدْنَاهُ وَحَبَاهُ ( وَجَفَا أَبَاهُ ) أَيْ أَبْعَدَهُ وَأَقْصَاهُ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِي : وَأَدْنَى صَدِيقَهُ وَأَقْصَى أَبَاهُ ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : خَصَّ عُقُوقَ الْأُمِّ بِالذِّكْرِ وَإِنْ كَانَ عُقُوقُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَبَوَيْنِ مَعْدُودًا مِنَ الْكَبَائِرِ لِتَأَكُّدِ حَقِّهَا ، أَوْ لِكَوْنِ قَوْلِهِ : وَأَقْصَى أَبَاهُ بِمَنْزِلَةِ وَعَقَّ أَبَاهُ فَيَكُونُ عُقُوقُهُمَا مَذْكُورًا ( وَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ ) أَيْ عَلَتْ أَصْوَاتُ النَّاسِ ( فِي الْمَسَاجِدِ ) بِنَحْوِ الْخُصُومَاتِ وَالْمُبَايَعَاتِ وَاللَّهْوِ وَاللَّعِبِ ، قَالَ الْقَارِي : وَهَذَا مِمَّا كَثُرَ فِي هَذَا الزَّمَانِ ، وَقَدْ نَصَّ بَعْضُ عُلَمَائِنَا يَعْنِي الْعُلَمَاءَ الْحَنَفِيَّةَ ، بِأَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ وَلَوْ بِالذِّكْرِ حَرَامٌ ، انْتَهَى . ( وَكَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ ) أَيِ الْمُتَكَفِّلُ بِأَمْرِهِمْ ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الزَّعِيمُ الْكَفِيلُ وَسَيِّدُ الْقَوْمِ وَرَئِيسُهُمْ وَالْمُتَكَلِّمُ عَنْهُمْ ، انْتَهَى ، ( أَرْذَلَهُمْ ) فِي الْقَامُوسِ : الرَّذْلُ وَالرُّذَالُ وَالرَّذِيلُ وَالْأَرْذَلُ الدُّونُ الْخَسِيسُ أَوِ الرَّدِيءُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ( وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ عَظَّمَ النَّاسُ الْإِنْسَانَ ( مَخَافَةَ شَرِّهِ ) أَيْ خَشْيَةً مِنْ تَعَدِّي شَرِّهِ إِلَيْهِمْ ( وَشُرِبَتْ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( الْخُمُورُ ) جَمعُهَا لِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا ، إِذْ كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ أَيْ أَكْثَرَ النَّاسُ مِنْ شُرْبِهَا أَوْ تَجَاهَرُوا بِهِ ( وَلُبِسَ الْحَرِيرُ ) أَيْ لَبِسَهُ الرِّجَالُ بِلَا ضَرُورَةٍ ( وَاتُّخِذَتِ الْقِيَانُ ) أَيِ الْإِمَاءُ الْمُغَنِّيَاتُ جَمْعُ الْقَيْنَةِ ( الْمَعَازِفُ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الزَّايِ وَهِيَ الدُّفُوفُ وَغَيْرُهَا مِمَّا يُضْرَبُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ ، وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْمَعَازِفُ الْمَلَاهِي كَالْعُودِ وَالطُّنْبُورِ ، الْوَاحِدُ عَزْفٌ أَوْ مِعْزَفٌ كَمِنْبَرٍ وَمِكْنَسَةٍ ، انْتَهَى ، ( وَلَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا ) أَيِ اشْتَغَلَ الْخَلَفُ بِالطَّعْنِ فِي السَّلَفِ الصَّالِحِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْمَهْدِيِّينَ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ طَعَنَ الْخَلَفُ فِي السَّلَفِ وَذَكَرُوهُمْ بِالسُّوءِ وَلَمْ يَقْتَدُوا بِهِمْ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فَكَأَنَّهُ لَعَنَهُمْ ، قَالَ الْقَارِي : إِذَا كَانَتِ الْحَقِيقَةُ مُتَحَقِّقَةً فَمَا الْمُحْوِجُ إِلَى الْعُدُولِ عَنْهَا إِلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ ؟ وَقَدْ كَثُرَتْ كَثْرَةً لَا تَخْفَى فِي الْعَالَمِ ، قَالَ : وَقَدْ ظَهَرَتْ طَائِفَةٌ لَاعِنَةٌ مَلْعُونَةٌ إِمَّا كَافِرَةٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ ، حَيْثُ لَمْ يَكْتَفُوا بِاللَّعْنِ وَالطَّعْنِ فِي حَقِّهِمْ بَلْ نَسَبُوهُمْ إِلَى الْكُفْرِ بِمُجَرَّدِ أَوْهَامِهِمِ الْفَاسِدَةِ وَأَفْهَامِهِمِ الْكَاسِدَةِ ، مِنْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَخَذُوا الْخِلَافَةَ وَهِيَ حَقُّ عَلِيٍّ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَالْحَالُ أَنَّ هَذَا بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ سَلَفًا وَخَلَفًا وَلَا اعْتِبَارَ بِإِنْكَارِ الْمُنْكِرِينَ ، وَأَيُّ دَلِيلٍ لَهُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يَكُونُ نَصًّا عَلَى خِلَافَةِ عَلِيٍّ ، انْتَهَى . ( فَلْيَرْتَقِبُوا ) جَوَابُ إِذَا أَيْ فَلْيَنْتَظِرُوا ( عِنْدَ ذَلِكَ ) أَيْ عِنْدَ وُجُودٍ مَا ذُكِرَ ( رِيحًا حَمْرَاءَ ) أَيْ حُدُوثَ هُبُوبِ رِيحٍ حَمْرَاءَ ( أو خَسْفًا ) أَيْ ذَهَابًا فِي الْأَرْضِ وَغَوْرًا بِهِمْ فِيهَا ( أو مَسْخًا ) أَيْ قَلْبُ خِلْقَةٍ مِنْ صُورَةٍ إِلَى أُخْرَى . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَضَعْفُهُ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ : قَالَ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ أَحْمَدَ إِذَا حَدَّثَ عَنْ شَامِيِّينَ فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ وَلَكِنَّهُ حَدَّثَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مَنَاكِيرَ ، وَقَالَ أَيْضًا عَنْهُ : يُحَدِّثُ عَنْ ثِقَاتٍ أَحَادِيثَ مَنَاكِيرَ ، انْتَهَى . قُلْتُ : وَفِي الْحَدِيثِ انْقِطَاعٌ; لِأَنَّ رِوَايَةَ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ جَدِّهِ عَلِيٍّ ـ مُرْسَلَةٌ كَمَا عَرَفْتَ .
2211 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ الْمُسْتَلِمِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ رُمَيْحٍ الْجُذَامِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا اتُّخِذَ الْفَيْءُ دُوَلًا ، وَالْأَمَانَةُ مَغْنَمًا ، وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا ، وَتُعُلِّمَ لِغَيْرِ الدِّينِ ، وَأَطَاعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ، وَعَقَّ أُمَّهُ ، وَأَدْنَى صَدِيقَهُ ، وَأَقْصَى أَبَاهُ ، وَظَهَرَتْ الْأَصْوَاتُ فِي الْمَسَاجِدِ ، وَسَادَ الْقَبِيلَةَ فَاسِقُهُمْ ، وَكَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ ، وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخَافَةَ شَرِّهِ ، وَظَهَرَتْ الْقَيْنَاتُ وَالْمَعَازِفُ ، وَشُرِبَتْ الْخُمُورُ ، وَلَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا ، فَلْيَرْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ رِيحًا حَمْرَاءَ وَزَلْزَلَةً وَخَسْفًا وَمَسْخًا وَقَذْفًا ، وَآيَاتٍ تَتَابَعُ كَنِظَامٍ بَالٍ قُطِعَ سِلْكُهُ فَتَتَابَعَ . وَفِي الْبَاب عَنْ عَلِيٍّ ، هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . قَوْلُهُ : ( نا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ ) الْكُلَاعِيُّ مَوْلَى خَوْلَانَ الْوَاسِطِيِّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ عَابِدٌ مِنْ كِبَارِ التَّاسِعَةِ ( عَنِ الْمُسْتَلِمِ بْنِ سَعِيدٍ ) الثَّقَفِيِّ الْوَاسِطِيِّ ، صَدُوقٌ عَابِدٌ رُبَّمَا وَهِمَ مِنَ التَّاسِعَةِ ( عَنْ رُمَيْحٍ ) بِضَمِّ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ آخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ مُصَغَّرًا ( الْجُذَامِيِّ ) بِضَمِّ الْجِيمِ نِسْبَةً إِلَى جُذَامَ قَبِيلَةٍ مِنَ الْيَمَنِ كَذَا فِي لُبِّ اللُّبَابِ ، وَفِي الْخُلَاصَةِ الْحِزَامِيُّ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثَ : إِذَا اتُّخِذَ الْفَيْءُ دِوَلًا ، وَعَنْهُ مُسْتَلِمُ بْنُ سَعِيدٍ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ ، قَالَ وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ : رُمَيْحٌ لَا يُعْرَفُ ، انْتَهَى ، وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ مَجْهُولٌ . قَوْلُهُ : ( إِذَا اتُّخِذَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ إِذَا أُخِذَ ( الْفَيْءُ ) أَيِ الْغَنِيمَةُ ( وَتُعُلِّمَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنْ بَابِ التَّفَعُّلِ ( لِغَيْرِ الدِّينِ ) أَيْ يَتَعَلَّمُونَ الْعِلْمَ لِطَلَبِ الْمَالِ وَالْجَاهِ لَا لِلدِّينِ وَنَشْرِ الْأَحْكَامِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لِإِظْهَارِ دِينِ اللَّهِ ( وَأَدْنَى صَدِيقَهُ ) أَيْ قَرَّبَهُ إِلَى نَفْسِهِ لِلْمُؤَانَسَةِ وَالْمُجَالَسَةِ ( وَأَقْصَى أَبَاهُ ) أَيْ أَبْعَدَهُ وَلَمْ يَسْتَصْحِبْهُ وَلَمْ يَسْتَأْنِسْ بِهِ ( وَظَهَرَتِ الْأَصْوَاتُ ) أَيِ ارْتَفَعَتْ ( وَسَادَ الْقَبِيلَةَ ) وَفِي مَعْنَاهُ الْبَلَدُ وَالْمَحَلَّةُ أَيْ صَارَ سَيِّدُهُمْ ( وَظَهَرَتِ الْقَيْنَاتُ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ أَيِ الْإِمَاءُ الْمُغَنِّيَاتُ ( وَزَلْزَلَةً ) أَيْ حَرَكَةً عَظِيمَةً لِلْأَرْضِ ( وَقَذْفًا ) أَيْ رَمْيَ حِجَارَةٍ مِنَ السَّمَاءِ ( وَآيَاتٍ ) أَيْ عَلَامَاتٍ أُخَرَ لِدُنُوِّ الْقِيَامَةِ وَقُرْبِ السَّاعَةِ ( تَتَابَعُ ) بِحَذْفِ إِحْدَى التَّائيْنِ أَيْ يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا ( كَنِظَامٍ ) بِكَسْرِ النُّونِ أَيْ عَقْدٍ مِنْ نَحْوِ جَوْهَرٍ وَخَرَزٍ ( بَالٍ ) أَيْ خَلِقٍ ( قُطِعَ سِلْكُهُ ) بِكَسْرِ السِّينِ أَيِ انْقَطَعَ خَيْطُهُ ( فَتَتَابَعَ ) أَيْ مَا فِيهِ مِنَ الْخَرَزِ ، وَهُوَ فِعْلٌ مَاضٍ بِخِلَافِ الْمَاضِي فَإِنَّهُ حَالٌ أَوِ اسْتِقْبَالٌ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) وَفِي سَنَدِهِ رُمَيْحٌ الْجُذَامِيُّ وَهُوَ مَجْهُولٌ كَمَا عَرَفْتَ وَرَوَى أَحْمَدُ ، وَالْحَاكِمُ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا ، الْآيَاتِ خَرَزَاتٍ مَنْظُومَاتٍ فِي سِلْكٍ فَانْقَطَعَ السِّلْكُ فَيَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا .
بَابُ : مَا جَاءَ فِي اتِّخَاذِ السَّيْفِ مِنَ خَشَبِ 2202 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ ، عَنْ ثَوْبَانَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا وُضِعَ السَّيْفُ فِي أُمَّتِي لَمْ يُرْفَعْ عَنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ . باب ما جاء في اتخاذ السيف من خشب ) كناية عن ترك القتال قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ ) هُوَ الرَّحَبِيُّ . قَوْلُهُ : ( إِذَا وُضِعَ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ( السَّيْفُ ) أَيِ الْمُقَاتَلَةُ بِهِ ، وَالْمُرَادُ وَقَعَ الْقِتَالُ بِسَيْفٍ أَوْ غَيْرِهِ كَرُمْحٍ وَنَارٍ وَمَنْجَنِيقٍ وَخُصَّ السَّيْفُ بِغَلَبَةِ الْقِتَالِ بِهِ ( فِي أُمَّتِي ) أُمَّةِ الْإِجَابَةِ ( لَمْ يُرْفَعْ عَنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) أَيْ يَبْقَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَلَدٍ يَكُونُ فِي آخَرَ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مُطَوَّلًا .
2204 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، نا سَهْلُ بْنُ حَمَّادٍ ، نا هَمَّامٌ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَرْوَانَ ، عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْفِتْنَةِ : كَسِّرُوا فِيهَا قَسِيَّكُمْ ، وَقَطِّعُوا فِيهَا أَوْتَارَكُمْ ، وَالْزَمُوا فِيهَا أَجْوَافَ بُيُوتِكُمْ ، وَكُونُوا كَابْنِ آدَمَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَرْوَانَ هُوَ أَبُو قَيْسٍ الْأَوْدِيُّ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) هُوَ الْإِمَامُ الدَّارِمِيُّ ( نا سَهْلُ بْنُ حَمَّادٍ ) أَبُو عَتَّابٍ الدَّلَّالُ الْبَصْرِيُّ صَدُوقٌ مِنَ التَّاسِعَةِ ( نا هَمَّامُ ) بْنُ يَحْيَى بْنِ دِينَارٍ الْعَوْذِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَيُقَالُ أَبُو بَكْرٍ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ ، رُبَّمَا وَهِمَ مِنَ السَّابِعَةِ ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَرْوَانَ ) بمُثَلَّثَةٌ مَفْتُوحَةٌ وَرَاءٌ سَاكِنَةٌ ، كُنْيَتُهُ أَبُو قَيْسٍ الْأَوْدِيُّ الْكُوفِيُّ ، صَدُوقٌ رُبَّمَا خَالَفَ مِنَ السَّادِسَةِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ فِي الْفِتْنَةِ ) أَيْ فِي أَيَّامِهَا وَزَمَنِهَا ، وَهُوَ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ : ( كَسِّرُوا فِيهَا قِسِيَّكُمْ ) بكَسْرَتَيْنِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ جَمْعُ الْقَوْسِ ، وَفِي الْعُدُولِ عَنِ الْكَسْرِ إِلَى التَّكْسِيرِ مُبَالَغَةٌ ; لِأَنَّ بَابَ التَّفْعِيلِ لِلتَّكْثِيرِ وَكَذَا قَوْلُهُ : ( وَقَطِّعُوا ) أَمْرٌ مِنَ التَّقْطِيعِ ( فِيهَا أَوْتَارَكُمْ ) جَمْعُ الْوَتْرِ بِفَتْحَتَيْنِ وَهِو بِالْفَارِسِيَّةِ زه يَعْنِي جله كمان وَفِيهِ زِيَادَةٌ مِنَ الْمُبَالَغَةِ ، إِذْ لَا مَنْفَعَةَ لِوُجُودِ الْأَوْتَارِ مَعَ كَسْرِ الْقِسِيِّ ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِهَا الْغَيْرُ وَلَا يَسْتَعْمِلُهَا فِي دُونِ الْخَيْرِ ( وَالْزَمُوا فِيهَا أَجْوَافَ بُيُوتِكُمْ ) أَيْ كُونُوا مُلَازِمِيهَا لِئَلَّا تَقَعُوا فِي الْفِتْنَةِ وَالْمُحَارِبِينَ فِيهَا ( وَكُونُوا كَابْنِ آدَمَ ) وَهُوَ هَابِيلُ حِينَ اسْتَسْلَمَ لِلْقَتْلِ ، وَقَالَ لِأَخِيهِ قَابِيلَ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ الْآيَةَ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
2201 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ الْمُعَلَّى بْنِ زِيَادٍ ، رَدَّهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ، فرَدَّهُ إِلَى مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ، رَدَّهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةِ إِلَيَّ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ، إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ ، الْمُعَلَّى بن زياد قَوْلُهُ : ( عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ زِيَادٍ ) الْقُرْدُوسِيِّ بِضَمِّ الْقَافِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، صَدُوقٌ قَلِيلُ الْحَدِيثِ زَاهِدٌ ، اخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ مَعِينٍ فِيهِ مِنَ السَّابِعَةِ ( فَرَدَّهُ ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ رَدَّهُ بِغَيْرِ الْفَاءِ أَيْ رَفَعَهُ ( إِلَى مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ) الْمُزَنِيِّ صَحَابِيٌّ مِمَّنْ بَايَعَ الشَّجَرَةَ وَكُنْيَتُهُ أَبُو عَلِيٍّ عَلَى الْمَشْهُورِ وَهُوَ الَّذِي يُنْسَبُ إِلَيْهِ نَهَرُ مَعْقِلٍ بِالْبَصْرَةِ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : وهُوَ الَّذِي فَجَّرَ نَهَرَ مَعْقِلٍ بِالْبَصْرَةِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ ) أَيِ الْفِتْنَةِ وَاخْتِلَاطِ أُمُورِ النَّاسِ ( كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : وَسَبَبُ كَثْرَةِ فَضْلِ الْعِبَادَةِ فِيهِ أَنَّ النَّاسَ يَغْفُلُونَ عَنْهَا وَيَشْتَغِلُونَ عَنْهَا وَلَا يَتَفَرَّغُ لَهَا إِلَّا أَفْرَادٌ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الْهَرْجِ 2200 - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، نا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ شَقِيقِ ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا يُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْهَرْجُ ؟ قَالَ : الْقَتْلُ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَمَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ، هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ حسن . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي الْهَرْجِ ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْهَرْجُ الْقِتَالُ وَالِاخْتِلَاطُ ، وَقَدْ هَرَجَ النَّاسُ يَهْرِجُونَ هَرْجًا إِذَا اخْتَلَفُوا ، وَأَصْلُ الْهَرْجِ الْكَثْرَةُ فِي الشَّيْءِ وَالِاتِّسَاعُ ، وَفِي الْقَامُوسِ : هَرَجَ النَّاسُ يَهْرُجُونَ وَقَعُوا فِي فِتْنَةٍ وَاخْتِلَاطٍ وَقَتْلٍ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( عَنْ شَقِيقٍ ) هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ الْأَسَدِيُّ أَبُو وَائِلٍ الْكُوفِيُّ ، ثِقَةٌ مُخَضْرَمٌ ، مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي الْفِتَنِ : إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ أَيَّامًا ( يُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ ) زَادَ الْبُخَارِيُّ : وَيَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ ، قَالَ الْحَافِظُ : مَعْنَاهُ أَنَّ الْعِلْمَ يَرْتَفِعُ بِمَوْتِ الْعُلَمَاءِ ، فَكُلَّمَا مَاتَ عَالِمٌ يَنْقُصُ الْعِلْمُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى فَقْدِ حَامِلِهِ ، وَيَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ الْجَهْلُ بِمَا كَانَ ذَلِكَ الْعَالِمُ يَنْفَرِدُ بِهِ عَنْ بَقِيَّةِ الْعُلَمَاءِ ( وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْهَرْجُ ؟ قَالَ : الْقَتْلُ ) قَالَ الْحَافِظُ : وَجَاءَ تَفْسِيرُ أَيَّامِ الْهَرْجِ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ : أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ يَا أَبَا سُلَيْمَانَ اتَّقِ اللَّهَ فَإِنَّ الْفِتَنَ قَدْ ظَهَرَتْ ، فَقَالَ أَمَّا وَابْنُ الْخَطَّابِ حَيٌّ فَلَا ، إِنَّمَا تَكُونُ بَعْدَهُ فَيَنْظُرُ الرَّجُلُ فَيُفَكِّرُ هَلْ يَجِدُ مَكَانًا لَمْ يَنْزِلْ بِهِ مِثْلُ مَا نَزَلَ بِمَكَانِهِ الَّذِي هُوَ بِهِ مِنَ الْفِتْنَةِ وَالشَّرِّ فَلَا يَجِدُ ، فَتِلْكَ الْأَيَّامُ الَّتِي ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ أَيَّامُ الْهَرْجِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ، وَمَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ وَفِي الْفِتَنِ ، وَمُسْلِمٌ فِي الْعِلْمِ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ فِي الْفِتَنِ . وَأَمَّا حَدِيثُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْفِتَنِ ، وَمُسْلِمٌ فِي الْعِلْمِ وَابْنُ مَاجَهْ فِي الْفِتَنِ .
2203 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ محجرٍ ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ عُدَيْسَةَ بِنْتِ أُهْبَانَ بْنِ صَيْفِيٍّ الْغِفَارِيِّ ، قَالَتْ : جَاءَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى أَبِي فَدَعَاهُ إِلَى الْخُرُوجِ مَعَهُ ، فَقَالَ لَهُ أَبِي : إِنَّ خَلِيلِي وَابْنَ عَمِّكَ عَهِدَ إِلَيَّ إِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ أَنْ أَتَّخِذَ سَيْفًا مِنْ خَشَبٍ ، فَقَدْ اتَّخَذْتُهُ ، فَإِنْ شِئْتَ خَرَجْتُ بِهِ مَعَكَ ، قَالَتْ : فَتَرَكَهُ . وَفِي الْبَاب عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدٍ قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدٍ ) الْحِمْيَرِيِّ الْبَصْرِيِّ الْمُؤَذِّنِ ثِقَةٌ مِنَ السَّابِعَةِ ( عَنْ عُدَيْسَةَ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرًا ( بِنْتِ أُهْبَانَ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ ( بْنِ صَيْفِيٍّ ) بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَتَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ وَفَاءٍ ( الْغِفَارِيِّ ) بِمَكْسُورَةٍ وَخِفَّةِ فَاءٍ ، قَالَ فِي التَّقْرِيبِ هِيَ مَقْبُولَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ( إِلَى أَبِي ) أَيْ أُهْبَانَ وَهُوَ صَحَابِيٌّ يُكَنَّى أَبَا مُسْلِمٍ مَاتَ بِالْبَصْرَةِ ( فَدَعَاهُ إِلَى الْخُرُوجِ مَعَهُ ) أَيْ لِلْقِتَالِ ( إِنَّ خَلِيلِي وَابْنَ عَمِّكَ ) يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( عَهِدَ إِلَيَّ ) أَيْ أَوْصَانِي ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ عَهِدَ إِلَيْهِ أَوْصَاهُ ( أَنْ أَتَّخِذَ ) مَفْعُولٌ لِقَوْلِهِ عَهِدَ ( سَيْفًا مِنْ خَشَبٍ ) الْمُرَادُ بِاتِّخَاذِ السَّيْفِ مِنَ الْخَشَبِ ؛ الِامْتِنَاعُ عَنِ الْقِتَالِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ص 225 ج 4 . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حسن غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ص 69 ج 5 .
2270 حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نَا أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ سَمِعَ أَنَسًا يُحَدِّثُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ وأنس وَأَبِي سَعِيدٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَعَوْفِ بْنِ مَالِكٍ وَابْنِ عُمَرَ . حَدِيثُ عُبَادَةَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ ( رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ ) قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : إِنَّمَا خَصَّ هَذَا الْعَدَدَ لِأَنَّ عُمُرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ كَانَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً ، وَكَانَتْ مُدَّةُ نُبُوَّتِهِ مِنْهَا ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً لِأَنَّهُ بُعِثَ عِنْدَ اسْتِيفَاءِ الْأَرْبَعِينَ وَكَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ يَرَى الْوَحْيَ فِي الْمَنَامِ ، وَدَامَ كَذَلِكَ نِصْفَ سَنَةٍ ، ثُمَّ رَأَى الْمَلَكَ فِي الْيَقَظَةِ فَإِذَا نُسِبَتْ مُدَّةُ الْوَحْيِ فِي النَّوْمِ وَهِيَ نِصْفُ سَنَةٍ إِلَى مُدَّةِ نُبُوَّتِهِ وَهِيَ ثَلَاثٌ وَعِشْرونَ سَنَةً كَانَتْ نِصْفَ جُزْءٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا وَذَلِكَ جُزْءٌ وَاحِدٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا ، وَقَدْ تَعَاضَدَتِ الرِّوَايَاتُ فِي أَحَادِيثِ الرُّؤْيَا بِهَذَا الْعَدَدِ ، وَجَاءَ فِي بَعْضِهَا جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ عُمُرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ قَدِ اسْتَكْمَلَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ ، وَمَاتَ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ وَالسِّتِّينَ ، وَنِسْبَةُ نِصْفِ السَّنَةِ إِلَى اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَبَعْضِ الْأُخْرَى نِسْبَةُ جُزْءٍ مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعِينَ ، وَيَكُونُ مَحْمُولًا عَلَى مَنْ رُوِيَ أَنَّ عُمُرَهُ كَانَ سِتِّينَ سَنَةً ، فَيَكُونُ نِسْبَةُ نِصْفِ سَنَةٍ إِلَى عِشْرِينَ سَنَةً كَنِسْبَةِ جُزْءٍ إِلَى أَرْبَعِينَ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ ، وَأَنَسٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَعَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى حَدِيثٍ آخَرَ لَهُ غَيْرِ حَدِيثِ الْبَابِ الْمَذْكُورِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالطَّبَرِيُّ وَفِيهِ : جُزْءٌ مِنْ تِسْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ كَمَا فِي الْفَتْحِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ : الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ عُبَادَةَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .
أبواب الرُّؤْيَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاب أَنَّ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ 2269 حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ، نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، نَا أَيُّوبُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَكْذِبُ وَأَصْدَقُهُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُهُمْ حَدِيثًا ، وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ ، وَالرُّؤْيَا ثَلَاثٌ فَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ بُشْرَى مِنْ اللَّهِ ، وَالرُّؤْيَا مِنْ تَحْزِينِ الشَّيْطَانِ ، وَالرُّؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ بِهَا الرَّجُلُ نَفْسَهُ ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُمْ وَلْيَتْفُلْ وَلَا يُحَدِّثْ بِهِ النَّاسَ قَالَ : وَأُحِبُّ الْقَيْدَ فِي النَّوْمِ وَأَكْرَهُ الْغُلَّ الْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ . ( أبواب الرُّؤْيَا إلخ ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَبِالْقَصْرِ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ فِي مَنَامِهِ . ( باب أن رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ) قَوْلُهُ : ( إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ ) قَالَ صَاحِبُ الْفَائِقِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ : أَحَدُهَا أَنَّهُ أَرَادَ آخِرَ الزَّمَانِ وَاقْتِرَابَ السَّاعَةِ لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا قَلَّ وَتَقَاصَرَ تَقَارَبَتْ أَطْرَافُهُ ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْمُقْتَصِدِ مُتَقَارِبٌ ، وَيَقُولُونَ : تَقَارَبَتْ إِبِلُ فُلَانٍ إِذَا قَلَّتْ ، وَيُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِي آخِرِ الزَّمَانِ لَا تَكَادُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَكْذِبُ . وَثَانِيهَا أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ اسْتِوَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لِزَعْمِ الْعَابِرِينَ أَنَّ أَصْدَقَ الْأَزْمَانِ لِوُقُوعِ الْعِبَادَةِ وَقْتُ انْفِتَاقِ الْأَنْوَارِ ، وَزَمَانُ إِدْرَاكِ الْأَثْمَارِ ، وَحِينَئِذٍ يَسْتَوِي اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ . وَثَالِثُهَا ـ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ حَتَّى تَكُونَ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ وَالشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ وَالْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ وَالْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ ، قَالُوا : يُرِيدُ بِهِ زَمَنَ خُرُوجِ الْمَهْدِيِّ وَبَسْطِ الْعَدْلِ وَذَلِكَ زَمَانٌ يُسْتَقْصَرُ لِاسْتِلْذَاذِهِ فَيَتَقَارَبُ أَطْرَافُهُ . قُلْتُ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِي آخِرِ الزَّمَانِ لَا تَكَادُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَكْذِبُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي بَابِ رُؤْيَا النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمِيزَانِ وَالدَّلْوِ ( لَمْ تَكَدْ ) أَيْ لَمْ يَقْرُبْ ( وَأَصْدَقُهُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُهُمْ حَدِيثًا ) أَيِ الَّذِي هُوَ أَصْدَقُهُمْ حَدِيثًا هُوَ أَصْدَقُهُمْ رُؤْيَا ( وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ ) كَذَا وَقَعَ فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَسَبْعِينَ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنْ أَنَسٍ : جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ ، وَفِي رِوَايَةٍ : جُزْءٌ مِنْ خَمْسِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعِينَ ، وَفِي رِوَايَةٍ : جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَأَرْبَعِينَ ، وَفِي رِوَايَةٍ : جُزْءٌ مِنْ تِسْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ ثُمَّ قَالَ : أَصَحُّهَا مُطْلَقًا الْأَوَّلُ ، وَقَالَ : وَقَدِ اسْتُشْكِلَ كَوْنُ الرُّؤْيَا جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ مَعَ أَنَّ النُّبُوَّةَ انْقَطَعَتْ بِمَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقِيلَ فِي الْجَوَابِ : إِنْ وَقَعَتِ الرُّؤْيَا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ حَقِيقَةً ، وَإِنْ وَقَعَتْ مِنْ غَيْرِ النَّبِيِّ فَهِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : قِيلَ مَعْنَاهُ أنَّ الرُّؤْيَا تَجِيءُ عَلَى مُوَافَقَةِ النُّبُوَّةِ لِأَنَّهَا جُزْءٌ بَاقٍ مِنَ النُّبُوَّةِ وَقِيلَ : الْمَعْنَى أنَّهَا جُزْءٌ مِنْ عِلْمِ النُّبُوَّةِ لِأَنَّ النُّبُوَّةَ وَإِنِ انْقَطَعَتْ فَعِلْمُهَا بَاقٍ ، وَتُعُقِّبَ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ سُئِلَ أَيَعْبُرُ الرُّؤْيَا كُلُّ أَحَدٍ ؟ فَقَالَ : أَبِالنُّبُوَّةِ يُلْعَبُ ؟ ثُمَّ قَالَ : الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ فَلَا يُلْعَبُ بِالنُّبُوَّةِ ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنَّهَا نُبُوَّةٌ بَاقِيَةٌ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهَا لَمَّا اشْتَبَهَتِ النُّبُوَّةَ مِنْ جِهَةِ الِاطِّلَاعِ عَلَى بَعْضِ الْغَيْبِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَكَلَّمَ فِيهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ انْتَهَى ، وَقَالَ صَاحِبُ مَجْمَعِ الْبِحَارِ : وَلَا حَرَجَ فِي الْأَخْذِ بِظَاهِرِهِ فَإِنَّ أَجْزَاءَ النُّبُوَّةِ لَا يَكُونُ نُبُوَّةً فَلَا يُنَافِي حَدِيثَ ذَهَبَ النُّبُوَّةُ ، انْتَهَى . ( فَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ بُشْرَى مِنَ اللَّهِ ) أَيْ إِشَارَةٌ إِلَى بِشَارَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلرَّائِي أَوِ الْمَرْئِيِّ لَهُ ، ( وَالرُّؤْيَا مِنْ تَحْزِينِ الشَّيْطَانِ ) أَيْ بِأَنْ يُكَدِّرَ عَلَيْهِ وَقْتَهُ فَيُرِيَهُ فِي النَّوْمِ أَنَّهُ قُطِعَ رَأْسُهُ مَثَلًا ( وَالرُّؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ بِهَا الرَّجُلُ نَفْسَهُ ) كَمَنْ يَكُونُ فِي أَمْرٍ أَوْ حِرْفَةٍ يَرَى نَفْسَهُ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ ( وَلْيَتْفُلْ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : تَفَلَ يَتْفُلُ وَيَتْفِلُ بَصَقَ ( قَالَ : وَأُحِبُّ الْقَيْدَ فِي النَّوْمِ وَأَكْرَهُ الْغُلَّ ) قَالَ الْمُهَلِّبُ : الْغُلُّ يُعَبَّرُ بِالْمَكْرُوهِ ، لِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ مِنْ صِفَاتِ أَهْلِ النَّارِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ الْآيَةَ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ الْعُلَمَاءُ : إِنَّمَا أُحِبُّ الْقَيْدَ لِأَنَّ مَحَلَّهُ الرَّجُلُ وَهُوَ كَفٌّ عَنِ الْمَعَاصِي وَالشَّرِّ وَالْبَاطِلِ ، وَأَبْغَضُ الْغُلِّ لِأَنَّ مَحَلَّهُ الْعُنُقُ وَهُوَ صِفَةُ أَهْلِ النَّارِ ( الْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ ) إِنَّمَا جُعِلَ الْقَيْدُ ثَبَاتًا فِي الدِّينِ لِأَنَّ الْمُقَيَّدَ لَا يَسْتَطِيعُ الْمَشْيَ ، فَضُرِبَ مَثَلًا لِلْإِيمَانِ الَّذِي يَمْنَعُ عَنِ الْمَشْيِ إِلَى الْبَاطِلِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .
2281 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ ، نَا أَيُّوبُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ تَحَلَّمَ كَاذِبًا كُلِّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ وَلَنْ يَعْقِدَ بَيْنَهُمَا . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( قَالَ مَنْ تَحَلَّمَ ) بِالتَّشْدِيدِ أَيْ طَلَبَ الْحُلْمَ بِأَنِ ادَّعَى أَنَّهُ حَلَمَ حُلْمًا ، أَيْ رَأَى رُؤْيَا ( كَاذِبًا ) فِي دَعْوَاهُ أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ فِي مَنَامِهِ ( وَلَنْ يَعْقِدَ بَيْنَهُمَا ) لِأَنَّ اتِّصَالَ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى غَيْرُ مُمْكِنٍ فَهُوَ يُعَذَّبُ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ وَلَا يُمْكِنُهُ فِعْلُهُ فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ دَوَامِ تَعْذِيبِهِ ، قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ قَوْلُهُ : مَنْ تَحَلَّمَ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ أَيْ قَالَ إِنَّهُ رَأَى فِي النَّوْمِ مَا لَمْ يَرَهُ يُقَالُ : حَلَمَ بِالْفَتْحِ إِذَا رَأَى وَتَحَلَّمَ إِذَا ادَّعَى الرُّؤْيَا كَاذِبًا ، إِنْ قِيلَ : إِنَّ كَذِبَ الْكَاذِبِ فِي مَنَامِهِ لَا يَزِيدُ عَلَى كَذِبِهِ فِي يَقِظَتِهِ فَلِمَ زَادَتْ عُقُوبَتُهُ وَوَعِيدُهُ وَتَكْلِيفُهُ عَقْدَ الشَّعِيرَتَيْنِ ؟ قِيلَ : قَدْ صَحَّ الْخَبَرُ أَنَّ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالنُّبُوَّةُ لَا تَكُونُ إِلَّا وَحْيًا ، وَالْكَاذِبُ فِي رُؤْيَاهُ يَدَّعِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَاهُ مَا لَمْ يَرَهُ وَأَعْطَاهُ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ لَمْ يُعْطِهِ إِيَّاهُ ، وَالْكَاذِبُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَعْظَمُ فِرْيَةً مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى الْخَلْقِ أَوْ عَلَى نَفْسِهِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
بَاب ما جاء فِي الَّذِي يَكْذِبُ فِي حُلْمِهِ 2280 حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، نَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : أُرَاهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ كَذَبَ فِي حُلْمِهِ كُلِّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَقْدَ شَعِيرَةٍ . حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ . وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي شُرَيْحٍ وَوَاثِلَةَ بن الأسقع . وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ . باب ما جاء في الذي يكذب في حلمه قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى ) بْنِ عَامِرٍ الثَّعْلَبِيِّ بِالْمُثَلَّثَةِ وَالْمُهْمَلَةِ الْكُوفِيِّ ، صَدُوقٌ يَهِمُ مِنَ السَّادِسَةِ ( عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) هُوَ السُّلَمِيِّ . قَوْلُهُ : ( قَالَ أُرَاهُ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ أَظُنُّهُ ، يَعْنِي قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَظُنُّ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَائِلٌ قَالَ : هُوَ عَبْدُ الْأَعْلَى ( مَنْ كَذَبَ فِي حُلْمِهِ ) أَيْ فِي رُؤْيَاهُ ( كُلِّفَ ) بِضَمِّ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ مَكْسُورَةٍ ( عَقْدَ شَعِيرَةٍ ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ وَلَنْ يَعْقِدَ بَيْنَهُمَا . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي شُرَيْحٍ ، وَوَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ) أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَدِيثُ أَبِي شُرَيْحٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُمَا ، وَأَمَّا حَدِيثُ وَاثِلَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ . قَوْلُهُ : ( وَهَذَا أَصَحُّ مِنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ) أَيْ حَدِيثُ قُتَيْبَةَ ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، وَهُوَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى ; لِأَنَّ أَبَا أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيَّ وَإِنْ كَانَ ثِقَةً ثَبْتًا ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ يُخْطِئُ فِي حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ كَمَا فِي التَّقْرِيبِ .
2272 حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، نَا سُفْيَانُ ، عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَقَالَ : مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ غَيْرُكَ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ مُنْذُ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ غَيْرُكَ مُنْذُ أُنْزِلَتْ هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ . وَفِي الْبَاب عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ . قَوْلُهُ : ( عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ ) ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ كَذَا فِي الْفَتْحِ . قَوْلُهُ : ( يَرَاهَا الْمُسْلِمُ ) أَيْ لِنَفْسِهِ ( أَوْ تُرَى ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ يَرَاهَا رَجُلٌ آخَرُ ( لَهُ ) أَيْ لِأَجْلِهِ ، قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ وَفِي سَنَدِهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ وَهُوَ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ فَتَحْسِينُ التِّرْمِذِيِّ لِشَوَاهِدِهِ .
2273 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ دَرَّاجٍ ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَصْدَقُ الرُّؤْيَا بِالْأَسْحَارِ . قَوْلُهُ ( أَصْدَقُ الرُّؤْيَا بِالْأَسْحَارِ ) أَيْ مَا رُئِيَ بِالْأَسْحَارِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَالِبَ حِينَئِذٍ أَنْ تَكُونَ الْخَوَاطِرُ مُجْتَمِعَةً وَالدَّوَاعِي سَاكِنَةً ، وَلِأَنَّ الْمَعِدَةَ خَالِيَةٌ فَلَا يَتَصَاعَدُ مِنْهَا الْأَبْخِرَةُ الْمُشَوِّشَةُ ، وَلِأَنَّهَا وَقْتُ نُزُولِ الْمَلَائِكَةِ لِلصَّلَاةِ الْمَشْهُودَةِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَالَ الْحَاكِمُ : صَحِيحٌ وَأَقَرُّوهُ انْتَهَى . قُلْتُ : فِي سَنَدِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ وَأَيْضًا فِي سَنَدِهِ دَرَّاجٌ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : قَالَ الْآجُرِّيُّ ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ : أَحَادِيثُهُ مُسْتَقِيمَةٌ إِلَّا مَا كَانَ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ .
2274 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نَا أَبُو دَاوُدَ ، نَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ ، وَعِمْرَانُ الْقَطَّانُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ : نُبِّئْتُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ تعالى : لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا قَالَ : هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُؤْمِنُ أَوْ تُرَى لَهُ قَالَ حَرْبٌ فِي حَدِيثِهِ : ثَنَا يَحْيَى قَوْلُهُ ( نَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ ) الْيَشْكُرِيُّ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ مِنَ السَّابِعَةِ ( نُبِّئْتُ ) بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ الْمَجْهُولِ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ حَرْبٌ فِي حَدِيثِهِ ثَنَا يَحْيَى ) يَعْنِي بِصِيغَةِ التَّحْدِيثِ وَأَمَّا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ فَقَالَ عَنْ يَحْيَى بِصِيغَةِ الْعَنْعَنَةِ ، وَحَدِيثُ عُبَادَةَ هَذَا أَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عُبَادَةَ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي .
بَاب ذَهَبَتْ النُّبُوَّةُ وَبَقِيَتْ الْمُبَشِّرَاتُ 2271 حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ ، نَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ ، نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ ، نَا الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلٍ ، نَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الرِّسَالَةَ وَالنُّبُوَّةَ قَدْ انْقَطَعَتْ فَلَا رَسُولَ بَعْدِي وَلَا نَبِيَّ قَالَ : فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ ، فَقَالَ : لَكِنْ الْمُبَشِّرَاتُ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ ؟ قَالَ : رُؤْيَا الْمُسْلِمِ وَهِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأُمِّ كُرْزٍ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ ( بَابُ ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ وَبَقِيَتِ الْمُبَشِّرَاتُ ) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ مُبَشِّرَةٍ وَهِيَ الْبُشْرَى ، وَقَدْ وَرَدَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ . قَوْلُهُ : ( نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ ) هُوَ ابْنُ زِيَادٍ ( نَا الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلٍ ) بِفَاءَيْنِ مَضْمُومَتَيْنِ وَلَامَيْنِ الْأُولَى سَاكِنَةٌ ، مَوْلَى عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ ، صَدُوقٌ ، لَهُ أَوْهَامٌ مِنَ الْخَامِسَةِ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ الرِّسَالَةَ وَالنُّبُوَّةَ قَدِ انْقَطَعَتْ ) أَيْ ذَهَبَتْ وَلَمْ تَبْقَ ( فَلَا رَسُولَ بَعْدِي وَلَا نَبِيَّ ) النَّبِيُّ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ مَنْ بُعِثَ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ ، فَإِنْ أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ فَرَسُولٌ ، وَقِيلَ : هُوَ الْمَبْعُوثُ إِلَى الْخَلْقِ بِالْوَحْيِ لِتَبْلِيغِ مَا أَوْحَاهُ ، وَالرَّسُولُ قَدْ يَكُونُ مُرَادِفًا لَهُ ، وَقَدْ يَخْتَصُّ بِمَنْ هُوَ صَاحِبُ كِتَابٍ ، وَقِيلَ : هُوَ الْمَبْعُوثُ لِتَجْدِيدِ شَرْعٍ أَوْ تَقْرِيرِهِ ، وَالرَّسُولُ هُوَ الْمَبْعُوثُ لِلتَّجْدِيدِ فَقَطْ ، وَعَلَى الْأَقْوَالِ النَّبِيُّ أَعَمُّ مِنَ الرَّسُولِ ( قَالَ فَشَقَّ ذَلِكَ ) أَيِ انْقِطَاعُ الرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ ( فَقَالَ لَكِنِ الْمُبَشِّرَاتُ إِلَخْ ) قَالَ الْمُهَلَّبُ مَا حَاصِلُهُ : التَّعْبِيرُ بِالْمُبَشِّرَاتِ خَرَجَ لِلْأَغْلَبِ ، فَإِنَّ مِنَ الرُّؤْيَا مَا تَكُونُ مُنْذِرَةً وَهِيَ صَادِقَةٌ يُرِيهَا اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ رِفْقًا بِهِ لِيَسْتَعِدَّ لِمَا يَقَعُ قَبْلَ وُقُوعِهِ ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْوَحْيَ يَنْقَطِعُ بِمَوْتِي وَلَا يَبْقَى مَا يُعْلَمُ مِنْهُ مَا سَيَكُونُ إِلَّا الرُّؤْيَا وَيَرِدُ عَلَيْهِ الْإِلْهَامُ فَإِنَّ فِيهِ إِخْبَارًا بِمَا سَيَكُونُ ، وَهُوَ لِلْأَنْبِيَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَحْيِ كَالرُّؤْيَا وَيَقَعُ لِغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ فِي مَنَاقِبِ عُمَرَ : قَدْ كَانَ فِيمَنْ مَضَى مِنَ الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ ، وَفُسِّرَ الْمُحَدَّثُ بِفَتْحِ الدَّالِ بِالْمُلْهَمِ بِالْفَتْحِ أَيْضًا ، وَقَدْ أَخْبَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ عَنْ أُمُورٍ مَغِيبَةٍ فَكَانَتْ كَمَا أَخْبَرُوا وَالْجَوَابُ أَنَّ الْحَصْرَ فِي الْمَنَامِ لِكَوْنِهِ يَشْمَلُ آحَادَ الْمُؤْمِنِينَ بِخِلَافِ فَإِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْبَعْضِ وَمَعَ كَوْنِهِ مُخْتَصًّا فَإِنَّهُ نَادِرٌ ، فَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمَنَامَ لِشُمُولِهِ وَكَثْرَةِ وُقُوعِهِ كَذَا فِي الْفَتْحِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَحُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأُمِّ كُرْزٍ ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَمَّا حُذَيْفَةُ بْنُ أَسِيدٍ وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مَرْفُوعًا عَنْهُ : ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ وَبَقِيَتِ الْمُبَشِّرَاتُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ فِي ضِمْنِ حَدِيثِ مَرَضِ مَوْتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْفُوعًا فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ كُرْزٍ بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا زَايٌ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ مَرْفُوعًا : ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ وَبَقِيَتِ الْمُبَشِّرَاتُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى كَمَا فِي الْفَتْحِ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ قَالَ الْمُنَاوِيُّ : وَأَقَرُّوهُ .
بَاب ما جاء إِذَا رَأَى فِي الْمَنَامِ مَا يَكْرَهُ مَا يَصْنَعُ 2276 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا اللَّيْثُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : الرُّؤْيَا مِنْ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ . وَفِي الْبَاب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَأَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرٍ وَأَنَسٍ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . باب ما جاء إذا رأى في المنام ما يكره ما يصنع قَوْلُهُ : ( الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ ) الْحُلْمُ بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ ، وَيُضَمُّ : مَا يُرَى فِي الْمَنَامِ مِنَ الْخَيَالَاتِ الْفَاسِدَةِ ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْحُلْمُ عِبَارَةٌ عَمَّا يَرَاهُ النَّائِمُ فِي نَوْمِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ لَكِنْ غَلَبَتِ الرُّؤْيَا عَلَى مَا يَرَاهُ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّيْءِ الْحَسَنِ ، وَغَلَبَ الْحُلْمُ عَلَى مَا يَرَاهُ مِنَ الشَّرِّ وَالْأَمْرِ الْقَبِيحِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَيُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَوْضِعَ الْآخَرِ وَتُضَمُّ لَامُ الْحُلْمِ وَتُسَكَّنُ ، انْتَهَى ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : أَضَافَ الرُّؤْيَا الْمَحْبُوبَةَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِضَافَةَ تَشْرِيفٍ بِخِلَافِ الْمَكْرُوهَةِ وَإِنْ كَانَتَا جَمِيعًا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَدْبِيرِهِ وَبِإِرَادَتِهِ ، وَلَا فِعْلَ لِلشَّيْطَانِ فِيهِمَا لَكِنَّهُ يَحْضُرُ الْمَكْرُوهَةَ وَيَرْتَضِيهَا ، وَيُسَرُّ بِهَا ( فَلْيَنْفُثْ ) عَنْ يَسَارِهِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : يَنْفُثُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا ، قَالَ : وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ : فَلْيَبْصُقْ ، وَفِي رِوَايَةٍ : فَلْيَتْفُلْ ، وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ فَلْيَنْفُثْ ، وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ الطِّبِّ بَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَمَنْ قَالَ إِنَّهَا بِمَعْنًى ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْجَمِيعِ النَّفْثُ وَهُوَ نَفْخٌ لَطِيفٌ بِلَا رِيقٍ ، وَيَكُونُ التَّفْلُ وَالْبَصْقُ مَحْمُولَيْنِ عَلَيْهِ مَجَازًا ، انْتَهَى ، وَقَالَ الْجَزَرِيُّ : التَّفْلُ شَبِيهٌ بِالْبَزْقِ وَهُوَ أَقَلُّ مِنْهُ فَأَوَّلُهُ الْبَزْقُ ثم التفل ثُمَّ النَّفْثُ ثُمَّ النَّفْخُ . ( وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا ) وَفِي رِوَايَةٍ : فَلْيَبْصُقْ عَلَى يَسَارِهِ ثَلَاثًا ، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ثَلَاثًا وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشَرِّهَا ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا النَّاسَ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَيَعْمَلَ بِهَا كُلِّهَا ، فَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُهُ نَفَثَ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا قَائِلًا : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ، وَمِنْ شَرِّهَا وَلْيَتَحَوَّلْ إِلَى جَنْبِهِ الْآخَرِ وَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ فَيَكُونُ قَدْ عَمِلَ بِجَمِيعِ الرِّوَايَاتِ وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِهَا أَجْزَأَهُ فِي دَفْعِ ضَرَرِهَا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ ، قَالَ الْقَاضِي : وَأُمِرَ بِالنَّفْثِ ثَلَاثًا طَرْدًا لِلشَّيْطَانِ الَّذِي حَضَرَ رُؤْيَاهُ الْمَكْرُوهَةَ ، تَحْقِيرًا لَهُ وَاسْتِقْذَارًا ، وَخُصَّتْ بِهِ الْيَسَارُ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْأَقْذَارِ وَالْمَكْرُوهَاتِ وَنَحْوِهَا ، وَالْيَمِينُ ضِدُّهَا . ( فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ ) مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ هَذَا سَبَبًا لِلسَّلَامَةِ مِنْ مَكْرُوهٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا ، كَمَا جَعَلَ الصَّدَقَةَ وِقَايَةً لِلْمَالِ وَسَبَبًا لِدَفْعِ الْبَلَاءِ ، انْتَهَى ، قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَجَابِرٍ ، وَأَنَسٍ ) أَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَمَّا أَحَادِيثُ بَقِيَّةِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهَا . قَوْلُهُ ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .
بَاب مَا جَاءَ فِي تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا 2277 حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نَا أَبُو دَاوُدَ ، أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ ، أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ قَال : سَمِعْتُ وَكِيعَ بْنَ عُدُسٍ ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ وَهِيَ عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ يُحَدِّثْ بِهَا ، فَإِذَا تَحَدَّثَ بِهَا سَقَطَتْ قَالَ : وَأَحْسَبُهُ قَالَ : وَلَا تُحَدِّثُ بِهَا إِلَّا لَبِيبًا أَوْ حَبِيبًا . باب ما جاء في تعبير الرؤيا قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ وَكِيعَ بْنَ عُدُسٍ ) بِمُهْمَلَاتٍ وَضَمِّ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ ، وَقَدْ يُفْتَحُ ثَانِيهِ ، وَيُقَالُ بِالْحَاءِ بَدَلَ الْعَيْنِ كُنْيَتُهُ أَبُو مُصْعَبٍ الْعَقِيلِيُّ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الطَّائِفِيُّ ، وَضَبَطَهُ فِي الْخُلَاصَةِ بِضَمِّ الْعَيْنِ ، مَقْبُولٌ مِنَ الرَّابِعَةِ رَوَى عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ ، وَعَنْهُ يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ الْعَامِرِيُّ وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ قَالَهُ الْحَافِظُ . قَوْلُهُ : ( وَهِيَ ) أَيْ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ ( عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ ) هَذَا مَثَلٌ فِي عَدَمِ تَقَرُّرِ الشَّيْءِ أَيْ لَا تَسْتَقِرُّ الرُّؤْيَا قَرَارًا كَالشَّيْءِ الْمُعَلَّقِ عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ ، فَالْمَعْنَى أَنَّهَا كَالشَّيْءِ الْمُعَلَّقِ بِرِجْلِ الطَّائِرِ لَا اسْتِقْرَارَ لَهَا ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ : أَيْ لَا يَسْتَقِرُّ تَأْوِيلُهَا حَتَّى تُعْبَرَ ، يُرِيدُ أَنَّهَا سَرِيعَةُ السُّقُوطِ إِذَا عُبِّرَتْ ، كَمَا أَنَّ الطَّيْرَ لَا يَسْتَقِرُّ فِي أَكْثَرِ أَحْوَالِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ مَا عَلَى رِجْلِهِ ( مَا لَمْ يُحَدِّثْ ) أَيْ مَا لَمْ يَتَكَلَّمِ الْمُؤْمِنُ أَوِ الرَّائِي ( بِهَا ) أَيْ بِتِلْكَ الرُّؤْيَا أَوْ تَعْبِيرِهَا ( فَإِذَا تَحَدَّثَ بِهَا سَقَطَتْ ) أَيْ تِلْكَ الرُّؤْيَا عَلَى الرَّائِي يَعْنِي يَلْحَقُهُ حُكْمُهَا ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ : الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعْبَرْ فَإِذَا عُبِّرَتْ وَقَعَتْ ، قُلْتُ : هَذِهِ الرِّوَايَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ مَا لَمْ يُحَدِّثْ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بِتَعْبِيرِهَا ( قَالَ ) أَيْ أَبُو رَزِينٍ الْعُقَيْلِيُّ وَقَائِلُهُ وَكِيعُ بْنُ عُدُسٍ ( وَأَحْسَبُهُ ) أَيْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَلَا تُحَدِّثْ بِهَا إِلَّا لَبِيبًا ) أَيْ عَاقِلًا فَإِنَّهُ إِمَّا يَعْبُرُ بِالْمَحْبُوبِ أَوْ يَسْكُتُ عَنِ الْمَكْرُوهِ ( أَوْ حَبِيبًا ) أَوْ لِلتَّنْوِيعِ أَيْ مُحِبًّا لَا يَعْبُرُ لَكَ إِلَّا بِمَا يَسُرُّكَ .
2278 حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، نَا شُعْبَةُ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ وَكِيعِ بْنِ عُدُسٍ ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزِينٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : رُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ وَهِيَ عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ يُحَدِّثْ بِهَا ، وَإِذَا حَدَّثَ بِهَا وَقَعَتْ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَأَبُو رَزِينٍ الْعُقَيْلِيُّ اسْمُهُ لَقِيطُ بْنُ عَامِرٍ ، وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ فَقَالَ عَنْ وَكِيعِ بْنِ حُدُسٍ ، وَقَالَ شُعْبَةُ ، وَأَبُو عَوَانَةَ ، وَهُشَيْمٌ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ وَكِيعِ بْنِ عُدُسٍ وَهَذَا أَصَحُّ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ( وَأَبُو رَزِينٍ الْعُقَيْلِي اسْمُهُ لَقِيطُ بْنُ عَامِرٍ ) قَالَ الحافظ فِي التَّقْرِيبِ لَقِيطُ بْنُ صَبِرَةَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ يُقَالُ : إِنَّهُ جَدُّهُ وَاسْمُ أَبِيهِ عَامِرٌ وَهُوَ أَبُو رَزِينٍ الْعُقَيْلِيُّ وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُمَا اثْنَانِ ، وَقَدْ بَسَطَ الْكَلَامَ فِي هَذَا فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ ( فَقَالَ وَكِيعُ بْنُ حُدُسٍ ) أَيْ بِضَمِّ الْحَاءِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ( وَقَالَ شُعْبَةُ ، وَأَبُو عَوَانَةَ ، وَهُشَيْمٌ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ وَكِيعِ بْنِ عُدُسٍ ) أَيْ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ( وَهَذَا ) أَيْ وَكِيعُ بْنُ عُدُسٍ بِالْعَيْنِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ( أَصَحُّ ) لِأَنَّهُ كَذَلِكَ رَوَى أَكْثَرُ أَصْحَابِ يَعْلَى .
باب : 2282 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا اللَّيْثُ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالُوا : فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : الْعِلْمَ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي بَكْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَخُزَيْمَةَ وَالطُّفَيْلِ بْنِ سَخْبَرَةَ وسمرة وَأَبِي أُمَامَةَ وَجَابِرٍ . حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ . باب : قَوْلُهُ : ( عَنْ عُقَيْلٍ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الْقَافِ مُصَغَّرًا ، ابْنِ خَالِدِ بْنِ عَقِيلٍ بِالْفَتْحِ الْأَيْلِيِّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ لَامٌ كُنْيَتُهُ أَبُو خَالِدٍ الْأُمَوِيُّ مَوْلَاهُمْ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ مِنَ السَّادِسَةِ ( عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ) الْمَدَنِيِّ ، شَقِيقِ سَالِمٍ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ : ( بَيْنَا ) أَصْلُهُ بَيْنَ ، فَأُشْبِعَتِ الْفَتْحَةُ ( إِذْ أُتِيتُ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ ( فَشَرِبْتُ مِنْهُ ) أَيْ مِنْ ذَلِكَ اللَّبَنِ ( قَالَ الْعِلْمَ ) هُوَ بِالنَّصْبِ وَبِالرَّفْعِ فِي الرِّوَايَةِ وَتَوْجِيهُهُمَا ظَاهِرٌ وَتَفْسِيرُ اللَّبَنِ بِالْعِلْمِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي كَثْرَةِ النَّفْعِ بِهِمَا ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : اللَّبَنُ رِزْقٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ طَيِّبًا بَيْنَ أَخْبَاثٍ مِنْ دَمٍ وَفَرْثٍ كَالْعِلْمِ نُورٌ يُظْهِرُهُ اللَّهُ فِي ظُلْمَةِ الْجَهْلِ فَضَرَبَ بِهِ الْمَثَلَ فِي الْمَنَامِ . قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ : الَّذِي خَلَّصَ اللَّبَنَ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ الْمَعْرِفَةَ مِنْ بَيْنِ شَكٍّ وَجَهْلٍ وَيَحْفَظَ الْعَمَلَ عَنْ غَفْلَةٍ وَزَلَلٍ وَهُوَ كَمَا قَالَ لَكِنِ اطَّرَدَتِ الْعَادَةُ بِأَنَّ الْعِلْمَ بِالتَّعَلُّمِ ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ قَدْ يَقَعُ خَارِقًا لِلْعَادَةِ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْكَرَامَةِ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ : تَأَوَّلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّبَنَ بِالْعِلْمِ اعْتِبَارًا بِمَا بُيِّنَ لَهُ أَوَّلَ الْأَمْرِ حِينَ أُتِيَ بِقَدَحِ خَمْرٍ وَقَدَحِ لَبَنٍ ، فَأَخَذَ اللَّبَنَ ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ : أَخَذْتَ الْفِطْرَةَ ، الْحَدِيثَ ، كَذَا فِي الْفَتْحِ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .
بَاب مَا جَاءَ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي 2275 حَدَّثَنَا بندار ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، نَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي قَتَادَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرٍ وَأَنَسٍ وَأَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي بَكْرَةَ وَأَبِي جُحَيْفَةَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . باب ما جاء في قول النبي صلى الله عنه وسلم من رآني إلخ قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ) أَيِ ابْنِ مَسْعُودٍ . قَوْلُهُ : ( مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : فَقَدْ رَآنِي ، فَقَالَ ابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ : مَعْنَاهُ أَنَّ رُؤْيَاهُ صَحِيحَةٌ لَيْسَتْ بِأَضْغَاثٍ وَلَا مِنْ تَشْبِيهَاتِ الشَّيْطَانِ ، وَيُؤَيِّدُ قَوْلَهُ رِوَايَةُ : فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ أَيِ : الرُّؤْيَةَ الصَّحِيحَةَ ، قَالَ : وَقَدْ يَرَاهُ الرَّائِي خِلَافَ صِفَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ كَمَنْ رَآهُ أَبْيَضَ اللِّحْيَةِ ، وَقَدْ يَرَاهُ شَخْصَانِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ أَحَدُهُمَا فِي الْمَشْرِقِ وَالْآخَرُ فِي الْمَغْرِبِ ، وَيَرَاهُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي مَكَانِهِ ، وَحَكَى الْمَازِرِيُّ هَذَا عَنِ ابْنِ الْبَاقِلَّانِيِّ ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ آخَرُونَ بَلِ الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَالْمُرَادُ أَنَّ مَنْ رَآهُ فَقَدْ أَدْرَكَهُ وَلَا مَانِعَ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ ، وَالْعَقْلُ لَا يُحِيلُهُ حَتَّى يَضْطَرَّ إِلَى صَرْفِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ ، فَأَمَّا قَوْلُهُ بِأَنَّهُ قَدْ يُرَى عَلَى خِلَافِ صِفَتِهِ أَوْ فِي مَكَانَيْنِ مَعًا فَإِنَّ ذَلِكَ غَلَطٌ فِي صِفَاتِهِ وَتَخَيُّلٌ لَهَا عَلَى خِلَافِ مَا هِيَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ يَظُنُّ الظَّانُّ بَعْضَ الْخَيَالَاتِ مَرْئِيًّا لِكَوْنِ مَا يُتَخَيَّلُ مُرْتَبِطًا بِمَا يُرَى فِي الْعَادَةِ فَيَكُونُ ذَاتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْئِيَّةً وَصِفَاتُهُ مُتَخَيَّلَةً غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ وَالْإِدْرَاكُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ تَحْدِيقُ الْأَبْصَارِ وَلَا قُرْبُ الْمَسَافَةِ وَلَا كَوْنُ الْمَرْئِيِّ مَدْفُونًا فِي الْأَرْضِ وَلَا ظَاهِرًا عَلَيْهَا ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مَوْجُودًا وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى فَنَاءِ جِسْمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بَلْ جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ مَا يَقْتَضِي بَقَاءَهُ ، قَالَ : وَلَوْ رَآهُ يَأْمُرُ بِقَتْلِ مَنْ يَحْرُمُ قَتْلُهُ كَانَ هَذَا مِنَ الصِّفَاتِ الْمُتَخَيَّلَةِ لَا الْمَرْئِيَّةِ ، هَذَا كَلَامُ الْمَازِرِيِّ ، قَالَ الْقَاضِي : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَقَدْ رَآنِي أَوْ فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي ، الْمُرَادُ بِهِ إِذَا رَآهُ عَلَى صِفَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ فِي حَيَاتِهِ ، فَإِنْ رَأَى عَلَى خِلَافِهَا كَانَتْ رُؤْيَا تَأْوِيلٍ لَا رُؤْيَا حَقِيقَةٍ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي ضَعِيفٌ ، بَلِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَرَاهُ حَقِيقَةً سَوَاءٌ كَانَ عَلَى صِفَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ أَوْ غَيْرِهَا لِمَا ذَكَرَهُ الْمَازِرِيُّ ، قَالَ الْقَاضِي : قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ رُؤْيَةَ النَّاسِ إِيَّاهُ صَحِيحَةٌ وَكُلُّهَا صِدْقٌ وَمَنَعَ الشَّيْطَانَ أَنْ يَتَصَوَّرَ فِي خِلْقَتِهِ ؛ لِئَلَّا يَكْذِبَ عَلَى لِسَانِهِ فِي النَّوْمِ ، وَكَمَا خَرَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْعَادَةَ لِلْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ بِالْمُعْجِزَةِ ، وَكَمَا اسْتَحَالَ أَنْ يَتَصَوَّرَ الشَّيْطَانُ فِي صُورَتِهِ فِي الْيَقَظَةِ وَلَوْ وَقَعَ لَاشْتَبَهَ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ ، وَلَمْ يُوثَقْ بِمَا جَاءَ بِهِ مَخَافَةً مِنْ هَذَا التَّصَوُّرِ فَحَمَاهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الشَّيْطَانِ وَنَزْغِهِ وَوَسْوَسَتِهِ وَكَيْدِهِ ، قَالَ : وَكَذَا حَمَى رُؤْيَاهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ كَذَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ، لِلنَّوَوِيِّ . ( فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي ) وَفِي رِوَايَةٍ : لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي ، وَالْمَعْنَى لَا يَتَشَبَّهُ بِصُورَتِي ، وَفِي رِوَايَةٍ : لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَمَثَّلَ بِي ، قَالَ الْحَافِظُ : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَإِنْ أَمْكَنَهُ مِنَ التَّصَوُّرِ فِي أَيِّ صُورَةٍ أَرَادَ فَإِنَّهُ لَمْ يُمَكِّنْهُ مِنْ التَّصَوُّرِ فِي صُورَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا جَمَاعَةٌ فَقَالُوا فِي الْحَدِيثِ : إِنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إِذَا رَآهُ الرَّائِي عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا ، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَيَّقَ الْغَرَضَ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ : لَا بُدَّ أَنْ يَرَاهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي قُبِضَ عَلَيْهَا حَتَّى يَعْتَبِرَ عَدَدَ الشَّعَرَاتِ الْبِيضِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ عِشْرِينَ شَعْرَةً ، قَالَ الْحَافِظُ : وَالصَّوَابُ التَّعْمِيمُ فِي جَمِيعِ حَالَاتِهِ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ صُورَتُهُ الْحَقِيقِيَّةُ فِي وَقْتٍ مَا ، سَوَاءً كَانَ فِي شَبَابِهِ أَوْ رُجُولِيَّتِهِ أَوْ كُهُولِيَّتِهِ أَوْ آخِرِ عُمُرِهِ ، وَقَدْ يَكُونُ لِمَا خَالَفَ ذَلِكَ تَعْبِيرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالرَّائِي كَذَا فِي الْفَتْحِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي قَتَادَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَجَابِرٍ ، وَأَنَسٍ ، وَأَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي بَكْرَةَ ، وَأَبِي جُحَيْفَةَ ) ، أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي جُحَيْفَةَ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .
باب : 2283 حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحمَّدٍ الْحَرِيرِيُّ الْبَلْخِيُّ ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ ، فَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ قَالُوا : فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : الدِّينَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، ثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ . وَهَذَا أَصَحُّ . باب : قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَرِيرِيُّ ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، كَذَا وَقَعَ فِي النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ وَكَتَبَ فِي هَامِشِهَا مَا حَاصِلُهُ : أَنَّهُ وَقَعَ فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ هَكَذَا بِالْحَاءِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْأُخْرَى بِالْجِيمِ انْتَهَى ، قُلْتُ : قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْجَرِيرِيُّ مِنْ وَلَدِ جَرِيرٍ النَّخِيلِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى وَعَنْهُ التِّرْمِذِيُّ ، انْتَهَى ، فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ الْجَرِيرِيُّ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ، وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ ابْنِ حَجَرٍ الْهَيْثَمِيِّ عَلَى الشَّمَائِلِ الْجَرِيرِيُّ بِضَمِّ الْجِيمِ هُوَ الصَّوَابُ ، انْتَهَى ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَهُوَ مَجْهُولٌ كَمَا فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ . ( عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) كَذَا أَبْهَمَهُ مَعْمَرٌ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَقَدْ صَرَّحَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ فِي رِوَايَتِهِ الْآتِيَةِ بِذِكْرِ أَبِي سَعِيدٍ ، قَالَ الْحَافِظُ : كَذَا رَوَاهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ ، وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَبْهَمَهُ ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ قَمِيصٍ وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ ( مِنْهَا ) أَيْ مِنَ الْقُمُصِ ( مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ ، جَمْعُ ثَدْيٍ بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ وَهُوَ مُذَكَّرٌ عِنْدَ مُعْظَمِ أَهْلِ اللُّغَةِ ، وَحُكِيَ أَنَّهُ مُؤَنَّثٌ ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُطْلَقُ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ، وَقِيلَ : يَخْتَصُّ بِالْمَرْأَةِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّهُ ، وَلَعَلَّ قَائِلَ هَذَا يَدَّعِي أَنَّهُ أُطْلِقَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَجَازًا وَالْمَعْنَى أَنَّ الْقَمِيصَ قَصِيرٌ جِدًّا بِحَيْثُ لَا يَصِلُ مِنَ الْحَلْقِ إِلَى نَحْوِ السُّرَّةِ بَلْ فَوْقَهَا . ( وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ ، قَالَ الْحَافِظُ : يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ دُونَهُ مِنْ جِهَةِ السُّفْلِ وَهُوَ الظَّاهِرُ فَيَكُونُ أَطْوَلَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ دُونَهُ مِنْ جِهَةِ الْعُلْوِ فَيَكُونُ أَقْصَرَ ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا فِي رِوَايَةِ الْحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ قَمِيصُهُ إِلَى سُرَّتِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ قَمِيصُهُ إِلَى رُكْبَتِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ قَمِيصُهُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ انْتَهَى . قُلْتُ : وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ رِوَايَةُ أَبِي عِيسَى التِّرْمِذِيِّ هَذِهِ أَيْضًا ( فَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ ) أَيْ فِي مَا بَيْنَهُمْ ( وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ ) أَيْ يَسْحَبُهُ فِي الْأَرْضِ لِطُولِهِ ( قَالُوا ) أَيْ بَعْضُ الصَّحَابَةِ مِنَ الْحَاضِرِينَ ( فَمَا أَوَّلْتَهُ ) أَيْ فَمَا عَبَّرْتَ جَرَّ الْقَمِيصِ لِعُمَرَ ( قَالَ الدِّينَ ) بِالنَّصْبِ أَيْ أَوَّلْتُهُ الدِّينَ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ أَيِ الْمُأَوَّلُ بِهِ هُوَ الدِّينُ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : الْقَمِيصُ الدِّينُ وَجَرُّهُ يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ آثَارِهِ الْجَمِيلَةِ ، وَسُنَّتِهِ الْحَسَنَةِ فِي الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ وَفَاتِهِ لِيُقْتَدَى بِهِ ، وَأَمَّا تَفْسِيرُ اللَّبَنِ بِالْعِلْمِ فَلِكَثْرَةِ الِانْتِفَاعِ بِهِمَا وَفِي أَنَّهُمَا سَبَبَا الصَّلَاحِ ، فَاللَّبَنُ غِذَاءُ الْإِنْسَانِ وَسَبَبُ صَلَاحِهِمْ وَقُوَّةُ أَبْدَانِهِمْ ، وَالْعِلْمُ سَبَبٌ الصَّلَاحِ وَغِذَاءٌ لِلْأَرْوَاحِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، انْتَهَى ، وَقَالَ الْحَافِظُ : قَالُوا : وَجْهُ تَعْبِيرِ الْقَمِيصِ بِالدِّينِ أَنَّ الْقَمِيصَ يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ فِي الدُّنْيَا ، وَالدِّينُ يَسْتُرُهَا فِي الْآخِرَةِ وَيَحْجُبُهَا عَنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ الْآيَةَ ، وَالْعَرَبُ تُكَنِّي عَنِ الْفَضْلِ وَالْعَفَافِ بِالْقَمِيصِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُثْمَانَ : إِنَّ اللَّهَ سَيُلْبِسُكَ قَمِيصًا فَلَا تَخْلَعْهُ ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَاتَّفَقَ أَهْلُ التَّعْبِيرِ عَلَى أَنَّ الْقَمِيصَ يُعَبَّرُ بِالدِّينِ ، وَأَنَّ طُولَهُ يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ آثَارِ صَاحِبِهِ مِنْ بَعْدِهِ . قَوْلُهُ : ( ثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ) الزُّهْرِيُّ أَبُو يُوسُفَ الْمَدَنِيُّ نَزِيلُ بَغْدَادَ ثِقَةٌ فَاضِلٌ مِنْ صِغَارِ التَّاسِعَةِ ( عَنْ أَبِيهِ ) أَيْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ الْمَدَنِيِّ نَزِيلِ بَغْدَادَ ، ثِقَةٌ حُجَّةٌ تُكُلِّمَ فِيهِ بِلَا قَادِحٍ مِنَ الثَّامِنَةِ ( وَهَذَا أَصَحُّ ) أَيْ مِنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ الْمَذْكُورِ; لِأَنَّ فِي سَنَدِهِ الْحُسَيْنَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ كَمَا عَرَفْتَ .
بَاب 2279 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ السَّلِيمِيُّ الْبَصْرِيُّ ، نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، نَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ فَرُؤْيَا حَقٌّ وَرُؤْيَا يُحَدِّثُ الرَّجُلُ بها نَفْسَهُ وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنْ الشَّيْطَانِ ، فَمَنْ رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ ، وَكَانَ يَقُولُ : يُعْجِبُنِي الْقَيْدُ وَأَكْرَهُ الْغُلَّ ، الْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ ، وَكَانَ يَقُولُ : مَنْ رَآنِي فَإِنِّي أَنَا هُوَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَتَمَثَّلَ بِي ، وَكَانَ يَقُولُ : لَا تُقَصُّ الرُّؤْيَا إِلَّا عَلَى عَالِمٍ أَوْ نَاصِحٍ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَنَسٍ وَأَبِي بَكْرَةَ وَأُمِّ الْعَلَاءِ وَابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَأَبِي سعيد وَجَابِرٍ وَأَبِي موسى وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو حديث أبي هريرة حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . باب : قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ السَّلِيمِيُّ ) بِمَفْتُوحَةٍ وَكَسْرِ لَامِ فَتَحْتِيَّةٍ كذا فِي الْمُغْنِي ، ثِقَةٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ ( نَا سَعِيدٌ ) هُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ . قَوْلُهُ : ( مَنْ رَآنِي فَإِنِّي أَنَا هُوَ ) أَيْ مَنْ رَأَى فِي الْمَنَامِ رَجُلًا مُشَابِهًا بِي فَإِنِّي أَنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ ، قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ ، وَأَبِي بَكْرَةَ إِلَخْ ) اعْلَمْ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ رحمه الله أَطْلَقَ الْبَابَ أَوَّلًا وَقَالَ : بَابٌ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِتَرْجَمَةٍ ، ثُمَّ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورَ ، ثُمَّ قَالَ : وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ ، وَأَبِي بَكْرَةَ إِلَخْ ، فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : وَفِي الْبَابِ أَيْ وَفِي بَابِ مَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورُ ، وَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَ أَحَادِيثَ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . قَوْلُهُ ( حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي بَابِ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ .
2287 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نَا أَبُو عَاصِمٍ ، نَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قال : أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رُؤْيَا النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : رَأَيْتُ امْرَأَةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ خَرَجَتْ مِنْ الْمَدِينَةِ حَتَّى قَامَتْ بِمَهْيَعَةَ وَهِيَ الْجُحْفَةُ فَأَوَّلْتُهَا وَبَاءَ الْمَدِينَةِ يُنْقَلُ إِلَى الْجُحْفَةِ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ . قَوْلُهُ : ( قَالَ رَأَيْتُ ) أَيْ فِي شَأْنِ الْمَدِينَةِ ( ثَائِرَةَ الرَّأْسِ ) أَيْ مُنْتَشِرَةً شَعْرَ الرَّأْسِ ( حَتَّى قَامَتْ بِمَهْيَعَةٍ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَالْعَيْنِ ، الْأَرْضُ الْمَبْسُوطَةُ الْوَاسِعَةُ ( وَهِيَ الْجُحْفَةُ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَأَظُنُّ قَوْلَهُ وَهِيَ الْجُحْفَةُ مَدْرَجًا مِنْ قَوْلِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ خَلَا عَنْ هَذِهِ الزِّيَادَةِ ، وَثَبَتَتْ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ وابْنِ جُرَيْجٍ ( فَأَوَّلْتُهَا ) مِنَ التَّأْوِيلِ هُوَ تَفْسِيرُ الشَّيْءِ بِمَا يَئُولُ إِلَيْهِ ( وَبَاءَ الْمَدِينَةِ ) وَهُوَ بِالْمَدِّ وَيُقْصَرُ مَرَضٌ عَامٌّ أَوْ مَوْتٌ ذَرِيعٌ ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْأَرْضِ الْوَخِمَةِ الَّتِي تَكْثُرُ فِيهَا الْأَمْرَاضُ لَا سِيَّمَا لِلْغُرَبَاءِ أَيْ حُمَّاهَا وَأَمْرَاضُهَا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .
2291 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى بِنَا الصُّبْحَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ وَقَالَ : هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رؤيا اللَّيْلَةَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَيُرْوَى عَنْ عَوْفٍ ، وَجَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ ، عَنْ سَمُرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ . وَهَكَذَا رَوَى لنا بندار هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ مُخْتَصَرًا . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِيهِ ) أَيْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ( عَنْ أَبِي رَجَاءٍ ) اسْمُهُ عِمْرَانُ بْنُ مِلْحَانَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ ، وَيُقَالُ : ابْنُ تَيْمٍ الْعُطَارِدِيُّ ، مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فِي اسْمِ أَبِيهِ ، مُخَضْرَمٌ ثِقَةٌ مُعَمِّرٌ ، مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَةٍ ، لَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا ) عَلَى وَزْنِ فُعْلَى بِلَا تَنْوِينٍ ، وَيَجُوزُ تَنْوِينُهُ كَمَا قُرِئَ بِهِ فِي الشَّاذَّةِ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تُقْوًى مِنَ اللَّهِ ، وَكَذَا رُوِيَ مُنَوَّنًا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : وَمَنْ كَانَ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا ( اللَّيْلَةَ ) أَيْ هَذِهِ اللَّيْلَةِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مُطَوَّلًا ( وَيُرْوَى عَنْ عَوْفٍ ، وَجَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ ، عَنْ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِالْقِصَّةِ الطَّوِيلَةِ فِي آخِرِ أَبْوَابِ التَّعْبِيرِ ( وَهَكَذَا رَوَى لَنَا بُنْدَارٌ هَذَا الْحَدِيثَ مُخْتَصَرًا ) بُنْدَارٌ هَذَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ الْمَذْكُورُ فِي السَّنَدِ الْمُتَقَدِّمِ .
2290 حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، نَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ ظُلَّةً يَنْطِفُ مِنْهَا السَّمْنُ وَالْعَسَلُ ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَسْتَقُونَ بِأَيْدِيهِمْ فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ ، وَرَأَيْتُ سَبَبًا وَاصِلًا مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ فَأَرَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ بَعْدَكَ فَعَلَا ثُمَّ أَخَذَهُ رَجُلٌ بَعْدَهُ فَعَلَا ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ فَقُطِعَ بِهِ ، ثُمَّ وُصِلَ لَهُ فَعَلَا بِهِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَيْ رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَاللَّهِ لَتَدَعَنِّي أَعْبُرُهَا فَقَالَ : اعْبُرْهَا فَقَالَ : أَمَّا الظُّلَّةُ فَظُلَّةُ الْإِسْلَامِ ، وَأَمَّا مَا يَنْطِفُ مِنْ السَّمْنِ وَالْعَسَلِ فَهُوَ الْقُرْآنُ لِينُهُ وَحَلَاوَتُهُ ، وَأَمَّا الْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ فَهُوَ الْمُسْتَكْثِرُ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْمُسْتَقِلُّ مِنْهُ ، وَأَمَّا السَّبَبُ الْوَاصِلُ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ فَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ فَأَخَذْتَ بِهِ فَيُعْلِيكَ اللَّهُ ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ بعدك رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْلُو بِهِ ، ثُمَّ يَأْخُذُ بعده رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْلُو بِهِ ، ثُمَّ يَأْخُذُ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ ، ثُمَّ يُوصَلُ فَيَعْلُو به أَيْ رَسُولَ اللَّهِ لَتُحَدِّثَنِّي أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَأْتُ ؟ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا قَالَ : أَقْسَمْتُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يا رسول الله لَتُخْبِرَنِّي مَا الَّذِي أَخْطَأْتُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تُقْسِمْ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( نَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ) هُوَ الْجَرِيرِيُّ الْبَلْخِيُّ ( عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) بْنِ عُتْبَةَ الْهُذَلِيِّ الْمَدَنِيِّ . قَوْلُهُ : ( إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ ظُلَّةً ) بِضَمِّ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ سَحَابَةً لَهَا ظُلَّةٌ ، وَكُلُّ مَا أَظَلَّ مِنْ سَقِيفَةٍ وَنَحْوِهَا يُسَمَّى ظُلَّةً ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ ، ظُلَّةً بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ( يَنْطُفُ ) أَيْ يَقْطُرُ مِنْ نَطَفَ الْمَاءُ إِذَا سَالَ وَيَجُوزُ الضَّمُّ وَالْكَسْرُ فِي الطَّاءِ ( يَسْتَقُونَ بِأَيْدِيهِمْ ) أَيْ يَأْخُذُونَ بِالْأَسْقِيَةِ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ يَتَكَفَّفُونَ أَيْ يَأْخُذُونَ بِأَكُفِّهِمْ ( فَالْمُسْتَكْثِرُ ) مَرْفُوعٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ ، أَيْ فِيهِمُ الْمُسْتَكْثِرُ فِي الْأَخْذِ أَيْ يَأْخُذُ كَثِيرًا ( وَالْمُسْتَقِلُّ ) أَيْ وَمِنْهُمُ الْمُسْتَقِلُّ فِي الْأَخْذِ أَيْ يَأْخُذُ قَلِيلًا ( وَرَأَيْتُ سَبَبًا ) أَيْ حَبْلًا ( وَاصِلًا ) مِنَ الْوُصُولِ ، وَقِيلَ : هُوَ بِمَعْنَى الْمَوْصُولِ كَقَوْلِهِ : عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ أَيْ مَرْضِيَّةٍ ( فَعَلَوْتُ ) مِنَ الْعُلُوِّ وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ فَأَعْلَاكَ اللَّهُ ( ثُمَّ وُصِلَ لَهُ ) عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ ( بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ) أَيْ مُفَدًّى بِهِمَا ( وَاللَّهِ لَتَدَعُنِي ) بِفَتْحِ اللَّامِ لِلتَّأْكِيدِ أَيْ لَتَتْرُكُنِي ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ ائْذَنْ لِي ( أَعْبُرُهَا ) وَفِي رِوَايَةٍ : فَلَأَعْبُرَنَّهَا بِزِيَادَةِ لَامِ التَّأْكِيدِ وَالنُّونِ ( اعْبُرْهَا ) أَمْرٌ مِنْ عَبَرَ يَعْبُرُ مِنْ بَابِ نَصَرَ يَنْصُرُ ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : عَبَرَ الرُّؤْيَا عَبْرًا وَعِبَارَةً وَعَبَرَهَا فَسَّرَهَا وَأَخْبَرَ بِآخِرِ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ أَمْرُهَا ، وَاسْتَعْبَرَهُ إِيَّاهَا سَأَلَهُ عَبْرَهَا . ( وَأَمَّا السَّبَبُ الْوَاصِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ فَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ ) الْمُرَادُ بِالْحَقِّ الْوِلَايَةُ الَّتِي كَانَتْ بِالنُّبُوَّةِ ثُمَّ صَارَتْ بِالْخِلَافَةِ ( ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ ) أَيْ بِالسَّبَبِ ( بَعْدَكَ رَجُلٌ ) وَهُوَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَيَقُومُ بِالْحَقِّ فِي أُمَّتِهِ بَعْدَهُ ( ثُمَّ يَأْخُذُ بَعْدَهُ رَجُلٌ آخَرُ ) وَهُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( ثُمَّ يَأْخُذُ آخَرُ ) وَهُوَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( فَيَنْقَطِعُ بِهِ ثُمَّ يُوصَلُ ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ ( أَصَبْتُ بَعْضًا وَأَخْطَأْتُ بَعْضًا ) قَالَ النَّوَوِيُّ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَاهُ ، فَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَآخَرُونَ : مَعْنَاهُ أَصَبْتُ فِي بَيَانِ تَفْسِيرِهَا وَصَادَفْتُ حَقِيقَةَ تَأْوِيلِهَا وَأَخْطَأْتُ فِي مُبَادَرَتِكَ بِتَفْسِيرِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ آمُرَكَ بِهِ ، وَقَالَ آخَرُونَ : هَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَمُوَافِقُوهُ فَاسِدٌ ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَقَالَ : اعْبُرْهَا ، وَإِنَّمَا أَخْطَأَ فِي تَرْكِهِ تَفْسِيرَ بَعْضِهَا فَإِنَّ الرَّائِيَ قَالَ : رَأَيْتُ ظُلَّةً تَنْطُفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ فَفَسَّرَهُ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالْقُرْآنِ حَلَاوَتَهُ وَلِينَهُ ، وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ تَفْسِيرُ الْعَسَلِ وَتَرَكَ تَفْسِيرَ السَّمْنِ وَتَفْسِيرَهُ السُّنَّةَ ، فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ : الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الطَّحَاوِيُّ . وَقَالَ آخَرُونَ : الْخَطَأُ وَقَعَ فِي خَلْعِ عُثْمَانَ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ أَخَذَ بِالسَّبَبِ فَانْقَطَعَ بِهِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى انْخِلَاعِهِ بِنَفْسِهِ ، وَفَسَّرَهُ الصِّدِّيقُ بِأَنَّهُ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ فَيَنْقَطِعُ بِهِ ، ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ ، وَعُثْمَانُ قَدْ خُلِعَ قَهْرًا وَقُتِلَ وَوُلِّيَ غَيْرُهُ ، فَالصَّوَابُ فِي تَفْسِيرِهِ أَنْ يُحْمَلَ وَصْلُهُ عَلَى وِلَايَةِ غَيْرِهِ مِنْ قَوْمِهِ ، وَقَالَ آخَرُونَ : الْخَطَأُ فِي سُؤَالِهِ لِيَعْبُرَهَا . قَالَ الْمُهَلِّبُ : وَمَوْضِعُ الْخَطَأِ فِي قَوْلِهِ : ثُمَّ وُصِلَ لَهُ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ ثُمَّ وُصِلَ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ ، قَالَ الْحَافِظُ : هَذِهِ اللَّفْظَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ لَهُ قَدْ ثَبَتَتْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ فَذَكَرَهَا ثُمَّ قَالَ : وَبَنَى الْمُهَلَّبُ عَلَى مَا تَوَهَّمَهُ فَقَالَ : كَانَ يَنْبَغِي لِأَبِي بَكْرٍ أَنْ يَقِفَ حَيْثُ وَقَفَتِ الرُّؤْيَا وَلَا يَذْكُرُ الْمَوْصُولَ لَهُ ، فَإِنَّ الْمَعْنَى أَنَّ عُثْمَانَ انْقَطَعَ بِهِ الْحَبْلُ ثُمَّ وُصِلَ لِغَيْرِهِ أَيْ وَصَلَتِ الْخِلَافَةُ لِغَيْرِهِ ، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ لَفْظَةَ لَهُ ثَابِتَةٌ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ ، فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا أَنَّ عُثْمَانَ كَادَ يَنْقَطِعُ عَنِ اللِّحَاقِ بِصَاحِبَيْهِ بِسَبَبِ مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ تِلْكَ الْقَضَايَا الَّتِي أَنْكَرُوهَا فَعَبَّرَ عَنْهَا بِانْقِطَاعِ الْحَبْلِ ثُمَّ وَقَعَتْ لَهُ الشَّهَادَةُ ، فَاتَّصَلَ بِهِمْ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِأَنَّ الْحَبْلَ وَصَلَ لَهُ فَاتَّصَلَ فَالْتَحَقَ بِهِمْ فَلَمْ يَتِمَّ فِي تَبْيِينِ الْخَطَأِ فِي التَّعْبِيرِ الْمَذْكُورِ مَا تَوَهَّمَهُ الْمُهَلَّبُ ، انْتَهَى ، وَقَدْ بَسَطَ الْحَافِظُ الْكَلَامَ فِي هَذَا الْمَقَامِ فِي الْفَتْحِ . ( لَا تُقْسِمْ ) أَيْ لَا تُكَرِّرْ يَمِينَكَ فَإِنِّي لَا أُخْبِرُكَ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ لِمَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ أَنَّ إِبْرَارَ الْمُقْسِمِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ إِنَّمَا هُوَ إِذَا لَمْ تَكُنْ فِي الْإِبْرَارِ مَفْسَدَةٌ وَلَا مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يُؤْمَرْ بِالْإِبْرَارِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَبَرَّ قَسَمَ أَبِي بَكْرٍ لِمَا رَأَى فِي إِبْرَارِهِ مِنَ الْمَفْسَدَةِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا .
2289 حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ الْبَغْدَادِيُّ ، نَا أَبُو الْيَمَانِ ، عَنْ شُعَيْبٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ فَهَمَّنِي شَأْنُهُمَا فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ أَنْفُخَهُمَا فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا فَأَوَّلْتُهُمَا كَاذِبَيْنِ يَخْرُجَانِ مِنْ بَعْدِي يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا مَسْلَمَةُ صَاحِبُ الْيَمَامَةِ وَالْعَنْسِيُّ صَاحِبُ صَنْعَاءَ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ . قَوْلُهُ : ( نَا أَبُو الْيَمَانِ ) اسْمُهُ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ الْبَهْرَانِيُّ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ الْحِمْصِيُّ ، مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ يُقَالُ : إِنَّ أَكْثَرَ حَدِيثِهِ عَنْ شُعَيْبٍ مُنَاوَلَةً ، مِنَ الْعَاشِرَةِ ( عَنِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ ) اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ الْمَكِّيُّ النَّوْفَلِيُّ ثِقَةٌ عَالِمٌ بِالْمَنَاسِكِ مِنَ الْخَامِسَةِ . قَوْلُهُ : ( سِوَارَيْنِ ) بِكَسْرِ السِّينِ أَيْ قَلْبَيْنِ ، قَالَ الْحَافِظُ : السِّوَارُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا وَفِيهِ لُغَةٌ ثَالِثَةٌ أُسْوَارٌ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَوَّلَهُ ( فَهَمَّنِي شَأْنُهُمَا ) : أَيْ أَحْزَنَنِي وَفِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ فَكَبُرَا عَلَيَّ ، قَالَ الْحَافِظُ : هُوَ بِمَعْنَى الْعِظَمِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَإِنَّمَا عَظُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِكَوْنِ الذَّهَبِ مِمَّا حُرِّمَ عَلَى الرِّجَالِ ( فَأُوحِيَ إِلَيَّ ) قَالَ الْحَافِظُ : كَذَا لِلْأَكْثَرِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكَشْمِيهَنِيِّ فِي حَدِيثِ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ هَذَا الْوَحْيَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَحْيِ الْإِلْهَامِ أَوْ عَلَى لِسَانِ الْمَلَكِ قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ ( أَنِ انْفُخْهُمَا ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَإِنْ هِيَ مُفَسِّرَةٌ لِمَا فِي الْوَحْيِ مِنْ مَعْنَى الْقَوْلِ ، وَعَلَيْهِ كَلَامُ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ ، وَجَوَّزَ الطِّيبِيُّ أَنْ تَكُونَ نَاصِبَةً وَالْجَارُّ مَحْذُوفٌ وَالنَّفْخُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ ، يُقَالُ : نَفَخْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ ( فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا ) قَالَ الْحَافِظُ : وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْمَقْبُرِيِّ ، وَزَادَ فَوَقَعَ وَاحِدٌ بِالْيَمَامَةِ وَالْآخَرُ بِالْيَمَنِ ، وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى حَقَارَةِ أَمْرِهِمَا لِأَنَّ شَأْنَ الَّذِي يَنْفُخُ فَيَذْهَبُ بِالنَّفْخِ أَنْ يَكُونَ فِي غَايَةِ الْحَقَارَةِ ، وَرَدَّهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِأَنَّ أَمْرَهُمَا كَانَ فِي غَايَةِ الشِّدَّةِ وَلَمْ يَنْزِلْ بِالْمُسْلِمِينَ قَبْلَهُ مِثْلُهُ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَهُوَ كَذَلِكَ لَكِنَّ الْإِشَارَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلْحَقَارَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ لَا الْحِسِّيَّةِ ، وَفِي طَيَرَانِهِمَا إِشَارَةٌ إِلَى اضْمِحْلَالِ أَمْرِهِمَا . ( فَأَوَّلْتُهُمَا كَاذِبَيْنِ ) قَالَ الْمُهَلِّبُ : هَذِهِ الرُّؤْيَا لَيْسَتْ عَلَى وَجْهِهَا وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ ضَرْبِ الْمَثَلِ ، وَإِنَّمَا أَوَّلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السِّوَارَيْنِ بِالْكَذَّابَيْنِ لِأَنَّ الْكَذِبَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، فَلَمَّا رَأَى فِي ذِرَاعَيْهِ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ وَلَيْسَا مِنْ لُبْسِهِ لِأَنَّهُمَا مِنْ حِلْيَةِ النِّسَاءِ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ مَنْ يَدَّعِي مَا لَيْسَ لَهُ ، وَأَيْضًا فَفِي كَوْنِهِمَا مِنْ ذَهَبٍ وَالذَّهَبُ مَنْهِيٌّ عَنْ لُبْسِهِ دَلِيلٌ عَلَى الْكَذِبِ ، وَأَيْضًا فَالذَّهَبُ مُشْتَقٌّ مِنَ الذَّهَابِ فَعُلِمَ أَنَّهُ شَيْءٌ يَذْهَبُ عَنْهُ وَتَأَكَّدَ ذَلِكَ بِالْإِذْنِ لَهُ فِي نَفْخِهِمَا فَطَارَا فَعَرَفَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُمَا أَمْرٌ وَأَنَّ كَلَامَهُ بِالْوَحْيِ الَّذِي جَاءَ بِهِ يُزِيلُهُمَا عَنْ مَوْضِعِهِمَا وَالنَّفْخُ يَدُلُّ عَلَى الْكَلَامِ ، انْتَهَى مُلَخَّصًا ( يَخْرُجَانِ مِنْ بَعْدِي ) ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ الْذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا ، قَالَ الْحَافِظُ : هَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُمَا كَانَا حِينَ قَصَّ الرُّؤْيَا مَوْجُودَيْنِ وَهُوَ كَذَلِكَ ، لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ : يَخْرُجَانِ بَعْدِي ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِخُرُوجِهِمَا بَعْدَهُ ظُهُورُ شَوْكَتِهِمَا وَمُحَارَبَتُهُمَا وَدَعْوَاهُمَا النُّبُوَّةَ ، نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنِ الْعُلَمَاءِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ ظَهَرَ لِلْأَسْوَدِ بِصَنْعَاءَ فِي حَيَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَادَّعَى النُّبُوَّةَ وَعَظُمَتْ شَوْكَتُهُ وَحَارَبَ الْمُسْلِمِينَ ، وَفَتَكَ فِيهِمْ وَغَلَبَ عَلَى الْبَلَدِ وَآلَ أَمْرُهُ إِلَى أَنْ قُتِلَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَدَّمْتُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي ، وَأَمَّا مُسَيْلَمَةُ فَكَانَ ادَّعَى النُّبُوَّةَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكِنْ لَمْ تَعْظُمْ شَوْكَتُهُ وَلَمْ تَقَعْ مُحَارَبَتُهُ إِلَّا فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ ، فَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى التَّغْلِيبِ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ( بَعْدِي ) أَيْ بَعْدَ نُبُوَّتِي . ( يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا مَسْلَمَةُ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ وَبَيْنَهُمَا سِينٌ سَاكِنَةٌ هُوَ الْمَشْهُورُ بِمُسَيْلِمَةَ مُصَغَّرًا قَتَلَهُ الْوَحْشِيُّ قَاتِلُ حَمْزَةَ فِي خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَقِيلَ : لَمَّا قَتَلَهُ وَحْشِيٌّ قَالَ : قَتَلْتُ خَيْرَ النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَشَرَّ النَّاسِ فِي الْإِسْلَامِ ( صَاحِبُ الْيَمَامَةِ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْيَمَامَةُ الْقَصْدُ كَالْيَمَامِ وَجَارِيَةٌ زَرْقَاءُ كَانَتْ تُبْصِرُ الرَّاكِبَ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، وَبِلَادُ الْجَوِّ مَنْسُوبَةٌ إِلَيْهَا وَسُمِّيَتْ بِاسْمِهَا وَهِيَ أَكْثَرُ نَخِيلًا مِنْ سَائِرِ الْحِجَازِ وَبِهَا تَنَبَّأَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ ، وَهِيَ دُونَ الْمَدِينَةِ فِي وَسَطِ الشَّرْقِ عَنْ مَكَّةَ عَلَى سِتَّةَ عَشَرَ مَرْحَلَةً مِنَ الْبَصْرَةِ وَعَنِ الْكُوفَةِ نَحْوَهَا انْتَهَى . ( وَالْعَنْسِيُّ صَاحِبُ صَنْعَاءَ ) هُوَ بَلْدَةٌ بِالْيَمَنِ وَصَاحِبُهَا الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ تَنَبَّأَ بِهَا فِي آخِرِ عَهْدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَتَلَهُ فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ فِي مَرَضِ وَفَاةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَازَ فَيْرُوزُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .
2288 أخبرنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، نَا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فِي آخِرِ الزَّمَانِ لَا تَكَادُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَكْذِبُ وَأَصْدَقُهُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُهُمْ حَدِيثًا ، وَالرُّؤْيَا ثَلَاثٌ : الْحَسَنَةُ بُشْرَى مِنْ اللَّهِ ، وَالرُّؤْيَا يُحَدِّثُ الرَّجُلُ بِهَا نَفْسَهُ ، وَالرُّؤْيَا تَحْزِينٌ مِنْ الشَّيْطَانِ ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا يَكْرَهُهَا فَلَا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا وَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : يُعْجِبُنِي الْقَيْدُ وَأَكْرَهُ الْغُلَّ الْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ قَالَ : وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ . وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَيُّوبَ مَرْفُوعًا ، وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ وَوَقَفَهُ . قَوْلُهُ : ( قَالَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ لَا تَكَادُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَكْذِبُ إِلَخْ ) تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ إِنَّ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ .
2286 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نَا أَبُو عَاصِمٍ ، نَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، ثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، ثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رُؤْيَا النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ فَقَالَ : رَأَيْتُ النَّاسَ اجْتَمَعُوا فَنَزَعَ أَبُو بَكْرٍ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ فِيهِ ضَعْفٌ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ ثُمَّ قَامَ عُمَرُ فَنَزَعَ فَاسْتَحَالَتْ غَرْبًا فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا يَفْرِي فَرْيَهُ حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِالْعَطَنِ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَوْلُهُ : ( فَنَزَعَ أَبُو بَكْرٍ ذَنُوبًا ) بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ، وَهُوَ الدَّلْوُ فِيهَا مَاءٌ ، أوِ الْمَلْأَى أَوْ دُونَ الْمَلْأَى كَذَا فِي الْقَامُوسِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَاتَّفَقَ مَنْ شَرَحَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الذَّنُوبِ إِشَارَةٌ إِلَى مُدَّةِ خِلَافَتِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ وَلِيَ سَنَتَيْنِ وَبَعْضَ سَنَةٍ ، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْمُرَادَ لَقَالَ ذَنُوبَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى مَا فُتِحَ فِي زَمَانِهِ مِنَ الْفُتُوحِ الْكِبَارِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِي ذِكْرِ عُمَرَ إِلَى عَدد مَا نَزَعَهُ مِنَ الدِّلَاءِ ، وَإِنَّمَا وَصَفَ نَزْعَهُ بِالْعَظَمَةِ ، إِشَارَةً إِلَى كَثْرَةِ مَا وَقَعَ فِي خِلَافَتِهِ مِنَ الْفُتُوحَاتِ ، وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ تَفْسِيرَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْأُمِّ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ سَاقَهُ : وَمَعْنَى قَوْلِهِ : وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ قِصَرُ مُدَّتِهِ وَعَجَلَةُ مَوْتِهِ وَشُغْلِهِ بِالْحَرْبِ لِأَهْلِ الرِّدَّةِ عَنِ الِافْتِتَاحِ وَالِازْدِيَادِ الَّذِي بَلَغَهُ عُمَرُ فِي طُولِ مُدَّتِهِ انْتَهَى ، فَجَمَعَ فِي كَلَامِهِ مَا تَفَرَّقَ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ ، انْتَهَى . ( فِيهِ ضَعْفٌ ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ ، قَالَ الْحَافِظُ : أَيْ عَلَى مَهَلٍ وَرِقٍّ ( وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا دُعَاءٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ أَيْ أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لَهُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قُرْبِ وَفَاةِ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا فَإِنَّهَا إِشَارَةٌ إِلَى قُرْبِ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قِلَّةِ الْفُتُوحِ فِي زَمَانِهِ لَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ لِأَنَّ سَبَبَهُ قِصَرُ مُدَّتِهِ ، فَمَعْنَى الْمَغْفِرَةِ لَهُ رَفْعُ الْمَلَامَةِ عَنْهُ . ( فَاسْتَحَالَتْ غَرْبًا ) أَيِ انْقَلَبَتِ الدَّلْوُ الَّتِي كَانَتْ ذَنُوبًا غَرْبًا أَيْ دَلْوًا عَظِيمَةً ، وَالْغَرْبُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ ( فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ أَيْ رَجُلًا قَوِيًّا ( يَفْرِي ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ ( فَرِيَّهُ ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ الْمَفْتُوحَةِ ، وَرُوِيَ بِسُكُونِ الرَّاءِ وَخَطَّأَهُ الْخَلِيلُ ، وَمَعْنَاهُ يَعْمَلُ عَمَلَهُ الْبَالِغَ ( حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِالْعَطَنِ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَآخِرُهُ نُونٌ هُوَ مَنَاخُّ الْإِبِلِ إِذَا شَرِبَتْ ثُمَّ صَدَرَتْ ، وَسَيَأْتِي فِي مَنَاقِبِ عُمَرَ بِلَفْظِ : حَتَّى رَوَى النَّاسُ ، وَضَرَبُوا بِعَطَنٍ ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي الطُّفَيْلِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ ، وَالطَّبَرَانِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : بَيْنَا أَنَا أَنْزِعُ اللَّيْلَةَ إِذْ وَرَدَتْ عَلَيَّ غَنَمٌ سُودٌ وَعُفْرٌ ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَنَزَعَ فَذَكَرَهُ وَقَالَ فِي عُمَرَ : فَمَلَأَ الْحِيَاضَ وَأَرْوَى الْوَارِدَةَ وَقَالَ فِيهِ : فَأُوِّلَتِ السُّودُ الْعَرَبَ وَالْعُفْرُ الْعَجَمَ ، قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .
2285 حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ ، نَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، نَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ وَرَقَةَ فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ : إِنَّهُ كَانَ صَدَّقَكَ وإِنَّهُ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُرِيتُهُ فِي الْمَنَامِ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بَيَاضٌ ، وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَكَانَ عَلَيْهِ لِبَاسٌ غَيْرُ ذَلِكَ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِالْقَوِيِّ . قَوْلُهُ : ( عَنْ وَرَقَةَ ) بِفَتَحَاتٍ أَيِ ابْنِ نَوْفَلِ ابْنِ عَمِّ خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ كَانَ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَقَرَأَ الْكُتُبَ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ ( فَقَالَتْ ) بَيَانُ السُّؤَالِ وَالسَّائِلِ ( لَهُ ) أَيْ لِأَجْلِ وَرَقَةَ وَتَحْقِيقِ أَمْرِهِ ( خَدِيجَةُ إِنَّهُ ) أَيِ الشَّأْنَ أَوْ أَنَّ وَرَقَةَ ( كَانَ ) أَيْ فِي حَيَاتِهِ ( صَدَّقَكَ ) بِالتَّشْدِيدِ أَيْ فِي نُبُوَّتِكَ ( وَإِنَّهُ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ ) تَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ زَمَانَ دَعْوَتِكَ لِيُصَدِّقَكَ وَيَأْتِيَ بِالْأَعْمَالِ عَلَى مُوجِبِ شَرِيعَتِكَ لَكِنْ صَدَّقَكَ قَبْلَ مَبْعَثِكَ ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ ( أُرِيتُهُ فِي الْمَنَامِ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ أَرَانِيهِ اللَّهُ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَحْيِ لِلْأَنْبِيَاءِ ، وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِنِي وَحْيٌ جَلِيٌّ وَدَلِيلٌ قَطْعِيٌّ لَكِنِّي رَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ ( وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بَيَاضٌ ) وَفِي الْمِشْكَاةِ : وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ ( وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَكَانَ عَلَيْهِ لِبَاسٌ غَيْرُ ذَلِكَ ) فِيهِ أَنَّهُ إِذَا رَأَى مُسْلِمٌ فِي الْمَنَامِ الثِّيَابَ الْبِيضَ عَلَى مَيِّتٍ مُسْلِمٍ فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى حُسْنِ حَالِهِ ، وَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ( وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِالْقَوِيِّ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُمَرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الزُّهْرِيُّ الْوَقَّاصِيُّ أَبُو عَمْرٍو الْمَدَنِيُّ مَتْرُوكٌ ، وَكَذَّبَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : قَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ : تُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ هَارُونَ ، رَوَى لَهُ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثًا وَاحِدًا فِي ذِكْرِ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ .
بَاب مَا جَاءَ فِي رُؤْيَا النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الْمِيزَانِ وَالدَّلْوِ 2284 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، ثَنَا الْأَنْصَارِيُّ ، نَا أَشْعَثُ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ : مَنْ رَأَى مِنْكُمْ رُؤْيَا ؟ فَقَالَ رَجُلٌ : أَنَا رَأَيْتُ كَأَنَّ مِيزَانًا نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ فَوُزِنْتَ أَنْتَ وَأَبُو بَكْرٍ فَرَجَحْتَ أَنْتَ بِأَبِي بَكْرٍ ، وَوُزِنَ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ فَرَجَحَ أَبُو بَكْرٍ ، وَوُزِنَ عُمَرُ ، وَعُثْمَانُ فَرَجَحَ عُمَرُ ، ثُمَّ رُفِعَ الْمِيزَانُ فَرَأَيْنَا الْكَرَاهِيَةَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . باب ما جاء في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في الميزان والدلو قَوْلُهُ : ( كَأَنَّ مِيزَانًا ) كَأَنَّ بِتَشْدِيدِ النُّونِ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُشَبَّهَةِ بِالْفِعْلِ ( فَوُزِنْتَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ الْمُخَاطَبِ ( أَنْتَ ) ضَمِيرُ فَصْلٍ وَتَأْكِيدٌ لِتَصْحِيحِ الْعَطْفِ ( فَرَجَحْتَ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ أَيْ ثَقُلْتَ وَغَلَبْتَ ( ثُمَّ رُفِعَ الْمِيزَانُ ) فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى وَجْهِ مَا اخْتُلِفَ فِي تَفْضِيلِ عَلِيٍّ ، وَعُثْمَانَ قَالَهُ الْقَارِي ( فَرَأَيْنَا الْكَرَاهِيَةَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) وَذَاكَ لَمَّا عَلِمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَنَّ تَأْوِيلَ رَفْعِ الْمِيزَانِ انْحِطَاطُ رُتْبَةِ الْأُمُورِ ، وَظُهُورُ الْفِتَنِ بَعْدَ خِلَافَةِ عُمَرَ ، وَمَعْنَى رُجْحَانِ كُلٍّ مِنَ الْآخَرِ أَنَّ الرَّاجِحَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَرْجُوحِ ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ : قِيلَ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرِهَ وُقُوفَ التَّخْيِيرِ وَحَصْرَ دَرَجَاتِ الْفَضَائِلِ فِي ثَلَاثَةٍ ، وَرَجَا أَنْ يَكُونَ فِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَأَعْلَمَهُ اللَّهُ أَنَّ التَّفْضِيلَ ، انْتَهَى إِلَى الْمَذْكُورِ فِيهِ فَسَاءَهُ ذَلِكَ انْتَهَى ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ : إِنَّمَا سَاءَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ مِنَ الرُّؤْيَا الَّتِي ذَكَرَهَا مَا عَرَفَهُ مِنْ تَأْوِيلِ رَفْعِ الْمِيزَانِ ، فَإِنَّ فِيهِ احْتِمَالًا لِانْحِطَاطِ رُتْبَةِ الْأَمْرِ فِي زَمَانِ الْقَائِمِ بِهِ بَعْدَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ النَّفَاذِ وَالِاسْتِعْلَاءِ وَالتَّمَكُّنِ بِالتَّأْيِيدِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْوَزْنِ مُوَازَنَةَ أَيَّامِهِمْ لِمَا كَانَ نُظِرَ فِيهَا مِنْ رَوْنَقِ الْإِسْلَامِ وَبَهْجَتِهِ ، ثُمَّ إِنَّ الْمُوَازَنَةَ إِنَّمَا تُرَاعَى فِي الْأَشْيَاءِ الْمُتَقَارِبَةِ مَعَ مُنَاسَبَةٍ مَا ، فَيَظْهَرُ الرُّجْحَانُ ، فَإِذَا تَبَاعَدَتْ كُلَّ التَّبَاعُدِ لَمْ يُوجَدْ لِلْمُوَازَنَةِ مَعْنًى فَلِهَذَا رُفِعَ الْمِيزَانُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَسَكَتَ عَنْهُ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ .
2296 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، نَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ زِيَادٍ الْأَسَدِيِّ ، عَنْ فَاتِكِ بْنِ فَضَالَةَ ، عَنْ أَيْمَنَ بْنِ خُرَيْمٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خَطِيبًا فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ إِشْرَاكًا بِاللَّهِ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ هَذَا حَدِيثٌ إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ زِيَادٍ وقد اخْتَلَفُوا فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ زِيَادٍ ، وَلَا نَعْرِفُ لِأَيْمَنَ بْنِ خُرَيْمٍ سَمَاعًا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ سُفْيَانَ بْنِ زِيَادٍ الْأَسَدِيِّ ) وَيُقَالُ ابْنُ دِينَارٍ الْعُصْفُرِيُّ ، وَيُكَنَّى أَبَا الْوَرْقَاءِ الْأَحْمَرِيَّ أَوِ الْأَسَدِيَّ ، كُوفِيٌّ ثِقَةٌ مِنَ السَّادِسَةِ ( عَنْ فَاتِكِ بْنِ فَضَالَةَ ) بْنِ شَرِيكٍ الْأَسَدِيِّ الْكُوفِيِّ ، مَجْهُولُ الْحَالِ مِنَ السَّادِسَةِ ( عَنْ أَيْمَنَ بْنِ خُرَيْمٍ ) بِالْمُعْجَمَةِ ثُمَّ الرَّاءِ مُصَغَّرًا ابْنِ الْأَخْرَمِ الْأَسَدِيِّ هُوَ أَبُو عَطِيَّةَ الشَّامِيِّ الشَّاعِرِ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ ، وَقَالَ الْعِجْلِيُّ : تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَهَادَةِ الزُّورِ ، وَعَنْ أَبِيهِ وَعَمِّهِ ، وَعَنْهُ فَاتِكُ بْنُ فُضَالَةَ . قَوْلُهُ : ( عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ إِشْرَاكًا بِاللَّهِ ) أَيْ جُعِلَتِ الشَّهَادَةُ الْكَاذِبَةُ مُمَاثِلَةً لِلْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ فِي الْإِثْمِ لِأَنَّ الشِّرْكَ كَذِبٌ عَلَى اللَّهِ بِمَا لَا يَجُوزُ ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ كَذِبٌ عَلَى الْعَبْدِ بِمَا لَا يَجُوزُ وَكِلَاهُمَا غَيْرُ وَاقِعٍ فِي الْوَاقِعِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : وَالزُّورُ مِنَ الزَّوْرِ وَالِازْوِرَارِ وَهُوَ الِانْحِرَافُ ، وَإِنَّمَا سَاوَى قَوْلُ الزُّورِ الشِّرْكَ لِأَنَّ الشِّرْكَ مِنْ بَابِ الزُّورِ فَإِنَّ الْمُشْرِكَ زَاعِمٌ أَنَّ الْوَثَنَ يُحِقُّ الْعِبَادَةَ ( ثُمَّ قَرَأَ ) أَيِ اسْتِشْهَادًا وَاعْتِضَادًا فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ مِنْ بَيَانِيَّةٌ أَيِ النَّجَسَ الَّذِي هُوَ الْأَصْنَامُ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ أَيْ قَوْلَ الْكَذِبِ الشَّامِلِ لِشَهَادَةِ الزُّورِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : وَفِي التَّنْزِيلِ عُطِفَ قَوْلُ الزُّورِ عَلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَكُرِّرَ الْفِعْلُ اسْتِقْلَالًا فِيمَا هُوَ مُجْتَنَبٌ عَنْهُ فِي كَوْنِهِمَا مِنْ وَادِي الرِّجْسِ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُجْتَنَبَ عَنْهُ ، وَكَأَنَّهُ قَالَ : فَاجْتَنِبُوا عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ الَّتِي هِيَ رُءُوسُ الرِّجْسِ ، وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ كُلِّهِ ، وَلَا تَقْرَبُوا شَيْئًا مِنْهُ لِتَمَادِيهِ فِي الْقُبْحِ وَالسَّمَاجَةِ ، وَمَا ظَنُّكَ بِشَيْءٍ مِنْ قَبِيلِ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ ، وَسُمِّيَ الْأَوْثَانُ رِجْسًا عَلَى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ يَعْنِي إِنَّكُمْ كَمَا تَنْفِرُونَ بِطِبَاعِكُمْ عَنِ الرِّجْسِ وَتَجْتَنِبُونَهُ فَعَلَيْكُمْ أَنْ تَنْفِرُوا مِنْ شَبِيهِ الرِّجْسِ مِثْلَ تِلْكَ النُّفْرَةِ . قَوْلُهُ : ( وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ زِيَادٍ ) ، قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ هَذَا مَا لَفْظُهُ : وَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ النُّعْمَانِ ، عَنْ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ وَاسْتَصْوَبَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَقَالَ : إِنَّ مَرْوَانَ بْنَ مُعَاوِيَةَ لَمْ يَقُمْ إِسْنَادُهُ ، انْتَهَى ، وَحَدِيثُ أَيْمَنَ بْنِ خُرَيْمٍ هَذَا فِي سَنَدِهِ فَاتِكُ بْنُ فَضَالَةَ ، وَهُوَ مَجْهُولٌ كَمَا عَرَفْتَ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ وَهُوَ صَحَابِيٌّ ، قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : خُرَيْمٌ بِالتَّصْغِيرِ ابْنُ فَاتِكٍ الْأَسَدِيُّ أَبُو يَحْيَى وَهُوَ خُرَيْمُ بْنُ الْأَخْرَمِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ عَمْرِو بْنِ فَاتِكٍ نُسِبَ لِجَدِّ جَدِّهِ ، صَحَابِيٌّ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ ، وَلَمْ يَصِحَّ أَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا مَاتَ فِي الرِّقَّةِ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ .
2293 حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ آدَمَ ابْنُ ابنة أَزْهَرَ السَّمَّانِ ، نَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ ، ثَنِي أُبَيُّ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قال : ثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، ثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ، ثَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، ثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ ، ثَنِي زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : خَيْرُ الشُّهَدَاءِ مَنْ أَدَّى شَهَادَتَهُ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ آدَمَ ابْنِ ابْنَةِ أَزْهَرَ السَّمَّانِ ) الْبَصْرِيُّ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ صَدُوقٌ فِيهِ لِينٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ ( ثَنِي أُبَيُّ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ) الْأَنْصَارِيُّ السَّاعِدِيُّ فِيهِ ضَعْفٌ مِنَ السَّابِعَةِ مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ حَدِيثٍ وَاحِدٍ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ( ثَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ) الْأَنْصَارِيُّ الْمَدَنِيُّ ثِقَةٌ فَقِيهٌ مِنَ الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .
2294 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا مَرْوَانُ بن معاوية الْفَزَارِيُّ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ الدِّمَشْقِيِّ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ وَلَا مَجْلُودٍ حَدًّا وَلَا مَجْلُودَةٍ وَلَا ذِي غِمْرٍ لإحنة وَلَا مُجَرَّبِ شَهَادَةٍ وَلَا الْقَانِعِ أَهْلَ الْبَيْتِ لَهُمْ ، وَلَا ظَنِينٍ فِي وَلَاءٍ وَلَا قَرَابَةٍ . قَالَ الْفَزَارِيُّ : الْقَانِعُ التَّابِعُ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ الدِّمَشْقِيِّ ، وَيَزِيدُ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ وَلَا يُعْرَفُ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ ، وَفِي الْبَاب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : وَلَا نَعْرِفُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا يَصِحُّ عِنْدَنَا مِنْ قِبَلِ إِسْنَادِهِ وَالْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا أَنَّ شَهَادَةَ الْقَرِيبِ جَائِزَةٌ لِقَرَابَتِهِ ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي شَهَادَةِ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ وَالْوَلَدِ لِلْوَالِدِ فَلَمْ يُجِزْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ شَهَادَةَ الْوَلِدِ لِلْوَالَدِ وَلَا الْوَالَدِ لِلْوَلِدِ ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِذَا كَانَ عَدْلًا فَشَهَادَةُ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ جَائِزَةٌ ، وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ الْوَلَدِ لِلْوَالِدِ ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي شَهَادَةِ الْأَخِ لِأَخِيهِ أَنَّهَا جَائِزَةٌ ، وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ كُلِّ قَرِيبٍ لِقَرَابَتِهِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ شَهَادَةٌ الِرَجُل عَلَى الْآخَرِ وَإِنْ كَانَ عَدْلًا إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ ، وَذَهَبَ إِلَى حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا : لَا يَجُوزُ شَهَادَةُ إِحْنَةٍ يَعْنِي صَاحِبَ عَدَاوَةٍ وَكَذَلِكَ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ حَيْثُ قَالَ : لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ صَاحِبِ غِمْرٍ يَعْنِي صَاحِبَ عَدَاوَةٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ الدِّمَشْقِيِّ ) أَوِ ابْنِ أَبِي زِيَادٍ الْقُرَشِيِّ ، مَتْرُوكٌ مِنَ السَّابِعَةِ . قَوْلُهُ : ( لَا تَجُوزُ ) أَيْ لَا تَصِحُّ ( شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ ) قَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ : أَيِ الْمَشْهُورُ بِالْخِيَانَةِ فِي أَمَانَاتِ النَّاسِ دُونَ مَا ائْتَمَنَ اللَّهُ عَلَيْهِ عِبَادَهُ مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا مِنَ الشُّرَّاحِ ، قَالَ الْقَاضِي : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْأَعَمَّ مِنْهُ وَهُوَ الَّذِي يَخُونُ فِيمَا ائْتُمِنَ عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ مَا ائْتَمَنَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ أَوِ النَّاسُ مِنَ الْأَمْوَالِ قَالَ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ انْتَهَى ، فَالْمُرَادُ بِالْخَائِنِ هُوَ الْفَاسِقُ وَهُوَ مَنْ فَعَلَ كَبِيرَةً أَوْ أَصَرَّ عَلَى الصَّغَائِرِ ، انْتَهَى مَا فِي الْمِرْقَاةِ ، وَقَالَ فِي النَّيْلِ : صَرَّحَ أَبُو عُبَيْدٍ بِأَنَّ الْخِيَانَةَ تَكُونُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ كَمَا تَكُونُ فِي حُقُوقِ النَّاسِ مِنْ دُونِ اخْتِصَاصٍ ( وَلَا مَجْلُودٍ حَدًّا ) أَيْ حَدَّ الْقَذْفِ ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : هُوَ مَنْ جُلِدَ فِي حَدِّ الْقَذْفِ وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْمَجْلُودَ فِيهِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَبَدًا وَإِنْ تَابَ ، وَقَالَ الْقَاضِي : أَفْرَدَ الْمَجْلُودَ حَدًّا وَعَطَفَهُ عَلَيْهِ لِعِظَمِ جِنَايَتِهِ ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُ الزَّانِي غَيْرَ الْمُحْصَنِ وَالْقَاذِفَ وَالشَّارِبَ ، قَالَ الْمُظْهِرُ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا جُلِدَ قَاذِفٌ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَبَدًا وَإِنْ تَابَ ، وَأَمَّا قَبْلَ الْجَلْدِ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : الْقَذْفُ مِنْ جُمْلَةِ الْفُسُوقِ لَا يَتَعَلَّقُ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ بَلْ إِنْ تَابَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ سَوَاءٌ جُلِدَ أَوْ لَمْ يُجْلَدْ ، وَإِنْ لَمْ يَتُبْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ سَوَاءٌ جُلِدَ أَوْ لَمْ يُجْلَدْ . قُلْتُ : قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّ الْمَجْلُودَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ ، هُوَ الْقَوْلُ الرَّاجِحُ الْمَنْصُورُ كَمَا حَقَّقَهُ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ ، وَالْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ ( وَلَا ذِي غِمْرٍ ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَيْ حِقْدٍ وَعَدَاوَةٍ ( لِإِحْنَةٍ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالنُّونِ ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْإِحْنَةُ بِالْكَسْرِ الْحِقْدُ وَالْغَضَبُ ، وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْإِحْنَةُ الْعَدَاوَةُ وَيَجِيءُ حِنَةٌ بِهَذَا الْمَعْنَى عَلَى قِلَّةٍ ، انْتَهَى ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ عِنْدَنَا لِأَخِيهِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ وَغَيْرِهِ ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ : وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ ( وَلَا مُجَرَّبِ شَهَادَةٍ ) أَيْ فِي الْكَذِبِ ( وَلَا الْقَانِعِ أَهْلَ الْبَيْتِ ) أَيِ الَّذِي يَخْدُمُ أَهْلَ الْبَيْتِ كَالْأَجِيرِ وَغَيْرِهِ ( لَهُمْ ) أَيْ لِأَهْلِ الْبَيْتِ لِأَنَّهُ يَجُرُّ نَفْعًا بِشَهَادَتِهِ إِلَى نَفْسِهِ لِأَنَّ مَا حَصَلَ مِنَ الْمَالِ لِلْمَشْهُودِ لَهُ يَعُودُ نَفْعُهُ إِلَى الشَّاهِدِ لِأَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْ نَفَقَتِهِ ، وَلِذَلِكَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ جَرَّ نَفْعًا بِشَهَادَتِهِ إِلَى نَفْسِهِ كَالْوَالِدِ يَشْهَدُ لِوَلَدِهِ ، أَوِ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ ، أَوِ الْغَرِيمِ يَشْهَدُ بِمَالٍ لِلْمُفْلِسِ عَلَى أَحَدٍ . ( وَلَا ظَنِينٍ ) أَيْ مُتَّهَمٍ ( فِي وَلَاءٍ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَهُوَ الَّذِي يَنْتَمِي إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ ( وَلَا قَرَابَةٍ ) قَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ : أَيْ وَلَا ظَنِينَ فِي قَرَابَةٍ وَهُوَ الَّذِي يَنْتَسِبُ إِلَى غَيْرِ أبيه أو إلى غير ذَوِيهِ ، وَإِنَّمَا رُدَّ شَهَادَتُهُ لِأَنَّهُ يَنْفِي الْوُثُوقَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ ، كَذَا قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا مِنَ الشُّرَّاحِ ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ : يَعْنِي مَنْ قَالَ أَنَا عَتِيقُ فُلَانٍ وَهُوَ كَاذِبٌ فِيهِ بِحَيْثُ يَتَّهِمُهُ النَّاسُ فِي قَوْلِهِ وَيُكَذِّبُونَهُ ، لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِأَنَّهُ فَاسِقٌ ; لِأَنَّ قَطْعَ الْوَلَاءِ عَنِ الْمُعْتِقِ وَأَبْنَائِهِ لِمَنْ لَيْسَ بِمُعْتِقِهِ كَبِيرَةٌ وَرَاكِبُهَا فَاسِقٌ ، وَكَذَلِكَ الظَّنِينُ فِي الْقَرَابَةِ وَهُوَ الدَّاعِي الْقَائِلُ أَنَا ابْنُ فُلَانٍ أَوْ أَنَا أَخُو فُلَانٍ مِنَ النَّسَبِ وَالنَّاسُ يُكَذِّبُونَهُ فِيهِ ، انْتَهَى مَا فِي الْمِرْقَاةِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَفِيهِ ( وَلَا ذِي غِمْرٍ لِأَخِيهِ ) ، وَفِي سَنَدِهِ يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ الدِّمَشْقِيُّ وَهُوَ مَتْرُوكٌ كَمَا عَرَفْتَ ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ فِي الْعِلَلِ : هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ ، وَضَعَّفَهُ عَبْدُ الْحَقِّ ، وَابْنُ حَزْمٍ ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ : لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ وَلَا زَانٍ وَلَا زَانِيَةٍ وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ وَرُدَّ شَهَادَةُ الْقَانِعِ لِأَهْلِ الْبَيْتِ ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا ، وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ ذِي الظِّنَّةِ وَلَا ذِي الْحِنَّةِ رَوَاهُ الْحَاكِمُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَفِي الْبَابِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ نَحْوُ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ الْأَعْلَى وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَشَيْخُهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْفَارِسِيُّ وَهُوَ أَيْضًا ضَعِيفٌ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : لَا يَصِحُّ مِنْ هَذَا شَيْءٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ ظَنِينٍ وَلَا خَصْمٍ أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ مَوْقُوفًا وَهُوَ مُنْقَطِعٌ . قَوْلُهُ : ( وَلَا نَعْرِفُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ ) أَيْ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَلَا ظَنِينٍ فِي وَلَاءٍ وَلَا قَرَابَةٍ فَإِنَّهُ بِظَاهِرِهِ يُوهِمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ شَهَادَةُ قَرِيبٍ لِقَرِيبٍ لَهُ وَلَمْ يَقُلْ بِإِطْلَاقِهِ أَحَدٌ ، وَلَكِنْ إِذَا فُسِّرَ هَذَا بِمَا ذَكَرْنَا فَلَا إِشْكَالَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ( وَالْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا أَنَّ شَهَادَةَ الْقَرِيبِ جَائِزَةٌ لِقَرَابَتِهِ ) أَيْ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ وَلَا ظَنِينٍ فِي وَلَاءٍ وَلَا قَرَابَةٍ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : لَا نَعْرِفُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ ( وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي شَهَادَةِ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ إِلَخْ ) قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : اخْتُلِفَ فِي شَهَادَةِ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ وَالْعَكْسِ ، فَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَالْمُؤَيَّدُ بِاللَّهِ ، وَالْإِمَامُ يَحْيَى ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَعَلَّلُوا بِالتُّهْمَةِ فَكَانَ كَالْقَانِعِ ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَشُرَيْحٌ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْعِتْرَةُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ له : إِنَّهَا تُقْبَلُ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ذَوَيْ عَدْلٍ انْتَهَى ، قُلْتُ : وَالظَّاهِرُ عِنْدِي هُوَ قَوْلُ الْمَانِعِينَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . ( وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ عَلَى الْآخَرِ وَإِنْ كَانَ عَدْلًا إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ إِلَخْ ) قِيلَ : اعْتَمَدَ الشَّافِعِيُّ خَبَرًا صَحِيحًا وَهُوَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ خَصْمٍ عَلَى خَصْمٍ ، قَالَ الْحَافِظُ : لَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ لَكِنْ لَهُ طُرُقٌ يَتَقَوَّى بَعْضُهَا بِبَعْضٍ فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ مِنْ حَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُنَادِيًا أَنَّهَا لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ ، وَرَوَاهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ مُرْسَلًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ ذِي الظِّنَّةِ وَالْحِنَّةِ يَعْنِي الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، يَرْفَعُهُ مِثْلَهُ ، وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ .
2295 حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ ، نَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، عَنْ الْجُرَيْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ؟ قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ أَوْ قَوْلُ الزُّورِ . قَالَ : فَمَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( عَنْ الْجُرَيْرِيِّ ) بِضَمِّ الْجِيمِ هُوَ سَعِيدُ بْنُ إِيَاسٍ أَبُو مَسْعُودٍ الْبَصْرِيُّ ، ثِقَةٌ مِنْ الْخَامِسَةِ ، اخْتَلَطَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثِ سِنِينَ ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ) بْنِ الْحَارِثِ الثَّقَفِيِّ . ثقة مِنْ الثَّانِيَةِ ( عَنْ أَبِيهِ ) أَيْ أَبِي بَكْرَةَ وَاسْمُهُ نُفَيْعُ بْنُ الْحَارِسِ بْنِ كَلَدَةَ بِفَتْحَتَيْنِ ابْنِ عَمْرٍو الثَّقَفِيِّ ، صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ ، وَقِيلَ : اسْمُهُ مَسْرُوحٌ بِمُهْمَلَاتٍ ، أَسْلَمَ بِالطَّائِفِ ثُمَّ نَزَلَ الْبَصْرَةَ . قَوْلُهُ : ( قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ) هُوَ جَعْلُ أَحَدٍ شَرِيكًا لِلْآخَرِ وَالْمُرَادُ هَاهُنَا اتِّخَاذُ إِلَهٍ غَيْرَ اللَّهِ وَأَرَادَ بِهِ الْكُفْرَ ، وَاخْتَارَ لَفْظَ الْإِشْرَاكِ لِأَنَّهُ كَانَ غَالِبًا فِي الْعَرَبِ ( وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ) أَيْ قَطْعُ صِلَتِهِمَا مَأْخُوذٌ مِنْ الْعَقِّ وَهُوَ الشَّقُّ وَالْقَطْعُ ، وَالْمُرَادُ عُقُوقُ أَحَدِهِمَا ، قِيلَ : هُوَ إِيذَاءٌ لَا يُتَحَمَّلُ مِثْلُهُ مِنْ الْوَلَدِ عَادَةً ، وَقِيلَ : عُقُوقُهُمَا مُخَالَفَةُ أَمْرِهِمَا فِيمَا لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً ، وَفِي مَعْنَاهُمَا الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ ثُمَّ اقْتِرَانُهُ بِالْإِشْرَاكِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُنَاسَبَةِ ، إِذْ فِي كُلِّ قَطْعِ حُقُوقٍ السَّبَبُ فِي الْإِيجَادِ وَالْإِمْدَادِ وإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِلَّهِ حَقِيقَةً وَلِلْوَالِدَيْنِ صُورَةً ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ ( وَشَهَادَةُ الزُّورِ ) أَيْ الْكَذِبُ وَسُمِّيَ زُورًا لِمَيَلَانِهِ عَنْ جِهَةِ الْحَقِّ ( أَوْ قَوْلُ الزُّورِ ) شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي ( حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ ) أَيْ شَفَقَةً وَكَرَاهِيَةً لِمَا يُزْعِجُهُ . وَفِيهِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ الْأَدَبِ مَعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْمَحَبَّةِ لَهُ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِ ، وَتَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي بَابِ عُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ مِنْ أَبْوَابِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ .
بسم الله الرحمن الرحيم أبواب الشَّهَادَاتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 2292 حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ ، نَا مَعْنٌ ، نَا مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ به ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي عَمْرَةَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَأَكْثَرُ النَّاسِ يَقُولُونَ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ وَاخْتَلَفُوا عَلَى مَالِكٍ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ فَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ أَبِي عَمْرَةَ ، وَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ ابْنِ أَبِي عَمْرَةَ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيُّ وَهَذَا أَصَحُّ عندنا لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَمْرَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا وَأَبُو عَمْرَةَ هو مَوْلَى زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ وَلَهُ حَدِيثُ الْغُلُولِ لِأَبِي عَمْرَةَ ( أَبْوَابُ الشَّهَادَاتِ إِلَخْ ) هِيَ جَمْعُ شَهَادَةٍ ، وَهِيَ مَصْدَرُ شَهِدَ يَشْهَدُ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الشَّهَادَةُ خَبَرٌ قَاطِعٌ ، وَالْمُشَاهَدَةُ الْمُعَايَنَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الشُّهُودِ أَيِ الْحُضُورِ ; لِأَنَّ الشَّاهِدَ مُشَاهِدٌ لِمَا غَابَ عَنْ غَيْرِهِ ، وَقَالَ فِي الْمُغْرِبِ : الشَّهَادَةُ الْإِخْبَارُ بِصِحَّةِ الشَّيْءِ عَنْ مُشَاهَدَةٍ وَعِيَانٍ ، وَيُقَالُ : شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا شَهَادَةً ، فَهُوَ شَاهِدٌ وَهُمْ شُهُودٌ وَأَشْهَادٌ ، وَهُوَ شَهِيدٌ وَهُمْ شُهَدَاءُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ) الْأَنْصَارِيُّ الْمَدَنِيُّ الْقَاضِي ثِقَةٌ مِنَ الْخَامِسَةِ ( عَنْ أَبِيهِ ) هُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ النَّجَّارِيِّ بِالنُّونِ وَالْجِيمِ الْمَدَنِيِّ الْقَاضِي اسْمُهُ وَكُنْيَتُهُ وَاحِدٌ وَقِيلَ : إِنَّهُ يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ ، ثِقَةٌ عَابِدٌ مِنَ الْخَامِسَةِ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ) الْأُمَوِيِّ يُلَقَّبُ بِالْمُطْرَفِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ ، ثِقَةٌ شَرِيفٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ( عَنْ أَبِي عَمْرَةَ ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ ابْنِ أَبِي عَمْرَةَ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ التِّرْمِذِيُّ قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : أَبُو عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ صَوَابُهُ عَنِ ابْنِ أَبِي عَمْرَةَ وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : أَبُو عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيُّ وَقِيلَ : ابْنُ أَبِي عَمْرَةَ ، وَقِيلَ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ رَوَى عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ ، وَعَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، أَخْرَجَ الْجَمَاعَةُ سِوَى الْبُخَارِيَّ حَدِيثَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرَ بْنِ حَزْمٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَمْرَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ، وَسَمَّاهُ بَعْضُهُمْ فِي رِوَايَتِهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ ) جَمْعُ شَاهِدٍ ( الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ قَبْلَ أَنْ يُطْلَبَ منهُ الشَّهَادَةُ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَفِي الْمُرَادِ بِهَذَا الْحَدِيثِ تَأْوِيلَانِ أَصَحُّهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا تَأْوِيلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ لِإِنْسَانٍ بِحَقٍّ وَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ أَنَّهُ شَاهِدٌ فَيَأْتِي إِلَيْهِ فَيُخْبِرَهُ بِأَنَّهُ شَاهِدٌ لَهُ ، وَالثَّانِي أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى شَهَادَةِ الْحِسْبَةِ وَذَلِكَ فِي غَيْرِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ الْمُخْتَصَّةِ بِهِمْ ، فَمِمَّا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ وَالْوَقْفُ وَالْوَصَايَا الْعَامَّةُ وَالْحُدُودُ وَنَحْوُ ذَلِكَ ، فَمَنْ عَلِمَ شَيْئًا مِنْ هَذَا النَّوْعِ وَجَبَ عَلَيْهِ رَفْعُهُ إِلَى الْقَاضِي وَإِعْلَامُهُ بِهِ وَالشَّهَادَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ وَكَذَا فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ يَلْزَمُ مَنْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ لِإِنْسَانٍ لَا يَعْلَمُهَا أَنْ يُعْلِمَهُ إِيَّاهَا لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ لَهُ عِنْدَهُ ، وَحَكَى تَأْوِيلًا ثَالِثًا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَجَازِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَاتِ بَعْدَ طَلَبِهَا لَا قَبْلَهُ ، كَمَا يُقَالُ : الْجَوَادُ يُعْطِي قَبْلَ السُّؤَالِ أَيْ يُعْطِي سَرِيعًا عَقِبَ السُّؤَالِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ ، انْتَهَى . ( وَقَالَ ابْنُ أَبِي عَمْرَةَ ) أَيْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ مَكَانَ أَبِي عَمْرَةَ ، وَاسْمُ ابْنِ أَبِي عَمْرَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَمَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ( وَأَكْثَرُ النَّاسِ يَقُولُونَ ) فِي رِوَايَاتِهِمْ ( عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ ) أَيْ كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ فِي رِوَايَتِهِ ( وَاخْتَلَفُوا ) أَيْ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْهُ ( فَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ أَبِي عَمْرَةَ ) كَمَعْنٍ ( وَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي عَمْرَةَ ) كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ ، وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى عِنْدَ مُسْلِمٍ ( وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدَنَا ) أَيْ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ : عَنِ ابْنِ أَبِي عَمْرَةَ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى عَنْهُ بِلَفْظِ عَنْ أَبِي عَمْرَةَ ( لِأَنَّهُ ) أَيْ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ( قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ هَذَا ، فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُؤَيِّدُ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ عَنِ ابْنِ أَبِي عَمْرَةَ ، ( وَقَدْ روي عَنْ أَبِي عَمْرَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ ) ، أَيْ غَيْرَ حَدِيثِ الشَّهَادَةِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ ( وَأَبُو عَمْرَةَ هُوَ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ) أَيْ أَبُو عَمْرَةَ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ غَيْرَ حَدِيثِ الشَّهَادَةِ الْمَذْكُورِ ، هُوَ مَوْلَى زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ . ( وَلَهُ ) أَيْ لِزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ( حَدِيثُ الْغُلُولِ ) رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ ، عَنْ أَبِي عَمْرَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ : أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُوُفِّيَ يَوْمَ خَيْبَرَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ ، فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ النَّاسِ لِذَلِكَ ، فَقَالَ : إِنَّ صَاحِبَكُمْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَفَتَّشْنَا مَتَاعَهُ فَوَجَدْنَا خَرَزًا مِنْ خَرَزِ يَهُودَ لَا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ ( لِأَبِي عَمْرَةَ ) أَيْ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ يَعْنِي أَنَّ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ هَذَا فِي الْغُلُولِ ، رَوَاهُ عَنْهُ مَوْلَاهُ أَبُو عَمْرَةَ .
2297 حَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثم الذين يلونهم ثَلَاثًا ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ مِنْ بَعْدِهِمْ يَتَسَمَّنُونَ وَيُحِبُّونَ السِّمَنَ يُعْطُونَ الشَّهَادَةَ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلُوهَا . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ وَأَصْحَابُ الْأَعْمَشِ إِنَّمَا رَوَوْا عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ . 2298 حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ ، نَا وَكِيعٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عن هِلَالُ بْنُ يَسَافٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ . وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ يُعْطُونَ الشَّهَادَةَ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلُوهَا إِنَّمَا يَعْنِي شَهَادَةَ الزُّورِ يَقُولُ : شهادة أَحَدُهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسْتَشْهَدَ وَبَيَانُ هَذَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى يَشْهَدَ الرَّجُلُ وَلَا يُسْتَشْهَدُ وَيَحْلِفَ الرَّجُلُ وَلَا يُسْتَحْلَفُ . وَمَعْنَى حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : خَيْرُ الشُّهَدَاءِ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا هُوَ إِذَا استشهد الرَّجُلُ عَلَى الشَّيْءِ أَنْ يُؤَدِّيَ شَهَادَتَهُ ، وَلَا يَمْتَنِعَ مِنْ الشَّهَادَةِ هَكَذَا وَجْهُ الْحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ ) النَّخَعِيِّ أَبِي مُدْرِكٍ الْكُوفِيِّ ، ثِقَةٌ مِنَ الرَّابِعَةِ . قَوْلُهُ : ( خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ) أَيِ الَّذِينَ أَدْرَكُونِي وَآمَنُوا بِي وَهُمْ أَصْحَابِي ( ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ) أي يَقْرَبُونَهُمْ فِي الرُّتْبَةِ أَوْ يَتَّبِعُونَهُمْ فِي الْإِيمَانِ وَالْإِيقَانِ وَهُمُ التَّابِعُونَ ( ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ) وَهُمْ أَتْبَاعُ التَّابِعِينَ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ وَتَبِعَهُمْ هَؤُلَاءِ الْقُرُونُ الثَّلَاثَةُ الْمُرَتَّبَةُ فِي الْفَضِيلَةِ فَفِي النِّهَايَةِ : الْقَرْنُ أَهْلُ كُلِّ زَمَانٍ وَهُوَ مِقْدَارُ التَّوَسُّطِ فِي أَعْمَارِ أَهْلِ كُلِّ زَمَانٍ ، مَأْخُوذٌ مِنَ الِاقْتِرَانِ فَكَأَنَّهُ الْمِقْدَارُ الَّذِي يَقْتَرِنُ فِيهِ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي أَعْمَارِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ ، وَقِيلَ : الْقَرْنُ أَرْبَعُونَ سَنَةً ، وَقِيلَ : ثَمَانُونَ ، وَقِيلَ : مِائَةٌ ، وَقِيلَ : هُوَ مُطْلَقٌ مِنَ الزَّمَانِ ، وَهُوَ مَصْدَرُ قَرَنَ يَقْرِنُ ، قَالَ السُّيُوطِيُّ : وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ بِمُدَّةٍ فَقَرْنُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُمُ الصَّحَابَةُ وَكَانَتْ مُدَّتُهُمْ مِنَ الْمَبْعَثِ إِلَى آخِرِ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً ، وَقَرْنُ التَّابِعِينَ مِنْ مِائَةِ سَنَةٍ إِلَى نَحْوِ سَبْعِينَ ، وَقَرْنُ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ مِنْ ثَمَّ إِلَى نَحْوِ الْعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ وَفِي هَذَا الْوَقْتِ ظَهَرَتِ الْبِدَعُ ظُهُورًا فَاشِيًّا ، وَأَطْلَقَتِ الْمُعْتَزِلَةُ أَلْسِنَتَهَا ، وَرَفَعَتِ الْفَلَاسِفَةُ رُءُوسَهَا ، وَامْتُحِنَ أَهْلُ الْعِلْمِ لِيَقُولُوا بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَتَغَيَّرَتِ الْأَحْوَالُ تَغَيُّرًا شَدِيدًا وَلَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ فِي نَقْصٍ إِلَى الْآنَ ، وَظَهَرَ مِصْدَاقُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ ( ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثَلَاثًا ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ ، وَلَيْسَ هَذَا فِي بَعْضِهَا ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ : خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، قَالَ عِمْرَانُ : فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، قَالَ الْحَافِظُ : وَقَعَ مِثْلُ هَذَا الشَّكِّ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَجَاءَ فِي أَكْثَرِ الطُّرُقِ بِغَيْرِ شَكٍّ مِنْهَا عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَعَنْ مَالِكٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ : قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ ؟ قَالَ : الْقَرْنُ الَّذِي أَنَا فِيهِ ثُمَّ الثَّانِي ثُمَّ الثَّالِثُ ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَالطَّبَرَانِيِّ إِثْبَاتُ الْقَرْنِ الرَّابِعِ وَلَفْظُهُ : خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الْآخَرُونَ أَرْدَأُ ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّ جَعْدَةَ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ ، انْتَهَى . ( يَتَسَمَّنُونَ ) أَيْ يَتَكَبَّرُونَ بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ ، وَيَدَّعُونَ مَا لَيْسَ لَهُمْ مِنَ الشَّرَفِ ، وَقِيلَ : أَرَادَ جَمْعَهُمُ الْأَمْوَالَ ، وَقِيلَ : يُحِبُّونَ التَّوَسُّعَ فِي الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَهِيَ أَسْبَابُ السِّمَنِ ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ : كَنَّى بِهِ عَنِ الْغَفْلَةِ وَقِلَّةِ الِاهْتِمَامِ بِأَمْرِ الدِّينِ ، فَإِنَّ الْغَالِبَ عَلَى ذَوِي السَّمَانَةِ أَنْ لَا يَهْتَمُّوا بِارْتِيَاضِ النُّفُوسِ بَلْ مُعْظَمُ هِمَّتِهِمْ تَنَاوُلُ الْحُظُوظِ وَالتَّفَرُّغُ لِلدَّعَةِ وَالنَّوْمِ ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : قَالُوا : الْمَذْمُومُ مِنَ السِّمَنِ مَا يُسْتَكْسَبُ وَأَمَّا مَا هُوَ خِلْقَةٌ فَلَا يَدْخُلُ فِي هَذَا ، انْتَهَى . ( وَيُحِبُّونَ السِّمَنَ ) بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِ الْمِيمِ مَصْدَرُ سَمِنَ بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ سَمَانَةً بِالْفَتْحِ وَسِمَنًا كَعِنَبٍ فَهُوَ سَامِنٌ وَسَمِينٌ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) أَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ( وَأَصْحَابُ الْأَعْمَشِ ) يَعْنِي غَيْرَ مُحَمَّدِ بْنِ فَضِيلٍ ( إِنَّمَا رَوَوْا عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يسَافٍ ) يَعْنِي بِغَيْرِ ذِكْرِ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ ، قَوْلُهُ : ( وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ فَضِيلٍ ) أَيْ حَدِيثِ وَكِيعٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يسَافٍ بِغَيْرِ ذِكْرِ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ فَضِيلٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يسَافٍ لِأَنَّهُ تَفَرَّدَ بِذِكْرِهِ ، وَقَدْ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْمَشِ مِثْلَ رِوَايَةِ وَكِيعٍ . قَوْلُهُ : ( وَبَيَانُ هَذَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَخْ ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ لُزُومِ الْجَمَاعَةِ مِنْ أَبْوَابِ الْفِتَنِ ( هُوَ إِذَا اسْتُشْهِدَ الرَّجُلُ عَلَى الشَّيْءِ أَنْ يُؤَدِّيَ شَهَادَتَهُ وَلَا يَمْتَنِعَ مِنَ الشَّهَادَةِ هَكَذَا وُجِّهَ الْحَدِيثُ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ ) ذَكَرَ النَّوَوِيُّ ثَلَاثَةَ وُجُوهٍ مِنَ التَّأْوِيلِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا عَرَفْتَهَا ، وَذَكَرَ التَّأْوِيلَ الثَّالِثَ بِقَوْلِهِ : إِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَجَازِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ بَعْدَ طَلَبِهَا لَا قَبْلَهُ ، كَمَا يُقَالُ : الْجَوَادُ يُعْطِي قَبْلَ السُّؤَالِ أَيْ يُعْطِي سَرِيعًا عَقِبَ السُّؤَالِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ ، انْتَهَى ، وَإِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَشَارَ التِّرْمِذِيُّ بِقَوْلِهِ : هُوَ إِذَا اسْتُشْهِدَ إِلَخْ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
بَاب مَا جَاءَ فِي إِنْذَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمَهُ 2305 حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْعَثِ أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيُّ ، نَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا صَفِيَّةُ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا سَلُونِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمْ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وابن عباس وَأَبِي مُوسَى . حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وقد رَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثله . باب ما جاء في إنذار النبي صلى الله عليه وسلم قومه قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْعَثِ أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ ) الْعِجْلِيُّ بَصْرِيٌّ صَدُوقٌ صَاحِبُ حَدِيثٍ ، طَعَنَ أَبُو دَاوُدَ فِي مُرُوَّتِهِ مِنَ الْعَاشِرَةِ ، رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَكَانَ يَعْلَمُ الْمُجَّانَ الْمُجُونَ فَأَنَا لَا أُحَدِّثُ عَنْهُ ، قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : وَهَذَا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَتَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ ، وَقَالَ فِي مِيزَانِ الِاعْتِدَالِ : كَانَ بِالْبَصْرَةِ مُجَّانٌ يُلْقُونَ صُرَّةَ الدَّرَاهِمِ وَيَرْقُبُونَهَا ، فَإِذَا جَاءَ مَنْ لَحَظَهَا فَرَفَعَهَا صَاحُوا بِهِ وَخَجِلُوهُ ، فَعَلَّمَهُمْ أَبُو الْأَشْعَثِ أَنْ يَتَّخِذُوا صُرَّةً فِيهَا زُجَاجٌ فَإِذَا أَخَذُوا صُرَّةَ الدَّرَاهِمِ فَصَاحَ صَاحِبُهَا وَضَعُوا بَدَلَهَا فِي الْحَالِ صُرَّةَ الزُّجَاجِ ، انْتَهَى ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : مَجَنَ مُجُونًا صَلُبَ وَغَلُظَ ، وَمِنْهُ الْمَاجِنُ لِمَنْ لَا يُبَالِي قَوْلًا وَفِعْلًا كَأَنَّهُ صُلْبُ الْوَجْهِ وَقَدْ مَجَنَ مُجُونًا وَمَجَانَةً وَمُجْنًا بِالضَّمِّ ، انْتَهَى ، وَقَالَ فِي الصُّرَاحِ : مَجَنَ مُجُونٌ بيباكي مَجَنَ يَمْجُنُ مَجَانَةً كَذَلِكَ فَهُوَ مَاجِنٌ وَهُمْ مُجَّانٌ بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ ، انْتَهَى . ( نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيُّ ) أَبُو الْمُنْذِرِ الْبَصْرِيُّ صَدُوقٌ يَهِمُ مِنَ الثَّامِنَةِ ، قَوْلُهُ : ( يَا صَفِيَّةُ ) بِالرَّفْعِ ( بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ) بِالنَّصْبِ وَكَذَا قَوْلُهُ يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ، وَصَفِيَّةُ هَذِهِ هِيَ عَمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ ) أَيْ مِنْ عَذَابِهِ ( شَيْئًا ) أَيْ مِنَ الْمِلْكِ وَالْقُدْرَةِ وَالدَّفْعِ وَالْمَنْفَعَةِ ، وَالْمَعْنَى أَنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أَدْفَعَ عَنْكُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَكُمْ وَهُوَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ ( سَلُونِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمْ ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ رحمه الله : أَرَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْمَالِ الْمَعْرُوفِ فِي شَيْءٍ وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِهِ عَمَّا يَمْلِكُهُ مِنَ الْأَمْرِ وَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنَا أَنَّهُ كَانَ ذَا مَالٍ لَا سِيَّمَا بِمَكَّةَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْكَلِمَتَيْنِ أَعْنِي مِنْ وَمَا وَقَعَ الْفَصْلُ فِيهِمَا مِنْ بَعْضِ مَنْ لَمْ يُحَقِّقْهُ مِنَ الرُّوَاةِ فَكَتَبَهُمَا مُنْفَصِلَتَيْنِ ، انْتَهَى ، قَالَ الْقَارِي : وَفِيهِ أَنَّهُ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى أَيْ بِمَالِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَلَى مَا قَالَهُ الْمُفَسِّرُونَ ، وَأَيْضًا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ عَدَمِ وُجُودِ الْمَالِ الْحَاضِرِ لِلْجَوَادِ أَنْ لَا يَدْخُلَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ مِنَ الْمَالِ فِي الِاسْتِقْبَالِ ، فَيُحْمَلُ الْوَعْدُ الْمَذْكُورُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ ، وَمَهْمَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ لِتَصْحِيحِ الدِّرَايَةِ تَعَيَّنَ عَدَمُ التَّخْطِئَةِ فِي الرِّوَايَةِ انْتَهَى ، وَقَالَ الْحَافِظُ : وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِقَوْلِهِ : يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ ; أَنَّ النِّيَابَةَ لَا تَدْخُلُ فِي أَعْمَالِ الْبِرِّ ، إِذْ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَكَانَ يَتَحَمَّلُ عَنْهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يُخَلِّصُهَا ، فَإِذَا كَانَ عَمَلُهُ لَا يَقَعُ نِيَابَةً عَنِ ابْنَتِهِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى بِالْمَنْعِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ يَشْفَعُ فِيمَنْ أَرَادَ وَتُقْبَلُ شَفَاعَتُهُ حَتَّى يُدْخِلَ قَوْمًا الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَيَرْفَعَ دَرَجَاتِ قَوْمٍ آخَرِينَ ، وَيُخْرِجَ مِنَ النَّارِ مَنْ دَخَلَهَا بِذُنُوبِهِ ، أَوْ كَانَ الْمَقَامُ مَقَامَ التَّخْوِيفِ وَالتَّحْذِيرِ ، أَوْ أَنَّهُ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي الْحَضِّ عَلَى الْعَمَلِ ، وَيَكُونُ فِي قَوْلِهِ لَا أُغْنِي شَيْئًا إِضْمَارٌ إِلَّا إِنْ أَذِنَ اللَّهُ لِي بِالشَّفَاعَةِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي مُوسَى ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي التَّفْسِيرِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي التَّفْسِيرِ . اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ إِنْ كَانَتْ وَقَعَتْ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ بِمَكَّةَ فَلَمْ يُدْرِكْهَا ابْنُ عَبَّاسٍ لِأَنَّهُ وُلِدَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ ، وَلَا أَبُو هُرَيْرَةَ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَسْلَمَ بِالْمَدِينَةِ ، وَفِي نِدَاءِ فَاطِمَةَ يَوْمَئِذٍ أَيْضًا مَا يَقْتَضِي تَأَخُّرَ الْقِصَّةِ لِأَنَّهَا كَانَتْ حِينَئِذٍ صَغِيرَةً أَوْ مُرَاهِقَةً ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ ; وَرِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ لَهَا مِنْ مُرْسَلِ الصَّحَابَةِ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ أَنَّ أَبَا لَهَبٍ كَانَ حَاضِرًا لِذَلِكَ وَهُوَ مَاتَ فِي أَيَّامِ بَدْرٍ ، وَمَرَّةً بَعْدَ ذَلِكَ حَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ تُدْعَى فِيهَا فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلَامُ أَوْ يَحْضُرَ ذَلِكَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَوِ ابْنُ عَبَّاسٍ ، كَذَا قَالَ الْحَافِظُ فِي بَابِ مَنِ انْتَسَبَ إِلَى آبَائِهِ فِي الْإِسْلَامِ وَالْجَاهِلِيَّةِ ، وَقَالَ فِي بَابِ قَوْلِهِ : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ مِنْ كِتَابِ التَّفْسِيرِ تَحْتَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا لَفْظُهُ : وَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنِي هَاشِمٍ وَنِسَاءَهُ وَأَهْلَهُ فَقَالَ : يَا بَنِي هَاشِمٍ اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ وَاسْعَوْا فِي فِكَاكِ رِقَابِكُمْ ، يَا عَائِشَةُ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ، يَا حَفْصَةُ بِنْتَ عُمَرَ ، يَا أُمَّ سَلَمَةَ فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا ، فَهَذَا إِنْ ثَبَتَ دَلَّ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ لِأَنَّ الْقِصَّةَ الْأُولَى وَقَعَتْ بِمَكَّةَ بِتَصْرِيحِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ يَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ صَعِدَ الصَّفَا وَلَمْ تَكُنْ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ ، وَأُمُّ سَلَمَةَ عِنْدَهُ وَمِنْ أَزْوَاجِهِ إِلَّا بِالْمَدِينَةِ ، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُتَأَخِّرَةً عَنِ الْأُولَى فَيُمْكِنُ أَنْ يَحْضُرَهَا أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا ، وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ لَمَّا نَزَلَتْ جَمَعَ أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْجَمْعَ وَقَعَ عَلَى الْفَوْرِ ، وَلَعَلَّهُ كَانَ نَزَلَ أَوَّلًا وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ فَجَمَعَ قُرَيْشًا فَعَمَّ ثُمَّ خَصَّ ، ثُمَّ نَزَلَ ثَانِيًا وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ، فَخَصَّ بِذَلِكَ بَنِي هَاشِمٍ وَنِسَاءَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي التَّفْسِيرِ وَصَحَّحَهُ .
بَاب ما جاء فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا 2307 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، أخبرنا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، نَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ مُوَرِّقٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ لِلَّهِ ساجدا ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ . وَفِي الْبَاب عن عائشة وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَيُرْوَى مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ : لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ ويروى عن أبي ذر موقوفا . بَاب ما جاء فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ تَعْلَمُونَ إلخ قَوْلُهُ : ( عَنْ مُوَرِّقٍ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ ابْنُ مُشَمْرِجٍ ، قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا جِيمٌ : ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعِجْلِيُّ الْبَصْرِيُّ ، ثِقَةٌ عَابِدٌ ، مِنْ كِبَارِ الثَّالِثَةِ ، وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : مُشَمْرَجٌ بِفَتْحِ الرَّاءِ كَمُدَحْرَجٍ . قَوْلُهُ : ( إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ ) أَيْ أُبْصِرُ مَا لَا تُبْصِرُونَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ : وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ ( أَطَّتِ السَّمَاءُ ) بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ مِنَ الْأَطِيطِ ، وَهُوَ صَوْتُ الْأَقْتَابِ ، وَأَطِيطُ الْإِبِلِ أَصْوَاتُهَا وَحَنِينُهَا عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ أَيْ صَوَّتَتْ ( وَحُقَّ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ وَيَسْتَحِقُّ وَيَنْبَغِي ( لَهَا أَنْ تَئِطَّ ) أَيْ تُصَوِّتَ ( مَا فِيهَا ) أَيْ لَيْسَ فِي السَّمَاءِ جِنْسُهَا ( مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ ) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ لِلظَّرْفِ الْمُعْتَمِدِ عَلَى حَرْفِ ( إِلَّا وَمَلَكٌ ) أَيْ فِيهِ مَلَكٌ ( وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ لِلَّهِ سَاجِدًا ) قَالَ الْقَارِي : أَيْ مُنْقَادًا لِيَشْمَلَ مَا قِيلَ إِنَّ بَعْضَهُمْ قِيَامٌ وَبَعْضَهُمْ رُكُوعٌ وَبَعْضَهُمْ سُجُودٌ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْهُمْ : وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ أَوْ خَصَّهُ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ مِنْهُمْ ، أَوْ هَذَا مُخْتَصٌّ بِإِحْدَى السَّمَاوَاتِ . قَالَ : ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ أَرْبَعَةً بِغَيْرِ هَاءٍ فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ ، وَابْنِ مَاجَهْ وَمَعَ الْهَاءِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَبَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ وَسَبَبُهُ أَنَّ الْإِصْبَعَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : أَيْ أَنَّ كَثْرَةَ مَا فِيهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ قَدْ أَثْقَلَهَا حَتَّى أَطَّتْ ، وَهَذَا مَثَلٌ وَإِيذَانٌ بِكَثْرَةِ الْمَلَائِكَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ أَطِيطٌ وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامُ تَقْرِيبٍ أُرِيدَ بِهِ تَقْرِيرُ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، انْتَهَى ، قَالَ الْقَارِي : مَا الْمُحْوِجُ عَنْ عُدُولِ كَلَامِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْمَجَازِ مَعَ إِمْكَانِهِ عَقْلًا وَنَقْلًا حَيْثُ صَرَّحَ بِقَوْلِهِ : وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ مَعَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَطِيطُ السَّمَاءِ صَوْتُهَا بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّقْدِيسِ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ( عَلَى الْفُرُشِ ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ فِرَاشٍ ( لَخَرَجْتُمْ ) أَيْ مِنْ مَنَازِلِكُمْ ( إِلَى الصُّعُدَاتِ ) بِضَمَّتَيْنِ أَيِ الطُّرُقِ وَهِيَ جَمْعُ صُعُدٍ وَصُعُدٌ جَمْعُ صَعِيدٍ كَطَرِيقٍ وَطُرُقٍ وَطُرُقَاتٍ وَقِيلَ : هِيَ جَمْعُ صُعْدَةٍ كَظُلْمَةٍ وَهِيَ فِنَاءُ بَابِ الدَّارِ وَمَمَرُّ النَّاسِ بَيْنَ يَدَيْهِ ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالصُّعُدَاتِ هُنَا الْبَرَارِيُّ وَالصَّحَارِي ( تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ ) أَيْ تَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ بِالدُّعَاءِ لِيَدْفَعَ عَنْكُمُ الْبَلَاءَ ( لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ تُقْطَعُ وَتُسْتَأْصَلُ ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَمَا سَتَعْرِفُ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَنَسٍ ) أَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُمَا ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ وَفِي الرِّقَاقِ وَفِي الِاعْتِصَامِ ، وَمُسْلِمٌ فِي فَضَائِلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي التَّفْسِيرِ ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الرَّقَائِقِ ، وَابْنُ مَاجَهْ فِي الزُّهْدِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ . قَوْلُهُ : ( وَيُرْوَى مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ : لَوَدِدْتُ إِلَخْ ) رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَفِيهِ : ( تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ ) ، قَالَ : فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ : ( وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ ) .
2308 حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا . حَدِيثٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ ) أَيْ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ لِلْعُصَاةِ وَشِدَّةِ الْمُنَاقَشَةِ يَوْمَ الْحِسَابِ ( لَضَحِكْتُمْ ) جَوَابُ لَوْ ( وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ) أَيْ بُكَاءً كَثِيرًا أَوْ زَمَانًا كَثِيرًا أَيْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَرْجِيحًا لِلْخَوْفِ عَلَى الرَّجَاءِ ، وَخَوْفًا مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ هُنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِعَظَمَةِ اللَّهِ وَانْتِقَامِهِ مِمَّنْ يَعْصِيهِ ، وَالْأَهْوَالُ الَّتِي تَقَعُ عِنْدَ النِّزْعِ وَالْمَوْتِ وَفِي الْقَبْرِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَمُنَاسَبَةُ كَثْرَةِ الْبُكَاءِ وَقِلَّةِ الضَّحِكِ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَاضِحَةٌ ، وَالْمُرَادُ بِهِ التَّخْوِيفُ ، وَقَدْ جَاءَ لِهَذَا الْحَدِيثِ سَبَبٌ أَخْرَجَهُ سُنَيْدٌ فِي تَفْسِيرِهِ بِسَنَدٍ وَاهٍ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَإِذَا بِقَوْمٍ يَتَحَدَّثُونَ وَيَضْحَكُونَ فَقَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ : مَنْ عَلِمَ أَنَّ الْمَوْتَ مَوْرِدُهُ ، وَالْقِيَامَةَ مَوْعِدُهُ ، وَالْوُقُوفَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ مَشْهَدُهُ ، فَحَقُّهُ أَنْ يَطُولَ فِي الدُّنْيَا حُزْنُهُ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ .
2300 حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ الصَّوَّافُ ، نَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِي طَارِقٍ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ يَأْخُذُ عَنِّي هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ فَيَعْمَلُ بِهِنَّ أَوْ يُعَلِّمُ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : قُلْتُ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَخَذَ بِيَدِي فَعَدَّ خَمْسًا وَقَالَ : اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا ، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا ، وَلَا تُكْثِرْ الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، وَالْحَسَنُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ شَيْئًا هَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَيُّوبَ ، وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ ، وَعَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ قَالُوا : لَمْ يَسْمَعْ الْحَسَنُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَرَوَى أَبُو عُبَيْدَةَ النَّاجِيُّ ، عَنْ الْحَسَنِ هَذَا الْحَدِيثَ قَوْلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ الصَّوَّافُ ) أَبُو مُحَمَّدٍ النُّمَيْرِيُّ بِضَمِّ النُّونِ ، ثِقَةٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ ( عَنْ أَبِي طَارِقٍ ) السَّعْدِيِّ الْبَصْرِيِّ ، مَجْهُولٌ مِنَ السَّابِعَةِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ رَوَى عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثَ : مَنْ يَأْخُذُ عَنِّي هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ ، وَعَنْهُ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ ، انْتَهَى ، وَقَالَ فِي الْمِيزَانِ : لَا يُعْرَفُ ( عَنِ الْحَسَنِ ) هُوَ الْبَصْرِيُّ . قَوْلُهُ : ( مَنْ يَأْخُذُ عَنِّي هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ ) أَيِ الْأَحْكَامَ الْآتِيَةَ لِلسَّامِعِ الْمُصَوَّرَةَ فِي ذِهْنِ الْمُتَكَلِّمِ وَمَنْ لِلِاسْتِفْهَامِ ( فَيَعْمَلُ بِهِنَّ أَوْ يُعَلِّمُ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ ) أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ رحمه الله ، قَالَ الْقَارِي وَتَبِعَهُ غَيْرُهُ : وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَوْ فِي الْآيَةِ لِلتَّنْوِيعِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَيْضَاوِيُّ بِقَوْلِهِ : عُذْرًا لِلْمُحَقِّقِينَ أَوْ نَذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ أَوْ فِي الْحَدِيثِ بِمَعْنَى بَلْ إِشَارَةً إِلَى التَّرَقِّي مِنْ مَرْتَبَةِ الْكَمَالِ إِلَى مِنَصَّةِ التَّكْمِيلِ عَلَى أَنَّ كَوْنَهَا لِلتَّنْوِيعِ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ ، وَتَنْبِيهٌ نَبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْعَاجِزَ عَنْ فِعْلِهِ قَدْ يَكُونُ بَاعِثًا لِغَيْرِهِ عَلَى مِثْلِهِ كَقَوْلِهِ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ انْتَهَى . ( قُلْتُ أَنَا ) أَيِ آخُذُ عَنْكَ وَهَذِهِ مُبَايَعَةٌ خَاصَّةٌ ، وَنَظِيرُهُ مَا عَاهَدَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِأَنَّهُ لَا يَسْأَلُ مَخْلُوقًا ، وَكَانَ إِذَا وَقَعَ سَوْطُهُ مِنْ يَدِهِ وَهُوَ رَاكِبٌ نَزَلَ وَأَخَذَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ( فَأَخَذَ بِيَدِي ) أَيْ لِعَدِّ الْكَلِمَاتِ الْخَمْسِ أَوْ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْخُذُ عِنْدَ التَّعْلِيمِ بِيَدِ مَنْ يُعَلِّمُهُ ( فَعَدَّ خَمْسًا ) أَيْ مِنَ الْخَصَائِلِ أَوْ مِنَ الْأَصَابِعِ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ ( وَقَالَ اتَّقِ الْمَحَارِمَ ) أَيِ احْذَرِ الْوُقُوعَ فِيمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ ( تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ ) أَيْ مِنْ أَعْبَدْهُمْ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ الْمَحَارِمِ فِعْلُ الْفَرَائِضِ . ( وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ ) أَيْ أَعْطَاكَ ( تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ ) فَإِنَّ مَنْ قَنَعَ بِمَا قُسِمَ لَهُ وَلَمْ يَطْمَعْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ اسْتَغْنَى عَنْهُمْ ، لَيْسَ الْغِنَى بِكَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ ، قَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ : سَأَلَ شَخْصٌ السَّيِّدَ أَبَا الْحَسَنِ الشَّاذُلِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنِ الْكِيمْيَاءِ فَقَالَ : هِيَ كَلِمَتَانِ ، اطْرَحِ الْخَلْقَ عَنْ نَظَرِكَ ، وَاقْطَعْ طَمَعَكَ عَنِ اللَّهِ أَنْ يُعْطِيَكَ غَيْرَ مَا قَسَمَ لَكَ ( وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ ) أَيْ مُجَاوِرِكَ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ ( تَكُنْ مُؤْمِنًا ) أَيْ كَامِلَ الْإِيمَانِ ( وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ ) مِنَ الْخَيْرِ ( تَكُنْ مُسْلِمًا ) أَيْ كَامِلَ الْإِسْلَامِ ( وَلَا تُكْثِرِ الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ ) أَيْ تُصَيِّرُهُ مَغْمُورًا فِي الظُّلُمَاتِ ، بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ الَّذِي لَا يَنْفَعُ نَفْسَهُ بِنَافِعَةٍ وَلَا يَدْفَعُ عَنْهَا مَكْرُوهًا ، وَذَا مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ ( هَذَا حَدِيثُ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : الْحَسَنُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ بِنَحْوِهِ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ وَاثِلَةَ عَنْهُ ، وَقَدْ سَمِعَ مَكْحُولٌ مِنْ وَاثِلَةَ قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ لَكِنَّ بَقِيَّةَ إِسْنَادِهِ فِيهِ ضَعْفٌ .
بسم الله الرحمن الرحيم أبواب الزُّهْدِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 2299 حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَسُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ صَالِحٌ : ثَنَا وَقَالَ سُوَيْدٌ : أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ وَرَفَعُوهُ وَوْقَفَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ( أَبْوَابُ الزُّهْدِ إِلَخْ ) هُوَ ضِدُّ الرَّغْبَةِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ : زَهِدَ فِيهِ كَمَنَعَ وَسَمِعَ وَكَرُمَ زُهْدًا وَزَهَادَةً ضِدُّ رَغِبَ ، انْتَهَى ، وَالْمُرَادُ هُنَا تَرْكُ الرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيَا عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ . قَوْلُهُ : ( نِعْمَتَانِ ) مُبْتَدَأٌ ( مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ) صِفَةٌ لَهُ أَوْ خَبَرُهُ ( الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ ) أَيْ صِحَّةُ الْبَدَنِ وَفَرَاغُ الْخَاطِرِ بِحُصُولِ الْأَمْنِ وَوُصُولِ كِفَايَةِ الْأَمْنِيَّةِ ، وَالْمَعْنَى لَا يَعْرِفُ قَدْرَ هَاتَيْنِ النِّعْمَتَيْنِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ حَيْثُ لَا يَكْسِبُونَ فِيهِمَا مِنَ الْأَعْمَالِ كِفَايَةَ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي مَعَادِهِمْ فَيَنْدَمُونَ عَلَى تَضْيِيعِ أَعْمَارِهِمْ عِنْدَ زَوَالِهَا ، وَلَا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ قَالَ تَعَالَى : ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسَ يَتَحَسَّرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَّا عَلَى سَاعَةٍ مَرَّتْ بِهِمْ وَلَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهَا . وَفِي حَاشِيَةِ السُّيُوطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ الْعُلَمَاءُ : مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَتَفَرَّغُ لِلطَّاعَةِ إِلَّا إِذَا كَانَ مَكْفِيًّا صَحِيحَ الْبَدَنِ فَقَدْ يَكُونُ مُسْتَغْنِيًا وَلَا يَكُونُ صَحِيحًا ، وَقَدْ يَكُونُ صَحِيحًا وَلَا يَكُونُ مُسْتَغْنِيًا فَلَا يَكُونُ مُتَفَرِّغًا لِلْعِلْمِ وَالْعَمَلِ لِشَغْلِهِ بِالْكَسْبِ ، فَمَنْ حَصَلَ لَهُ الْأَمْرَانِ وَكَسِلَ عَنِ الطَّاعَةِ فَهُوَ الْمَغْبُونُ أَيِ الْخَاسِرُ فِي التِّجَارَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْغَبْنِ فِي الْبَيْعِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ) هُوَ بُنْدَارٌ ( نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ) هُوَ الْقَطَّانُ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ ثُمَّ قَالَ : قَالَ بُنْدَارٌ بِمَا حَدَّثَ بِهِ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ وَلَمْ يَرْفَعْهُ كَذَا فِي الْفَتْحِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ) لِيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
بَاب مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ 2304 حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نَا أَبُو دَاوُدَ ، نَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ قَال : سَمِعْتُ أَنَسًا يُحَدِّثُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ وَأَبِي مُوسَى وأنس . حَدِيثُ عُبَادَةَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ . باب مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ قَوْلُهُ : ( يُحَدِّثُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ إِلَخْ ) تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ مَعَ شَرْحِهِ فِي بَابِ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَائِزِ .
بَاب ما جاء مَنْ تَكَلَّمَ بِالْكَلِمَةِ لِيُضْحِكَ النَّاسَ 2309 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، ثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . بَاب ما جاء مَنْ تَكَلَّمَ بِالْكَلِمَةِ لِيُضْحِكَ النَّاسَ قَوْلُهُ : ( إِنَّ الرَّجُلَ ) يَعْنِي الْإِنْسَانَ ( بِالْكَلِمَةِ ) أَيِ الْوَاحِدَةِ ( لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا ) أَيْ سُوءًا ، يَعْنِي لَا يَظُنُّ أَنَّهَا ذَنْبٌ يُؤَاخَذُ بِهِ ( يَهْوِي بِهَا ) أَيْ يَسْقُطُ بِسَبَبِ تِلْكَ الْكَلِمَةِ يُقَالُ : هَوَى يَهْوِي كَرَمَى يَرْمِي هَوِيًّا بِالْفَتْحِ سَقَطَ إِلَى أَسْفَلَ ، كَذَا فِي مُخْتَارِ الصِّحَاحِ ( سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ ) لِمَا فِيهَا مِنَ الْأَوْزَارِ الَّتِي غَفَلَ عَنْهَا ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَكُونُ دَائِمًا فِي صُعُودٍ وَهَوِيٍّ ، فَالسَّبْعِينَ لِلتَّكْثِيرِ لَا لِلتَّحْدِيدِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمُ .
2310 حَدَّثَنَا بندار ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، ثَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ ، ثَنِي أَبِي ، عَنْ جَدِّي قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ فَيَكْذِبُ وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ . قَوْلُهُ : ( وَيْلٌ ) أَيْ هَلَاكٌ عَظِيمٌ أَوْ وَادٍ عَمِيقٌ ( لِيُضْحِكَ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْحَاءِ مِنَ الْإِضْحَاكِ ( بِهِ ) أَيْ بِسَبَبِ تَحْدِيثِهِ أَوِ الْكَذِبِ ( الْقَوْمَ ) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ وَيَجُوزُ فَتْحُ الْيَاءِ وَالْحَاءِ وَرَفْعُ الْقَوْمِ ثُمَّ الْمَفْهُومُ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا حَدَّثَ بِحَدِيثِ صِدْقٍ لِيُضْحِكَ الْقَوْمَ فَلَا بَأْسَ بِهِ كَمَا صَدَرَ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ غَضِبَ عَلَى بَعْضِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ، قَالَ الْغَزَالِيُّ : وَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ مِزَاحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَكُونُ إِلَّا حَقًّا وَلَا يُؤْذِي قَلْبًا وَلَا يُفْرِطُ فِيهِ ، فَإِنْ كُنْتَ أَيُّهَا السَّامِعُ تَقْتَصِرُ عَلَيْهِ أَحْيَانًا وَعَلَى النُّدُورِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْكَ ، وَلَكِنْ مِنَ الْغَلَطِ الْعَظِيمِ أَنْ يَتَّخِذَ الْإِنْسَانُ الْمِزَاحَ حِرْفَةً ، وَيُوَاظِبَ عَلَيْهِ وَيُفْرِطَ فِيهِ ثُمَّ يَتَمَسَّكُ بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَهُوَ كَمَنْ يَدُورُ مَعَ الزُّنُوجِ أَبَدًا لِيَنْظُرَ إِلَى رَقْصِهِمْ ، وَيَتَمَسَّكُ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي النَّظَرِ إِلَيْهِمْ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ( وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ ) كَرَّرَهُ إِيذَانًا بِشِدَّةِ هَلَكَتِهِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكَذِبَ وَحْدَهُ رَأْسُ كُلِّ مَذْمُومٍ وَجِمَاعُ كُلِّ شَرٍّ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ، وَلِأَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ آخَرُ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ فِي بَابِ حِفْظِ اللِّسَانِ ، قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالدَّارِمِيُّ .
بَاب مَا جَاءَ فِي ذِكْرِ الْمَوْتِ 2302 حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ يَعْنِي الْمَوْتَ . هذا حديث غريب حسن وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي سَعِيدٍ . باب ما جاء في ذكر الموت قَوْلُهُ : ( أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ : أَيْ قَاطِعَهَا ، قَالَ مَيْرَكُ : صَحَّحَ الطِّيبِيُّ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ حَيْثُ قَالَ : شَبَّهَ اللَّذَّاتِ الْفَانِيَةَ وَالشَّهَوَاتِ الْعَاجِلَةَ ثُمَّ زَوَالَهَا بِبِنَاءٍ مُرْتَفِعٍ يَنْهَدِمُ بِصَدَمَاتٍ هَائِلَةٍ ، ثُمَّ أَمَرَ الْمُنْهَمِكَ فِيهَا بِذِكْرِ الْهَادِمِ لِئَلَّا يَسْتَمِرَّ عَلَى الرُّكُونِ إِلَيْهَا ، وَيَشْتَغِلَ عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الْفِرَارِ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ انْتَهَى كَلَامُهُ ، لَكِنْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ فِي الْمُهِمَّاتِ : الْهَاذِمُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ هُوَ الْقَاطِعُ كَمَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا ، وَقَدْ صَرَّحَ السُّهَيْلِيُّ فِي الرَّوْضِ الْأُنُفِ بِأَنَّ الرِّوَايَةَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ، ذَكَرَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَتْلِ وَحْشِيٍّ ، لِحَمْزَةَ ، وَقَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ : هَادِمٌ يُرْوَى بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ دَافِعُهَا أَوْ مُخَرِّبُهَا ، وَبِالْمُعْجَمَةِ أَيْ قَاطِعُهَا ، وَاخْتَارَهُ بَعْضٌ مِنْ مَشَائِخِنَا وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُصَحِّحِ الْخَطَّابِيُّ غَيْرَهُ وَجَعَلَ الْأَوَّلَ مِنْ غَلَطِ الرُّوَاةِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ ( يَعْنِي الْمَوْتَ ) تَفْسِيرٌ مِنَ الرَّاوِي . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَزَادَ : فَإِنَّهُ مَا ذَكَرَهُ أَحَدٌ فِي ضِيقٍ إِلَّا وَسَّعَهُ وَلَا ذَكَرَهُ فِي سَعَةٍ إِلَّا ضَيَّقَهَا عَلَيْهِ كَذَا فِي التَّرْغِيبِ لِلْمُنْذِرِيِّ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي أَبْوَابِ صِفَةِ الْقِيَامَةِ ، وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه مَرْفُوعًا : أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ ، يَعْنِي الْمَوْتَ فَإِنَّهُ مَا كَانَ فِي كَثِيرٍ إِلَّا قَلَّلَهُ ، وَلَا قَلِيلٍ إِلَّا جَزَلَهُ ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَالْبَيْهَقِيُّ .
باب : 2303 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، نَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، نَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَحِيرٍ أَنَّهُ سَمِعَ هَانِئًا مَوْلَى عُثْمَانَ قَالَ : كَانَ عُثْمَانُ إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ فَقِيلَ لَهُ : تُذْكَرُ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلَا تَبْكِي وَتَبْكِي مِنْ هَذَا فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ ، فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ . قَالَ : وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلَّا الْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ باب : قَوْلُهُ : ( نَا يَحْيَى بْنُ مَعِينِ ) بْنِ عَوْنٍ الْغَطَفَانِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو زَكَرِيَّا الْبَغْدَادِيُّ ، ثِقَةٌ حَافِظٌ مَشْهُورٌ إِمَامُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ مِنَ الْعَاشِرَةِ ( نَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ) الصَّنْعَانِيُّ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَاضِي ثِقَةٌ مِنَ التَّاسِعَةِ ( نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَحِيرٍ ) بِفَتحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ابْنُ رَيْسَانَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ ، أَبُو وَائِلٍ الْقَاصُّ الصَّنْعَانِيُّ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَاضْطَرَبَ فِيهِ كَلَامُ ابْنِ حِبَّانَ ( أَنَّهُ سَمِعَ هَانِئًا مَوْلَى عُثْمَانَ ) كُنْيَتُهُ أَبُو سَعِيدٍ الْبَرْبَرِيُّ الدِّمَشْقِيُّ ، رَوَى عَنْ مَوْلَاهُ وَغَيْرِهِ وَعَنْهُ أَبُو وَائِلٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَحِيرٍ وَغَيْرُهُ ، قَالَ النَّسَائِيُّ : لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ . قَوْلُهُ : ( بَكَى حَتَّى يَبُلَّ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ بُكَاؤُهُ يَعْنِي دُمُوعَهُ ( لِحْيَتَهُ ) أَيْ يَجْعَلَهَا مَبْلُولَةً مِنَ الدُّمُوعِ ( فَلَا تَبْكِي ) أَيْ مِنْ خَوْفِ النَّارِ وَاشْتِيَاقِ الْجَنَّةِ ( وَتَبْكِي مِنْ هَذَا ) أَيْ مِنَ الْقَبْرِ يَعْنِي مِنْ أَجْلِ خَوْفِهِ ؟ قِيلَ : إِنَّمَا كَانَ يَبْكِي عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ ، أَمَّا الِاحْتِمَالُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ التَّبْشِيرِ بِالْجَنَّةِ عَدَمُ عَذَابِ الْقَبْرِ ، بَلْ وَلَا عَدَمُ عَذَابِ النَّارِ مُطْلَقًا مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ التَّبْشِيرُ مُقَيَّدًا بِقَيْدٍ مَعْلُومٍ أَوْ مُبْهَمٍ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَنْسَى الْبِشَارَةَ حِينَئِذٍ لِشِدَّةِ الْفَظَاعَةِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ خَوْفًا مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ كَمَا يَدُلُّ حَدِيثُ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَخْلُصْ مِنْهُ كُلُّ سَعِيدٍ إِلَّا الْأَنْبِيَاءُ ذَكَرَهُ الْقَارِي ( إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ ) وَمِنْهَا عُرْضَةُ الْقِيَامَةِ عِنْدَ الْعَرْضِ ، وَمِنْهَا الْوُقُوفُ عِنْدَ الْمِيزَانِ ، وَمِنْهَا الْمُرُورُ عَلَى الصِّرَاطِ ، وَمِنْهَا الْجَنَّةُ أَوِ النَّارُ ، وفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ ، وَآخِرُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الدُّنْيَا وَلِذَا يُسَمَّى الْبَرْزَخُ ( فَإِنْ نَجَا ) أَيْ خُلِّصَ الْمَقْبُورُ ( مِنْهُ ) أَيْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ( فَمَا بَعْدَهُ ) أَيْ مِنَ الْمَنَازِلِ ( أَيْسَرُ مِنْهُ ) أَيْ أَسْهَلُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ لَكُفِّرَ بِعَذَابِ الْقَبْرِ ( وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ ) أَيْ لَمْ يَتَخَلَّصْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَلَمْ يُكَفِّرْ ذُنُوبَهُ بِهِ وَبَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا يَسْتَحِقُّ الْعَذَابَ بِهِ ( فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ ) لِأَنَّ النَّارَ أَشَدُّ الْعَذَابِ وَالْقَبْرُ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النِّيرَانِ ( قَالَ ) أَيْ عُثْمَانُ ( مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالظَّاءِ أَيْ مَوْضِعًا يُنْظَرُ إِلَيْهِ وَعَبَّرَ عَنِ الْمَوْضِعِ بِالْمَنْظَرِ مُبَالَغَةً لِأَنَّهُ إِذَا نُفِيَ الشَّيْءُ مَعَ لَازِمِهِ يَنْتَفِي بِالطَّرِيقِ الْبُرْهَانِيِّ ( قَطُّ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْمَضْمُومَةِ : أَيْ أَبَدًا وَهُوَ لَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي الْمَاضِي ( إِلَّا الْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ ) مِنْ فَظُعَ الْأَمْرُ كَكَرُمَ اشْتَدَّتْ شَنَاعَتُهُ وَجَاوَزَ الْمِقْدَارَ فِي ذَلِكَ ، يَعْنِي أَشَدُّ وَأَفْظَعُ وَأَنْكَرُ مِنْ ذَلِكَ الْمَنْظَرِ . قِيلَ : الْمُسْتَثْنَى جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مِنْ مَنْظَرٍ وَهُوَ مَوْصُوفٌ حُذِفَتْ صِفَتُهُ ، أَيْ مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا فَظِيعًا عَلَى حَالَةٍ مِنْ أَحْوَالِ الْفَظَاعَةِ ، إِلَّا فِي حَالَةِ كَوْنِ الْقَبْرِ أَقْبَحَ مِنْهُ ، فَالِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَزَادَ رَزِينٌ فِيهِ مِمَّا لَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ هَانِئٌ : وَسَمِعْتُ عُثْمَانَ يَنْشُدُ عَلَى قَبْرٍ : فَإِنْ تَنْجُ مِنْ ذِي عَظِيمَةٍ وَإِلَّا فَإِنِّي لَا أَخَالُكَ نَاجِيًا انْتَهَى ، وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَاعْتُرِضَ قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ .
بَاب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الْبُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تعالى 2306 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَسْعُودِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ ، وَلَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ مَدَنِيٌّ ثِقَةٌ رَوَى عَنْهُ شُعْبَةُ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ بَاب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الْبُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تعالى قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الْكُوفِيِّ الْمَسْعُودِيِّ صَدُوقٌ اخْتَلَطَ قَبْلَ مَوْتِهِ ، وَضَابِطُهُ أَنَّ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ بِبَغْدَادَ فَبَعْدَ الِاخْتِلَاطِ مِنَ السَّابِعَةِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : قَالَ أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ : إِنِّي لَأَعْرِفُ الْيَوْمَ الَّذِي اخْتَلَطَ فِيهِ الْمَسْعُودِيُّ ، كُنَّا عِنْدَهُ وَهُوَ يُعَزَّى فِي ابْنٍ لَهُ إِذْ جَاءَهُ إِنْسَانٌ فَقَالَ له : إن غُلَامَكَ أَخَذَ مِنْ مَالِكَ عَشْرَةَ آلَافٍ وَهَرَبَ ، فَفَرَغَ وَقَامَ فَدَخَلَ فِي مَنْزِلِهِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا وَقَدِ اخْتَلَطَ ، انْتَهَى ، ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) بْنِ عُبَيْدٍ الْقُرَشِيِّ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ ، كُوفِيٌّ ثِقَةٌ مِنَ السَّادِسَةِ . قَوْلُهُ : ( لَا يَلِجُ ) مِنَ الْوُلُوجِ أَيْ لَا يَدْخُلُ ( رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ) فَإِنَّ الْغَالِبَ مِنَ الْخَشْيَةِ امْتِثَالُ الطَّاعَةِ وَاجْتِنَابُ الْمَعْصِيَةِ ( حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ ) هَذَا مِنْ بَابِ التَّعْلِيقِ بِالْمُحَالِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ( وَلَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) أَيْ فِي الْجِهَادِ ( وَدُخَانُ جَهَنَّمَ ) فَكَأَنَّهُمَا ضِدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي بَابِ فَضْلِ الْغُبَارِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ أَبْوَابِ فَضَائِلِ الْجِهَادِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ) ، أَمَّا حَدِيثُ أَبِي رَيْحَانَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ مَرْفُوعًا : حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ دَمَعَتْ أَوْ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ، وَحُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَذَكَرَ عَيْنًا ثَالِثَةً ، وَأَخْرَجَهُ أيضا النَّسَائِيُّ ، وَالْحَاكِمُ ، وَقَالَ : صَحِيحُ الْإِسْنَادِ ، كَذَا فِي التَّرْغِيبِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ فَضْلِ الْحَرْسِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ أَبْوَابِ فَضَائِلِ الْجِهَادِ .
2312 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا : نَا أَبُو مُسْهِرٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَمَاعَةَ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ قُرَّةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . قَوْلُهُ : ( أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ ) الزَّاهِدُ الْمُقْرِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ثِقَةٌ فَقِيهٌ حَافِظٌ مِنَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ( نَا أَبُو مُسْهِرٍ ) اسْمُهُ عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ مُسْهِرٍ الْغَسَّانِيُّ الدِّمَشْقِيُّ ، ثِقَةٌ فَاضِلٌ مِنْ كِبَارِ الْعَاشِرَةِ ( عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَمَاعَةَ ) الْعَدَوِيِّ مَوْلَى آلِ عُمَرَ الرَّمْلِيِّ ، وَقَدْ يُنْسَبُ إِلَى جَدِّهِ ، ثِقَةٌ ، قَدِيمُ الْمَوْتِ مِنَ الثَّامِنَةِ ( عَنْ قُرَّةَ ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ حَيوَئِيلَ وَزْنُ جَبْرَئِيلَ الْمَعَافِرِيُّ الْبَصْرِيُّ ، يُقَالُ اسْمُهُ يَحْيَى ، صَدُوقٌ لَهُ مَنَاكِيرُ مِنَ السَّابِعَةِ . قَوْلُهُ : ( مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ ) أَيْ مِنْ جُمْلَةِ مَحَاسِنِ إِسْلَامِ الْإِنْسَانِ وَكَمَالِ إِيمَانِهِ ( تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ ) قَالَ ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ فِي كِتَابِ جَامِعِ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا لَفْظُهُ : مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِهِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ مِنْ قَوْلٍ وَفِعْلٍ ، وَاقْتِصَارُهُ عَلَى مَا يَعْنِيهِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ ، وَمَعْنَى يَعْنِيهِ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ عِنَايَتُهُ بِهِ وَيَكُونُ مِنْ مَقْصِدِهِ وَمَطْلُوبِهِ ، وَالْعِنَايَةُ شِدَّةُ الِاهْتِمَامِ بِالشَّيْءِ ، يُقَالُ عَنَاهُ يَعْنِيهِ : إِذَا اهْتَمَّ بِهِ وَطَلَبَهُ ، وَإِذَا حَسُنَ الْإِسْلَامُ اقْتَضَى تَرْكَ مَا لَا يُعْنَى كُلَّهُ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمُشْتَبِهَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ وَفُضُولِ الْمُبَاحَاتِ الَّتِي لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهَا ، فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ لَا يَعْنِيهِ الْمُسْلِمُ إِذَا كَمُلَ إِسْلَامُهُ ، انْتَهَى مُخْتَصَرًا ، قَالَ الْقَارِي فِي مَعْنَى تَرْكِهِ مَا لَا يَعْنِيهِ : أَيْ مَا لَا يُهِمُّهُ وَلَا يَلِيقُ بِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا ، وَنَظَرًا وَفِكْرًا وَقَالَ : وَحَقِيقَةُ مَا لَا يَعْنِيهِ مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي ضَرُورَةِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ ، وَلَا يَنْفَعُهُ فِي مَرْضَاةِ مَوْلَاهُ بِأَنْ يَكُونَ عَيْشُهُ بِدُونِهِ مُمْكِنًا ، وَهُوَ فِي اسْتِقَامَةِ حَالِهِ بِغَيْرِهِ مُتَمَكِّنًا ، وَذَلِكَ يَشْمَلُ الْأَفْعَالَ الزَّائِدَةَ وَالْأَقْوَالَ الْفَاضِلَةَ ، قَالَ الْغَزَالِيُّ : وَحَدُّ مَا يَعْنِيكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ بِكُلِّ مَا لَوْ سَكَتَّ عَنْهُ لَمْ تَأْثَمْ ، وَلَمْ تَتَضَرَّرْ فِي حَالٍ وَلَا مَالٍ . وَمِثَالُهُ أَنْ تَجْلِسَ مَعَ قَوْمٍ فَتَحْكِي مَعَهُمْ أَسْفَارَكَ وَمَا رَأَيْتَ فِيهَا مِنْ جِبَالٍ وَأَنْهَارٍ ، وَمَا وَقَعَ لَكَ مِنَ الْوَقَائِعِ ، وَمَا اسْتَحْسَنْتُهُ مِنَ الْأَطْعِمَةِ وَالثِّيَابِ ، وَمَا تَعَجَّبْتَ مِنْهُ مِنْ مَشَايِخِ الْبِلَادِ وَوَقَائِعِهِمْ ، فَهَذِهِ أُمُورٌ لَوْ سَكَتََّ عَنْهَا لَمْ تَأْثَمْ وَلَمْ تَتَضَرَّرْ ، وَإِذَا بَالَغْتَ فِي الِاجْتِهَادِ حَتَّى لَمْ يَمْتَزِجْ بِحِكَايَتِكَ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ وَلَا تَزْكِيَةُ نَفْسٍ مِنْ حَيْثُ التَّفَاخُرِ بِمُشَاهَدَةِ الْأَحْوَالِ الْعَظِيمَةِ ، وَلَا اغْتِيَابٍ لِشَخْصٍ ، وَلَا مَذَمَّةٍ لِشَيْءٍ مِمَّا خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، فَأَنْتَ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ مُضَيِّعٌ زَمَانَكَ ، وَمُحَاسَبٌ عَلَى عَمَلِ لِسَانِكَ ؛ إِذْ تَسْتَبْدِلُ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ؛ لِأَنَّكَ لَوْ صَرَفْتَ زَيَّانَ الْكَلَامِ فِي الذِّكْرِ وَالْفِكْرِ ، رُبَّمَا يَنْفَتِحُ لَكَ مِنْ نَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَا يَعْظُمُ جَدْوَاهُ ، وَلَوْ سَبَّحْتَ اللَّهَ بُنِي لَكَ بِهَا قَصْرٌ فِي الْجَنَّةِ ، وَهَذَا عَلَى فَرْضِ السَّلَامَةِ مِنَ الْوُقُوعِ فِي كَلَامِ الْمَعْصِيَةِ ، وَأَنَّى لَا تَسْلَمَ مِنَ الْآفَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ ، وَقَالَ ابْنُ رَجَبٍ : هَذَا الْحَدِيثُ خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ قُرَّةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : غَرِيبٌ ، وَقَدْ حَسَّنَهُ الشَّيْخُ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي الْإِمَامَ النَّوَوِيَّ ؛ لِأَنَّ رِجَالَ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ ، وَقُرَّةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حيويلَ وَثَّقَهُ قَوْمٌ وَضَعَّفَهُ آخَرُونَ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا الْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِتَحْسِينِ الشَّيْخِ لَهُ ، وَأَمَّا أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ فَقَالُوا : لَيْسَ هُوَ بِمَحْفُوظٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، إِنَّمَا هُوَ مَحْفُوظٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا ، كَذَلِكَ رَوَاهُ الثِّقَاتُ عَنِ الزُّهْرِيِّ ؛ مِنْهُمْ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَيُونُسُ ، وَمَعْمَرُ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : مِنْ إِيمَانِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ ، وَمِمَّنْ قَالَ إِنَّهُ لَا يَصِحُّ إِلَّا عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ مُرْسَلًا الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، وَالْبُخَارِيُّ ، والدَّارَقُطْنِيُّ ، وَقَدْ خُلِطَ الضَّعْفُ فِي إِسْنَادِهِ عَلَى الزُّهْرِيِّ تَخْلِيطًا فَاحِشًا وَالصَّحِيحُ فِيهِ الْمُرْسَلُ ، وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَصَلَهُ ، وَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَخرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَالْعُمَرِيُّ لَيْسَ بِالْحَافِظِ ، وَخرَّجَهُ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْحُسَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا وَقَالَ : لَا يَصِحُّ إِلَّا عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ مُرْسَلًا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ .
2318 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكَهُ مَا لَا يَعْنِيهِ . هَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ قَوْلُهُ : ( عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ) بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ زَيْنِ الْعَابِدِينَ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ عَابِدٌ فَقِيهٌ فَاضِلٌ مَشْهُورٌ ، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : مَا رَأَيْتُ قُرَشِيًّا أَفْضَلَ مِنْهُ مِنَ الثَّالِثَةِ .
باب : 2311 حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْبَغْدَادِيُّ ، نَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، ثَنِي أَبِي ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَنَس بن مالك قَالَ : تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ يَعْنِي رَجُلًا أَبْشِرْ بِالْجَنَّةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوَلَا تَدْرِي فَلَعَلَّهُ تَكَلَّمَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ أَوْ بَخِلَ بِمَا لَا يَنْقُصُهُ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ . باب : قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْبَغْدَادِيُّ ) الْخَيَّاطُ أَبُو أَيُّوبَ صَدُوقٌ من الْحَادِيَةِ عَشْرَةَ ( نَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهُ مُثَلَّثَةٌ ابْنُ طَلْقٍ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ ، رُبَّمَا وَهِمَ مِنَ الْعَاشِرَةِ . قَوْلُهُ : ( تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ) أَيْ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِي الْمِشْكَاةِ مِنَ الصَّحَابَةِ ( فَقَالَ يَعْنِي رَجُلًا ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ رَجُلٌ ، أَيْ قَالَ رَجُلٌ لِلرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى ( أَبْشِرْ بِالْجَنَّةِ ) مِنْ بَابِ الْإِفْعَالِ أَيِ افْرَحْ بِهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ عَلِمَ أَوْ ضَرَبَ ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : أَبْشَرَ فَرِحَ وَمِنْهُ أَبْشِرْ بِخَيْرٍ وَبَشِرْتَ بِهِ كَعَلِمَ وَضَرَبَ سَرَرْتُ ( أَوَلَا تَدْرِي ) بِفَتْحِ الْوَاوِ عَلَى أَنَّهَا عَاطِفَةٌ عَلَى مَحْذُوفٍ أَيْ تُبَشِّرُ وَلَا تَدْرِي أَوْ تَقُولُ هذا ولا تدري ما تقول أَوَ عَلَى أَنَّهَا لِلْحَالِ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّكَ لَا تَدْرِي ( فَلَعَلَّهُ تَكَلَّمَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ ) أَيْ مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي ضَرُورَةِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ ( أَوْ بَخِلَ بِمَا لَا يَنْقُصُهُ ) الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْفُوعُ لِمَا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) قَالَ فِي الْمِرْقَاةِ : وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحَيْنِ إِلَّا سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْبَغْدَادِيَّ شَيْخَ التِّرْمِذِيِّ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ كَذَا فِي التَّصْحِيحِ انْتَهَى ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَنَقَلَ كَلَامَ التِّرْمِذِيِّ هَذَا مَا لَفْظُهُ : رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا ، وَأَبُو يَعْلَى ، عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا قَالَ : اسْتُشْهِدَ رَجُلٌ مِنَّا يَوْمَ أُحُدٍ فَوُجِدَ عَلَى بَطْنِهِ صَخْرَةٌ مَرْبُوطَةٌ مِنَ الْجُوعِ فَمَسَحَتْ أُمُّهُ التُّرَابَ عَنْ وَجْهِهِ وَقَالَتْ : هَنِيئًا لَكَ يَا بُنَيَّ الْجَنَّةُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا يُدْرِيكِ لَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ ، وَيَمْنَعُ مَا لَا يَضُرُّهُ . وَرَوَى أَبُو يَعْلَى أَيْضًا وَالْبَيْهَقِيُّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قُتِلَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهِيدًا فَبَكَتْ عَلَيْهِ بَاكِيَةٌ فَقَالَتْ : وَاشَهِيدَاهُ ، قَالَ : فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا يُدْرِيكِ أَنَّهُ شَهِيدٌ ؟ لَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ ، أَوْ يَبْخَلُ فِيمَا لَا يَنْقُصُهُ ، انْتَهَى . قُلْتُ : رِجَالُ حَدِيثِ الْبَابِ ثِقَاتٌ كَمَا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ ، لَكِنِ الْأَعْمَشُ لَيْسَ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ أَنَسٍ . قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَةِ الْأَعْمَشِ : رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ مِنْهُ سَمَاعٌ ، انْتَهَى .
بَاب مَا جَاءَ فِي الْمُبَادَرَةِ بِالْعَمَلِ 2301 حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ ، عَنْ مُحْرِزِ بْنِ هَارُونَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْظِرُونَ إِلَّا إلى فَقْرٍ مُنْسٍ أَوْ غِنًى مُطْغٍ أَوْ مَرَضٍ مُفْسِدٍ أَوْ هَرَمٍ مُفَنِّدٍ أَوْ مَوْتٍ مُجْهِزٍ أَوْ الدَّجَّالِ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ أَوْ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحْرِزِ بْنِ هَارُونَ ، وَرَوَى مَعْمَرٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَمَّنْ سَمِعَ سَعِيدًا الْمَقْبُرِيَّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ هَذَا . باب ما جاء في المبادرة بالعمل قَوْلُهُ : ( عَنْ مُحْرِزِ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَبِالزَّايِ ( بْنِ هَارُونَ ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ ، قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : مُحْرِزُ بْنُ هَارُونَ كَذَا ضَبَطَهُ عَبْدُ الْغَنِيِّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ بِمُهْمَلَتَيْنِ ، انْتَهَى ، وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : مُحَرَّرُ بْنُ هَارُونَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَرَّرِ بْنِ الْهَدِيرِ التَّيْمِيُّ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَنِ اسْمُهُ مُحَرَّرٌ بِرَاءَيْنِ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ فِي مَنِ اسْمُهُ مُحْرِزٌ بِالزَّايِ ، رَوَى عَنِ الْأَعْرَجِ وَغَيْرِهِ ، وَعَنْهُ أَبُو مُصْعَبٍ وَغَيْرُهُ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ : مُنْكَرُ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : يَرْوِي عَنِ الْأَعْرَجِ مَا لَيْسَ مِنْ حَدِيثِهِ لَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ عَنْهُ وَلَا الِاحْتِجَاجُ بِهِ انْتَهَى مُخْتَصَرًا ، وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ مُحَرَّرٌ بِرَاءَيْنِ وَزْنُ مُحَمَّدٍ عَلَى الصَّحِيحِ مَتْرُوكٌ مِنَ السَّابِعَةِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا ) أَيْ سَابِقُوا وُقُوعَ الْفِتَنِ بِالِاشْتِغَالِ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَاهْتَمُّوا بِهَا قَبْلَ حُلُولِهَا ( هَلْ تَنْظُرُونَ إِلَّا إِلَى فَقْرٍ مُنْسٍ ) وَفِي الْمِشْكَاةِ مَا يَنْتَظِرُ أَحَدُكُمْ إِلَّا غِنًى مُطْغِيًا أَوْ فَقْرًا مُنْسِيًا إِلَخْ قَالَ الْقَارِي : خَرَجَ مَخْرَجَ التَّوْبِيخِ عَلَى تَقْصِيرِ الْمُكَلَّفِينَ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ ، أَيْ مَتَى تَعْبُدُونَ رَبَّكُمْ فَإِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَعْبُدُوهُ مَعَ قِلَّةِ الشَّوَاغِلِ وَقُوَّةِ الْبَدَنِ فَكَيْفَ تَعْبُدُونَهُ مَعَ كَثْرَةِ الشَّوَاغِلِ وَضَعْفِ الْقُوَى ؟ لَعَلَّ أَحَدَكُمْ مَا يَنْتَظِرُ إِلَّا غِنًى مُطْغِيًا ، انْتَهَى ، وَقَوْلُهُ مُنْسٍ مِنْ بَابِ الْإِفْعَالِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ ، وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى لِمُشَاكَلَةِ الْأَوْلَى ، أَيْ جَاعِلٌ صَاحِبَهُ مَدْهُوشًا يُنْسِيهِ الطَّاعَةَ مِنَ الْجُوعِ وَالْعُرْيِ ، وَالتَّرَدُّدِ فِي طَلَبِ الْقُوتِ ( أَوْ غِنًى مُطْغٍ ) أَيْ مُوقِعٍ فِي الطُّغْيَانِ ( أَوْ مَرَضٍ مُفْسِدٍ ) أَيْ لِلْبَدَنِ لِشِدَّتِهِ أَوْ لِلدِّينِ لِأَجْلِ الْكَسَلِ الْحَاصِلِ بِهِ ( أَوْ هَرَمٍ مُفْنِدٍ ) أَيْ مُوقِعٍ فِي الْكَلَامِ الْمُحَرَّفِ عَنْ سُنَنِ الصِّحَّةِ مِنَ الْخَرِفِ وَالْهَذَيَانِ ، وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْفَنَدُ بِالتَّحْرِيكِ الْخَرَفُ وَإِنْكَارُ الْعَقْلِ لِهَرَمٍ أَوْ مَرَضٍ ، وَالْخَطَأُ فِي الْقَوْلِ وَالرَّأْيِ ، وَالْكَذِبُ كَالْإِفْنَادِ ، وَفَنَّدَهُ تَفْنِيدًا كَذَّبَهُ وَعَجَّزَهُ ، وَخَطَّأَ رَأْيَهُ كَأَفْنَدَهُ ، وَلَا تَقُلْ عَجُوزٌ مُفَنَّدَةٌ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ ذَاتَ رَأْيٍ أَبَدًا . ( أَوْ مَوْتٍ مُجْهِزٍ ) بِجِيمٍ وَزَايٍ مِنَ الْإِجْهَازِ ، أَيْ قَاتِلٍ بَغْتَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى تَوْبَةٍ وَوَصِيَّةٍ ، فَفِي النِّهَايَةِ : الْمُجْهِزُ هُوَ السَّرِيعُ ، يُقَالُ : أَجْهَزَ عَلَى الْجَرِيحِ إِذَا أَسْرَعَ قَتْلَهُ ، ( أَوِ الدَّجَّالِ ) أَيْ خُرُوجِهِ فَشَرٌّ غَائِبٌ يُنْتَظَرُ بِصِيغَةٍ الْمَجْهُولِ ، أَوِ السَّاعَةِ أَيِ الْقِيَامَةِ ( فَالسَّاعَةُ أَدْهَى ) أَيْ أَشَدُّ الدَّوَاهِي وَأَفْظَعُهَا وَأَصْعَبُهَا ( وَأَمَرُّ ) أَيْ أَكْثَرُ مَرَارَةً مِنْ جَمِيعِ مَا يُكَابِدُهُ الْإِنْسَانُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الشَّدَائِدِ لِمَنْ غَفَلَ عَنْ أَمْرِهَا ، وَلَمْ يَعُدَّ لَهَا قَبْلَ حُلُولِهَا ، وَالْقَصْدُ الْحَثُّ عَلَى الْبِدَارِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ قَبْلَ حُلُولِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَأُخِذَ مِنْهُ نَدْبُ تَعْجِيلِ الْحَجِّ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ قَالَ الْمُنَاوِيُّ : وَأَقَرُّوهُ انْتَهَى قُلْتُ : فِي سَنَدِ التِّرْمِذِيِّ ، مُحْرِزُ بْنُ هَارُونَ وَقَدْ عَرَفْتَ حَالَهُ .
بَاب : 2414 حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ الْوَرْدِ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، قَالَ : كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَائِشَةَ : أَنْ اكْتُبِي إِلَيَّ كِتَابًا تُوصِينِي فِيهِ وَلَا تُكْثِرِي عَلَيَّ ، قال : فَكَتَبَتْ عَائِشَةُ إِلَى مُعَاوِيَةَ : سَلَامٌ عَلَيْكَ ، أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ ، وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا كَتَبَتْ إِلَى مُعَاوِيَةَ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ . باب : قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ الْوَرْدِ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْقُرَشِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَكِّيُّ ثِقَةٌ عَابِدٌ مِنْ كِبَارِ السَّابِعَةِ . وَلَقَبُ عَبْدِ الْوَهَّابِ هَذَا : وُهَيْبٌ . قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ : وَاسْمُهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ ، وَوُهَيْبٌ لَقَبٌ . قَوْلُهُ : ( مَنِ الْتَمَسَ ) أَيْ طَلَبَ ( بِسَخَطِ النَّاسِ ) السَّخَطُ وَالسُّخُطُ وَالسُّخْطُ وَالْمَسْخَطُ الْكَرَاهَةُ لِلشَّيْءِ وَعَدَمُ الرِّضَاء بِهِ ( كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ ) لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ مِنْ حِزْبِ اللَّهِ ، وَهُوَ لَا يَخِيبُ مَنِ الْتَجَأَ إِلَيْهِ ، أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ ) أَيْ سَلَّطَ اللَّهُ النَّاسَ عَلَيْهِ حَتَّى يُؤْذُوهُ وَيَظْلِمُوا عَلَيْهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَلَمْ يُسَمِّ الرَّجُلَ ثُمَّ رُوِيَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا كَتَبَتْ إِلَى مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ . وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ الْمَرْفُوعَ مِنْهُ فَقَطْ ، وَلَفْظُهُ : قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَى عَنْهُ النَّاسَ ، وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ ، انْتَهَى .
باب : 2413 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ ، نا أَبُو الْعُمَيْسِ ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : آخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ سَلْمَانَ وَبَيْنَ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، فَزَارَ سَلْمَانُ ، أَبَا الدَّرْدَاءِ ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً ، قَالَ : مَا شَأْنُكِ مُتَبَذِّلَةً ؟ قَالَتْ : إِنَّ أَخَاكَ أَبَا الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا . قَالَت : فَلَمَّا جَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ قَرَّبَ طَعَامًا ، فَقَالَ : كُلْ فَإِنِّي صَائِمٌ . قَالَ : مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ . قَالَ : فَأَكَلَ ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لِيَقُومَ ، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ : نَمْ فَنَامَ ، ثُمَّ ذَهَبَ ليَقُومُ ، قال لَهُ : نَمْ فَنَامَ ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الصُّبْحِ ، فقَالَ لَهُ سَلْمَانُ : قُمْ الْآنَ فَقَامَا فَصَلَّيَا ، فَقَالَ : إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَلِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَلِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَإِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، فاعط كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ، فَأَتَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَا ذَلِكَ له ، فَقَالَ : صَدَقَ سَلْمَانُ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَأَبُو الْعُمَيْسِ اسْمُهُ عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَهُوَ أَخُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَسْعُودِيِّ باب : قَوْلُهُ : ( نا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ ) بْنِ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ الْمَخْزُومِيُّ صَدُوقٌ مِنَ التَّاسِعَةِ ( نا أَبُو الْعُمَيْسِ ) بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرًا ، اسْمُهُ عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيُّ الْمَسْعُودِيُّ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ مِنَ السَّابِعَةِ ( عَنْ أَبِيهِ ) هُوَ أَبُو جُحَيْفَةَ ، وَاسْمُهُ وَهْبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السُّوَائِيُّ ، وَيُقَالُ : اسْمُ أَبِيهِ وَهْبٌ أَيْضًا مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ ، وَيُقَالُ لَهُ : وَهْبُ الْخَيْرِ ، صَحَابِيٌّ مَعْرُوفٌ وَصَحِبَ عَلِيًّا . قَوْلُهُ : ( آخَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ) أَيْ جَعَلَ بَيْنَهُمَا أُخُوَّةً . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : ذَكَرَ أَصْحَابُ الْمَغَازِي أَنَّ الْمُؤَاخَاةَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ ، الْأُولَى قَبْلَ الْهِجْرَةِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ خَاصَّةً عَلَى الْمُوَاسَاةِ وَالْمُنَاصَرَةِ ، فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ أُخُوَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ، وَحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، ثُمَّ آخَى النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ بَعْدَ أَنْ هَاجَرَ ، وَذَلِكَ بَعْدَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ . وَسَيَأْتِي فِي أول كِتَابِ الْبَيْعِ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ : لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ آخَى النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ ، وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ قُدُومِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِخَمْسَةِ أَشْهُرٍ وَالْمَسْجِدُ يُبْنَى ، انْتَهَى . ( فَزَارَ سَلْمَانُ ، أَبَا الدَّرْدَاءِ ) يَعْنِي فِي عَهْدِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَوَجَدَ أَبَا الدَّرْدَاءِ غَائِبًا ( مُتَبَذِّلَةً ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ لَابِسَةً ثِيَابَ الْبِذْلَةِ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ ، وَهِيَ الْمِهْنَةُ وَزْنًا وَمَعْنًى . وَالْمُرَادُ أَنَّهَا تَارِكَةٌ لِلُبْسِ ثِيَابِ الزِّينَةِ . وَعِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ : فَرَأَى امْرَأَتَهُ رَثَّةَ الْهَيْئَةِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَأُمُّ الدَّرْدَاءِ هَذِهِ هِيَ خَيْرَةُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بِنْتُ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيَّةُ صَحَابِيَّةٌ بِنْتُ صَحَابِيٍّ ، وَحَدِيثُهَا عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ ، وَمَاتَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ هَذِهِ قَبْلَ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَلِأَبِي الدَّرْدَاءِ أَيْضًا امْرَأَةٌ أُخْرَى يُقَالُ لَهَا : أُمُّ الدَّرْدَاءِ تَابِعِيَّةٌ ، اسْمُهَا هَجِيمَةُ عَاشَتْ بَعْدَهُ دَهْرًا ، وَرَوَتْ عَنْهُ ، انْتَهَى . ( مَا شَأْنُكِ مُتَبَذِّلَةً ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِيَّةِ ( لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا ) وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ فِي نِسَاءِ الدُّنْيَا ، وَزَادَ فِيهِ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ . ( فَقَالَ ) أَيْ : أَبُو الدَّرْدَاءِ ( كُلْ فَإِنِّي صَائِمٌ قَالَ ) أَيْ : سَلْمَانُ مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَزَّارِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ ، فَقَالَ : أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَتُفْطِرَنَّ وَغَرَضُ سَلْمَانَ رضي الله عنه مِنْ هَذَا الْإِبَاءِ أَنْ يَصْرِفَهُ عَنْ رَأْيِهِ فِيمَا يَصْنَعُهُ مِنْ جَهْدِ نَفْسِهِ فِي الْعِبَادَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا شَكَتْهُ إِلَيْهِ امْرَأَتُهُ ( فَأَكَلَ ) أَيْ : أَبُو الدَّرْدَاءِ ( فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ) أَيْ فِي أَوَّلِهِ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ ثُمَّ بَاتَ عِنْدَهُ ( ذَهَبَ ) أَيْ : أَرَادَ وَشَرَعَ ( فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ : نَمْ ) زَادَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُرْسَلٍ : فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ : أَتَمْنَعُنِي أَنْ أَصُومَ لِرَبِّي وَأُصَلِّيَ لِرَبِّي ( فَقَامَا فَصَلَّيَا ) فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ فَقَامَا فَتَوَضَّآ ثُمَّ رَكَعَا ثُمَّ خَرَجَا إِلَى الصَّلَاةِ ( وَإِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ) أَيْ : لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا . زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ : فَصُمْ وَأَفْطِرْ ، وَصَلِّ وَنَمْ ، وَائْتِ أَهْلَكَ ( فَأَتَيَا النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ ) . وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ ثُمَّ خَرَجَا إِلَى الصَّلَاةِ فَدَنَا أَبُو الدَّرْدَاءِ لِيُخْبِرَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِاَلَّذِي قَالَ لَهُ سَلْمَانُ ، فَقَالَ لَهُ : يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ ، إِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا مِثْلَ مَا قَالَ سَلْمَانُ ، فَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَشَارَ إِلَيْهِمَا بِأَنَّهُ عَلِمَ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ مَا دَارَ بَيْنَهُمَا ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ فَيُحْتَمَلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ أَنَّهُ كَاشَفَهُمَا بِذَلِكَ أَوَّلًا ثُمَّ أَطْلَعَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ عَلَى صُورَةِ الْحَالِ ، فَقَالَ لَهُ : صَدَقَ سَلْمَانُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ مَشْرُوعِيَّةُ الْمُؤَاخَاةِ فِي اللَّهِ ، وَزِيَارَةُ الْإِخْوَانِ وَالْمَبِيتُ عِنْدَهُمْ ، وَجَوَازُ مُخَاطَبَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ لِلْحَاجَةِ وَالسُّؤَالِ عَمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْمَصْلَحَةُ ، وَإِنْ كَانَ فِي الظَّاهِرِ لَا يَتَعَلَّقُ بِالسَّائِلِ . وَفِيهِ النُّصْحُ لِلْمُسْلِمِ وَتَنْبِيهُ مَنْ أَغْفَلَ ، وَفِيهِ فَضْلُ قِيَامِ آخِرِ اللَّيْلِ ، وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ تَزْيِينِ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا وَثُبُوتُ حَقِّ الْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ ، وَحُسْنُ الْعِشْرَةِ ، وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ ثُبُوتُ حَقِّهَا فِي الْوَطْءِ ؛ لِقَوْلِهِ : وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، ثُمَّ قَالَ : وَائْتِ أَهْلَكَ كَمَا فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ ، فقَرَّرَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى ذَلِكَ ، وَفِيهِ جَوَازُ النَّهْيِ عَنِ الْمُسْتَحَبَّاتِ إِذَا خَشِيَ أَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى السَّآمَةِ وَالْمَلَلِ وَتَفْوِيتِ الْحُقُوقِ الْمَطْلُوبَةِ الْوَاجِبَةِ أَوِ الْمَنْدُوبَةِ الرَّاجِحِ فِعْلُهَا عَلَى فِعْلِ الْمُسْتَحَبِّ الْمَذْكُورِ ، وَأَنَّ الْوَعِيدَ الْوَارِدَ عَلَى مَنْ نَهَى مُصَلِّيًا عَنِ الصَّلَاةِ مَخْصُوصٌ بِمَنْ نَهَاهُ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا ، وَفِيهِ كَرَاهِيَةُ الْحَمْلِ عَلَى النَّفْسِ فِي الْعِبَادَةِ كَذَا فِي الْفَتْحِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .
بَاب ما جاء فِي قِلَّةِ الْكَلَامِ 2319 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، نَا عَبْدَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، ثَنِي أَبِي ، عَنْ جَدِّي قَال : سَمِعْتُ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْمُزَنِيَّ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيَكْتُبُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ ، وَفِي الْبَاب عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، هَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو نَحْوَ هَذَا ، وقَالُوا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ ، وَرَوَى مَالِك بن أنس هذا الحديث ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ جَدِّهِ ( باب ما جاء في قلة الكلام ) قَوْلُهُ : ( نَا عَبْدَةُ ) هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ ( ثَنِي أَبِي ) هُوَ عَمْرُو بْنُ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيُّ الْمَدَنِيُّ ، مَقْبُولٌ مِنَ السَّادِسَةِ ( عَنْ جَدِّي ) هُوَ عَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ بِتَشْدِيدِ الْقَافِ اللَّيْثِيُّ الْمَدَنِيُّ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ مِنَ الثَّانِيَةِ ، أَخْطَأَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ لَهُ صُحْبَةً ، وَقِيلَ : إِنَّهُ وُلِدَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ عَبْدِ الْمَلَكِ . قَوْلُهُ : ( لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ ؛ أَيْ مِمَّا يُرْضِيهِ وَيُحِبُّهُ ( مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ ) أَيْ لَا يَعْلَمُ أَنْ تَبْلُغَ تِلْكَ الْكَلِمَةُ ( مَا بَلَغَتْ ) مِنْ رِضَا اللَّهِ بِهَا عَنْهُ ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ ، وَفِي الْمِشْكَاةِ : أَنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَعْلَمُ مَبْلَغَهَا ، قَالَ الْقَارِي : أَيْ قَدْرَ تِلْكَ الْكَلِمَةِ وَمَرْتَبَتَهَا ( فَيَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ ) : أَيْ لِأَحَدِكُمُ الْمُتَكَلِّمِ بِالْكَلِمَةِ الْمَذْكُورَةِ ( بِهَا ) : أَيْ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ ( رِضْوَانَهُ ) : أَيْ رِضَاهُ ( إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ ) ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ( فَيَكْتُبُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا سَخَطَهُ ) : أَيْ غَضَبَهُ ، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : هِيَ الْكَلِمَةُ عِنْدَ السُّلْطَانِ فَالْأُولَى لِيَرُدَّهُ بِهَا عَنْ ظُلْمٍ ، وَالثَّانِيَةُ لِيَجُرَّهُ بِهَا إِلَى ظُلْمٍ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي تَفْسِيرِهَا ، بِذَلِكَ نَقَلَهُ السُّيُوطِيُّ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : فَإِنْ قُلْتَ : مَا مَعْنَى قَوْلِهِ : يَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ وَمَا فَائِدَةُ التَّوْقِيتِ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ ؟ قُلْتُ : مَعْنَى كَتْبِهِ رِضْوَانَ اللَّهِ ؛ تَوْفِيقُهُ لِمَا يُرْضِي اللَّهَ تَعَالَى مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى الْخَيْرَاتِ فيَعِيشَ فِي الدُّنْيَا حَمِيدًا ، وَفِي الْبَرْزَخِ يُصَانُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَيُفْسَحُ لَهُ قَبْرُهُ ، وَيُقَالُ لَهُ نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ الَّذِي لَا يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ ، وَيُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَعِيدًا وَيُظِلُّهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ ، ثُمَّ يَلْقَى بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْكَرَامَةِ وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ ، ثُمَّ يَفُوزُ بِلِقَاءِ اللَّهِ ، مَا كُلُّ ذَلِكَ دُونَهُ ، وَفِي عَكْسِهِ قَوْلُهُ : يَكْتُبُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا سَخَطَهُ ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى لِإِبْلِيسَ : وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ حِفْظِ اللِّسَانِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ ، قَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَةِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ : رُوِيَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ حَدِيثُ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ الْحَدِيثَ ، وَعَنْهُ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ ، ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ أَخْرَجُوا لَهُ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ ، صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، قُلْتُ : وَكَذَا صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَ لَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ حَدِيثًا آخَرَ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِيهِ أَيْضًا انْتَهَى .
2409 حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، نا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَشَرَّ مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح وَأَبُو حَازِمٍ الَّذِي رَوَى عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ هُوَ أَبُو حَازِمٍ الزَّاهِدُ مَدَينِيٌّ وَاسْمُهُ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ . وأَبُو حَازِمٍ الَّذِي رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ اسْمُهُ سَلْمَانُ الأشجعي مَوْلَى عَزَّةَ الْأَشْجَعِيَّةِ وَهُوَ الكُوفِيٌّ قَوْلُهُ : ( مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَشَرَّ مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ ) أَرَادَ شَرَّ لِسَانِهِ وَفَرْجِهِ ( دَخَلَ الْجَنَّةَ ) أَيْ بِغَيْرِ عَذَابٍ أَوْ مَعَ السَّابِقِينَ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا إِلَّا أَنَّ قَالَ : مَنْ حَفِظَ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَأَبُو حَازِمٍ الَّذِي رَوَى عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ هُوَ أَبُو حَازِمٍ الزَّاهِدُ مَدِينِيٌّ ، وَاسْمُهُ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ أَبُو حَازِمٍ الْأَعْرَجُ التَّمَّارُ الْمَدَنِيُّ الْقَاصُّ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ ثِقَةٌ عَابِدٌ مِنَ الْخَامِسَةِ ( وَأَبُو حَازِمٍ الَّذِي رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ اسْمُهُ سَلْمَانُ الْأَشْجَعِيُّ إِلَخْ ) تَقَدَّمَ تَرْجَمَتُهُ .
2407 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْبَصْرِيُّ ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِي الصَّهْبَاءِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَفَعَهُ - قَالَ : إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ ، فَتَقُولُ : اتَّقِ اللَّهَ فِينَا ؛ فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ ، فَإِنْ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا ، وَإِنْ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا . حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، نا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، نَحْوَهُ . وَلَمْ يَرْفَعْهُ ، وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى . هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، وَلَمْ يَرْفَعُوهُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي الصَّهْبَاءِ ) قَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : أَبُو الصَّهْبَاءِ الْكُوفِيُّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَفَعَهُ : ( إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ ) الْحَدِيثَ . وَعَنْهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُهُ ، ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ، انْتَهَى . وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ : مَقْبُولٌ مِنَ السَّادِسَةِ . قَوْلُهُ : ( إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ ) أَيْ دَخَلَ فِي الصَّبَاحِ ( فَإِنَّ الْأَعْضَاءَ ) جَمْعُ عُضْوٍ ، كُلُّ عَظْمٍ وَافِرٍ بِلَحْمِهِ ( كُلَّهَا ) تَأْكِيدٌ ( تُكَفِّرُ اللِّسَانَ ) بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَكْسُورَةِ ، أَيْ تَتَذَلَّلُ وَتَتَوَاضَعُ لَهُ مِنْ قَوْلِهِمْ كَفَّرَ الْيَهُودِيُّ إِذَا خَضَعَ مُطَأْطَأً رَأْسُهُ وَانْحَنَى لِتَعْظِيمِ صَاحِبِهِ كَذَا قِيلَ . وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : التَّكْفِيرُ هُوَ أَنْ يَنْحَنِيَ الْإِنْسَانُ وَيُطَأْطِئَ رَأْسَهُ قَرِيبًا مِنَ الرُّكُوعِ كَمَا يَفْعَلُ مَنْ يُرِيدُ تَعْظِيمَ صَاحِبِهِ ( فَتَقُولُ ) أَيِ الْأَعْضَاءُ لَهُ حَقِيقَةٌ أَوْ هُوَ مَجَازٌ بِلِسَانِ الْحَالِ ( اتَّقِ اللَّهَ فِينَا ) أَيْ خَفْهُ فِي حِفْظِ حُقُوقِنَا ( فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ ) أَيْ نَتَعَلَّقُ وَنَسْتَقِيمُ وَنَعْوَجُّ بِكَ ( فَإِنِ اسْتَقَمْتَ ) أَيِ اعْتَدَلْتَ ( اسْتَقَمْنَا ) أَيِ اعْتَدَلْنَا تَبَعًا لَكَ ( وَإِنِ اعْوَجَجْتَ ) أَيْ مِلْتَ عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى ( اعْوَجَجْنَا ) أَيْ مِلْنَا عَنْهُ اقْتِدَاءً بِكَ . قَالَ الطِّيبِيُّ : فَإِنْ قُلْتَ : كَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : إِنَّ فِي الْجَسَدِ لَمُضْغَةً إِذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ قُلْتُ : اللِّسَانُ تُرْجُمَانُ الْقَلْبِ وَخَلِيفَتُهُ فِي ظَاهِرِ الْبَدَنِ ، فَإِذَا أُسْنِدَ إِلَيْهِ الْأَمْرُ يَكُونُ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ فِي الْحُكْمِ ، كَمَا فِي قَوْلِكَ : شَفَى الطَّبِيبُ الْمَرِيضَ . قَالَ الْمَيْدَانِيُّ فِي قَوْلِهِ : الْمَرْءُ بِأَصْغَرَيْهِ ، يَعْنِي بِهِمَا الْقَلْبُ وَاللِّسَانُ . أَيْ يَقُومُ وَيُكْمِلُ مَعَانِيَهُ بِهِمَا وَأَنْشَدَ لِزُهَيْرٍ : وَكَائِنٌ تَرَى مِنْ صَامِتٍ لَكَ مُعْجِبٍ زِيَادَتُهُ أَوْ نَقْصُهُ فِي التَّكَلُّمِ لِسَانُ الْفَتَى نِصْفٌ وَنِصْفٌ فُؤَادُهُ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا صُورَةُ اللَّحْمِ وَالدَّمِ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا .
2408 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ ، نا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ يتوكل لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أتوكل لَهُ بِالْجَنَّةِ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ . هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ . قَوْلُهُ : ( نا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ ) بْنِ عَطَاءِ بْنِ مُقَدَّمٍ الْمَقْدِمِيُّ بَصْرِيٌّ أَصْلُهُ وَاسِطِيٌّ ثِقَةٌ ، وَكَانَ يُدَلِّسُ شَدِيدًا مِنَ الثَّامِنَةِ . قَوْلُهُ : ( مَنْ يَتَوَكَّلْ لِي ) بِالْجَزْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ شَرْطِيَّةٌ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : تَوَكَّلَ بِالْأَمْرِ إِذَا ضَمِنَ الْقِيَامَ بِهِ . وَقِيلَ : هُوَ بِمَعْنَى تَكَفَّلَ ، انْتَهَى . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : مَنْ يَضْمَنْ لِي قَالَ الْحَافِظُ : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالْجَزْمِ مِنَ الضَّمَانِ بِمَعْنَى الْوَفَاءِ بِتَرْكِ الْمَعْصِيَةِ فَأَطْلَقَ الضَّمَانَ وَأَرَادَ لَازِمَهُ . وَهُوَ أَدَاءُ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ . فَالْمَعْنَى مَنْ أَدَّى الْحَقَّ الَّذِي عَلَى لِسَانِهِ مِنَ النُّطْقِ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَوِ الصَّمْتِ عَمَّا لَا يُعْنِيهِ ، وَأَدَّى الْحَقَّ الَّذِي عَلَى فَرْجِهِ مِنْ وَضْعِهِ فِي الْحَلَالِ ، انْتَهَى . ( مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْحَاءِ وَالتَّثْنِيَةِ ، هُمَا الْعَظْمَانِ اللَّذَانِ يَنْبُتُ عَلَيْهِمَا الْأَسْنَانُ عُلُوًّا وَسُفْلًا . قَالَ الْحَافِظُ : وَالْمُرَادُ بِمَا بَيْنَ اللَّحْيَيْنِ اللِّسَانُ وَمَا يَتَأَتَّى بِهِ النُّطْقُ ، وَبِمَا بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ الْفَرْجُ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ أَعْظَمَ الْبَلَاءِ عَلَى الْمَرْءِ فِي الدُّنْيَا لِسَانُهُ وَفَرْجُهُ ، فَمَنْ وُقِيَ شَرَّهُمَا وُقِيَ أَعْظَمَ الشَّرِّ ، انْتَهَى مَا فِي الْفَتْحِ . ( أَتَوَكَّلْ لَهُ ) بِالْجَزْمِ جَوَابُ الشَّرْطِ وَهُوَ مِنْ بَابِ الْمُقَابَلَةِ ( بِالْجَنَّةِ ) أَيْ دُخُولِهَا أَوَّلًا أَوْ دَرَجَاتِهَا الْعَالِيَةِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ) . أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ وَفِي كِتَابِ الْمُحَارِبِينَ .
2412 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ ، قَالُوا : نا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ الْمَكِّيُّ ، قَال : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ حَسَّانَ الْمَخْزُومِيَّ ، قَالَ : حَدَّثَتْنِي أُمُّ صَالِحٍ ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : كَلَامِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لَا لَهُ إِلَّا أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْيٌ عَنْ المُنْكَرٍ أَوْ ذِكْرُ اللَّهِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ حَسَّانٍ الْمَخْزُومِيَّ ) الْمَكِّيَّ قَاصَّ أَهْلِ مَكَّةَ ، صَدُوقٌ لَهُ أَوْهَامٌ ، مِنَ السَّادِسَةِ ( حَدَّثَتْنِي أُمُّ صَالِحٍ ) بِنْتُ صَالِحٍ ، لَا يُعْرَفُ حَالُهَا ، مِنَ السَّابِعَةِ ( عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ ) بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْعَبْدَرِيَّةِ لَهَا رُؤْيَةٌ ، وَحَدَّثَتْ عَنْ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا مِنَ الصَّحَابَةِ . وَفِي الْبُخَارِيِّ التَّصْرِيحُ بِسَمَاعِهَا مِنَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ إِدْرَاكَهَا ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ . قَوْلُهُ : ( كَلَامُ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ ) أَيْ ضَرَرُهُ وَوَبَالُهُ عَلَيْهِ ، وَقِيلَ : يُكْتَبُ عَلَيْهِ ( لَا لَهُ ) أَيْ لَيْسَ لَهُ نَفْعٌ فِيهِ أَوْ لَا يُكْتَبُ لَهُ ، ذَكَرَهُ تَأْكِيدًا ( إِلَّا أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ ) مِمَّا فِيهِ نَفْعُ الْغَيْرِ مَعَ الْأَوَامِرِ الشَّرْعِيَّةِ ( أَوْ نَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ ) مِمَّا فِيهِ مَوْعِظَةُ الْخَلْقِ مِنَ الْأُمُورِ الْمَنْهِيَّةِ ( أَوْ ذِكْرُ اللَّهِ ) أَيْ مَا فِيهِ رِضَا اللَّهِ مِنَ الْأَذْكَارِ الْإِلَهِيَّةِ . قَالَ الْقَارِي : وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ فِي الْكَلَامِ نَوْعٌ يُبَاحُ لِلْأَنَامِ ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمُبَالَغَةِ وَالتَّأْكِيدِ فِي الزَّجْرِ عَنِ الْقَوْلِ الَّذِي لَيْسَ بِسَدِيدٍ . وَقَدْ يُقَالُ : إِنَّ قَوْلَهُ لَا لَهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ : عَلَيْهِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُبَاحَ لَيْسَ لَهُ نَفْعٌ فِي الْعُقْبَى . أَوْ يُقَالُ : التَّقْدِيرُ : كُلُّ كَلَامِ ابْنِ آدَمَ حَسْرَةٌ عَلَيْهِ لَا مَنْفَعَةٌ لَهُ فِيهِ إِلَّا الْمَذْكُورَاتِ وَأَمْثَالَهَا فَيُوَافِقُ بَقِيَّةَ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ ، فَهُوَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَبِهِ يَرْتَفِعُ اضْطِرَابُ الشُّرَّاحِ فِي أَمْرِ الْمُبَاحِ ، انْتَهَى كَلَامُ الْقَارِي . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : حَسَنٌ غَرِيبٌ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ : رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ ، وَفِي مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ كَلَامٌ قَرِيبٌ لَا يُقْدَحُ وَهُوَ شَيْخٌ صَالِحٌ ، انْتَهَى .
بَاب مَا جَاءَ فِي حِفْظِ اللِّسَانِ 2406 حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، نا ابْنُ الْمُبَارَكِ ح وَحَدَّثَنَا سُوَيْدٌ بن نصر ، نا عبد الله بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا النَّجَاةُ ؟ قَالَ : أَمْلكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ . بَاب مَا جَاءَ فِي حِفْظِ اللِّسَانِ قَوْلُهُ : ( عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ) الْجُهَنِيِّ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ اخْتُلِفَ فِي كُنْيَتِهِ عَلَى سَبْعَةِ أَقْوَالٍ أَشْهَرُهَا أَبُو حَمَّادٍ وَلِيَ إِمْرَةَ مِصْرَ لِمُعَاوِيَةَ ثَلَاثَ سِنِينَ وَكَانَ فَقِيهًا فَاضِلًا . قَوْلُهُ : ( مَا النَّجَاةُ ) أَيْ : مَا سَبَبُهَا ( قَالَ : أَمْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ ) أَمْرٌ مِنَ الْمِلْكِ . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : مَلَكَهُ يَمْلِكُهُ مِلْكًا مُثَلَّثَةٌ احْتَوَاهُ قَادِرًا عَلَى الِاسْتِبْدَادِ بِهِ ، وَأَمْلَكَهُ الشَّيْءَ وَمَلَّكَهُ إِيَّاهُ تَمْلِيكًا بِمَعْنًى ، انْتَهَى . قَالَ الطِّيبِيُّ أَيِ احْفَظْهُ عَمَّا لَا خَيْرَ فِيهِ . وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ : أَيْ لَا تَجُرُّهُ إِلَّا بِمَا يَكُونُ لَكَ لَا عَلَيْكَ . وَقَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ : وَقَعَ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ يَعْنِي مِنَ الْمِشْكَاةِ أمْلِكْ بِصِيغَةِ الْمَزِيدَةِ مَضْبُوطَةٌ ، انْتَهَى . قُلْتُ : الظَّاهِرُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى هُوَ امْلِكْ مِنَ الثُّلَاثِيِّ الْمُجَرَّدِ ، وَأَمَّا أَمْلِكْ مِنْ بَابِ الْإفْعَالِ فَلَا يَسْتَقِيمُ مَعْنَاهُ هُنَا إِلَّا بتَكَلُّفٍ ( وَلِيَسَعْكَ ) بِكَسْرِ اللَّامِ أَمْرٌ مِنْ وَسِعَ يَسَعُ . قَالَ الطِّيبِيُّ : الْأَمْرُ فِي الظَّاهِرِ وَارِدٌ عَلَى الْبَيْتِ وَفِي الْحَقِيقَةِ عَلَى الْمُخَاطَبِ ، أَيْ : تَعَرَّضَ لِمَا هُوَ سَبَبٌ لِلُزُومِ الْبَيْتِ مِنَ الِاشْتِغَالِ بِاَللَّهِ وَالْمُؤَانَسَةِ بِطَاعَتِهِ وَالْخَلْوَةِ عَنِ الْأَغْيَارِ ( وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ ) قَالَ الطِّيبِيُّ : ضمن بَكَى مَعْنَى النَّدَامَةِ ، وَعَدَّاهُ بِعَلَى أَيِ انْدَمْ عَلَى خَطِيئَتِكَ بَاكِيًا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي الْعُزْلَةِ وَفِي الصَّمْتِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ وَغَيْرُهُ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، عَنْهُ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، انْتَهَى .
2411 حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي ثَلْجٍ الْبَغْدَادِيُّ صَاحِبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَاطِبٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ ، وَإِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْ اللَّهِ الْقَلْبُ الْقَاسِي . حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي النَّضْرِ ، ثَنِي أَبُو النَّضْرِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَاطِبٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَاطِبٍ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ ) بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ( بْنُ أَبِي ثَلْجٍ ) بِمُثَلَّثَةٍ وَجِيمٍ ( الْبَغْدَادِيُّ ) أَصْلُهُ مِنَ الرَّيِّ صَدُوقٌ مِنَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ . ( ثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ ) الْمَدَائِنِيُّ نَزِيلُ بَغْدَادَ صَدُوقٌ مِنَ التَّاسِعَةِ ( نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ) بْنِ الْحَارِثِ ( بْنِ حَاطِبٍ ) الْجُمَحِيُّ ، صَدُوقٌ ، رَوَى مَرَاسِيلَ مِنَ السَّابِعَةِ . قَوْلُهُ : ( لَا تُكْثِرِ الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ بَعْضَ الْكَلَامِ مُبَاحٌ وَهُوَ مَا يَعْنِيهِ ( فَإِنَّ كَثْرَةَ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَسْوَةٌ ) أَيْ سَبَبُ قَسَاوَةٍ ( لِلْقَلْبِ ) وَهِيَ النُّبُوُّ عَنْ سَمَاعِ الْحَقِّ ، وَالْمَيْلُ إِلَى مُخَالَطَةِ الْخَلْقِ . وَقِلَّةُ الْخَشْيَةِ وَعَدَمُ الْخُشُوعِ وَالْبُكَاءِ ، وَكَثْرَةُ الْغَفْلَةِ عَنْ دَارِ الْبَقَاءِ ( وَإِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ الْقَلْبُ الْقَاسِي ) أَيْ : صَاحِبُهُ ، أَوِ التَّقْدِيرُ أَبْعَدُ قُلُوبِ النَّاسِ الْقَلْبُ الْقَاسِي . أَوْ أَبْعَدُ النَّاسِ مَنْ لَهُ الْقَلْبُ الْقَاسِي . قَالَ الطِّيبِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- : وَيُمْكِنُ أَنْ يُعَبَّرَ بِالْقَلْبِ عَنِ الشَّخْصِ ؛ لِأَنَّهُ بِهِ كَمَا قِيلَ : الْمَرْءُ بِأَصْغَرَيْهِ أَيْ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ ، فَلَا يَحْتَاجُ إِذًا إِلَى حَذْفِ الْمَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ الصِّلَةِ ، قَالَ تَعَالَى : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً الْآيَةَ . وَقَالَ -عَزَّ وجَلَّ- : أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَـزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ قَوْلُهُ : ( ثَنِي أَبُو النَّضْرِ ) اسْمُهُ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ مُسْلِمٍ اللَّيْثِيُّ ، مَوْلَاهُمُ الْبَغْدَادِيُّ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ وَلَقَبُهُ قَيْصَرُ ثِقَةٌ ثَبْتٌ مِنَ التَّاسِعَةِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ إِلَخْ ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .
2410 حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ ، نا عبد الله بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَاعِزٍ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، حَدِّثْنِي بِأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ ، قَالَ : قُلْ : رَبِّيَ اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ ، قال : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا أَخْوَفُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ ، فَأَخَذَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ ثُمَّ قَالَ : هَذَا . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَاعِزٍ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَاعِزٍ ، وَيُقَالُ : مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَاعِزٍ ، وَيُقَالُ : مَاعِزُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، اخْتُلِفَ عَلَى الزُّهْرِيِّ فِي ذَلِكَ ، وَالْأَوَّلُ أَقْوَى ، مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ( عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ الثَّقَفِيِّ الطَّائِفِيِّ صَحَابِيٌّ ، وَكَانَ عَامِلَ عُمَرَ عَلَى الطَّائِفِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي بِأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ ) أَيْ أَسْتَمْسِكُ بِهِ ( قَالَ : قُلْ : رَبِّيَ اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ ) هُوَ لَفْظٌ جَامِعٌ لِجَمِيعِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي ، فَإِنَّهُ لَوْ تَرَكَ أَمْرًا أَوْ فَعَلَ مَنْهِيًّا فَقَدْ عَدَلَ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمَةِ حَتَّى يَتُوبَ وَمِنْهُ : إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَإِنَّ مَنْ رَضِيَ بِاَللَّهِ رَبًّا يُؤَدِّي مُقْتَضَيَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ وَيُحَقِّقُ مَرَاضِيَهُ وَيَشْكُرُ نَعْمَاءَهُ ( مَا أَخْوَفُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ ) مَا الْأُولَى اسْتِفْهَامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أَخْوَفُ وَهُوَ اسْمُ تَفْضِيلٍ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ نَحْوُ أَشْهَدُ وَأَلْوَمُ وَأَشْغَلُ وَمَا الثَّانِيَةُ مُضَافٌ إِلَيْهِ لِأَخْوَفَ ، وَهِيَ مَوْصُولَةٌ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ ؛ أَيْ : أَيُّ شَيْءٍ أَخْوَفُ أَشْيَاءَ تَخَافُ مِنْهَا عَلَيَّ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : مَا فِي مَا تَخَافُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً أَوْ مَوْصُوفَةً وَأَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً عَلَى طَرِيقَةِ جَدَّ جَدَّهُ ، وَجُنَّ جُنُونَهُ ، وَخَشِيتُ خَشْيَتَهُ ( فَأَخَذَ ) أَيِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ( بِلِسَانِ نَفْسِهِ ) الْبَاءُ زَائِدَةٌ لِمَزِيدِ التَّعْدِيَةِ ( ثُمَّ قَالَ هَذَا ) هُوَ مُبْتَدَأٌ أَوْ خَبَرٌ . وَالْمَعْنَى هَذَا أَكْثَرُ خَوْفِي عَلَيْكَ مِنْهُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ . وَقَالَ : صَحِيحُ الْإِسْنَادِ ، كَذَا فِي التَّرْغِيبِ .
بَاب مَا جَاءَ فِي هَوَانِ الدُّنْيَا عَلَى اللَّهِ 2320 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . ( باب ما جاء في هوان الدنيا على الله ) قَوْلُهُ : ( نَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ سُلَيْمَانَ ) الْخُزَاعِيُّ الضَّرِيرُ أَبُو عُمَرَ الْمَدَنِيُّ ، نَزِيلُ بَغْدَادَ ، ضَعِيفٌ مِنَ الثَّامِنَةِ وَهُوَ أَخُو فُلَيْحٍ . قَوْلُهُ : ( تَعْدِلُ ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الدَّالِ : أَيْ تَزِنُ وَتُسَاوِي ( عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ ) هُوَ مَثَلٌ لِلْقِلَّةِ وَالْحَقَارَةِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهَا أَدْنَى قَدْرٌ ( مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا ) : أَيْ مِنْ مِيَاهِ الدُّنْيَا ( شَرْبَةَ مَاءٍ ) : أَيْ يُمَنعُ الْكَافِرَ مِنْهَا أَدْنَى تَمَتُّعٍ ، فَإِنَّ الْكَافِرَ عَدُوُّ اللَّهِ ، وَالْعَدُوُّ لَا يُعْطَى شَيْئًا مِمَّا لَهُ قَدْرٌ عِنْدَ الْمُعْطِي ، فَمِنْ حَقَارَتِهَا عِنْدَهُ لَا يُعْطِيهَا لِأَوْلِيَائِهِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ حَدِيثُ : إِنَّ اللَّهَ يَحْمِي عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ عَنِ الدُّنْيَا كَمَا يَحْمِي أَحَدُكُمُ الْمَرِيضَ عَنِ الْمَاءِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَالضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ ، وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ بَعْدَ نَقْلِ قَوْلِ التِّرْمِذِيِّ هَذَا : وَنُوزِعَ ، يَعْنِي وَنُوزِعَ التِّرْمِذِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْحَدِيثِ ، وَوَجْهُ الْمُنَازَعَةِ أَنَّ فِي سَنَدِ هَذَا الْحَدِيثِ عَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ سُلَيْمَانَ وَهُوَ ضَعِيفٌ .
2321 حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ : كُنْتُ مَعَ الرَّكْبِ الَّذِينَ وَقَفُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّخْلَةِ الْمَيِّتَةِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَرَوْنَ هَذِهِ هَانَتْ عَلَى أَهْلِهَا حِينَ أَلْقَوْهَا ؟ قَالُوا : مِنْ هَوَانِهَا أَلْقَوْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ عَلَى أَهْلِهَا . وَفِي الْبَاب عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ . حَدِيثُ الْمُسْتَوْرِدِ حَدِيثٌ حَسَنٌ . قَوْلُهُ : ( عَنْ مُجَالِدٍ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ : ابْنِ سَعِيدِ بْنِ عُمَيْرٍ الْهَمْدَانِيِّ ، أَبِي عَمْرٍو الْكُوفِيِّ ، لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَقَدْ تَغَيَّرَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ ، مِنْ صِغَارِ السَّادِسَةِ . قَوْلُهُ : ( عَلَى السَّخْلَةِ ) بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ : وَلَدُ مَعْزٍ أَوْ ضَأْنٍ ( أَتَرَوْنَ هَذِهِ هَانَتْ عَلَى أَهْلِهَا ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : هَانَ هُوْنًا بِالضَّمِّ وَهَوَانًا وَمَهَانَةً ذَلَّ ، انْتَهَى . ( قَالُوا مِنْ هَوَانِهَا ) : أَيْ مِنْ أَجْلِ هَوَانِهَا ( الدُّنْيَا أَهْوَنُ ) : أَيْ أَذَلُّ وَأَحْقَرُ ( عَلَى اللَّهِ ) : أَيْ عِنْدَهُ تَعَالَى ( مِنْ هَذِهِ ) : أَيْ مِنْ هَوَانِ هَذِهِ السَّخْلَةِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ) ، أَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي أَوَائِلِ الزُّهْدِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ ، كَذَا فِي التَّرْغِيبِ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ الْمُسْتَوْرِدِ حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ .
2322 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ المؤدب ، نَا عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ قَال : سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ قُرَّةَ قَال : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ضَمْرَةَ قَال : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا ذِكْرُ اللَّهِ ، وَمَا وَالَاهُ ، وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ الْمُؤَدِّبُ ) الزِّمِّيُّ بِكَسْرِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ ، الْخُرَاسَانِيُّ نَزِيلُ الْعَسْكَرِ ، ثِقَةٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ ( نَا عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ ) الْجَزَرِيُّ أَبُو أَحْمَدَ الْهَاشِمِيُّ مَوْلَاهُمْ ، صَدُوقٌ ، رُبَّمَا أَخْطَأَ ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْأَزْدِيُّ بِلَا حُجَّةٍ مِنَ التَّاسِعَةِ ، ( نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ ) الْعَنْسِيُّ بِالنُّونِ الدِّمَشْقِيُّ الزَّاهِدُ صَدُوقٌ يُخْطِئُ وَرُمِيَ بِالْقَدَرِ ، وَتَغَيَّرَ بِآخِرِهِ مِنَ السَّابِعَةِ ، ( قَالَ : سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ قُرَّةَ ) السَّلُولِيَّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ اللَّامِ الْخَفِيفَةِ صَدُوقٌ مِنَ السَّادِسَةِ ( قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ضَمْرَةَ ) السَّلُولِيَّ ، وَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ مِنَ الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ ) أَيْ مَبْغُوضَةٌ مِنَ اللَّهِ ؛ لِكَوْنِهَا مُبْعَدَةً عَنِ اللَّهِ ( مَلْعُونٌ مَا فِيهَا ) : أَيْ مِمَّا يُشْغِلُ عَنِ اللَّهِ ( إِلَّا ذِكْرُ اللَّهِ ) بِالرَّفْعِ ( وَمَا وَالَاهُ ) : أَيْ أَحَبَّهُ اللَّهُ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَأَفْعَالِ الْقُرْبِ ، أَوْ مَعْنَاهُ مَا وَالَى ذِكْرَ اللَّهِ : أَيْ قَارَبَهُ مِنْ ذِكْرِ خَيْرٍ أَوْ تَابَعَهُ مِنِ اتِّبَاعِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ ؛ لِأَنَّ ذِكْرَهُ يُوجِبُ ذَلِكَ ، قَالَ الْمُظْهِرُ : أَيْ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا ، وَالْمُوَالَاةُ الْمَحَبَّةُ بَيْنَ اثْنَيْنِ ، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ وَاحِدٍ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا ؛ يَعْنِي مَلْعُونٌ مَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا ذِكْرُ اللَّهِ وَمَا أَحَبَّهُ اللَّهُ مِمَّا يَجْرِي فِي الدُّنْيَا وَمَا سِوَاهُ مَلْعُونٌ . وَقَالَ الْأَشْرَفُ : هُوَ مِنَ الْمُوَالَاةِ وَهِيَ الْمُتَابَعَةُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِمَا يُوَالِي ؛ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى طَاعَتَهُ ، وَاتِّبَاعُ أَمْرِهِ وَاجْتِنَابُ نَهْيِهِ . ( وَعَالَمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ ) قَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ : أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ ، فَيَكُونُ الْوَاوَانِ بِمَعْنَى أَوْ ، وَقَالَ الْأَشْرَفُ : قَوْلُهُ وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ مَرْفُوعٌ ، وَاللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ ؛ فَإِنَّهُ مَنْصُوبٌ مُسْتَثْنًى مِنَ الْمُوجِبِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : هُوَ فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ ، هَكَذَا وَمَا وَالَاهُ ، وَعَالَمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ بِالرَّفْعِ ، وَكَذَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ إِلَّا أَنَّ بَدَلَ أَوْ فِيهِ الْوَاوُ ، وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ أَوْ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا بِالنَّصْبِ مَعَ أَوْ مُكَرَّرًا وَالنَّصْبُ فِي الْقَرَائِنِ الثَّلَاثِ هُوَ الظَّاهِرُ ، وَالرَّفْعُ فِيهَا عَلَى التَّأْوِيلِ ، كَأَنَّهُ قِيلَ : الدُّنْيَا مَذْمُومَةٌ لَا يُحْمَدُ مَا فِيهَا إِلَّا ذِكْرُ اللَّهِ ، وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ ، انْتَهَى مَا فِي الْمِرْقَاةِ . قَالَ الْمُنَاوِيُّ : قَوْلُهُ مَلْعُونَةٌ : أَيْ مَتْرُوكَةٌ مُبْعَدَةٌ مَتْرُوكٌ مَا فِيهَا أَوْ مَتْرُوكَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَصْفِيَاءِ كَمَا فِي خَبَرِ : لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ . وَقَالَ : الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ ؛ لِأَنَّهَا غَرَّتِ النُّفُوسَ بِزَهْرَتِهَا وَلَذَّتِهَا فَأَمَالَتْهَا عَنِ الْعُبُودِيَّةِ إِلَى الْهَوَى ، وَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِ قَوْلِهِ : وَعَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا : أَيْ هِيَ وَمَا فِيهَا مُبْعَدٌ عَنِ اللَّهِ إِلَّا الْعِلْمُ النَّافِعُ الدَّالُّ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا ، فَاللَّعْنُ وَقَعَ عَلَى مَا غَرَّ مِنَ الدُّنْيَا لَا عَلَى نَعِيمِهَا وَلَذَّتِهَا ، فَإِنَّ ذَلِكَ تَنَاوَلَهُ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَالْبَيْهَقِيُّ .
2323 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، ثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ، أخبرني قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ، قَال : سَمِعْتُ مُسْتَوْرِدًا أَخَا بَنِي فِهْرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ أصْبَعَهُ فِي الْيَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَاذَا ترْجِعُ ؟ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( قَالَ سَمِعْتُ مُسْتَوْرِدًا ) هُوَ ابْنُ شَدَّادٍ الْقُرَشِيُّ الْفِهْرِيُّ ( أَخَا بَنِي فِهْرٍ ) : أَيْ كَانَ مُسْتَوْرِدٌ مِنْ بَنِي فِهْرٍ ( مَا الدُّنْيَا ) مَا نَافِيَةٌ : أَيْ مَا مَثَلُ الدُّنْيَا مِنْ نَعِيمِهَا وَزَمَانِهَا ( فِي الْآخِرَةِ ) : أَيْ فِي جَنْبِهَا وَمُقَابَلَةِ نَعِيمِهَا وَأَيَّامِهَا ( إِلَّا مِثْلُ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَرَفْعِ اللَّامِ ( مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ ) مَا مَصْدَرِيَّةٌ : أَيْ مِثْلُ جَعْلُ أَحَدِكُمْ ( أُصْبُعَهُ ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا أَصْغَرُ الْأَصَابِعِ قَالَهُ الْقَارِي ، قُلْتُ : وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أُصْبُعُهُ هَذِهِ فِي الْيَمِّ ، وَأَشَارَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى بِالسَّبَّابَةِ ( فِي الْيَمِّ ) أَيْ مَغْمُوسًا فِي الْبَحْرِ الْمُفَسَّرِ بِالْمَاءِ الْكَثِيرِ ( فَلْيُنْظَرْ بِمَاذَا ترْجِعُ ) : أَيْ بِأَيِّ شَيْءٍ تَرْجِعُ أُصْبُعُ أَحَدِكُمْ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
2402 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ ، وَيُوسُفُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ الْبَغْدَادِيُّ ، قَالَا : نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مغراء أَبُو زُهَيْرٍ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلَاءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، لَا نَعْرِفُهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ شَيْئًا مِنْ هَذَا . قَوْلُهُ : ( وَيُوسُفُ بْنُ مُوسَى ) بْنِ رَاشِدٍ الْقَطَّانُ الْبَغْدَادِيُّ أَبُو يَعْقُوبَ الْكُوفِيُّ نَزِيلُ الرَّيِّ ثُمَّ بَغْدَادَ ، صَدُوقٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ ( نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَغْرَاءَ ) كَذَا فِي نُسَخِ التِّرْمِذِيِّ بِالْمَدِّ . وَكَذَا فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ وَالْخُلَاصَةِ ، وَلَكِنْ ضَبَطَهُ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ بِالْقَصْرِ ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَغْرَا بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ رَاءٍ مَقْصُورًا الدَّوْسِيُّ ( أَبُو زُهَيْرٍ ) بِالتَّصْغِيرِ ، الْكُوفِيُّ نَزِيلُ الرَّيِّ ، صَدُوقٌ تَكَلَّمَ فِي حَدِيثِهِ عَنِ الْأَعْمَشِ مِنْ كِبَارِ التَّاسِعَةِ . قَوْلُهُ : ( يَوَدُّ ) أَيْ يَتَمَنَّى ( أَهْلُ الْعَافِيَةِ ) أَيْ فِي الدُّنْيَا ( يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ظَرْفُ يَوَدُّ ( حِينَ يُعْطَى ) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ( الثَّوَابَ ) مَفْعُولٌ ثَانٍ ، أَيْ كَثِيرًا أَوْ بِلَا حِسَابٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ( قُرِضَتْ ) بِالتَّخْفِيفِ وَيَحْتَمِلُ التَّشْدِيدَ لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّأْكِيدِ ، أَيْ : قُطِعَتْ ( فِي الدُّنْيَا ) قِطْعَةً قِطْعَةً ( بِالْمَقَارِيضِ ) جَمْعُ الْمِقْرَاضِ لِيَجِدُوا ثَوَابًا كَمَا وَجَدَ أَهْلُ الْبَلَاءِ . قَالَ الطِّيبِيُّ : الْوُدُّ مَحَبَّةُ الشَّيْءِ وَتَمَنِّي كَوْنِهِ لَهُ وَيُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ مِنَ الْمَحَبَّةِ وَالتَّمَنِّي . وَفِي الْحَدِيثِ هُوَ مِنَ الْمَوَدَّةِ الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى التَّمَنِّي ، وَقَوْلُهُ : لَوْ أَنَّ إِلَخْ نَزَلَ مَنْزِلَةَ مَفْعُولِ يَوَدُّ كَأَنَّهُ قِيلَ : يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ مَا يُلَازِمُ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ مُقْرَضَةً فِي الدُّنْيَا وَهُوَ الثَّوَابُ الْمُعْطَى . قَالَ مَيْرَكُ : وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَفْعُولَ يَوَدُّ الثَّوَابُ عَلَى طَرِيقِ التَّنَازُعِ . وَقَوْلُهُ : لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ حَالٌ ، أَيْ : مُتَمَنِّينَ أَنَّ جُلُودَهُمْ إِلَخْ أَوْ قَائِلِينَ : لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ عَلَى طَرِيقَةِ الِالْتِفَاتِ مِنَ التَّكَلُّمِ إِلَى الْغَيْبَةِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَغْرَا ، وَبَقِيَّةُ رُوَاتِهِ ثِقَاتٌ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ ، وَفِيهِ رَجُلٌ لَمْ يُسَمَّ ، انْتَهَى .
2401 حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : مَنْ أَذْهَبْتُ حَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ وَاحْتَسَبَ لَمْ أَرْضَ لَهُ ثَوَابًا دُونَ الْجَنَّةِ . وَفِي الْبَاب عَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( مَنْ أَذْهَبْتُ حَبِيبَتَيْهِ ) بِالتَّثْنِيَةِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَقَدْ فَسَّرَهُمَا آخِرَ الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ : يُرِيدُ عَيْنَيْهِ وَالْمُرَادُ بِالْحَبِيبَتَيْنِ الْمَحْبُوبَتَانِ ; لِأَنَّهُمَا أَحَبُّ أَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ إِلَيْهِ لِمَا يَحْصُلُ لَهُ بِفَقْدِهِمَا مِنَ الْأَسَفِ عَلَى فَوَاتِ رُؤْيَةِ مَا يُرِيدُ رُؤْيَتَهُ مِنْ خَيْرٍ فَيُسَرُّ بِهِ أَوْ شَرٍّ فَيَجْتَنِبُهُ ( فَصَبَرَ وَاحْتَسَبَ ) قَالَ الْحَافِظُ : الْمُرَادُ أَنَّهُ يَصْبِرُ مُسْتَحْضِرًا مَا وَعَدَ اللَّهُ بِهِ الصَّابِرَ مِنَ الثَّوَابِ ، لَا أَنْ يَصْبِرَ مُجَرَّدًا عَنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ وَابْتِلَاءُ اللَّهِ عَبْدَهُ فِي الدُّنْيَا لَيْسَ مِنْ سَخَطِهِ عَلَيْهِ ، بَلْ إِمَّا لِدَفْعِ مَكْرُوهٍ أَوْ لِكَفَّارَةِ ذُنُوبٍ أَوْ لِرَفْعِ مَنْزِلَةٍ ، فَإِذَا تَلَقَّى ذَلِكَ بِالرِّضَا تَمَّ لَهُ الْمُرَادُ ، وَإِلَّا يَصِيرُ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ : إِنَّ مَرَضَ الْمُؤْمِنِ يَجْعَلُهُ اللَّهُ لَهُ كَفَّارَةً وَمُسْتَعْتَبًا ، وَإِنَّ مَرَضَ الْفَاجِرِ كَالْبَعِيرِ عَقَلَهُ أَهْلُهُ ثُمَّ أَرْسَلُوهُ فَلَا يَدْرِي لِمَ عُقِلَ وَلِمَ أُرْسِلَ . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مَوْقُوفًا ، انْتَهَى . ( لَمْ أَرْضَ لَهُ ثَوَابًا دُونَ الْجَنَّةِ ) قَالَ الْحَافِظُ : وَهَذَا أَعْظَمُ الْعِوَضِ ؛ لِأَنَّ الِالْتِذَاذَ بِالْبَصَرِ يَفْنَى بِفَنَاءِ الدُّنْيَا ، وَالِالْتِذَاذَ بِالْجَنَّةِ بَاقٍ بِبَقَائِهَا وَهُوَ شَامِلٌ لِكُلِّ مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ فِيهِ قَيْدٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ بِلَفْظِ : إِذَا أَخَذْتُ كَرِيمَتَيْكَ فَصَبَرْتَ عِنْدَ الصَّدْمَةِ وَاحْتَسَبْتَ فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الصَّبْرَ النَّافِعَ هُوَ مَا يَكُونُ فِي وُقُوعِ الْبَلَاءِ فَيُفَوِّضُ وَيُسَلِّمُ ، وَإِلَّا فَمَتَى تَضَجَّرَ وَتَقَلَّقَ فِي أَوَّلِ وَهْلَةٍ ثُمَّ يَئِسَ فَيَصْبِرُ لَا يَكُونُ حَصَّلَ الْمَقْصُودَ . وَقَدْ مَضَى حَدِيثُ أَنَسٍ فِي الْجَنَائِزِ : إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى . وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْعِرْبَاضِ فِيمَا صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِيهِ بِشَرْطٍ آخَرَ ، وَلَفْظُهُ : إِذَا سَلَبْتُ مِنْ عَبْدِي كَرِيمَتَيْهِ وَهُوَ بِهِمَا ضَنِينٌ لَمْ أَرْضَ لَهُ ثَوَابًا دُونَ الْجَنَّةِ إِذَا هُوَ حَمِدَنِي عَلَيْهِمَا . وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ ، وَإِذَا كَانَ ثَوَابُ مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ الْجَنَّةَ ، فَاَلَّذِي لَهُ أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ أُخْرَى يُرادُ فِي رَفْعِ الدَّرَجَاتِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ ) أَخْرَجَهَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِلَفْظِ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : لَا يَذْهَبُ اللَّهُ بِحَبِيبَتَيْ عَبْدٍ فَيَصْبِرَ وَيَحْتَسِبَ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ
2403 حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ ، نا عبد الله بْنُ الْمُبَارَكِ ، نا يَحْيَى بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، قَال : سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُوتُ إِلَّا نَدِمَ قَالُوا : قَالُوا : وَمَا نَدَامَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : إِنْ كَانَ مُحْسِنًا نَدِمَ أَنْ لَا يَكُونَ ازْدَادَ ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا نَدِمَ أَنْ لَا يَكُونَ نَزَعَ . هَذَا حَدِيثٌ إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَيَحْيَى بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ شُعْبَةُ . قَوْلُهُ : ( نا يَحْيَى بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهِبٍ التَّمِيمِيُّ الْمَدَنِيُّ مَتْرُوكٌ ، وَأَفْحَشَ الْحَاكِمُ فَرَمَاهُ بِالْوَضْعِ ، مِنَ السَّادِسَةِ ( قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي ) أَيْ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهِبٍ التَّمِيمِيَّ الْمَدَنِيَّ ، مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ : ( مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُوتُ إِلَّا نَدِمَ ) بِكَسْرِ الدَّالِ ، أَيْ : تَأَسَّفَ وَاغْتَمَّ فَعَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَغْتَنِمَ الْحَيَاةَ قَبْلَ الْمَمَاتِ وَأَنْ يَسْتَبِقَ الْخَيْرَاتِ قَبْلَ الْوَفَاةِ ( قَالُوا : وَمَا نَدَامَتُهُ ) أَيْ وَمَا وَجْهُ تَأَسُّفِ كُلِّ أَحَدٍ ( إِنْ كَانَ مُحْسِنًا نَدِمَ أَنْ لَا يَكُونَ ازْدَادَ ) أَيْ خَيْرًا مِنْ عَمَلِهِ ( وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا نَدِمَ أَنْ لَا يَكُونَ نَزَعَ ) أَيْ أَقْلَعَ عَنِ الذُّنُوبِ وَنَزَعَ نَفْسَهُ عَنِ ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي وَتَابَ وَصَلُحَ حَالُهُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ) وَهُوَ ضَعِيفٌ ( وَيَحْيَى بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ شُعْبَةُ ) قَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ : سَأَلْتُ يَحْيَى - يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ عَنْ يَحْيَى بن عُبَيْدِ اللَّهِ ، فَقَالَ : قَالَ شُعْبَةُ : رَأَيْتُهُ يُصَلِّي صَلَاةً لَا يُقِيمُهَا ، فَتَرَكْتُ حَدِيثَهُ ، وَذَكَرَ الْحَافِظُ : فِيهِ جُرُوحُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فَإِنْ شِئْتَ الْوُقُوفَ عَلَيْهَا فَارْجِعْ إِلَيْهِ .
2404 حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ ، نا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، نا يَحْيَى بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، قَال : سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ رِجَالٌ يَخْتِلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ جُلُودَ الضَّأْنِ مِنْ اللِّينِ أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنْ السُّكَّرِ وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الذِّئَابِ ، يَقُولُ اللَّهُ : أَبِي تغْتَرُّونَ أَمْ عَلَيَّ تجْتَرِئُونَ ؟ فَبِي حَلَفْتُ لَأَبْعَثَنَّ عَلَى أُولَئِكَ مِنْهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ مِنْهُمْ حَيْرَانًا . وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ عُمَرَ . قَوْلُهُ : ( يَخْتِلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ ) أَيْ يَطْلُبُونَ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ ، يُقَالُ : خَتَلَهُ يَخْتِلُهُ وَيَخْتُلُهُ خَتْلًا وَخَتَلَانًا : إِذَا خَدَعَهُ وَرَاوَغَهُ ، وَخَتَلَ الذِّئْبُ الصَّيْدَ إِذَا تَخَفَّى لَهُ ( يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ جُلُودَ الضَّأْنِ مِنَ اللِّينِ ) كِنَايَةً عَنْ إِظْهَارِ اللِّينِ مَعَ النَّاسِ . وَقَالَ الْقَارِي : الْمُرَادُ بِجُلُودِ الضَّأْنِ عَيْنُهَا أَوْ مَا عَلَيْهَا مِنَ الصُّوفِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ . فَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَلْبَسُونَ الْأَصْوَافَ لِيَظُنَّهُمُ النَّاسُ زُهَّادًا وَعُبَّادًا تَارِكِينَ الدُّنْيَا رَاغِبِينَ فِي الْعُقْبَى . وَقَوْلُهُ مِنَ اللِّينِ : أَيْ مِنْ أَجْلِ إِظْهَارِ التَّلَيُّنِ وَالتَّلَطُّفِ وَالتَّمَسْكُنِ وَالتَّقَشُّفِ مَعَ النَّاسِ ، وَأَرَادُوا بِهِ فِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ التَّمَلُّقَ وَالتَّوَاضُعَ فِي وُجُوهِ النَّاسِ لِيَصِيرُوا مُرِيدِينَ لَهُمْ وَمُعْتَقِدِينَ لِأَحْوَالِهِمْ ، انْتَهَى . ( أَحْلَى مِنَ السُّكَّرِ ) بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْكَافِ مُعَرَّبُ شَكَرَ ( وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الذِّئَابِ ) أَيْ مُسْوَدَّةٌ شَدِيدَةٌ فِي حُبِّ الدُّنْيَا وَالْجَاهِ ( أَبِي تَغْتَرُّونَ ) الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ أَيْ أَبِحِلْمِي وَإِمْهَالِي تَغْتَرُّونَ ؟ وَالِاغْتِرَارُ هُنَا عَدَمُ الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ ، وَإِهْمَالُ التَّوْبَةِ ، وَالِاسْتِرْسَالُ فِي الْمَعَاصِي وَالشَّهَوَاتِ ( أَمْ عَلَيَّ تَجْتَرِئُونَ ) ؟ أَمْ مُنْقَطِعَةٌ ؛ أَضْرَبَ إِلَى مَا هُوَ أَشْنَعُ مِنَ الِاغْتِرَارِ بِاَللَّهِ ، أَيْ : تَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ لِيُعْتَقَدَ فِيكُمُ الصَّلَاحُ فَيُجْلَبُ إِلَيْكُمُ الْأَمْوَالُ وَتُخْدَمُونَ ( فَبِي حَلَفْتُ ) أَيْ بِعَظَمَتِي وَجَلَالِي لَا بِغَيْرِ ذَلِكَ ( لَأَبْعَثَنَّ ) مِنَ الْبَعْثِ أَيْ لَأُسَلِّطَنَّ وَلَأَقْضِيَنَّ ( عَلَى أُولَئِكَ ) أَيِ الْمَوْصُوفِينَ بِمَا ذَكَرَ ( مِنْهُمْ ) أَيْ مِمَّا بَيْنَهُمْ بِتَسْلِيطِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ( فِتْنَةً تَدْعُ الْحَلِيمَ ) أَيْ تَتْرُكُ الْعَالِمَ الْحَازِمَ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ ( حَيْرَانًا ) كَذَا فِي النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ بِالتَّنْوِينِ . وَذَكَرَ الْمُنْذِرِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي التَّرْغِيبِ نَقْلًا عَنِ التِّرْمِذِيِّ ، وَفِيهِ : حَيْرَانَ بِغَيْرِ التَّنْوِينِ وَكَذَلِكَ فِي الْمِشْكَاةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ ، أَيْ : حَالَ كَوْنِهِ مُتَحَيِّرًا فِي الْفِتْنَةِ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهَا وَلَا عَلَى الْخَلَاصِ مِنْهَا لَا بِالْإِقَامَةِ فِيهَا وَلَا بِالْفِرَارِ مِنْهَا . قَالَ الْأَشْرَفُ : مِنْ فِي مِنْهُمْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّبْيِينِ بِمَعْنَى الَّذِينَ وَالْإِشَارَةِ إِلَى الرِّجَالِ ، وَتَقْدِيرُهُ : عَلَى أُولَئِكَ الَّذِينَ يَخْتِلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ وَأَنْ يُجْعَلَ مُتَعَلِّقًا بِالْفِتْنَةِ . أَيْ : لَأَبْعَثَنَّ عَلَى الرِّجَالِ الَّذِينَ يَخْتِلُونِ الدُّنْيَا بِالدِّينِ فِتْنَةً نَاشِئَةً مِنْهُمْ ، كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ فِي سَنَدِهِ أَيْضًا يَحْيَى بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ هَذَا
2405 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ ، نا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، نا حَمْزَةُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : لَقَدْ خَلَقْتُ خَلْقًا أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنْ الصَّبْرِ فَبِي حَلَفْتُ لَأُتِيحَنَّهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ مِنْهُمْ حَيْرَانًا فَبِي يَغْتَرُّونَ أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، ولَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ) بْنِ صَخْرٍ الدَّارِمِيُّ أَبُو جَعْفَرٍ السَّرَخْسِيُّ ثِقَةٌ حَافِظٌ مِنَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ( ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ ) بْنِ الزِّبْرِقَانَ الْمَكِّيُّ نَزِيلُ بَغْدَادَ صَدُوقٌ يَهِمُ مِنَ الْعَاشِرَةِ ( نا حَمْزَةُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ ) الْمَدَنِيُّ ضَعِيفٌ مِنَ السَّابِعَةِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ : لَهُ فِي التِّرْمِذِيِّ حَدِيثٌ وَاحِدٌ فِي خَلْقِ قَوْمٍ أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ . قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : ضَعِيفُ الْحَدِيثِ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ حَاتِمٍ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( لَقَدْ خَلَقْتُ خَلْقًا ) أَيْ مِنَ الْآدَمِيِّينَ ( أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ ) فَبِهَا يَمْلُقُونَ وَيُدَاهِنُونَ ( وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الصَّبِرُ كَكَتِفٍ وَلَا يُسَكَّنُ إِلَّا فِي ضَرُورَةِ شِعْرٍ عُصَارَةُ شَجَرٍ مُرٍّ أَيْ فَبِهَا يَمْكُرُونَ وَيُنَافِقُونَ ( لَأُتِيحَنَّهُمْ ) بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ فَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ فَنُونٍ ، أَيْ : لَأُقَدِّرَنَّ لَهُمْ ، مِنْ أَتَاحَ لَهُ كَذَا ، أَيْ : قَدَّرَ لَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ ( فِتْنَةً ) أَيِ ابْتِلَاءً وَامْتِحَانًا ( تَدَعُ الْحَلِيمَ ) بِفَتْحِ الدَّالِ أَيْ تَتْرُكُهُ ( مِنْهُمْ حَيْرَانًا ) أَيْ تَتْرُكُ الْعَاقِلَ مِنْهُمْ مُتَحَيِّرًا ، لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهَا ، وَلَا كَفُّ شَرِّهَا . ( فَبِي يَغْتَرُّونَ ) بِتَقْدِيرِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) ذَكَرَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ هَذَا الْحَدِيثَ وَنَقَلَ تَحْسِينَ التِّرْمِذِيِّ وَأَقَرَّهُ . اعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ هَذَا وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي قَبْلَهُ ، لَا مُنَاسَبَةَ لَهُمَا بِبَابِ ذَهَابِ الْبَصَرِ ، وَلَعَلَّهُ سَقَطَ قَبْلَهُمَا بَابٌ يُنَاسِبُ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ .
بَاب مَا جَاءَ فِي ذَهَابِ الْبَصَرِ 2400 حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيُّ ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ ، نا أَبُو ظِلَالٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : إِذَا أَخَذْتُ كَرِيمَتَيْ عَبْدِي فِي الدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لَهُ جَزَاءٌ عِنْدِي إِلَّا الْجَنَّةَ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَأَبُو ظِلَالٍ اسْمُهُ هِلَالٌ بَاب مَا جَاءَ فِي ذَهَابِ الْبَصَرِ قَوْلُهُ : ( إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : إِذَا أَخَذْتُ كَرِيمَتَيْ عَبْدِي ) أَيْ : أَعْمَيْتُ عَيْنَيْهِ الْكَرِيمَتَيْنِ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتَا بِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا أَكْرَمَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ فِي حَوَاسِّهِ مِنْهَما ( لَمْ يَكُنْ لَهُ جَزَاءٌ عِنْدِي إِلَّا الْجَنَّةَ ) أَيْ دُخُولُهَا مَعَ السَّابِقِينَ أَوْ بِغَيْرِ عَذَابٍ ; لِأَنَّ الْعَمَى مِنْ أَعْظَمِ الْبَلَايَا ، وَهَذَا قَيْدُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِي بِمَا إِذَا صَبَرَ وَاحْتَسَبَ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ الْجَعْفِيِّ بِلَفْظِ : مَا ابْتُلِيَ عَبْدٌ بَعْدَ ذَهَابِ دِينِهِ بِأَشَدَّ مِنْ ذَهَابِ بَصَرِهِ ، وَمَنِ ابْتُلِيَ بِبَصَرِهِ فَصَبَرَ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ ، لَقِيَ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَلَا حِسَابَ عَلَيْهِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ بِغَيْرِ لَفْظِهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَلَفْظُهُ : إِنَّ اللَّهَ قَالَ : إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجَنَّةَ . يُرِيدُ عَيْنَيْهِ .
2396 وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا ، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ ) أَيْ كَثْرَتَهُ ( مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ، وَفَتْحِ الظَّاءِ فِيهِمَا وَيَجُوزُ ضَمُّهَا مَعَ سُكُونِ الظَّاءِ فَمَنِ ابْتِلَاؤُهُ أَعْظَمُ فَجَزَاؤُهُ أَعْظَمُ ( ابْتَلَاهُمْ ) أَيِ اخْتَبَرَهُمْ بِالْمِحَنِ وَالرَّزَايَا ( فَمَنْ رَضِيَ ) بِمَا ابْتَلَاهُ بِهِ ( فَلَهُ الرِّضَى ) مِنْهُ تَعَالَى وَجَزِيلُ الثَّوَابِ ( وَمَنْ سَخِطَ ) بِكَسْرِ الْخَاءِ أَيْ كَرِهَ بَلَاءَ اللَّهِ وَفَزِعَ وَلَمْ يَرْضَ بِقَضَائِهِ ( فَلَهُ السُّخْطُ ) مِنْهُ تَعَالَى وَأَلِيمُ الْعَذَابِ ، وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ، وَالْمَقْصُودُ الْحَثُّ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى الْبَلَاءِ بَعْدَ وُقُوعِهِ لَا التَّرْغِيبُ فِي طَلَبِهِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ) الظَّاهِرُ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ حَسَّنَ الْحَدِيثَ الثَّانِيَ وَلَمْ يَحْكُمْ عَلَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ بِشَيْءٍ مَعَ أَنَّهُ أَيْضًا حَسَّنَ عِنْدَهُ ؛ لِأَنَّ سَنَدَهُمَا وَاحِدٌ . وَذَكَرَ السُّيُوطِيُّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ، وَعَزَاهُ إِلَى التِّرْمِذِيِّ ، وَالْحَاكِمِ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ الثَّانِيَ فِيهِ أَيْضًا وَعَزَاهُ إِلَى التِّرْمِذِيِّ ، وَابْنِ مَاجَهْ وَذَكَرَ الْمُنْذِرِيُّ الْحَدِيثَ الثَّانِيَ فِي التَّرْغِيبِ وَقَالَ : رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .
بَاب فِي الصَّبْرِ عَلَى الْبَلَاءِ 2396 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سِنَانٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا ، وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . بَاب في الصَّبْرِ عَلَى الْبَلَاءِ قَوْلُهُ : ( عَنْ سَعْدِ بْنِ سِنَانٍ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : سَعْدُ بْنُ سِنَانٍ ، وَيُقَالُ : سِنَانُ بْنُ سَعْدٍ الْكِنْدِيُّ الْمِصْرِيُّ ، وَصَوَّبَ الثَّانِيَ الْبُخَارِيُّ ، وَابْنُ يُونُسَ صَدُوقٌ لَهُ أَفْرَادٌ مِنَ الْخَامِسَةِ . قَوْلُهُ : ( إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ ) بِالتَّشْدِيدِ أَيْ أَسْرَعَ ( لَهُ الْعُقُوبَةَ ) أَيِ الِابْتِلَاءَ بِالْمَكَارِهِ ( فِي الدُّنْيَا ) لِيَخْرُجَ مِنْهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ ، وَمَنْ فُعِلَ ذَلِكَ مَعَهُ فَقَدْ أَعْظَمَ اللُّطْفَ بِهِ وَالْمِنَّةَ عَلَيْهِ ( أَمْسَكَ ) أَيْ : أَخَّرَ ( عَنْهُ ) مَا يسْتَحِقُّهُ مِنَ الْعُقُوبَةِ ( بِذَنْبِهِ ) أَيْ بِسَبَبِهِ ( حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) أَيْ حَتَّى يَأْتِيَ الْعَبْدُ بِذَنْبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . قَالَ الطِّيبِيُّ : يَعْنِي لَا يُجَازِيهِ بِذَنْبِهِ حَتَّى يَجِيءَ فِي الْآخِرَةِ مُتَوَفِّرَ الذُّنُوبِ وَافِيهَا ، فَيَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ مِنَ الْعِقَابِ .
2399 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأُخْتِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ . قَوْلُهُ : ( مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ ) أَيْ يَنْزِلُ بِالْمُؤْمِنِ الْكَامِلِ ( وَالْمُؤْمِنَةِ ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ بِدَلِيلِ إِفْرَادِ الضَّمِيرِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ ، وَوَقَعَ فِي الْمِشْكَاةِ : بِالْمُؤْمِنِ أَوِ الْمُؤْمِنَةِ قَالَ الْقَارِي : أَوْ لِلتَّنْوِيعِ وَوَقَعَ فِي أَصْلِ ابْنِ حَجَرٍ بِالْوَاوِ ، فَقَالَ : الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ بِدَلِيلِ إِفْرَادِ الضَّمِيرِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلنُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ ، وَالْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ ( وَوَلَدِهِ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَاللَّامِ وَبِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيْ أَوْلَادِهِ ( حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ ) أَيْ يَمُوتَ ( وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ ) بِالْهَمْزَ وَالْإِدْغَامِ ، أَيْ : وَلَيْسَ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ ؛ لِأَنَّهَا زَالَتْ بِسَبَبِ الْبَلَاءِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْهُ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ : مَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يُصَابُ فِي وَلَدِهِ وَحَامَّتِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَتْ لَهُ خَطِيئَةٌ . وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِلَفْظِ : لَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ كَذَا فِي الْفَتْحِ ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا : رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَالْحَاكِمُ ، وَقَالَ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأُخْتِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ . وَأَمَّا حَدِيثُ أُخْتِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ . وَأُخْتُ حُذَيْفَةَ اسْمُهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ الْيَمَانِ صَرَّحَ بِهِ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ .
2398 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا شريك ، عَنْ عَاصِمِ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً ؟ قَالَ : الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ ، فَإِنْ كَانَ في دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى قدر دِينِهِ ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ ) أَيْ أَكْثَرُ وَأَصْعَبُ ( بَلَاءً ) أَيْ مِحْنَةً وَمُصِيبَةً ( قَالَ الْأَنْبِيَاءُ ) أَيْ هُمْ أَشَدُّ فِي الِابْتِلَاءِ ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَلَذَّذُونَ بِالْبَلَاءِ كَمَا يَتَلَذَّذُ غَيْرُهُمْ بِالنَّعْمَاءِ ، وَلِأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يُبْتَلَوْا لَتُوُهِّمَ فِيهِمُ الْأُلُوهِيَّةُ ، وَلِيُتَوَهَّنَ عَلَى الْأُمَّةِ الصَّبْرُ عَلَى الْبَلِيَّةِ . وَلِأَنَّ مَنْ كَانَ أَشَدَّ بَلَاءً كَانَ أَشَدَّ تَضَرُّعًا وَالْتِجَاءً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ( ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ ) قَالَ الْحَافِظُ : الْأَمْثَلُ أَفْعَلُ مِنَ الْمَثَالَةِ وَالْجَمْعُ أَمَاثِلُ وَهُمُ الْفُضَلَاءُ . وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : أَيِ الْأَشْرَفُ فَالْأَشْرَفُ ، وَالْأَعْلَى فَالْأَعْلَى رُتْبَةً وَمَنْزِلَةً . يَعْنِي مَنْ هُوَ أَقْرَبُ إِلَى اللَّهِ بَلَاؤُهُ أَشَدُّ لِيَكُونَ ثَوَابُهُ أَكْثَرَ . قَالَ الطِّيبِيُّ : ثُمَّ فِيهِ لِلتَّرَاخِي فِي الرُّتْبَةِ وَالْفَاءُ لِلتَّعَاقُبِ عَلَى سَبِيلِ التَّوَالِي تَنَزُّلًا مِنَ الْأَعْلَى إِلَى الْأَسْفَلِ وَاللَّامُ فِي الْأَنْبِيَاءِ لِلْجِنْسِ . قَالَ الْقَارِي : وَيَصِحُّ كَوْنُهَا لِلِاسْتِغْرَاقِ إِذْ لَا يَخْلُو واحد مِنْهُمْ مِنْ عَظِيمِ مِحْنَةٍ وَجَسِيمِ بَلِيَّةٍ بِالنِّسْبَةِ لِأَهْلِ زَمَنِهِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : ( يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ ) أَيْ مِقْدَارِهِ ضَعْفًا وَقُوَّةً وَنَقْصًا وَكَمَالًا . قَالَ الطِّيبِيُّ : الْجُمْلَةُ بَيَانٌ لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى ، وَاللَّامُ فِي الرَّجُلِ لِلِاسْتِغْرَاقِ فِي الْأَجْنَاسِ الْمُتَوَالِيَةِ ( فَإِنْ كَانَ ) تَفْصِيلٌ لِلِابْتِلَاءِ وَقَدْرِهِ ( فِي دِينِهِ صُلْبًا ) بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ قَوِيًّا شَدِيدًا ، وَهُوَ خَبَرُ كَانَ ، وَاسْمُهُ ضَمِيرٌ رَاجِعٌ إِلَى الرَّجُلِ ، وَالْجَارُّ مُتَعَلِّقٌ بِالْخَبَرِ ( اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ ) أَيْ : كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً ( وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةً ) أَيْ ذَا رِقَّةٍ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رِقَّةٌ اسْمَ كَانَ ، أَيْ : ضَعْفٌ وَلِينٌ . قَالَ الطِّيبِيُّ : جَعَلَ الصَّلَابَةَ صِفَةً لَهُ ، وَالرِّقَّةَ صِفَةً لِدِينِهِ مُبَالَغَةً وَعَلَى الْأَصْلِ . قَالَ الْقَارِي : وَكَأَنَ الْأَصْلُ فِي الصُّلْبِ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي الْجُثَثِ ، وَفِي الرِّقَّةِ أَنْ تُسْتَعْمَلَ فِي الْمَعَانِي ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّفَنُّنِ فِي الْعِبَارَةِ ، انْتَهَى . ( ابْتُلِيَ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ ) أَيْ بِبَلَاءٍ هَيِّنٍ سَهْلٍ ، وَالْبَلَاءُ فِي مُقَابَلَةِ النِّعْمَةِ ، فَمَنْ كَانَتِ النِّعْمَةُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ فَبَلَاؤُهُ أَغْزَرُ ( فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ ) أَيْ مَا يُفَارِقُ أَوْ مَا يُزَالُ ( بِالْعَبْدِ ) أَيِ الْإِنْسَانِ ( حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ ) كِنَايَةً عَنْ خَلَاصِهِ مِنَ الذُّنُوبِ ، فَكَأَنَّهُ كَانَ مَحْبُوسًا ثُمَّ أُطْلِقَ وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ يَمْشِي مَا عَلَيْهِ بَأْسٌ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالدَّارِمِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الْكُبْرَى ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، كَذَا فِي الْفَتْحِ .
2397 حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نَا أَبُو دَاوُدَ ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، قَال : سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ يَقُولُ : قَالَتْ عَائِشَةُ : مَا رَأَيْتُ الْوَجَعَ عَلَى أَحَدٍ أَشَدَّ مِنْهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ يُحَدِّثُ يَقُولُ ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَلَمْ يَقَعْ فِي بَعْضِهَا لَفْظُ يُحَدِّثُ وَهُوَ الظَّاهِرُ . قَوْلُهُ : ( مَا رَأَيْتُ الْوَجَعَ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : الْمُرَادُ بِالْوَجَعِ الْمَرَضُ ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ وَجَعٍ مَرَضًا ، انْتَهَى ( مِنْهُ ) أَيْ مِنَ الْوَجَعِ ( عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَيْ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشَدَّ وَجَعًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
بَاب مَا جَاءَ فِي صُحْبَةِ الْمُؤْمِنِ 2395 حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ ، نَا عبد الله بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ ، نا سَالِمُ بْنُ غَيْلَانَ ، أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ قَيْسٍ التُّجِيبِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ، قَالَ : سَالِمٌ أَوْ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا ، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ . هَذَا حَدِيثٌ إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . بَاب مَا جَاءَ فِي صُحْبَةِ الْمُؤْمِنِ قَوْلُهُ : ( نا سَالِمُ بْنُ غَيْلَانَ ) بِفَتْحِ مُعْجَمَةٍ وَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ التُّجِيبِيُّ الْمِصْرِيُّ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ مِنَ السَّابِعَةِ ( أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ قَيْسِ ) بْنِ الْأَخْرَمِ ( التُّجِيبِيَّ ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا وَكَسْرُ جِيمٍ وَسُكُونُ مُثَنَّاةٍ تَحْتُ فَمُوَحَّدَةٌ وَبِشَدَّةِ يَاءٍ فِي الْآخِرِ مَنْسُوبٌ إِلَى تُجِيبَ بْنِ ثَوْبَانَ بْنِ سُلَيْمٍ مَقْبُولٌ مِنَ الْخَامِسَةِ . وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ : رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَوْ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( قَالَ سَالِمٌ أَوْ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ) وَسِيَاقُ سَنَدِ أَبِي دَاوُدَ ، هَكَذَا حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ أنا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ غَيْلَانَ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَوْ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، انْتَهَى . وَالْحَاصِلُ : أَنَّهُ وَقَعَ الشَّكُّ لِسَالِمِ بْنِ غَيْلَانَ فِي أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ قَيْسٍ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِلَا وَاسِطَةٍ ، أَوْ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ . قَوْلُهُ : ( لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا ) أَيْ كَامِلًا بَلْ مُكَمِّلًا ، أَوِ الْمُرَادُ مِنْهُ النَّهْيُ عَنْ مُصَاحَبَةِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ ; لِأَنَّ مُصَاحَبَتَهُمْ مَضَرَّةٌ فِي الدِّينِ ، فَالْمُرَادُ بِالْمُؤْمِنِ مِنْ جِنْسِ الْمُؤْمِنِينَ ( وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ ) أَيْ مُتَوَرِّعٌ يَصْرِفُ قُوَّةَ الطَّعَامِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ ، وَالنَّهْيُ وَإِنْ نُسِبَ إِلَى التَّقِى فَفِي الْحَقِيقَةِ مُسْنَدٌ إِلَى صَاحِبِ الطَّعَامِ ، فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ : لَا أَرَيَنَّكَ هَاهُنَا . فَالْمَعْنَى : لَا تُطْعِمْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيًّا . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا إِنَّمَا جَاءَ فِي طَعَامِ الدَّعْوَةِ دُونَ طَعَامِ الْحَاجَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ : وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَسْرَاءهُمْ كَانُوا كُفَّارًا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّمَا حَذَّرَ مِنْ صُحْبَةِ مَنْ لَيْسَ بِتَقِيٍّ ، وَزَجَرَ عَنْ مُخَالَطَتِهِ وَمُؤَاكَلَتِهِ لِأَنَّ الْمَطَاعِمَ تُوقِعُ الْأُلْفَةَ وَالْمَوَدَّةَ فِي الْقُلُوبِ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : وَلَا يَأْكُلْ نَهْيٌ لِغَيْرِ التَّقِيِّ أَنْ يَأْكُلَ طَعَامَهُ ، وَالْمُرَادُ : نَهْيُهُ عَنْ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِمَا لَا يَأْكُلُ التَّقِيُّ طَعَامَهُ مِنْ كَسْبِ الْحَرَامِ وَتَعَاطِي مَا يُنَفِّرُ عَنْهُ التَّقِيَّ . فَالْمَعْنَى لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُطِيعًا ، وَلَا تُخَالِلْ إِلَّا تَقِيًّا ، انْتَهَى . قَالَ الْقَارِي : وَهُوَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْبَهَاءِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ بِهِ وَجْهُ الْحَصْرِ ، فَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْنَاهُ . قُلْتُ : الْأَمْرُ كَمَا قَالَ الْقَارِي . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالدَّارِمِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ وَسَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالْمُنْذِرِيُّ . وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ أَسَانِيدُهُ صَحِيحَةٌ .
بَاب كَرَاهِيَةِ الْمِدْحَةِ وَالْمَدَّاحِينَ 2393 حَدَّثَنَا بندار ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، نَا سُفْيَانُ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ ، قَالَ : قَامَ رَجُلٌ فَأَثْنَى عَلَى أَمِيرٍ مِنْ الْأُمَرَاءِ فَجَعَلَ الْمِقْدَادُ بن الأسود يَحْثُو فِي وَجْهِهِ التُّرَابَ ، وَقَالَ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَحْثُوَ فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رَوَى زَائِدَةُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَحَدِيثُ مُجَاهِدٍ ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ أَصَحُّ ، وَأَبُو مَعْمَرٍ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَخْبَرَةَ ، وَالْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ هُوَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو الْكِنْدِيُّ ، وَيُكْنَى أَبَا مَعْبَدٍ ، وَإِنَّمَا نُسِبَ إِلَى الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ تَبَنَّاهُ وَهُوَ صَغِيرٌ . ( بَابُ كَرَاهِيَةِ الْمِدْحَةِ وَالْمَدَّاحِينَ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : مَدَحَهُ كَمَنَعَهُ مَدْحًا وَمِدْحَةً : أَحْسَنَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ ، كَمَدَحَهُ وَامْتَدَحَهُ ، وَالْمَدِيحُ وَالْمِدْحَةُ وَالْأُمْدُوحَةُ مَا يُمْدَحُ بِهِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ نَحْثُوَ فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ ) قِيلَ : يُؤْخَذُ التُّرَابُ وَيُرْمَى بِهِ فِي وَجْهِ الْمَدَّاحِ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ الْأَمْرُ بِدَفْعِ الْمَالِ إِلَيْهِمْ ، إِذِ الْمَالُ حَقِيرٌ كَالتُّرَابِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَرْضِ فِي كُلِّ بَابٍ ، أَيْ أَعْطُوهُمْ إِيَّاهُ ، وَاقْطَعُوا بِهِ أَلْسِنَتَهُمْ لِئَلَّا يَهْجُوكُمْ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَعْطُوهُمْ عَطَاءً قَلِيلًا فَشبهه لِقِلَّتِهِ بِالتُّرَابِ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ مِنْهُ أَنْ يُخَيِّبَ الْمَادِحَ وَلَا يُعْطِيهِ شَيْئًا لِمَدْحِهِ ، وَالْمُرَادُ زَجْرُ الْمَادِحِ وَالْحَثُّ عَلَى مَنْعِهِ مِنَ الْمَدْحِ ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ الشَّخْصَ مَغْرُورًا وَمُتَكَبِّرًا . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمَدَّاحُونَ هُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَدْحَ النَّاسِ عَادَةً وَجَعَلُوهُ بِضَاعَةً يَسْتَأْكِلُونَ بِهِ الْمَمْدُوحَ . فَأَمَّا مَنْ مَدَحَ الرَّجُلَ عَلَى الْفِعْلِ الْحَسَنِ ، وَالْأَمْرِ الْمَحْمُودِ يَكُونُ مِنْهُ تَرْغِيبًا لَهُ فِي أَمْثَالِهِ وَتَحْرِيضًا لِلنَّاسِ عَلَى الِاقْتِدَاءِ عَلَى أَشْبَاهِهِ فَلَيْسَ بِمَدَّاحٍ . وَفِي شَرْحِ السِّتَّةِ : قَدِ اسْتَعْمَلَ الْمِقْدَادُ الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي تَنَاوُلِ عَيْنِ التُّرَابِ وَحَثِّيهِ فِي وَجْهِ الْمَادِحِ ، وَقَدْ يُتَأَوَّلُ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ الْخَيْبَةُ وَالْحِرْمَانُ أَيْ مَنْ تَعَرَّضَ لَكُمْ بِالثَّنَاءِ وَالْمَدْحِ فَلَا تُعْطُوهُ وَاحْرِمُوهُ ، كَنَى بِالتُّرَابِ عَنِ الْحِرْمَانِ ، كَقَوْلِهِمْ : مَا فِي يَدِهِ غَيْرُ التُّرَابِ ، وَكَقَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : إِذَا جَاءَكَ يَطْلُبُ ثَمَنَ الْكَلْبِ فَامْلَأْ كَفَّهُ تُرَابًا . قُلْتُ : الْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ كَمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ راويه مِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ ، وَإِلَّا فَالْأَوْلَى أَنْ يُتَأَوَّلَ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ الْخَيْبَةُ وَالْحِرْمَانُ ، وَأَمَّا مَا سِوَاهُ مِنَ التَّأْوِيلِ فَفِيهِ بُعْدٌ كَمَا لَا يَخْفَى ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ الْغَزَالِيُّ : فِي الْمَدْحِ سِتُّ آفَاتٍ ، أَرْبَعٌ عَلَى الْمَادِحِ وَاثْنَتَانِ عَلَى الْمَمْدُوحِ ، أَمَّا الْمَادِحُ فَقَدْ يُفْرِطُ فِيهِ فَيَذْكُرُهُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ فَيَكُونُ كَذَّابًا ، وَقَدْ يُظْهِرُ فِيهِ مِنَ الْحُبِّ مَا لَا يَعْتَقِدُهُ فَيَكُونُ مُنَافِقًا ، وَقَدْ يَقُولُ لَهُ مَا لَا يَتَحَقَّقُهُ ، فَيَكُونُ مُجَازِفًا ، وَقَدْ يَفْرَحُ الْمَمْدُوحُ بِهِ ، وَرُبَّمَا كَانَ ظَالِمًا فَيُعْصَى بِإِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا الْمَمْدُوحُ فَيُحْدِثُ فِيهِ كِبْرًا وَإِعْجَابًا ، وَقَدْ يَفْرَحُ فَيَفْسُدُ الْعَمَلُ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . قَوْلُهُ : ( وَحَدِيثُ مُجَاهِدٍ ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ أَصَحُّ ) ؛ لِأَنَّ حَبِيبَ بْنَ أَبِي ثَابِتٍ الَّذِي رَوَاهُ عَنْ مُجَاهِدٍ ثِقَةٌ فَقِيهٌ جَلِيلٌ . وَأَمَّا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ الَّذِي رَوَاهُ عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَهُوَ ضَعِيفٌ ، كَبِرَ فَتَغَيَّرَ وَصَارَ يَتَلَقَّنُ .
2394 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْكُوفِيُّ ، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنْ سَالِمٍ الْخَيَّاطِ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَحْثُوَ فِي أَفْوَاهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ) بْنُ عُثْمَانَ بْنِ كَرَامَةَ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ مِنَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ( عَنْ سَالِمِ ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخَيَّاطِ الْبَصْرِيِّ نَزَلَ مَكَّةَ ، وَهُوَ سَالِمٌ مَوْلَى عُكَّاشَةَ ، وَقِيلَ هُمَا اثْنَانِ صَدُوقٌ سَيِّئُ الْحِفْظِ مِنَ السَّادِسَةِ . قَوْلُهُ : ( أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ نَحْثُوَ ) أَيْ : نَرْمِيَ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ) وَهُوَ مُنْقَطِعٌ ؛ لِأَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ شَيْئًا .
بَاب مَا جَاءَ أَنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ 2324 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَفِي الْبَاب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ( باب ما جاء أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ) قَوْلُهُ : ( الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ ) قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ مَسْجُونٌ مَمْنُوعٌ فِي الدُّنْيَا مِنَ الشَّهَوَاتِ الْمُحَرَّمَةِ وَالْمَكْرُوهَةِ ، مُكَلَّفٌ بِفِعْلِ الطَّاعَاتِ الشَّاقَّةِ ، فَإِذَا مَاتَ اسْتَرَاحَ مِنْ هَذَا ، وَانْقَلَبَ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِنَ النَّعِيمِ الدَّائِمِ ، وَالرَّاحَةِ الْخَالِصَةِ مِنَ النُّقْصَانِ . وَأَمَّا الْكَافِرُ فَإِنَّمَا لَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا حَصَّلَ فِي الدُّنْيَا مَعَ قِلَّتِهِ وَتَكْدِيرِهِ بِالْمُنَغِّصَاتِ ، فَإِذَا مَاتَ صَارَ إِلَى الْعَذَابِ الدَّائِمِ وَشَقَاءِ الْأَبَدِ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ : لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ شَهَوَاتِهَا الْمُحَرَّمَةِ فَكَأَنَّهُ فِي سِجْنٍ ، وَالْكَافِرُ عَكْسُهُ فَكَأَنَّهُ فِي جَنَّةٍ ، انْتَهَى ، وَقِيلَ : كَالسِّجْنِ لِلْمُؤْمِنِ فِي جَنْبِ مَا أُعِدَّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الثَّوَابِ وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ ، وَكَالْجَنَّةِ لِلْكَافِرِ فِي جَنْبِ مَا أُعِدَّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْعُقُوبَةِ وَالْعَذَابِ الْأَلِيمِ . قوله : ( هذا حديث حسن صحيح ) وأخرجه مسلم وأحمد وابن ماجه . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ ، وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ مَرْفُوعًا : الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَسَنَتُهُ ، فَإِذَا فَارَقَ الدُّنْيَا فَارَقَ السِّجْنَ وَالسَّنَةَ .
2392 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، وَقُتَيْبَةُ ، قَالَا : نَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُسْلِمٍ الْقَصِيرِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلْمَانَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ نَعَامَةَ الضَّبِّيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا آخَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَلْيَسْأَلْهُ عَنْ اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ ، وَمِمَّنْ هُوَ فَإِنَّهُ أَوْصَلُ لِلْمَوَدَّةِ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَا نَعْرِفُ لِيَزِيدَ بْنِ نَعَامَةَ سَمَاعًا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، نَحْوَ هَذَا الحديث ، وَلَا يَصِحُّ إِسْنَادُهُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُسْلِمٍ ) الْمِنْقَرِيِّ الْقَصِيرِ الْبَصْرِيِّ صَدُوقٌ رُبَّمَا وَهَمَ ، قِيلَ : هُوَ الَّذِي رَوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، وَقِيلَ : بَلْ هُوَ غَيْرُهُ ، وَهُوَ مَكِّيٌّ مِنَ السَّادِسَةِ . ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلْيمَانَ ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : سَعِيدُ بْنُ سلمَانَ . قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : سَعِيدُ بْنُ سَلْمَانَ أَوِ ابْنُ سُلَيْمَانَ الرَّبْعِيُّ مَقْبُولٌ مِنَ السَّابِعَةِ ، وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ لَهُ فِي التِّرْمِذِيِّ حَدِيثٌ وَاحِدٌ ، يَعْنِي حَدِيثَ يَزِيدَ بْنِ نُعَامَةَ هَذَا . ( عَنْ يَزِيدَ بْنِ نُعَامَةَ ) بِضَمِّ نُونٍ وَفَتْحِ عَيْنٍ مُهْمَلَةٍ كَذَا ضَبَطَهُ صَاحِبُ مَجْمَعِ الْبِحَارِ فِي الْمُغْنِي ( الضَّبِّيِّ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ مُشَدَّدَةً نِسْبَةً لِضَبَّةَ قَبِيلَةٌ مَشْهُورَةٌ . قَوْلُهُ : ( إِذَا آخَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ ) بِمَدِّ الْهَمْزَةِ مِنَ الْمُؤَاخَاةِ أَيْ إِذَا اتَّخَذَهُ أَخًا فِي اللَّهِ ( فَلْيَسْأَلْهُ عَنِ اسْمِهِ ) مَا هُوَ ( وَمِمَّنْ هُوَ ) أَيْ مِنْ أَيِّ قَبِيلَةٍ وَقَوْمٍ هُوَ ( فَإِنَّهُ ) أَيِ السُّؤَالُ عَمَّا ذُكِرَ ( أَوْصَلُ ) أَيْ أَكْثَرُ وَصْلَةً ( لِلْمَوَدَّةِ ) أَيْ لِلْمَحَبَّةِ فِي الْأُخُوَّةِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ . قَوْلُهُ : ( وَلَا نَعْرِفُ لِيَزِيدَ بْنِ نُعَامَةَ سَمَاعًا مِنَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : يَزِيدُ بْنُ نُعَامَةَ الضَّبِّيُّ أَبُو مَوْدُودٍ الْبَصْرِيُّ ، مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ لَهُ صُحْبَةً . وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ : أَرْسَلَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَدِيثَ إِذَا آخَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ . قَوْلُهُ : ( وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَحْوُ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا يَصِحُّ إِسْنَادُهُ ) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وَلَفْظُهُ : إِذَا آخَيْتَ رَجُلًا فَاسْأَلْهُ عَنِ اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ فَإِنْ كَانَ غَائِبًا حَفِظْتَهُ وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا عُدْتَهُ ، وَإِنْ مَاتَ شَهِدْتَهُ . قَالَ الْمُنَاوِيُّ : وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ .
بَاب مَا جَاءَ فِي إِعْلَامِ الْحُبِّ 2392 حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، نَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكرب قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُعْلِمْهُ إِيَّاهُ ، وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَأَنَسٍ ، حَدِيثُ الْمِقْدَامِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ . بَاب مَا جَاءَ فِي إِعْلَامِ الْحُبِّ قَوْلُهُ : ( عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ ) الرَّحَبِيِّ أَبِي حَفْصٍ الْحِمْصِيِّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ : ( إِذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ ) فِي الدِّينِ ( فَلْيُعْلِمْهُ ) أَيْ فَلْيُخْبِرْهُ نَدْبًا مُؤَكَّدًا ( إِيَّاهُ ) أَيْ أَنَّهُ يُحِبُّهُ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ اسْتَمَالَ قَلْبَهُ وَاجْتَلَبَ وُدَّهُ ، فَبِالضَّرُورَةِ يُحِبُّهُ فَيَحْصُلُ الِائْتِلَافُ وَيَزُولُ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، وَأَنَسٍ ) . أَمَّا حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ الْمِقْدَامِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ .
بَاب مَا جَاءَ مَثَلُ الدُّنْيَا مَثَلُ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ 2325 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، نَا أَبُو نُعَيْمٍ ، نَا عُبَادَةُ بْنُ مُسْلِمٍ ، نَا يُونُسُ بْنُ خَبَّابٍ ، عَنْ سَعِيدٍ الطَّائِيِّ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : ثَنِي أَبُو كَبْشَةَ الْأَنَّمَارِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ثَلَاث أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ قَالَ : مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ ، وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً صَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ عِزًّا ، وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا ، وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ فقَالَ : إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ : عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ به رَحِمَهُ ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ : لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا ، يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ ، وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فهو بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ ، وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ : لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . ( باب ما جاء مثل الدنيا مثل أربعة نفر ) قَوْلُهُ : ( نَا عُبَادَةُ بْنُ مُسْلِمٍ ) الْفَزَارِيُّ أَبُو يَحْيَى الْبَصْرِيُّ ، ثِقَةٌ ، اضْطَرَبَ فِيهِ قَوْلُ ابْنِ حِبَّانَ مِنَ السَّادِسَةِ ( نَا يُونُسُ بْنُ خَبَّابٍ ) بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى مِنْهُمَا مُشَدَّدَةٌ ، الْأَسْدِيُّ مَوْلَاهُمُ الْكُوفِيُّ صَدُوقٌ يُخْطِئُ وَرُمِيَ بِالرَّفْضِ مِنَ السَّادِسَةِ ( عَنْ سَعِيدٍ الطَّائِيِّ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمُثَنَّاةِ بَيْنَهُمَا مُعْجَمَةٌ ، ابْنُ فَيْرُوزَ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ الطَّائِيُّ مَوْلَاهُمُ ، الْكُوفِيُّ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ فِيهِ تَشَيُّعٌ قَلِيلٌ ، كَثِيرُ الْإِرْسَالِ مِنَ الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ : ( يَقُولُ ثَلَاثٌ ) : أَيْ مِنَ الْخِصَالِ ( أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ ) : أَيْ أَحْلِفُ عَلَيْهِنَّ ( وَأُحَدِّثُكُمْ ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ ثَلَاثٌ بِحَسَبِ الْمَعْنَى ، فَكَأَنَّهُ قَالَ أُخْبِرُكُمْ بِثَلَاثٍ أُؤَكِّدُهُنَّ بِالْقَسَمِ عَلَيْهِنَّ ، وَأُحَدِّثُكُمْ ( حَدِيثًا ) : أَيْ تَحْدِيثًا عَظِيمًا ، أَوْ بِحَدِيثٍ آخَرَ ( فَاحْفَظُوهُ ) : أَيِ الْأَخِيرُ أَوِ الْمَجْمُوعُ : ( مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ ) تَصَدَّقَ بِهَا مِنْهُ ؛ بَلْ يُبَارَكُ لَهُ فِيهِ بِمَا يُجْبَرُ نَقْصُهُ الْحِسِّيُّ ( وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( مَظْلِمَةً ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ مَصْدَرٌ ( صَبَرَ ) : أَيِ الْعَبْدُ ( عَلَيْهَا ) : أَيْ عَلَى تِلْكَ الْمَظْلِمَةِ وَلَوْ كَانَ مُتَضَمِّنًا لِنَوْعٍ مِنَ الْمَذَلَّةِ ( إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ عِزًّا ) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ( وَلَا فَتَحَ ) : أَيْ عَلَى نَفْسِهِ ( بَابَ مَسْأَلَةٍ ) : أَيْ سُؤَالَ النَّاسِ ( إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ ) : أَيْ بَابَ احْتِيَاجٍ آخَرَ وَهَلُمَّ جَرًّا ، أَوْ بِأَنْ سَلَبَ عَنْهُ مَا عِنْدَهُ مِنَ النِّعْمَةِ فَيَقَعَ فِي نِهَايَةٍ مِنَ النِّقْمَةِ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ . ( وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ ) عَنِّي ، لَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَنْفَعَكُمْ بِهِ ( إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ ) : أَيْ إِنَّمَا حَالُ أَهْلِهَا حَالٌ أَرْبَعَةٌ : الْأَوَّلُ ( عَبْدٌ ) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ، وَبِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِمَّا قَبْلَهُ ( رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا ) مِنْ جِهَةِ حِلٍّ ( وَعِلْمًا ) : أَيْ شَرْعِيًّا نَافِعًا ( فَهُوَ يَتَّقِي رَبَّهُ فِيهِ ) : أَيْ فِي الْإِنْفَاقِ مِنَ الْمَالِ وَالْعِلْمِ ( وَيَصِلُ بِهِ ) : أَيْ بِكُلٍّ مِنْهما ( رَحِمَهُ ) : أَيْ بِالصِّلَةِ مِنَ الْمَالِ وَبِالْإِسْعَافِ بِجَاهِ الْعِلْمِ ( وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا ) مِنْ وَقْفٍ وَإِقْرَاءٍ وَإِفْتَاءٍ وَتَدْرِيسٍ ( فَهَذَا ) : أَيِ الْعَبْدُ الْمَوْصُوفُ بِمَا ذَكَرَ ( بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ ) : أَيْ بِأَفْضَلِ الدَّرَجَاتِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى ، ( وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا ) : أَيْ شَرْعِيًّا نَافِعًا ( وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا ) يُنْفِقُ مِنْهُ فِي وُجُوهِ الْقُرْبِ ( يَقُولُ ) فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ ( بِعَمَلِ فُلَانٍ ) : أَيِ الَّذِي لَهُ مَالٌ يُنْفِقُ مِنْهُ فِي الْبِرِّ ( فَهُوَ بِنِيَّتِهِ ) : أَيْ يُؤْجَرُ عَلَى حَسَبِهَا ( فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ ) : أَيْ فَأَجْرُ مَنْ عَقَدَ عَزْمَهُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ أَنْفَقَ مِنْهُ فِي الْخَيْرِ ، وَأَجْرُ مَنْ لَهُ مَالٌ يُنْفِقُ مِنْهُ سَوَاءٌ وَيَكُونُ أَجْرُ الْعِلْمِ زِيَادَةً لَهُ ( يَخْبِطُ فِي مَالِهِ ) بِكَسْرِ الْبَاءِ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ، أَوِ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ : أَيْ يَصْرِفُهُ فِي شَهَوَاتِ نَفْسِهِ ( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) بَلْ بِمُقْتَضَى نَفْسِهِ ، قَالَ الْقَارِي : أَيْ بِغَيْرِ اسْتِعْمَالِ عِلْمٍ بِأَنْ يُمْسِكَ تَارَةً حِرْصًا وَحُبًّا لِلدُّنْيَا ، وَيُنْفِقَ أُخْرَى لِلسُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ وَالْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ ( لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ ) : أَيْ لِعَدَمِ عِلْمِهِ فِي أَخْذِهِ وَصَرْفِهِ ( وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ ) أَيْ لِقِلَّةِ رَحْمَتِهِ وَعَدَمِ حِلْمِهِ وَكَثْرَةِ حِرْصِهِ وَبُخْلِهِ ( وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا ) وَفِي الْمِشْكَاةِ : وَلَا يَعْمَلُ فِيهِ بِحَقٍّ ، قَالَ الْقَارِي رَحِمَهُ اللَّهُ : أَيْ بِنَوْعٍ مِنَ الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِاللَّهِ وَبِعِبَادِهِ ( فَهُوَ بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ ) عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى : أَيْ أَخَسِّهَا وَأَحْقَرِهَا ( لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ ) : أَيْ مِنْ أَهْلِ الشَّرِّ ( فَهُوَ بِنِيَّتِهِ ) : أَيْ فَهُوَ مُجْزَى بِنِيَّتِهِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الْحُبِّ فِي اللَّهِ 2390 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، نَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ ، نَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ ، نَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي مَرْزُوقٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ ، ثَنِي مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلَالِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمْ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ ، وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَأَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَأَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَوْبَ بَاب مَا جَاءَ فِي الْحُبِّ فِي اللَّهِ أَيْ فِي ذَاتِ اللَّهِ وَجِهَتِهِ لَا يَشُوبُهُ الرِّيَاءُ وَالْهَوَى ، وَفِي هُنَا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا قَوْلُهُ : ( نَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ ) الْكِلَابِيُّ أَبُو سَهْلٍ الرَّقِّيُّ نَزِيلُ بَغْدَادَ ، ثِقَةٌ مِنَ السَّابِعَةِ . ( نَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي مَرْزُوقٍ ) الرَّقِّيُّ ثِقَةٌ فَاضِلٌ مِنَ السَّابِعَةِ . قَوْلُهُ : ( الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلَالِي ) أَيْ : لِأَجْلِ إِجْلَالِي وَتَعْظِيمِي ( يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ ) قَالَ الْقَارِي : بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ مِنَ الْغِبْطَةِ بِالْكَسْرِ ، وَهِيَ تَمَنِّي نِعْمَةٍ عَلَى أن لا تَتَحَوَّلَ عَنْ صَاحِبِهَا ، بِخِلَافِ الْحَسَدِ فَإِنَّهُ تَمَنِّي زَوَالِهَا عَنْ صَاحِبِهَا ، فَالْغِبْطَةُ فِي الْحَقِيقَةِ عِبَارَةٌ عَنْ حُسْنِ الْحَالِ كَذَا قِيلَ . وَفِي الْقَامُوسِ : الْغِبْطَةُ حُسْنُ الْحَالِ وَالْمَسَرَّةِ ، فَمَعْنَاهَا الْحَقِيقِيُّ مُطَابِقٌ لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ ، فَمَعْنَى الْحَدِيثِ : يَسْتَحْسِنُ أَحْوَالَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ . قَالَ : وَبِهَذَا يَزُولُ الْإِشْكَالُ الَّذِي تَحَيَّرَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ . وَقَالَ الْقَاضِي : كُلُّ مَا يَتَحَلَّى بِهِ الْإِنْسَانُ أَوْ يَتَعَاطَاهُ مِنْ عِلْمٍ وَعَمَلٍ ، فَإِنَّ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ صَاحِبُهُ مِمَّنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ لَهُ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ مَا هُوَ أَرْفَعُ قَدْرًا وَأَعَزُّ ذُخْرًا فَيَغْبِطُهُ بِأَنْ يَتَمَنَّى وَيُحِبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ مضموما إِلَى مَا لَهُ مِنَ الْمَرَاتِبِ الرَّفِيعَةِ والْمَنَازِلِ الشَّرِيفَةِ ، وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ : يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ قَدِ اسْتَغْرَقُوا فِيمَا هُوَ أَعْلَى مِنْ ذَلِكَ مِنْ دَعْوَةِ الْخَلْقِ وَإِظْهَارِ الْحَقِّ وَإِعْلَاءِ الدِّينِ وَإِرْشَادِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كُلِّيَّاتٍ أَشْغَلَتْهُمْ عَنِ الْعُكُوفِ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْجُزْئِيَّاتِ وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِهَا ، وَالشُّهَدَاءُ وَإِنْ نَالُوا رُتْبَةَ الشَّهَادَةِ وَفَازُوا بِالْفَوْزِ الْأَكْبَرِ ، فَلَعَلَّهُمْ لَم يُعَامَلُوا مَعَ اللَّهِ مُعَامَلَةَ هَؤُلَاءِ ، فَإِذَا رَأَوْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي مَنَازِلِهِمْ وَشَاهَدُوا قُرْبَهُمْ وَكَرَامَتَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ ، وَدُّوا لَوْ كَانُوا ضَامِّينَ خِصَالَهُمْ فَيَكُونُونَ جَامِعِينَ بَيْنَ الْحَسَنَتَيْنِ وَفَائِزِينَ بِالْمَرْتَبَتَيْنِ . وَقِيلَ : إِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ فِي ذَلِكَ إِلَى إِثْبَاتِ الْغِبْطَةِ لَهُمْ عَلَى حال هَؤُلَاءِ بَلْ بَيَانِ فَضْلِهِمْ وَعُلُوِّ شَأْنِهِمْ وَارْتِفَاعِ مَكَانِهِمْ وَتَقْرِيرِهَا عَلَى آكَدِ وَجْهٍ وَأَبْلَغِهِ . وَالْمَعْنَى أَنَّ حَالَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَثَابَةِ لَوْ غَبَطَ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَئِذٍ مَعَ جَلَالَةِ قَدْرِهِمْ وَنَبَاهَةِ أَمْرِهِمْ حَالَ غَيْرِهِمْ لَغَبَطُوهُمْ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، وَأَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَالْحَاكِمُ ، وَقَالَ : صَحِيحُ الْإِسْنَادِ . ذَكَرَ الْمُنْذِرِيُّ أَحَادِيثَ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي تَرْغِيبِهِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْهُ مَرْفُوعًا : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي . وَلَهُ أَحَادِيثُ أُخْرَى فِي هَذَا الْبَابِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ . قَوْلُهُ : ( وَأَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ ) الزَّاهِدُ الشَّامِيُّ ( اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثُوَبٍ ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : وَقِيلَ : بِإِشْبَاعِ الْوَاوِ ، وَقِيلَ : ابْنُ أَثْوَبَ وَزْنُ أَحْمَرَ ، وَيُقَالُ : ابْنُ عَوْفٍ ، أَوِ ابْنُ مِشْكَمٍ ، وَيُقَالُ : اسْمُهُ يَعْقُوبُ بْنُ عَوْفٍ ثِقَةٌ عَابِدٌ مِنَ الثَّانِيَةِ ، رَحَلَ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَلَمْ يُدْرِكْهُ وَعَاشَ إِلَى زَمَنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ .
2391 حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ ، نَا مَعْنٌ ، نَا مَالِكٌ ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ : إِمَامٌ عَادِلٌ ، وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ ، وَرَجُلٌ كَانَ قَلْبُهُ مُعَلَّقًا بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ فَاجْتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ وَتَفَرَّقَا ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ ذَاتُ حَسَبٍ وَجَمَالٍ ، فَقَالَ : إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ عز وجل ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَهَكَذَا رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ مِثْلَ هَذَا وَشَكَّ فِيهِ ، وَقَالَ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَوَاهُ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَلَمْ يَشُكَّ فِيهِ . فقال : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . حَدَّثَنَا سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَنْبَرِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَا : نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عن خُبَيْبٌ بن عبد الرحمن ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ بِمَعْنَاهُ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : كَانَ قَلْبُهُ مُعَلَّقًا بِالْمَسَاجِدِ ، وَقَالَ : ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ . هذا حديث حسن صحيح . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ ) هُوَ إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْخَطْمِيُّ أَبُو مُوسَى الْمَدَنِيُّ ( عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ ) بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْعُمَرِيِّ ، ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ : ( سَبْعَةٌ ) أَيْ سَبْعَةُ أَشْخَاصٍ ( يُظِلُّهُمُ اللَّهُ ) أَيْ يُدْخِلُهُمْ ( فِي ظِلِّهِ ) . قَالَ عِيَاضٌ : إِضَافَةُ الظِّلِّ إِلَى اللَّهِ إِضَافَةُ مِلْكٍ وَكُلُّ ظِلٍّ فَهُوَ مِلْكُهُ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ : إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ لِيَحْصُلَ امْتِيَازُ هَذَا عَلَى غَيْرِهِ ، كَمَا قِيلَ لِلْكَعْبَةِ : بَيْتُ اللَّهِ مَعَ أَنَّ الْمَسَاجِدَ كُلَّهَا مِلْكُهُ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِظِلِّهِ كَرَامَتُهُ وَحِمَايَتُهُ كَمَا يُقَالُ : فُلَانٌ فِي ظِلِّ الْمَلِكِ وَهُوَ قَوْلُ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ ، وَقَوَّاهُ عِيَاضٌ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ ظِلُّ عَرْشِهِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ سَلْمَانَ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ : سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، قَالَ : وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ ظل الْعَرْش اسْتَلْزَمَ مَا ذُكِرَ مِنْ كَوْنِهِمْ فِي كَنَفِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ فَهُوَ أَرْجَحُ ، وَبِهِ جَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَهُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ ، قَالَ : وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ قَوْلُ مَنْ قَالَ : الْمُرَادُ ظِلُّ طُوبَى أَوْ ظِلُّ الْجَنَّةِ ؛ لِأَنَّ ظِلَّهُمَا إِنَّمَا يَحْصُلُ لَهُمْ بَعْدَ الِاسْتِقْرَارِ فِي الْجَنَّةِ ، ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ مُشْتَرِكٌ لِجَمِيعِ مَنْ يَدْخُلُهَا ، وَالسِّيَاقُ يَدُلُّ عَلَى امْتِيَازِ أَصْحَابِ الْخِصَالِ الْمَذْكُورَةِ فَيُرَجَّحُ أَنَّ الْمُرَادَ ظِلُّ الْعَرْشِ ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا : أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَقْرَبُهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَامٌ عَادِلٌ ، انْتَهَى ( إِمَامٌ عَادِلٌ ) قَالَ الْحَافِظُ : الْمُرَادُ بِهِ صَاحِبُ الْوِلَايَةِ الْعُظْمَى وَيَلْتَحِقُ بِهِ كُلُّ مَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَعَدَلَ فِيهِ ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، رَفَعَهُ : إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وُلُّوا . قَالَ : وَأَحْسَنُ مَا فُسِّرَ بِهِ الْعَادِلُ أنه الَّذِي يَتْبَعُ أَمْرَ اللَّهِ بِوَضْعِ كُلِّ شَيْءٍ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ غَيْرِ إِفْرَاطٍ وَلَا تَفْرِيطٍ ، وَقَدَّمَهُ فِي الذِّكْرِ لِعُمُومِ النَّفْعِ بِهِ ( وَشَابٌّ ) خَصَّ الشَّابَّ لِكَوْنِهِ مَظِنَّةَ غَلَبَةِ الشَّهْوَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ قُوَّةِ الْبَاعِثِ عَلَى مُتَابَعَةِ الْهَوَى ، فَإِنَّ مُلَازَمَةَ الْعِبَادَةِ مَعَ ذَلِكَ أَشَدُّ ، وَأَدَلُّ عَلَى غَلَبَةِ التَّقْوَى ( نَشَأَ ) أَيْ نَمَا وَتَرَبَّى ( بِعِبَادَةِ اللَّهِ ) أَيْ لَا فِي مَعْصِيَتِهِ فَجُوزِيَ بِظِلِّ الْعَرْشِ لِدَوَامِ حِرَاسَةِ نَفْسِهِ عَنْ مُخَالَفَةِ رَبِّهِ ( وَرَجُلٌ كَانَ قَلْبُهُ مُعَلَّقًا بِالْمَسْجِدِ ) وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ : وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ . قَالَ الْحَافِظُ : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنَ التَّعْلِيقِ كَأَنَّهُ شَبَّهَهُ بِالشَّيْءِ الْمُعَلَّقِ فِي الْمَسْجِدِ كَالْقِنْدِيلِ مَثَلًا إِشَارَةً إِلَى طُولِ الْمُلَازَمَةِ بِقَلْبِهِ ، وَإِنْ كَانَ جَسَدُهُ خَارِجًا عَنْهُ . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْجَوْزَقِيِّ : كَأَنَّمَا قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسْجِدِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْعَلَاقَةِ وَهِيَ شِدَّةُ الْحُبِّ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ أَحْمَدَ : مُعَلَّقٌ بِالْمَسَاجِدِ ، وَكَذَا رِوَايَةُ سُلَيْمَانَ : مِنْ حُبِّهَا ( إِذَا خَرَجَ مِنْهُ ) أَيْ مِنَ الْمَسْجِدِ ( حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ ) لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ فِي الْمَسْجِدِ كَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ ، وَالْمُنَافِقُ فِي الْمَسْجِدِ كَالطَّيْرِ فِي الْقَفَصِ ( وَرَجُلَانِ ) مَثَلًا ( تَحَابَّا ) بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ ، وَأَصْلُهُ : تَحَابَبَا أَيِ اشْتَرَكَا فِي جِنْسِ الْمَحَبَّةِ ، وَأَحَبَّ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ حَقِيقَةً لَا إِظْهَارًا فَقَطْ ( فِي اللَّهِ ) أَيْ لِلَّهِ أَوْ فِي مَرْضَاتِهِ ( فَاجْتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ ) أَيْ عَلَى الْحُبِّ فِي اللَّهِ إِنِ اجْتَمَعَا ( وَتَفَرَّقَا ) أَيْ إِنْ تَفَرَّقَا يَعْنِي يَحْفَظَانِ الْحُبَّ فِي الْحُضُورِ وَالْغَيْبَةِ . وَقَالَ الْحَافِظُ : وَالْمُرَادُ أَنَّهُمَا دَامَا عَلَى الْمَحَبَّةِ الدِّينِيَّةِ وَلَمْ يَقْطَعَاهَا بِعَارِضٍ دُنْيَوِيٍّ ، سَوَاءٌ اجْتَمَعَا حَقِيقَةً أَمْ لَا حَتَّى فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْمَوْتُ . تَنْبِيهٌ : عُدَّتْ هَذِهِ الْخَصْلَةُ وَاحِدَةً مَعَ أَنَّ مُتَعَاطِيَهَا اثْنَانِ ; لِأَنَّ الْمَحَبَّةَ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِاثْنَيْنِ أَوْ لَمَّا كَانَ الْمُتَحَابَّانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَانَ عَدُّ أَحَدِهِمَا مُغْنِيًا عَنْ عَدِّ الْآخَرِ ; لِأَنَّ الْغَرَضَ عَدُّ الْخِصَالِ لَا عَدُّ جَمِيعِ مَنِ اتَّصَفَ بِهَا ( وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ ) أَيْ بِقَلْبِهِ مِنَ التَّذَكُّرِ أَوْ بِلِسَانِهِ مِنَ الذِّكْرِ ( خَالِيًا ) أَيْ مِنَ النَّاسِ أَوْ مِنَ الرِّيَاءِ أَوْ مِمَّا سِوَى اللَّهِ ( فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ) أَيْ فَاضَتِ الدُّمُوعُ مِنْ عَيْنَيْهِ ، وَأَسْنَدَ الْفَيْضَ إِلَى الْعَيْنِ مُبَالَغَةً كَأَنَّهَا هِيَ الَّتِي فَاضَتْ ( وَرَجُلٌ دَعَتْهُ ) امْرَأَةٌ إِلَى الزِّنَا بِهَا ( ذَاتُ حَسَبٍ ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : الْحَسَبُ مَا يَعُدُّهُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَفَاخِرِ آبَائِهِ ، وَقِيلَ : الْخِصَالُ الْحَمِيدَةُ لَهُ وَلِآبَائِهِ ( فَقَالَ : إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ بِلِسَانِهِ ، إِمَّا لِيَزْجُرَهَا عَنِ الْفَاحِشَةِ أَوْ لِيَعْتَذِرَ إِلَيْهَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقُولَهُ بِقَلْبِهِ . قَالَهُ عِيَاضٌ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : إِنَّمَا يَصْدُرُ ذَلِكَ عَنْ شِدَّةِ خَوْفٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَمَتِينِ تَقْوَى وَحَيَاءٍ ( وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ ) نَكَّرَهَا لِيَشْمَلَ كُلَّ مَا يُتَصَدَّقُ بِهِ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا يَشْمَلُ الْمَنْدُوبَةَ وَالْمَفْرُوضَةَ ، لَكِنْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ عَنِ الْعُلَمَاءِ : أَنَّ إِظْهَارَ الْمَفْرُوضَةِ أَوْلَى مِنْ إِخْفَائِهَا ( فَأَخْفَاهَا ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى التَّطَوُّعِ ؛ لِأَنَّ إِعْلَانَ الزَّكَاةِ أَفْضَلُ ( حَتَّى لَا تَعْلَمَ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَقِيلَ بِضَمِّهَا ( شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ ) قِيلَ : فِيهِ حَذْفٌ ، أَيْ لَا يَعْلَمُ مَنْ بِشِمَالِهِ ، وَقِيلَ : يُرَادُ الْمُبَالَغَةُ فِي إِخْفَائِهَا ، وَأَنَّ شِمَالَهُ لَوْ تَعْلَمُ لَمَا عَلِمَتْهَا . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَقَدْ نَظَمَ السَّبْعَةَ الْعَلَّامَةُ أَبُو شَامَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، فَقَالَ : وَقَالَ النَّبِيُّ الْمُصْطَفَى إِنَّ سَبْعَةً يُظِلُّهُمُ اللَّهُ الْكَرِيمُ بِظِلِّهِ مُحِبٌّ عَفِيفٌ نَاشِئٌ مُتَصَدِّقٌ وَبَاكٍ مُصَلٍّ وَالْإِمَامُ بِعَدْلِهِ وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْيُسْرِ مَرْفُوعًا : مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ ، وَهَاتَانِ الْخَصْلَتَانِ غَيْرُ السَّبْعَةِ الْمَاضِيَةِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعَدَدَ الْمَذْكُورَ لَا مَفْهُومَ لَهُ . وَقَدْ تَتَبَّعَ الْحَافِظُ فَوَجَدَ خِصَالًا أُخْرَى غَيْرَ الْخِصَالِ الْمَذْكُورَةِ ، وَأَوْرَدَهَا فِي جُزْءٍ سَمَّاهُ مَعْرِفَةَ الْخِصَالِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى الظِّلَالِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ . قَوْلُهُ : ( وَهَكَذَا رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ مِثْلَ هَذَا وَشَكَّ فِيهِ وَقَالَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ) وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ بِالشَّكِّ ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ( وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَوَاهُ عَنْ خُبَيْبِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَلَمْ يَشُكَّ فِيهِ ، فَقَالَ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) وَكَذَلِكَ رَوَى الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ ، قَالَ الْحَافِظُ : لَمْ تَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ ، وَرِوَايَةُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ خُبَيْبٍ ، فَقَالَ : عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَوْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى الشَّكِّ ، وَرَوَاهُ أَبُو قُرَّةَ ، عَنْ مَالِكٍ بِوَاوِ الْعَطْفِ فَجَعَلَهُ عَنْهُمَا وَتَابَعَهُ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ وَشَذَّا فِي ذَلِكَ عَنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ حَفِظَهُ لِكَوْنِهِ لَمْ يَشُكَّ فِيهِ وَلِكَوْنِهِ مِنْ رِوَايَةِ خَالِهِ وَجَدِّهِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ) بْنِ سَوَّارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُدَامَةَ التَّمِيمِيُّ الْعَنْبَرِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ قَاضِي الرُّصَافَةِ وَغَيْرِهَا ، ثِقَةٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ غَلِطَ مَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ ( نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ) هُوَ الْقَطَّانُ ( عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ) هُوَ الْعُمَرِيُّ ( عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ خَالُ عُبَيْدِ اللَّهِ الرَّاوِي عَنْهُ ( عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ) هُوَ جَدُّ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورِ لِأَبِيهِ . قَوْلُهُ : ( ذَاتُ مَنْصِبٍ ) بِكَسْرِ الصَّادِ : أَصْلٍ أَوْ شَرَفٍ أَوْ حَسَبٍ أَوْ مَالٍ ( وَجَمَالٍ ) أَيْ مَزِيدِ حُسْنٍ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ .
بَاب مَا جَاءَ فِي هَمِّ الدُّنْيَا وَحُبِّهَا 2326 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، نَا سُفْيَانُ ، عَنْ بَشِيرٍ أَبِي إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ سَيَّارٍ ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ ، وَمَنْ نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِاللَّهِ فَيُوشِكُ اللَّهُ لَهُ بِرِزْقٍ عَاجِلٍ أَوْ آجِلٍ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ . ( باب ما جاء في هم الدنيا وحبها ) قَوْلُهُ : ( عَنْ بَشِيرِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ ) هُوَ ابْنُ سَلْمَانَ الْكِنْدِيُّ الْكُوفِيُّ وَالِدُ الْحَكَمِ ، ثِقَةٌ ، يَغْرُبُ ، مِنَ السَّادِسَةِ ( عَنْ سَيَّارٍ ) هُوَ أَبُو حَمْزَةَ ، قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : سَيَّارُ أَبُو حَمْزَةَ الْكُوفِيُّ مَقْبُولٌ مِنَ الْخَامِسَةِ ، وَوَقَعَ فِي الْإِسْنَادِ عَنْ سَيَّارٍ أَبِي الْحَكَمِ ، عَنْ طَارِقٍ ، وَالصَّوَابُ عَنْ سَيَّارٍ أَبِي حَمْزَةَ وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَةِ سَيَّارٍ أَبِي الْحَكَمِ مَا لَفْظُهُ : وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ بَشِيرِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، ثَنَا سَيَّارُ أَبُو الْحَكَمِ ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ الْحَدِيثُ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ عَقِبَهُ هُوَ سَيَّارٌ أَبُو حَمْزَةَ وَلَكِنَّ بَشِيرًا كَانَ يَقُولُ : سَيَّارٌ أَبُو الْحَكَمِ وَهُوَ خَطَأٌ ، قَالَ أَحْمَدُ هُوَ سَيَّارٌ أَبُو حَمْزَةَ وَلَيْسَ قَوْلُهُمْ سَيَّارٌ أَبُو الْحَكَمِ بِشَيْءٍ ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : قَوْلُ الْبُخَارِيِّ : سَيَّارٌ أَبُو الْحَكَمِ سَمِعَ طَارِقَ بْنَ شِهَابٍ وَهْمٌ مِنْهُ وَمِمَّنْ تَابَعَهُ ، وَالَّذِي يَرْوِي عَنْ طَارِقٍ هُوَ سَيَّارٌ أَبُو حَمْزَةَ ، قَالَ ذَلِكَ أَحْمَدُ ، وَيَحْيَى وَغَيْرُهُمَا ، انْتَهَى . قُلْتُ : فِي قَوْلِهِ : وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ بَشِيرِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ـ وَهْمٌ وَالصَّوَابُ بَشِيرٍ أَبِي إِسْمَاعِيلَ ؛ لِأَنَّ رَاوِيَ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ سَيَّارٍ هُوَ بَشِيرُ بْنُ سَلْمَانَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ لَا بَشِيرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ؛ بَلْ وَلَيْسَ فِي التَّقْرِيبِ وَتَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ وَالْخُلَاصَةِ رَاوٍ مُسَمَّى بِاسْمِ بَشِيرِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ . قَوْلُهُ : ( مَنْ نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةٌ ) : أَيْ حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهَا فِي الْفَقْرِ وَضِيقِ الْمَعِيشَةِ ( فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ ) : أَيْ عَرَضَهَا عَلَيْهِمْ وَأَظْهَرَهَا بِطَرِيقِ الشِّكَايَةِ لَهُمْ وَطَلَبَ إِزَالَةَ فَاقَتِهِ مِنْهُمْ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : يُقَالُ نَزَلَ بِالْمَكَانِ وَنَزَلَ مِنْ عُلُوٍّ وَمِنَ الْمَجَازِ نَزَلَ بِهِ مَكْرُوهٌ ، وَأَنْزَلْتُ حَاجَتِي عَلَى كَرِيمٍ ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ مَنِ اعْتَمَدَ فِي سَدِّهَا عَلَى سُؤَالِهِمْ ( لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ ) : أَيْ لَمْ تُقْضَ حَاجَتُهُ وَلَمْ تُزَلْ فَاقَتُهُ وَكُلَّمَا تُسَدُّ حَاجَتُهُ أَصَابَتْهُ أُخْرَى أَشَدُّ مِنْهَا ( فَأَنْزَلَهَا بِاللَّهِ ) بِأَنِ اعْتَمَدَ عَلَى مَوْلَاهُ ( فَيُوشِكُ اللَّهُ لَهُ ) : أَيْ يُسْرِعُ لَهُ وَيُعَجِّلُ ( بِرِزْقٍ عَاجِلٍ ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، ( أَوْ آجِلٍ ) بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : أَوْشَكَ اللَّهُ لَهُ بِالْغِنَى إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ أَوْ غِنًى عَاجِلٍ ، قَالَ الْقَارِي فِي شَرْحِ قَوْلِهِ : إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ قِيلَ بِمَوْتِ قَرِيبٍ لَهُ غَنِيٍّ فَيَرِثُهُ ، وَقَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ أَوْ غِنًى عَاجِلٍ بِكَسْرٍ وَقَصْرٍ أَيْ يَسَارٍ . قَالَ الطِّيبِيُّ : هُوَ هَكَذَا أَيْ بِالْعَيْنِ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ وَجَامِعِ الْأُصُولِ ، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ أَوْ غِنًى آجِلٍ بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ وَهُوَ أَصَحُّ دِرَايَةً ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ انْتَهَى . قُلْتُ : وَفِي نُسَخِ أَبِي دَاوُدَ الْحَاضِرَةِ عِنْدَنَا عَاجِلٌ بِالْعَيْنِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ .
2327 حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، نَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، وَالْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ : جَاءَ مُعَاوِيَةُ إِلَى أَبِي هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ وَهُوَ مَرِيضٌ يَعُودُهُ فَقَالَ : يَا خَالُ ، مَا يُبْكِيكَ أَوَجَعٌ يُشْئِزُكَ أَو حِرْصٌ عَلَى الدُّنْيَا ؟ قَالَ : كُلٌّ لَا ، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا لَمْ آخُذْ بِهِ قَالَ : إِنَّمَا يَكْفِيكَ مِنْ جَمعِ الْمَالِ خَادِمٌ وَمَرْكَبٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَأَجِدُنِي الْيَوْمَ قَدْ جَمَعْتُ . وَقَدْ رَوَاه زَائِدَةُ ، وَعَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ سَهْمٍ قَالَ : دَخَلَ مُعَاوِيَةُ عَلَى أَبِي هَاشِم بن عتبة فَذَكَرَ نَحْوَهُ ، وَفِي الْبَاب عَنْ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي وَائِلٍ ) اسْمُهُ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ مُخَضْرَمٌ ، مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَلَهُ مِائَةُ سَنَةٍ ( جَاءَ مُعَاوِيَةُ ) هُوَ ابْنُ أَبِي سُفْيَانَ ( إِلَى أَبِي هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ ) بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ ، صَحَابِيٌّ أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَسَكَنَ الشَّامَ ، وَكَانَ خَالَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ، رَوَى مِنْ حَدِيثِهِ أَبُو وَائِلٍ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ ( وَهُوَ مَرِيضٌ ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ، وَالضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى أَبِي هَاشِمٍ ( يَعُودُهُ ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَيْضًا ، وَالضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ يَرْجِعُ إِلَى مُعَاوِيَةَ ، وَالْمَنْصُوبُ إِلَى أَبِي هَاشِمٍ ( فَقَالَ ) : أَيْ مُعَاوِيَةُ ( مَا يُبْكِيكَ ) مِنَ الْإِبْكَاءِ : أَيْ أَيُّ شَيْءٍ يُبْكِيكَ ؟ ( أَوَجَعٌ يُشْئِزُكَ ) بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ وَزَايٍ : أَيْ يُقْلِقُكَ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ ، وَقَالَ فِي الصُّرَاحِ : أشأزبي أرام كردا نيدن ( قَالَ ) : أَيْ أَبُو هَاشِمٍ ( كُلٌّ ) مِنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ ( لَا ) : أَيْ لَا يُبْكِينِي يَعْنِي لَا يُبْكِينِي وَاحِدٌ مِنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ بَلْ يُبْكِينِي أَمْرٌ آخَرُ فَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ : ( وَلَكِنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسُلِمَ عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا لَمْ آخُذْ بِهِ ) : أَيْ أَوْصَانِي بِوَصِيَّةٍ لَمْ أَعْمَلْ بِهَا ( قَالَ ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَلٌ مِنْ عَهِدَ ، أَوْ تَفْسِيرٌ وَبَيَانٌ لِلْعَهْدِ ، وَاخْتَارَ الطِّيبِيُّ رحمه الله الْأَوَّلَ حَيْثُ قَالَ بَدَلٌ مِنْهُ بَدَلُ الْفِعْلِ مِنَ الْفِعْلِ ، كَمَا فِي قَوْلِهِ : مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنَا فِي دِيَارِنَا تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا وَنَارًا تَأَجَّجَا أَبْدَلَ تُلْمِمْ بِنَا مِنْ قَوْلِهِ : تَأْتِنَا ( إِنَّمَا يَكْفِيكَ مِنْ جَمْعِ الْمَالِ ) : أَيْ لِلْوَسِيلَةِ بِحُسْنِ الْمَالِ ( خَادِمٌ ) لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ ( وَمَرْكَبٌ ) : أَيْ مَرْكُوبٌ يُسَارُ عَلَيْهِ ( فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) : أَيْ فِي الْجِهَادِ أَوِ الْحَجِّ أَوْ طَلَبِ الْعِلْمِ ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ الْقَنَاعَةُ وَالِاكْتِفَاءُ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ مِمَّا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ زَادًا لِلْآخِرَةِ كَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، عَنْ خَبَّابٍ : إِنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ مَا كَانَ فِي الدُّنْيَا مِثْلَ زَادِ الرَّاكِبِ ( وَأَجِدُنِي الْيَوْمَ قَدْ جَمَعْتُ ) ، وَفِي رِوَايَةِ رَزِينٍ : فَلَمَّا مَاتَ حُصِّلَ مَا خَلَّفَ فَبَلَغَ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا وَحُسِبَتْ فِيهِ الْقَصْعَةُ الَّتِي كَانَ يَعْجِنُ فِيهَا وَفِيهَا يَأْكُلُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ سَمُرَةَ بْنِ سَهْمٍ ) الْقُرَشِيِّ الْأَسْدِيِّ مَجْهُولٌ مِنَ الثَّانِيَةِ ( فَذَكَرَ نَحْوَهُ ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ بَعْدَ ذِكْرِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ : رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، عن أبي وائل ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ سَهْمٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ لَمْ يُسَمِّهِ ، قَالَ : نَزَلْتُ عَلَى أَبِي هَاشِمِ بْنِ عُتبَةَ فَجَاءَهُ مُعَاوِيَةُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ سَهْمٍ قَالَ : نَزَلْتُ عَلَى أَبِي هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ وَهُوَ مَطْعُونٌ فَأَتَاهُ مُعَاوِيَةُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَذَكَرَهُ رَزِينٌ ، فَزَادَ فِيهِ : فَلَمَّا مَاتَ إِلَى آخِرِ مَا نَقَلْتُ قَبْلَ هَذَا . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ص 360 ج 5 وَالنَّسَائِيُّ ، وَالضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ عَنْهُ مَرْفُوعًا : ليَكْفِ أَحَدَكُمْ مِنَ الدُّنْيَا خَادِمٌ وَمَرْكَبٌ .
2328 حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نَا وَكِيعٌ ، نَا سُفْيَانُ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ سَعْدِ بْنِ الْأَخْرَمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ فَتَرْغَبُوا فِي الدُّنْيَا . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ . قَوْلُهُ : ( عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ ) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ الْأَسْدِيِّ الْكَاهِلِيِّ الْكُوفِيِّ صَدُوقٌ مِنَ السَّادِسَةِ ، ( عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ سَعْدِ بْنِ الْأَخْرَمِ ) الطَّائِيِّ مَقْبُولٌ مِنَ الْخَامِسَةِ ( عَنْ أَبِيهِ ) : أَيْ سَعْدِ بْنِ الْأَخْرَمِ الطَّائِيِّ الْكُوفِيِّ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ ، رَوَى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثَ : لَا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ ، وَعَنْهُ ابْنُهُ الْمُغِيرَةُ ، وَذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الصَّحَابَةِ ثُمَّ أَعَادَ ذِكْرَهُ فِي التَّابِعِينَ مِنَ الثِّقَاتِ كَذَا فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ) هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ ( لَا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ ) ، هِيَ الْبُسْتَانُ وَالْقَرْيَةُ وَالْمَزْرَعَةُ ، وَفِي النِّهَايَةِ : الضَّيْعَةُ فِي الْأَصْلِ الْمَرَّةُ مِنَ الضَّيَاعِ ، وَضَيْعَةُ الرَّجُلِ مَا يَكُونُ مِنْهُ مَعَاشُهُ كَالصَّنْعَةِ وَالتِّجَارَةِ وَالزِّرَاعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، انْتَهَى ، وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ : الضَّيْعَةُ الْعَقَارُ ، وَالْأَرْضُ الْمُغَلَّةُ . ( فَتَرْغَبُوا فِي الدُّنْيَا ) : أَيْ فَتَمِيلُوا إِلَيْهَا عَنِ الْأُخْرَى ، وَالْمُرَادُ النَّهْيُ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِهَا وَبِأَمْثَالِهَا مِمَّا يَكُونُ مَانِعًا عَنِ الْقِيَامِ بِعِبَادَةِ الْمَوْلَى ، وَعَنِ التَّوَجُّهِ كَمَا يَنْبَغِي إِلَى أُمُورِ الْعُقْبَى ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الْمَعْنَى لَا تَتَوَغَّلُوا فِي اتِّخَاذِ الضَّيْعَةِ فَتُلْهَوْا بِهَا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ قَالَ تَعَالَى : رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، والحاكم ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الْبِرِّ وَالْإِثْمِ 2389 حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكِنْدِيُّ الْكُوفِيُّ ، نَا زَيْدُ بْنُ الحُبَابٍ ، نَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، ثني عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ الْحَضْرَمِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ الناس عليه . حَدَّثَنَا بندار ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، نَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عن عبد الرحمن ، نَحْوَهُ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ حَسَنٌ . بَاب مَا جَاءَ فِي الْبِرِّ وَالْإِثْمِ قَوْلُهُ : ( عَنِ النَّوَّاسِ ) بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ ( ابْنِ سَمْعَانَ ) بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا ابْنِ خَالِدٍ الْكِلَابِيِّ أَوِ الْأَنْصَارِيِّ ، صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ سَكَنَ الشَّامَ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : الْبِرُّ ) أَيْ أَعْظَمُ خِصَالِهِ أَوِ الْبِرُّ كُلُّهُ مُجْمَلًا ( حُسْنُ الْخُلُقِ ) أَيْ مَعَ الْخُلُقِ . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : قَالَ الْعُلَمَاءُ : الْبِرُّ يَكُونُ بِمَعْنَى الصِّلَةِ وَبِمَعْنَى اللُّطْفِ وَالْمَبَرَّةِ وَحُسْنِ الصُّحْبَةِ وَالْعِشْرَةِ ، وَبِمَعْنَى الطَّاعَةِ ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ هِيَ مَجَامِعُ حُسْنِ الْخُلُقِ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : قِيلَ : فَسَّرَ الْبِرَّ فِي الْحَدِيثِ بِمَعَانٍ شَتَّى ، فَفَسَّرَهُ فِي مَوْضِعٍ بِمَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ ، وَفَسَّرَهُ فِي مَوْضِعٍ بِالْإِيمَانِ ، وَفِي مَوْضِعٍ بِمَا يُقَرِّبُكَ إِلَى اللَّهِ ، وَهُنَا بِحُسْنِ الْخُلُقِ ، وَفَسَّرَ حُسْنَ الْخُلُقِ بِاحْتِمَالِ الْأَذَى وَقِلَّةِ الْغَضَبِ وَبَسْطِ الْوَجْهِ وَطِيبِ الْكَلَامِ ، وَكُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ فِي الْمَعْنَى ( وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ ) أَيْ تَحَرَّكَ فِيهَا وَتَرَدَّدَ ، وَلَم يَنْشَرِحَ لَهُ الصَّدْرُ ، وَحَصَلَ فِي الْقَلْبِ مِنْهُ الشَّكُّ ، وَخَوْفُ كَوْنِهِ ذَنْبًا . وَقِيلَ : يَعْنِي الْإِثْمَ مَا أَثَّرَ قُبْحُهُ فِي قَلْبِكَ أَوْ تَرَدَّدَ فِي قَلْبِكَ ، وَلَمْ تُرِدْ أَنْ تُظْهِرَهُ لِكَوْنِهِ قَبِيحًا وَهُوَ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ : ( وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ النَّاسُ عَلَيْهِ ) أَيْ أَعْيَانُهُمْ وَأَمَاثِلُهُمْ ، إِذِ الْجِنْسُ يَنْصَرِفُ إِلَى الْكَامِلِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّفْسَ بِطَبْعِهَا تُحِبُّ اطِّلَاعَ النَّاسِ عَلَى خَيْرِهَا ، فَإِذَا كَرِهَتِ الِاطِّلَاعَ عَلَى بَعْضِ أَفْعَالِهَا فَهُوَ غَيْرُ مَا تُقُرِّبَ بِهِ إِلَى اللَّهِ ، أَوْ غَيْرُ مَا أَذِنَ الشَّرْعُ فِيهِ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ وَلَا بِرَّ فَهُوَ إِذًا إِثْمٌ وَشَرٌّ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَمُسْلِمٌ فِي الْبِرِّ وَالصِّلَةِ .
بَاب فِي حُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ تعالى 2388 حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، نَا وَكِيعٌ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ تعالى يَقُولُ : أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . بَاب فِي حُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ تعالى قَوْلُهُ : ( عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا قَافٌ ، الْكِلَابِيِّ ، كُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّقِّيُّ صَدُوقٌ يَهِمُ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ مِنَ السَّابِعَةِ ( عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ ) فِي التَّقْرِيبِ : يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ ، وَاسْمُهُ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْبَكَّائِيُّ أَبُو عَوْفٍ ، كُوفِيٌّ نَزَلَ الرَّقَّةَ وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ مَيْمُونَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، يُقَالُ لَهُ رُؤْيَةٌ ، وَلَا يَثْبُتُ وَهُوَ ثِقَةٌ . قَوْلُهُ : ( أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ) أَيْ أَنَا أُعَامِلُهُ عَلَى حَسَبِ ظَنِّهِ بِي وَأَفْعَلُ بِهِ مَا يَتَوَقَّعُهُ مِنِّي مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ ، وَالْمُرَادُ الْحَثُّ عَلَى تَغْلِيبِ الرَّجَاءِ عَلَى الْخَوْفِ وَحُسْنِ الظَّنِّ بِاَللَّهِ كَقَوْلِهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- : لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاَللَّهِ . وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالظَّنِّ الْيَقِينُ . وَالْمَعْنَى : أَنَا عِنْدَ يَقِينِهِ بِي وَعِلْمِهِ بِأَنَّ مَصِيرَهُ إِلَيَّ وَحِسَابَهُ عَلَيَّ ، وَأَنَّ مَا قَضَيْتُ بِهِ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ لَا مَرَدَّ لَهُ . لَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ : قِيلَ : مَعْنَى : ظَنِّ عَبْدِي بِي ظَنُّ الْإِجَابَةِ عِنْدَ الدُّعَاءِ ، وَظَنُّ الْقَبُولِ عِنْدَ التَّوْبَةِ ، وَظَنُّ الْمَغْفِرَةِ عِنْدَ الِاسْتِغْفَارِ ، وَظَنُّ الْمُجَازَاةِ عِنْدَ فِعْلِ الْعِبَادَةِ بِشُرُوطِهَا تَمَسُّكًا بِصَادِقِ وَعْدِهِ . قَالَ : وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ . قَالَ : وَلِذَلِكَ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الْقِيَامِ بِمَا عَلَيْهِ مُوقِنًا بِأَنَّ اللَّهَ يَقْبَلُهُ وَيَغْفِرُ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ وَعَدَ بِذَلِكَ وَهُوَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ، فَإِنِ اعْتَقَدَ أَوْ ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُهَا وَأَنَّهَا لَا تَنْفَعُهُ فَهَذَا هُوَ الْيَأْسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ ، وَمَنْ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ وُكِّلَ إِلَى مَا ظَنَّ كَمَا فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ ، فَليَظُنُّ بِي عَبْدِي مَا شَاءَ . قَالَ : وَأَمَّا ظَنُّ الْمَغْفِرَةِ مَعَ الْإِصْرَارِ فَذَلِكَ مَحْضُ الْجَهْلِ وَالْغِرَّةِ ، وَهُوَ يَجُرُّ إِلَى مَذْهَبِ الْمُرْجِئَةِ ( وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي ) أَيْ بِعِلْمٍي ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ : إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
2387 حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، أنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ، قَالَ : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ جَهْوَرِيُّ الصَّوْتِ ، فقَالَ : يَا مُحَمَّدُ الرَّجُلُ يُحِبُّ الْقَوْمَ وَلَمَّا يَلْحَقْ هو بِهِمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ حَدِيثِ مَحْمُودٍ قَوْلُهُ : ( عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ) بِمُهْمَلَتَيْنِ الْمُرَادِيِّ صَحَابِيٌّ مَعْرُوفٌ نَزَلَ الْكُوفَةَ . قَوْلُهُ : ( جَاءَ أَعْرَابِيٌّ جَهْوَرِيُّ الصَّوْتِ ) أَيْ شَدِيدُ الصَّوْتِ وَعَالِيهِ ، مَنْسُوبٌ إِلَى جَهْوَرَ بِصَوْتِهِ ( وَلَمَّا يَلْحَقْ هُوَ بِهِمْ ) قَالَ الْحَافِظُ : هِيَ أَبْلَغُ فَإِنَّ النَّفْيَ بِلَمَّا أَبْلَغُ مِنَ النَّفْيِ بِلَمْ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْحُكْمَ ثَابِتٌ وَلَوْ بَعْدَ اللَّحَاقِ . وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : وَلَمْ يَلْحَقْ بِعَمَلِهِمْ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ : وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْمَلَ بِعَمَلِهِمْ . وَفِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ : وَلَمْ يَعْمَلْ بِمِثْلِ عَمَلِهِمْ وَهُوَ يُفَسِّرُ الْمُرَادَ ، انْتَهَى ( الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ ) يَعْنِي مَنْ أَحَبَّ قَوْمًا بِالْإِخْلَاصِ يَكُونُ مِنْ زُمْرَتِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ عَمَلَهُمْ لِثُبُوتِ التَّقَارُبِ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ، وَرُبَّمَا تُؤَدِّي تِلْكَ الْمَحَبَّةُ إِلَى مُوَافَقَتِهِمْ ، وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى مَحَبَّةِ الصُّلَحَاءِ وَالْأَخْيَارِ رَجَاءَ اللَّحَاقِ بِهِمْ وَالْخَلَاصِ مِنَ النَّارِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ .
بَاب الْمَرْءَ مَعَ مَنْ أَحَبَّ 2386 حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ ، نَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ ، وَلَهُ مَا اكْتَسَبَ . وَفِي الْبَاب عَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَصَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي مُوسَى . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ البصري ، عَنْ أَنَسِ باب المرْء مع من أحب قَوْلُهُ : ( عَنْ أَشْعَثَ ) بْنِ سَوَّارٍ الْكِنْدِيِّ النَّجَّارِ الْأَفْرَقِ الْأَثْرَمِ ، صَاحِبُ التَّوَابِيتِ ، قَاضِي الْأَهْوَازِ ضَعِيفٌ مِنَ السَّادِسَةِ . قَوْلُهُ : ( الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ ) أَيْ يُحْشَرُ مَعَ مَحْبُوبِهِ ، وَيَكُونُ رَفِيقًا لِمَطْلُوبِهِ . قَالَ تَعَالَى : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الْآيَةَ . وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْعُمُومُ الشَّامِلُ لِلصَّالِحِ وَالطَّالِحِ ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ : الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ كَمَا مَرَّ . فَفِيهِ تَرْغِيبٌ وَتَرْهِيبٌ وَوَعْدٌ وَوَعِيدٌ ( وَلَهُ مَا اكْتَسَبَ ) وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ فِي شُعُبِ الْإِيمَانِ : أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ ، وَلَكَ مَا احْتَسَبْتَ . قَالَ الْقَارِي : أَيْ أَجْرُ مَا احْتَسَبْتَ ، وَالِاحْتِسَابُ طَلَبُ الثَّوَابِ . وَأَصْلُ الِاحْتِسَابِ بِالشَّيْءِ الِاعْتِدَادُ بِهِ ، وَلَعَلَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْحِسَابِ أَوِ الْحَسَبِ وَاحْتَسَبَ بِالْعَمَلِ إِذَا قَصَدَ بِهِ مَرْضَاتَ رَبِّهِ . وَقَالَ التُّورْبَشْتِيُّ : وَكِلَا اللَّفْظَيْنِ ( يَعْنِي احْتَسَبَ وَاكْتَسَبَ ) قَرِيبٌ مِنَ الْآخَرِ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ مِنْهُ . قَالَ الطِّيبِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- : وَذَلِكَ لِأَنَّ مَعْنَى مَا اكْتَسَبَ كَسَبَ كَسْبًا يُعَتَّدُ بِهِ ، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ سَبَبُ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الِاحْتِسَابِ ؛ لِأَنَّ الِافْتِعَالَ لِلِاعْتِمَالِ انْتَهَى . وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَرْءَ يُحْشَرُ مَعَ مَنْ أَحَبَّهُ وَلَهُ أَجْرُ مَا احْتَسَبَ فِي مَحَبَّتِهِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَصَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي مُوسَى ) أَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ وَالْأَوْسَطِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ . وَأَمَّا حَدِيثُ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ كَمَا فِي الْفَتْحِ .
2385 حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَتَى قِيَامُ السَّاعَةِ ؟ فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الصَّلَاةِ ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ : أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ قِيَامِ السَّاعَةِ ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : مَا أَعْدَدْتَ لَهَا ؟ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ وَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ ، فَمَا رَأَيْتُ فَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَرَحَهُمْ بِهَا . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( مَا أَعْدَدْتَ لَهَا ) قَالَ الطِّيبِيُّ : سَلَكَ مَعَ السَّائِلِ طَرِيقَ الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ ؛ لِأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ وَقْتِ السَّاعَةِ ، فَقِيلَ لَهُ : فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا ؟ وَإِنَّمَا يُهِمُّكَ أَنْ تَهْتَمَّ بِأُهْبَتِهَا ، وَتَعْتَنِيَ بِمَا يَنْفَعُكَ عِنْدَ إِرْسَالِهَا مِنَ الْعَقَائِدِ الْحَقَّةِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ، فأَجَابَ بِقَوْلِهِ : مَا أَعْدَدْتُ لَهَا إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، انْتَهَى . ( مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صَلَاةٍ ) بِالْمُوَحَّدَةِ . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : من كَثِيرَ صَلَاةٍ بِالْمُثَلَّثَةِ . ( وَأَنْتَ مَنْ أَحْبَبْتَ ) أَيْ مُلْحَقٌ بِهِمْ حَتَّى تَكُونَ مِنْ زُمْرَتِهِمْ ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ إِيرَادُ أَنَّ مَنَازِلَهُمْ مُتَفَاوِتَةٌ ، فَكَيْفَ تَصِحُّ الْمَعِيَّةُ ؟ فَيُقَالُ : إِنَّ الْمَعِيَّةَ تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الِاجْتِمَاعِ فِي شَيْءٍ مَا وَلَا يَلْزَمُ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ ، فَإِذَا اتَّفَقَ أَنَّ الْجَمِيعَ دَخَلُوا الْجَنَّةَ صَدَقَتِ الْمَعِيَّةُ وَإِنْ تَفَاوَتَتِ الدَّرَجَاتُ كَذَا فِي الْفَتْحِ ( فَمَا رَأَيْتُ فَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ ) أَيْ بَعْدَ فَرَحِهِمْ بِهِ أوْ دُخُولِهِمْ فِيهِ ( فَرَحَهُمْ ) بِفَتَحَاتٍ أَيْ كَفَرَحِهِمْ ( بِهَا ) أَيْ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ ، وَهِيَ : ( أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ ) . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : قَالَ : إِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ . فَقُلْنَا : وَنَحْنُ كَذَلِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَفَرِحْنَا يَوْمَئِذٍ فَرَحًا شَدِيدًا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ .
2330 حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، نَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ، نَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ ؟ قَالَ : مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ ، قَالَ : فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ ؟ قَالَ : مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ) هُوَ ابْنُ جُدْعَانَ . قَوْلُهُ : ( قَالَ : مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ ) قَالَ الْقَارِي : وَبَقِيَ صِنْفَانِ مُسْتَوِيَانِ لَيْسَ فِيهما زِيَادَةٌ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، وَهُمَا مَنْ قَصُرَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ أَوْ سَاءَ عَمَلُهُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالدَّارِمِيُّ ، وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَالْحَاكِمُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ .
بَاب مَا جَاءَ فِي طُولِ الْعُمْرِ لِلْمُؤْمِنِ 2329 حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، نَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ خَيْرُ النَّاسِ ؟ قَالَ : مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرٍ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . ( باب ما جاء في طول العمر للمؤمن ) قَوْلُهُ : ( عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ ) بْنِ ثَوْرِ بْنِ مَازِنٍ الْكِنْدِيِّ الْحِمْصِيِّ ، ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ) كَذَا فِي النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ بِالْقَافِ وَالتَّحْتِيَّةِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ غَلَطٌ ، وَالصَّوَابُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيُّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ، وَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِهِ : رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ ، وَذَكَرَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي التَّرْغِيبِ فَقَالَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خَيْرُ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ إِلَخْ ، وَقَالَ : رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَرَوَى أَحْمَدُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مَسَانِيدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ ، فَفِي مُسْنَدِهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ ، ثَنَا حَسَّانُ بْنُ نُوحٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قَالَ : أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْرَابِيَّانِ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا : مَنْ خَيْرُ الرِّجَالِ يَا مُحَمَّدُ ؟ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسَنُ عَمَلُهُ الْحَدِيثُ ، فَظَهَرَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ مَا وَقَعَ فِي النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ غَلَطٌ ، وَالصَّوَابُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ فَاحْفَظْ هَذَا . ( مَنْ طَالَ عُمُرُهُ ) بِضَمَّتَيْنِ عَلَى مَا هُوَ الْأَفْصَحُ الْوَارِدُ فِي كَلَامِهِ سُبْحَانَهُ ، وَفِي الْقَامُوسِ : الْعُمُرُ بِالْفَتْحِ وَبِالضَّمِّ وَبِضَمَّتَيْنِ الْحَيَاةُ ( وَحَسُنَ عَمَلُهُ ) قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : إِنَّ الْأَوْقَاتِ وَالسَّاعَاتِ كَرَأْسِ الْمَالِ لِلتَّاجِرِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَّجِرَ فِيمَا يَرْبَحُ فِيهِ ، وَكُلَّمَا كَانَ رَأْسُ مَالِهِ كَثِيرًا كَانَ الرِّبْحُ أَكْثَرَ ، فَمَنِ انْتَفَعَ مِنْ عُمُرِهِ بِأَنْ حَسُنَ عَمَلُهُ فَقَدْ فَازَ وَأَفْلَحَ ، وَمَنْ أَضَاعَ رَأْسَ مَالِهِ لَمْ يَرْبَحْ وَخَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَجَابِرٍ ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ كِلَاهُمَا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَلَمْ يُصَرِّحْ فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ وَلَفْظُهُ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخِيَارِكُمْ قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : أَطْوَلُكُمْ أَعْمَارًا وَأَحْسَنُكُمْ أَخْلَاقًا ، وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ مَرْفُوعًا : خِيَارُكُمْ أَطْوَلُكُمْ أَعْمَارًا وَأَحْسَنُكُمْ أَعْمَالًا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ .
بَاب 2384 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، نَا أَبُو دَاوُدَ ، نَا أَبُو سِنَانٍ الشَّيْبَانِيُّ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، الرَّجُلُ يَعْمَلُ الْعَمَلَ فَيُسِرُّهُ ، فَإِذَا اطُّلِعَ عَلَيْهِ أَعْجَبَهُ قَالَ : قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَهُ أَجْرَانِ : أَجْرُ السِّرِّ وَأَجْرُ الْعَلَانِيَةِ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، وَقَدْ رَوَى الْأَعْمَشُ وَغَيْرُهُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا وَقَدْ فَسَّرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا الْحَدِيثَ : إِذَا اطُّلِعَ عَلَيْهِ فَأَعْجَبَهُ إِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنْ يُعْجِبَهُ ثَنَاءُ النَّاسِ عَلَيْهِ بِالْخَيْرِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ فَيُعْجِبُهُ ثَنَاءُ النَّاسِ عَلَيْهِ لِهَذَا ، فَأَمَّا إِذَا أَعْجَبَهُ لِيَعْلَمَ النَّاسُ مِنْهُ الْخَيْرَ ويُكْرَمَ وَيُعَظَّمَ عَلَى ذلك فَهَذَا رِيَاءٌ ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِذَا اطُّلِعَ عَلَيْهِ فَأَعْجَبَهُ رَجَاءَ أَنْ يَعْمَلَ بِعَمَلِهِ فتكُونُ لَهُ مِثْلُ أُجُورِهِمْ ، فَهَذَا لَهُ مَذْهَبٌ أَيْضًا . باب : قَوْلُهُ : ( نَا أَبُو دَاوُدَ ) هُوَ الطَّيَالِسِيُّ ( نَا أَبُو سِنَانٍ الشَّيْبَانِيُّ ) هُوَ الْأَصْغَرُ ، وَيَأْتِي تَرْجَمَتُهُ وَتَرْجَمَةُ أَبِي سِنَانٍ الْأَكْبَرِ فِي بَابِ كَمْ صَفُّ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ أَبْوَابِ صِفَةِ الْجَنَّةِ . قَوْلُهُ : ( فَيَسُرُّهُ ) مِنَ الْإِسْرَارِ ، أَيْ : فَيُخْفِيهِ ( فَإِذَا اطُّلِعَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ، وَقَوْلُهُ : الرَّجُلُ يَعْمَلُ إِلَى قَوْلِهِ : أَعْجَبَهُ إِخْبَارٌ فِيهِ مَعْنَى الِاسْتِخْبَارِ ، يَعْنِي : هَلْ تَحْكُمُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ رِيَاءٌ أَمْ لَا ( أَجْرُ السِّرِّ ) أَيْ لِإِخْلَاصِهِ ( وَأَجْرُ الْعَلَانِيَةِ ) أَيْ : لِلِاقْتِدَاءِ بِهِ أَوْ لِفَرَحِهِ بِالطَّاعَةِ وَظُهُورِهَا مِنْهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِذَا اطُّلِعَ عَلَيْهِ فَأَعْجَبَهُ رَجَاءَ أَنْ يَعْمَلَ بِعَمَلِهِ فَتَكُونُ لَهُ مِثْلُ أُجُورِهِمْ ) وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا ( فَهَذَا لَهُ مَذْهَبٌ أَيْضًا ) أَيْ هَذَا الْمَعْنَى الثَّانِي أَيْضًا صَحِيحٌ يَجُوزُ أَنْ يَذْهَبَ إِلَيْهِ وَيَخْتَارَ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ 2381 حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، نَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ ، عَنْ شَيْبَانَ ، عَنْ فِرَاسٍ ، عَنْ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ ، وَمَنْ يُسَمِّعْ يُسَمِّعْ اللَّهُ بِهِ وقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ لَا يَرْحَمْ النَّاسَ لَا يَرْحَمْهُ اللَّهُ . وَفِي الْبَاب عَنْ جُنْدَبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . ( بَابُ مَا جَاءَ فِي الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : الرِّيَاءُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمَدِّ ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الرُّؤْيَةِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ إِظْهَارُ الْعِبَادَةِ لِقَصْدِ رُؤْيَةِ النَّاسِ لَهَا فَيَحْمَدُوا صَاحِبَهَا ، وَالسُّمْعَةُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ مُشْتَقَّةٌ مِنْ سَمِعَ ، وَالْمُرَادُ بِهَا نَحْوُ مَا فِي الرِّيَاءِ ، لَكِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِحَاسَّةِ السَّمْعِ ، وَالرِّيَاءُ بِحَاسَّةِ الْبَصَرِ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْغَزَالِيُّ : الرِّيَاءُ مُشْتَقٌّ مِنَ الرُّؤْيَةِ ، وَالسُّمْعَةُ مِنَ السَّمَاعِ ، وَإِنَّمَا الرِّيَاءُ أَصْلُهُ طَلَبُ الْمَنْزِلَةِ فِي قُلُوبِ النَّاسِ بِإِرَائِهِمُ الْخِصَالَ الْمَحْمُودَةَ . فَحَدُّ الرِّيَاءِ هُوَ إِرَاءَةُ الْعِبَادَةِ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَالْمُرَائِي هُوَ الْعَابِدُ وَالْمُرَاءَى لَهُ هُوَ النَّاسُ ، وَالْمُرَاءَى بِهِ هُوَ الْخِصَالُ الْحَمِيدَةُ . وَالرِّيَاءُ هُوَ قَصْدُ إِظْهَارِ ذَلِكَ . ( مَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ ) بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ فِي الْفِعْلَيْنِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ وَالْمَعْنَى : مَنْ يَعْمَلُ عَمَلًا لِيَرَاهُ النَّاسُ فِي الدُّنْيَا يُجَازِيهِ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ بِأَنْ يُظْهِرَ رِيَاءَهُ عَلَى الْخَلْقِ ( وَمَنْ يُسَمِّعْ ) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ : أَيْ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لِلسُّمْعَةِ بِأَنْ نَوَّهَ بِعَمَلِهِ وَشَهَرَهُ لِيَسْمَعَ النَّاسُ بِهِ وَيَمْتَدِحُوهُ ( يُسَمِّعِ اللَّهُ بِهِ ) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْضًا : أَيْ شَهَرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَهْلِ الْعَرَصَاتِ وَفَضَحَهُ عَلَى رُؤوسِ الْأَشْهَادِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا عَلَى غَيْرِ إِخْلَاصٍ ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَرَاهُ النَّاسُ وَيَسْمَعُوهُ جُوزِيَ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ يُشْهِرَهُ اللَّهُ وَيَفْضَحَهُ وَيُظْهِرَ مَا كَانَ يُبْطِنُهُ . وَقِيلَ : مَنْ قَصَدَ بِعَمَلِهِ الْجَاهَ وَالْمَنْزِلَةَ عِنْدَ النَّاسِ ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ يَجْعَلُهُ حَدِيثًا عِنْدَ النَّاسِ الَّذِينَ أَرَادَ نَيْلَ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَهُمْ ، وَلَا ثَوَابَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ . وَمَعْنَى يُرَائِي بِهِ يُطْلِعُهُمْ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لَهُمْ لَا لِوَجْهِهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا إِلَى قَوْلِهِ : مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقِيلَ : الْمُرَادُ مَنْ قَصَدَ بِعَمَلِهِ أَنْ يَسْمَعَهُ النَّاسُ وَيَرَوْهُ ؛ لِيُعَظِّمُوهُ وَتَعْلُو مَنْزِلَتُهُ عِنْدَهُمْ حَصَلَ لَهُ مَا قَصَدَ ، وَكَانَ ذَلِكَ جَزَاؤُهُ عَلَى عَمَلِهِ ، وَلَا يُثَابُ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى مَنْ سَمِعَ بِعُيُوبِ النَّاسِ وَأَذَاعَهَا أَظْهَرَ اللَّهُ عُيُوبَهُ وَسَمَّعَهُ الْمَكْرُوهَ . وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ، ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَالَ : وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ إِخْفَاءِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ ، لَكِنْ قَدْ يُسْتَحَبُّ إِظْهَارُهُ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ عَلَى إِرَادَتِهِ الِاقْتِدَاءَ بِهِ ، وَيُقَدَّرُ ذَلِكَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ ( مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ لَا يَرْحَمْهُ اللَّهُ ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَابِ رَحْمَةِ النَّاسِ مِنْ أَبْوَابِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ جُنْدُبٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ) ، أَمَّا حَدِيثُ جُنْدُبٍ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ : مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ بِعَمَلِهِ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ مَسَامِعَ خَلْقِهِ وَصَغَّرَهُ وَحَقَّرَهُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِأَسَانِيدَ أَحَدُهَا صَحِيحٌ وَالْبَيْهَقِيُّ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ إِلَّا الْفَصْلَ الْأَخِيرَ .
2382 حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، نَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، نا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي الْوَلِيدِ أَبُو عُثْمَانَ الْمَدَائِنِيُّ ، أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ مُسْلِمٍ حَدَّثَهُ أَنَّ شُفَيًّا الْأَصْبَحِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَدِينَةَ ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ فَقَالُوا : أَبُو هُرَيْرَةَ ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يُحَدِّثُ النَّاسَ ، فَلَمَّا سَكَتَ وَخَلَا قُلْتُ لَهُ : أَسألكَ بِحَقٍّ وَبِحَقٍّ ، لَمَا حَدَّثْتَنِي حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقَلْتَهُ وَعَلِمْتَهُ ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : أَفْعَلُ لَأُحَدِّثَنَّكَ حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقَلْتُهُ وَعَلِمْتُهُ ، ثُمَّ نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةً ، فَمَكَثنا قَلِيلًا ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ : لَأُحَدِّثَنَّكَ حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَيْتِ مَا مَعَنَا أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُهُ ، ثُمَّ نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةً شديدة ، ثُمَّ أَفَاقَ ومَسَحَ وَجْهَهُ ، وقَالَ : أفعل لَأُحَدِّثَنَّكَ حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَهُوَ فِي هَذَا الْبَيْتِ ، مَا مَعَنَا أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُهُ ، ثُمَّ نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةً شديدة ، ثُمَّ مَالَ خَارًّا عَلَى وَجْهِهِ فَأَسْنَدْتُهُ طَوِيلًا ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ : حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَنْزِلُ إِلَى الْعِبَادِ لِيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ ، وَكُلُّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٌ ، فَأَوَّلُ مَنْ يَدْعُو بِهِ رَجُلٌ جَمَعَ الْقُرْآنَ ، وَرَجُلٌ قتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَرَجُلٌ كَثِيرُ الْمَالِ ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْقَارِئِ : أَلَمْ أُعَلِّمْكَ مَا أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُولِي ، قَالَ : بَلَى يَا رَبِّ ، قَالَ : فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عُلِّمْتَ ؟ قَالَ : كُنْتُ أَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ : كَذَبْتَ ، وَتَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ : كَذَبْتَ ، وَيَقُولُ اللَّهُ : بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ : فُلَان قَارِئٌ ، فَقَدْ قِيلَ ذَلكَ ، وَيُؤْتَى بِصَاحِبِ الْمَالِ ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ : أَلَمْ أُوَسِّعْ عَلَيْكَ حَتَّى لَمْ أَدَعْكَ تَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ ؟ قَالَ : بَلَى يَا رَبِّ ، قَالَ : فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا آتَيْتُكَ ، قَالَ : كُنْتُ أَصِلُ الرَّحِمَ وَأَتَصَدَّقُ ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ : كَذَبْتَ ، وَتَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ : كَذَبْتَ ، وَيَقُولُ اللَّهُ : بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ : فُلَانٌ جَوَادٌ ، وقَدْ قِيلَ ذَلكَ ، وَيُؤْتَى بِالَّذِي قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ : فِي مَاذَا قُتِلْتَ ؟ فَيَقُولُ : أُمِرْتُ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِكَ فَقَاتَلْتُ حَتَّى قُتِلْتُ ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ : كَذَبْتَ ، وَتَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ : كَذَبْتَ ، وَيَقُولُ اللَّهُ : بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ : فُلَانٌ جَرِيءٌ ، فَقَدْ قِيلَ ذَلكَ ، ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رُكْبَتِي ، فَقَالَ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ، أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمْ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . قَالَ الْوَلِيدُ أَبُو عُثْمَانَ : فَأَخْبَرَنِي عُقْبَةُ أَنَّ شُفَيًّا هُوَ الَّذِي دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَأَخْبَرَهُ بِهَذَا . قَالَ أَبُو عُثْمَانَ : وَحَدَّثَنِي الْعَلَاءُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ أَنَّهُ كَانَ سَيَّافًا لِمُعَاوِيَةَ قال : فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَأَخْبَرَهُ بِهَذَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ : قَدْ فُعِلَ بِهَؤُلَاءِ هَذَا ، فَكَيْفَ بِمَنْ بَقِيَ مِنْ النَّاسِ ؟ ثُمَّ بَكَى مُعَاوِيَةُ بُكَاءً شَدِيدًا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ هَالِكٌ ، وَقُلْنَا : قَدْ جَاءَنَا هَذَا الرَّجُلُ بِشَرٍّ ، ثُمَّ أَفَاقَ مُعَاوِيَةُ وَمَسَحَ عَنْ وَجْهِهِ ، وَقَالَ : صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ : مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ مُسْلِمٍ ) التُّجِيبِيَّ الْمِصْرِيَّ الْقَاصَّ إِمَامَ الْمَسْجِدِ الْعَتِيقِ بِمِصْرَ ، ثِقَةٌ ، مِنَ الرَّابِعَةِ ( أَنَّ شُفَيًّا الْأَصْبَحِيَّ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : شُفَيُّ -بِالْفَاءِ مُصَغَّرًا- ابْنُ مَاتِعٍ بِمُثَنَّاةٍ الْأَصْبَحِيُّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ أَرْسَلَ حَدِيثًا فَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ فِي الصَّحَابَةِ خَطَأً . مَاتَ فِي خِلَافَةِ هِشَامٍ ، قَالَهُ خَلِيفَةُ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( أَنَّهُ ) : أَيْ شُفَيًّا ( فَلَمَّا سَكَتَ ) : أَيْ عَنِ التَّحْدِيثِ ( وَخَلَا ) : أَيْ بَقِيَ مُنْفَرِدًا ( أَسَالُكَ بِحَقِّ وَبِحَقِّ ) التَّكْرَارُ لِلتَّأْكِيدِ وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ . وَالْمَعْنَى أَسْأَلُكَ حَقًّا غَيْرَ بَاطِلٍ ( لَمَّا حَدَّثَتْنِي حَدِيثًا ) كَلِمَةُ لَمَّا هَاهُنَا بِمَعْنَى أَلَّا . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : وَلَمَّا يَكُونُ بِمَعْنَى حِينَ وَ لَمْ الْجَازِمَةِ وَأَلَّا ، وَإِنْكَارُ الْجَوْهَرِيِّ كَوْنَهُ بِمَعْنَى أَلَّا غَيْرُ جَيِّدٍ . يُقَالُ : سَأَلْتُكَ لَمَّا فَعَلْتَ : أَيْ أَلَّا فَعَلْتَ وَمِنْهُ : إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ انْتَهَى . ( ثُمَّ نَشَغَ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا غَيْنٌ مُعْجَمَةٌ : أَيْ شَهِقَ حَتَّى كَادَ يُغْشَى عَلَيْهِ أَسَفًا أَوْ خَوْفًا ، قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ . وَقَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : النَّشَغُ فِي الْأَصْلِ الشَّهِيقُ حَتَّى يَكَادَ يَبْلُغُ بِهِ الْغَشْيُ ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ الْإِنْسَانُ ذَلِكَ تَشَوُّقًا إِلَى شَيْءٍ فَائِتٍ وَأَسَفًا عَلَيْهِ ، وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ذَكَرَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَنَشَغَ نَشْغَةً : أَيْ شَهِقَ وَغُشِيَ عَلَيْهِ . انْتَهَى ( مَالَ خَارًّا ) مِنَ الْخُرُورِ : أَيْ سَاقِطًا ( فَأَسْنَدْتُهُ ) . قَالَ فِي الصُّرَاحِ : إِسْنَادُ تكيه دادن جيزي رايجيزي ( وَكُلُّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٌ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : جَثَا كَدَعَا وَرَمَى جُثُوًّا وَجُثِيًّا بِضَمِّهِمَا : جَلَسَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ ، أَوْ قَامَ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ . انْتَهَى . ( يَدْعُو ) : أَيِ اللَّهَ تَعَالَى ( بِهِ ) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى مَنْ ( رَجُلٌ جَمَعَ الْقُرْآنَ ) : أَيْ حَفِظَهُ ( قُتِلَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( فَمَاذَا عَمِلْتَ ) مِنَ الْعَمَلِ ( فِيمَا عَلِمْتَ ) مِنَ الْعِلْمِ ( كُنْتُ أَقُومُ بِهِ ) : أَيْ بِالْقُرْآنِ ( آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ ) : أَيْ سَاعَاتِهِمَا . قَالَ الْأَخْفَشُ : وَاحِدُهَا إِنًى مِثْلَ مِعًى ، وَقِيلَ وَاحِدُهَا إِنْيٌ وَإِنْوٌ ، يُقَالُ : مَضَى مِنَ اللَّيْلِ إِنْوَانٌ وَإِنْيَانٌ ، ( فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ ) : أَيْ ذَلِكَ الْقَوْلُ فَحَصَلَ مَقْصُودُكَ وَغَرَضُكَ ( أَلَمْ أُوَسِّعْ عَلَيْكُ ) : أَيْ أَلَمْ أُكْثِرْ مَالَكَ ( حَتَّى لَمْ أَدَعْكَ ) : أَيْ لَمْ أَتْرُكْكَ مِنْ وَدَعْ يَدَعُ ( جَوَادٌ ) : أَيْ سَخِيٌّ كَرِيمٌ ( جَرِيءٌ ) فَعِيلٌ مِنَ الْجُرْأَةِ فَهُوَ مَهْمُوزٌ ، وَقَدْ يُدْغَمُ أَيْ شُجَاعٌ . ( تُسَعَّرُ ) مِنَ التَّسْعِيرِ أَيْ تُوقَدُ . وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَغْلِيظِ تَحْرِيمِ الرِّيَاءِ وَشِدَّةِ عُقُوبَتِهِ ، وَعَلَى الْحَثِّ عَلَى وُجُوبِ الْإِخْلَاصِ فِي الْأَعْمَالِ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى : وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَفِيهِ أَنَّ الْعُمُومَاتِ الْوَارِدَةَ فِي فَضْلِ الْجِهَادِ إِنَّمَا هِيَ لِمَنْ أَرَادَ اللَّهَ تَعَالَى بِذَلِكَ مُخْلِصًا ، وَكَذَلِكَ الثَّنَاءُ عَلَى الْعُلَمَاءِ وَعَلَى الْمُنْفِقِينَ فِي وُجُوهِ الْخَيْرَاتِ كُلُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِلَّهِ تَعَالَى مُخْلِصًا ، ( وَحَدَّثَنِي الْعَلَاءُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ ) . قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : الْعَلَاءُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ يَحْيَى الشَّامِيُّ سَيَّافُ مُعَاوِيَةَ ثِقَةٌ مِنَ الرَّابِعَةِ ( قَدْ فُعِلَ بِهَؤُلَاءِ ) : أَيِ الْقَارِئِ ، وَالشَّهِيدِ ، وَالْجَوَادِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْحَدِيثِ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا : يَعْنِي بِعَمَلِهِ الَّذِي يَعْمَلُهُ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ . نَزَلَتْ فِي كُلِّ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا يَبْتَغِي بِهِ غَيْرَ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا : يَعْنِي أُجُورَ أَعْمَالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوهَا لِطَلَبِ الدُّنْيَا ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُوَسِّعُ عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ وَيَدْفَعُ عَنْهُمُ الْمَكَارِهَ فِي الدُّنْيَا وَنَحْوَ ذَلِكَ وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ : أَيْ لَا يُنْقَصُونَ مِنْ أُجُورِ أَعْمَالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوهَا لِطَلَبِ الدُّنْيَا ؛ بَلْ يُعْطَوْنَ أُجُورَ أَعْمَالِهِمْ كَامِلَةً مَوفرَةً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا : أَيْ وَبَطَلَ مَا عَمِلُوا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ؛ لِأَنَّهُ لِغَيْرِ اللَّهِ . وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمَعْنِيِّ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، فَرَوَى قَتَادَةُ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّهَا فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، وَعَنِ الْحَسَنِ مِثْلُهُ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ : مَنْ عَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فِي غَيْرِ تَقْوَى - يَعْنِي مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ - أُعْطِيَ عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا فِي الدُّنْيَا وَهُوَ أَنْ يَصِلَ رَحِمًا ، أَوْ يُعْطِيَ سَائِلًا ، أَوْ يَرْحَمَ مُضْطَرًّا أَوْ نَحْوَ هَذَا مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ ، فَيُعَجِّلُ اللَّهُ لَهُ ثَوَابَ عَمَلِهِ فِي الدُّنْيَا يُوَسِّعُ عَلَيْهِ فِي الْمَعِيشَةِ وَالرِّزْقِ وَيُقِرُّ عَيْنَهُ فِيمَا خولَهُ ، وَيَدْفَعُ عَنْهُ الْمَكَارِهَ فِي الدُّنْيَا وَلَيْسَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ نَصِيبٌ . وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ سِيَاقُ الْآيَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ : أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ الْآيَةَ . وَهَذِهِ حَالَةُ الْكَافِرِ فِي الْآخِرَةِ . وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَطْلُبُونَ بِغَزْوِهِمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْغَنَائِمَ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ ثَوَابَ الْآخِرَةِ . وَقِيلَ : إِنَّ حَمْلَ الْآيَةِ عَلَى الْعُمُومِ أَوْلَى ، فَيَنْدَرِجُ الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ الَّذِي هَذِهِ صِفَتُهُ ، وَالْمُؤْمِنُ الَّذِي يَأْتِي بِالطَّاعَاتِ وَأَعْمَالِ الْبِرِّ عَلَى وَجْهِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ . قَالَ مُجَاهِدٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : هُمْ أَهْلُ الرِّيَاءِ ، وَهَذَا الْقَوْلُ مُشْكِلٌ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ لَا يَلِيقُ بِحَالِ الْمُؤْمِنِ إِلَّا إِذَا قُلْنَا : إِنَّ تِلْكَ الْأَعْمَالَ الْفَاسِدَةَ ، وَالْأَفْعَالَ الْبَاطِلَةَ لَمَّا كَانَتْ لِغَيْرِ اللَّهِ اسْتَحَقَّ فَاعِلُهَا الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ وَهُوَ عَذَابُ النَّارِ ، كَذَا فِي تَفْسِيرِ الْخَازِنِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ .
2383 حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، نا الْمُحَارِبِيُّ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ سَيْفٍ الضَّبِّيِّ ، عَنْ أَبِي مُعَانٍ الْبَصْرِيِّ ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جُبِّ الْحَزَنِ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا جُبُّ الْحَزَنِ ؟ قَالَ : وَادٍ فِي جَهَنَّمَ تَتَعَوَّذُ مِنْهُ جَهَنَّمُ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ ، قيل : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَنْ يَدْخُلُهُ ؟ قَالَ : الْقُرَّاءُون الْمُرَاءُونَ بِأَعْمَالِهِمْ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ . ( باب ) : قَوْلُهُ : ( عَنْ عَمَّارِ بْنِ سَيْفٍ ) بِفَتْحِ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ ( الضَّبِّيِّ ) بِالْمُعْجَمَةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ الْكُوفِيِّ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ ، وَكَانَ عَابِدًا مِنَ التَّاسِعَةِ ( عَنْ أَبِي مَعَانٍ الْبَصْرِيِّ ) فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : أَبُو مُعَاذٍ ، وَيُقَالُ أَبُو مَعَانٍ وَهُوَ أَصَحُّ ، بَصْرِيٌّ عَنْ أَنَسٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَعَنْهُ عَمَّارُ بْنُ سَيْفٍ الضَّبِّيُّ . وَفِي الْمِيزَانِ : لَا يُعْرَفُ وَفِي التَّقْرِيبِ : مَجْهُولٌ مِنَ السَّادِسَةِ ( عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَنَسَ بْنَ سِيرِينَ . قَوْلُهُ : ( تَعَوَّذُوا بِاَللَّهِ مِنْ جُبِّ الْحَزَنِ ) قَالَ فِي الْمَجْمَعِ : الْجُبُّ بِالضَّمِّ الْبِئْرُ غَيْرُ الْمَطْوِيِّ وَجُبُّ الْحَزَنِ : عَلَمٌ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ وَالْإِضَافَةُ فِيهِ كَدَارِ السَّلَامِ إِذْ فِيهِ السَّلَامَةُ مِنْ كُلِّ آفَةٍ وَحَزَنٍ ، انْتَهَى . ( مِائَةَ مَرَّةٍ ) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ أَرْبَعَمِائَةِ مَرَّةٍ ( الْقَرَّاءُونَ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْقُرَّاءُ كَرُمَّانٍ النَّاسِكُ الْمُتَعَبِّدُ كَالْقَارِئِ وَالمتَّقَرُّئ وَالْجَمْعُ قَرَّاءُونَ وَقَرارِئ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) فِي سَنَدِهِ عَمَّارُ بْنُ سَيْفٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ . وأَبُو مَعَانٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ كَمَا عَرَفْتَ ، وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا .
بَاب مَا جَاءَ فِي أَعْمَارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى سَبْعِينَ 2331 حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ ، عَنْ كَامِلٍ أَبِي الْعَلَاءِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عُمْرُ أُمَّتِي مِنْ سِتِّينَ سَنَةً إِلَى سَبْعِينَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ( باب ما جاء في أعمار هذه الأمة ما بين الستين إلى سبعين ) قَوْلُهُ : ( عَنْ كَامِلٍ أَبِي الْعَلَاءِ ) قَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : كَامِلُ بْنُ الْعَلَاءِ التَّمِيمِيُّ السَّعْدِيُّ ، وَيُقَالُ : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيُّ ، رَوَى عَنْ أَبِي صَالِحٍ مِينَاءٌ وَغَيْرُهُ وَعَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ وَغَيْرُهُ ، وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ : صَدُوقٌ يُخْطِئُ مِنَ السَّابِعَةِ ( عَنْ أَبِي صَالِحٍ ) قَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : أَبُو صَالِحٍ مَوْلَى ضُبَاعَةَ ، قَالَ مُسْلِمٌ : اسْمُهُ مِينَاءٌ رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثَ أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ ، وَعَنْهُ كَامِلٌ أَبُو الْعَلَاءِ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ . قَوْلُهُ : ( عُمُرُ أُمَّتِي مِنْ سِتِّينَ سَنَةً إِلَى سَبْعِينَ ) قِيلَ : مَعْنَاهُ آخِرُ عُمُرِ أُمَّتِي ابْتِدَاؤُهُ إِذَا بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً وَانْتِهَاؤُهُ سَبْعُونَ سَنَةً ، وَقَلَّ مَنْ يَجُوزُ سَبْعِينَ ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ بِدَلِيلِ شَهَادَةِ الْحَالِ فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ سِتِّينَ سَنَةً ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجُوزُ سَبْعِينَ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، قَالَ الْقَارِي بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ الطِّيبِيِّ هَذَا : وَفِيهِ أَنَّ اعْتِبَارَ الْغَلَبَةِ فِي جَانِبِ الزِّيَادَةِ عَلَى سَبْعِينَ وَاضِحٌ جِدًّا ، وَأَمَّا كَوْنُ الْغَالِبِ فِي آخِرِ عُمُرِ الْأُمَّةِ بُلُوغُ سِتِّينَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْغَرَابَةِ الْمُخَالِفَةِ لِمَا هُوَ ظَاهِرٌ فِي الْمُشَاهَدَةِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّ عُمُرَ الْأُمَّةِ مِنْ سِنِّ الْمَحْمُودِ الْوَسَطِ الْمُعْتَدِلِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ غَالِبُ الْأُمَّةِ مَا بَيْنَ الْعَدَدَيْنِ ، مِنْهُمْ سَيِّدُ الْأَنْبِيَاءِ وَأَكَابِرُ الْخُلَفَاءِ ، كَالصِّدِّيقِ وَالْفَارُوقِ وَالْمُرْتَضَى وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ ، مِمَّا يَصْعُبُ فِيهِ الِاسْتِقْصَاءُ ، انْتَهَى ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : الْأَسْنَانُ أَرْبَعَةٌ : سِنُّ الطُّفُولِيَّةِ ، ثُمَّ الشَّبَابِ ، ثُمَّ الْكُهُولَةِ ، ثُمَّ الشَّيْخُوخَةِ وَهِيَ آخِرُ الْأَسْنَانِ ، وَغَالِبُ مَا يَكُونُ مَا بَيْنَ السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ ، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ ضَعْفُ الْقُوَّةِ بِالنَّقْصِ وَالِانْحِطَاطِ ، فَيَنْبَغِي لَهُ الْإِقْبَالُ عَلَى الْآخِرَةِ بِالْكُلِّيَّةِ ؛ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْحَالَةِ الْأُولَى مِنَ النَّشَاطِ وَالْقُوَّةِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي أَوَاخِرِ أَبْوَابِ الدَّعَوَاتِ بِسَنَدٍ آخَرَ غَيْرِ السَّنَدِ الْمَذْكُورِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : سَنَدُهُ حَسَنٌ .
بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ كَثْرَةِ الْأَكْلِ 2380 حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، ثَنِي أَبُو سَلَمَةَ الْحِمْصِيُّ ، وَحَبِيبُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ الطَّائِيِّ ، عَنْ مِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ . حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ نَحْوَهُ . وَقَالَ الْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِيكَرِبَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَمْ يَذْكُرْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . ( باب ما جاء في كراهية كثرة الأكل ) قَوْلُهُ : ( ثَنِي أَبُو سَلَمَةَ الْحِمْصِيُّ ) اسْمُهُ سُلَيْمَانُ بْنُ سُلَيْمٍ الْكَلْبِيُّ الشَّامِيُّ الْقَاضِي بِحِمَّصٍ ، ثِقَةٌ عَابِدٌ ، مِنَ السَّابِعَةِ ( وَحَبِيبُ بْنُ صَالِحٍ ) الطَّائِيُّ أَبُو مُوسَى الْحِمْصِيُّ ، وَيُقَالُ : حَبِيبُ بْنُ أَبِي مُوسَى ، ثِقَةٌ ، مِنَ السَّابِعَةِ ، ( عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ الطَّائِيِّ ) أَبِي عَمْرٍو الْحِمْصِيِّ الْقَاضِي ، ثِقَةٌ ، مِنَ السَّادِسَةِ وَأَرْسَلَ كَثِيرًا ، ( عَنْ مِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيَكْرِبَ ) بْنِ عَمْرٍو الْكِنْدِيِّ ، صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ نَزَلَ الشَّامَ . قَوْلُهُ : ( مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً ) : أَيْ ظَرْفًا ( شَرًّا مِنْ بَطْنٍ ) صِفَةُ وِعَاءٍ ، جَعَلَ الْبَطْنَ أَوَّلًا وِعَاءً كَالْأَوْعِيَةِ الَّتِي تُتَّخَذُ ظُرُوفًا لِحَوَائِجِ الْبَيْتِ ؛ تَوْهِينًا لِشَأْنِهِ ، ثُمَّ جَعَلَهُ شَرَّ الْأَوْعِيَةِ ؛ لِأَنَّهَا اسْتُعْمِلَتْ فِيمَا هِيَ لَهُ ، وَالْبَطْنُ خُلِقَ لِأَنْ يَتَقَوَّمَ بِهِ الصُّلْبُ بِالطَّعَامِ وَامْتِلَاؤُهُ يُفْضِي إِلَى الْفَسَادِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا فَيَكُونُ شَرًّا مِنْهَا . ( بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ ) مُبْتَدَأٌ أَوِ الْبَاءُ زَائِدَةٌ : أَيْ يَكْفِيهِ ، وَقَوْلُهُ ( أُكُلَاتٌ ) بِضَمَّتَيْنِ خَبَرُهُ ، نَحْوُ قَوْلِهِ : بِحَسْبِكَ دِرْهَمٌ ، وَالْأُكْلَةُ بِالضَّمِّ اللُّقْمَةُ : أَيْ يَكْفِيهِ هَذَا الْقَدْرُ فِي سَدِّ الرَّمَقِ وَإِمْسَاكِ الْقُوَّةِ . ( يُقِمْنَ ) مِنَ الْإِقَامَةِ ( صُلْبَهُ ) : أَيْ ظَهْرَهُ تَسْمِيَةً لِلْكُلِّ بِاسْمِ جُزْئِهِ ، كِنَايَةً عَنْ أَنَّهُ لَا يَتَجَاوَزُ مَا يَحْفَظُهُ مِنَ السُّقُوطِ وَيَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ ( فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيُضَمُّ : أَيْ إِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنَ التَّجَاوُزِ عَمَّا ذَكَرَ فَلْتَكُنْ أَثْلَاثًا : ( فَثُلُثٌ ) أَيْ فَثُلُثٌ يَجْعَلُهُ ( لِطَعَامِهِ ) : أَيْ مَأْكُولِهِ ، ( وَثُلُثٌ ) يَجْعَلُهُ ( لِشَرَابِهِ ) : أَيْ مَشْرُوبِهِ ، ( وَثُلُثٌ ) يَدَعُهُ ( لِنَفَسِهِ ) بِفَتْحِ الْفَاءِ : أَيْ يُبْقِي مِنْ مِلْئِهِ قَدْرَ الثُّلُثِ ؛ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ التَّنَفُّسِ ، وَيَحْصُلُ لَهُ نَوْعُ صَفَاءٍ وَرِقَّةٍ ، وَهَذَا غَايَةُ مَا اخْتِيرَ لِلْأَكْلِ ، وَيَحْرُمُ الْأَكْلُ فَوْقَ الشِّبَعِ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- : أَيِ الْحَقُّ الْوَاجِبُ أَنْ لَا يَتَجَاوَزَ عَمَّا يُقَامُ بِهِ صُلْبُهُ لِيَتَقَوَّى بِهِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ ، فَإِنْ أَرَادَ الْبَتَّةَ التَّجَاوُزَ فَلَا يَتَجَاوَزُ عَنِ الْقَسْمِ الْمَذْكُورِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ .
بَاب مَا جَاءَ فِي تَقَارُبِ الزَّمَنِ وَقِصَرِ الْأَمَلِ 2332 حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ ، نَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ ويكُونُ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ ، وَالشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ ، وَتَكُونُ الْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ ، وَيَكُونُ الْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ ، وَتَكُونُ السَّاعَةُ كَالضَّرَمَةِ بِالنَّارِ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَسَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ هُوَ أَخُو يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأنصاري . ( باب ما جاء في تقارب الزمن وقصر الأمل ) . قَوْلُهُ : ( نَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ) الْقَطَوَانِيُّ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالطَّاءِ أَبُو الْهَيْثَمِ الْبَجْلِيُّ مَوْلَاهُمُ الْكُوفِيُّ صَدُوقٌ يَتَشَيَّعُ ، وَلَهُ أَفْرَادٌ مِنْ كِبَارِ الْعَاشِرَةِ ، رَوَى عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ وَغَيْرِهِمَا ( نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ) هُوَ الْعُمَرِيُّ ( عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ) هُوَ أَخُو يَحْيَى صَدُوقٌ سَيِّءُ الْحِفْظِ مِنَ الرَّابِعَةِ . قَوْلُهُ : ( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى قِلَّةِ بَرَكَةِ الزَّمَانِ ، وَذَهَابِ فَائِدَتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَوْ عَلَى أَنَّ النَّاسَ لِكَثْرَةِ اهْتِمَامِهِمْ بِمَا دَهَمَهُمْ مِنَ النَّوَازِلِ وَالشَّدَائِدِ وَشُغْلِ قَلْبِهِمْ بِالْفِتَنِ الْعِظَامِ لَا يَدْرُونَ كَيْفَ تَنْقَضِي أَيَّامُهُمْ وَلَيَالِيهِمْ ، ( وَالشَّهْرُ ) : أَيْ وَيَكُونَ الشَّهْرُ ( كَالْجُمُعَةِ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَيُسَكَّنُ وَالْمُرَادُ بِهِ الْأُسْبُوعُ ( وَتَكُونَ الْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ ) : أَيْ كَالنَّهَارِ ( وَيَكُونَ الْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ ) : أَيِ الْعُرْفِيَّةِ النُّجُومِيَّةِ وَهِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْقِسْمَةِ الِاثْنَتَيْ عَشْرِيَّةَ فِي اعْتِدَالِ الْأَزْمِنَةِ الصَّيْفِيَّةِ وَالشِّتَائِيَّةِ ، قَالَهُ الْقَارِي وَفِيهِ مَا فِيهِ . ( وَتَكُونَ السَّاعَةُ كَالضَّرْمَةِ ) بِفَتْحِ الضَّادِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَيُفْتَحُ أَيْ مِثْلُهَا فِي سُرْعَةِ ابْتِدَائِهَا وَانْقِضَائِهَا ، قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ : أَيْ كَزَمَانِ إِيقَادِ الضَّرْمَةِ وَهِيَ مَا يُوقَدُ بِهِ النَّارُ أَوَّلًا كَالْقَصَبِ وَالْكِبْرِيتِ ، وَفِي الْقَامُوسِ : الضَّرَمَةُ مُحَرَّكَةٌ السَّعَفَةُ أَوِ الشِّيحَةُ فِي طَرَفِهَا نَارٌ ، وَفِي الْأَزْهَارِ : الضَّرْمَةُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ : غُصْنُ النَّخْلِ وَالشِّيحَةُ : نَبْتٌ فِي طَرَفِهَا نَارٌ فَإِنَّهَا إِذِا اشْتَعَلَتْ تُحْرَقُ سَرِيعًا ، انْتَهَى . فَالْمُرَادُ بِهَا السَّاعَةُ اللُّغَوِيَّةُ ، وَهِيَ أَدْنَى مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الزَّمَانِ مِنَ اللَّمْحَةِ وَاللَّحْظَةِ وَالطَّرْفَةِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي زَمَنِ الْمَهْدِيِّ أَوْ عِيسَى عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَوْ كِلَيْهِمَا ، قَالَ الْقَارِي : وَالْأَخِيرُ هُوَ الْأَظْهَرُ ؛ لِظُهُورِ هَذَا الْأَمْرِ فِي خُرُوجِ الدَّجَّالِ وَهُوَ في زَمَانُهُمَا .
بَاب : 2379 حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ ، نَا عَبْدُ اللَّهِ ، نا سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَال : سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثٌ ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى وَاحِدٌ : يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ ، وَمَالُهُ ، وَعَمَلُهُ فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ ، وَيَبْقَى عَمَلُهُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . باب : قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سُوَيْدُ ) بْنُ نَصْرِ بْنِ سُوَيْدٍ الْمَرْوَزِيُّ ( نَا عَبْدُ اللَّهِ ) بْنُ الْمُبَارَكِ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ . قَوْلُهُ : ( يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ) : أَيْ إِلَى قَبْرِهِ ( ثَلَاثٌ ) : أَيْ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَشْيَاءِ ( فَيَرْجِعُ اثْنَانِ ) : أَيْ إِلَى مَكَانِهِمَا وَيَتْرُكَانِهِ وَحْدَهُ ( وَيَبْقَى وَاحِدٌ ) : أَيْ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ ( يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ ) : أَيْ أَوْلَادُهُ وَأَقَارِبُهُ وَأَهْلُ صُحْبَتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ ( وَمَالُهُ ) كَالْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ وَالدَّابَّةِ وَالْخَيْمَةِ . قَالَهُ الْقَارِي . وَقَالَ الْمُظْهِرُ : أَرَادَ بَعْضَ مَالِهِ وَهُوَ مَمَالِيكُهُ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : اتِّبَاعُ الْأَهْلِ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَاتِّبَاعُ الْمَالِ عَلَى الِاتِّسَاعِ ، فَإِنَّ الْمَالَ حِينَئِذٍ لَهُ نَوْعُ تَعَلُّقٍ بِالْمَيِّتِ مِنَ التَّجْهِيزِ وَالتَّكْفِينِ وَمُؤْنَةِ الْغُسْلِ وَالْحَمْلِ وَالدَّفْنِ ، فَإِذَا دُفِنَ انْقَطَعَ تَعَلُّقُهُ بِالْكُلِّيَّةِ ( وَعَمَلُهُ ) : أَيْ مِنَ الصَّلَاحِ وَغَيْرِهِ ( وَيَبْقَى عَمَلُهُ ) . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : مَعْنَى بَقَاءِ عَمَلِهِ أَنَّهُ يَدْخُلُ مَعَهُ الْقَبْرَ . وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ الطَّوِيلِ فِي صِفَةِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْقَبْرِ عِنْدَ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ فَفِيهِ : وَيَأْتِيهِ الرَّجُلُ حَسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الثِّيَابِ حَسَنُ الرِّيحِ فَيَقُولُ : أَبْشِرْ بِاَلَّذِي يَسُرُّكَ . فَيَقُولُ : مَنْ أَنْتَ ؟ فَيَقُولُ : أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ . وَقَالَ فِي حَقِّ الْكَافِرِ : وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : بِاَلَّذِي يَسُوؤُكَ ، وَفِيهِ : عَمَلُكَ الْخَبِيثُ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا .
2335 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي السَّفَرِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : مَرَّ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نُعَالِجُ خُصًّا لَنَا ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فَقُلْنَا : قَدْ وَهِيَ فَنَحْنُ نُصْلِحُهُ ، فقَالَ : مَا أُرَى الْأَمْرَ إِلَّا أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَأَبُو السَّفَرِ اسْمُهُ سَعِيدُ بْنُ يُحْمِدَ ، وَيُقَالُ : ابْنُ أَحْمَدَ الثَّوْرِيُّ قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي السَّفَرِ ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ ، هُوَ سَعِيدُ بْنُ يُحْمِدَ ، بِضَمِّ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ الْهَمْدَانِيُّ الثَّوْرِيُّ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ : ( وَنَحْنُ نُعَالِجُ خُصًّا لَنَا ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْخُصُّ بِالضَّمِّ : الْبَيْتُ مِنَ الْقَصَبِ ، أَوِ الْبَيْتُ يُسْقَفُ بِخَشَبَةٍ كَالْأَزَجِ ، جَمْعُهُ خِصَاصٌ وَخُصُوصٌ ، انْتَهَى ، وَقَالَ فِيهِ : الْأَزَجُ مُحَرَّكَةٌ : ضَرْبٌ مِنَ الْأَبْنِيَةِ ، وَالْمَعْنَى نُصْلِحُ بَيْتًا لَنَا ، وَفِي رِوَايَةٍ : وَأَنَا أُطَيِّنُ حَائِطًا لِي أَنَا وَأُمِّي ( قَدْ وَهِيَ ) أَيْ ضَعُفَ ، قَالَ فِي الصُّرَاحِ : وَهِيَ ضَعِيفٌ شدن ونزديك شدن ديواربافتادن ، وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْوَهْيُ الشَّقُّ فِي الشَّيْءِ ، جَمْعُهُ وُهِيٌّ وَأَوْهِيَةٌ وَهَى كَوَعَى وَوَلِيَ تَخَرَّقَ وَانْشَقَّ وَاسْتَرْخَى رِبَاطُهُ ( فَقَالَ : مَا أُرَى ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ : أَيْ مَا أَظُنُّ ( الْأَمْرَ ) : أَيِ الْأَجَلَ ( إِلَّا أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ ) وفِي رِوَايَةٍ قَالَ : الْأَمْرُ أَسْرَعُ مِنْ ذَلِكَ ، قِيلَ : الْأَجَلُ أَقْرَبُ مِنْ تَخَرُّبِ هَذَا الْبَيْتِ : أَيْ تُصْلِحُ بَيْتَكَ ؛ خَشْيَةَ أَنْ يَنْهَدِمَ قَبْلَ أَنْ تَمُوتَ ، وَرُبَّمَا تَمُوتُ قَبْلَ أَنْ يَنْهَدِمَ ، فَإِصْلَاحُ عَمَلِكَ أَوْلَى مِنْ إِصْلَاحِ بَيْتِكَ ، قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : أَيْ كَوْنُنَا فِي الدُّنْيَا كَعَابِرِ سَبِيلٍ أَوْ رَاكِبٍ مُسْتَظِلٍّ تَحْتَ شَجَرَةٍ أَسْرَعَ مِمَّا أَنْتَ فِيهِ مِنِ اشْتِغَالِكَ بِالْبِنَاءِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ .
2334 حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ ، نَا عَبْدُ اللَّهِ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذَا ابْنُ آدَمَ وَهَذَا أَجَلُهُ وَوَضَعَ يَدَهُ عِنْدَ قَفَاهُ ثُمَّ بَسَطَهَا فَقَالَ : وَثَمَّ أَمَلُهُ ، وَثَمَّ أَمَلُهُ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي سَعِيدٍ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ ) هُوَ ابْنُ نَصْرٍ ( عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ ) ثِقَةٌ مِنْ الرَّابِعَةِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا ابْنُ آدَمَ ) الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا إِشَارَةٌ حِسِّيَّةٌ إِلَى صُورَةٍ مَعْنَوِيَّةٍ وَكَذَا قَوْلُهُ : ( وَهَذَا أَجَلُهُ ) وَتَوْضِيحُهُ أَنَّهُ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى قُدَّامِهِ فِي مِسَاحَةِ الْأَرْضِ أَوْ فِي مِسَاحَةِ الْهَوَاءِ بِالطُّولِ أَوِ الْعَرْضِ ، وَقَالَ : هَذَا ابْنُ آدَمَ ، ثُمَّ أَخَّرَهَا وَأَوْقَفَهَا قَرِيبًا مِمَّا قَبْلَهُ وَقَالَ هَذَا أَجَلُهُ ( وَوَضَعَ يَدَهُ ) : أَيْ عِنْدَ تَلَفُّظِهِ بِقَوْلِهِ : ( هَذَا ابْنُ آدَمَ وَهَذَا أَجَلُهُ ) ( عِنْدَ قَفَاهُ ) : أَيْ فِي عَقِبِ الْمَكَانِ الَّذِي أَشَارَ بِهِ إِلَى الْأَجَلِ ( ثُمَّ بَسَطَهَا ) : أَيْ نَشَرَ يَدَهُ عَلَى هَيْئَةِ فَتْحٍ لِيُشِيرَ بِكَفِّهِ وَأَصَابِعِهِ أَوْ مَعْنَى بَسَطَهَا وَسَّعَهَا فِي الْمَسَافَةِ مِنَ الْمَحَلِّ الَّذِي أَشَارَ بِهِ إِلَى الْأَجَلِ ( فَقَالَ : وَثَمَّ ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ : أَيْ هُنَالِكَ وَأَشَارَ إِلَى بُعْدِ مَكَانِ ذَلِكَ ( أَمَلُهُ ) أَيْ مَأْمُولُهُ ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ظَرْفٌ ، قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاخْتِصَاصِ وَالِاهْتِمَامِ كَذَا شَرَحَ الْقَارِي هَذَا الْحَدِيثَ ، وَقَالَ هَذَا مَا سَنَحَ لِي فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنْ تَوْضِيحِ الْمَرَامِ ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : قَوْلُهُ وَوَضَعَ يَدَهُ الْوَاوُ لِلْحَالِ ، وَفِي قَوْلِهِ : وَهَذَا أَجَلُهُ لِلْجَمْعِ مُطْلَقًا ، فَالْمُشَارُ إِلَيْهِ أَيْضًا مُرَكَّبٌ ، فَوَضَعَ الْيَدَ عَلَى قَفَاهُ مَعْنَاهُ أَنَّ هَذَا الْإِنْسَانَ الَّذِي يَتْبَعُهُ أَجَلُهُ هُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ ، وَبَسْطُ الْيَدِ عِبَارَةٌ عَنْ مَدِّهَا إِلَى قُدَّامٍ ، انْتَهَى . وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي تَرْجَمَةِ الْمِشْكَاةِ ( هَذَا ابْنُ آدَمَ وَهَذَا أَجَلُهُ ) أين أدمى ست وأين أجل أوست يَعْنِي نزديك است بوي ( وَوَضَعَ يَدَهُ عِنْدَ قَفَاهُ ) ونهاد أنحضرت أزبرالي تصوير وتمثيل قرب موت رابا دمي دست خود رانزد قفاي خود يَعْنِي مركدر قفاي أدمي ست وقريب بوي ( ثُمَّ بَسَطَ ) يس تربكشا دود رازكرد أنحضرت دست داود ورد أشت ازقفا أزبراي نمودن درازي أمل ( فَقَالَ : وَثَمَّ أَمَلُهُ ) وانجاست يَعْنِي بجاي دور أمل واميداو يَعْنِي أجل نزديك أمد وأمل دور رفته أست ، انْتَهَى بِلَفْظِهِ . قُلْتُ : كُلٌّ مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْقَارِي وَالشَّيْخُ مُحْتَمَلٌ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَرَزَ عُودًا بَيْنَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ غَرَزَ إِلَى جَنْبِهِ آخَرَ ، ثُمَّ غَرَزَ الثَّالِثَ فَأَبْعَدَهُ ثُمَّ قَالَ : هَذَا الْإِنْسَانُ ، وَهَذَا أَجَلُهُ ، وَهَذَا أَمَلُهُ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَالْأَحَادِيثُ مُتَوَافِقَةٌ عَلَى أَنَّ الْأَجَلَ أَقْرَبُ مِنَ الْأَمَلِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا ، وَابْنُ مَاجَهْ بِنَحْوِهِ ، انْتَهَى .
بَاب مَا جَاءَ فِي قِصَرِ الْأَمَلِ 2333 حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نَا أَبُو أَحْمَدَ ، نَا سُفْيَانُ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَعْضِ جَسَدِي فَقَالَ : كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ ، وَعُدَّ نَفْسَكَ من أَهْلِ الْقُبُورِ ، فَقَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ : إِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالْمَسَاءِ ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالصَّبَاحِ ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ قَبْلَ سَقَمِكَ ، وَمِنْ حَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ غَدًا . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ الْبَصْرِيُّ ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْأَعْمَشُ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ . ( باب ما جاء في قصر الأمل ) قَوْلُهُ : ( نَا أَبُو أَحْمَدَ ) هُوَ الزُّبَيْرِيُّ قَوْلُهُ : ( بِبَعْضِ جَسَدِي ) ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : بِمَنْكِبَيْ ، فَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَعْيِينُ مَا أُبْهِمَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ ، وَنُكْتَةُ الْأَخْذِ تَقْرِيبُهُ إِلَيْهِ وَتَوَجُّهُهُ عَلَيْهِ ؛ لِيَتَمَكَّنَ فِي ذِهْنِهِ مَا يُلْقَى لَدَيْهِ قَالَ : ( كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ ) قَالَ الطِّيبِيُّ : لَيْسَتْ أَوْ لِلشَّكِّ ؛ بَلْ لِلتَّخْيِيرِ وَالْإِبَاحَةِ ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى بَلْ ، فَشَبَّهَ النَّاسِكَ السَّالِكَ بِالْغَرِيبِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَسْكَنٌ يَأْوِيهِ ، وَلَا مَسْكَنٌ يَسْكُنُهُ ، ثُمَّ تَرَقَّى وَأَضْرَبَ عَنْهُ إِلَى عَابِرِ السَّبِيلِ ؛ لِأَنَّ الْغَرِيبَ قَدْ يَسْكُنُ فِي بَلَدِ الْغُرْبَةِ ، بِخِلَافِ عَابِرِ السَّبِيلِ الْقَاصِدِ لِبَلَدٍ شَاسِعٍ بَيْنَهُمَا أَوْدِيَةٌ مُرْدِيَةٌ ، وَمَفَاوِزُ مُهْلِكَةٌ وَقُطَّاعُ طَرِيقٍ ، فَإِنَّ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ لَا يُقِيمَ لَحْظَةً وَلَا يَسْكُنُ لَمْحَةً ، وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ : ( إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ إِلَخْ ) ، وَبِقَوْلِهِ : ( وَعُدَّ نَفْسَكَ فِي أَهْلِ الْقُبُورِ ) ، وَالْمَعْنَى اسْتَمِرَّ سَائِرًا وَلَا تَفْتُرْ ، فَإِنَّكَ إِنْ قَصَّرْتَ انْقَطَعْتَ وَهَلَكْتَ فِي تِلْكَ الْأَوْدِيَةِ ، وَهَذَا مَعْنَى الْمُشَبَّهِ بِهِ . وَأَمَّا الْمُشَبَّهُ فَهُوَ قَوْلُهُ : ( وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ ) : أَيْ أَنَّ الْعُمُرَ لَا يَخْلُو عَنْ صِحَّةٍ وَمَرَضٍ ، فَإِذَا كُنْتَ صَحِيحًا فَسِرْ سَيْرَ الْقَصْدِ وَزِدْ عَلَيْهِ بِقَدْرِ قُوَّتِكَ مَا دَامَتْ فِيكَ قُوَّةٌ ، بِحَيْثُ يَكُونُ مَا بِكَ مِنْ تِلْكَ الزِّيَادَةِ قَائِمًا مَقَامَ مَا لَعَلَّهُ يَفُوتُ حَالَةَ الْمَرَضِ وَالضَّعْفِ ، ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : مَعْنَى الْحَدِيثِ : لَا تَرْكَنْ إِلَى الدُّنْيَا وَلَا تَتَّخِذْهَا وَطَنًا وَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالْبَقَاءِ فِيهَا ، وَلَا تَتَعَلَّقْ مِنْهَا بِمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْغَرِيبُ فِي غَيْرِ وَطَنِهِ ، انْتَهَى . ( وَعُدَّ نَفْسَكَ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ : أَيِ اجْعَلْهَا مَعْدُودَةً ( مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ ) : أَيْ مِنْ جُمْلَتِهِمْ وَوَاحِدَةً مِنْ جَمَاعَتِهِمْ ، فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا قِيلَ مُوتُوا قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا ، وَحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا ( فَقَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ ) هَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ : أَيْ قَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما مِنْ قَوْلِهِ : ( إِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالْمَسَاءِ إِلَخْ ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ : إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ ، ( وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ ) : أَيْ زَمَنِ صِحَّتِكَ ( قَبْلَ سَقَمِكَ ) بِفَتْحَتَيْنِ أَوْ بِضَمِّ السِّينِ وَسُكُونِ الْقَافِ : أَيْ قَبْلَ مَرَضِكَ ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : لِمَرَضِكَ ، وَالْمَعْنَى اشْتَغِلْ فِي الصِّحَّةِ بِالطَّاعَةِ بِحَيْثُ لَوْ حَصَلَ تَقْصِيرٌ فِي الْمَرَضِ لَيُجْبَرُ بِذَلِكَ ( مَا اسْمُكَ غَدًا ) قَالَ الْحَافِظُ : أَيْ هَلْ يُقَالُ لَهُ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ، وَلَمْ يُرِدِ اسْمَهُ الْخَاصَّ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَتَغَيَّرُ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ هَلْ يُقَالُ هُوَ حَيٌّ أَوْ مَيِّتٌ ، انْتَهَى . قُلْتُ : وَالظَّاهِرُ عِنْدِي هُوَ الْمَعْنَى الثَّانِي ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْأَعْمَشُ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ : كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، زَادَ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ : وَعُدَّ نَفْسَكَ مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ .
باب : 2378 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نَا أَبُو عَامِرٍ ، وَأَبُو دَاوُدَ قَالَا : نَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، ثَنِي مُوسَى بْنُ وَرْدَانَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ . ( باب ) : قَوْلُهُ : ( نَا أَبُو عَامِرٍ ) الْعَقَدِيُّ الْبَصْرِيُّ ( وَأَبُو دَاوُدَ ) الطَّيَالِسِيُّ ( قَالَا : نَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ) التَّمِيمِيُّ ( ثَنِي مُوسَى بْنُ وَرْدَانَ ) الْعَامِرِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو عُمَرَ الْمِصْرِيُّ مَدَنِيُّ الْأَصْلِ ، صَدُوقٌ ، رُبَّمَا أَخْطَأَ ، مِنَ الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ : ( الرَّجُلُ ) يَعْنِي الْإِنْسَانَ ( عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ ) : أَيْ عَلَى عَادَةِ صَاحِبِهِ وَطَرِيقَتِهِ وَسِيرَتِهِ ( فَلْيَنْظُرْ ) : أَيْ فَلْيَتَأَمَّلْ وَلْيَتَدَبَّرْ ( مَنْ يُخَالِلْ ) مِنَ الْمُخَالَّةِ وَهِيَ الْمُصَادَقَةُ وَالْإِخَاءُ ، فَمَنْ رَضِيَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ خَالَلَهُ ، وَمَنْ لَا تَجَنَّبَهُ ، فَإِنَّ الطِّبَاعَ سَرَّاقَةٌ ، وَالصُّحْبَةُ مُؤَثِّرَةٌ فِي إِصْلَاحِ الْحَالِ وَإِفْسَادِهِ . قَالَ الْغَزَالِيُّ : مُجَالَسَةُ الْحَرِيصِ وَمُخَالَطَتُهُ تُحَرِّكُ الْحِرْصَ ، وَمُجَالَسَةُ الزَّاهِدِ وَمُخَالَلَتُهُ تُزْهِدُ فِي الدُّنْيَا ؛ لِأَنَّ الطِّبَاعَ مَجْبُولَةٌ عَلَى التَّشَبُّهِ وَالِاقْتِدَاءِ ؛ بَلِ الطَّبْعُ يَسْرِقُ مِنَ الطَّبْعِ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) قَالَ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، انْتَهَى . قَالَ الطِّيبِيُّ : ذَكَرَهُ فِي رِيَاضِ الصَّالِحِينَ . وَغَرَضُ الْمُؤَلِّفِ مِنْ إِيرَادِهِ وَالْإِطْنَابِ فِيهِ دَفْعُ الطَّعْنِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَرَفْعُ تَوَهُّمِ مَنْ تَوَهَّمَ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ . قَالَ السُّيُوطِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي انْتَقَدَهَا الْحَافِظُ سِرَاجُ الدِّينِ الْقَزْوِينِيُّ عَلَى الْمَصَابِيحِ ، وَقَالَ : إِنَّهُ مَوْضُوعٌ . وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي رَدِّهِ عَلَيْهِ : قَدْ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ .
باب : 2377 حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكِنْدِيُّ ، نَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ ، حدثنِي الْمَسْعُودِيُّ ، نَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ نَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَصِيرٍ ، فَقَامَ وَقَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ اتَّخَذْنَا لَكَ وِطَاءً ؟ فَقَالَ : مَا لِي وَمَا لِلدُّنْيَا مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا ، وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ . ( باب ) : قَوْلُهُ : ( نَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ ) هُوَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْعُكْلِيُّ ( حدثنِي الْمَسْعُودِيُّ ) هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الْكُوفِيُّ صَدُوقٌ ، اخْتَلَطَ قَبْلَ مَوْتِهِ ، وَضَابِطُهُ أَنَّ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ بِبَغْدَادَ فَبَعْدَ الِاخْتِلَاطِ ، مِنَ السَّابِعَةِ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ( نَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ ) هُوَ الْجَمَلِيُّ الْمُرَادِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيُّ ( عَنْ إِبْرَاهِيمَ ) هُوَ النَّخَعِيُّ . قَوْلُهُ : ( فَقَامَ ) : أَيْ عَنِ النَّوْمِ ( وَقَدْ أَثَّرَ ) : أَيْ أَثَّرَ الْحَصِيرُ ( لَوِ اتَّخَذْنَا لَكَ وِطَاءً ) بِكَسْرِ الْوَاوِ وَفَتْحِهَا كَكِتَابٍ وَسَحَابٍ : أَيْ فِرَاشًا وَكَلِمَةُ ( لَوْ ) تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّمَنِّي ، وَأَنْ تَكُونَ لِلشَّرْطِيَّةِ وَالتَّقْدِيرُ لَوِ اتَّخَذْنَا لَكَ بِسَاطًا حَسَنًا وَفِرَاشًا لَيِّنًا لَكَانَ أَحْسَنَ مِنَ اضْطِجَاعِكَ عَلَى هَذَا الْحَصِيرِ الْخَشِنِ ( مَا لِي وَلِلدُّنْيَا ) قَالَ الْقَارِي : مَا نَافِيَةٌ : أَيْ لَيْسَ لِي أُلْفَةٌ وَمَحَبَّةٌ مَعَ الدُّنْيَا ، وَلَا لِلدُّنْيَا أُلْفَةٌ وَمَحَبَّةٌ مَعِي حَتَّى أَرْغَبَ إِلَيْهَا ، وَأَنْبَسِطُ عَلَيْهَا وَأَجْمَعُ مَا فِيهَا وَلَذَّتِهَا . أَوِ اسْتِفْهَامِيَّةٌ أَيْ : أَيُّ أُلْفَةٍ وَمَحَبَّةٍ لِي مَعَ الدُّنْيَا ، أَوْ أَيُّ شَيْءٍ لِي مَعَ الْمَيْلِ إِلَى الدُّنْيَا ، أَوْ مَيْلِهَا إِلَيَّ فَإِنِّي طَالِبُ الْآخِرَةِ وَهِيَ ضَرَّتُهَا الْمُضَادَّةُ لَهَا . قَالَ : وَاللَّامُ فِي لِلدُّنْيَا مُقْحَمَةٌ لِلتَّأْكِيدِ إِنْ كَانَ الْوَاوُ بِمَعْنَى مَعَ ، وَإِنْ كَانَ لِلْعَطْفِ فَالتَّقْدِيرُ مَا لِي مَعَ الدُّنْيَا وَمَا لِلدُّنْيَا مَعِي . ( اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا ) وَجْهُ التَّشْبِيهِ سُرْعَةُ الرَّحِيلِ ، وَقِلَّةُ الْمُكْثِ ، وَمِنْ ثَمَّ خَصَّ الرَّاكِبَ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ) ، أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ قِصَرِ الْأَمَلِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ بِنَحْوِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ .
باب : 2376 حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ ، عَنْ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَيُرْوَى فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا يَصِحُّ إِسْنَادُهُ . ( باب ) : قَوْلُهُ : ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ ) الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ ، وَيُقَالُ : ابْنُ مُحَمَّدٍ بَدَلَ عَبْدِ اللَّهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْسُبُهُ إِلَى جَدِّهِ لِأُمِّهِ ، فَيَقُولُ : مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ ، كَذَا فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ ( عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : ابْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِي لَعْقِ الْأَصَابِعِ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ . وَجَاءَ بِالشَّكِّ عَبْدُ اللَّهِ أَوْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَفِي حَدِيثِ : أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ نُسِبَ لِجَدِّهِ . وَفِي حَدِيثِ : ( مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ ) لَمْ يُسَمَّ وَهُوَ أَحَدُ هَذَيْنِ . وَكَذَا فِي حَدِيثِ : مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ ، وَإِنِ امْرَأَةً ذَبَحَتْ شَاةً بِحَجَرٍ . وَقِيلَ : فِي هَذَا الْأَخِيرِ عَنِ ابْنِ كَعْبٍ عَنْ أَخِيهِ . وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ ، انْتَهَى ( عَنْ أَبِيهِ ) أَيْ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي كَعْبٍ الْأَنْصَارِيِّ السُّلَمِيِّ الْمَدَنِيِّ ، صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا . قَوْلُهُ : ( مَا ) نَافِيَةٌ ( جَائِعَانِ ) أُتِيَ بِهِ لِلْمُبَالَغَةِ ( أُرْسِلَا ) : أَيْ خُلِّيَا وَتُرِكَا ( فِي غَنَمٍ ) : أَيْ قَطِيعَةِ غَنَمٍ ( لِدِينِهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِأَفْسَدَ . وَالْمَعْنَى أَنَّ حِرْصَ الْمَرْءِ عَلَيْهِمَا أَكْثَرُ فَسَادًا لِدِينِهِ الْمُشَبَّهِ بِالْغَنَمِ لِضَعْفِهِ يُجَنَّبُ حِرْصُهُ مِنْ إِفْسَادِ الذِّئْبَيْنِ لِلْغَنَمِ . قَالَ الطِّيبِيُّ : مَا بِمَعْنَى لَيْسَ ، وَذِئْبَانِ اسْمُهَا . وَجَائِعَانِ صِفَةٌ لَهُ ، وَأُرْسِلَا فِي غَنَمٍ الْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلَى أَنَّهَا صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ ، وَقَوْلُهُ : بِأَفْسَدَ خَبَرٌ لِمَا ، وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ وَهُوَ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ : أَيْ بِأَشَدَّ إِفْسَادٍ ، وَالضَّمِيرُ فِي لَهَا لِلْغَنَمِ ، وَاعْتُبِرَ فِيهَا الْجِنْسِيَّةُ فَلِذَا أُنِّثَ ، وَقَوْلُهُ : مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ ، هُوَ الْمُفَضَّلُ عَلَيْهِ لِاسْمِ التَّفْضِيلِ ، وَقَوْلُهُ : عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ ، يَتَعَلَّقُ بِالْحِرْصِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْجَاهُ ، وَقَوْلُهُ : لِدِينِهِ اللَّامُ فِيهِ بَيَانٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ كَأَنَّهُ قِيلَ بِأَفْسَدَ لِأَيِّ شَيْءٍ ؟ قِيلَ : لِدِينِهِ . وَمَعْنَاهُ لَيْسَ ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي جَمَاعَةٍ مِنْ جِنْسِ الْغَنَمِ بِأَشَدَّ إِفْسَادًا لِتِلْكَ الْغَنَمِ مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالْجَاهِ ، فَإِنَّ إِفْسَادَهُ لِدِينِ الْمَرْءِ أَشَدُّ مِنْ إِفْسَادِ الذِّئْبَيْنِ الْجَائِعَيْنِ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الْغَنَمِ إِذَا أُرْسِلَا فِيهَا . أَمَّا الْمَالُ فَإِفْسَادُهُ أَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْقُدْرَةِ يُحَرِّكُ دَاعِيَةَ الشَّهَوَاتِ ، وَيَجُرُّ إِلَى التَّنَعُّمِ فِي الْمُبَاحَاتِ فَيَصِيرُ التَّنَعُّمُ مَأْلُوفًا ، وَرُبَّمَا يَشْتَدُّ أَنْسُهُ بِالْمَالِ ، وَيَعْجِزُ عَنْ كَسْبِ الْحَلَالِ فَيَقْتَحِمُ فِي الشُّبُهَاتِ مَعَ أَنَّهَا مُلْهِيَةٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهَذِهِ لَا يَنْفَكُّ عَنْهَا أَحَدٌ . وَأَمَّا الْجَاهُ فَيَكْفِي بِهِ إِفْسَادًا أَنَّ الْمَالَ يُبْذَلُ لِلْجَاهِ وَلَا يُبْذَلُ الْجَاهُ لِلْمَالِ وَهُوَ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ ، فَيَخُوضُ فِي الْمُرَاآةِ وَالْمُدَاهَنَةِ وَالنِّفَاقِ ، وَسَائِرِ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ ، فَهُوَ أَفْسَدُ وَأَفْسَدُ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ . قَوْلُهُ : ( وَيُرْوَى فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَا يَصِحُّ إِسِنَادُهُ ) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ هَذَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِلَفْظِ : مَا ذِئْبَانِ ضَارِيَانِ فِي حَظِيرَةٍ يَأْكُلَانِ وَيُفْسِدَانِ بِأَضَرَّ فِيهَا مِنْ حُبِّ الشَّرَفِ ، وَحُبِّ الْمَالِ فِي دِينِ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ : إِسْنَادُهُ حَسَنٌ . وَقَدْ صَنَّفَ ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ جُزْءً لَطِيفًا فِي شَرْحِ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ ، وَقَالَ فِيهِ بَعْدَ ذِكْرِهِ مَا لَفْظُهُ : وَرُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، وَجَابِرٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَعَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ . قَالَ : وَقَدْ ذَكَرْتُهَا كُلَّهَا مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهَا فِي كِتَابِ شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ ، وَفِي لَفْظِ حَدِيثِ جَابِرٍ : مَا ذِئْبَانِ ضَارِيَانِ يَأْتِيَانِ فِي غَنَمٍ غَابَ رِعَاؤُهَا بِأَفْسَدَ لِلنَّاسِ مِنْ حُبِّ الشَّرَفِ وَالْمَالِ لِدِينِ الْمُؤْمِنِ ، انْتَهَى .
باب 2375 حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ الصَّوَّافُ ، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لُعِنَ عَبْدُ الدِّينَارِ ، لُعِنَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَمَّ مِنْ هَذَا وَأَطْوَلَ . ( باب ) . قَوْلُهُ : ( عَنْ يُونُسَ ) هُوَ ابْنُ عُبَيْدِ بْنِ دِينَارٍ الْعَبْدِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ فَاضِلٌ وَرِعٌ مِنَ الْخَامِسَةِ . قَوْلُهُ : ( لُعِنَ عَبْدُ الدِّينَارِ ) : أَيْ طُرِدَ وَأُبْعِدَ طَالِبُهُ الْحَرِيصُ عَلَى جَمْعِهِ ، الْقَائِمُ عَلَى حِفْظِهِ فَكَأَنَّهُ لِذَلِكَ خَادِمُهُ وَعَبْدُهُ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : خَصَّ الْعَبْدَ بِالذِّكْرِ لِيُؤْذِنَ بِانْغِمَاسِهِ فِي مَحَبَّةِ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهَا كَالْأَسِيرِ الَّذِي لَا يَجِدُ خَلَاصًا . وَلَمْ يَقُلْ مَالِكُ الدُّنْيَا وَلَا جَامِعُ الدَّنِيَّا ، وَلِأَنَّ الْمَذْمُومَ مِنَ الْمِلْكِ وَالْجَمْعِ الزِّيَادَةُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ . وَقَالَ : غَيْرُهُ جَعَلَهُ عَبْدًا لَهُمَا لِشَغَفِهِ وَحِرْصِهِ ، فَمَنْ كَانَ عَبْدًا لِهَوَاهُ لَمْ يَصْدُقْ فِي حَقِّهِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ، فَلَا يَكُونُ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ صِدِّيقًا ( لُعِنَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ ) خُصَّا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمَا أَصْلُ أَمْوَالِ الدُّنْيَا وَحُطَامُهَا . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَخْ ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْجِهَادِ وَالرِّقَاقِ ، وَلَفْظُهُ فِي الْجِهَادِ : تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ الْحَدِيثَ .
بَاب مَا جَاءَ أَنَّ فِتْنَةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي الْمَالِ 2336 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، نَا الْحَسَنُ بْنُ سَوَّارٍ ، نَا اللَيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عن عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عِيَاضٍ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً ، وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ، إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ( باب ما جاء أن فتنة هذه الأمة في المال ) قَوْلُهُ : ( نَا الْحَسَنُ بْنُ سَوَّارٍ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ، وَتَثْقِيلِ الْوَاوِ الْبَغَوِيُّ أَبُو الْعَلَاءِ الْمَرْوَزِيُّ صَدُوقٌ مِنَ التَّاسِعَةِ ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ ) بِجِيمٍ وَمُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرًا ( بْنِ نُفَيْرٍ ) بِنُونٍ وَفَاءٍ مُصَغَّرًا الْحِمْصِيُّ ثِقَةٌ مِنَ الرَّابِعَةِ ( عَنْ أَبِيهِ ) : أَيْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَامِرٍ الْحَضْرَمِيِّ الْحِمْصِيِّ ثِقَةٌ جَلِيلٌ مِنَ الثَّانِيَةِ مُخَضْرَمٌ ، ( عَنْ كَعْبِ بْنِ عِيَاضٍ ) الْأَشْعَرِيِّ ، لَهُ صُحْبَةٌ عِدَادُهُ فِي أَهْلِ الشَّامِ رَوَى عَنْهُ جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً ) : أَيْ ضَلَالًا وَمَعْصِيَةً ، ( وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ ) : أَيِ اللَّهْوُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُشْغِلُ الْبَالَ عَنِ الْقِيَامِ بِالطَّاعَةِ وَيُنْسِي الْآخِرَةَ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ) ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ : صَحِيحٌ وَأَقَرُّوهُ .
بَاب مَا جَاءَ فِي أَخْذِ الْمَالِ بِحَقِّهِ 2374 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا اللَّيْثُ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ قَال : سَمِعْتُ خَوْلَةَ بِنْتَ قَيْسٍ وَكَانَتْ تَحْتَ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ مَنْ أَصَابَهُ بِحَقِّهِ بُورِكَ لَهُ فِيهِ ، وَرُبَّ مُتَخَوِّضٍ فِيمَا شَاءَتْ بِهِ نَفْسُهُ مِنْ مَالِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَيْسَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا النَّارُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَأَبُو الْوَلِيدِ اسْمُهُ عُبَيْدُ سَنُطا ( بَاب مَا جَاءَ فِي أَخْذِ الْمَالِ بِحَقِّهِ ) قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ خَوْلَةَ بِنْتَ قَيْسٍ ) بْنِ فِهْرِ بْنِ قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيَّةَ صَحَابِيَّةٌ لَهَا حَدِيثٌ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ . وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهَا : رَوَتْ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : إِنَّ الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ الْحَدِيثَ . وَعَنْهَا أَبُو الْوَلِيدِ سَنُوطًا وَغَيْرُهُ . قَالَ عُبَيْدٌ : دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ مُحَمَّدٍ وَكَانَتْ عِنْدَ حَمْزَةَ ، وَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( خَضِرَةٌ ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ ( حُلْوَةٌ ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : مَعْنَاهُ أَنَّ صُورَةَ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ مُونِقَةٌ ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ شَيْءٍ مُشْرِقٍ نَاضِرٍ أَخْضَرَ . وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ قَوْلُهُ : ( الْمَالُ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ ) لَيْسَ هُوَ صِفَةَ الْمَالِ وَإِنَّمَا هُوَ لِلتَّشْبِيهِ كَأَنَّهُ قَالَ : الْمَالُ كَالْبَقْلَةِ الْخَضْرَاءِ الْحُلْوَةِ ، وَالتَّاءُ فِي قَوْلِهِ خَضِرَةٌ وَحُلْوَةٌ بِاعْتِبَارِ مَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الْمَالُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا ، أَوْ عَلَى مَعْنَى فَائِدَةِ الْمَالِ : أَيْ أَنَّ الْحَيَاةَ بِهِ ، أَوِ الْعِيشَةَ ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَالِ هُنَا الدُّنْيَا ؛ لِأَنَّهُ مِنْ زِينَتِهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث أبي سعيد أَيْضًا الْمُخَرَّجِ فِي السُّنَنِ : الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَيَتَوَافَقُ الْحَدِيثَانِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ التَّاءُ فِيهِمَا لِلْمُبَالَغَةِ ( مَنْ أَصَابَهُ بِحَقِّهِ ) أَيْ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ مِنَ الْحَلَالِ ، ( وَرُبَّ مُتَخَوِّضٍ ) : أَيْ مُتَسَارِعٍ وَمُتَصَرِّفٍ . قَالَ فِي الْمَجْمَعِ : أَصْلُ الْخَوْضِ الْمَشْيُ فِي الْمَاءِ وَتَحْرِيكُهُ ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي التَّلْبِيسِ بِالْأَمْرِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ : أَيْ رُبَّ مُتَصَرِّفٍ فِي مَالِ اللَّهِ بِمَا لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ : أَيْ يَتَصَرَّفُونَ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَيَسْتَبِدُّونَ بِمَالِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ قِسْمَةٍ ، وَقِيلَ : هُوَ التَّخْلِيطُ فِي تَحْصِيلِهِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ كَيْفَ أَمْكَنَ ، انْتَهَى . ( فِيمَا شَاءَتْ نَفْسُهُ ) : أَيْ فِيمَا أَحَبَّتْهُ وَالْتَذَّتْ بِهِ ( لَيْسَ لَهُ ) : أَيْ جَزَاءٌ ( يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا النَّارُ ) : أَيْ دُخُولُ جَهَنَّمَ ، وَهُوَ حُكْمٌ مُرَتَّبٌ عَلَى الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ وَهُوَ الْخَوْضُ فِي مَالِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ مُشْعِرًا بِالْعِلِّيَّةِ ، وَهَذَا حَثٌّ عَلَى الِاسْتِغْنَاءِ عَنِ النَّاسِ ، وَذَمِّ السُّؤَالِ بِلَا ضَرُورَةٍ . قَالَ الْغَزَالِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- : مَثَلُ الْمَالِ مَثَلُ الْحَيَّةِ الَّتِي فِيهَا تِرْيَاقٌ نَافِعٌ ، وَسُمٌّ نَاقِعٌ ، فَإِنْ أَصَابَهَا الْعَارِفُ الَّذِي يَحْتَرِزُ عَنْ شَرِّهَا ، وَيَعْرِفُ اسْتِخْرَاجَ تِرْيَاقِهَا كَانَ نِعْمَةً ، وَإِنْ أَصَابَهَا الْغَبِيُّ فَقَدْ لَقِيَ الْبَلَاءَ الْمُهْلِكَ ، انْتَهَى . وَتَوْضِيحُهُ مَا قَالَهُ عَارِفٌ : إِنَّ الدُّنْيَا كَالْحَيَّةِ فَكُلُّ مَنْ يعرف رقيتها يَجُوزُ لَهُ أَخَذَهَا ، وَإِلَّا فَلَا ، فَقِيلَ : وَمَا رُقْيَتُهَا ؟ فَقَالَ : أَنْ يَعْرِفَ مِنْ أَيْنَ يَأْخُذُهَا ، وَفِي أَيْنَ يَصْرِفُهَا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ . قَوْلُهُ : ( وَأَبُو الْوَلِيدِ اسْمُهُ عُبَيْدٌ سَنُطَا ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ سَنُوطَا . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : وَسَنُوطَى كَهَيُولَى لَقَبُ عُبَيْدٍ الْمُحَدِّثِ أَوِ اسْمُ وَالِدِهِ ، انْتَهَى . وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ : عُبَيْدٌ سَنُوطَا بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ النُّونِ ، وَيُقَالُ : ابْنُ سَنُوطَا أَبُو الْوَلِيدِ الْمَدَنِيُّ وَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ مِنَ الثَّالِثَةِ ، انْتَهَى .
بَاب مَا جَاءَ لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى ثَالِثًا 2337 حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ ، نَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، نَا أَبِي ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيا مِنْ ذَهَبٍ لَأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَانيا ، وَلَا يَمْلَأُ فَاهُ إِلَّا التُّرَابُ ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ ، وَفِي الْبَاب عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَأَبِي وَاقِدٍ ، وَجَابِرٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . ( باب ما جاء لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا ) قَوْلُهُ : ( نَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ ) بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ أَبُو يُوسُفَ الْمَدَنِيُّ ، نَزِيلُ بَغْدَادَ ، ثِقَةٌ فَاضِلٌ مِنْ صِغَارِ التَّاسِعَةِ ( نَا أَبِي ) : أَيْ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَبُو إِسْحَاقَ ، ثِقَةٌ حُجَّةٌ ، تُكُلِّمَ فِيهِ بِلَا قَادِحٍ مِنَ الثَّامِنَةِ . قَوْلُهُ : ( وَادِيًا ) كَذَا وَقَعَ فِي أَصْلِ الْكُرُوخِيِّ ، وَالصَّوَابُ : وَادٍ وَثَانٍ ، كَذَا فِي هَامِشِ النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ مِنْ ذَهَبٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَذَهَبٍ ( وَلَا يَمْلَأُ فَاهُ ) : أَيْ فَمَهُ ، وَفِي رِوَايَةٍ : وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ ، وَفِي رِوَايَةٍ : لَا يَسُدُّ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ ، ( إِلَّا التُّرَابُ ) مَعْنَاهُ : لَا يَزَالُ حَرِيصًا عَلَى الدُّنْيَا حَتَّى يَمُوتَ وَيَمْتَلِئُ جَوْفُهُ مِنْ تُرَابِ قَبْرِهِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَخْرُجُ عَلَى حُكْمِ غَالِبِ بَنِي آدَمَ فِي الْحِرْصِ عَلَى الدُّنْيَا . ( وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ ) : أَيْ أَنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنَ الْحَرِيصِ كَمَا يَقْبَلُهَا مِنْ غَيْرِهِ ، قِيلَ : وَفِيه إِشَارَةٌ إِلَى ذَمِّ الِاسْتِكْثَارِ مِنْ جَمْعِ الْمَالِ ، وَتَمَنِّي ذَلِكَ وَالْحِرْصِ عَلَيْهِ ؛ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الَّذِي يَتْرُكُ ذَلِكَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَابَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَابَ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَهُوَ مُطْلَقُ الرُّجُوعِ : أَيْ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَالتَّمَنِّي . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ بَنِي آدَمَ مَجْبُولُونَ عَلَى حُبِّ الْمَالِ وَالسَّعْيِ فِي طَلَبِهِ ، وَأَنْ لَا يَشْبَعَ مِنْهُ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ وَوَفَّقَهُ لِإِزَالَةِ هَذِهِ الْجِبِلَّةِ عَنْ نَفْسِهِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ، فَوَضَعَ قَوْلَهُ : وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ مَوْضِعَهُ ؛ إِشْعَارًا بِأَنَّ هَذِهِ الْجِبِلَّةَ الْمَرْكُوزَةَ مَذْمُومَةٌ جَارِيَةٌ مَجْرَى الذَّنْبِ ، وَأَنَّ إِزَالَتَهَا مُمْكِنَةٌ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَتَسْدِيدِهِ ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ إِلَخْ ) أَمَّا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي فَصْلِهِ مِنْ أَبْوَابِ الْمَنَاقِبِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُمَا ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي وَاقِدٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ ، ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ كَمَا فِي الْفَتْحِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ .
بَاب مَا جَاءَ أَنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ 2373 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ بُدَيْلِ بْنِ قُرَيْشٍ الْيَامِيُّ الْكُوفِيُّ ، نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . ( باب ما جاء أن الغنى غنى النفس ) قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ بُدَيْلِ بْنِ قُرَيْشٍ الْيَامِيُّ ) بِالتَّحْتَانِيَّةِ أَبُو جَعْفَرٍ قَاضِي الْكُوفَةِ ، صَدُوقٌ لَهُ أَوْهَامٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ ، ( عَنْ أَبِي حَصِينٍ ) هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَاصِمٍ الْأَسَدِيُّ الْكُوفِيُّ ( عَنْ أَبِي صَالِحٍ ) هُوَ السَّمَّانُ . قَوْلُهُ : ( لَيْسَ الْغِنَى ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ مَقْصُودٌ أَيِ الْحَقِيقِيُّ الْمُعْتَبَرُ النَّافِعُ ( عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ ثُمَّ ضَادٍ مُعْجَمَةٍ . قَالَ الْحَافِظُ : أَمَّا عَنْ فَهِيَ سَبَبِيَّةٌ وَأَمَّا الْعَرَضُ فَهُوَ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا ، وَيُطْلَقُ بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى مَا يُقَابِلُ الْجَوْهَرَ وَعَلَى كُلِّ مَا يَعْرِضُ لِلشَّخْصِ مِنْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْعُرُوضُ الْأَمْتِعَةُ ، وَهِيَ مَا سِوَى الْحَيَوَانِ وَالْعَقَارِ ، وَمَا لَا يَدْخُلُهُ كَيْلٌ وَلَا وَزْنٌ . وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ : الْعَرْضُ بِالسُّكُونِ كُلُّ مَا كَانَ مِنَ الْمَالِ غَيْرَ نَقْدٍ ، وَجَمْعُهُ عُرُوضٌ . وَأَمَّا بِالْفَتْحِ فَمَا يُصِيبُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ حَظِّهِ فِي الدُّنْيَا قَالَ تَعَالَى : تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَقَالَ : وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ( وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ ) وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : مَعْنَى الْحَدِيثِ لَيْسَ حَقِيقَةُ الْغِنَى كَثْرَةَ الْمَالِ ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ لَا يَقْنَعُ بِمَا أُوتِيَ فَهُوَ يَجْتَهِدُ فِي الِازْدِيَادِ وَلَا يُبَالِي مِنْ أَيْنَ يَأْتِيهِ ، فَكَأَنَّهُ فَقِيرٌ لِشِدَّةِ حِرْصِهِ ، وَإِنَّمَا حَقِيقَةُ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ ، وَهُوَ مَنِ اسْتَغْنَى بِمَا أُوتِيَ وَقَنَعَ بِهِ وَرَضِيَ ، وَلَمْ يَحْرِصْ عَلَى الِازْدِيَادِ ، وَلَا أَلَحَّ فِي الطَّلَبِ فَكَأَنَّهُ غَنِيٌّ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْغِنَى النَّافِعَ أَوِ الْعَظِيمَ أَوِ الْمَمْدُوحَ هُوَ غِنَى النَّفْسِ ، وَبَيَانُهُ أَنَّهُ إِذَا اسْتَغْنَتْ نَفْسُهُ كَفَتْ عَلَى الْمَطَامِعِ فَعَزَّتْ وَعَظُمَتْ ، وَحَصَلَ لَهَا مِنَ الْحُظْوَةِ وَالنَّزَاهَةِ وَالشَّرَفِ وَالْمَدْحِ أَكْثَرُ مِنَ الْغِنَى الَّذِي يَنَالُهُ مَنْ يَكُونُ فَقِيرَ النَّفْسِ لِحِرْصِهِ ، فَإِنَّهُ يُوَرِّطُهُ فِي رَذَائِلِ الْأُمُورِ وَخَسَائِسِ الْأَفْعَالِ لِدَنَاءَةِ هِمَّتِهِ وَبُخْلِهِ ، وَيَكْثُرُ مَنْ يَذُمُّهُ مِنَ النَّاسِ وَيَصْغُرُ قَدْرُهُ عِنْدَهُمْ ، فَيَكُونُ أَحْقَرَ مِنْ كُلِّ حَقِيرٍ ، وَأَذَلَّ مِنْ كُلِّ ذَلِيلٍ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُتَّصِفَ بِغِنَى النَّفْسِ يَكُونُ قَانِعًا بِمَا رَزَقَهُ لَا يَحْرِصُ عَلَى الِازْدِيَادِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ ، وَلَا يُلِحُّ فِي الطَّلَبِ وَلَا يُلْحِفُ فِي السُّؤَالِ ، بَلْ يَرْضَى بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ ، فَكَأَنَّهُ وَاجِدٌ أَبَدًا . وَالْمُتَّصِفُ بِفَقْرِ النَّفْسِ عَلَى الضِّدِّ مِنْهُ لِكَوْنِهِ لَا يَقْنَعُ بِمَا أُعْطِيَ ، بَلْ هُوَ أَبَدًا فِي طَلَبِ الِازْدِيَادِ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ أَمْكَنَهُ . ثُمَّ إِذَا فَاتَهُ الْمَطْلُوبُ حَزِنَ وَأَسِفَ فَكَأَنَّهُ فَقِيرٌ مِنَ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَغْنِ بِمَا أُعْطِيَ فَكَأَنَّهُ لَيْسَ بِغَنِيٍّ . ثُمَّ غِنَى النَّفْسِ إِنَّمَا يَنْشَأُ عَنِ الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّسْلِيمِ لِأَمْرِهِ ، عِلْمًا بِأَنَّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى ، فَهُوَ مُعْرِضٌ عَنِ الْحِرْصِ وَالطَّلَبِ . وَمَا أَحْسَنَ قَوْلِ القَائِلٍ : غِنَى النَّفْسِ مَا يَكْفِيكَ مِنْ سَدِّ حَاجَةٍ فَإِنْ زَادَ شَيْئًا عَادَ ذَاكَ الْغِنَى فَقْرًا قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَابْنُ مَاجَهْ .
2339 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ ، وَيَشِبُّ مِنْهُ اثْنَتَانِ : الْحِرْصُ عَلَى الْعُمُرِ ، وَالْحِرْصُ عَلَى الْمَالِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( يَهْرَمُ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ مِنْ بَابِ عَلِمَ : أَيْ يَشِيبُ ، وَالْهَرَمُ كِبَرُ السِّنِّ ، ( وَيَشِبُّ ) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ مِنْ بَابِ ضَرَبَ : أَيْ يَنْمُو وَيَقْوَى ( مِنْهُ ) : أَيْ مِنْ أَخْلَاقِهِ ( اثْنَتَانِ ) : أَيْ خَصْلَتَانِ ( الْحِرْصُ عَلَى الْعُمُرِ ) : أَيْ طُولِهِ ( وَالْحِرْصُ عَلَى الْمَالِ ) : أَيْ عَلَى جَمْعِهِ وَمَنْعِهِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .
بَاب مَا جَاءَ : قَلْبُ الشَّيْخِ شَابٌّ عَلَى حُبِّ اثْنَتَيْنِ 2338 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا اللَّيْثُ ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَلْبُ الشَّيْخِ شَابٌّ عَلَى حُبِّ اثْنَتَيْنِ : طُولِ الْحَيَاةِ ، وَكَثْرَةِ الْمَالِ . وفي الباب عن أنس : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . ( باب ما جاء : قلب الشيخ شاب على حب اثنتين ) قَوْلُهُ : ( عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ ) الْكِنَانِيِّ الْمَدَنِيِّ ، ثِقَةٌ مِنَ الرَّابِعَةِ . قَوْلُهُ : ( قَلْبُ الشَّيْخِ شَابٌّ ) : أَيْ قَوِيٌّ نَشْطَانٌ ( طُولِ الْحَيَاةِ ، وَكَثْرَةِ الْمَالِ ) بِالْجَرِّ فِيهِمَا بَدَلٌ مِنَ اثْنَتَيْنِ ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا مَجَازٌ وَاسْتِعَارَةٌ ، مَعْنَاهُ : أَنَّ قَلْبَ الشَّيْخِ كَامِلُ الْحُبِّ ؛ لِكَثْرَةِ الْمَالِ وَطُولِ الْحَيَاةِ ، مُحْتَكِمٌ كَاحْتِكَامِ قُوَّةِ الشَّابِّ فِي شَبَابِهِ ، هَذَا صَوَابُهُ . وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِهِ غَيْرُ هَذَا مِمَّا لَا يُرْتَضَى ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبُخَارِيُّ فِي بَابِ مَنْ بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي الْعُمُرِ مِنْ كِتَابِ الرِّقَاقِ ، وَمُسْلِمٌ فِي بَابِ كَرَاهَةِ الْحِرْصِ عَلَى الدُّنْيَا مِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الرِّقَاقِ .
2368 حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بن محمد ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ المقرئ ، نَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، ثنِي أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ الْجَنْبِيَّ أَخْبَرَهُ ، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا صَلَّى بِالنَّاسِ يَخِرُّ رِجَالٌ مِنْ قَامَتِهِمْ فِي الصَّلَاةِ مِنْ الْخَصَاصَةِ ، وَهُمْ أَصْحَابُ الصُّفَّةِ ، حَتَّى تقُولَ الْأَعْرَابُ : هَؤُلَاءِ مَجَانِينُ أَوْ مَجَانُونَ ، فَإِذَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ : لَوْ تَعْلَمُونَ مَا لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ لَأَحْبَبْتُمْ أَنْ تَزْدَادُوا فَاقَةً وَحَاجَةً ، قَالَ فَضَالَةُ : أَنَا يَوْمَئِذٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( يَخِرُّ رِجَالٌ مِنْ قَامَتِهِمْ فِي الصَّلَاةِ ) : أَيْ قِيَامِهِمْ فِيهَا ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : قَامَ قَوْمًا وَقَوْمَةً وَقِيَامًا وَقَامَةً : انْتَصَبَ ( مِنَ الْخَصَاصَةِ ) بِالْفَتْحِ : أَيِ الْجُوعِ وَالضَّعْفِ ، وَأَصْلُهَا الْفَقْرُ وَالْحَاجَةُ ( وَهُمْ أَصْحَابُ الصُّفَّةِ ) بِضَمِّ الصَّادِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ : هُمْ زُهَّادٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، فُقَرَاءُ غُرَبَاءُ ، وَكَانُوا سَبْعِينَ وَيَقِلُّونَ حِينًا ، وَيَكْثُرُونَ حِينًا ، يَسْكُنُونَ صُفَّةَ الْمَسْجِدِ ، لَا مَسْكَنَ لَهُمْ وَلَا مَالَ وَلَا وَلَدَ ، وَكَانُوا مُتَوَكِّلِينَ يَنْتَظِرُونَ مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ يَأْكُلُونَهُ وَيَلْبَسُونَهُ . ( هَؤُلَاءِ مَجَانِينُ أَوْ مَجَانُونَ ) الشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي ، وَالْأَوَّلُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ لِمَجْنُونٍ ، وَالثَّانِي شَاذٌّ كَقِرَاءَةِ تَتْلُو الشَّيَاطونَ ، كَذَا فِي الْمَجْمَعِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ .
2372 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَال : سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ : أَلَسْتُمْ فِي طَعَامٍ وَشَرَابٍ مَا شِئْتُمْ لَقَدْ رَأَيْتُ نَبِيَّكُمْ وَمَا يَجِدُ مِنْ الدَّقَلِ مَا يَمْلَأُ بِهِ بَطْنَهُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . حدثنا أَبُو عَوَانَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي الْأَحْوَصِ ، وَرَوَى شُعْبَةُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، عَنْ عُمَرَ قَوْلُهُ : ( يَقُولُ أَلَسْتُمْ ) الْخِطَابُ لِلصَّحَابَةِ بَعْدَهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَوِ للتَّابِعِينَ ( فِي طَعَامٍ وَشَرَابٍ مَا شِئْتُمْ ) قَالَ الطِّيبِيُّ : صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ : أَيْ ألَسْتُمْ مُنْغَمِسِينَ فِي طَعَامٍ وَشَرَابٍ مِقْدَارَ مَا شِئْتُمْ مِنَ التَّوْسِعَةِ وَالْإِفْرَاطِ فِيهِ ، فَمَا مَوْصُولَةٌ ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً ، وَالْكَلَامُ فِيهِ تَعْيِيرٌ وَتَوْبِيخٌ ؛ وَلِذَلِكَ أتبعَهُ بِقَوْلِهِ : ( لَقَدْ رَأَيْتُ نَبِيَّكُمْ ) وَأَضَافَهُ إِلَيْهِمْ لِلْإِلْزَامِ حِينَ لَمْ يَقْتَدُوا بِهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِي الْإِعْرَاضِ عَنِ الدُّنْيَا وَمُسْتَلَذَّاتِهَا ، وَفِي التَّقْلِلِ لِمُشْتَهَيَاتِهَا مِنْ مَأْكُولَاتِهَا وَمَشْرُوبَاتِهَا ، ثُمَّ رَأَيْتُ إِنْ كَانَ بِمَعْنَى النَّظَرِ فَقَوْلُهُ : ( وَمَا يَجِدُ مِنَ الدَّقْلِ ) حَالٌ ، وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْعِلْمِ فَهُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ ، وَأَدْخَلَ الْوَاوَ تَشْبِيهًا لَهُ بِخَبَرِ كَانَ وَأَخَوَاتِهَا عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ وَالْكُوفِيِّينَ ، كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ . قَالَ الْقَارِي : وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعَوَّلُ ، وَالدَّقَلُ بِفَتْحَتَيْنِ التَّمْرُ الرَّدِيءُ وَيَابِسُهُ وَمَا لَيْسَ لَهُ اسْمٌ خَاصٌّ ، فَتَرَاهُ لِيُبْسِهِ وَرَدَاءَتِهِ لَا يَجْتَمِعُ ، وَيَكُونُ مَنْثُورًا عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ ، ثُمَّ قَوْلُهُ : ( مَا يَمْلَأُ بِهِ بَطْنَهُ ) مَفْعُولُ يَجِدُ وَمَا مَوْصُولَةٌ أَوْ مَوْصُوفَةٌ ، وَ مِنَ الدَّقْلِ بَيَانٌ لِمَا قُدِّمَ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الزُّهْدِ . قَوْلُهُ : ( وَرَوَى شُعْبَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، عَنْ عُمَرَ ) وَصَلَهُ مُسْلِمٌ فَقَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُثَنَّى ، وَابْنُ بَشَّارٍ وَاللَّفْظُ لِابْنِ مُثَنَّى ، قَالَا : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، ثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ : سَمِعْتُ النُّعْمَانَ يَخْطُبُ قَالَ : ذَكَرَ عُمَرُ مَا أَصَابَ النَّاسَ مِنَ الدُّنْيَا فَقَالَ : لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَظَلُّ الْيَوْمَ يَلْتَوِي مَا يَجِدُ دَقْلًا يَمْلَأُ بِهِ بَطْنَهُ .
2371 حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ ، نَا سَيَّارُ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ : شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُوعَ ، وَرَفَعْنَا عَنْ بُطُونِنَا عَنْ حَجَرٍ حَجَرٍ ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَجَرَيْنِ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . قَوْلُهُ : ( نَا سَيَّارٌ ) بِتَحْتَانِيَّةٍ مُثَقَّلَةٍ ابْنُ حَاتِمٍ الْعَنْزِيُّ أَبُو سَلَمَةَ الْبَصْرِيُّ صَدُوقٌ ، لَهُ أَوْهَامٌ ، مِنْ كِبَارِ التَّاسِعَةِ ، ( عَنْ سَهْلِ بْنِ أَسْلَمَ ) الْعَدَوِيِّ مَوْلَاهُمُ الْبَصْرِيُّ صَدُوقٌ مِنَ الثَّامِنَةِ ، ( عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ ) الْأَزْدِيِّ أَبِي رَوْحٍ الْبَصْرِيِّ لَا بَأْسَ بِهِ مِنَ الْخَامِسَةِ ، وَهَمَ مَنْ ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ . قَوْلُهُ : ( وَرَفَعْنَا عَنْ بُطُونِنَا ) أَيْ : وكَشَفْنَا ثِيَابَنَا عَنْهَا كَشْفًا صَادِرًا ( عَنْ حَجَرٍ حَجَرٍ ) : أَيْ لِكُلٍّ مِنَّا حَجَرٌ وَاحِدٌ وَرُفِعَ عَنْهُ ، فَالتَّكْرِيرُ بِاعْتِبَارِ تَعْدَادِ الْمُخْبَرِ عَنْهُمْ بِذَلِكَ . قَالَ الطِّيبِيُّ : عَنِ الْأُولَى مُتَعَلِّقَةٌ بِرَفَعْنَا عَلَى تَضْمِينِ الْكَشْفِ ، وَالثَّانِيَةُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ : أَيْ كَشَفْنَا عَنْ بُطُونِنَا كَشْفًا صَادِرًا عَنْ حَجَرٍ . وَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ التَّنْكِيرُ فِي حَجَرٍ عَلَى نَوْعٍ : أَيْ عَنْ حَجَرٍ مَشْدُودٍ عَلَى بُطُونِنَا فَيَكُونُ بَدَلًا ، وَعَادَةً مَنِ اشْتَدَّ جُوعُهُ وَخَمُصَ بَطْنُهُ أَنْ يَشُدَّ عَلَى بَطْنِهِ حَجَرًا لِيَتَقَوَّمَ بِهِ صُلْبُهُ ، انْتَهَى . ( فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ حَجَرَيْنِ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَفَائِدَةُ رَبْطِ الْحَجَرِ عَلَى الْبَطْنِ أَنَّهَا تَضْمُرُ مِنَ الْجُوعِ فَيُخْشَى عَلَى انْحِنَاءِ الصُّلْبِ بِوَاسِطَةِ ذَلِكَ ، فَإِذَا وَضَعَ فَوْقَهَا الْحَجَرَ وَشَدَّ عَلَيْهَا الْعِصَابَةَ اسْتَقَامَ الظَّهْرُ . وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَعَلَّهُ لِتَسْكِينِ حَرَارَةِ الْجُوعِ بِبَرْدِ الْحَجَرِ ؛ لِأَنَّهَا حِجَارَةٌ رِقَاقٌ قَدْرَ الْبَطْنِ تَشُدُّ الْأَمْعَاءَ فَلَا يَتَحَلَّلُ شَيْءٌ مِمَّا فِي الْبَطْنِ فَلَا يَحْصُلُ ضَعْفٌ زَائِدٌ بِسَبَبِ التَّحَلُّلِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي شَمَائِلِهِ أَيْضًا وَقَالَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : وَرَفَعْنَا عَنْ بُطُونِنَا عَنْ حَجَرٍ حَجَرٍ ، كَانَ أَحَدُهُمْ يَشُدُّ فِي بَطْنِهِ الْحَجَرَ مِنَ الْجَهْدِ وَالضَّعْفِ الَّذِي بِهِ مِنَ الْجُوعِ .
2367 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُمَشَّقَانِ مِنْ كَتَّانٍ فَمَخَّطَ فِي أَحَدِهِمَا ، ثُمَّ قَالَ : بَخٍ بَخٍ يَتَمَخَّطُ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي الْكَتَّانِ ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنِّي لَأَخِرُّ فِيمَا بَيْنَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحُجْرَةِ عَائِشَةَ مِنْ الْجُوعِ مَغْشِيًّا عَلَيَّ ، فَيَجِيءُ الْجَائِي فَيَضَعُ رِجْلَهُ عَلَى عُنُقِي يَرَى أَنَّ بِيَ الْجُنُونَ وَمَا بِي جُنُونٌ ، وَمَا هُوَ إِلَّا الْجُوعُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ . قَوْلُهُ : ( وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُمَشَّقَانِ ) : أَيْ مَصْبُوغَانِ بِالْمِشْقِ وَهُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ الْغُرَّةِ ( مِنْ كَتَّانٍ ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ الْفَوْقِيَّةِ . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْكَتَّانُ مَعْرُوفٌ ثِيَابُهُ مُعْتَدِلَةٌ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالْيُبُوسَةِ وَلَا يَلْزَقُ بِالْبَدَنِ وَيَقِلُّ قَمْلُهُ ، انْتَهَى . ( فَمَخَطَ فِي أَحَدِهَا ) : أَيِ انْتَثَرَ فِيهِ ( ثُمَّ قَالَ : بَخْ بَخْ ) كَلِمَةٌ تُقَالُ عِنْدَ الرِّضَاءِ وَالْإِعْجَابِ بِالشَّيْءِ ، أَوِ الْفَخْرِ وَالْمَدْحِ ( وَإِنِّي لَأَخِرُّ ) : أَيْ لَأَسْقُطُ ( يُرَى ) بِضَمِّ الْيَاءِ : أَيْ يُظَنُّ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .
بَاب مَا جَاءَ فِي مَعِيشَةِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 2365 حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ ، نَا أَبِي ، عَنْ بَيَانٍ ، عَنْ قَيْسٍ قَال : سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ : إِنِّي لَأَوَّلُ رَجُلٍ أَهْرَاقَ دَمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَإِنِّي لَأَوَّلُ رَجُلٍ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَغْزُو فِي الْعِصَابَةِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا نَأْكُلُ إِلَّا وَرَقَ الشَّجَرِ ، وَالْحُبْلَةِ حَتَّى إِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ والْبَعِيرُ ، وَأَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ يُعَزِّرُونِي فِي الدِّينِ ، لَقَدْ خِبْتُ إِذن وَضَلَّ عَمَلِي . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ بَيَانٍ ( بَاب مَا جَاءَ فِي مَعِيشَةِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ ) الْهَمْدَانِيُّ الْكُوفِيُّ نَزِيلُ بَغْدَادَ مَتْرُوكٌ مِنْ صِغَارِ الْعَاشِرَةِ ( نَا أَبِي ) : أَيْ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ أَبُو عَمْرٍو الْكُوفِيُّ نَزِيلُ بَغْدَادَ ، صَدُوقٌ يُخْطِئُ مِنَ الثَّامِنَةِ ( عَنْ بَيَانٍ ) هُوَ ابْنُ بِشْرٍ ( عَنْ قَيْسٍ ) هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ . قَوْلُهُ : ( إِنِّي لَأَوَّلُ رَجُلٍ أَهَرَاقَ دَمًا ) : أَيْ أَرَاقَهُ . قَالَ فِي الْمَجْمَعِ : أَبْدَلَ الْهَمْزَةَ مِنَ الْهَاءِ ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَهُمَا ( وَإِنِّي لَأَوَّلُ رَجُلٍ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) قَالَ الْحَافِظُ : وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعْدٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي السَّرِيَّةِ الَّتِي خَرَجَ فِيهَا مَعَ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ فِي سِتِّينَ رَاكِبًا ، وَهِيَ أَوَّلُ السَّرَايَا بَعْدَ الْهِجْرَةِ ( أَغْزُو فِي الْعِصَابَةِ ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ : هُمُ الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ مِنَ الْعَشَرَةِ إِلَى الْأَرْبَعِينَ وَلَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا ( مَا نَأْكُلُ إِلَّا وَرَقَ الشَّجَرِ وَالْحُبْلَةَ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ ، وَبِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْضًا . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْحُبْلَةُ ثَمَرُ السَّمُرِ يُشْبِهُ اللُّوبْيَاءَ ، وَقِيلَ : هُوَ ثَمَرُ الْعِضَاهِ ( حَتَّى إِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ وَالْبَعِيرُ ) أَرَادَ أَنَّ نَجْوَهُمْ يَخْرُجُ بَعْرًا لِيُبْسِهِ مِنْ أَكْلِهِمْ وَرَقَ الشَّجَرِ وَعَدَمِ الْغِذَاءِ الْمَأْلُوفِ . ( وَأَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ ) : أَيِ ابْنُ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ . قَالَ الْحَافِظُ : وَبَنُو أَسَدٍ كَانُوا فِيمَنِ ارْتَدَّ بَعْدَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَتَبِعُوا طُلَيْحَةَ بْنَ خُوَيْلِدٍ الْأَسْدِيَّ لَمَّا ادَّعَى النُّبُوَّةَ ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ وَكَسَرَهُمْ ، وَرَجَعَ بَقِيَّتُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَتَابَ طُلَيْحَةُ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ ، وَسَكَنَ مُعْظَمُهُمُ الْكُوفَةَ بَعْدَ ذَلِكَ ، ثُمَّ كَانُوا مِمَّنْ شَكَا سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَهُوَ أَمِيرُ الْكُوفَةِ إِلَى عُمَرَ حَتَّى عَزَلَهُ . وَقَالُوا فِي جُمْلَةِ مَا شَكَوْهُ : إِنَّهُ لَا يُحْسِنُ الصَّلَاةَ ، انْتَهَى . ( يُعَزِّرُونِي فِي الدِّينِ ) ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : تُعَزِّرُنِي عَلَى الْإِسْلَامِ . قَالَ الْحَافِظُ : أَيْ تُؤَدِّبُنِي وَالْمَعْنَى تُعَلِّمُنِي الصَّلَاةَ ، أَوْ تُعَيِّرُنِي بِأَنِّي لَا أُحْسِنُهَا . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ : أَيْ تُوقِفُنِي ، وَالتَّعْزِيرُ التَّوْقِيفُ عَلَى الْأَحْكَامِ وَالْفَرَائِضِ . وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : مَعْنَاهُ تُقَوِّمُنِي وَتُعَلِّمُنِي ، وَمِنْهُ تَعْزِيرُ السُّلْطَانِ وَهُوَ التَّقْوِيمُ بِالتَّأْدِيبِ . وَالْمَعْنَى أَنَّ سَعْدًا أَنْكَرَ أَهْلِيَّةَ بَنِي أَسَدٍ ؛ لِتَعْلِيمِهِ الْأَحْكَامَ مَعَ سَابِقِيَّتِهِ وَقِدَمِ صُحْبَتِهِ . وَقَالَ الْحَرْبِيُّ : مَعْنَى تُعَزِّرُنِي تَلُومُنِي وَتَعْتِبُنِي . وَقِيلَ : تُوَبِّخُنِي عَلَى التَّقْصِيرِ . ( لَقَدْ خِبْتُ إِذَنْ ) مِنَ الْخَيْبَةِ : أَيْ مَعَ سَابِقَتِي فِي الْإِسْلَامِ إِذَا لَمْ أُحْسِنِ الصَّلَاةَ وَأَفْتَقِرُ إِلَى تَعْلِيمِهِمْ كُنْتُ خَاسِرًا ( وَضَلَّ عَمَلِي ) : أَيْ فِيمَا مَضَى مِنْ صَلَاتِي مَعَهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : إِنْ قِيلَ كَيْفَ سَاغَ لِسَعْدٍ أَنْ يَمْدَحَ نَفْسَهُ ، وَمِنْ شَأْنِ الْمُؤْمِنِ تَرْكُ ذَلِكَ ؛ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْهُ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ سَاغَ لَهُ لَمَّا عَيَّرَهُ الْجُهَّالُ بِأَنَّهُ لَا يُحْسِنُ الصَّلَاةَ ، فَاضْطُرَّ إِلَى ذِكْرِ فَضْلِهِ ، وَالْمِدْحَةُ إِذَا خَلَتْ عن الْبَغْيِ وَالِاسْتِطَالَةِ ، وَكَانَ مَقْصُودُ قَائِلِهَا إِظْهَارَ الْحَقِّ وَشُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ لَمْ يُكْرَهْ ، كَمَا لَوْ قَالَ الْقَائِلُ : إِنِّي لَحَافِظٌ لِكِتَابِ اللَّهِ عَالِمٌ بِتَفْسِيرِهِ وَبِالْفِقْهِ فِي الدِّينِ ، قَاصِدًا إِظْهَارَ الشُّكْرِ ، أَوْ تَعْرِيفَ مَا عِنْدَهُ لِيُسْتَفَادَ ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لَمْ يُعْلَمْ حَالُهُ ؛ وَلِهَذَا قَالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ وَقَالَ عَلِيٌّ : سَلُونِي عَنْ كِتَابِ اللَّهِ . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : لَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي لَأَتَيْتُهُ . وَسَاقَ فِي ذَلِكَ أَخْبَارًا وَآثَارًا عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ تُؤَيِّدُ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ إِلَخْ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْمَنَاقِبِ ، وَفِي الْأَطْعِمَةِ وَفِي الرِّقَاقِ ، وَمُسْلِمٌ فِي الزُّهْدِ ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الْمَنَاقِبِ ، وَفِي الرَّقَائِقِ ، وَابْنُ مَاجَهْ فِي الْفَضَائِلِ . اعْلَمْ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ قَدْ صَحَّحَ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَفِي سَنَدِهِ عُمَرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَالِدٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ تَصْحِيحَهُ لَهُ لِمَجِيئِهِ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى صَحِيحَةٍ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ عِنْدَهُ صَالِحًا لِلِاحْتِجَاجِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
2366 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ، ثَني قَيْسٌ قَال : سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : إِنِّي أَوَّلُ رَجُلٍ مِنْ الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا الْحُبْلَةَ وَهَذَا السَّمُرَ ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ ، ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تعَزِّرُنِي فِي الدِّينِ ، لَقَدْ خِبْتُ إِذن وَضَلَّ عَمَلِي . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَفِي الْبَاب عَنْ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ . قَوْلُهُ : ( وَمَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا الْحُبْلَةَ وَهَذَا السَّمُرَ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْمِيمِ ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ : هُوَ ضَرْبٌ مِنْ شَجَرِ الطَّلْحِ الْوَاحِدَةُ سَمُرَةٌ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) تَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُ آنِفًا . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
2369 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، نَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ، نَا شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ ، نَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَاعَةٍ لَا يَخْرُجُ فِيهَا وَلَا يَلْقَاهُ فِيهَا أَحَدٌ ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ : مَا جَاءَ بِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ ؟ فَقَالَ : خَرَجْتُ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْظُرُ فِي وَجْهِهِ وَالتَّسْلِيمَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ عُمَرُ فَقَالَ : مَا جَاءَ بِكَ يَا عُمَرُ ؟ قَالَ : الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : وَأَنَا قَدْ وَجَدْتُ بَعْضَ ذَلِكَ فَانْطَلَقُوا إِلَى مَنْزِلِ أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيْهَانِ الْأَنْصَارِيِّ ، وَكَانَ رَجُلًا كَثِيرَ النَّخْلِ وَالشَّاءِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ خَدَمٌ فَلَمْ يَجِدُوهُ ، فَقَالُوا لِامْرَأَتِهِ : أَيْنَ صَاحِبُكِ ؟ فَقَالَتْ : انْطَلَقَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا الْمَاءَ ، ولَمْ يَلْبَثُوا أَنْ جَاءَ أَبُو الْهَيْثَمِ بِقِرْبَةٍ يَزْعَبُهَا فَوَضَعَهَا ، ثُمَّ جَاءَ يَلْتَزِمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُفَدِّيهِ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى حَدِيقَتِهِ ، فَبَسَطَ لَهُمْ بِسَاطًا ، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى نَخْلَةٍ ، فَجَاءَ بِقِنْوٍ فَوَضَعَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَفَلَا تَنَقَّيْتَ لَنَا مِنْ رُطَبِهِ ؟ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ تَخْتَارُوا - أَوْ قَالَ تَخَيَّرُوا - مِنْ رُطَبِهِ وَبُسْرِهِ ، فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مِنْ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : ظِلٌّ بَارِدٌ ، وَرُطَبٌ طَيِّبٌ ، وَمَاءٌ بَارِدٌ ، فَانْطَلَقَ أَبُو الْهَيْثَمِ لِيَصْنَعَ لَهُمْ طَعَامًا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَذْبَحَنَّ ذَاتَ دَرٍّ ، فَذَبَحَ لَهُمْ عَنَاقًا أَوْ جَدْيًا ، فَأَتَاهُمْ بِهَا فَأَكَلُوا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ لَكَ خَادِمٌ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَإِذَا أَتَانَا سَبْيٌ فَأْتِنَا ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَأْسَيْنِ لَيْسَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ ، فَأَتَاهُ أَبُو الْهَيْثَمِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اخْتَرْ مِنْهُمَا ، فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، اخْتَرْ لِي فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الْمُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ خُذْ هَذَا ؛ فَإِنِّي رَأَيْتُهُ يُصَلِّي وَاسْتَوْصِ بِهِ مَعْرُوفًا ، فَانْطَلَقَ أَبُو الْهَيْثَمِ إِلَى امْرَأَتِهِ فَأَخْبَرَهَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ امْرَأَتُهُ : مَا أَنْتَ بِبَالِغٍ مَا قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا أَنْ تَعْتِقَهُ قَالَ : هُوَ عَتِيقٌ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا وَلَا خَلِيفَةً إِلَّا وَلَهُ بِطَانَتَانِ : بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَاهُ عَنْ الْمُنْكَرِ ، وَبِطَانَةٌ لَا تَأْلُوهُ خَبَالًا ، وَمَنْ يُوقَ بِطَانَةَ السُّوءِ فَقَدْ وُقِيَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ . حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، نَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يَوْمًا وَأَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، فَذَكَرَ نَحْوَ الْحَدِيثِ بمعناه ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَحَدِيثُ شَيْبَانَ أَتَمُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ وَأَطْوَلُ ، وَشَيْبَانُ ثِقَةٌ عِنْدَهُمْ صَاحِبُ كِتَابٍ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ) هُوَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ رحمه الله ( نَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَسْقَلَانِيُّ أَصْلُهُ خُرَاسَانِيٌّ ، يُكْنَى أَبَا الْحَسَنِ ، نَشَأَ بِبَغْدَادَ ، ثِقَةٌ عَابِدٌ ، مِنَ التَّاسِعَةِ . قَوْلُهُ : ( خَرَجْتُ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَنْظُرُ فِي وَجْهِهِ وَالتَّسْلِيمَ عَلَيْهِ ) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ : أَيْ أُسَلِّمُ التَّسْلِيمَ ، أَوْ أُرِيهِ التَّسْلِيمَ ( فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ عُمَرُ فَقَالَ : مَا جَاءَ بِكَ يَا عُمَرُ ؟ قَالَ : الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ) ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذَاتَ يَوْمٍ ، أَوْ لَيْلَةٍ فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ فَقَالَ : مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ ؟ قَالَا : الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ( قَالَ ) : أَيْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ( وَأَنَا قَدْ وَجَدْتُ بَعْضَ ذَلِكَ ) : أَيِ الْجُوعَ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : وَأَنَا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا . قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَكِبَارُ أَصْحَابِهِ مِنَ التَّقَلُّلِ مِنَ الدُّنْيَا ، وَمَا ابْتُلُوا بِهِ مِنَ الْجُوعِ وَضِيقِ الْعَيْشِ فِي أَوْقَاتٍ ، قَالَ وَفِيهِ : جَوَازُ ذِكْرِ الْإِنْسَانِ مَا يَنَالُهُ مِنْ أَلَمٍ وَنَحْوِهِ لَا عَلَى سَبِيلِ التَّشَكِّي وَعَدَمِ الرِّضَاءِ ؛ بَلْ لِلتَّسْلِيَةِ وَالتَّصْبِيرِ ، كَفِعْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هَاهُنَا ، وَلِالْتِمَاسِ دُعَاءٍ أَوْ مُسَاعَدَةٍ عَلَى التَّسَبُّبِ فِي إِزَالَةِ ذَلِكَ الْعَارِضِ ، فَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِمَذْمُومٍ ، إِنَّمَا يُذَمُّ مَا كَانَ تَشَكِّيًا وَتَسَخُّطًا وَتَجَزُّعًا . ( فَانْطَلَقُوا إِلَى مَنْزِلِ أَبِي الْهَيْثَمِ ) اسْمُهُ مَالِكٌ ( بْنِ التَّيِّهَانِ ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ ، وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ مَعَ كَسْرِهَا ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : قُومُوا فَقَامُوا مَعَهُ فَأَتَى رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ جَوَازُ الْإِدْلَالِ عَلَى الصَّاحِبِ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ ، وَاسْتِتْبَاعِ جَمَاعَةٍ إِلَى بَيْتِهِ ، وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ لَهُ ؛ إِذْ جَعَلَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلًا لِذَلِكَ ، وَكَفَى لَهُ شَرَفًا بِذَلِكَ ، ( وَكَانَ رَجُلًا كَثِيرَ النَّخْلِ وَالشَّاءِ ) : أَيِ الْغَنَمِ ، وَهِيَ جَمْعُ شَاةٍ ، وَأَصْلُهَا شَاهَةٌ ، وَالنِّسْبَةُ شَاهِيٌّ وَشَاوِيٌّ ، وَتَصْغِيرُهَا شُوَيْهَةٌ وَشُوَيَّةٌ . ( فَقَالُوا لِامْرَأَتِهِ أَيْنَ صَاحِبُكِ ) ؟ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالَتْ : مَرْحَبًا وَأَهْلًا فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : أَيْنَ فُلَانٌ ؟ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَفِيهِ جَوَازُ سَمَاعِ كَلَامِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَمُرَاجَعَتِهَا الْكَلَامَ لِلْحَاجَةِ ، وَجَوَازُ إِذْنِ الْمَرْأَةِ فِي دُخُولِ مَنْزِلِ زَوْجِهَا لِمَنْ عَلِمَتْ عِلْمًا مُحَقَّقًا أَنَّهُ لَا يَكْرَهُهُ ، بِحَيْثُ لَا يَخْلُو بِهَا الْخَلْوَةَ الْمُحَرَّمَةَ ( يَسْتَعْذِبُ لَنَا الْمَاءَ ) : أَيْ يَأْتِينَا بِمَاءٍ عَذْبٍ ، وَهُوَ الطَّيِّبُ الَّذِي لَا مُلُوحَةَ فِيهِ ( يَزْعَبُهَا ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : مِنْ زَعَبَ الْقِرْبَةَ كَمَنَعَ ، احْتَمَلَهَا مُمْتَلِئَةً . وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : أَيْ يَتَدَافَعُ بِهَا وَيَحْمِلُهَا لِثِقَلِهَا ، وَقِيلَ : زَعَبَ بِحِمْلِهِ إِذَا اسْتَقَامَ ، انْتَهَى ( يَلْتَزِمُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : أَيْ يَضُمُّهُ إِلَى نَفْسِهِ وَيُعَانِقُهُ ، ( ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى حَدِيقَتِهِ ) فِي الْقَامُوسِ : الْحَدِيقَةُ الرَّوْضَةُ ذَاتُ الشَّجَرِ : الْبُسْتَانُ مِنَ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ ، أَوْ كُلُّ مَا أَحَاطَ بِهِ الْبِنَاءُ أَوِ الْقِطْعَةُ مِنَ النَّخْلِ ( فَجَاءَ بِقِنْوٍ ) بِالْكَسْرِ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْقِنْوُ الْعِذْقُ بِمَا فِيهِ مِنَ الرُّطَبِ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ . قَالَ النَّوَوِيُّ : الْعِذْقُ هُنَا بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَهِيَ الْكِبَاسَةُ وَهِيَ الْغَضُّ مِنَ النَّخْلِ قَالَ : وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَقْدِيمِ الْفَاكِهَةِ عَلَى الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ وَغَيْرِهِمَا ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْمُبَادَرَةِ إِلَى الضَّيْفِ بِمَا تَيَسَّرَ وَإِكْرَامُهُ بَعْدَهُ بِطَعَامٍ يَصْنَعُهُ لَهُ ، وَقَدْ كَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ التَّكَلُّفَ لِلضَّيْفِ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَشُقُّ عَلَى صَاحِبِ الْبَيْتِ مَشَقَّةً ظَاهِرَةً ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنَ الْإِخْلَاصِ وَكَمَالِ السُّرُورِ بِالضَّيْفِ ، وَأَمَّا فِعْلُ الْأَنْصَارِيِّ وَذَبْحُهُ الشَّاةَ فَلَيْسَ مِمَّا يَشُقُّ عَلَيْهِ ؛ بَلْ لَوْ ذَبَحَ أَغْنَامًا لَكَانَ مَسْرُورًا بِذَلِكَ مَغْبُوطًا بِهِ ، انْتَهَى . ( أَفَلَا تَنَقَّيْتَ لَنَا مِنْ رُطَبِهِ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : أَنْقَاهُ وَتَنَقَّاهُ وَانْتَقَاهُ : اخْتَارَهُ . وَقَالَ فِي الصُّرَاحِ : انْتَقَاء بركزيدن وَتَنَقَّى كَذَلِكَ . ( إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ تَخْتَارُوا ، أَوْ قَالَ تَخَيَّرُوا ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ( مِنْ رُطَبِهِ وَبُسْرِهِ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ التَّمْرُ قَبْلَ إِرْطَابِهِ ، قَالَ فِي الْمَجْمَعِ : الْمَرْتَبَةُ لِثَمَرَةِ النَّخْلِ أَوَّلُهَا طَلْعٌ ، ثُمَّ خِلَالٌ ثُمَّ بَلَحٌ ثُمَّ بُسْرٌ ثُمَّ رُطَبٌ ، انْتَهَى . ( هَذَا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوَوْا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ . قَالَ الطِّيبِيُّ : قَوْلُهُ : أَخْرَجَكُمْ إِلَخْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ ، بَيَانٌ لِمُوجِبِ السُّؤَالِ عَنِ النَّعِيمِ ؛ يَعْنِي حَيْثُ كُنْتُمْ مُحْتَاجِينَ إِلَى الطَّعَامِ مُضْطَرِّينَ إِلَيْهِ ، فَنِلْتُمْ غَايَةَ مَطْلُوبِكُمْ مِنَ الشِّبَعِ وَالرِّيِّ ، يَجِبُ أَنْ تُسْأَلُوا ، وَيُقَالُ لَكُمْ : هَلْ أَدَّيْتُمْ شُكْرَهَا أَمْ لَا ؟ وَقَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الشِّبَعِ وَمَا جَاءَ فِي كَرَاهَتِهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يُقَسِّي الْقَلْبَ وَيُنْسِي أَمْرَ الْمُحْتَاجِينَ ، وَأَمَّا السُّؤَالُ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ ، فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : الْمُرَادُ السُّؤَالُ عَنِ الْقِيَامِ بِحَقِّ شُكْرِهِ ، وَاَلَّذِي نَعْتَقِدُهُ أَنَّ السُّؤَالَ هَاهُنَا سُؤَالُ تَعْدَادِ النِّعَمِ وَإِعْلَامٌ بِالِامْتِنَانِ بِهَا ، وَإِظْهَارُ الْكَرَامَةِ بِإِسْبَاغِهَا لَا سُؤَالُ تَوْبِيخٍ وَتَقْرِيعٍ وَمُحَاسَبَةٍ ، انْتَهَى . ( لَا تَذْبَحَنَّ ذَاتَ دَرٍّ ) : أَيْ لَبَنٍ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ ( فَذَبَحَ لَهُمْ عَنَاقًا أَوْ جَدْيًا ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْعَنَاقُ كَسَحَابٍ : الْأُنْثَى مِنْ أَوْلَادِ الْمَعْزِ وَالْجَدْيُ مِنْ أَوْلَادِ الْمَعْزِ ، ذَكَرُهَا ( فَإِذَا أَتَانَا سَبْيٌ ) : أَيْ أَسَارَى ( فَأتِي ) أَيْ جِيء ( بِرَأْسَيْنِ ) : أَيْ مِنَ الْعَبِيدِ ( اخْتَرْ مِنْهُمَا ) : أَيْ وَاحِدًا مِنْهُمَا أَوْ بَعْضَهُمَا ( اخْتَرْ لِي ) : أَيْ أَنْتَ أَوْلَى بِالِاخْتِيَارِ ، ( فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) تَوْطِئَةً وَتَمْهِيدًا ( إِنَّ الْمُسْتَشَارَ ) مِنَ اسْتَشَارَهُ طَلَبَ رَأْيَهُ فِيمَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ ( مُؤْتَمَنٌ ) اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْأَمَانَةِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمُسْتَشَارَ أَمِينٌ فِيمَا يُسْأَلُ مِنَ الْأُمُورِ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَخُونَ الْمُسْتَشِيرَ بِكِتْمَانِ مَصْلَحَتِهِ ( خُذْ هَذَا ) : أَيْ مُشَارًا إِلَى أَحَدِهِمَا ( فَإِنِّي رَأَيْتُهُ يُصَلِّي ) فِيهِ أَنَّهُ يُسْتَدَلُّ عَلَى خَيْرِيَّةِ الرَّجُلِ بِمَا يَظْهَرُ عَلَيْهِ مِنْ آثَارِ الصَّلَاحِ ، لَا سِيَّمَا الصَّلَاةُ فَإِنَّهَا تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ . ( وَاسْتَوْصِ بِهِ مَعْرُوفًا ) قَالَ الْقَارِي : أَيِ اسْتِيصَاءَ مَعْرُوفٍ ، قِيلَ مَعْنَاهُ : لَا تَأْمُرْهُ إِلَّا بِالْمَعْرُوفِ وَالنُّصْحِ له ، وَقِيلَ : وَصِّ فِي حَقِّهِ بِمَعْرُوفٍ . كَذَا ذَكَرَهُ زَيْنُ الْعَرَبِ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : أَيِ اقْبَلْ وَصِيَّتِي فِي حَقِّهِ ، وَأَحْسِنْ مَلْكَتَهُ بِالْمَعْرُوفِ ( إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا وَلَا خَلِيفَةً ) ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ : مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ وَلَا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ فِي رِوَايَةِ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ : مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ وَلَا بَعْدَهُ مِنْ خَلِيفَةٍ ، وَالرِّوَايَةُ الَّتِي فِي الْبَابِ تُفَسِّرُ الْمُرَادَ بِهَذَا ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِبَعْثِ الْخَلِيفَةِ اسْتِخْلَافُهُ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ سَلَّامٍ : مَا مِنْ وَالٍ وَهُوَ أَعَمُّ ، انْتَهَى . ( إِلَّا وَلَهُ بِطَانَتَانِ ) : الْبِطَانَةُ بِالْكَسْرِ الصَّاحِبُ الْوَلِيجَةُ وَهُوَ الَّذِي يُعَرِّفُهُ الرَّجُلُ أَسْرَارَهُ ثِقَةً بِهِ ، شُبِّهَ بِبِطَانَةِ الثَّوْبِ ( بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ ) : أَيْ مَا عَرَفَهُ الشَّرْعُ وَحَكَمَ بِحُسْنِهِ ( وَتَنْهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ ) : أَيْ مَا أَنْكَرَهُ الشَّرْعُ وَنَهَى عَنْ فِعْلِهِ ، ( وَبِطَانَةٌ لَا تَأْلُوهُ خَبَالًا ) : أَيْ لَا تُقَصِّرُ فِي إِفْسَادِ أَمْرِهِ وَهُوَ اقْتِبَاسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ : وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ . قَالَ الْحَافِظُ : وَقَدِ اسْتُشْكِلَ هَذَا التَّقْسِيمُ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّبِيِّ ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ جَازَ عَقْلًا أَنْ يَكُونَ فِيمَنْ يُدَاخِلُهُ مَنْ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الشَّرِّ ، لَكِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ أَنْ يُصْغِيَ إِلَيْهِ وَلَا يَعْمَلَ بِقَوْلِهِ لِوُجُودِ الْعِصْمَةِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ الْإِشَارَةَ إِلَى سَلَامَةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ ذَاكَ بِقَوْلِهِ : فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ تَعَالَى ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ مَنْ يُشِيرُ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالشَّرِّ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْبِطَانَتَيْنِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ الْمَلَكُ وَالشَّيْطَانُ ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ . قَالَ : وَفِي مَعْنَى حَدِيثِ الْبَابِ حَدِيثُ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا : مَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ عَمَلًا فَأَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا جَعَلَ لَهُ وَزِيرًا صَالِحًا ، إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ ، وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ . قَالَ ابْنُ التِّينِ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْبِطَانَتَيْنِ الْوَزِيرَيْنِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَلَكَ وَالشَّيْطَانَ . وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْبِطَانَتَيْنِ ، النَّفْسَ الْأَمَّارَةَ بِالسُّوءِ ، وَالنَّفْسَ اللَّوَّامَةَ الْمُحَرِّضَةَ عَلَى الْخَيْرِ ، إِذْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا قُوَّةٌ مَلَكِيَّةٌ وَقُوَّةٌ حَيَوَانِيَّةٌ ، انْتَهَى . قَالَ الْحَافِظُ : وَالْحَمْلُ عَلَى الْجَمِيعِ أَوْلَى إِلَّا أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ لَا يَكُونَ لِبَعْضِهِمْ إِلَّا لِبَعْضٍ . وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ : الْبِطَانَةُ : الْأَوْلِيَاءُ وَالْأَصْفِيَاءُ وَهُوَ مَصْدَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الِاسْمِ يَصْدُقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ مُذَكَّرًا وَمُؤَنَّثًا ، انْتَهَى . ( وَمَنْ يُوقَ بِطَانَةَ السُّوءِ ) بِأَنْ يَعْصِمَهُ اللَّهُ مِنْهَا ( فَقَدْ وُقِيَ ) الشَّرَّ كُلَّهُ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ : فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ . قَالَ الْحَافِظُ : وَالْمُرَادُ بِهِ إِثْبَاتُ الْأُمُورِ كُلِّهَا لِلَّهِ تَعَالَى فَهُوَ الَّذِي يَعْصِمُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ ، فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ لَا مَنْ عَصَمَتْهُ نَفْسُهُ ؛ إِذْ لَا يُوجَدُ مَنْ تَعْصِمُهُ نَفْسُهُ حَقِيقَةً إِلَّا إِنْ كَانَ اللَّهُ عَصَمَهُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ دُونَ قَوْلِهِ : فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : هَلْ لَكَ خَادِمٌ ؟ قَالَ : لَا إِلَخْ . وَأَمَّا قَوْلُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ . فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، عَنْ أُمِّ سَلِمَةَ ، وَابْنِ مَاجَهْ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا وَلَا خَلِيفَةً إِلَخْ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ .
2359 حَدَّثَنَا العَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ ، نَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ ، نَا حَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ قَال : سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ : مَا كَانَ يَفْضُلُ عَنْ أَهْلِ بَيْتِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُبْزُ الشَّعِيرِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . قَوْلُهُ : ( نَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ ) اسْمُهُ نَسْرٌ الْكَرْمَانِيُّ ، كُوفِيُّ الْأَصْلِ ، نَزَلَ بَغْدَادَ ، ثِقَةٌ مِنَ التَّاسِعَةِ ( نَا حَرِيزُ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَآخِرُهُ زَايٌ ( بْنُ عُثْمَانَ ) الرَّحْبِيُّ الْحِمْصِيُّ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ ، رُمِيَ بِالنَّصْبِ مِنَ الْخَامِسَةِ ( عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ ) هُوَ الْكَلَاعِيُّ الْخَبَائِرِيُّ الْحِمْصِيُّ . قَوْلُهُ : ( مَا كَانَ يَفْضُلُ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْفَضْلُ ضِدُّ النَّقْصِ ، وَقَدْ فَضَلَ كَنَصَرَ وَعَلِمَ ، وَأَمَّا فَضِلَ كَعَلِمَ يَفْضُلُ كَيَنْصُرُ فَمُرَكَّبَةٌ مِنْهُمَا انْتَهَى . وَالْمَعْنَى : لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُمْ مِنْ دَقِيقِ الشَّعِيرِ مَا إِذَا خَبَزُوهُ يَفْضُلُ عَنْهُمْ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا فِي الشَّمَائِلِ .
2364 حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الْحَنَفِيُّ ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ هو ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، نَا أَبُو حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّقِيَّ ؛ يَعْنِي الْحُوَّارَى ؟ فَقَالَ سَهْلٌ : مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّقِيَّ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ ، فَقِيلَ لَهُ : هَلْ كَانَتْ لَكُمْ مَنَاخِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : مَا كَانَتْ لَنَا مَنَاخِلُ ، قِيلَ : فَكَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِالشَّعِيرِ ؟ قَالَ : كُنَّا نَنْفُخُهُ فَيَطِيرُ مِنْهُ مَا طَارَ ، ثُمَّ نُثَرِّيهِ فَنَعْجِنُهُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رَوَاهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَوْلُهُ : ( نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الْحَنَفِيُّ ) أَبُو عَلِيٍّ الْبَصْرِيُّ ، صَدُوقٌ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ ضَعَّفَهُ ، مِنَ التَّاسِعَةِ ( نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ) مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ، صَدُوقٌ يُخْطِئُ ، مِنَ السَّابِعَةِ . قَوْلُهُ : ( نَا أَبُو حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- النَّقِيَّ ) ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ : سَأَلْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ فَقُلْتُ : هَلْ أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَخْ ؟ وَالنَّقِيُّ : بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ ( يَعْنِي الْحُوَّارَى ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَفَتْحِ الرَّاءِ ، وَهُوَ الَّذِي نُخِلَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ حَتَّى يَصِيرَ نَظِيفًا أَبْيَضَ . ( مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- النَّقِيَّ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ ) : أَيْ مَا رَآهُ فَضْلًا عَنْ أَكْلِهِ ، فَفِيهِ مُبَالَغَةٌ لَا تَخْفَى . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- النَّقِيَّ مِنْ حِينِ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ . قَالَ الْحَافِظُ : أَظُنُّ أَنَّ سَهْلًا احْتَرَزَ عَمَّا قَبْلَ الْبَعْثَةِ لِكَوْنِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ سَافَرَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ إِلَى الشَّامِ تَاجِرًا ، وَكَانَتِ الشَّامُ إِذْ ذَاكَ مَعَ الرُّومِ وَالْخُبْزُ النَّقِيُّ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ ، وَكَذَا الْمَنَاخِلُ وَغَيْرُهَا مِنْ آلَاتِ التَّرَفُّهِ ، فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ عِنْدَهُمْ ، فَأَمَّا بَعْدَ الْبَعْثَةِ فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا بِمَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَالْمَدِينَةِ ، وَوَصَلَ إِلَى تَبُوكَ وَهِيَ مِنْ أَطْرَافِ الشَّامِ ، لَكِنْ لَمْ يَفْتَحْهَا وَلَا طَالَتْ إِقَامَتُهُ بِهَا ، انْتَهَى . ( هَلْ كَانَتْ لَكُمْ مَنَاخِلُ ) جَمْعُ مُنْخُلٍ ، بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَضَمِّ الْخَاءِ وَيُفْتَحُ ، وَهُوَ الْغِرْبَالُ ، ( قَالَ : مَا كَانَتْ لَنَا مَنَاخِلُ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : قَالَ مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُنْخُلًا مِنْ حِينِ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ ( قِيلَ : كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِالشَّعِيرِ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : قُلْتُ : كَيْفَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ الشَّعِيرَ غَيْرَ مَنْخُولٍ ( قَالَ : كُنَّا نَنْفُخُهُ ) بِضَمِّ الْفَاءِ : أَيْ نُطَيِّرُهُ بَعْدَ الطَّحْنِ إِلَى الْهَوَاءِ بِأَيْدِينَا أَوْ بِأَفْوَاهِنَا ( فَيَطِيرُ مِنْهُ مَا طَارَ ) أَيْ يَذْهَبُ مِنْهُ مَا ذَهَبَ مِنَ النُّخَالَةِ وَمَا فِيهِ خِفَّةٌ ( ثُمَّ نُثَرِّيهِ ) بِمُثَلَّثَةٍ وَرَاءٍ ثَقِيلَةٍ : أَيْ نَبُلُّهُ بِالْمَاءِ مِنْ ثَرَّى التُّرَابَ تَثْرِيَةً أَيْ رَشَّ عَلَيْهِ ( فَنَعْجِنُهُ ) . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : عَجَنَهُ يَعْجِنُهُ وَيَعْجُنُهُ فَهُوَ مَعْجُونٌ وَعَجِينٌ ، اعْتَمَدَ عَلَيْهِ بِجَمْعِ كَفِّهِ يَغْمِزُهُ كَاعْتَجَنَهُ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ . تَنْبِيهٌ : قَالَ الطَّبَرِيُّ : اسْتَشْكَلَ بَعْضُ النَّاسِ كَوْنَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَصْحَابُهُ كَانُوا يَطْوُونَ الْأَيَّامَ جُوعًا مَعَ مَا ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَةٍ ، وَأَنَّهُ قَسَمَ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَنْفُسٍ أَلْفَ بَعِيرٍ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَأَنَّهُ سَاقَ فِي عُمْرَتِهِ مِائَةَ بَدَنَةٍ فَنَحَرَهَا وَأَطْعَمَهَا الْمَسَاكِينَ ، وَأَنَّهُ أَمَرَ لِأَعْرَابِيٍّ بِقَطِيعٍ مِنَ الْغَنَمِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مَعَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِ الْأَمْوَالِ كَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَطَلْحَةَ وَغَيْرِهِمْ ، مَعَ بَذْلِهِمْ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ . وَقَدْ أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَعُمَرُ بِنِصْفِهِ ، وَحَثَّ عَلَى تَجْهِيزِ جَيْشِ الْعُسْرَةِ فَجَهَّزَهُمْ عُثْمَانُ بِأَلْفِ بَعِيرٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ . وَالْجَوَابُ : أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُمْ فِي حَالَةٍ دُونَ حَالَةٍ ، لَا لِعَوَزٍ وَضِيقٍ ، بَلْ تَارَةً لِلْإِيثَارِ وَتَارَةً لِكَرَاهَةِ الشِّبَعِ ، وَلِكَثْرَةِ الْأَكْلِ . ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ ، ثُمَّ قَالَ : وَمَا نَفَاهُ مُطْلَقًا فِيهِ نَظَرٌ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَحَادِيثِ آنِفًا ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ : مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّا كُنَّا نَشْبَعُ مِنَ التَّمْرِ فَقَدْ كَذَبَكُمْ ، فَلَمَّا افْتُتِحَتْ قُرَيْظَةُ أَصَبْنَا شَيْئًا مِنَ التَّمْرِ وَالْوَدَكِ . وَتَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ قُلْنَا : الْآنَ نَشْبَعُ مِنَ التَّمْرِ . وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ حَدِيثُ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ : تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حِينَ شَبِعْنَا مِنَ التَّمْرِ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ شَبِعْنَا مِنَ التَّمْرِ . وَالْحَقُّ أَنَّ الْكَثِيرَ مِنْهُمْ كَانُوا فِي حَالِ ضِيقٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ حَيْثُ كَانُوا بِمَكَّةَ ، ثُمَّ لَمَّا هَاجَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ كَانَ أَكْثَرُهُمْ كَذَلِكَ ، فَوَاسَاهُمُ الْأَنْصَارُ بِالْمَنَازِلِ وَالْمَنَائِحِ . فَلَمَّا فُتِحَتْ لَهُمُ النَّضِيرُ وَمَا بَعْدَهَا رَدُّوا عَلَيْهِمْ مَنَائِحَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي كِتَابِ الْهِبَةِ . وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يَخَافُ أَحَدٌ ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ أَحَدٌ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبِطُ بِلَالٍ . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ . وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ بِمَعْنَاهُ . نَعَمْ كَانَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَخْتَارُ ذَلِكَ مَعَ إِمْكَانِ حُصُولِ التَّوَسُّعِ وَالتَّبَسُّطِ فِي الدُّنْيَا لَهُ . كَمَا أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ : عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا ، فَقُلْتُ : لَا يَا رَبِّ ، وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْمًا وَأَجُوعُ يَوْمًا ، فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ ، وَإِذَا شَبِعْتُ شَكَرْتُكُ ، انْتَهَى .
2362 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا غير جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا . قَوْلُهُ : ( كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا ) لِسَمَاحَةِ نَفْسِهِ وَمَزِيدِ ثِقَتِهِ بِرَبِّهِ ( لِغَدٍ ) : أَيْ مِلْكًا ؛ بَلْ تَمْلِيكًا ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ ادَّخَرَ قُوتَ سَنَةٍ لِعِيَالِهِ ، فَإِنَّهُ كَانَ خَازِنًا قَاسِمًا ، فَلَمَّا وَقَعَ الْمَالُ بِيَدِهِ قَسَمَ لَهُمْ كَمَا قَسَمَ لِغَيْرِهِمْ ، فَإِنَّ لَهُمْ حَقًّا فِي الْفَيْءِ . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : يُحْمَلُ حَدِيثُ : لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ عَلَى الِادِّخَارِ لِنَفْسِهِ ، وَحَدِيثُ : وَيَحْبِسُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ عَلَى الِادِّخَارِ لِغَيْرِهِ ، وَلَوْ كَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ مُشَارَكَةٌ لَكِنِ الْمَعْنَى أَنَّهُمُ الْمَقْصِدُ بِالِادِّخَارِ دُونَهُ ، حَتَّى لَوْ لَمْ يُوجَدُوا لَمْ يَدَّخِرْ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ : إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رَوَى هَذَا غَيْرُ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ ثَابِتٍ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مرسلا ) ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ إِلَخْ بِلَفْظِ عَنْ مَكَانَ غَيْرُ .
2360 حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيُّ ، نَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبِيتُ اللَّيَالِي الْمُتَتَابِعَةَ طَاوِيًا وَأَهْلُهُ لَا يَجِدُونَ عَشَاءً ، وَكَانَ أَكْثَرُ خُبْزِهِمْ خُبْزَ الشَّعِيرِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( نَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ ) الْأَحْوَلُ أَبُو زَيْدٍ الْبَصْرِيُّ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَأَبُو حَاتِمٍ ( عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ ) بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْعَبْدِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو الْعَلَاءِ الْبَصْرِيُّ نَزِيلُ الْمَدَائِنِ ، صَدُوقٌ تَغَيَّرَ بِأَخَرَةٍ مِنَ الْخَامِسَةِ . قَوْلُهُ : ( يَبِيتُ اللَّيَالِيَ الْمُتَتَابِعَةَ طَاوِيًا ) : أَيْ جَائِعًا . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : طَوِي مِنَ الْجُوعِ يَطْوِي طَوًى فَهُوَ طَاوٍ : أَيْ خَالِي الْبَطْنِ جَائِعٌ لَمْ يَأْكُلْ ، انْتَهَى . ( لَا يَجِدُونَ عَشَاءً ) بِالْفَتْحِ الطَّعَامُ الَّذِي يُؤْكَلُ عِنْدَ الْعِشَاءِ بِالْكَسْرِ وَهُوَ أَوَّلُ الظَّلَّامِ ، أَوْ مِنَ الْمَغْرِبِ إِلَى الْعَتَمَةِ ، أَوْ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ ( وَكَانَ أَكْثَرُ خُبْزِهِمْ ) : أَيْ خُبْزِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَهْلِهِ ( خُبْزَ الشَّعِيرِ ) فَكَانُوا يَأْكُلُونَهُ مِنْ غَيْرِ نَخلٍ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
2363 حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، نَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : مَا أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خِوَانٍ ، وَلَا أَكَلَ خُبْزًا مُرَقَّقًا حَتَّى مَاتَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ قَوْلُهُ : ( نَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْحَجَّاجِ مَيْسَرَةَ التَّمِيمِيُّ أَبُو مَعْمَرٍ الْمُقْعَدُ الْمُنْقِرِيُّ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ ، رُمِيَ بِالْقَدَرِ مِنَ الْعَاشِرَةِ انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( مَا أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : أَيْ طَعَامًا ( عَلَى خُوَانٍ ) قَالَ فِي الْمَجْمَعِ : الْخُوَانُ بِضَمِّ خَاءٍ وَكَسْرِهَا الْمَائِدَةُ الْمُعَدَّةُ ، وَيُقَالُ الْأُخْوَانُ وَجَمْعُهُ أَخْوِنَةٌ وَخُونٌ وَهُوَ مُعَرَّبٌ ، وَالْأَكْلُ عَلَيْهِ مِنْ دَأْبِ الْمُتْرَفِينَ ؛ لِئَلَّا يُفْتَقَرَ إِلَى التَّطَأْطُؤِ وَالِانْحِنَاءِ انْتَهَى . وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْخُوَانِ مُفَصَّلًا فِي بَابِ عَلَى مَا كَانَ يَأْكُلُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ أَبْوَابِ الْأَطْعِمَةِ ، ( وَلَا أَكَلَ خُبْزًا مُرَقَّقًا ) قَالَ عِيَاضٌ : قَوْلُهُ مُرَقَّقًا : أَيْ مُلَيَّنًا مُحَسَّنًا كَخُبْزِ الْحُوَّارَى وَشَبَهِهِ ، وَالتَّرْقِيقُ التَّلْيِينُ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مَنَاخِلُ . وَقَدْ يَكُونُ الْمُرَقَّقُ الرَّقِيقَ الْمُوَسَّعَ ، انْتَهَى . قَالَ الْحَافِظُ : وَهَذَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ . وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الْأَثِيرِ قَالَ : الرِّقَاقُ الرَّقِيقُ مِثْلُ طِوَالٍ وَطَوِيلٍ ، وَهُوَ الرَّغِيفُ الْوَاسِعُ الرَّقِيقُ . وَأَغْرَبَ ابْنُ التِّينِ فَقَالَ : هُوَ السَّمِيدُ وَمَا يُصْنَعُ مِنْهُ مِنْ كَعْكٍ وَغَيْرِهِ . وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : هُوَ الْخَفِيفُ كَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الرِّقَاقِ وَهِيَ الْخَشَبَةُ الَّتِي يُرَقَّقُ بِهَا انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .
2357 حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نَا أَبُو دَاوُدَ ، أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَال : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ يُحَدِّثُ عَنْ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : مَا شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( مَا شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ، وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ : مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ( مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ ) فَمِنَ الْبُرِّ بِالْأَوْلَى ( حَتَّى ) : أَيِ اسْتَمَرَّ عَدَمُ الشِّبَعِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ حَتَّى ( قُبِضَ ) -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْقَارِي : وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ صَارَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي آخِرِ عُمُرِهِ غَنِيًّا ، نَعَمْ وَقَعَ مَالٌ كَثِيرٌ فِي يَدِهِ لَكِنَّهُ مَا أَمْسَكَهُ بَلْ صَرَفَهُ فِي مَرْضَاةِ رَبِّهِ ، وَكَانَ دَائِمًا غَنِيَّ الْقَلْبِ بِغِنَى الرَّبِّ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .
2358 حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ محمد بن العلاء ، نَا الْمُحَارِبِيُّ ، عن يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : مَا شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْلُهُ ثَلَاثًا تِبَاعًا مِنْ خُبْزِ الْبُرِّ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا . هَذَا حَدِيثٌ حسن صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( ثَلَاثًا ) : أَيْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا ( تِبَاعًا ) بِكَسْرِ فَوْقِيَّةٍ وَخِفَّةِ مُوَحَّدَةٍ : أَيْ مُتَوَالِيَةً . قَالَ الْحَافِظُ : وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ سَبَبَ عَدَمِ شِبَعِهِمْ غَالِبًا كَانَ بِسَبَبِ قِلَّةِ الشَّيْءِ عِنْدَهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ يَجِدُونَ وَلَكِنْ يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .
2361 حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ ، نَا وَكِيعٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ ) : أَيْ أَهْلِ بَيْتِهِ ( قُوتًا ) : أَيْ بِقَدْرِ مَا يُمْسِكُ الرَّمَقَ مِنَ الْمَطْعَمِ ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : أَيِ اكْفِهِمْ مِنَ الْقُوتِ بِمَا لَا يُرْهِقُهُمْ إِلَى ذُلِّ الْمَسْأَلَةِ ، وَلَا يَكُونُ فِيهِ فُضُولٌ يَبْعَثُ عَلَى التَّرَفُّهِ وَالتَّبَسُّطِ فِي الدُّنْيَا . قَالَ : وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ طَلَبَ الْكَفَافَ ، فَإِنَّ الْقُوتَ مَا يَقُوتَ الْبَدَنَ وَيَكُفُّ عَنِ الْحَاجَةِ ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ سَلَامَةٌ مِنْ حَالَاتِ الْغِنَى وَالْفَقْرِ جَمِيعًا ، انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ الْكَفَافِ وَأَخْذِ الْبُلْغَةِ مِنَ الدُّنْيَا وَالزُّهْدِ فِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ ؛ رَغْبَةً فِي تَوْفِيرِ نَعِيمِ الْآخِرَةِ ، وَإِيثَارًا لِمَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَقْتَدِيَ بِهِ أُمَّتُهُ فِي ذَلِكَ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
بَاب مَا جَاءَ فِي مَعِيشَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْلِهِ 2356 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، نَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ المهلبي ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَدَعَتْ لِي بِطَعَامٍ ، وَقَالَتْ : مَا أَشْبَعُ مِنْ طَعَامٍ فَأَشَاءُ أَنْ أَبْكِيَ إِلَّا بَكَيْتُ قَالَ : قُلْتُ : لِمَ قَالَتْ أَذْكُرُ الْحَالَ الَّتِي فَارَقَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدُّنْيَا ، وَاللَّهِ مَا شَبِعَ مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ مَرَّتَيْنِ فِي يَوْمٍ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ . ( باب ما جاء في معيشة النبي صلى الله عليه وسلم وأهله ) قَوْلُهُ : ( مَا أَشْبَعُ مِنْ طَعَامٍ ) بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ الْمَعْلُومِ ( فَأَشَاءُ أَنْ أَبْكِيَ ) : أَيْ أُرِيدُ الْبُكَاءَ ، وَالْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ ، فَإِنَّ الْبُكَاءَ لَازِمٌ لِلشِّبَعِ الَّذِي يُعْقِبُهُ الْمَشِيئَةُ وَلَيْسَتِ الْمَشِيئَةُ لَازِمَةً لِلشِّبَعِ : وَلِذَا قَالَتْ فَأَشَاءُ ، وَلَمْ تَقْتَصِرْ عَلَى : مَا أَشْبَعُ مِنْ طَعَامٍ إِلَّا بَكَيْتُ . وَقِيلَ إِنَّهَا لِلسَّبَبِيَّةِ ، ( وَاَللَّهُ مَا شَبِعَ مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ مَرَّتَيْنِ فِي يَوْمٍ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : مَا شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ خُبْزٍ وَزَيْتٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
2341 حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، نَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ ، نَا حُرَيْثُ بْنُ السَّائِبِ قَال : سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ : ثَنِي حُمْرَانُ بْنُ أَبَانَ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَيْسَ لِابْنِ آدَمَ حَقٌّ فِي سِوَى هَذِهِ الْخِصَالِ : بَيْتٌ يَسْكُنُهُ ، وَثَوْبٌ يُوَارِي عَوْرَتَهُ ، وَجِلْفُ الْخُبْزِ ، وَالْمَاءِ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَهُوَ حَدِيثُ حُرَيْثِ بْنِ السَّائِبِ ، وَسَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ سُلَيْمَانَ بْنَ سَلْمٍ الْبَلْخِيَّ يَقُولُ : قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ : جِلْفُ الْخُبْزِ يَعْنِي لَيْسَ مَعَهُ إِدَامٌ . قَوْلُهُ : ( نَا حُرَيْثُ بْنُ السَّائِبِ ) التَّمِيمِيُّ ، وَقِيلَ : الْهِلَالِيُّ الْبَصْرِيُّ الْمُؤَذِّنُ صَدُوقٌ يُخْطِئُ مِنَ السَّابِعَةِ ( سَمِعْتُ الْحَسَنَ ) هُوَ الْبَصْرِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- ( ثَنِي حُمْرَانُ ) بِمَضْمُومَةٍ وَسُكُونِ مِيمٍ وَبِرَاءٍ مُهْمَلَةٍ ( بْنُ أَبَانَ ) مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، اشْتَرَاهُ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ثِقَةٌ مِنَ الثَّانِيَةِ . قَوْلُهُ : ( لَيْسَ لِابْنِ آدَمَ حَقٌّ ) : أَيْ حَاجَةٌ ( فِي سِوَى هَذِهِ الْخِصَالِ ) قَالَ الطِّيبِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- : مَوْصُوفُ سِوَى مَحْذُوفٌ : أَيْ فِي شَيْءٍ سِوَى هَذِهِ إِلَخْ وَالْمُرَادُ بِهَا ضَرُورِيَّاتُ بَدَنِهِ الْمُعِينُ عَلَى دِينِهِ ( بَيْتٍ ) بِالْجَرِّ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ ، وَكَذَا فِيمَا بَعْدَهُ مِنَ الْخِصَالِ الْمُبَيَّنَةِ ( يَسْكُنُهُ ) : أَيْ مَحَلٍّ يَأْوِي إِلَيْهِ ؛ دَفْعًا لِلْحَرِّ وَالْبَرْدِ ، ( وَثَوْبٍ يُوَارِي عَوْرَتَهُ ) : أَيْ يَسْتُرُهَا عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ ، ( وَجِلْفِ الْخُبْزِ ) بِكَسْرِ جِيمٍ وَسُكُونِ لَامٍ وَيُفْتَحُ . فَفِي النِّهَايَةِ الْجِلْفُ الْخُبْزُ وَحْدَهُ لَا أُدْمَ مَعَهُ . وَقِيلَ : الْخُبْزُ الْغَلِيظُ الْيَابِسُ ، وَيُرْوَى بِفَتْحِ اللَّامِ جَمْعُ جِلْفَةٍ وَهِيَ الْكِسْرَةُ مِنَ الْخُبْزِ ، وَقَالَ الْهَرَوِيُّ : الْجِلْفُ هَاهُنَا الظَّرْفُ مِثْلُ الْخُرْجِ وَالْجُوَالِقِ ، يُرِيدُ مَا يُتْرَكُ فِيهِ الْخُبْزُ انْتَهَى . وَفِي الْغَرِيبَيْنِ : قَالَ شِمْرٌ ، عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ : الْجِلْفُ الظَّرْفُ مِثْلُ الْخُرْجِ وَالْجُوَالِقِ . قَالَ الْقَاضِي -رَحِمَهُ اللَّهُ- : ذَكَرَ الظَّرْفَ وَأَرَادَ بِهِ الْمَظْرُوفَ : أَيْ كِسْرَةُ خُبْزٍ وَشَرْبَةُ مَاءٍ ، انْتَهَى . وَالْمَقْصُودُ غَايَةُ الْقَنَاعَةِ ، وَنِهَايَةُ الْكِفَايَةِ ، ( وَالْمَاءِ ) قَالَ الْقَارِي -رَحِمَهُ اللَّهُ- : بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْجِلْفِ أَوِ الْخُبْزِ وَهُوَ الظَّاهِرُ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الشُّرَّاحِ . وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ ؛ يَعْنِي مِنَ الْمِشْكَاةِ بِالرَّفْعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ إِحْدَى الْخِصَالِ ، قِيلَ : أَرَادَ بِالْحَقِّ مَا وَجَبَ لَهُ مِنَ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ تَبِعَةٍ فِي الْآخِرَةِ وَسُؤَالٍ عَنْهُ ، وَإِذَا اكْتَفَى بِذَلِكَ مِنَ الْحَلَالِ لَمْ يُسْأَلْ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي لَا بُدَّ لِلنَّفْسِ مِنْهَا . وَأَمَّا مَا سِوَاهُ مِنَ الْحُظُوظِ يُسْأَلْ عَنْهُ وَيُطَالَبُ بِشُكْرِهِ . وَقَالَ الْقَاضِي -رَحِمَهُ اللَّهُ- : أَرَادَ بِالْحَقِّ مَا يَسْتَحِقُّهُ الْإِنْسَانُ ؛ لِافْتِقَارِهِ إِلَيْهِ ، وَتَوَقُّفِ تَعَيُّشِهِ عَلَيْهِ ، وَمَا هُوَ الْمَقْصُودُ الْحَقِيقِيُّ مِنَ الْمَالِ . وَقِيلَ : أَرَادَ بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَبِعَةُ حِسَابٍ إِذَا كَانَ مُكْتَسَبًا مِنْ وَجْهٍ حَلَالٍ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ ، قَالَ الْمُنَاوِيُّ : إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ .
2346 حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ ، وَمَحْمُودُ بْنُ خِدَاشٍ الْبَغْدَادِيُّ قَالَا : نَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُمَيْلَةَ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، وَحِيزَتْ : يعني جُمِعَتْ إلى . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، نَا الْحُمَيْدِيُّ ، نَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نَحْوَهُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ ) الرَّاسِبِيُّ أَبُو عُثْمَانَ الْبَصْرِيُّ ضَعِيفٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ ( وَمَحْمُودُ بْنُ خِدَاشٍ الْبَغْدَادِيُّ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : مَحْمُودُ بْنُ خِدَاشٍ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ خَفِيفَةٍ وَآخِرُهُ مُعْجَمَةٌ الطَّالَقَانِيُّ ، نَزِيلُ بَغْدَادَ صَدُوقٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ ( نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُمَيْلَةَ ) بِمُعْجَمَةٍ مُصَغَّرًا الْأَنْصَارِيُّ الْمَدَنِيُّ الْقُبَائِيُّ بِضَمِّ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ . مَمْدُودٌ مَقْبُولٌ مِنَ السَّابِعَةِ ( عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : سَلَمَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَيُقَالُ : ابْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْأَنْصَارِيُّ الْخَطْمِيُّ الْمَدَنِيُّ مَجْهُولٌ مِنَ الرَّابِعَةِ . وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ : رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَيُقَالُ : لَهُ صُحْبَةٌ . وَرَوَى عَنْهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُمَيْلَةَ الْأَنْصَارِيُّ ، ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ، لَهُ فِي السُّنَنِ حَدِيثٌ وَاحِدٌ : مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ الْحَدِيثَ . قَالَ : وَقَالَ أَحْمَدُ : لَا أَعْرِفُهُ . وَقَالَ الْعُقَيْلِيُّ : لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ انْتَهَى . ( عَنْ أَبِيهِ ) : أَيْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مِحْصَنٍ الْأَنْصَارِيُّ ، ويُقَالُ : عُبَيْدُ اللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ وَرُجِّحَ ، مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ ، لَهُ حَدِيثٌ . انْتَهَى . ( وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ ) قَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ : قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَكْثَرُهُمْ يُصَحِّحُ صُحْبَتَهُ . وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ : أَدْرَكَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَرَآهُ . وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ فِيمَنِ اسْمُهُ عُبَيْدُ اللَّهِ ؛ يَعْنِي مُصَغَّرًا ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ ) : أَيْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ( آمِنًا ) : أَيْ غَيْرَ خَائِفٍ مِنْ عَدُوٍّ ( فِي سِرْبِهِ ) الْمَشْهُورُ كَسْرُ السِّينِ : أَيْ فِي نَفْسِهِ ، وَقِيلَ : السِّرْبُ الْجَمَاعَةُ ، فَالْمَعْنَى فِي أَهْلِهِ وَعِيَالِهِ ، وَقِيلَ : بِفَتْحِ السِّينِ : أَيْ فِي مَسْلَكِهِ وَطَرِيقِهِ ، وَقِيلَ : بِفَتْحَتَيْنِ : أَيْ فِي بَيْتِهِ . كَذَا ذَكَرَهُ الْقَارِي عَنْ بَعْضِ الشُّرَّاحِ . وَقَالَ التُّورْبَشْتِيُّ رحمه الله : أَبَى بَعْضُهُمْ إِلَّا السَّرَبَ بِفَتْحِ السِّينِ وَالرَّاءِ : أَيْ فِي بَيْتِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ رِوَايَةً ، وَلَوْ سَلِمَ لَهُ قَوْلُهُ أَنْ يُطْلَقَ السَّرَبُ عَلَى كُلِّ بَيْتٍ كَانَ قَوْلُهُ هَذَا حَرِيًّا بِأَنْ يَكُونَ أَقْوَى الْأَقَاوِيلِ إِلَّا أَنَّ السَّرَبَ يُقَالُ لِلْبَيْتِ الَّذِي هُوَ فِي الْأَرْضِ . وَفِي الْقَامُوسِ : السَّرْبُ الطَّرِيقُ ، وَبِالْكَسْرِ الطَّرِيقُ وَالْبَالُ وَالْقَلْبُ وَالنَّفْسُ وَالْجَمَاعَةُ ، وَبِالتَّحْرِيكِ جُحْرُ الْوَحْشِي وَالْحَفِيرُ تَحْتَ الْأَرْضِ ، انْتَهَى . فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنَ الْحَدِيثِ الْمُبَالَغَةَ فِي حُصُولِ الْأَمْنِ وَلَوْ فِي بَيْتٍ تَحْتَ الْأَرْضِ ضَيِّقٍ كَجُحْرِ الْوَحْشِ أَوِ التَّشْبِيهَ بِهِ فِي خَفَائِهِ وَعَدَمِ ضَيَاعِهِ ( مُعَافًى ) اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ : أَيْ صَحِيحًا سَالِمًا مِنَ الْعِلَلِ وَالْأَسْقَامِ ( فِي جَسَدِهِ ) : أَيْ بَدَنِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ( عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ ) : أَيْ كِفَايَةُ قُوتِهِ مِنْ وَجْهِ الْحَلَالِ ( فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْحِيَازَةِ وَهِيَ الْجَمْعُ وَالضَّمُّ ( لَهُ ) الضَّمِيرُ عَائِدٌ لِمَنْ رَابِطٌ لِلْجُمْلَةِ : أَيْ جُمِعَتْ لَهُ ( الدُّنْيَا ) وَزَادَ فِي الْمِشْكَاةِ بِحَذَافِيرِهَا . قَالَ الْقَارِي : أَيْ بِتَمَامِهَا وَالْحَذَافِيرُ الْجَوَانِبُ ، وَقِيلَ : الْأَعَالِي وَاحِدُهَا حِذْفَارٌ أَوْ حُذْفُورٌ . وَالْمَعْنَى : فَكَأَنَّمَا أُعْطِيَ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ ، وَابْنُ مَاجَهْ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ) هُوَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ رحمه الله ( نَا الْحُمَيْدِيُّ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ عِيسَى الْقُرَشِيُّ الْمَكِّيُّ أَبُو بَكْرٍ ثِقَةٌ حَافِظٌ فَقِيهٌ أَجَلُّ أَصْحَابِ ابْنِ عُيَيْنَةَ مِنَ الْعَاشِرَةِ . قَالَ الْحَاكِمُ : كَانَ الْبُخَارِيُّ إِذَا وَجَدَ الْحَدِيثَ عِنْدَ الْحُمَيْدِيِّ لَا يَعْدُوهُ إِلَى غَيْرِهِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ .
2345 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نَا أَبُو دَاوُدَ ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : كَانَ أَخَوَانِ عَلَى عَهْدِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يَأْتِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْآخَرُ يَحْتَرِفُ ، فَشَكَا الْمُحْتَرِفُ أَخَاهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ . قَوْلُهُ : ( كَانَ أَخَوَانِ ) : أَيِ اثْنَانِ مِنَ الْإِخْوَانِ ( عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : أَيْ فِي زَمَنِهِ فَكَانَ أَحَدُهُمَا يَأْتِي النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : أَيْ لِطَلَبِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ ، ( وَالْآخَرُ يَحْتَرِفُ ) : أَيْ يَكْتَسِبُ أَسْبَابَ الْمَعِيشَةِ فَكَأَنَّهُمَا كَانَا يَأْكُلَانِ مَعًا ( فَشَكَا الْمُحْتَرِفُ ) : أَيْ فِي عَدَمِ مُسَاعَدَةِ أَخِيهِ إِيَّاهُ فِي حِرْفَتِهِ ، أو فِي كَسْبٍ آخَرَ لِمَعِيشَتِهِ ، ( فَقَالَ : لعلك تُرْزَقُ بِهِ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ : أَيْ أَرْجُو أو أَخَافُ أَنَّكَ مَرْزُوقٌ بِبَرَكَتِهِ ؛ إلا أَنَّهُ مَرْزُوقٌ بِحِرْفَتِكَ فَلَا تَمْنُنْ عَلَيْهِ بِصَنْعَتِكَ . قَالَ الطِّيبِيُّ : وَمَعْنَى لَعَلَّ فِي قَوْلِهِ : لَعَلَّكَ ، يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَيُفِيدُ الْقَطْعَ وَالتَّوْبِيخَ ، كَمَا وَرَدَ : فَهَلْ تُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ ، وَأَنْ يَرْجِعَ الْمُخَاطَب لِيَبْعَثَهُ عَلَى التَّفَكُّرِ وَالتَّأَمُّلِ فَيَنْتَصِفَ مِنْ نَفْسِهِ ، انْتَهَى . وَحَدِيثُ أَنَسٍ هَذَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ . وَقَالَ : رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ، انْتَهَى . وَلَيْسَ قَوْلُ التِّرْمِذِيِّ هَذَا فِي النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ عِنْدَنَا . وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ .
2343 حَدَّثَنَا بندار ، نَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ ، نَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ، نَا شَدَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَال : سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا ابْنَ آدَمَ ، إِنَّكَ إِنْ تَبْذُلْ الْفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ ، وَإِنْ تُمْسِكْهُ شَرٌّ لَكَ ، وَلَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَشَدَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يُكْنَى أَبَا عَمَّارٍ قَوْلُهُ : ( نَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ ) بْنِ الْقَاسِمِ الْحَنَفِيُّ أَبُو حَفْصٍ الْيَمَامِيُّ الْجُرَشِيُّ ثِقَةٌ مِنَ التَّاسِعَةِ ( نَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ) الْعِجْلِيُّ أَبُو عَمَّارٍ الْيَمَامِيُّ ، أَصْلُهُ مِنَ الْبَصْرَةِ صَدُوقٌ يَغْلَطُ . وَفِي رِوَايَتِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ اضْطِرَابٌ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كِتَابٌ مِنَ الْخَامِسَةِ ( نَا شَدَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ) الْقُرَشِيُّ أَبُو عَمَّارٍ الدِّمَشْقِيُّ ثِقَةٌ يُرْسِلُ مِنَ الرَّابِعَةِ . قَوْلُهُ : ( إِنَّكَ إِنْ تَبْذُلِ الْفَضْلَ ) : أَيْ إِنْفَاقَ الزِّيَادَةِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ وَالْكَفَافِ ، فَإِنْ مَصْدَرِيَّةٌ مَعَ مَدْخُولِهَا مُبْتَدَأٌ ، خَبَرُهُ ( خَيْرٌ لَكَ ) : أَيْ فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى ( وَإِنْ تُمْسِكْهُ ) : أَيْ ذَلِكَ الْفَضْلَ وَتَمْنَعْهُ . قَالَ النَّوَوِيُّ قَوْلُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : ( إِنَّكَ إنْ تَبْذُلَ الْفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ ، وَإنْ تُمْسِكَهُ شَرٌّ لَكَ ) ، هُوَ بِفَتْحِ هَمْزَةِ أَنْ مَعْنَاهُ : أنْ بَذَلْتَ الْفَاضِلَ عَنْ حَاجَتِكَ وَحَاجَةِ عِيَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ ؛ لِبَقَاءِ ثَوَابِهِ ، وَإِنْ أَمْسَكْتَهُ فَهُوَ شَرٌّ لَكَ ؛ لِأَنَّهُ إِنْ أَمْسَكَ عَنِ الْوَاجِبِ اسْتَحَقَّ الْعِقَابَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ أَمْسَكَ عَنِ الْمَنْدُوبِ فَقَدْ نَقَصَ ثَوَابُهُ ، وَفَوَّتَ مَصْلَحَةَ نَفْسِهِ فِي آخِرَتِهِ وَهَذَا كُلُّهُ شَرٌّ ، انْتَهَى . ( وَلَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ ) بِالْفَتْحِ وَهُوَ مِنَ الرِّزْقِ الْقُوتُ ، وَهُوَ مَا كَفَّ عَنِ النَّاسِ وَأَغْنَى عَنْهُمْ . وَالْمَعْنَى لَا تُذَمُّ عَلَى حِفْظِهِ وَإِمْسَاكِهِ أَوْ عَلَى تَحْصِيلِهِ وَكَسْبِهِ ، وَمَفْهُومُهُ : إِنَّكَ إِنْ حَفِظْتَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ تَتَصَدَّقْ بِمَا فَضَلَ عَنْكَ فَأَنْتَ مَذْمُومٌ وَبَخِيلٌ وَمَلُومٌ ، قَالَهُ الْقَارِي . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَى لَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ : أَنَّ قَدْرَ الْحَاجَةِ لَا لَوْمَ عَلَى صَاحِبِهِ ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَتَوَجَّهْ فِي الْكَفَافِ حَقٌّ شَرْعِيٌّ كَمَنْ كَانَ لَهُ نِصَابٌ زَكَوِيٌّ ، وَوَجَبَتِ الزَّكَاةُ بِشُرُوطِهَا ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى ذَلِكَ النِّصَابِ لِكَفَافِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ ، وَيَحْصُلُ كِفَايَتُهُ مِنْ جِهَةٍ مُبَاحَةٍ انْتَهَى . ( وَابْدَأْ ) : أَيِ ابْتَدِئْ فِي إِعْطَاءِ الزَّائِدِ عَلَى قَدْرِ الْكَفَافِ ( بِمَنْ تَعُولُ ) : أَيْ بِمَنْ تُمَوِّنُهُ وَيَلْزَمُكَ نَفَقَتُهُ . قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ تَقْدِيمُ نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ ؛ لِأَنَّهَا مُنْحَصِرَةٌ فِيهِ بِخِلَافِ نَفَقَةِ غَيْرِهِمْ . وَفِيهِ الِابْتِدَاءُ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ فِي الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ ( الْيَدُ الْعُلْيَا ) : أَيِ الْمُنْفِقَةُ ( خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى ) أَيِ السَّائِلَةِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الزَّكَاةِ .
2344 حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِيُّ ، نَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هُبَيْرَةَ ، عَنْ أَبِي تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيِّ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا ترْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَأَبُو تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيُّ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ ) بْنِ مَسْرُوقٍ الْكِنْدِيُّ الْكُوفِيُّ صَدُوقٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ ( عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو ) الْمَعَافِرِيِّ الْمِصْرِيِّ إِمَامِ جَامِعِهَا ، صَدُوقٌ عَابِدٌ مِنَ السَّادِسَةِ ، ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هُبَيْرَةَ ) بِضَمِّ الْهَاءِ ، وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرًا ابْنُ أَسْعَدَ السَّبَائِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ هَمْزَةٍ مَقْصُورَةٍ ، الْحَضْرَمِيُّ ، كُنْيَتُهُ أَبُو هُبَيْرَةَ الْمِصْرِيُّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ( عَنْ أَبِي تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيِّ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي الْأَسْحَمِ بِمُهْمَلَتَيْنِ أَبُو تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيُّ بِجِيمٍ وَيَاءٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ الْمِصْرِيُّ ثِقَةٌ مُخَضْرَمٌ مِنَ الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ : ( لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ ) بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ لِلتَّخْفِيفِ : أَيْ تَعْتَمِدُونَ ( حَقَّ تَوَكُّلِهِ ) بِأَنْ تَعْلَمُوا يَقِينًا أَنْ لَا فَاعِلَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنْ لَا مُعْطِيَ وَلَا مَانِعَ إِلَّا هُوَ ، ثُمَّ تَسْعَوْنَ فِي الطَّلَبِ بِوَجْهٍ جَمِيلٍ وَتَوَكُّلٍ ( لَرُزِقْتُمْ كَمَا تُرْزَقُ الطَّيْرُ ) بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ مَضْمُومَةٌ أَوَّلُهُ ، ( تَغْدُو ) : أَيْ تَذْهَبُ أَوَّلَ النَّهَارِ ( خِمَاصًا ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ خَمِيصٍ : أَيْ جِيَاعًا ( وَتَرُوحُ ) : أَيْ تَرْجِعُ آخِرَ النَّهَارِ ( بِطَانًا ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ جَمْعُ بَطِينٍ ، وَهُوَ عَظِيمُ الْبَطْنِ ، وَالْمُرَادُ شِبَاعًا . قَالَ الْمُنَاوِيُّ : أَيْ تَغْدُو بُكْرَةً وَهِيَ جِيَاعٌ ، وَتَرُوحُ عِشَاءً وَهِيَ مُمْتَلِئَةُ الْأَجْوَافِ ، فَالْكَسْبُ لَيْسَ بِرَازِقٍ بَلِ الرَّازِقُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى ، فَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ التَّوَكُّلَ لَيْسَ التَّبَطُّلَ وَالتَّعَطُّلَ ، بَلْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّوَصُّلِ بِنَوْعٍ مِنَ السَّبَبِ ؛ لِأَنَّ الطَّيْرَ تُرْزَقُ بِالسَّعْيِ وَالطَّلَبِ ، وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْكَسْبِ ؛ بَلْ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى طَلَبِ الرِّزْقِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ لَوْ تَوَكَّلُوا عَلَى اللَّهِ فِي ذَهَابِهِمْ وَمَجِيئِهِمْ وَتَصَرُّفِهِمْ وَعَلِمُوا أَنَّ الْخَيْرَ بِيَدِهِ لَمْ يَنْصَرِفُوا إِلَّا غَانِمِينَ سَالِمِينَ كَالطَّيْرِ . لَكِنِ اعْتَمَدُوا عَلَى قُوتِهِمْ وَكَسْبِهِمْ وَذَلِكَ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ ، انْتَهَى . وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ : وَقَدْ يُظَنُّ أَنَّ مَعْنَى التَّوَكُّلِ تَرْكُ الْكَسْبِ بِالْبَدَنِ ، وَتَرْكُ التَّدْبِيرِ بِالْقَلْبِ ، وَالسُّقُوطُ عَلَى الْأَرْضِ كَالْخِرْقَةِ الْمُلْقَاةِ ، أَوْ كَلَحْمٍ عَلَى وَضْمٍ ، وَهَذَا ظَنُّ الْجُهَّالِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ فِي الشَّرْعِ ، وَالشَّرْعُ قَدْ أَثْنَى عَلَى الْمُتَوَكِّلِينَ فَكَيْفَ يُنَالُ مَقَامٌ مِنْ مَقَامَاتِ الدِّينِ بِمَحْظُورٍ مِنْ مَحْظُورَاتِ الدِّينِ ، بَلْ نَكْشِفُ عَنِ الْحَقِّ فِيهِ ، فَنَقُولُ : إِنَّمَا يَظْهَرُ تَأْثِيرُ التَّوَكُّلِ فِي حَرَكَةِ الْعَبْدِ وَسَعْيِهِ بِعَمَلِهِ إِلَى مَقَاصِدِهِ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ : اعْلَمْ أَنَّ التَّوَكُّلَ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ ، وَأَمَّا الْحَرَكَةُ بِالظَّاهِرِ فَلَا تُنَافِي التَّوَكُّلَ بِالْقَلْبِ بَعْدَمَا يُحَقِّقُ الْعَبْدُ أَنَّ الرِّزْقَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنْ تَعَسَّرَ شَيْءٌ فَبِتَقْدِيرِهِ ، وَإِنْ تَيَسَّرَ شَيْءٌ فَبِتَيْسِيرِهِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الزَّهَادَةِ فِي الدُّنْيَا 2340 حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ ، نَا عَمْرُو بْنُ وَاقِدٍ ، نَا يُونُسُ بْنُ حَلْبَسٍ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا لَيْسَتْ بِتَحْرِيمِ الْحَلَالِ ، وَلَا إِضَاعَةِ الْمَالِ ، وَلَكِنَّ الزَّهَادَةَ فِي الدُّنْيَا أَنْ لَا تَكُونَ بِمَا فِي يَدَيْكَ أَوْثَقَ مِمَّا فِي يَد اللَّهِ ، وَأَنْ تَكُونَ فِي ثَوَابِ الْمُصِيبَةِ إِذَا أَنْتَ أُصِبْتَ بِهَا أَرْغَبَ فِيهَا لَوْ أَنَّهَا أُبْقِيَتْ لَكَ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَأَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ اسْمُهُ عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَمْرُو بْنُ وَاقِدٍ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ . ( باب ما جاء في الزهادة في الدنيا ) قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) هُوَ الدَّارِمِيُّ ( أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ ) الصُّورِيُّ ، نَزِيلُ دِمَشْقَ الْقَلَانِسِيُّ الْقُرَشِيُّ ثِقَةٌ مِنْ كِبَارِ الْعَاشِرَةِ ، ( نَا عَمْرُو بْنُ وَاقِدٍ ) الدِّمَشْقِيُّ أَبُو حَفْصٍ ، مَوْلَى قُرَيْشٍ ، مَتْرُوكٌ مِنَ السَّادِسَةِ ( نَا يُونُسُ بْنُ حَلْبَسٍ ) هُوَ ابْنُ مَيْسَرَةَ ، قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : يُونُسُ بْنُ مَيْسَرَةَ بْنِ حَلْبَسٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَيْنَهُمَا لَامٌ سَاكِنَةٌ ، وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ وَزْنُ جَعْفَرٍ ، وَقَدْ يُنْسَبُ لِجَدِّهِ ثِقَةٌ عَابِدٌ مُعَمَّرٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا ) بِفَتْحِ الزَّايِ : أَيْ تَرْكُ الرَّغْبَةِ فِيهَا ( لَيْسَتْ بِتَحْرِيمِ الْحَلَالِ ) ، كمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْجَهَلَةِ ؛ زَعْمًا مِنْهُمْ أَنَّ هَذَا مِنَ الْكَمَالِ ، فَيَمْتَنِعُ مِنْ أَكْلِ اللَّحْمِ أو الْحَلْوَاءِ وَالْفَوَاكِهِ ، وَلُبْسِ الثَّوْبِ الْجَدِيدِ ، وَمِنَ التَّزَوُّجِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَعَلَ هَذِهِ الْأَفْعَالَ ، وَلَا أَكْمَلُ مِنْ حَاله الْكَمَال ( وَلَا إِضَاعَةِ الْمَالِ ) : أَيْ بِتَضْيِيعِهِ وَصَرْفِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ ؛ بِأَنْ يَرْمِيَهُ فِي بَحْرٍ ، أَوْ يُعْطِيَهُ لِلنَّاسِ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ بَيْنَ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ ، ( وَلَكِنَّ الزَّهَادَةَ ) : أَيِ الْمُعْتَبَرَةَ الْكَامِلَةَ ( فِي الدُّنْيَا ) : أَيْ فِي شَأْنِهَا ( أَنْ لَا تَكُونَ بِمَا فِي يَدَيْكَ ) مِنَ الْأَمْوَالِ أَوْ مِنَ الصَّنَائِعِ وَالْأَعْمَالِ ( أَوْثَقَ ) : أَيْ أَرْجَى مِنْكَ ( مِمَّا فِي يَدِ اللَّهِ ) ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ أَوْثَقَ مِنْكَ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ : أَيْ بِخَزَائِنِهِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ ، وَفِيهِ نَوْعٌ مِنَ الْمُشَاكَلَةِ . وَالْمَعْنَى : لِيَكُنِ اعْتِمَادُكَ بِوَعْدِ اللَّهِ لَكَ مِنْ إِيصَالِ الرِّزْقِ إِلَيْكَ ، وَمِنْ إِنْعَامِهِ عَلَيْكَ مِنْ حَيْثُ لَا تَحْتَسِبُ ، وَمِنْ وَجْهٍ لَا تَكْتَسِبُ ، أَقْوَى وَأَشَدَّ مِمَّا فِي يَدَيْكَ مِنَ الْجَاهِ وَالْكَمَالِ وَالْعَقَارِ وَأَنْوَاعِ الصَّنَائِعِ ، فَإِنَّ مَا فِي يَدَيْكَ يُمْكِنُ تَلَفُهُ وَفَنَاؤُهُ بِخِلَافِ مَا فِي خَزَائِنِهِ ، فَإِنَّهُ مُحَقَّقٌ بَقَاؤُهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ ( وَأَنْ تَكُونَ ) عَطْفٌ عَلَى أَنْ لَا تَكُونَ ( إِذَا أَنْتَ أُصِبْتَ بِهَا ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( أَرْغَبَ فِيهَا ) : أَيْ فِي حُصُولِ الْمُصِيبَةِ ( لَوْ أَنَّهَا ) : أَيْ لَوْ فُرِضَ أَنَّ تِلْكَ الْمُصِيبَةَ ( أُبْقِيَتْ لَكَ ) : أَيْ مُنِعَتْ لِأَجْلِكَ وَأُخِّرَتْ عَنْكَ فَوَضَعَ أُبْقِيَتْ مَوْضِعَ لَمْ تُصِبْ ، وَجَوَابُ لَوْ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهَا . وَخُلَاصَتُهُ أَنْ تَكُونَ رَغْبَتُكَ فِي وُجُودِ الْمُصِيبَةِ لِأَجْلِ ثَوَابِهَا أَكْثَرَ مِنْ رَغْبَتِكَ فِي عَدَمِهَا ، فَهَذَانِ الْأَمْرَانِ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ عَلَى زُهْدِكَ فِي الدُّنْيَا وَمَيْلِكَ فِي الْعُقْبَى . قَالَهُ الْقَارِي . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : لَوْ أَنَّهَا أُبْقِيَتْ لَكَ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ أَرْغَبَ وَجَوَابُ لَوْ مَحْذُوفٌ وَ إِذَا ظَرْفٌ . وَالْمَعْنَى : أَنْ تَكُونَ فِي حَالِ الْمُصِيبَةِ وَقْتَ إِصَابَتِهَا أَرْغَبَ مِنْ نَفْسِكَ فِي الْمُصِيبَةِ حَالَ كَوْنِكَ غَيْرَ مُصَابٍ بِهَا ؛ لِأَنَّكَ تُثَابُ بوُصُولِهَا إِلَيْكَ ، وَيَفُوتُكَ الثَّوَابُ إِذَا لَمْ تَصِلْ إِلَيْكَ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .
2342 حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، نَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ : أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ قَالَ : يَقُولُ ابْنُ آدَمَ : مَالِي مَالِي وَهَلْ لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ ، أَوْ أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( عَنْ مُطَرِّفِ ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ الْعَامِرِيِّ الْجُرَشِيِّ الْبَصْرِيِّ ثِقَةٌ عَابِدٌ فَاضِلٌ مِنَ الثَّانِيَةِ ( عَنْ أَبِيهِ ) : أَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ بْنِ عَوْفٍ الْعَامِرِيِّ صَحَابِيٌّ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ . قَوْلُهُ : ( انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : أَيْ وَصَلَ إِلَيْهِ ( وَهُوَ ) : أَيِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ : أَيْ أَشْغَلَكُمْ طَلَبُ كَثْرَةِ الْمَالِ ( قَالَ ) : أَيِ النَّبِيُّ ( مَالِي مَالِي ) : أَيْ يَغْتَرُّ بِنِسْبَةِ الْمَالِ إِلَى نَفْسِهِ تَارَةً ، وَيَفْتَخِرُ بِهِ أُخْرَى ( وَهَلْ لَكَ مِنْ مَالِكَ ) : أَيْ هَلْ يَحْصُلُ لَكَ مِنَ الْمَالِ وَيَنْفَعُكَ فِي الْمَالِ ( إِلَّا مَا تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ ) : أَيْ فَأَمْضَيْتَهُ وَأَبْقَيْتَهُ لِنَفْسِكَ يَوْمَ الْجَزَاءِ ، قَالَ تَعَالَى : مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَقَالَ -عَزَّ وَجَلَّ- : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ ( أَوْ أَكَلْتَ ) : أَيِ اسْتَعْمَلْتَ مِنْ جِنْسِ الْمَأْكُولَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ ، فَفِيهِ تَغْلِيبٌ أَوِ اكْتِفَاءٌ ( فَأَفْنَيْتَ ) : أَيْ فَأَعْدَمْتَهَا ، ( أَوْ لَبِسْتَ ) مِنَ الثِّيَابِ ( فَأَبْلَيْتَ ) : أَيْ فَأَخْلَقْتَهَا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الزُّهْدِ .
2355 حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بن محمد الدُّورِيُّ ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ ، نَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ جَابِرٍ الْحَضْرَمِيِّ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَدْخُلُ فُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَمْرِو بْنِ جَابِرٍ الْحَضْرَمِيِّ ) أَبِي زُرْعَةَ الْمِصْرِيِّ ، ضَعِيفٌ شِيعِيٌّ ، مِنَ الرَّابِعَةِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالتَّحْسِينُ لِلشَّوَاهِدِ .
2353 حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نَا قَبِيصَةُ ، نَا سُفْيَانُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ نِصْفِ يَوْمٍ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ نِصْفِ يَوْمٍ ) بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ ، أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ عَنْ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ ، فَإِنَّ الْيَوْمَ الْأُخْرَوِيَّ مِقْدَارُ طُولِهِ أَلْفُ سَنَةٍ مِنْ سِنِيِّ الدُّنْيَا ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ؛ فَنِصْفُهُ خَمْسُمِائَةٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فَمَخْصُوصٌ مِنْ عُمُومِ مَا سَبَقَ ، أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى تَطْوِيلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلَى الْكُفَّارِ كَمَا يُطْوَى حَتَّى يَصِيرَ كَسَاعَةٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَبْرَارِ ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَالَ : وَرُوَاتُهُ مُحْتَجٌّ بِهِمْ فِي الصَّحِيحِ ، انْتَهَى .
2352 حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ وَاصِلٍ الْكُوفِيُّ ، نَا ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَابِدُ الْكُوفِيُّ ، نَا الْحَارِثُ بْنُ النُّعْمَانِ اللَّيْثِيُّ ، عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا ، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا ، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : إِنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا ، يَا عَائِشَةُ ، لَا تَرُدِّي الْمِسْكِينَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ، يَا عَائِشَةُ ، أَحِبِّي الْمَسَاكِينَ وَقَرِّبِيهِمْ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يُقَرِّبُكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ . قَوْلُهُ : ( نَا ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَابِدُ الْكُوفِيُّ ) أَبُو مُحَمَّدٍ ، وَيُقَالُ : أَبُو إِسْمَاعِيلَ ، صَدُوقٌ زَاهِدٌ ، يُخْطِئُ فِي أَحَادِيثَ ، مِنَ التَّاسِعَةِ ( نَا الْحَارِثُ بْنُ النُّعْمَانِ ) بْنِ سَالِمٍ اللَّيْثِيُّ الْكُوفِيُّ ابْنُ أُخْتِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، ضَعِيفٌ مِنَ الْخَامِسَةِ . قَوْلُهُ : ( اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا ) قِيلَ : هُوَ مِنَ الْمَسْكَنَةِ وَهِيَ الذِّلَّةُ وَالِافْتِقَارُ ، فَأَرَادَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِذَلِكَ إِظْهَارَ تَوَاضُعِهِ ، وَافْتِقَارِهِ إِلَى رَبِّهِ ؛ إِرْشَادًا لِأُمَّتِهِ إِلَى اسْتِشْعَارِ التَّوَاضُعِ ، وَالِاحْتِرَازِ عَنِ الْكِبْرِ وَالنَّخْوَةِ ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ التَّنْبِيهَ عَلَى عُلُوِّ دَرَجَاتِ الْمَسَاكِينِ وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- ( وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ ) : أَيِ اجْمَعْنِي فِي جَمَاعَتِهِمْ بِمَعْنَى اجْعَلْنِي مِنْهُمْ ، لَكِنْ لَمْ يَسْأَلْ مَسْكَنَةً تَرْجِعُ لِلْقِلَّةِ ؛ بَلْ لِلْإِخْبَاتِ وَالتَّوَاضُعِ وَالْخُشُوعِ . قَالَ السُّهْرَوَرْدِيُّ : لَوْ سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَحْشُرَ الْمَسَاكِينَ فِي زُمْرَتِهِ لَكَانَ لَهُمُ الْفَخْرُ الْعَمِيمُ وَالْفَضْلُ الْعَظِيمُ ، فَكَيْفَ وَقَدْ سَأَلَ أَنْ يُحْشَرَ فِي زُمْرَتِهِمْ ؟ ( لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ ) أَيْ لِأَيِّ شَيْءٍ دَعَوْتَ هَذَا الدُّعَاءَ ، وَاخْتَرْتَ الْحَيَاةَ وَالْمَمَاتَ وَالْبَعْثَ مَعَ الْمَسَاكِينِ وَالْفُقَرَاءِ دُونَ أَكَابِرِ الْأَغْنِيَاءِ . ( قَالَ : إِنَّهُمْ ) اسْتِئْنَافٌ فِي مَعْنَى التَّعْلِيلِ ، أَيْ لِأَنَّهُمْ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ بَقِيَّةِ فَضَائِلِهِمْ وَحُسْنِ أَخْلَاقِهِمْ وَشَمَائِلِهِمْ ( بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا ) : أَيْ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً ، قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : الْخَرِيفُ الزَّمَانُ الْمَعْرُوفُ مِنْ فُصُولِ السَّنَةِ مَا بَيْنَ الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ ، وَيُرِيدُ بِهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً ؛ لِأَنَّ الْخَرِيفَ لَا يَكُونُ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً ، فَإِذَا انْقَضَى أَرْبَعُونَ خَرِيفًا فَقَدْ مَضَتْ أَرْبَعُونَ سَنَةً ، انْتَهَى . فَإِنْ قُلْتَ : كَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ الْحَدِيثِ السَّابِقِ ، فَإِنَّهُمَا بِظَاهِرِهِمَا مُتَخَالِفَانِ ؟ . قُلْتُ : وجهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا أَنْ يُقَالَ : الْمُرَادُ بِكُلٍّ مِنَ الْعَدَدَيْنِ إِنَّمَا هُوَ التَّكْثِيرُ لَا التَّحْدِيدُ ، فَتَارَةً عَبَّرَ بِهِ ، وَأُخْرَى بِغَيْرِهِ تَفَنُّنًا وَمَآلُهُمَا وَاحِدٌ ، أَوْ أَخْبَرَ أَوَّلًا بِأَرْبَعِينَ كَمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ ، ثُمَّ أَخْبَرَ ثَانِيًا بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ ؛ زِيَادَةً مِنْ فَضْلِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ بِبَرَكَتِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالتَّقْدِيرُ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا إِشَارَةً إِلَى أَقَلِّ الْمَرَاتِبِ ، وَبِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ إِلَى أَكْثَرِهَا . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مَخْلَدٍ ، وَلَفْظُهُ : سَبَقَ الْمُهَاجِرُونَ النَّاسَ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا إِلَى الْجَنَّةِ ، ثُمَّ يَكُونُ الزُّمْرَةُ الثَّانِيَةُ مِائَةَ خَرِيفٍ . فَالْمَعْنَى أَنْ يَكُونَ الزُّمْرَةُ الثَّالِثَةُ مِائَتَيْنِ وَهَلُمَّ جَرًّا ، وَكَأَنَّهُمْ مَحْصُورُونَ فِي خَمْسِ زُمَرٍ ، أَوِ الِاخْتِلَافُ بِاخْتِلَافِ مَرَاتِبِ أَشْخَاصِ الْفُقَرَاءِ فِي حَالِ صَبْرِهِمْ وَرِضَاهُمْ وَشُكْرِهِمْ ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ الْمُطَابِقُ لِمَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ حَيْثُ قَالَ : وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا : أَنَّ الْأَرْبَعِينَ أَرَادَ بِهَا تَقَدُّمَ الْفَقِيرِ الْحَرِيصِ عَلَى الْغَنِيِّ . وَأَرَادَ بِالْخَمْسِمِائَةِ تَقَدُّمَ الْفَقِيرِ الزَّاهِدِ عَلَى الْغَنِيِّ الرَّاغِبِ ، فَكَانَ الْفَقِيرُ الْحَرِيصُ عَلَى دَرَجَتَيْنِ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً مِنَ الْفَقِيرِ الزَّاهِدِ ، وَهَذِهِ نِسْبَةُ الْأَرْبَعِينَ إِلَى الْخَمْسِمِائَةِ ، وَلَا تَظُنَّنَّ أَنَّ التَّقْدِيرَ وَأَمْثَالَهُ يَجْرِي عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جُزَافًا ، وَلَا بِاتِّفَاقٍ ؛ بَلْ لِسِرٍّ أَدْرَكَهُ ، وَنِسْبَةٍ أَحَاطَ بِهَا عِلْمُهُ ، فَإِنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى . ( أَحِبِّي الْمَسَاكِينَ ) : أَيْ بِقَلْبِكِ ( وَقَرِّبِيهِمْ ) : أَيْ إِلَى مَجْلِسِكِ حَالَ تَحْدِيثِكِ ؛ ( فَإِنَّ اللَّهَ يُقَرِّبُكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) : أَيْ بِتَقْرِيبِهِمْ تَقْرِيبًا إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى . قَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ : إِنْ لَمْ يَكُنْ دَلِيلٌ آخَرُ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ لَكَفَى حُجَّةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّ الْفَقِيرَ الصَّابِرَ خَيْرٌ مِنَ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ . وَأَمَّا حَدِيثُ : الْفَقْرُ فَخْرِي وَبِهِ أَفْتَخِرُ فَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ ، عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ مِنَ الْحُفَّاظِ الْعَسْقَلَانِيُّ وَغَيْرُهُ . وَأَمَّا حَدِيثُ كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا ، فَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْفَقْرِ الْقَلْبِيِّ الْمُؤَدِّي إِلَى الْجَزَعِ وَالْفَزَعِ بِحَيْثُ يُفْضِي إِلَى عَدَمِ الرِّضَاءِ بِالْقَضَاءِ ، وَالِاعْتِرَاضِ عَلَى تَقْسِيمِ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ ، وَلِذَا قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ ، انْتَهَى . قُلْتُ : قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : قَوْلُهُ يُسْتَدَلُّ عَلَى أَنَّ الْفَقِيرَ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْمِسْكِينِ بِمَا نُقِلَ : الْفَقْرُ فَخْرِي وَبِهِ أَفْتَخِرُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ سُئِلَ عَنْهُ الْحَافِظُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فَقَالَ : إِنَّهُ كَذِبٌ ، لَا يُعْرَفُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْمُسْلِمِينَ الْمَرْوِيَّةِ ، وَجَزَمَ الصَّغَانِيُّ بِأنَّهُ مَوْضُوعٌ ، انْتَهَى . فَإِنْ قُلْتَ : مَا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا ، وَبَيْنَ حَدِيثِ عَائِشَةَ الَّذِي فِيهِ اسْتِعَاذَتُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنَ الْفَقْرِ . قُلْتُ : قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : إِنَّ الَّذِي اسْتَعَاذَ مِنْهُ وَكَرِهَهُ فَقْرُ الْقَلْبِ ، وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ وَارْتَضَاهُ طَرْحُ الْمَالِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الَّذِي اسْتَعَاذَ مِنْهُ هُوَ الَّذِي لَا يُدْرَكُ مَعَهُ الْقُوتُ وَالْكَفَافُ ، وَلَا يَسْتَقِرُّ مَعَهُ فِي النَّفْسِ غِنًى ؛ لِأَنَّ الْغِنَى عِنْدَهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- غِنَى النَّفْسِ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى وَلَمْ يَكُنْ غِنَاهُ أَكْثَرَ مِنَ ادِّخَارِهِ قُوتَ سَنَةٍ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ . وَكَانَ الْغِنَى مَحَلُّهُ فِي قَلْبِهِ ثِقَةً بِرَبِّهِ ، وَكَانَ يَسْتَعِيذُ مِنْ فَقْرٍ مُنْسٍ ، وَغِنًى مُطْغٍ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْغِنَى وَالْفَقْرَ طَرَفَانِ مَذْمُومَانِ ، وَبِهَذَا تَجْتَمِعُ الْأَخْبَارُ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ . وَقَالَ : وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ أَيْضًا ، وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءٍ عَنْهُ ، وَطَوَّلَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ . تَنْبِيهٌ : أَسْرَفَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْمَوْضُوعَاتِ ، وَكَأَنَّهُ أَقْدَمَ عَلَيْهِ لَمَّا رَآهُ مُبَايِنًا لِلْحَالِ الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِأَنَّهُ كَانَ مَكْفِيًّا . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَوَجْهُهُ عِنْدِي أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلِ الْمَسْكَنَةَ الَّتِي يَرْجِعُ مَعْنَاهَا إِلَى الْقِلَّةِ ، وَإِنَّمَا سَأَلَ الْمَسْكَنَةَ الَّتِي يَرْجِعُ مَعْنَاهَا إِلَى الْإِخْبَاتِ وَالتَّوَاضُعِ ، انْتَهَى .
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-37
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة