بَاب مَا جَاءَ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِمُؤَخَّرِ الرَّأْسِ
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّتَيْنِ ، بَدَأَ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ ثُمَّ بِمُقَدَّمِهِ ، وَبِأُذُنَيْهِ كِلْتَيْهِمَا ، ظُهُورِهِمَا وَبُطُونِهِمَا . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَصَحُّ مِنْ هَذَا وَأَجْوَدُ ، وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ ، مِنْهُمْ وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ . بَاب مَا جَاءَ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِمُؤَخَّرِ الرَّأْسِ قَوْله : ( نَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ) بْنِ لَاحِقٍ الرَّقَاشِيُّ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْبَصْرِيُّ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ عَابِدٌ ، قَالَ أَحْمَدُ : إِلَيْهِ الْمُنْتَهَى فِي التَّثْبِتِ فِي الْبَصْرَةِ .
وَقَالَ اِبْنُ الْمَدِينِيِّ : كَانَ يُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعَمِائَةِ رَكْعَةً وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا . تُوُفِّيَ سَنَةَ 187 سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ . ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ) مُتَكَلَّمٌ فِيهِ تَقَدَّمَ تَرْجَمَتُهُ فِي بَابِ مِفْتَاحِ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ ( عَنْ الرُّبَيِّعِ ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ التَّحْتَانِيَّةِ الْمُشَدَّدَةِ أَنْصَارِيَّةٌ نَجَّارِيَّةٌ مِنْ الْمُبَايِعَاتِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ، ( بِنْتِ مُعَوِّذٍ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ .
( ابْنِ عَفْرَاءَ ) بِسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَالْمَدِّ ( مَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّتَيْنِ بَدَأَ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ ثُمَّ بِمُقَدَّمِهِ ) الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ : بَدَأَ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ : مَرَّتَيْنِ ، فَلَيْسَتَا بِمَسْحَتَيْنِ ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى الْبُدَاءَةِ بِمُؤَخَّرِ الرَّأْسِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ بَعْضِ أَهْلِ الْكُوفَةِ كَمَا حَكَى التِّرْمِذِيُّ . وَأَجَابَ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْهُ : بِأَنَّهُ تَحْرِيفٌ مِنْ الرَّاوِي بِسَبَبِ فَهْمِهِ فَإِنَّهُ فَهِمَ مِنْ قَوْلِهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ أَنَّهُ يَقْتَضِي الِابْتِدَاءَ بِمُؤَخَّرِ الرَّأْسِ فَصَرَّحَ بِمَا فَهِمَ مِنْهُ وَهُوَ مُخْطِئٌ فِي فَهْمِهِ . وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ عَارَضَ مَا هُوَ أَصَحُّ مِنْهُ ، وَهُوَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ .
وَبِأَنَّهُ فَعَلَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ . وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ : قَالَ اِبْنُ سَيِّدِ النَّاسِ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : هَذِهِ الرِّوَايَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى عِنْدَ مَنْ يُسَمِّي الْفِعْلَ بِمَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ ، كَأَنَّهُ حَمَلَ قَوْلَهُ : مَا أَقْبَلَ وَمَا أَدْبَرَ عَلَى الِابْتِدَاءِ بِمُؤَخَّرِ الرَّأْسِ ، فَأَدَّاهَا بِمَعْنَاهَا عِنْدَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، قَالَ : ذَكَرَ مَعْنَاهُ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ هَذَا لِبَيَانِ الْجَوَازِ مَرَّةً ، وَكَانَتْ مُوَاظَبَتُهُ عَلَى الْبُدَاءَةِ بِمُقَدَّمِ الرَّأْسِ ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ مُوَاظَبَةً عَلَيْهِ كَانَ أَفْضَلَ ، وَالْبُدَاءَةُ بِمُؤَخَّرِ الرَّأْسِ مَحْكِيَّةٌ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ ، وَوَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ : قَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ النَّاسِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ أَنَّهُ بَدَأَ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ وَتَوَهَّمَ غَيْرُهُ أَنَّهُ بَدَأَ مِنْ وَسَطِ رَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِيَدِهِ وَأَدْبَرَ ، وهَذِهِ ظُنُونٌ لَا تَصِحُّ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَبْدَأُ مِنْ وَسَطِ رَأْسِهِ ، وَلَا يَصِحُّ ، وَأَصَحُّ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، وَالْمَشْهُورُ الْمُتَدَاوَلُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ الْبُدَاءَةُ مِنْ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ إِلَى مُؤَخَّرِهِ . انْتَهَى .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) حَدِيثُ رُبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ هَذَا لَهُ رِوَايَاتٌ وَأَلْفَاظٌ ، مَدَارُ الْكُلِّ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، وَفِيهِ مَقَالٌ مَشْهُورٌ لَا سِيَّمَا إِذَا عَنْعَنَ ، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِهَا ، قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ ، قُلْتُ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ مُدَلِّسٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَافِظُ فِي طَبَقَاتِ الْمُدَلِّسِينَ وَلِذَا قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : لَا سِيَّمَا إِذَا عَنْعَنَ . ( وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَصَحُّ مِنْ هَذَا وَأَجْوَدُ ) لِأَنَّ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ رُبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ هَذَا فَقَدْ عَرَفْتُ حَالَهُ ( وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ ) وَهُوَ مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ ، وَالْمَذْهَبُ الرَّاجِحُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ هُوَ الْبُدَاءَةُ بِمُقَدَّمِ الرَّأْسِ .