بَاب مَا جَاءَ فِي الْبَوْلِ يُصِيبُ الْأَرْضَ
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ قَالَا : نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ الْمَسْجِدَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فَصَلَّى فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ : اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ بَالَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَأَسْرَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَهْرِيقُوا عَلَيْهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ أَوْ دَلْوًا مِنْ مَاءٍ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ ، قَالَ سَعِيدٌ : قَالَ سُفْيَانُ : وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ نَحْوَ هَذَا ، وَفِي الْبَاب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَوَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَقَدْ رَوَى يُونُسُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .
باب ما جاء في البول يصيب الأرض قَوْلُهُ : ( دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مَنْسُوبٌ إِلَى الْأَعْرَابِ وَهُمْ سُكَّانُ الْبَوَادِي ، وَوَقَعَتِ النِّسْبَةُ إِلَى الْجَمْعِ دُونَ الْوَاحِدِ . فَقِيلَ : أَعْرَابِيٌّ لِأَنَّهُ جَرَى مَجْرَى الْقَبِيلَةِ كَأَنَّهَا وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نُسِبَ إِلَى الْوَاحِدِ وَهُوَ عَرَبٌ لَقِيلَ عَرَبِيٌّ فَيُشْتَبَهُ الْمَعْنَى ؛ لِأَنَّ الْعَرَبِيَّ كُلُّ مَنْ هُوَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، سَوَاءٌ كَانَ سَاكِنًا فِي الْبَادِيَةِ أَوْ بِالْقُرَى ، وَهَذَا غَيْرُ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ . وَقَدْ جَاءَ فِي تَسْمِيَةِ هَذَا الْأَعْرَابِيِّ وَتَعْيِينِهِ رِوَايَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ ، وَلَمْ أَرَ فِي هَذَا رِوَايَةً صَحِيحَةً خَالِيَةً عَنِ الْكَلَامِ ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْعَارِضَةِ : رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فَقَالَ : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْخٌ كَبِيرٌ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ مَتَى السَّاعَةُ ؟ فَقَالَ لَهُ : مَا أَعْدَدْتَ لَهَا ؟ فَقَالَ : لَا وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ، مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثِيرِ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، قَالَ : فَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ .
قَالَ : فَذَهَبَ الشِّيحُ فَأَخَذَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ ، فَمَرَّ عَلَيْهِ النَّاسُ فَأَقَامُوهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعَوْهُ عَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَصَبُّوا عَلَى بَوْلِهِ الْمَاءَ . فَبَيَّنَ أَنَّ الْبَائِلَ فِي الْمَسْجِدِ هُوَ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ الْمَشْهُودُ لَهُ بِالْجَنَّةِ . انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ .
قُلْتُ : فِي إِسْنَادِهِ الْمُعَلَّى الْمَالِكِيُّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ بَعْدَ رِوَايَتِهِ : الْمُعَلَّى مَجْهُولٌ . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : حَكَى أَبُو بَكْرٍ التَّارِيخِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ ، قَالَ : وَأَخْرَجَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ فِي الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ : اطَّلَعَ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ الْيَمَانِيُّ وَكَانَ رَجُلًا جَافِيًا . وَهُوَ مُرْسَلٌ وَفِي إِسْنَادِهِ أَيْضًا مُبْهَمٌ بَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَبَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ وَهُوَ عِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ الْأَصَمِّ ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيِّ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ خَالِدٍ الذَّهَبِيِّ عَنْهُ ، وَهُوَ فِي جَمْعِ مُسْنَدِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، لِأَبِي زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيِّ مِنْ طَرِيقِ الشَّامِيِّينَ عَنْهُ بِهَذَا السَّنَدِ ، لَكِنْ قَالَ فِي أَوَّلِهِ : اطَّلَعَ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ وَكَانَ جَافِيًا ، وَالتَّمِيمِيُّ هُوَ حُرْقُوس بْنُ زُهَيْرٍ الَّذِي صَارَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ رُءُوسِ الْخَوَارِجِ ، وَقَدْ فَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَمَانِيِّ ، لَكِنْ لَهُ أَصْلٌ أَصِيلٌ قَالَ : وَنُقِلَ عَنْ أَبِي الْحسينِ بْنِ فَارِسٍ أَنَّهُ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى .
انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . قَوْلُهُ : ( لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا ) بِصِيغَةِ الْخِطَابِ مِنْ بَابِ تَفَعَّلَ ، أَيْ ضَيَّقْتَ مَا وَسَّعَهُ اللَّهُ وَخَصَصْتَ بِهِ نَفْسَكَ دُونَ غَيْرِكَ . وَأَصْلُ الْحَجْرِ الْمَنْعُ ، وَمِنْهُ الْحَجْرُ عَلَى السَّفِيهِ .
( فَأَسْرَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : فَزَجَرَهُ النَّاسُ . وَلِمُسْلِمٍ فَقَالَ الصَّحَابَةُ مَهْ مَهْ وَلَهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : فَصَاحَ النَّاسُ بِهِ . ( أَهْرِيقُوا عَلَيْهِ ) أَيْ صُبُّوا عَلَيْهِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : أَمْرٌ مِنْ أَهْرَاقَ يُهْرِيقُ بِسُكُونِ الْهَاءِ إِهْرَاقًا نَحْوَ إِسْطَاعًا .
وَأَصْلُهُ أَرَاقَ فَأُبْدِلَتِ الْهَمْزَةُ هَاءً ثُمَّ جُعِلَ عِوَضًا عَنْ ذَهَابِ حَرَكَةِ الْعَيْنِ فَصَارَتْ كَأَنَّهَا مِنْ نَفْسِ الْكَلِمَةِ ثُمَّ أُدْخِلَ عَلَيْهِ الْهَمْزَةُ ، أَيْ صُبُّوا ( سَجْلًا ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ الدَّلْوُ الْمَلْأَى مَاءً . ( أَوْ دَلْوًا ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْعَارِضَةِ : السَّجْلُ الدَّلْوُ ، وَالدَّلْوُ مُؤَنَّثَةٌ وَالسَّجْلُ مُذَكَّرٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَاءٌ فَلَيْسَتْ بِسَجْلٍ كَمَا أَنَّ الْقَدَحَ لَا يُقَالُ لَهُ كَأْسٌ إِلَّا إِذَا كَانَ فِيهِ مَاءٌ يُقَالُ لَهُ دَلْوٌ سَجِيلَةٌ أَيْ ضَخْمَةٌ ، وَكَذَلِكَ الذَّنُوبُ ، الدَّلْوُ الْمَلْأَى مَاءً مِثْلُهُ وَلَكِنَّهَا مُؤَنَّثَةٌ ، وَالْغَرْبُ الدَّلْوُ الْعَظِيمَةُ بِإِسْكَانِ الرَّاءِ فَإِنْ فَتَحْتَهَا فَهُوَ الْمَاءُ السَّائِلُ مِنَ الْبِيرِ وَالْحَوْضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ أَيْضًا ، انْتَهَى . قُلْتُ : وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ : السَّجْلُ دَلْوٌ وَاسِعَةٌ .
وَفِي الصِّحَاحِ : الدَّلْوُ الضَّخيمَةُ . قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ ص 886 ج 1 فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ : أَهْرِيقُوا عَلَيْهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ أَوْ دَلْوًا مِنْ مَاءٍ . اعْتِبَارُ الْأَدَاءِ بِاللَّفْظِ ، وَإِنْ كَانَ الْجُمْهُورُ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ ، وَأَنَّ الْمَعْنَى كَافٍ ، وَيُحْمَلُ هَاهُنَا عَلَى الشَّكِّ وَلَا مَعْنَى التَّنْوِيعِ وَلَا لِلتَّخْيِيرِ وَلَا لِلْعَطْفِ ، فَلَوْ كَانَ الرَّاوِي يَرَى جَوَازَ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى لَاقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا .
فَلَمَّا تَرَدَّدَ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الدَّلْوِ وَالسَّجْلِ وَهُمَا بِمَعْنًى عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ التَّرَدُّدَ لِمُوَافَقَةِ اللَّفْظِ ، قَالَهُ الْحَافِظُ الْقُشَيْرِيُّ . قَالَ الْعَيْنِيُّ : وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : إِنَّمَا يَتِمُّ هَذَا أَنْ لَوِ اتَّحَدَ الْمَعْنَى فِي السَّجْلِ وَالدَّلْوِ لُغَةً لَكِنَّهُ غَيْرُ مُتَّحِدٍ ، فَالسَّجْلُ : الدَّلْوُ الضَّخْمَةُ الْمَمْلُوءَةُ ، وَلَا يُقَالُ لَهَا فَارِغَةً سَجْلٌ . انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ .
( إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ ) أَيْ مُسَهِّلِينَ عَلَى النَّاسِ . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى تَطْهِيرِ الْأَرْضِ النَّجِسَةِ بِالْمُكَاثَرَةِ بِالْمَاءِ ، وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ يُكْتَفَى بِإِفَاضَةِ الْمَاءِ وَلَا يُشْتَرَطُ نَقْلُ التُّرَابِ مِنَ الْمَكَانِ بَعْدَ ذَلِكَ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِهِ . وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَرِدْ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْأَمْرُ بِنَقْلِ التُّرَابِ ، وَظَاهِرُ ذَلِكَ الِاكْتِفَاءُ بِصَبِّ الْمَاءِ فَإِنَّهُ لَوْ وَجَبَ الأَمَرَ بِهِ ، وَلَوْ أَمَرَ بِهِ لَذُكِرَ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ الْأَمْرُ بِنَقْلِ التُّرَابِ وَلَكِنَّهُ تُكُلِّمَ فِيهِ .
وَأَيْضًا لَوْ كَانَ نَقْلُ التُّرَابِ وَاجِبًا فِي التَّطْهِيرِ لَاكْتُفِيَ بِهِ ، فَإِنَّ الْأَمْرَ بِصَبِّ الْمَاءِ حِينَئِذٍ يَكُونُ زِيَادَةَ تَكْلِيفٍ وَتَعَبٍ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ تَعُودُ إِلَى الْمَقْصُودِ وَهُوَ تَطْهِيرُ الْأَرْضِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ سَعِيدٌ قَالَ سُفْيَانُ وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ نَحْوَ هَذَا ) حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَوَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ) أَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى عَنْهُ قَالَ : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَانِهِ فَاحْتُفِرَ وَصُبَّ عَلَيْهِ دَلْو مِنْ مَاءٍ ، وَفِيهِ سِمْعَانُ بْنُ مَالِكٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، كَذَا فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَفِيهِ سِمْعَانُ بْنُ مَالِكٍ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، قَالَهُ أَبُو زُرْعَةَ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ : هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ ، وَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : لَا أَصْلَ لَهُ ، انْتَهَى .
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى ، وَالْبَزَّارُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْرَابِيٌّ فَبَايَعَهُ ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَامَ فَفَشَجَ فَبَالَ ، فَهَمَّ النَّاسُ بِهِ . الْحَدِيثَ . وَفِيهِ : فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَصُبَّ عَلَى بَوْلِهِ .
قَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ : رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي الطَّهَارَةِ وَفِي إِسْنَادِهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ الْهُزَلِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : وَفِيهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ الْهُزَلِيُّ وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ ، قَالَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو حَاتِمٍ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا مُسْلِمًا ، كَذَا فِي الْمُنْتَقَى . قَوْلُهُ : ( وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ) قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : اسْتُدِلَّ بِهِ -يَعْنِي بِحَدِيثِ الْبَابِ- عَلَى أَنَّ تَطْهِيرَ الْأَرْضِ الْمُتَنَجِّسَةِ يَكُونُ بِالْمَاءِ لَا بِالْجَفَافِ بِالرِّيحِ وَالشَّمْسِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَفَى ذَلِكَ لَمَا حَصَلَ التَّكْلِيفُ بِطَلَبِ الْمَاءِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْعِتْرَةِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَزُفَرَ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ هُمَا مُطَهِّرَانِ لِأَنَّهُمَا يُحِيلَانِ الشَّيْءَ ، انْتَهَى .
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : وَفِيهِ أَنَّ الْأَرْضَ تَطْهُرُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهَا وَلَا يُشْتَرَطُ حَفْرُهَا وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَطْهُرُ إِلَّا بِحَفْرِهَا ، انْتَهَى . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ ص 162 ج 1 كَذَا أَطْلَقَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَالْمَذْكُورُ فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَتْ رَخْوَةً بِحَيْثُ يَتَخَلَّلُهَا الْمَاءُ حَتَّى يُغْمَرَهَا فَهَذِهِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى حَفْرٍ وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَتْ صُلْبَةً فَلَا بُدَّ مِنْ حَفْرِهَا وَإِلْقَاءِ التُّرَابِ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَمْ يَغْمُرْ أَعْلَاهَا وَأَسْفَلَهَا . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ .
قُلْتُ : الْأَمْرُ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ ، قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ : قَالَ أَصْحَابُنَا - يَعْنِي الْحَنَفِيَّةَ - إِذَا أَصَابَتِ الْأَرْضَ نَجَاسَةٌ رَطْبَةٌ فَإِنْ كَانَتِ الْأَرْضُ رَخْوَةً صُبَّ عَلَيْهَا الْمَاءُ حَتَّى يَتَسَفَّلَ فِيهَا ، وَإِذَا لَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِهَا شَيْءٌ مِنَ النَّجَاسَةِ وَتَسَفَّلَ الْمَاءُ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهَا وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْعَدَدُ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى اجْتِهَادِهِ وَمَا هُوَ فِي غَالِبِ ظَنِّهِ أَنَّهَا طَهُرَتْ ، وَيَقُومُ التَّسَفُّلُ فِي الْأَرْضِ مَقَامَ الْعَصْرِ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْعَصْرَ ، وَعَلَى قِيَاسِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يُصَبُّ عَلَيْهَا الْمَاءُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيَتَسَفَّلُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ، وَإِنْ كَانَتِ الْأَرْضُ صُلْبَةً فَإِنْ كَانَتْ صَعُودًا يُحْفَرُ فِي أَسْفَلِهَا حُفَيْرَةٌ وَيُصَبُّ الْمَاءُ عَلَيْهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيَتَسَفَّلُ إِلَى الْحُفَيْرَةِ ثُمَّ تُكْبَسُ الْحُفَيْرَةُ ، وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَوِيَةً بِحَيْثُ لَا يَزُولُ عَنْهَا الْمَاءُ لَا يُغْسَلُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي الْغَسْلِ بَلْ تُحْفَرُ ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : لَا تَطْهُرُ الْأَرْضُ حَتَّى تُحْفَرَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي وَصَلَتْ إِلَيْهِ النَّدَاوَةُ وَيُنْقَلُ التُّرَابُ . انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ ، وَقَالَ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ : وَالْأَرْضُ وَالْآجُرُّ الْمَفْرُوشُ بِالْيُبْسِ ، وَذَهَابُ الْأَثَرِ لِلصَّلَاةِ لَا لِلتَّيَمُّمِ ، انْتَهَى . وَاسْتَدَلَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ تَطْهِيرَ الْأَرْضِ الْمُتَنَجِّسَةِ يَكُونُ بِالْجَفَافِ وَالْيُبْسِ بِحَدِيثِ زَكَاةُ الْأَرْضِ يُبْسُهَا .
وَأُجِيبَ : بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ بَعْدَ ذِكْرِهِ : لَا أَصْلَ لَهُ فِي الْمَرْفُوعِ ، نَعَمْ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مَوْقُوفًا عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ مِنْ قَوْلِهِ بِلَفْظِ : جُفُوفُ الْأَرْضِ طُهُورُهَا ، انْتَهَى . وَبِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ : كُنْتُ أَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُنْتُ فَتًى شَابًّا عَزَبًا ، وَكَانَتِ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ مِنْ ذَلِكَ ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ : بَابٌ فِي طُهُورِ الْأَرْضِ إِذَا يَبِسَتْ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : اسْتَدَلَّ أَبُو دَاوُدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ تَطْهُرُ إِذَا لَاقَتْهَا النَّجَاسَةُ بِالْجَفَافِ ، يَعْنِي أَنَّ قَوْلَهُ : لَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ صَبِّ الْمَاءِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى ، فَلَوْلَا أَنَّ الْجَفَافَ يُفِيدُ تَطْهِيرَ الْأَرْضِ مَا تَرَكُوا ذَلِكَ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ .
قُلْتُ : اسْتِدْلَالُ أَبِي دَاوُدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ تَطْهُرُ بِالْجَفَافِ صَحِيحٌ لَيْسَ فِيهِ عِنْدِي خَدْشَةٌ إِنْ كَانَ فِيهِ لَفْظُ تَبُولُ مَحْفُوظًا ، وَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ حَدِيثِ الْبَابِ ، فَإِنَّهُ يُقَالُ إِنَّ الْأَرْضَ تَطْهُرُ بِالْوَجْهَيْنِ ، أَعْنِي بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهَا وَبِالْجَفَافِ وَالْيُبْسِ بِالشَّمْسِ أَوِ الْهَوَاءِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ إِنَّ الْأَرْضَ لَا تَطْهُرُ إِلَّا بِالْحَفْرِ بِرِوَايَاتٍ جَاءَ فِيهَا ذِكْرُ الْحَفْرِ ، قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ ص 111 ج 1 : وَرَدَ فِيهِ الْحَفْرُ مِنْ طَرِيقَيْنِ مُسْنَدَيْنِ وَطَرِيقَيْنِ مُرْسَلَيْنِ ، فَالْمُسْنَدَانِ أَحَدُهُمَا عَنْ سِمْعَانِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَانِهِ فَاحْتُفِرَ وَصُبَّ عَلَيْهِ دَلْو مِنْ مَاءٍ . انْتَهَى ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي عِلَلِهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا زُرْعَةَ يَقُولُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِنَّهُ مُنْكَرٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ .
انْتَهَى ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ . الثَّانِي : أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا عَنِ عبد الْجَبَّارِ بْنِ الْعَلَاءِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : احْفِرُوا مَكَانَهُ ثُمَّ صُبُّوا عَلَيْهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَهَمَ عَبْدُ الْجَبَّارِ عَلَى ابْنِ عُيَيْنَةَ ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ ابْنِ عُيَيْنَةَ الْحُفَّاظَ رَوَوْهُ عَنْهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِدُونِ الْحَفْرِ ، وَإِنَّمَا رَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ هَذَا عَنْ عمرو بن دينار عن طَاوُسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : احْفِرُوا مَكَانَهُ ، مُرْسَلًا ، انْتَهَى ، وَأَمَّا الْمُرْسَلَانِ فَأَحَدُهُمَا هَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الدَّارَقُطْنِيُّ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ .
وَالثَّانِي : رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ قَالَ : صَلَّى أَعْرَابِيٌّ ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَفِي آخِرِهِ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : خُذُوا مَا بَالَ عَلَيْهِ مِنَ التُّرَابِ فَأَلْقُوهُ وَأَهْرِيقُوا عَلَى مَكَانِهِ مَاءً قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هَذَا مُرْسَلٌ ، فَإِنَّ ابْنَ مَعْقِلٍ لَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . انْتَهَى مَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَاحْتَجُّوا فِيهِ بِحَدِيثٍ جَاءَ مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ ، أَحَدُهَا مَوْصُولٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ ، لَكِنَّ إِسْنَادَهُ ضَعِيفٌ ، قَالَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ ، وَالْآخَرَانِ مُرْسَلَانِ أَخْرَجَ أَحَدَهُمَا أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ معقل بن مُقَرِّنٍ ، وَالْآخَرُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ وَرُوَاتُهُمَا ثِقَاتٌ وَهُوَ يَلْزَمُ مَنْ يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ مُطْلَقًا ، وَكَذَا مَنْ يَحْتَجُّ بِهِ إِذَا اعْتَضَدَ مُطْلَقًا ، وَالشَّافِعِيُّ إِنَّمَا يُعْتَضَدُ عِنْدَهُ إِذَا كَانَ مِنْ رِوَايَةِ كِبَارِ التَّابِعِينَ ، وَكَانَ مَنْ أَرْسَلَ إِذَا سَمَّى لَا يُسَمِّي إِلَّا ثِقَةً ، وَذَلِكَ مَفْقُودٌ فِي الْمُرْسَلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ سَنَدَيْهِمَا . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ .
قُلْتُ : الْأَحَادِيثُ الْمَرْفُوعَةُ الْمُتَّصِلَةُ الصَّحِيحَةُ خَالِيَةٌ عَنْ حَفْرِ الْأَرْضِ ، وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الَّتِي جَاءَ فِيهَا ذِكْرُ حَفْرِ الْأَرْضِ فَمِنْهَا مَا هُوَ مَوْصُولٌ فَهُوَ ضَعِيفٌ لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُرْسَلٌ فَهُوَ أَيْضًا ضَعِيفٌ عِنْدَ مَنْ لَا يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ ، وَأَمَّا مَنْ يَحْتَجُّ بِهِ فَعِنْدَ بَعْضِهِمْ أَيْضًا ضَعِيفٌ لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ كَالْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله فَقَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْأَرْضَ لَا تَطْهُرُ إِلَّا بِالْحَفْرِ وَنَقْلِ التُّرَابِ قَوْلٌ ضَعِيفٌ إِلَّا عِنْدَ مَنْ يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ مُطْلَقًا ، وَعِنْدَ مَنْ يَحْتَجُّ بِهِ إِذَا اعْتَضَدَ مُطْلَقًا . وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْأَرْضَ تَطْهُرُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهَا بِحَدِيثِ الْبَابِ ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ وَأَقْوَاهَا مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ ، ثُمَّ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّهَا تَطْهُرُ بِالْجَفَافِ بِالشَّمْسِ أَوِ الْهَوَاءِ إِنْ كَانَ لَفْظُ تَبُولُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ مَحْفُوظًا ، وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّهَا لَا تَطْهُرُ إِلَّا بِالْحَفْرِ وَنَقْلِ التُّرَابِ فَمُسْتَنِدُهُ الرِّوَايَاتُ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا ذِكْرُ الْحَفْرِ ، وَقَدْ عَرَفْتَ مَا فِي تِلْكَ الرِّوَايَاتِ مِنَ الْمَقَالِ ، ثُمَّ هِيَ إِنْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ النَّجِسَةَ لَا تَطْهُرُ إِلَّا بِالْحَفْرِ وَنَقْلِ التُّرَابِ فَهِيَ مُعَارَضَةٌ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ وَبِحَدِيثِ الْبَابِ ، هَذَا مَا عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .