بَاب مَا جَاءَ فِي تَأْخِيرِ الظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ
بَاب مَا جَاءَ فِي تَأْخِيرِ الظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ
157 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا اللَّيْثُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنْ الصَّلَاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ، وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي ذَرٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَالْمُغِيرَةِ وَالْقَاسِمِ بْنِ صَفْوَانَ عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي مُوسَى وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا وَلَا يَصِحُّ .
قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ اخْتَارَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ تَأْخِيرَ صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنَّمَا الْإِبْرَادُ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ إِذَا كَانَ مَسْجِدًا يَنْتَابُ أَهْلُهُ مِنْ الْبُعْدِ ، فَأَمَّا الْمُصَلِّي وَحْدَهُ وَالَّذِي يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ قَوْمِهِ فَالَّذِي أُحِبُّ لَهُ أَنْ لَا يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ ، قَالَ أَبُو عِيسَى : وَمَعْنَى مَنْ ذَهَبَ إِلَى تَأْخِيرِ الظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ هُوَ أَوْلَى وَأَشْبَهُ بِالِاتِّبَاعِ .
وَأَمَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الرُّخْصَةَ لِمَنْ يَنْتَابُ مِنْ الْبُعْدِ وَالْمَشَقَّةِ عَلَى النَّاسِ فَإِنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَأَذَّنَ بِلَالٌ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا بِلَالُ أَبْرِدْ ثُمَّ أَبْرِدْ ، فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ لَمْ يَكُنْ لِلْإِبْرَادِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَعْنًى لِاجْتِمَاعِهِمْ فِي السَّفَرِ وَكَانُوا لَا يَحْتَاجُونَ أَنْ يَنْتَابُوا مِنْ الْبُعْدِ .
بَاب مَا جَاءَ فِي تَأْخِيرِ الظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ
قَوْلُهُ : ( إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا ) مِنَ الْإِبْرَادِ ، أَيْ أَخِّرُوا إِلَى أَنْ يَبْرُدَ الْوَقْتُ ، يُقَالُ : أَبْرَدَ إِذَا دَخَلَ فِي الْبَرْدِ كَأَظْهَرَ إِذَا دَخَلَ فِي الظَّهِيرَةِ ، وَمِثْلُهُ فِي الْمَكَانِ أَنْجَدَ إِذَا دَخَلَ فِي النَّجْدِ ، وَأَتْهَمَ إِذَا دَخَلَ فِي التِّهَامَةِ .
( عَنِ الصَّلَاةِ ) وفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : بِالصَّلَاةِ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ ، وَقِيلَ زَائِدَةٌ ، وَمَعْنَى أَبْرِدُوا أَخِّرُوا عَلَى سَبِيلِ التَّضْمِينِ ، أَيْ أَخِّرُوا الصَّلَاةَ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ " عَنِ الصَّلَاةِ " فَقِيلَ زَائِدَةٌ أَيْضًا أَوْ عَنْ بِمَعْنَى الْبَاءِ أَوْ هِيَ لِلْمُجَاوَزَةِ ، أَيْ تَجَاوَزُوا وَقْتَهَا الْمُعْتَادَ إِلَى أَنْ تَنْكَسِرَ شِدَّةُ الْحَرِّ ، وَالْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ الظُّهْرُ لِأَنَّهَا الصَّلَاةُ الَّتِي يَشْتَدُّ الْحَرُّ غَالِبًا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ، وَقَدْ جَاءَ صَرِيحًا فِي حَدِيثِ أَبَى سَعِيدٍ ، انْتَهَى .
قُلْتُ : حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِلَفْظِ : " أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ " .
( فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ) أي مِنْ
سَعَةِ انْتِشَارِهَا وَتَنَفُّسِهَا ، وَمِنْهُ مَكَانٌ أَفَيْحُ ، أَيْ مُتَّسِعٌ ، وَهَذَا كِنَايَةٌ عَنْ شِدَّةِ اسْتِعَارِهَا ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَثَارَ وَهَجِ الْحَرِّ فِي الْأَرْضِ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ حَقِيقَةً ، وَقِيلَ هُوَ مِنْ مَجَازِ التَّشْبِيهِ ، أَيْ كَأَنَّهُ نَارُ جَهَنَّمَ فِي الْحَرِّ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - " اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفْسَيْنِ : نَفْسٍ فِي الشِّتَاءِ ، وَنَفْسٍ فِي الصَّيْفِ " .
قَالَ صَاحِبُ الْعَرْفِ الشَّذِيِّ مَا لَفْظُهُ : هَاهُنَا سُؤَالٌ عَقْلِيٌّ ، وَهُوَ أَنَّ التَّجْرِبَةَ أَنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ وَضَعْفَهَا بِقُرْبِ الشَّمْسِ وَبُعْدِهَا ، فَكَيْفَ أنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمِ؟ قَالَ : فَنُجِيبُ بِمَا يُفِيدُ فِي مَوَاضِعَ عَدِيدَةٍ ، وَهُوَ لِلْأَشْيَاءِ أَسْبَابٌ ظَاهِرَةٌ وَبَاطِنَةٌ ، وَالْبَاطِنَةُ يذْكُرُهَا الشَّرِيعَةُ ، وَالظَّاهِرَةُ لَا تَنْفِيهَا الشَّرِيعَةُ ، فَكَذَلِكَ يُقَالُ فِي الرَّعْدِ وَالْبَرْقِ وَالْمَطَرِ وَنَهْرِ جَيْحَانَ وَسَيْحَانَ ، انْتَهَى .
قُلْتُ : هَذَا الْجَوَابُ إِنَّمَا يَتَمَشَّى فِيمَا لَا تخَالُفَ بَيْنَ الْأَسْبَابِ الْبَاطِنَةِ الَّتِي بَيَّنَهَا الشَّرِيعَةُ وَبَيْنَ الْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي أَثْبَتَهَا أَرْبَابُ الْفَلْسَفَةِ الْقَدِيمَةِ أَوِ الْجَدِيدَةِ ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا التَّخَالُفُ فَلَا ، فتَفَكَّرْ .
قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَأَبِي ذَرٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَالْمُغِيرَةِ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ صَفْوَانَ عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي مُوسَى ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَنَسٍ ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَتَقَدَّمَ لَفْظُهُ .
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْهُ قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلظُّهْرِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَبْرِدْ . ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ : أَبْرِدْ . حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ، فَإِذَا اشْتَدَّ الحر فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ .
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
وَأَمَّا حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
وَأَمَّا حَدِيثُ الْقَاسِمِ بْنِ صَفْوَانَ عَنْ أَبِيهِ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ : أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ، قَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ : وَالْقَاسِمُ بْنُ صَفْوَانَ وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : الْقَاسِمُ بْنُ صَفْوَانَ لَا يُعْرَفُ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، انْتَهَى .
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ .
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَفِيهِ عَمْرُو بْنُ صَهْبَانَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ .
وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْهُ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ ، وَإِذَا كَانَ الْبَرْدُ عَجَّلَ ، وَلِلْبُخَارِيِّ نَحْوُهُ ، كَذَا فِي الْمُنْتَقَى .
قَوْلُهُ : ( وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا وَلَا يَصِحُّ ) رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى ، وَالْبَزَّارُ بِلَفْظِ : قَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ . الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ زُبَالَةَ نُسِبَ إِلَى وَضْعِ الْحَدِيثِ ، كَذَا فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ .
قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ .
قَوْلُهُ : ( قَدِ اخْتَارَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ تَأْخِيرَ صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، قَالَ مُحَمَّدٌ فِي مُوَطَّئِهِ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ : بِهَذَا نَأْخُذُ ، نُبْرِدُ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الصَّيْفِ وَنُصَلِّي فِي الشِّتَاءِ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، انْتَهَى .
( وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنَّمَا الْإِبْرَادُ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ إِذَا كَانَ مَسْجِدًا يَنْتَابُ أَهْلُهُ مِنَ الْبُعْدِ ) مِنَ الِانْتِيَابِ ، أَيْ يَحْضُرُونَ ، وَأَصْلُ الِانْتِيَابِ الْحُضُورُ نَوْبًا ، لَكِنَّ الْمُرَادَ هَاهُنَا مُطْلَقُ الْحُضُورِ .
( فَأَمَّا الْمُصَلِّي وَحْدَهُ ) أَيِ الَّذِي يُصَلِّي مُنْفَرِدًا ( وَاَلَّذِي يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ قَوْمِهِ ) وَلَا يَنْتَابُ مِنَ الْبُعْدِ ( فَاَلَّذِي أُحِبُّ لَهُ ) أَيْ لِكُلٍّ مَنِ الْمُصَلِّي وَحْدَهُ وَاَلَّذِي يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ قَوْمِهِ . ( أَنْ لَا يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ ) لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِ لِعَدَمِ تَأَذِّيهِ بِالْحَرِّ فِي الطَّرِيقِ .
( وَمَعْنَى مَنْ ذَهَبَ إِلَى تَأْخِيرِ الظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ هُوَ أَوْلَى وَأَشْبَهُ بِالِاتِّبَاعِ ) أَيْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى تَأْخِيرِ الظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ لِكُلٍّ مِنَ الْمُصَلِّي مُطْلَقًا ، سَوَاءٌ كَانَ مُصَلِّيًا وَحْدَهُ أَوْ فِي مَسْجِدِ قَوْمِهِ أَوْ يَنْتَابُ مِنَ الْبُعْدِ فَمَذْهَبُهُ أَوْلَى ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ التِّرْمِذِيُّ بِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ إِذْ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالْإِبْرَادِ فِي السَّفَرِ ، وَكَانَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَجْتَمِعُونَ مَعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّفَرِ وَلَا يَحْتَاجُونَ أَنْ يَنْتَابُوا مِنَ الْبُعْدِ ، وَفِيهِ مَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ .
( وَأَمَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ فَإِنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ إِلَخْ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : قَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ : يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ إِلَى أَنْ يُبْرِدَ الْوَقْتُ وَيَنْكَسِرَ الْوَهَجُ ، وَخَصَّهُ بَعْضُهُمْ بِالْجَمَاعَةِ ، فَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَالتَّعْجِيلُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيِّ أَيْضًا ، لَكِنَّهُ خَصَّهُ بِالْبَلَدِ الْحَارِّ ، وَقَيَّدَ الْجَمَاعَةُ بِمَا إِذَا كَانُوا يَنْتَابُونَ مَسْجِدًا مِنْ بُعْدٍ ، فَلَوْ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ أَوْ كَانُوا يَمْشُونَ فِي كِنٍّ فَالْأَفْضَلُ فِي حَقِّهِمُ التَّعْجِيلُ ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ التَّسْوِيَةُ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ وَلَا قَيْدٍ ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ وَالْكُوفِيِّينَ وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ التِّرْمِذِيُّ بِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ لَمْ يَأْمُرْ بِالْإِبْرَادِ لِاجْتِمَاعِهِمْ فِي السَّفَرِ وَكَانُوا لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى أَنْ يَنْتَابُوا مِنَ الْبُعْدِ .
وَتَعَقَّبَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْعَادَةَ فِي الْعَسْكَرِ الْكَثِيرِ تَفْرِقَتُهُمْ فِي أَطْرَافِ الْمَنْزِلِ لِلتَّخْفِيفِ وَطَلَبِ الرَّعْيِ ، فَلَا نُسَلِّمُ اجْتِمَاعَهُمْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ . انْتَهَى ، وَأَيْضًا فَلَمْ تَجْرِ عَادَتُهُمْ بِاتِّخَاذِ خِبَاءٍ كَبِيرٍ يَجْمَعُهُمْ ، بَلْ كَانُوا يَتَفَرَّقُونَ فِي ظِلَالِ الشَّجَرِ وَلَيْسَ هُنَاكَ كِنٌّ يَمْشُونَ فِيهِ ، فَلَيْسَ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ مَا يُخَالِفُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ اسْتَنْبَطَ مِنَ النَّصِّ الْعَامِّ ، وَهُوَ الْأَمْرُ بِالْإِبْرَادِ ، مَعْنًى يُخَصِّصُهُ ، وَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الْأُصُولِ ، لَكِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي ذَلِكَ تَأَذِّيهِمْ بِالْحَرِّ فِي طَرِيقِهِمْ ، وَلِلْمُتَمَسِّكِ بِعُمُومِهِ أَنْ يَقُولَ : الْعِلَّةُ فِيهِ تَأَذِّيهِمْ بِحَرِّ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِهِمْ حَالَةَ السُّجُودِ ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَنَسٍ : " كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالظَّهَائِرِ سَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا اتِّقَاءَ الْحَرِّ " رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ ، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ ، وَفِي حَدِيثٍ أَيْضًا فِي الصَّحِيحَيْنِ نَحْوُهُ .
وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ : أَنَّ الْعِلَّةَ الْأُولَى أَظْهَرُ ، فَإِنَّ الْإِبْرَادَ لَا يُزِيلُ الْحَرَّ عَنِ الْأَرْضِ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ .
قُلْتُ : الظَّاهِرُ عِنْدِي هُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
تَنْبِيهٌ : قَالَ صَاحِبُ الْعَرْفِ الشَّذِيِّ : هَذَا هو الْمَوْضِعُ الَّذِي اعْتَرَضَ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ عَلَى الشَّافِعِيِّ مَعَ كَوْنِهِ مُقَلِّد الشَّافِعِيِّ ، انْتَهَى .
قُلْتُ : قَدْ بَيَّنَّا فِي الْمُقَدِّمَةِ أَنَّ الْإِمَامَ التِّرْمِذِيَّ لَمْ يَكُنْ مُقَلِّدًا لِلشَّافِعِيِّ وَلَا لِغَيْرِهِ ، وَاعْتِرَاضُهُ هَذَا أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُقَلِّدًا لَهُ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْمُقَلِّدِ الِاعْتِرَاضُ عَلَى إِمَامِهِ الْمُقَلَّدِ ، وَأَيْضًا لَوْ كَانَ التِّرْمِذِيُّ مُقَلِّدًا لِلشَّافِعِيِّ لَقَوَّى دَلَائِلَهُ وَمَسَالِكَهُ فِي جَمِيعِ مَوَاقِعِ بَيَانِ الْمَذَاهِبِ أَوْ غَالِبِهَا وَضَعَّفَ دَلَائِلَ غَيْرِهِ وَمَسَالِكَهُ كَمَا هُوَ دَأْبُ الْمُقَلِّدِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ كَيْفَ قَوَّى دَلَائِلَ إِمَامِهِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ وَزَيَّفَ دَلَائِلَ غَيْرِهِ مِنَ ابْتِدَاءِ الْهِدَايَةِ إِلَى آخِرِهَا ، فَتَفَكَّرْ .