بَاب مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ
بَاب مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ
185 - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، نَا وَكِيعٌ ، عَنْ كَهْمَسِ بْنِ الْحَسَينِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ لِمَنْ شَاءَ .
وَفِي الْبَاب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ فَلَمْ يَرَ بَعْضُهُمْ الصَّلَاةَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ . وَقَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ إِنْ صَلَّاهُمَا فَحَسَنٌ ، وَهَذَا عِنْدَهُمَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ .
( باب ما جاء في الصلاة قبل المغرب )
قَوْلُهُ : ( عَنْ كَهْمَسِ بْنِ الْحُسَيْنِ ) كَذَا فِي النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ بِالتَّصْغِيرِ ، وَفِي التَّقْرِيبِ وَالْخُلَاصَةِ كَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ بِالتَّكْبِيرِ ، وَثَّقَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَعِينٍ .
( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ) بْنِ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيِّ الْمَرْوَزِيِّ قَاضِيهَا ، ثِقَةٌ . ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ) صَحَابِيٌّ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَنَزَلَ الْبَصْرَةَ ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ ، وَقِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ .
قَوْلُهُ : ( بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ ) ؛ أَيْ أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ، وَهَذَا مِنْ بَابِ التَّغْلِيبِ كَالْقَمَرَيْنِ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أُطْلِقَ عَلَى الْإِقَامَةِ أَذَانٌ لِأَنَّهَا إِعْلَامٌ بِحُضُورِ فِعْلِ الصَّلَاةِ كَمَا أَنَّ الْأَذَانَ إِعْلَامٌ بِدُخُولِ الْوَقْتِ .
( صَلَاةٌ ) ؛ أَيْ وَقْتُ صَلَاةٍ أَوِ الْمُرَادُ صَلَاةُ نَافِلَةٍ ، قَالَهُ الْحَافِظُ . قُلْتُ : لَا حَاجَةَ إِلَى تَقْدِيرِ الْوَقْتِ .
( لِمَنْ شَاءَ ) ؛ أَيْ كَوْنُ الصَّلَاةِ بَيْنَ الْأَذَانَيْنِ لِمَنْ شَاءَ .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ " لِمَنْ شَاءَ " كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً . كَذَا فِي الْمِشْكَاةِ ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ وَقَبْلَ صَلَاتِهِ وَهُوَ الْحَقُّ ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ مِمَّا لَا الْتِفَاتَ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ .
قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ) أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا مِنْ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ إِلَّا وَبَيْنَ يَدَيْهَا رَكْعَتَانِ ، كَذَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ أَيْضًا فِي قِيَامِ اللَّيْلِ ص 26 .
وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، وَسَيَجِيءُ تَخْرِيجُهُمَا .
قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) ، وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا .
قَوْلُهُ : ( فَلَمْ يَرَ بَعْضُهُمُ الصَّلَاةَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ ) وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ عَلَى مَا قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَعَنْ مَالِكٍ قَوْلٌ آخَرُ بِاسْتِحْبَابِهِمَا ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهٌ رَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ ، وَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : قَوْلُ مَنْ قَالَ " إِنَّ فِعْلَهُمَا يُؤَدِّي إِلَى تَأْخِيرِ الْمَغْرِبِ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا " خَيَالٌ فَاسِدٌ مُنَابِذٌ لِلسُّنَّةِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَزَمَنُهَا يَسِيرٌ لَا تَتَأَخَّرُ بِهِ الصَّلَاةُ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا ، انْتَهَى .
قَالَ الْحَافِظُ : وَمَجْمُوعُ الْأَدِلَّةِ يُرْشِدُ إِلَى تَخْفِيفِهِمَا كَمَا فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ، انْتَهَى .
وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يَرَ الصَّلَاةَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ بِأَحَادِيثَ ذَكَرَهَا الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ قَالَ : لِأَصْحَابِنَا فِي تَرْكِهَا أَحَادِيثُ ؛ مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ : سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ فَقَالَ : مَا رَأَيْتُ أَحَدًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّيهِمَا ، وَرَخَّصَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ . قَالَ الزَّيْلَعِيُّ : سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ ثُمَّ الْمُنْذِرِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ فَهُوَ صَحِيحٌ عِنْدَهُمَا . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ : إِسْنَادُهُ حَسَنٌ . قَالَ : وَأَجَابَ الْعُلَمَاءُ عَنْهُ بِأَنَّهُ نَفْيٌ فَتُقَدَّمُ رِوَايَةُ الْمُثْبِتِ ، وَلِكَوْنِهَا أَصَحَّ وَأَكْثَرَ رُوَاةً وَلِمَا مَعَهُمْ مِنْ عِلْمِ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ ابْنُ عُمَرَ ، انْتَهَى .
قُلْتُ : جَوَابُهُمْ هَذَا حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ هَذَا الْجَوَابَ وَأَقَرَّهُ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ .
قَالَ الزَّيْلَعِيُّ : حَدِيثٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِمَا عَنْ حَيَّانِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيِّ ، ثَنَا عَبْيدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قال رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ عِنْدَ كُلِّ أَذَانَيْنِ رَكْعَتَيْنِ مَا خَلَا الْمَغْرِبَ . انْتَهَى ، وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ وَقَالَ : لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ إِلَّا حَيَّانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُوَ رَجُلٌ مَشْهُورٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ لَا بَأْسَ . انْتَهَى كَلَامُهُ ، وقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ : أَخْطَأَ فِيهِ حَيَّانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فِي الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ جَمِيعًا ، أَمَّا السَّنَدُ فَأَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ عَنْ سَعِيدٍ الْجَرِيرِيِّ ، وَكَهْمَسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ . قَالَ فِي الثَّالِثَةِ : لِمَنْ شَاءَ . وَأَمَّا الْمَتْنُ فَكَيْفَ يَكُونُ صَحِيحًا وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ كَهَمْسٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ : وَكَانَ ابْنُ بُرَيْدَةَ يُصَلِّي قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ ، وَفِي رِوَايَةِ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ : قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ . وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ " لِمَنْ شَاءَ " خَشْيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، انْتَهَى . وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْمَوْضُوعَاتِ وَنَقَلَ عَنِ الْفَلَّاسِ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ حَيَّانُ هَذَا كَذَّابًا . انْتَهَى كَلَامُ الزَّيْلَعِيِّ ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَأَمَّا رِوَايَةُ حَيَّانَ فَشَاذَّةٌ ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ صَدُوقًا عِنْدَ الْبَزَّارِ وَغَيْرِهِ لَكِنَّهُ خَالَفَ الْحُفَّاظَ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ فِي إِسْنَادِ الْحَدِيثِ وَمَتْنِهِ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : " وَكَانَ بُرَيْدَةُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ " ، فَلَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مَحْفُوظًا لَمْ يُخَالِفْ بُرَيْدَةُ رَاوِيَهُ ، انْتَهَى .
قُلْتُ : قَالَ الزَّيْلَعِيُّ : حَدِيثٌ آخَرُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي كِتَابِ مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : سَأَلْنَا نِسَاءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ رَأَيْتُنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ ؟ فَقُلْنَ : لَا ، غَيْرَ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ : صَلَّاهُمَا عِنْدِي مَرَّةً ، فَسَأَلْتُهُ مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ ؟ فَقَالَ : نَسِيتُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْعَصْرِ فَصَلَّيْتُهُمَا الْآنَ ، انْتَهَى .
قُلْتُ : عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ فَجَوَابُهُ هُوَ مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ نَقْلًا عَنِ النَّوَوِيِّ مِنْ أَنَّهُ نَفْيٌ ، فَتُقَدَّمُ رِوَايَةُ الْمُثْبِتِ . . . إِلَخْ .
قَالَ الزَّيْلَعِيُّ : حَدِيثٌ آخَرُ مُعْضَلٌ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْآثَارِ أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ أَنَّهُ سَأَلَ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ عَنِ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ فَنَهَاهُ عَنْهَا وَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَهَا ، انْتَهَى .
قُلْتُ : هَذَا الْحَدِيثُ لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ فَإِنَّهُ مُعْضَلٌ ، فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ هِيَ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا مَنْ مَنَعَ الصَّلَاةَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِوَاحِدٍ مِنْهَا .
وَادَّعَى بَعْضُهُمْ بنَسْخَ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ فَقَالَ : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ حَيْثُ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسِ ، فَبَيَّنَ لَهُمْ بِذَلِكَ وَقْتَ الْجَوَازِ ثُمَّ نَدَبَ إِلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْمَغْرِبِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ، فَلَوِ اسْتَمَرَّتِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى الِاشْتِغَالِ بِغَيْرِهَا لَكَانَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى مُخَالَفَةِ إِدْرَاكِ أَوَّلِ وَقْتِهَا .
قُلْتُ : هَذَا ادِّعَاءٌ مَحْضٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَلَا الْتِفَاتَ إِلَيْهِ ، وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وَغَيْرُهُ مِنْ طُرُقٍ قَوِيَّةٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَأُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَأَبِي مُوسَى وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُوَاظِبُونَ عَلَيْهِمَا .
فَإِنْ قُلْتَ : قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي عُمْدَةِ الْقَارِي : ادَّعَى ابْنُ شَاهِينَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ عِنْدَ كُلِّ أَذَانَيْنِ رَكْعَتَيْنِ مَا خَلَا الْمَغْرِبَ . وَيَزِيدُهُ وُضُوحًا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ : سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فَقَالَ : مَا رَأَيْتُ أَحَدًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّيهِمَا ، وَرَخَّصَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ . انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ .
قُلْتُ : قَدْ عَرَفْتَ آنِفًا أَنَّ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ هَذَا شَاذٌّ ، وَالِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ غَيْرُ مَحْفُوظٍ ، قَدْ أَخْطَأَ حَيَّانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الرَّاوِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ فِي الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ " مَا رَأَيْتُ أَحَدًا . . . إِلَخْ " فَقَدْ عَرَفْتَ فِي كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ بِأَنَّهُ نَفْيٌ ، فَتُقَدَّمُ رِوَايَةُ الْمُثْبِتِ وَلِكَوْنِهَا أَصَحَّ وَأَكْثَرَ رُوَاةً وَلِمَا مَعَهُمْ مِنْ عِلْمِ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ ابْنُ عُمَرَ .
فَالْعَجَبُ مِنَ الْعَيْنِيِّ أَنَّهُ ذَكَرَ ادِّعَاءَ ابْنِ شَاهِينَ النَّسْخَ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ بَلْ أَقَرَّهُ ، بَلْ قَالَ : وَيَزِيدُهُ وُضُوحًا . . . إِلَخْ .
( وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ ) ؛ أَيْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِحَضْرَتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ وَتَبَعِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ : كَانَ الْمُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ قَامَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ كَذَلِكَ يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ . زَادَ مُسْلِمٌ : " حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ الْغَرِيبَ لَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ فَيَحْسَبُ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ صُلِّيَتْ مِنْ كَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيهِمَا " ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ : " قَامَ كِبَارُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ، وَفِي قِيَامِ اللَّيْلِ لِمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ : رَأَيْتُ أَبَا تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيَّ يَرْكَعُ الرَّكْعَتَيْنِ حِينَ يَسْمَعُ أَذَانَ الْمَغْرِبِ ، فَأَتَيْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ فَقُلْتُ لَهُ : أَلَا أُعْجِبُكَ مِنْ أَبِي تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيِّ ، عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ؛ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَغْمِصَهُ ! فَقَالَ عُقْبَةُ : إِنَّمَا كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَمَا يَمْنَعُكَ الْآنَ ؟ قَالَ : الشُّغْلُ .
وَعَنْ زِرٍّ : قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَلَزِمْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ، وَأَبِيَّ بْنَ كَعْبٍ ، فَكَانَا يُصَلِّيَانِ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ لَا يَدَعَانِ ذَلِكَ .
وَعَنْ رَغْبَانَ مَوْلَى حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ قَالَ : لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهُبُّونَ إِلَيْهِمَا كَمَا يَهُبُّونَ إِلَى الْمَكْتُوبَةِ ؛ يَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ .
وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ أَنَّهُ كَانَ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ لَمْ يَدَعْهُمَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ ، وَكَانَ يَقُولُ : إِنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ كَانَ يَرْكَعُهُمَا ، يَقُولُ : لَا أَدَعُهُمَا وَإِنْ ضُرِبْتُ بِالسِّيَاطِ .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الثَّقَفِيُّ : رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ .
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ صَحِبَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه إِلَى الشَّامِ ، فَلَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ كُلِّ أَذَانٍ .
وَسُئِلَ قَتَادَةُ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ فَقَالَ : كَانَ أَبُو بَرْزَةَ يُصَلِّيهِمَا ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَريدة ، وَيَحْيَى بْنُ عَقِيلٍ يُصَلِّيَانِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ ، وَعَنِ الْحَكَمِ : رَأَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى يُصَلِّي قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ . وَسُئِلَ الْحَسَنُ عَنْهُمَا فَقَالَ : حَسَنَتَيْنِ وَاَللَّهِ جَمِيلَتَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ اللَّهَ بِهِمَا . وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ : حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ إِذَا أَذَّنَ أَنْ يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ . وَكَانَ الْأَعْرَجُ ، وَعَامِرُ بْنُ عُبَدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ يَرْكَعُهُمَا ، وَأَوْصَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه وَلَدَهُ أَنْ لَا يَدَعَوهُمَا ، وَعَنْ مَكْحُولٍ : عَلَى الْمُؤَذِّنِ أَنْ يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ عَلَى إِثْرِ التَّأْذِينِ . وَعَنِ الْحَكَمِ الصَّلْتِ : رَأَيْتُ عِرَاكَ بْنَ مَالِكٍ إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ بِالْمَغْرِبِ قَامَ فَصَلَّى سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ الصَّلَاةِ . وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهم : إِنْ كَانَ الْمُؤَذِّنُ لَيُؤَذِّنُ بِالْمَغْرِبِ ثُمَّ تُقْرَعُ الْمَجَالِسُ مِنَ الرِّجَالِ يُصَلُّونَهُمَا . انْتَهَى مَا فِي كِتَابِ قِيَامِ اللَّيْلِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ ، وَفِيهِ آثَارٌ أُخْرَى مَنْ شَاءَ الْوُقُوفَ عَلَيْهَا فَلْيَرْجِعْ إِلَيْهِ .
ثُمَّ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِيهِ : مَنْ لَمْ
يَرْكَعِ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ ، فَقَالَ : عَنِ النَّخَعِيِّ ، قَالَ : كَانَ بِالْكُوفَةِ مِنْ خِيَارِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ ، وَأَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ، وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ، فَأَخْبَرَنِي مَنْ رَمَقَهُمْ كُلَّهُمْ فَمَا رَأَى أَحَدًا مِنْهُمْ يُصَلِّيهِمَا قَبْلَ الْمَغْرِبِ . وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ كَانُوا لَا يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ ، وَقِيلَ لِإِبْرَاهِيمَ : إِنَّ ابْنَ أَبِي هُذَيْلٍ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْمَغْرِبِ . قَالَ : إِنَّ ذَاكَ لَا يُعْلَمُ ، انْتَهَى .
وَقَالَ : لَيْسَ فِي حِكَايَةِ هَذَا الَّذِي رَوَى عَنْهُ إِبْرَاهِيمُ أَنَّهُ رَمَقَهُمْ فَلَمْ يَرَهُمْ يُصَلُّونَهُمَا دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهَتِهِمْ لَهُمَا ، إِنَّمَا تَرَكُوهُمَا لِأَنَّ تَرْكَهُمَا كَانَ مُبَاحًا ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَكَى عَنْهُمْ مَنْ حَكَى أَنَّهُ رَمَقَهُمْ فَلَمْ يَرَهُمْ يُصَلُّونَهُمَا قَدْ صَلَّوْهُمَا فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الَّذِي رَمَقَهُمْ . انْتَهَى كَلَامُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ .
قُلْتُ : عَلَى أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ لَمْ يَلْقَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا عَائِشَةَ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهَا شَيْئًا ، فَفِي أَثَرِهِ الْأَوَّلِ مَجْهُولٌ وَفِي أَثَرِهِ الثَّانِي انْقِطَاعٌ ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا كُلِّهِ ظَهَرَ لَكَ بُطْلَانُ قَوْلِ الْقَاضِي أَبِي بَكْر بن الْعَرَبِيِّ : اخْتَلَفَ فِيهَا الصَّحَابَةُ وَلَمْ يَفْعَلْهَا أَحَدٌ بَعْدَهُمْ ، وَكَذَلِكَ ظَهَرَ بُطْلَانُ قَوْلِ مَنْ قَالَ بِنَسْخِ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ بِأَثَرِ النَّخَعِيِّ الْمَذْكُورِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَالْمَنْقُولُ عَنِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْهُمْ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ ، وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى النَّسْخِ وَلَا الْكَرَاهَةِ .
( وَقَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ : إِنْ صَلَّاهُمَا فَحَسَنٌ . وَهَذَا عِنْدَهُمَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : إِلَى اسْتِحْبَابِهِمَا ذَهَبَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي كِتَابِ قِيَامِ اللَّيْلِ : وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ أَحَادِيثُ جِيَادٌ - أَوْ قَالَ صِحَاحٌ - عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ ، وَذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِلَّا أَنَّهُ قَالَ " لِمَنْ شَاءَ " فَمَنْ شَاءَ صَلَّى . قِيلَ لَهُ : قَبْلَ الْأَذَانِ أَمْ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ ؟ فَقَالَ : بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ . ثُمَّ قَالَ : وَإِنْ صَلَّى إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَحَلَّتِ الصَّلَاةُ ؛ أَيْ فَهُوَ جَائِزٌ ، قَالَ : هَذَا شَيْءٌ يُنْكِرُهُ النَّاسُ ، وَتَبَسَّمَ كَالْمُتَعَجِّبِ مِمَّنْ يُنْكِرُ ذَلِكَ ، وَسُئِلَ عَنْهُمَا فَقَالَ : أَنَا لَا أَفْعَلُهُ ، وَإِنْ فَعَلَهُ رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ . انْتَهَى مَا فِي قِيَامِ اللَّيْلِ .
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : مَا فَعَلْتُهُمَا إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً حَتَّى سَمِعْتُ الْحَدِيثَ ، انْتَهَى .
وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِاسْتِحْبَابِهِمَا بِأَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ صَرِيحَةٍ ؛ مِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ كَمَا عَرَفْتَ .
وَمِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ .
وَمِنْهَا حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَتَقَدَّمَ لَفْظُهُ .
وَمِنْهَا حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَتَقَدَّمَ لَفْظُهُ نَقْلًا عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .
وَمِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، وَأَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ بِلَفْظِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ : صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ عِنْدَ الثَّالِثَةِ : لِمَنْ شَاءَ ؛ خَافَ أَنْ يَحْسَبَهَا النَّاسُ سُنَّةً . قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَحْمَدَ الْمَقْرِيزِيُّ فِي مُخْتَصَرِ قِيَامِ اللَّيْلِ : هَذَا إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ، وَقَدْ صَحَّ فِي ابْنِ حِبَّانَ حَدِيثُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ . فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ هِيَ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا مَنْ قَالَ بِاسْتِحْبَابِ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ ، وَهُوَ الْحَقُّ .