بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ أَنْ يَأْخُذَ الْمُؤَذِّنُ عَلَى الْأَذَانِ أَجْرًا
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ نا أَبُو زُبَيْدٍ ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنْ حسن ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ : إِنَّ مِنْ آخِرِ مَا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ اتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا . قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ عُثْمَانَ حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ كَرِهُوا أَنْ يَأْخُذَ عَلَى الْأَذَانِ أَجْرًا ، وَاسْتَحَبُّوا لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَحْتَسِبَ فِي أَذَانِهِ . بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ أَنْ يَأْخُذَ الْمُؤَذِّنُ عَلَى الْأَذَانِ أَجْرًا قَوْلُهُ : ( نَا أَبُو زُبَيْدٍ ) بِالتَّصْغِيرِ ، اسْمُهُ عَبْثَرُ ابْنُ الْقَاسِمِ الزُّبَيْدِيُّ - بِالضَّمِّ - الْكُوفِيُّ ، ثِقَةٌ ، مِنَ الثَّامِنَةِ ( عَنْ أَشْعَثَ ) هُوَ ابْنُ سَوَّارٍ الْكِنْدِيُّ النَّجَّارُ الْكُوفِيُّ مَوْلَى ثَقِيفٍ ، وَيُقَالُ لَهُ : أَشْعَثُ النَّجَّارُ ، وَأَشْعَثُ التَّابُوتِيُّ ، وَأَشْعَثُ الْأَفْرَقُ ، رَوَى عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَغَيْرِهِمَا ، وَرَوَى عَنْهُ شُعْبَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَعَبْثَرُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُمْ ، قَالَهُ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ ، وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ : ضَعِيفٌ ، وَقَالَ الْخَزْرَجِيُّ : حَدِيثُهُ فِي مُسْلِمٍ مُتَابَعَةٌ .
( عَنِ الْحَسَنِ ) هُوَ الْبَصْرِيُّ ( عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ) صَحَابِيٌّ شَهِيرٌ اسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الطَّائِفِ ، وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بِالْبَصْرَةِ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ مِنْ آخِرِ مَا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَيْ حِينَ تَوْدِيعِهِ إِلَى الطَّائِفِ لِلْعَمَلِ ( أَنِ اتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا ) فِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَنهْ يُكْرَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ على الأذان ، وَقَدْ عَقَدَ ابْنُ حِبَّانَ تَرْجَمَةً عَلَى الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ ، وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ أَنَّهُ قَالَ : فَأَلْقَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَذَانَ فَأَذَّنْتُ ، ثُمَّ أَعْطَانِي حِينَ قَضَيْتُ التَّأْذِينَ صُرَّةً فِيهَا شَيْءٌ مِنْ فِضَّةٍ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا النَّسَائِيُّ ، قَالَ الْيَعْمُرِيُّ : وَلَا دَلِيلَ فِيهِ لِوَجْهَيْنِ : الْأَوَّلُ أَنَّ قِصَّةَ أَبِي مَحْذُورَةَ أَوَّلَ مَا أَسْلَمَ ؛ لِأَنَّهُ أعطا حِينَ عَلَّمَهُ الْأَذَانَ ، وَذَلِكَ قَبْلَ إِسْلَامِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الرَّاوِي لِحَدِيثِ النَّهْيِ ، فَحَدِيثُ عُثْمَانَ مُتَأَخِّرٌ ، الثَّانِي أَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا الِاحْتِمَالُ ، وَأَقْرَبُ الِاحْتِمَالَاتِ فِيهَا أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ التَّأْلِيفِ ؛ لِحَدَاثَةِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ ، كَمَا أَعْطَى حِينَئِذٍ غَيْرَهُ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ، وَوَقَائِعُ الْأَحْوَالِ إِذَا تَطَرَّقَ إِلَيْهَا الِاحْتِمَالُ سَلَبَهَا الِاسْتِدْلَالَ لِمَا يَبْقَى فِيهَا مِنَ الْإِجْمَالِ ، قَالَ الشَّوْكَانِيُّ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ ابْنِ سَيِّدِ النَّاسِ : هَذَا ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يَرِدُ عَلَى مَنْ قَالَ : إِنَّ الْأُجْرَةَ إِنَّمَا تَحْرُمُ إِذَا كَانَتْ مَشْرُوطَةً لَا إِذَا أُعْطِيهَا بِغَيْرِ مَسْأَلَةٍ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِمِثْلِ هَذَا حَسَنٌ . قُلْتُ : مَا قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي وَجْهِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ لَا شَكَّ فِي حُسْنِهِ .
قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ عُثْمَانَ حَدِيثٌ حَسَنٌ ) قَالَ فِي الْمُنْتَقَى بَعْدَ ذِكْرِهِ : رَوَاهُ الْخَمْسَةُ ، وَقَالَ فِي النَّيْلِ : صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ : وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ ، عَنْ يَحْيَى الْبَكَّالِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ عُمَرَ : إِنِّي لَأُحِبُّكَ فِي اللَّهِ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ : إِنِّي لَأَبْغَضُكَ فِي اللَّهِ ، فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ وَتَبْغَضُنِي فِي اللَّهِ ؟! قَالَ : نَعَمْ ، إِنَّكَ تَسْأَلُ على أَذَانِكَ أَجْرًا . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : أَرْبَعٌ لَا يُؤْخَذُ عَلَيْهِنَّ أَجْرٌ : الْأَذَانُ ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ ، وَالْمَقَاسِمُ ، وَالْقَضَاءُ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ كَرِهُوا أَنْ يَأْخُذَ عَلَى الْأَذَانِ أَجْرًا ، وَاسْتَحَبُّوا لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَحْتَسِبَ فِي أَذَانِهِ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَخْذُ الْمُؤَذِّنِ عَلَى أَذَانِهِ مَكْرُوهٌ بِحَسَبِ مَذَاهِبِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، قَالَ الْحَسَنُ : أَخْشَى أَنْ لَا تَكُونَ صَلَاتُهُ خَالِصَةً ، وَكَرِهَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ : يُرْزَقُ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ مِنْ سَهْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَإِنَّهُ مُرْصَدٌ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَالَ فِي النَّيْلِ : قَدْ ذَهَبَ إِلَى تَحْرِيمِ الْأَجْرِ شَرْطًا عَلَى الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ الْهَادِي ، وَالْقَاسِمُ ، وَالنَّاصِرُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمْ ، وَقَالَ مَالِكٌ : لَا بَأْسَ بِأَخْذِ الْأَجْرِ عَلَى ذَلِكَ .
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يُجَاعِلُ عَلَيْهِ وَلَا يُؤَاجِرُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ : أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُونَ مُتَطَوِّعِينَ ، قَالَ : وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَرْزُقَهُمْ وَهُوَ يَجِدُ مَنْ يُؤَذِّنُ مُتَطَوِّعًا مِمَّنْ لَهُ أَمَانَةٌ إِلَّا أَنْ يَرْزُقَهُمْ مِنْ مَالِهِ ، قَالَ : وَلَا أَحْسَبُ أَحَدًا بِبَلَدٍ كَثِيرِ الْأَهْلِ يُعْوِزُهُ أَنْ يَجِدَ مُؤَذِّنًا أَمِينًا يُؤَذِّنُ مُتَطَوِّعًا ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَرْزُقَ مُؤَذِّنًا ، وَلَا يَرْزُقُهُ إِلَّا مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ الْفَضْلِ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : الصَّحِيحُ جَوَازُ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى الْأَذَانِ وَالصَّلَاةِ وَالْقَضَاءِ وَجَمِيعِ الْأَعْمَالِ الدِّينِيَّةِ ؛ فَإِنَّ الْخَلِيفَةَ يَأْخُذُ أُجْرَتَهُ عَلَى هَذَا كُلِّهِ ، وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَأْخُذُ النَّائِبُ أُجْرَةً كَمَا يَأْخُذُ الْمُسْتَنيِبُ ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ .
انْتَهَى . فَقَاسَ الْمُؤَذِّنَ عَلَى الْعَامِلِ وَهُوَ قِيَاسٌ فِي مُصَادَمَةِ النَّصِّ ، وَفُتْيَا ابْنِ عُمَرَ الَّتِي مَرَّتْ لَمْ يُخَالِفْهَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْيَعْمُرِيُّ ، كَذَا فِي النَّيْلِ . قُلْتُ : الْقَوْلُ الرَّاجِحُ عِنْدِي هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .