حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

بَاب مَا جَاءَ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ أُنَيْسِ بْنِ أَبِي يَحْيَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : امْتَرَى رَجُلٌ مِنْ بَنِي خُدْرَةَ وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى فَقَالَ الْخُدْرِيُّ : هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ الْآخَرُ : هُوَ مَسْجِدُ قُبَاءٍ . فَأَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : هُوَ هَذَا - يَعْنِي مَسْجِدَهُ - وَفِي ذَلِكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى الْأَسْلَمِيِّ فَقَالَ : لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ ، وَأَخُوهُ أُنَيْسُ بْنُ أَبِي يَحْيَى أَثْبَتُ مِنْهُ .

( بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى ) قَوْلُهُ : ( عَنْ أُنَيْسِ بْنِ أَبِي يَحْيَى ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ - مُصَغَّرٌ - الْأَسْلَمِيِّ ، وَاسْمُ أَبِي يَحْيَى سَمْعَانُ ، ثِقَةٌ ( عَنْ أَبِيهِ ) سَمْعَانَ الأسلمي الْمَدَنِيِّ ، لَا بَأْسَ بِهِ . قَوْلُهُ : ( امْتَرَى رَجُلٌ ) وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ تَمَارَى ، قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ : الِامْتِرَاءُ وَالْمُمَارَاةُ الْمُجَادَلَةُ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمَا تَنَازَعَا وَاخْتَلَفَا ( فَقَالَ : هُوَ ) أَيِ الْمَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ ( هَذَا ) أَيْ هَذَا الْمَسْجِدُ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ : هُوَ مَسْجِدِي . ( يَعْنِي مَسْجِدَهُ ) هَذَا قَوْلُ الرَّاوِي ؛ يُفَسِّرُ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا ( وَفِي ذَلِكَ ) أَيْ مَسْجِدِ قُبَاءٍ ( خَيْرٌ كَثِيرٌ ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ يَعْنِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ ، وَهَذَا قَوْلُ الرَّاوِي يُفَسِّرُ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ ، أَيْ يُرِيدُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ مَسْجِدَ قُبَاءٍ .

وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى هُوَ الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : قَدِ اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ؛ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَسْجِدُ قُبَاءٍ وَهُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ . وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى فَقَالَ : هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا .

وَلِأَحْمَدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ : اخْتَلَفَ رَجُلَانِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا : هُوَ مَسْجِدُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ الْآخَرُ : هُوَ مَسْجِدُ قُبَاءٍ ، فَأَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَأَلَاهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : هُوَ هَذَا ، وَفِي ذَلِكَ - يَعْنِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ - خَيْرٌ كَثِيرٌ . وَلِأَحْمَدَ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ نَحْوَهُ . وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا .

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : هَذَا السُّؤَالُ صَدَرَ ممَّنْ ظَهَرَتْ لَهُ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ فِي اشْتِرَاكِهِمَا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا بَنَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فلذلك سئل النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَسْجِدُهُ . وَكَأَنَّ الْمَزِيَّةَ الَّتِي اقْتَضَتْ تَعْيِينَهُ دُونَ مَسْجِدِ قُبَاءٍ لَمْ يَكُنْ بِنَاؤُهُ بِأَمْرِ جَزْمٍ مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ ، أَوْ كَانَ رَأْيًا رَآهُ بِخِلَافِ مَسْجِدِهِ ، أَوْ كَانَ حَصَلَ لَهُ أَوْ لِأَصْحَابِهِ فِيهِ مِنَ الْأَحْوَالِ الْقَلْبِيَّةِ مَا لَمْ يَحْصُلْ لِغَيْرِهِ ، انْتَهَى . قَالَ الْحَافِظُ : يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْمَزِيَّةُ لِمَا اتُّفِقَ مِنْ طُولِ إِقَامَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ ، بِخِلَافِ مَسْجِدِ قُبَاءٍ ، فَمَا أَقَامَ بِهِ إِلَّا أَيَّامًا قَلَائِلَ ، وَكَفَى بِهَذَا مَزِيَّةً مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى مَا تَكَلَّفَهُ الْقُرْطُبِيُّ .

وَالْحَقُّ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى . وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي بَقِيَّةِ الْآيَةِ : فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا يُؤَيِّدُ كَوْنَ الْمُرَادِ مَسْجِدَ قُبَاءٍ . وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : نَزَلَتْ : فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا فِي أَهْلِ قُبَاءٍ ؛ وَعَلَى هَذَا فَالسِّرُّ فِي جَوَابِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ الْمَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مَسْجِدُهُ - رَفْعُ تَوَهُّمِ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِمَسْجِدِ قُبَاءٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

قَالَ الدَّاوُدِيُّ وَغَيْرُهُ : لَيْسَ هَذَا اخْتِلَافًا ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى ، وَكَذَا قَالَ السُّهَيْلِيُّ ، وَزَادَ غَيْرُهُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَسْجِدُ قُبَاءٍ ; لِأَنَّ تَأْسِيسَهُ كَانَ فِي يَوْمِ حَلَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدَارِ الْهِجْرَةِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث