بَاب مَا جَاءَ فِي النَّهْيِ عَنْ الِاخْتِصَارِ فِي الصَّلَاةِ
بَاب مَا جَاءَ فِي النَّهْيِ عَنْ الِاخْتِصَارِ فِي الصَّلَاةِ
383 حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، نَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا . وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ عُمَرَ . قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَقَدْ كَرِهَ قوم من أَهْلِ الْعِلْمِ الِاخْتِصَارَ فِي الصَّلَاةِ . وَالِاخْتِصَارُ هو أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ فِي الصَّلَاةِ ، وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَمْشِيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا ، وَيُرْوَى أَنَّ إِبْلِيسَ إِذَا مَشَى يمشي مُخْتَصِرًا .
( بَابُ مَا جَاءَ فِي النَّهْيِ عَنِ الِاخْتِصَارِ فِي الصَّلَاةِ ) الْمُرَادُ مِنَ الِاخْتِصَارِ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْخَاصِرَةِ .
قَوْلُهُ : ( نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : قَدْ فَسَّرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي رِوَايَتِهِ فَقَالَ : قَالَ ابْنُ سِيرِينَ : هُوَ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ وَهُوَ يُصَلِّي ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو دَاوُدَ وَنَقَلَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ تَفْسِيرِهِ ، وَحَكَى الْهَرَوِيُّ فِي الْغَرِيبَيْنِ أَنَّ
الْمُرَادَ بِالِاخْتِصَارِ قِرَاءَةُ آيَةٍ أَوْ آيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ السُّورَةِ ، وَقِيلَ أَنْ يَحْذِفَ الطُّمَأْنِينَةَ ، وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ وَإِنْ كَانَ أَخْذُهُمَا مِنَ الِاخْتِصَارِ مُمْكِنًا لَكِنَّ رِوَايَةَ التَّخَصُّرِ وَالْخَصْرِ تَأْبَاهُمَا . وَقِيلَ الِاخْتِصَارُ أَنْ يَحْذِفَ الْآيَةَ الَّتِي فِيهَا السَّجْدَةُ إِذَا مَرَّ بِهَا فِي قِرَاءَتِهِ حَتَّى لَا يَسْجُدَ فِي الصَّلَاةِ لِتِلَاوَتِهَا ، حَكَاهُ الْغَزَالِيُّ ، وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنْ يَمْسِكَ بِيَدِهِ مِخْصَرَةً أَيْ عَصًا يَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا فِي الصَّلَاةِ ، وَأَنْكَرَ هَذَا ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ فَأَبْلَغَ ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ : صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ فَوَضَعْتُ يَدَيَّ عَلَى خَاصِرَتِي فَلَمَّا صَلَّى قَالَ : هَذَا الصَّلْبُ فِي الصَّلَاةِ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْهُ .
قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ) تَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُ وَلَفْظُهُ آنِفًا .
قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ .
قَوْلُهُ : ( وَقَدْ كَرِهَ قوم من أَهْلِ الْعِلْمِ الِاخْتِصَارَ فِي الصَّلَاةِ ) قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ ص 732 ج 3 : اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الْخَصْرِ فِي الصَّلَاةِ فَكَرِهَهُ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةُ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَأَبُو مِجْلَزٍ وَآخَرُونَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى تَحْرِيمِ الِاخْتِصَارِ فِي الصَّلَاةِ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، انْتَهَى كَلَامُهُ . قُلْتُ : الظَّاهِرُ مَا قَالَهُ أَهْلُ الظَّاهِرِ لِعَدَمِ قِيَامِ قَرِينَةٍ تَصْرِفُ النَّهْيَ عَنِ التَّحْرِيمِ الَّذِي هُوَ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ كَمَا هُوَ الْحَقُّ ( وَالِاخْتِصَارُ هُوَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ فِي الصَّلَاةِ ) وَهَذَا التَّفْسِيرُ هُوَ الْمَشْهُورُ وَهُوَ الْحَقُّ .
فَائِدَةٌ : اخْتُلِفَ فِي حِكْمَةِ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ ، فَقِيلَ لِأَنَّ إِبْلِيسَ أُهْبِطَ مُخْتَصِرًا . أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ مَوْقُوفًا ، وَقِيلَ لِأَنَّ الْيَهُودَ تُكْثِرُ مِنْ فِعْلِهِ فَنَهَى عَنْهُ كَرَاهَةً لِلتَّشَبُّهِ بِهِمْ . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْ عَائِشَةَ ، زَادَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِيهِ فِي الصَّلَاةِ ، وَفِي رِوَايَةٍ له : لَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ . وَقِيلَ لِأَنَّهُ رَاحَةُ أَهْلِ النَّارِ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْحَقْوِ اسْتِرَاحَةُ أَهْلِ النَّارِ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ صِفَةُ الرَّاجِزِ حِينَ يُنْشِدُ ، رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ فِعْلُ الْمُتَكَبِّرِينَ حَكَاهُ الْمُهَلَّبُ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ فِعْلُ أَهْلِ الْمَصَائِبِ حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ . قَالَ الْحَافِظُ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ : وَقَوْلُ عَائِشَةَ أَعْلَى مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْجَمِعِ ، انْتَهَى
قَوْلُهُ : ( وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَمْشِيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا وَيُرْوَى أَنَّ إِبْلِيسَ إِذَا مَشَى يَمْشِي مُخْتَصِرًا ) لَمْ أَقِفْ عَلَى مَنْ أَخْرَجَهُ .