بَاب مَا جَاءَ فِي كَمْ تُقْصَرُ الصَّلَاةُ
بَاب مَا جَاءَ فِي كَمْ تُقْصَرُ الصَّلَاةُ
548 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، نَا هُشَيْمٌ ، نا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ ، نا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ . قَالَ : قُلْتُ لِأَنَسٍ : كَمْ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ ؟ قَالَ : عَشْرًا . وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَامَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ تِسْعَ عَشْرَةَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَنَحْنُ إِذَا أَقَمْنَا مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ تِسْعَ عَشْرَةَ صَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ ، وَإِنْ زِدْنَا عَلَى ذَلِكَ أَتْمَمْنَا الصَّلَاةَ .
وَرُوِي عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ قَامَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ أَتَمَّ الصَّلَاةَ ، وَرُوِي عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَقَامَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَتَمَّ الصَّلَاةَ ، ورُوِيَ عَنْهُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ ، وَرُوِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا أَقَامَ أَرْبَعًا صَلَّى أَرْبَعًا ، وَرَوَى ذلك عَنْهُ قَتَادَةُ ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ ، وَرَوَى عَنْهُ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ خِلَافَ هَذَا .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ بَعْدُ فِي ذَلِكَ ؛ فَأَمَّا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ فَذَهَبُوا إِلَى تَوْقِيتِ خَمْسَ عَشْرَةَ ، وَقَالُوا : إِذَا أَجْمَعَ عَلَى إِقَامَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِذَا أَجْمَعَ عَلَى إِقَامَةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ ، وَقَالَ مَالِكُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ : إِذَا أَجْمَعَ عَلَى إِقَامَةِ أَرْبَعَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ ، وَأَمَّا إِسْحَاقُ فَرَأَى أَقْوَى الْمَذَاهِبِ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : لِأَنَّهُ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ تَأَوَّلَهُ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَجْمَعَ عَلَى إِقَامَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ ، ثُمَّ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ للْمُسَافِرَ أن يَقْصُرُ مَا لَمْ يُجْمِعْ إِقَامَةً وَإِنْ أَتَى عَلَيْهِ سِنُونَ .
( بَابُ مَا جَاءَ فِي كَمْ تُقْصَرُ الصَّلَاةُ ) يُرِيدُ بَيَانَ الْمُدَّةِ الَّتِي إِذَا أَرَادَ الْمُسَافِرُ الْإِقَامَةَ فِي مَوْضِعٍ إِلَى تِلْكَ الْمُدَّةِ يُتِمُّ الصَّلَاةَ ، وَإِذَا أَرَادَ الْإِقَامَةَ إِلَى أَقَلَّ مِنْهَا يَقْصُرُ ، وَقَدْ عَقَدَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بَابًا بِلَفْظِ : بَابُ فِي كَمْ تُقْصَرُ الصَّلَاةُ . لَكِنَّهُ أَرَادَ بَيَانَ الْمَسَافَةِ الَّتِي إِذَا أَرَادَ الْمُسَافِرُ الْوُصُولَ إِلَيْهَا جَازَ لَهُ الْقَصْرُ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ فِي أَقَلَّ مِنْهَا .
قَوْلُهُ : ( خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ ) أَيْ مُتَوَجِّهِينَ إِلَى مَكَّةَ لِحِجَّةِ الْوَدَاعِ ( فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ) أَيْ فِي الرُّبَاعِيَّةِ ، وَفِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ عَلَى مَا فِي الْمِشْكَاةِ : فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ ( قَالَ : عَشْرًا ) أَيْ أَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرًا ، قَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ : الْحَدِيثُ بِظَاهِرِهِ يُنَافِي مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّهُ إِذَا أَقَامَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ يَجِبُ الْإِتْمَامُ ، انْتَهَى .
قُلْتُ : قَدْ نَقَلَ الْقَارِي عَنِ ابْنِ حَجَرٍ الْهَيْثمِيِّ مَا لَفْظُهُ : لَمْ يُقِمِ الْعَشْرَ الَّتِي أَقَامَهَا لِحِجَّةِ الْوَدَاعِ بِمَوْضِعٍ وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَهَا يَوْمَ الْأَحَدِ وَخَرَجَ مِنْهَا صَبِيحَةَ الْخَمِيسِ ، فَأَقَامَ بِمِنًى ، وَالْجُمُعَةَ بِنَمِرَةَ وَعَرَفَاتٍ ، ثُمَّ عَادَ السَّبْتَ بِمِنًى لِقَضَاءِ نُسُكِهِ ثُمَّ بِمَكَّةَ لِطَوَافِ الْإِفاضةِ ، ثُمَّ بِمِنًى يَوْمَهُ ، فَأَقَامَ بِهَا بَقِيَّتَهُ ، وَالْأَحَدَ وَالْاثْنَيْنَ وَالثُّلَاثَاءَ إِلَى الزَّوَالِ ، ثُمَّ نَفَرَ فَنَزَلَ بِالْمُحَصَّبِ ، وَطَافَ فِي لَيْلَتِهِ لِلْوَدَاعِ ، ثُمَّ رَحَلَ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، فلِتَفَرُّقِ إِقَامَتِهِ قَصَرَ فِي الْكُلِّ .
وَبِهَذَا أَخَذْنَا أَنَّ لِلْمُسَافِرِ إِذَا دَخَلَ مَحَلًّا أَنْ يَقْصُرَ فِيهِ مَا لَمْ يَصِرْ مُقِيمًا ، أَوْ يَنْوِ إِقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ غَيْرَ يَوْمَيِ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ ، أَوْ يُقِيمُهَا ، وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ : يُقِيمُ الْمُهَاجِرُ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا ، وَكَانَ يَحْرُمُ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ الْإِقَامَةُ بِمَكَّةَ وَمُسَاكَنَةُ الْكُفَّارِ كَمَا رَوَيَاهُ أَيْضًا . فَالْإِذْنُ فِي الثَّلَاثَةِ يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ حُكْمِ السَّفَرِ فِيهَا بِخِلَافِ الْأَرْبَعَةِ ، انْتَهَى .
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي : قَدِمَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَصْحَابُهُ لِصُبْحِ رَابِعَةٍ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ خَرَجَ صُبْحَ الرَّابِعِ عَشَرَ فَتَكُونُ مُدَّةُ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ وَضَوَاحِيهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا كَمَا قَالَ أَنَسٌ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- ، وَتَكُونُ مُدَّةُ إِقَامَتِهِ بِمَكَّةَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ سَوَاءً ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا أَقَامَ بِبَلْدَةٍ قَصَرَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : إِحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ .
قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٍ ) ،
أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ ،
وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ .
قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ .
قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ أَقَامَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ) أَيْ فِي فَتْحِ مَكَّةَ ،
وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ الْمُتَقَدِّمُ فَكَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ قَالَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ( تِسْعَ عَشْرَةَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ) ، وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ سَبْعَ عَشْرَةَ ، وَفِي أُخْرَى لَهُ عَنْهُ خَمْسَ عَشْرَةَ ، وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ : شَهِدْتُ مَعَهُ الْفَتْحَ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَة لَيْلَةً لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ وَيَقُولُ : يَا أَهْلَ الْبَلَدِ صَلُّوا أَرْبَعًا فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ .
( قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَنَحْنُ إِذَا أَقَمْنَا مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ تِسْعَ عَشْرَةَ صَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ ، وَإِنْ زِدْنَا عَلَى ذَلِكَ أَتْمَمْنَا الصَّلَاةَ ) هَذَا هُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- ، وَبِهِ أَخَذَ إِسْحَاقُ ابْنُ رَاهَوَيْهِ وَرَآهُ أَقْوَى الْمَذَاهِبِ ( وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَقَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ أَتَمَّ الصَّلَاةَ ) أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِلَفْظِ : إِذَا أَقَمْتَ بِأَرْضٍ عَشْرًا فَأَتْمِمْ ، فَإِنْ قُلْتَ : أَخْرَجُ الْيَوْمَ أَوْ غَدًا فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ ، وَإِنْ أَقَمْتَ شَهْرًا ( وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَال : مَنْ أَقَامَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَتَمَّ الصَّلَاةَ ) أَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْآثَارِ ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ ، ثَنَا مُوسَى بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : إِذَا كُنْتَ مُسَافِرًا فَوَطَّنْتَ نَفْسَكَ عَلَى إِقَامَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَأَتْمِمِ الصَّلَاةَ ، وَإِنْ كُنْتَ لَا تَدْرِي فَأَقْصِرِ الصَّلَاةَ ، وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ قَالَا : إِذَا قَدِمْتَ بَلْدَةً وَأَنْتَ مُسَافِرٌ وَفِي نَفْسِكَ أَنْ تُقِيمَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَتِمَّ الصَّلَاةَ ، ( وَرُوِيَ عَنْهُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ ) ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ . كَذَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ لِسِرَاجِ أَحْمَدَ السَّرْهَنْدِيِّ . . . . . . .
( وَرَوَى عَنْهُ دَاوُدَ بْنُ أَبِي هِنْدٍ خِلَافَ هَذَا ) رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْحُجَجِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ : إِذَا قَدِمْتَ بَلْدَةً فَأَقَمْتَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ ، ( وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ بَعْدُ ) بالْبِنَاء عَلَى الضَّمِّ ؛ أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ ( فِي ذَلِكَ ) أَيْ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ مُدَّةِ الْإِقَامَةِ ، ( فَأَمَّا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ فَذَهَبُوا إِلَى تَوْقِيتِ خَمْسِ عَشْرَةَ وَقَالُوا إِذَا أَجْمَعَ ) أَيْ نَوَى ( عَلَى إِقَامَةِ خَمْسِ عَشْرَةَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ خَمْسَ عَشْرَةَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِنَحْوِهِ وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَاخْتُلِفَ عَلَى ابْنِ إِسْحَاقَ فِيهِ ؛ فَرَوَى مِنْهُ مُسْنَدًا وَمُرْسَلًا ، وَرُوِيَ عَنْهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ مِنْ قَوْلِهِ انْتَهَى .
وَقَدْ ضَعَّفَ النَّوَوِيُّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ ، لَكِنْ تَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي حَيْثُ قَالَ : وَأَمَّا رِوَايَةُ خَمْسَةِ عَشَرَ فَضَعَّفَهَا النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ ؛ لِأَنَّ رُوَاتَهَا ثِقَاتٌ وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهَا ابْنُ إِسْحَاقَ ، فَقَدْ أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عِرَاقِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ
عُبَيْدِ اللَّهِ كَذَلِكَ فَهِيَ صَحِيحَةٌ ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ .
وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِأَثَرِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ تَوْقِيتُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ كَمَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ ( وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِذَا أَجْمَعَ عَلَى إِقَامَةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ ) قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : لَا يُعْرَفُ لَهُ مُسْتَنَدٌ شرْعِيٌّ وَإِنَّمَا ذَلِكَ اجْتِهَادٌ مِنْ نَفْسِهِ ، انْتَهَى .
قُلْتُ : لَعَلَّهُ اسْتَنَدَ بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ تَوْقِيتِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ .
( وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ : إِذَا أَجْمَعَ عَلَى إِقَامَةِ أَرْبَعٍ أَتَمَّ الصَّلَاةَ ) . قَالَ فِي السُّبُلِ صَفْحَةِ 156 : وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُثْمَانَ ، وَالْمُرَادُ غَيْرُ يَوْمِ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَنْعِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمُهَاجِرِينَ بَعْدَ مُضِيِّ النُّسُكِ أَنْ يَزِيدُوا عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي مَكَّةَ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ بِالْأَرْبَعَةِ الْأَيَّامِ يَصِيرُ مُقِيمًا ، انْتَهَى .
قُلْتُ : وَرُدَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ بِأَنَّ الثَّلَاثَ قَدْرُ قَضَاءِ الْحَوَائِجِ لَا لِكَوْنِهَا غَيْرَ إِقَامَةٍ ، وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِمَا رَوَى مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ أَسْلَمَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَجْلَى الْيَهُودَ مِنَ الْحِجَازِ ، ثُمَّ أَذِنَ لِمَنْ قَدِمَ مِنْهُمْ تَاجِرًا أَنْ يُقِيمَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : صَحَّحَهُ أَبُو زُرْعَةَ .
( أَمَّا إِسْحَاقُ ) يَعْنِي ابْنَ رَاهَوَيْهِ ، ( فَرَأَى أَقْوَى الْمَذَاهِبِ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ ) عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ أَقَامَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ تِسْعَ عَشْرَةَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ، ( قَالَ ) أَيْ : إِسْحَاقُ ( لِأَنَّهُ ) أَيْ ابْنَ عَبَّاسٍ ( رَوَى عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثُمَّ تَأَوَّلَهُ بَعْدَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) .
أَيْ أَخَذَ بِهِ وَعَمِلَ عَلَيْهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ( ثُمَّ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَقْصُرَ مَا لَمْ يُجْمِعْ إِقَامَةً وَإِنْ أَتَى عَلَيْهِ سُنُونَ ) ، جَمْعُ سَنَةٍ . أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَقَامُوا بِرَامَهُرْمُزَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَفِيهِ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ، وَاخْتَلَفُوا فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ ، وَاحْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، انْتَهَى .
وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَر أَقَامَ بِأَذْرَبِيجَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ ، انْتَهَى .
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ : ارْتَجَّ عَلَيْنَا الثَّلْجُ وَنَحْنُ بِأَذْرَبِيجَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ فِي غَزَاةٍ وَكُنَّا نُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ انْتَهَى . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهَذَا سَنَدٌ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ ، كَذَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ . وَذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ فِيهِ آثَارا أُخْرَى .