بَاب مَا ذُكِرَ فِي الرَّجُلِ يُدْرِكُ الْإِمَامَ سَاجِدا كَيْفَ يَصْنَعُ
بَاب مَا ذُكِرَ فِي الرَّجُلِ يُدْرِكُ الْإِمَامَ سَاجِدا كَيْفَ يَصْنَعُ
591 حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُونُسَ الْكُوفِيُّ ، نا الْمُحَارِبِيُّ ، عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ هُبَيْرَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ . وَعَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَا : قَالَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الصَّلَاةَ وَالْإِمَامُ عَلَى حَالٍ فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الْإِمَامُ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَهُ إِلَّا مَا رُوِيَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ . قَالُوا : إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ وَالْإِمَامُ سَاجِدٌ فَلْيَسْجُدْ ، وَلَا تُجْزِئُهُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ إِذَا فَاتَهُ الرُّكُوعُ مَعَ الْإِمَامِ ، وَاخْتَارَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ أَنْ يَسْجُدَ مَعَ الْإِمَامِ ، وَذَكَرَ عَنْ بَعْضِهِمْ فَقَالَ : لَعَلَّهُ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ من تِلْكَ السَّجْدَةِ حَتَّى يُغْفَرَ لَهُ .
باب ما ذكر في الرجل يدرك الإمام ساجدا كيف يصنع ؟
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُونُسَ الْكُوفِيُّ ) اللُّؤْلُؤيُّ أَبُو الْقَاسِمِ ، ثِقَةٌ رَوَى عَنِ : ابْنِ عُيَيْنَةَ وَغَيْرِهِ ، وَعَنْهُ : التِّرْمِذِيُّ . وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ ( نا الْمُحَارِبِيُّ ) هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ الْكُوفِيُّ ، ثِقَةٌ ( عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ) اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّبِيعِيُّ ، ثِقَةٌ ، عَابِدٌ اخْتَلَطَ بِآخره ( عَنْ هُبَيْرَةَ ) بِضَمِّ الْهَاءِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ابْنِ يَرِيمَ ، عَلَى وَزْنِ عَظِيمٍ ، الْكُوفِيِّ ، عَنْ : عَلِيٍّ ، وَعَنْهُ : أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ . وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ ، وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ : لَا بَأْسَ بِهِ ، وَقَدْ عِيبَ بِالتَّشَيُّعِ ( وَعَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ : عَنْ هُبَيْرَةَ ، فَإِنَّ هُبَيْرَةَ ، وَعَمْرَو بْنَ مُرَّةَ كِلَيْهِمَا مِنْ شُيُوخِ أَبِي إِسْحَاقَ .
قَوْلُهُ : ( إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ وَالْإِمَامُ عَلَى حَالٍ ) أَيْ مِنْ قِيَامٍ أَوْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْ قُعُودٍ ( فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الْإِمَامُ ) أَيْ فَلْيُوَافِقِ الْإِمَامَ فِيمَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْقِيَامِ أَوِ الرُّكُوعِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ؛ أَيْ : فَلَا يَنْتَظِرِ الْإِمَامَ إِلَى الْقِيَامِ كَمَا يَفْعَلُهُ الْعَوَامُّ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ إلخ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : فِيهِ ضَعْفٌ وَانْقِطَاعٌ . انْتَهَى . وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ صَفْحَةَ 3431 : وَالْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَعْفٌ لَكِنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ مَا عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ مُعَاذٍ قَالَ : أُحِيلَتِ الصَّلَاةُ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : فجاء مُعَاذٌ فقال : : لَا أجده عَلَى حَالٍ أَبَدًا إِلَّا كُنْتُ عَلَيْهَا ، ثُمَّ قَضَيْتُ مَا سَبَقَنِي . قَالَ : فَجَاءَ وَقَدْ سَبَقَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِبَعْضِهَا ، قَالَ : فَقُمْتُ مَعَهُ ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَلَاتَهُ قَامَ يَقْضِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : " قَدْ سَنَّ لَكُمْ مُعَاذٌ فَهَكَذَا فَاصْنَعُوا " ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ مُعَاذٍ ، فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَصْحَابُنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : فَقَالَ مُعَاذٌ : لَا أَرَاهُ عَلَى حَالٍ إِلَّا كُنْتُ عَلَيْهَا . الْحَدِيثَ .
وَيَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ مَرْفُوعًا : " مَنْ وَجَدَنِي رَاكِعًا أَوْ قَائِمًا أَوْ سَاجِدًا ، فَلْيَكُنْ مَعِي عَلَى حَالَتِي الَّتِي أَنَا عَلَيْهَا " . وَمَا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِثْلَ لَفْظِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَدْخُلُ مَعَهُ فِي الْحَالِ الَّتِي أَدْرَكَهُ عَلَيْهَا مُكَبِّرًا مُعْتَدًّا بِذَلِكَ التَّكْبِيرِ وَإِنْ لَمْ يَعْتَدَّ بِمَا أَدْرَكَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ كَمَنْ يُدْرِكُ الْإِمَامَ فِي حَالِ سُجُودِهِ أَوْ قُعُودِهِ . انْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ .
قَوْلُهُ : ( وَلَا تُجْزِئُهُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ إِذَا فَاتَهُ الرُّكُوعُ مَعَ الْإِمَامِ ) وَأَمَّا إِذَا أَدْرَكَ الرُّكُوعَ مَعَ الْإِمَامِ فَتُجْزِئُهُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ ، فَقَالُوا : إِنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا دَخَلَ مَعَهُ وَاعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ شَيْئًا مِنَ الْقِرَاءَةِ . وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : لَا تُجْزِئُهُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ إِذَا فَاتَهُ الْقِيَامُ وَقِرَاءَةُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، وَإِنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ مَعَ الْإِمَامِ ، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا أَهْلُ الظَّاهِرِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَأَبُو بَكْرٍ الضُّبَعِيُّ ، رَوَى ذَلِكَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ ، وَذَكَرَ فِيهِ حَاكِيًا عَمَّنْ رَوَى عَنِ ابْنِ خُزَيْمَةَ أَنَّهُ احْتَجَّ لِذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ : " مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ فَلْيَرْكَعْ مَعَهُ ، وَلْيُعِدِ الرَّكْعَةَ " ، وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : إِنْ أَدْرَكْتَ الْقَوْمَ رُكُوعًا لَمْ يُعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ . فَقَالَ الْحَافِظُ : وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا ، وَأَمَّا الْمَرْفُوعُ فَلَا أَصْلَ لَهُ .
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ تَبَعًا لِلْإِمَامِ : إِنَّ أَبَا عَاصِمٍ الْعَبَّادِيَّ حَكَى عَنِ ابْنِ خُزَيْمَةَ أَنَّهُ احْتَجَّ بِهِ ، وَقَدْ حَكَى هَذَا الْمَذْهَبَ الْبُخَارِيُّ فِي الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ عَنْ كُلِّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ ، وَحَكَاهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَقَوَّاهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ مُحَدِّثِي الشَّافِعِيَّةِ ، وَرَجَّحَهُ الْمُقْبِلِيُّ ، قَالَ : وَقَدْ بَحَثْتُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَأَحَطْتُهَا فِي جَمِيعِ بَحْثِي فِقْهًا وَحَدِيثًا ، فَلَمْ أَحْصُلْ مِنْهَا عَلَى غَيْرِ مَا ذَكَرْتُ ، يَعْنِي مِنْ عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ فَقَطْ .
وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : مَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ مِنَ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ فِي صَلَاتِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلْيُضِفْ إِلَيْهَا رَكْعَةً أُخْرَى . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَاسِينَ بْنِ مُعَاذٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِلَفْظِ : " إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمُ الرَّكْعَتَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ ، وَإِذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً فَلْيَرْكَعْ إِلَيْهَا أُخْرَى " ، وَلَكِنَّهُ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْحَرَّانِيِّ وَمِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ أَبِي الْأَخْضَرِ ، وَسُلَيْمَانُ مَتْرُوكٌ وَصَالِحٌ ضَعِيفٌ . عَلَى أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْجُمُعَةِ فِي كِلَا الرِّوَايَتَيْنِ مُشْعِرٌ بِأَنَّ غَيْرَ الْجُمُعَةِ بِخِلَافِهَا ، وَكَذَا بِالرَّكْعَةِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ الْمُدَّعَى ؛ لِأَنَّ الرَّكْعَةَ حَقِيقَةٌ لِجَمِيعِهَا ، وَإِطْلَاقُهَا عَلَى الرُّكُوعِ وَمَا بَعْدَهُ مَجَازٌ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِلَّا لِقَرِينَةٍ ، كَمَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بِلَفْظِ : فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ ، فَرَكْعَتَهُ ، فَاعْتِدَالَهُ ، فَسَجْدَتَهُ ، فَإِنَّ وُقُوعَ الرَّكْعَةِ فِي مُقَابَلَةِ الْقِيَامِ وَالِاعْتِدَالِ وَالسُّجُودِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الرُّكُوعُ .
وَقَدْ وَرَدَ حَدِيثُ : " مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ " بِأَلْفَاظٍ لَا تَخْلُو طُرُقُهَا عَنْ مَقَالٍ ، حَتَّى قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ عَنْ أَبِيهِ : لَا أَصْلَ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، إِنَّمَا الْمَتْنُ : مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصَّلَاةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَهَا . وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْعُقَيْلِيُّ . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ : " مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَهَا قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ الْإِمَامُ صُلْبَهُ " ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ لِمَطْلُوبِهِمْ لِمَا عَرَفْتَ مِنْ أَنَّ مُسَمَّى الرَّكْعَةِ جَمِيعَ أَرْكَانِهَا وَأَذْكَارِهَا حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَعُرْفِيَّةٌ ، وَهُمَا مُقَدِّمَتَانِ عَلَى اللُّغَوِيَّةِ ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ ، فَلَا يَصِحُّ جَعْلُ حَدِيثِ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَمَا قَبْلَهُ قَرِينَةً صَارِفَةً عَنِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ ، فَإِنْ قُلْتَ : فَأَيُّ فَائِدَةٍ عَلَى هَذَا فِي التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ : " قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ صُلْبَهُ " ، قُلْتُ : دَفْعُ تَوَهُّمِ أَنَّ مَنْ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ ، وَرَكَعَ الْإِمَامُ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْهَا غَيْرُ مُدْرِكٍ .
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ الْجُمْهُورِ بِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ حَيْثُ صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ مَخَافَةَ أَنْ تَفُوتَهُ الرَّكْعَةُ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ . وَلَمْ يَأْمُرْ بِإِعَادَةِ الرَّكْعَةِ ، فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ كَمَا لَمْ يَأْمُرْ بِالْإِعَادَةِ فَلَمْ يُنْقَلْ إِلَيْنَا أَنَّهُ اعْتَدَّ بِهَا .
وَالدُّعَاءُ بِالْحِرْصِ لَا يَسْتَلْزِمُ الِاعْتِدَادَ بِهَا ؛ لِأَنَّ الْكَوْنَ مَعَ الْإِمَامِ مَأْمُورٌ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ الشَّيْءُ الَّذِي يُدْرِكُهُ الْمُؤْتَمُّ مُعْتَدًّا بِهِ أَمْ لَا ، كَمَا فِي حَدِيثِهِ : " إِذَا جِئْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا وَلَا تَعُدُّوهَا شَيْئًا " رَوَاهُ
أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ . عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ نَهَى أَبَا بَكْرَةَ عَنِ الْعَوْدِ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِشَيْءٍ قَدْ نُهِيَ عَنْهُ لَا يَصِحُّ . كَذَا ذَكَرَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ .
قُلْتُ : وَاسْتَدَلَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ مُدْرِكَ الرُّكُوعِ لَا يَكُونُ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ إِذَا فَاتَهُ الْقِيَامُ وَقِرَاءَةُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ بِحَدِيثِ : لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ ، وَبِحَدِيثِ : مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : قَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ " مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ لِلْأَمْرِ بِإِتْمَامِهِ مَا فَاتَهُ ؛ لِأَنَّهُ فَاتَهُ الْقِيَامُ وَالْقِرَاءَةُ فِيهِ " ، ثُمَّ قَالَ : حُجَّةُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ ، انْتَهَى .
قُلْتُ : الْقَوْلُ الرَّاجِحُ عِنْدِي قَوْلُ مَنْ قَالَ : " إِنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ " وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ فَوَاقِعَةُ عَيْنٍ ، فَتَفَكَّرْ . هَذَا مَا عِنْدِي ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .