بَاب مِنْهُ 616 حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكُوفِيُّ ، نا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ ، نا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، قال : حَدَّثَنِي سُلَيمُ بْنُ عَامِرٍ ، قَال : سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ : سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ : اتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ، وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ ، وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكُمْ ، تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ . قَالَ : قُلْتُ لِأَبِي أُمَامَةَ : مُنْذُ كَمْ سَمِعْتَ هَذَا الْحَدِيثِ ؟ قَالَ : سَمِعْتُ وَأَنَا ابْنُ ثَلَاثِينَ سَنَةً . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . آخر أبواب الصلاة ( بَابٌ مِنْهُ ) أَيْ مِنَ الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ ، وَالْمَعْنَى : هَذَا بَابٌ آخَرُ فِي فَضْلِ الصَّلَاةِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكُوفِيُّ ) هُوَ مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ الْكِنْدِيُّ الْمَسْرُوقِيُّ أَبُو عِيسَى الْكُوفِيُّ ، مِنْ شُيُوخِ التِّرْمِذِيِّ . قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : ثِقَةٌ مِنْ كِبَارِ الْحَادِيَةِ عَشْرَةِ ( حَدَّثَنِي سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ ) الْكَلَاعِيُّ ، وَيُقَالُ : الْخَبَايِرِيُّ ، الْحِمْصِيُّ ، ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ، غَلِطَ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ أَدْرَكَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ . قَوْلُهُ : ( وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ ) أَضَافَ إِلَيْهِمْ لِيُقَابِلَ الْعَمَلَ بِالثَّوَابِ فِي قَوْلِهِ جَنَّةَ رَبِّكُمْ ، وَلِيَنْعَقِدَ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالرَّبِّ ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ الْآيَةَ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : حِكْمَةُ إِضَافَةِ هَذَا وَمَا بَعْدَهُ إِلَيْهِمْ إِعْلَامُهُمْ بِأَنَّ ذَوَاتِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ بِكَيْفِيَّتِهَا الْمَخْصُوصَةِ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهمُ الَّتِي امْتَازُوا بِهَا عَنْ سَائِرِ الْأُمَمِ . وَحَثُّهُمْ عَلَى الْمُبَادَرَةِ لِلِامْتِثَالِ بِتَذْكِيرِهِمْ بِمَا خُوطِبُوا بِهِ ، وَتَذْكِيرُهُمْ بِأَنَّ هَذِهِ الْإِضَافَةَ الْعَمَلِيَّةَ يُقَابِلُهَا إِضَافَةٌ فَضْلِيَّةٌ ، هِيَ أَعْلَى مِنْهَا وَأَتَمُّ ، وَهِيَ الْجَنَّةُ الْمُضَافَةُ إِلَى وَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ ، الْمُشْعِرِ بِمَزِيدِ تَرْبِيَتِهِمْ وَتَرْبِيَةِ نَعِيمِهِمْ بِمَا فَارَقُوا بِهِ سَائِرَ الْأُمَمِ ( وَصُومُوا شَهْرَكُمْ ) الْمُخْتَصَّ بِكُمْ ، وَهُوَ رَمَضَانُ ، وَأَبْهَمَهُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ صَارَ مِنَ الظُّهُورِ عِنْدَهُمْ إلَى حَدٍّ لَا يَقْبَلُ الشَّكَّ وَالتَّرَدُّدَ ( وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ ) فِي الْخُلَعِيَّاتِ : وَأَدُّوا زَكَاتَكُمْ طَيِّبَةً بِهَا أَنْفُسُكُمْ ، وَحُجُّوا بَيْتَ رَبِّكُمْ ، كَذَا فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي ، وَالْمُرَادُ بِأَمْوَالِكُمْ أَيِ الَّتِي هِيَ مِلْكٌ لَكُمْ ( وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكُمْ ) قَالَ الْقَارِي : أَيِ الْخَلِيفَةَ وَالسُّلْطَانَ وَغَيْرَهُمَا مِنَ الْأُمَرَاءِ ، أَوِ الْمُرَادُ الْعُلَمَاءُ ، أَوْ أَعَمُّ ، أَيْ كُلُّ مَنْ تَوَلَّى أَمْرًا مِنْ أُمُورِكُمْ ، سَوَاءٌ كَانَ السُّلْطَانَ وَلَوْ جَائِرًا وَمُتَغَلِّبًا وَغَيْرَهُ ، وَمِنْ أُمَرَائِهِ ، وَسَائِرِ نُوَّابِهِ ، إِلَّا أَنَّهُ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ . وَلَمْ يَقُلْ : أَمِيرَكُمْ ؛ إِذْ هُوَ خَاصٌّ عُرْفًا بِبَعْضِ مَنْ ذُكِرَ ؛ وَلِأَنَّهُ أَوْفَقُ بقَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ . انْتَهَى كَلَامُ الْقَارِي . قُلْتُ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : ذَا أَمْرِكُمْ هُوَ الَّذِي أُرِيدَ بِقَوْلِهِ : أُولِي الْأَمْرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ : بَابٌ قَوْلُهُ : أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ذَوِي الْأَمْرِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَهُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدٍة ، قَالَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، وَزَادَ : وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ وَاحِدَهَا ذُو أَيْ وَاحِدُ أُولِي ؛ لِأَنَّهَا لَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا ، قَالَ : وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِأُولِي الْأَمْرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ هُمُ الْأُمَرَاءُ ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، وَأَخْرَجَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ وَغَيْرِهِ نَحْوَهُ ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : هُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْخَيْرِ . وَعَنْ مُجَاهِدٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَأَبِي الْحَسَنِ ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ : هُمُ الْعُلَمَاءُ . وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَصَحَّ مِنْهُ عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : هُمُ الصَّحَابَةُ ، وَهَذَا أَخَصُّ . وَعَنْ عِكْرِمَةَ : أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَرَجَّحَ الشَّافِعِيُّ الْأَوَّلَ وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّ قُرَيْشًا كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ الْإِمَارَةَ ، وَلَا يَنْقَادُونَ إِلَى أَمِيرٍ ، فَأُمِرُوا بِالطَّاعَةِ لِمَنْ وَلِيَ الْأَمْرَ ، وَلِذَلِكَ قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : مَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ حَمْلَهَا عَلَى الْعُمُومِ ، وَإِنْ نَزَلَتْ فِي سَبَبٍ خَاصٍّ ، قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ . قُلْتُ : وَالرَّاجِحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : ذَا أَمْرِكُمْ فِي الْحَدِيثِ ، وَبِقَوْلِهِ : أُولِي الْأَمْرِ فِي الْآيَةِ هُمُ الْأُمَرَاءُ ، وَيُؤَيِّدُهُ شَأْنُ نُزُولِهَا ، فَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ . قَالَ : نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ إِذْ بَعَثَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي سَرِيَّةٍ . انْتَهَى . وَعَقَدَ الْبُخَارِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي ابْتِدَاءِ كِتَابِ الْأَحْكَامِ مِنْ صَحِيحِهِ بَابًا بِلَفْظِ : بَابٌ قَوْلُ اللَّهِ : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ : الْأَوَّلُ : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي فِيهِ : وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي ، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي ، وَالثَّانِي : حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ : أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : فِي هَذَا إِشَارَةٌ مِنَ الْمُصَنِّفِ إِلَى تَرْجِيحِ الْقَوْلِ الصَّائِرِ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي طَاعَةِ الْأُمَرَاءِ ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ : نَزَلَتْ فِي الْعُلَمَاءِ ، وَقَدْ رَجَّحَ ذَلِكَ أَيْضًا الطَّبَرِيُّ . وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : سَأَلْتْ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ عَنْهَا ـ وَلَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ أَحَدٌ يُفَسِّرُ الْقُرْآنَ بَعْدَ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ مِثْلُهُ ـ فَقَالَ : اقْرَأْ مَا قَبْلَهَا تَعْرِفْ ، فَقَرَأْتُ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ الْآيَةَ ، فَقَالَ : هَذِهِ فِي الْوُلَاةِ . انْتَهَى . وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي عُمْدَةِ الْقَارِي ص 554 ج 8 قَوْلُهُ : وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فِي تَفْسِيرِهِ أَحَدَ عَشَرَ قَوْلًا : الْأَوَّلُ : الْأُمَرَاءُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَابْنُ زَيْدٍ ، وَالسُّدِّيُّ . الثَّانِي : أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا . الثَّالِثُ : جَمِيعُ الصَّحَابَةِ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ . الرَّابِعُ : الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ ، قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ فِيمَا قَالَهُ الثَّعْلَبِيُّ . الْخَامِسُ : الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ ، قَالَهُ عَطَاءٌ . السَّادِسُ : الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ . السَّابِعُ : أَرْبَابُ الْعَقْلِ الَّذِينَ يَسُوسُونَ أَمْرَ النَّاسِ ، قَالَهُ ابْنُ كَيْسَانَ . الثَّامِنُ : الْعُلَمَاءُ وَالْفُقَهَاءُ ، قَالَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَالْحَسَنُ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ . التَّاسِعُ : أُمَرَاءُ السَّرَايَا ، قَالَهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ ، وَمُقَاتِلٌ ، وَالْكَلْبِيُّ . الْعَاشِرُ : أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَاخْتَارَهُ مَالِكٌ . الْحَادِيَ عَشَرَ : عَامٌّ فِي كُلِّ مَنْ وَلِيَ أَمْرَ شَيْءٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَإِلَيْهِ مَالَ الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ ذَوِي الْأَمْرِ ، انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ عِلَّةٌ ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ ، وَقَدِ احْتَجَّ مُسْلِمٌ بِأَحَادِيثَ لِسُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ ، وَسَائِرُ رُوَاتِهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمْ ، كَذَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ . وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي كِتَابِ مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ : أَخْلِصُوا عِبَادَةَ رَبِّكُمْ ، وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ ، وَحُجُّوا بَيْتَ رَبِّكُمْ ، تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ . ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ .
المصدر: تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-37/h/368542
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة