بَاب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الصَّوْمِ
بَاب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الصَّوْمِ
764 حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى الْقَزَّازُ البصري نَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ نَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ رَبَّكُمْ يَقُولُ : كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ وَالصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، والصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنْ النَّارِ ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ، وَإِنْ جَهِلَ عَلَى أَحَدِكُمْ جَاهِلٌ وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيَقُلْ : إِنِّي صَائِمٌ . وَفِي الْبَاب عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، وَكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، وَسَلَامَةَ بْنِ قَيْصَرٍ ، وَبَشِيرِ ابْنِ الْخَصَاصِيَةِ ، وَاسْمُ بَشِيرٍ زَحْمُ بْنُ مَعْبَدٍ ، وَالْخَصَاصِيَةُ : هِيَ أُمُّهُ . قَالَ أَبُو عِيسَى : وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
باب ما جاء في فضل الصوم
قَوْلُهُ : ( الْقَزَّازُ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَشَدة الزَّايِ الْأُولَى ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْقَزُّ الْإِبْرِيْسَمُ ، وَالْقَزَّازُ كَكَتَّانٍ بَائِعُ الْقَزِّ .
قَوْلُهُ : ( كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ) أَيْ تُضَاعَفُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ( إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ ) بِكَسْرِ الضَّادِ أَيْ مِثْلٍ ( وَالصَّوْمُ لِي ) وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي إلخ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ مَعَ أَنَّ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا لَهُ ، وَهُوَ الَّذِي يَجْزِي بِهَا عَلَى أَقْوَالٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ الْحَافِظُ عَشَرَةَ أَقْوَالٍ ثُمَّ قَالَ : وَأَقْرَبُ الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا إِلَى الصَّوَابِ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي ، وَأَنَا أَذْكُرُ هَاهُنَا هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ ، وَمَنْ شَاءَ الْوُقُوفَ عَلَى بَاقِيهَا فَلْيَرْجِعْ إِلَى الْفَتْحِ ، فَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ : أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَقَعُ فِيهِ الرِّيَاءُ كَمَا يَقَعُ فِي غَيْرِهِ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي غَرِيبِهِ : قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ أَعْمَالَ الْبِرِّ كُلَّهَا لِلَّهِ ، وَهُوَ الَّذِي يَجْزِي بِهَا ، فَنَرَى -وَاَللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّهُ إِنَّمَا خَصَّ الصِّيَامَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَظْهَرُ مِنَ ابْنِ آدَمَ بِفِعْلِهِ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ فِي الْقَلْبِ ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : " لَيْسَ فِي الصِّيَامِ رِيَاءٌ " ، حَدَّثَنِيهِ شَبَابَةُ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَذَكَرَهُ يَعْنِي مُرْسَلًا ، قَالَ : وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ لَا تَكُونُ إِلَّا بِالْحَرَكَاتِ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّمَا هُوَ بِالنِّيَّةِ الَّتِي تَخْفَى عَنِ النَّاسِ ، هَذَا وَجْهُ الْحَدِيثِ عِنْدِي ، انْتَهَى .
قَالَ الْحَافِظُ : وَقَدْ رَوَى الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ ، وَأَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ مَوْصُولًا عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ ، وَلَفْظُهُ : الصِّيَامُ لَا رِيَاءَ فِيهِ قَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- : " هُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ " ، وَهَذَا لَوْ صَحَّ لَكَانَ قَاطِعًا لِلنِّزَاعِ .
قَالَ الْحَافِظُ : مَعْنَى النَّفْيِ
فِي قَوْلِهِ : " لَا رِيَاءَ فِي الصَّوْمِ " أَنَّهُ لَا يَدْخُلُهُ الرِّيَاءُ بِفِعْلِهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَدْخُلُهُ الرِّيَاءُ بِالْقَوْلِ كَمَنْ يَصُومُ ثُمَّ يُخْبِرُ بِأَنَّهُ صَائِمٌ فَقَدْ يَدْخُلُهُ الرِّيَاءُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ ، فَدُخُولُ الرِّيَاءِ فِي الصَّوْمِ إِنَّمَا يَقَعُ من جِهَةِ الْإِخْبَارِ بِخِلَافِ بقية الْأَعْمَالِ فَإِنَّ الرِّيَاءَ قَدْ يَدْخُلُهَا بِمُجَرَّدِ فِعْلِهَا . وَثَانِيهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : " وَأَنَا أَجْزِي بِهِ " ، أَنِّي أَنْفَرِدُ بِعِلْمِ مِقْدَارِ ثَوَابِهِ وَتَضْعِيفِ حَسَنَاتِهِ ، وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ فَقَدِ اطَّلَعَ عَلَيْهَا بَعْضُ النَّاسِ .
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَعْمَالَ قَدْ كُشِفَتْ مَقَادِيرُ ثَوَابِهَا لِلنَّاسِ ، وَأَنَّهَا تَضَاعَفَتْ مِنْ عَشْرَةٍ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ ، إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّ اللَّهَ يُثِيبُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ . وَيَشْهَدُ لِهَذَا السِّيَاقِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى يَعْنِي رِوَايَةَ الْمُوَطَّأِ وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ حَيْثُ قَالَ : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ ، قَالَ اللَّهُ : إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، أَيْ أُجَازِي عَلَيْهِ جَزَاءً كَثِيرًا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ لِمِقْدَارِهِ ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ انْتَهَى . وَالصَّابِرُونَ الصَّائِمُونَ فِي أَكْثَرِ الْأَقْوَالِ ، انْتَهَى مَا فِي الْفَتْحِ .
قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، وَكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، وَسَلَامَةَ بْنِ قَيْصَرَ ، وَبَشِيرِ بْنِ الْخَصَاصِيَةِ ) أَمَّا حَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ كُلُّهُمْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ مُعَاذٍ ، وَالْحَدِيثُ طَوِيلٌ وَفِيهِ : الصَّوْمُ جُنَّةٌ ، وَذَكَرَ الْمُنْذِرِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ الطَّوِيلَ فِي بَابِ الصَّمْتِ .
وَأَمَّا حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا . وَأَمَّا حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : " احْضُرُوا الْمِنْبَرَ " ، فَحَضَرْنَا ، فَلَمَّا ارْتَقَى دَرَجَةً قَالَ : " آمِينَ " ، فَلَمَّا ارْتَقَى الدَّرَجَةَ الثَّانِيَةَ ، قَالَ : " آمِينَ " ، فَلَمَّا ارْتَقَى الدَّرَجَةَ الثَّالِثَةَ قَالَ : " آمِينَ " ، فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَقَدْ سَمِعْنَا مِنْكَ الْيَوْمَ شَيْئًا مَا كُنَّا نَسْمَعُهُ؟ قَالَ : " إِنَّ جِبْرِئيلَ عَرَضَ لِي فَقَالَ : بَعُدَ مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ . قُلْتُ : آمِينَ ، فَلَمَّا رَقِيتُ الثَّانِيَةَ قَالَ : بَعُدَ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ فَقُلْتُ : آمِينَ ، فَلَمَّا رَقِيْتُ الثَّالِثَةَ قَالَ : بَعُدَ مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ الْكِبَرُ عِنْدَهُ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ . قُلْتُ : آمِينَ " . قَالَ الْحَاكِمُ : صَحِيحُ الْإِسْنَادِ . وَأَمَّا حَدِيثُ سَلَامَةَ بْنِ قَيْصَرَ فَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ : " مَنْ صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ بَعَّدَهُ اللَّهُ مِنْ جَهَنَّمَ كَبُعْدِ غُرَابٍ طَارَ وَهُوَ فَرْخٌ حَتَّى مَاتَ هَرَمًا " ، كَذَا فِي التَّرْغِيبِ ، لَكِنْ فِيهِ سَلَمَةُ بْنُ قَيْصَرَ بِغَيْرِ الْأَلِفِ ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فَسَمَّاهُ سَلَامَةَ بِزِيَادَةِ أَلِفٍ ، وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ ، انْتَهَى . وَأَمَّا حَدِيثُ بَشِيرِ بْنِ الْخَصَاصِيَةِ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ .
قَوْلُهُ : ( وَاسْمُ بَشِيرٍ زَحْمٌ ) بِالزَّايِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ .