بَاب مَا جَاءَ مِنْ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ
حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى محمد بن المثنى ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ ) الْأَزْدِيِّ الْبَصْرِيِّ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ مِنَ الْخَامِسَةِ ( عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ) الْجَزَرِيِّ ، أَصْلُهُ كُوفِيٌّ ، نَزَلَ الرَّقَّةَ ، ثِقَةٌ فَقِيهٌ ، وَلِيَ الْجَزِيرَةَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَكَانَ يُرْسِلُ ، مِنَ الرَّابِعَةِ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ) وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا بِإِسْنَادِ التِّرْمِذِيِّ ، وَزَادَ : وَهُوَ مُحْرِمٌ ، وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ ، لَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَوَاهُ عَنْ حَبِيبٍ غَيْرَ الْأَنْصَارِيِّ ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ ، كَذَا فِي عُمْدَةِ الْقَارِي . قَوْلُهُ : ( احْتَجَمَ فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَهُوَ مُحْرِمٌ صَائِمٌ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : لَهُ طُرُقٌ عِنْدَ النَّسَائِيِّ ، وَهَّاهَا وَأَعَلَّهَا ، وَاسْتَشْكَلَ كَوْنُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جَمَعَ بَيْنَ الصِّيَامِ وَالْإِحْرَامِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ شَأْنِهِ التَّطَوُّعُ بِالصِّيَامِ فِي السَّفَرِ ، وَلَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا إِلَّا وَهُوَ مُسَافِرٌ ، وَلَمْ يُسَافِرْ فِي رَمَضَانَ إِلَى جِهَةِ الْإِحْرَامِ إِلَّا فِي غَزَاةِ الْفَتْحِ ، وَلَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مُحْرِمًا . قَالَ الْحَافِظُ في بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْكَلَامِ مَا لَفْظُهُ : وَفِي الْجُمْلَةِ الْأُولَى نَظَرٌ ، فَمَا الْمَانِعُ مِنْ ذَلِكَ .
فَلَعَلَّهُ فَعَلَ مَرَّةً لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَبِمِثْلِ هَذَا لَا ترُدُّ الْأَخْبَارَ الصَّحِيحَةَ . ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ جَمَعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فِي الذِّكْرِ ، فَأَوْهَمَ أَنَّهُمَا وَقَعَا مَعًا ، وَالْأَصْوَبُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ : احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَقَعَ فِي حَالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ ، وَهَذَا لَا مَانِعَ مِنْهُ ، فَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَامَ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ مُسَافِرٌ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِلَفْظِ : وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ، وَيُقَوِّي ذَلِكَ أَنَّ غَالِبَ الْأَحَادِيثِ وَرَدَ مُفَصَّلًا ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ .