حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

بَاب مَا جَاءَ فِي إِفْرَادِ الْحَجِّ

وَرُوِي عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْرَدَ الْحَجَّ ، وَأَفْرَدَ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ . حَدَّثَنَا بِذَلِكَ قُتَيْبَةُ ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ الصَّائِغُ ، عَنْ عَبْيدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ بِهَذَا . قَالَ أَبُو عِيسَى : وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إِنْ أَفْرَدْتَ الْحَجَّ فَحَسَنٌ ، وَإِنْ قَرَنْتَ فَحَسَنٌ ، وَإِنْ تَمَتَّعْتَ فَحَسَنٌ .

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مِثْلَهُ ، وَقَالَ : أَحَبُّ إِلَيْنَا الْإِفْرَادُ ، ثُمَّ التَّمَتُّعُ ، ثُمَّ الْقِرَانُ . قَوْلُهُ : ( وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَفْرَدَ الْحَجَّ إلخ ) هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ إِنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ مِنَ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ . اعْلَمْ أَنَّهُ قَدِ اخْتُلِفَ فِي حَجِّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هَلْ كَانَ قِرَانًا أَوْ تَمَتُّعًا أَوْ إِفْرَادًا؟ وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ ، فَرُوِيَ عَنْ عِدَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ حَجَّ إِفْرَادًا كَمَا عَرَفْتَ ، وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ حَجَّ قِرَانًا ...........، وَرُوِيَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ حَجَّ تَمَتُّعًا كَمَا سَتَعْرِفُ ، وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْأَنْظَارُ وَاضْطَرَبَتِ الْأَقْوَالُ لِاخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ ، فَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ كَالْخَطَّابِيِّ فَقَالَ : إِنْ كَلا أَضَافَ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَا أَمَرَ بِهِ اتِّسَاعًا ثُمَّ رَجَحَ أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَفْرَدَ الْحَجَّ .

وَكَذَا قَالَ عِيَاضٌ وَزَادَ فَقَالَ : وَأَمَّا إِحْرَامُهُ فَقَدْ تَضَافَرَتِ الرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ بِأَنَّهُ كَانَ مُفْرِدًا ، وَأَمَّا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى التَّمَتُّعَ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِقَوْلِهِ : وَلَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ فَصَحَّ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَلَّلْ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى الْقِرَانَ فَهُوَ إِخْبَارٌ عَنْ آخِرِ أَحْوَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ لَمَّا جَاءَ إِلَى الْوَادِي ، وَقِيلَ قُلْ عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ . قَالَ الْحَافِظُ : هَذَا الْجَمْعُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقَدْ سَبَقَ إِلَيْهِ قَدِيمًا ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبَيَّنَهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَيَانًا شَافِيًا ، وَمَهَّدَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ تَمْهِيدًا بَالِغًا يَطُولُ ذِكْرُهُ . وَمُحَصَّلُهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ رَوَى عَنْهُ الْإِفْرَادَ حُمِلَ عَلَى مَا أَهَلَّ بِهِ فِي أَوَّلِ الْحَالِ ، وَكُلَّ مَنْ رَوَى عَنْهُ التَّمَتُّعَ أَرَادَ مَا أَمَرَ بِهِ أَصْحَابَهُ ، وَكُلَّ مَنْ رَوَى عَنْهُ الْقِرَانَ ، أَرَادَ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ ، وَجَمَعَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ جَمْعًا حَسَنًا فَقَالَ مَا حَاصِلُهُ : إِنَّ التَّمَتُّعَ عِنْدَ الصَّحَابَةِ يَتَنَاوَلُ الْقِرَانَ فَتُحْمَلُ عَلَيْهِ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى أَنَّهُ حَجَّ تَمَتُّعًا ، وَكُلُّ مَنْ رَوَى الْإِفْرَادَ قَدْ رَوَى أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَجَّ تَمَتُّعًا وَقِرَانًا ، فَيَتَعَيَّنُ الْحَمْلُ عَلَى الْقِرَانِ وَأَنَّهُ أَفْرَدَ أَعْمَالَ الْحَجِّ ثُمَّ فَرَغَ مِنْهَا ، وَأَتَى بِالْعُمْرَةِ .

وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ صَارَ إِلَى التَّعَارُضِ فَرَجَّحَ نَوْعًا ، وَأَجَابَ عَنِ الْأَحَادِيثِ الْقَاضِيَةِ بِمَا يُخَالِفُهُ ، وَهِيَ جَوَابَاتٌ طَوِيلَةٌ أَكْثَرُهَا مُتَعَسِّفَةٌ . وَأَوَردَ كُلٌّ مِنْهُمْ لِمَا اخْتَارَهُ مُرَجِّحَاتٍ ، أَقْوَاهَا وَأَوْلَاهَا مُرَجِّحَاتُ الْقِرَانِ ، لَا يُقَاوِمُهَا شَيْءٌ مِنْ مُرَجِّحَاتِ غَيْرِهِ . وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْهَدْيِ مُرَجِّحَاتٍ كَثِيرَةً ، وَلَكِنَّهَا مُرَجِّحَاتٌ بِاعْتِبَارِ أَفْضَلِيَّةِ الْقِرَانِ عَلَى التَّمَتُّعِ وَالْإِفْرَادِ ، لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَجَّ قَارِنًا ، وَهُوَ بَحْثٌ آخَرُ ، كَذَا فِي النَّيْلِ .

قَوْلُهُ : ( قَالَ الثَّوْرِيُّ : إِنْ أَفْرَدْتَ الْحَجَّ فَحَسَنٌ ، وَإِنْ قَرَنْتَ فَحَسَنٌ ، وَإِنْ تَمَتَّعْتُ فَحَسَنٌ ) الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الثَّوْرِيِّ هَذَا أَنَّ الْأَنْوَاعَ الثَّلَاثَةَ عِنْدَهُ سَوَاءٌ ، لَا فَضِيلَةَ لِبَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : حَكَى عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الصُّوَرَ الثَّلَاثَةَ فِي الْفَضْلِ سَوَاءٌ ، وَهُوَ مُقْتَضَى تَصَرُّفِ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مِثْلَهُ وَقَالَ : أَحَبُّ إِلَيْنَا الْإِفْرَادُ ثُمَّ التَّمَتُّعُ ثُمَّ الْقِرَانُ ) وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الْقِرَانُ أَفْضَلُ مِنَ التَّمَتُّعِ . وَالْإِفْرَادُ وَالتَّمَتُّعُ أَفْضَلُ مِنَ الْإِفْرَادِ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ لِكَوْنِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَمَنَّاهُ ، فَقَالَ : لَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ ، وَلَا يَتَمَنَّى إِلَّا الْأَفْضَلَ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا تَمَنَّاهُ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِ أَصْحَابِهِ لِحُزْنِهِمْ عَلَى فَوَاتِ مُوَافَقَتِهِ ، وَإِلَّا فَالْأَفْضَلُ مَا اخْتَارَهُ اللَّهُ لَهُ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ .

وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ : يَتَرَجَّحُ التَّمَتُّعُ بِأَنَّ الَّذِي يُفْرِدُ إِنِ اعْتَمَرَ بَعْدَهَا فَهِيَ عُمْرَةٌ مُخْتَلَفٌ فِي إِجْزَائِهَا عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ ، بِخِلَافِ عُمْرَةِ التَّمَتُّعِ ، فَهِيَ مُجْزِئَةٌ بِلَا خِلَافٍ ، فَيَتَرَجَّحُ التَّمَتُّعُ عَلَى الْإِفْرَادِ وَيَلِيهِ الْقِرَانُ . وَقَالَ مَنْ رَجَّحَ الْقِرَانَ هُوَ أَشَقُّ مِنَ التَّمَتُّعِ وَعُمْرَتُهُ مُجْزِئَةٌ بِلَا خِلَافٍ ، فَيَكُونُ أَفْضَلَ مِنْهُمَا . وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ : الْقِرَانُ وَالتَّمَتُّعُ فِي الْفَضْلِ سَوَاءٌ وَهُمَا أَفْضَلُ مِنَ الْإِفْرَادِ وَعَنْ أَحْمَدَ : مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَالْقِرَانُ أَفْضَلُ لَهُ لِيُوَافِقَ فِعْلَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَمَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ فَالتَّمَتُّعُ أَفْضَلُ لَهُ لِيُوَافِقَ مَا تَمَنَّاهُ وَأَمَرَ بِهِ أَصْحَابَهُ ، كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث