بَاب مَا جَاءَ فِي الْعُمْرَةِ أَوَاجِبَةٌ هِيَ أَمْ لَا
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ ، ثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ الْحَجَّاجِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الْعُمْرَةِ أَوَاجِبَةٌ هِيَ ؟ قَالَ : لَا ، وَأَنْ يعْتَمِرُوا هُوَ أَفْضَلُ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ قَالُوا : الْعُمْرَةُ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ ، وَكَانَ يُقَالُ : هُمَا حَجَّانِ ؛ الْحَجُّ الْأَكْبَرُ يَوْمُ النَّحْرِ ، وَالْحَجُّ الْأَصْغَرُ الْعُمْرَةُ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْعُمْرَةُ سُنَّةٌ ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَخَّصَ فِي تَرْكِهَا ، وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ ثَابِتٌ بِأَنَّهَا تَطَوُّعٌ . قال : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ ضَعِيفٌ لَا تَقُومُ بِمِثْلِهِ الْحُجَّةُ ، وَقَدْ بَلَغَنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يُوجِبُهَا . ( باب ما جاء في العمرة أواجبة هي أم لا ) قَوْلُهُ : ( عَنِ الْحَجَّاجِ ) هُوَ ابْنُ أَرْطَاةَ الْكُوفِيُّ الْقَاضِي ، أَحَدُ الْفُقَهَاءِ ، صَدُوقٌ كَثِيرُ الْخَطَأِ وَالتَّدْلِيسِ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ : لَا ، وَأَنْ يَعْتَمِرُوا هُوَ أَفْضَلُ ) ، احْتَجَّ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْعُمْرَةَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ ، لَكِنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ كَمَا سَتَعْرِفُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : فِي إِسْنَادِهِ الْحَجَّاجُ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا : الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ . أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ ، وَابْنُ لَهِيعَةَ ضَعِيفٌ ، وَلَا يَثْبُتُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ شَيْءٌ ، بَلْ رَوَى ابْنُ الْجَهْمِ الْمَالِكِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ جَابِرٍ : لَيْسَ مُسْلِمٌ إِلَّا عَلَيْهِ عُمْرَةٌ .
مَوْقُوفٌ عَلَى جَابِرٍ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ : فَإِنْ قُلْتُ : قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَفِي تَصْحِيحِهِ لَهُ نَظَرٌ ، فَإِنَّ فِي سَنَدِهِ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ وَلَمْ يَحْتَجَّ بِهِ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا . وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : تَرَكَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَيَحْيَى الْقَطَّانُ وَابْنُ مَعِينٍ وَأَحْمَدُ .
وَقَالَ : قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : لَا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَإِنَّمَا رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مَوْقُوفًا عَلَى جَابِرٍ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَرَفْعُهُ ضَعِيفٌ . قُلْتُ : قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي كِتَابِ الْإِمَامِ : وَهَذَا الْحُكْمُ بِالتَّصْحِيحِ فِي رِوَايَةِ الْكَرْخِيِّ لِكِتَابِ التِّرْمِذِيِّ ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ حَسَنٌ لَا غَيْرُ .
وَقَالَ شَيْخُنَا زَيْنُ الدِّينِ رحمه الله : لَعَلَّ التِّرْمِذِيَّ إِنَّمَا حَكَمَ عَلَيْهِ بِالصِّحَّةِ لِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، فَقَدْ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، الْعُمْرَةُ فَرِيضَةٌ كَالْحَجِّ ؟ قَالَ : لَا ، وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَك ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْإِمَامِ وَقَالَ : اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِضَعْفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ . قَالَ الْعَيْنِيُّ : رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، الْعُمْرَةُ وَاجِبَةٌ فَرِيضَتُهَا كَفَرِيضَةِ الْحَجِّ ؟ قَالَ : لَا ، وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَكَ . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ - غَيْرَ مَنْسُوبٍ - عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، ثُمَّ قَالَ : وَهُوَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، تَفَرَّدَ بِهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ .
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : الْحَجُّ جِهَادٌ وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ ، وَرَوَى عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوَهُ ، وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوُهُ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ قَالُوا : الْعُمْرَةُ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ ) ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ الْبَابِ ، وقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ ضَعِيفٌ لَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ يُقَالُ : هُمَا حَجَّانِ ؛ الْحَجُّ الْأَكْبَرُ يَوْمُ النَّحْرِ ، وَالْحَجُّ الْأَصْغَرُ الْعُمْرَةُ ) ، قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ : وَمَنهُ الْحَجُّ الْأَكْبَرُ هُوَ يَوْمُ النَّحْرِ أَوْ يَوْمُ عَرَفَةَ ، وَيُسَمُّونَ الْعُمْرَةَ الْحَجَّ الْأَصْغَرَ أوَ أَيَّامُ الْحَجِّ كُلُّهَا أَوِ الْقِرَانُ أَوْ يَوْمَ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ ، وَالْأَصْغَرُ الْعُمْرَةُ أَوْ يَوْمُ عَرَفَةَ أَوِ الْإِفْرَادُ ، انْتَهَى مَا فِي الْمَجْمَعِ .
( وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْعُمْرَةُ سُنَّةٌ ) ؛ أَيْ وَاجِبَةٌ ثَابِتَةٌ بِالسُّنَّةِ ، قَالَ الْعَيْنِيُّ : قَالَ شَيْخُنَا زَيْنُ الدِّينِ : مَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ لَا يُرِيدُ بِهِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : لَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَخَّصَ فِي تَرْكِهَا ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ الَّتِي يُرَادُ بِهَا خِلَافُ الْوَاجِبِ يُرَخَّصُ فِي تَرْكِهَا قَطْعًا ، وَالسُّنَّةُ تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا الطَّرِيقَةُ وَغَيْرُ سُنَّةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، انْتَهَى . ( قَالَ ) ؛ أَيِ الشَّافِعِيُّ ، ( وَقَدْ رُوِيَ ) ؛ أَيْ فِي كَوْنِ الْعُمْرَةِ تَطَوُّعًا ، ( عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ ضَعِيفٌ ) . قَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا الْأَحَادِيثُ الَّتِي رُوِيَتْ فِي كَوْنِ الْعُمْرَةِ تَطَوُّعًا ، ( وَقَدْ بَلَغَنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يُوجِبُهَا ) ، أَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ : سَمِعْتُ طَاوُسًا يَقُولُ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : وَاَللَّهِ إِنَّهَا لَقَرِينَتُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ ؛ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ .
وَلِلْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ . وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ لَقَرِينَتُهَا لِلْفَرِيضَةِ ، وَكَأَنَّ أَصْلَ الْكَلَامِ أَنْ يَقُولَ : لَقَرِينَتُهُ ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْحَجُّ ، كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي . وَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ الْأَثَرِ إِلَى وُجُوبِ الْعُمْرَةِ ، وَاخْتَارَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا .
وَبِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَيْسَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَحَدٌ إِلَّا عَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ وَاجِبَتَانِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ، فَمَنْ زَادَ شَيْئًا فَهُوَ خَيْرٌ وَتَطَوُّعٌ . أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ والدّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ فِي الْمَنَاسِكِ : عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ ، وَبِقَوْلِ صُبَيِّ بْنِ مَعْبَدٍ لِعُمَرَ : رَأَيْتُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ فَأَهْلَلْتُ بِهِمَا .
فَقَالَ لَهُ : هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ . وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ فِي حَدِيثِ عُمَرَ سُؤَالَ جِبْرِيلَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ فَوَقَعَ فِيهِ : أَنْ تَحُجَّ وَتَعْتَمِرَ .
وَإِسْنَادُهُ قَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ . وَبِأَحَادِيثَ أُخَرَ غَيْرِ مَا ذُكِرَ ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ؛ أَيْ أَقِيمُوهُمَا ، وَالظَّاهِرُ هُوَ وُجُوبُ الْعُمْرَةِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .