بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ النَّوْحِ
996 حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نَا أَبُو دَاوُدَ ، نَا شُعْبَةُ ، وَالْمَسْعُودِيُّ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ ، عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَنْ يَدَعَهُنَّ النَّاسُ : النِّيَاحَةُ ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَحْسَابِ ، وَالْعَدْوَى أَجْرَبَ بَعِيرٌ فَأَجْرَبَ مِائَةَ بَعِيرٍ ، مَنْ أَجْرَبَ الْبَعِيرَ الْأَوَّلَ ؟ وَالْأَنْوَاءُ : مُطِرْنَا بِنَوْءٍ كَذَا وَكَذَا ، قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .
قَوْلُهُ : ( أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي ) أَيْ : خِصَالٌ أَرْبَعٌ كَائِنَةٌ فِي أُمَّتِي ( مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ ) أَيْ : حَالَ كَوْنِهِنَّ مِنْ أُمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ وَخِصَالِهَا ( لَنْ يَدَعَهُنَّ ) بِفَتْحِ الدَّالِ أَيْ : لَنْ يَتْرُكَهُنَّ ( النِّيَاحَةُ ) هِيَ قَوْلُ وَاوَيْلَاهُ ، وَاحَسْرَتَاهُ ، وَالنُّدْبَةُ : عَدُّ شَمَائِلِ الْمَيِّتِ مِثْلُ : وَاشُجَاعَاهُ ، وَاأَسَدَاهُ ، وَاجَبَلَاهُ قَالَهُ الْقَارِي ( وَالطَّعْنُ فِي الْأَحْسَابِ ) جَمْعُ الْحَسَبِ ، وَمَا يَعُدُّهُ الرَّجُلُ مِنَ الْخِصَالِ الَّتِي تَكُونُ فِيهِ كَالشُّجَاعَةِ وَالْفَصَاحَةِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَقِيلَ : الْحَسَبُ : مَا يَعُدُّهُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَفَاخِرِ آبَائِهِ ، قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ : الْحَسَبُ وَالْكَرَمُ يَكُونَانِ فِي الرَّجُلِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِآبَائِهِ شَرَفٌ ، وَالشَّرَفُ وَالْمَجْدُ لَا يَكُونَانِ إِلَّا بِالْآبَاءِ ( وَالْعَدْوَى ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ ، قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : هُوَ اسْمٌ مِنَ الْإِعْدَاءِ كَالرَّعْوَى ، وَالْبَقْوَى مِنَ الْإِرْعَاءِ ، وَالْإِبْقَاءِ ، يُقَالُ : أَعْدَاهُ الدَّاءَ يُعْدِيهِ إِعْدَاءً ، وَهُوَ أَنْ يُصِيبَهُ مِثْلَ مَا بِصَاحِبِ الدَّاءِ ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بِبَعِيرٍ جَرَبٌ مَثَلًا فَتَنْتَفِيَ مُخَالَطَتُهُ بِإِبِلٍ أُخْرَى ؛ حذارا أَنْ يَتَعَدَّى مَا بِهِ مِنَ الْجَرَبِ إِلَيْهَا ، فَيُصِيبَهَا مَا أَصَابَهُ ، وَقَدْ أَبْطَلَهُ الْإِسْلَامُ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ الْمَرَضَ بِنَفْسِهِ يَتَعَدَّى ، فَأَعْلَمَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ، وَإِنَّمَا اللَّهُ هُوَ الَّذِي يُمْرِضُ وَيُنْزِلُ الدَّاءَ ( أَجْرَبَ بَعِيرٌ ) أَيْ : صَارَ ذَا جَرَبٍ ( مَنْ أَجْرَبَ الْبَعِيرَ الْأَوَّلَ ) هَذَا رَدٌّ عَلَيْهِمْ ، أَيْ : مِنْ أَيْنَ صَارَ فِيهُمُ الْجَرَبُ ( وَالْأَنْوَاءُ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا ) الْأَنْوَاءُ : جَمْعُ نَوْءٍ ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ نَقْلًا عَنِ الشَّيْخِ أَبِي عمرِ الصَّلَاحِ : النَّوْءُ فِي أَصْلِهِ لَيْسَ هُوَ نَفْسُ الْكَوْكَبِ ؛ فَإِنَّهُ مَصْدَرُ نَاءَ النَّجْمُ يَنُوءُ نَوْءًا أَيْ : سَقَطَ وَغَابَ ، وَقِيلَ : نَهَضَ وَطَلَعَ ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ نَجْمًا مَعْرُوفَةَ الْمَطَالِعِ فِي أَزْمِنَةِ السَّنَةِ كُلِّهَا ، وَهِيَ الْمَعْرُوفَةُ بِمَنَازِلِ الْقَمَرِ الثَّمَانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ يَسْقُطُ فِي كُلِّ ثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً مِنْهَا نَجْمٌ فِي الْمَغْرِبِ مَعَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَيَطْلُعُ آخَرُ يُقَابِلُهُ فِي الْمَشْرِقِ مِنْ سَاعَتِهِ ، فَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا كَانَ عِنْدَ ذَلِكَ مَطَرٌ يَنْسُبُونَهُ إِلَى السَّاقِطِ الْغَارِبِ مِنْهُمَا ، وقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : إِلَى الطَّالِعِ مِنْهُمَا ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّ النَّوْءَ السُّقُوطُ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، ثُمَّ إِنَّ النَّجْمَ نَفْسَهُ قَدْ يُسَمَّى نَوْءًا تَسْمِيَةً لِلْفَاعِلِ بِالْمَصْدَرِ ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ فِي أَمَالِيهِ : السَّاقِطَةُ فِي الْمَغْرِبِ هِيَ الْأَنْوَاءُ ، وَالطَّالِعَةُ فِي الْمَشْرِقِ هِيَ الْبَوَارِجُ . انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ .