بَاب مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النَّجَاشِيِّ
حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بن يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ ، وَحُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ ، قَالَا : نَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، نَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، قَالَ : قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أَخَاكُمْ النَّجَاشِيَّ قَدْ مَاتَ ، فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ ، قَالَ : فَقُمْنَا فَصَفَفْنَا كَمَا يُصَفُّ عَلَى الْمَيِّتِ ، وَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ كَمَا يُصَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ ، وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي سَعِيدٍ وَحُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ وَجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو قِلَابَةَ عَنْ عَمِّهِ أَبِي الْمُهَلَّبِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَأَبُو الْمُهَلَّبِ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو ، وَيُقَالُ لَهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو .
باب ما جاء في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي هُوَ مِنْ سَادَاتِ التَّابِعِينَ ، أَسْلَمَ وَلَمْ يُهَاجِرْ ، وَهَاجَرَ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِ إِلَى الْحَبَشَةِ مَرَّتَيْنِ ، وَهُوَ يُحْسِنُ إِلَيْهِمْ ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ بِكِتَابَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا يَدْعُوهُ فِيهِ إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَالثَّانِي يَطْلُبُ مِنْهُ تَزْوِيجَهُ بِأُمِّ حَبِيبَةَ ، فَأَخَذَ الْكِتَابَ وَوَضَعَهُ عَلَى عَيْنَيْهِ ، وَأَسْلَمَ ، وَزَوَّجَهُ أُمَّ حَبِيبَةَ ، وَأَسْلَمَ عَلَى يَدِهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ قَبْلَ أَنْ يَصْحَبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَصَارَ يُلْغَزُ بِهِ ، فَيُقَالُ : صَحَابِيٌّ كَثِيرُ الْحَدِيثِ أَسْلَمَ عَلَى يَدِ تَابِعِيٍّ ، كَذَا فِي ضِيَاءِ السَّارِي ، وقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : هُوَ بِفَتْحِ النُّونِ ، وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ ، وَبَعْدَ الْأَلِفِ شِينٌ ، ثُمَّ يَاءٌ ثَقِيلَةٌ كَيَاءِ النَّسَبِ ، وَقِيلَ : بِالتَّخْفِيفِ ، لَقَبُ مَنْ مَلَكَ الْحَبَشَةَ ، وحَكَى الْمُطَرِّزِيُّ تَشْدِيدَ الْجِيمِ عَنْ بَعْضِهِمْ وَخَطَّأَهُ . انْتَهَى . قُلْتُ : كَمَا يُقَالُ لِمَنْ مَلَكَ الْفُرْسَ كِسْرَى ، وَلِمَنْ مَلَكَ الرُّومَ قَيْصَرٌ ، كَذَلِكَ يُقَالُ لِمَنْ مَلَكَ الْحَبَشَةَ النَّجَاشِيُّ ، وَكَانَ اسْمُهُ أَصْحَمَةَ ، فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي هِجْرَةِ الْحَبَشَةِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَى أَخِيكُمْ أَصْحَمَةَ .
قَوْلُهُ : ( إِنَّ أَخَاكُمْ النَّجَاشِيَّ قَدْ مَاتَ ) ، وفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ قَدْ تُوفِّيَ الْيَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنْ الْحَبَشِ ، وفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ نُعِيَ النَّجَاشِيُّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، وفِيهِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَهُمْ بِمَوْتِهِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ مَعَ بُعْدِ مَا بَيْنَ أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَالْمَدِينَةِ ، ( وَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ كَمَا يُصَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ الْغَائِبِ عَنِ الْبَلَدِ ، وَبِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ وَجُمْهُورُ السَّلَفِ حَتَّى قَالَ ابْنُ حَزْمٍ : لَمْ يَأْتِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَنْعُهُ ، وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ لَا يُشْرَعُ ذَلِكَ ، وقَدْ اعْتَذَرَ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْغَائِبِ مِنْ قِصَّةِ النَّجَاشِيِّ بِأُمُورٍ ، مِنْهَا أَنَّهُ كَانَ بِأَرْضٍ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ بِهَا أَحَدٌ ، فَتَعَيَّنَتِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ لِذَلِكَ ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَا يُصَلَّى عَلَى الْغَائِبِ إِلَّا إِذَا وَقَعَ مَوْتُهُ لَيْسَ بِهَا مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ وَاسْتَحْسَنَهُ الرُّويَانِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَبِهِ تَرْجَمَ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ الصَّلَاةُ عَلَى الْمُسْلِمِ يَلِيهِ أَهْلُ الشِّرْكِ بِبَلَدٍ آخَرَ : قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : هَذَا مُحْتَمِلٌ إِلَّا أَنَّنِي لَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ فِي بَلَدِهِ أَحَدٌ ، ومِنْهَا أَنَّهُ كُشِفَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ ، حَتَّى رَآهُ ، فَتَكُونُ صَلَاتُهُ عَلَيْهِ كَصَلَاةِ الْإِمَامِ عَلَى مَيِّتٍ رَآهُ ، وَلَمْ يَرَهُ الْمَأْمُومُونَ ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهَا ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ صَحِيحٍ صَرِيحٍ ، وَلَمْ يَثْبُتْ . فَإِنْ قُلْتَ : قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كُشِفَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ سَرِيرِ النَّجَاشِيِّ حَتَّى رَآهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قِصَّةَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّجَاشِيِّ ، وفِي رِوَايَتِهِ : فَقَامَ وَصَفُّوا خَلْفَهُ ، وَهُمْ لَا يَظُنُّونَ إِلَّا أَنَّ جِنَازَتَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ . أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْهُ ، وَلِأَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبَانَ ، وَغَيْرِهِ عَنْ يَحْيَى : فَصَلَّيْنَا خَلْفَهُ ، وَنَحْنُ لَا نَرَى إِلَّا أَنَّ الْجِنَازَةَ قُدَّامَنَا .
قُلْتُ : أَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَدْ ذَكَرَهَا الْوَاقِدِيُّ فِي أَسْبَابِهِ بِغَيْرِ إِسْنَادٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي : وَأَمَّا رِوَايَةُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ بِلَفْظِ : وَهُمْ لَا يَظُنُّونَ إِلَّا أَنَّ جِنَازَتَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَبِلَفْظِ : وَنَحْنُ لَا نَرَى إِلَّا أَنَّ الْجِنَازَةَ قُدَّامَنَا ، فَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُمْ صَلَّوْا عَلَيْهِ كَمَا يُصَلُّونَ عَلَى الْمَيِّتِ الْحَاضِرِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبَابِ بِلَفْظِ ، فَقُمْنَا فَصَفَفْنَا كَمَا يُصَفُّ عَلَى الْمَيِّتِ وَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ كَمَا يُصَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عِمْرَانَ ابْنِ حُصَيْنٍ ، ومِنْهَا أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالنَّجَاشِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى مَيِّتٍ غَائِبٍ ، قَالَهُ الْمُهَلَّبُ ، وأَجَابَ عَنْهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ فَقَالَ : كَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ قِصَّةُ مُعَاوِيَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ اللَّيْثِيِّ ، وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي تَرْجَمَتِهِ فِي الصَّحَابَةِ أَنَّ خَبَرَهُ قَوِيٌّ بِالنَّظَرِ إِلَى مَجْمُوعِ طُرُقِهِ . انْتَهَى . ولِمَنْ لَمْ يَقُلْ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْغَائِبِ اعْتِذَارَاتٌ أُخْرَى ضَعِيفَةٌ لَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِهَا وَالْكَلَامِ عَلَيْهَا ، قَالَ الشَّوْكَانِيُّ بَعْدَ الْبَحْثِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا لَفْظُهُ : وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ الْمَانِعُونَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى الْغَائِبِ بِشَيْءٍ يُعْتَدَّ بِهِ سِوَى الِاعْتِذَارِ بِأَنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِمَنْ كَانَ فِي أَرْضٍ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ فِيهَا ، وَهُوَ أَيْضًا جُمُودٌ عَلَى قِصَّةِ النَّجَاشِيِّ يَدْفَعُهُ الْأَثَرُ وَالنَّظَرُ .
انْتَهَى . قُلْتُ : الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ طَوِيلٌ مَذْكُورٌ فِي فَتْحِ الْبَارِي ، وَغَيْرِهِ فَعَلَيْكَ أَنْ تُرَاجِعَهُ . قَوْلُهُ : ( وفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَحُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ ، وَجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَأَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ ، وأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، وأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ ، وَحُذَيْفَةَ ، وَجَرِيرٍ ، فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ( وَأَبُو الْمُهَلَّبِ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو إِلَخْ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : أَبُو الْمُهَلَّبِ الْجَرْمِيُّ الْبَصْرِيُّ عَمُّ أَبِي قِلَابَةَ فَذَكَرَ الِاخْتِلَافَ فِي اسْمِهِ ، ثُمَّ قَالَ : ثِقَةٌ مِنَ الثَّانِيَةِ .