بَاب مَا جَاءَ فِي إِجَابَةِ الدَّاعِي
بَاب مَا جَاءَ فِي إِجَابَةِ الدَّاعِي
1098 حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ ، نا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ائْتُوا الدَّعْوَةَ إِذَا دُعِيتُمْ . وَفِي الْبَاب عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَالْبَرَاءِ وَأَنَسٍ وَأَبِي أَيُّوبَ . حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
بَاب فِي إِجَابَةِ الدَّاعِي
قَوْلُهُ : ( ائْتُوا الدَّعْوَةَ إِذَا دُعِيتُمْ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : دَعْوَةُ الطَّعَامِ بِفَتْحِ الدَّالِ ، وَدِعْوَةُ النَّسَبِ بِكَسْرِهَا ، هَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعَرَبِ ، وَعَكَسَهُ تَيْمُ الرَّبَابِ فَقَالُوا : الطَّعَامُ بِالْكَسْرِ ، وَالنَّسَبُ بِالْفَتْحِ . وَأَمَّا قَوْلُ قُطْرُبٍ فِي الْمُثَلَّثِ : إِنَّ دَعْوَةَ الطَّعَامِ بِالضَّمِّ فَغَلَّطُوهُ فِيهِ ، والْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْإِجَابَةُ إِلَى كُلِّ دَعْوَةٍ مِنْ عُرْسٍ ، وَغَيْرِهِ ، وقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فَقَالَ بِوُجُوبِ الْإِجَابَةِ إِلَى الدَّعْوَةِ مُطْلَقًا ، عُرْسًا كَانَ ، أَوْ غَيْرَهُ بِشَرْطِهِ ، ونَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ قَاضِي الْبَصْرَةِ ، وزَعَمَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّهُ قَوْلُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ .
وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ، وَهُوَ مِنْ مَشَاهِيرِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ قَالَ فِي وَلِيمَةِ الْخِتَانِ : لَمْ يَكُنْ يُدْعَى لَهَا ، لَكِنْ يُمْكِنُ الِانْفِصَالُ عَنْهُ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْقَوْلَ بِالْوُجُوبِ لَوْ دَعَوَا . وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ دَعَا لِطَعَامٍ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ : اعْفِنِي .
فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : إِنَّهُ لَا عَافِيَةَ لَكَ مِنْ هَذَا فَقُمْ . وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ابْنَ صَفْوَانَ دَعَاهُ فَقَالَ : إِنِّي مَشْغُولٌ ، وَإِنْ لَمْ تُعْفِنِي جِئْتُهُ .
وجَزَمَ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ فِي غَيْرِ وَلِيمَةِ النِّكَاحِ الْمَالِكِيَّةُ ، وَالْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَجُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ ، وَبَالَغَ السَّرَخْسِيُّ مِنْهُمْ فَنَقَلَ فِيهِ الْإِجْمَاعَ ، وَلَفْظُ الشَّافِعِيِّ : إِتْيَانُ دَعْوَةِ الْوَلِيمَةِ حَقٌّ ، والْوَلِيمَةُ الَّتِي تُعْرَفُ وَلِيمَةُ الْعُرْسِ ، وَكُلُّ دَعْوَةٍ دَعَا إِلَيْهَا رَجُلٌ وَلِيمَةٌ ، فَلَا أُرَخِّصُ لِأَحَدٍ فِي تَرْكِهَا ، وَلَوْ تَرَكَهَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لِي أَنَّهُ عَاصٍ فِي تَرْكِهَا ، كَمَا تَبَيَّنَ لِي فِي وَلِيمَةِ الْعُرْسِ ، قَالَهُ الْحَافِظُ ، وقَالَ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ وَذَكَرْنَا لَفْظَهُ - مَا لَفْظُهُ : وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ اللَّامَ فِي الدَّعْوَةِ لِلْعَهْدِ مِنَ الْوَلِيمَةِ الْمَذْكُورَةِ أَوَّلًا ، وقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْوَلِيمَةَ إِذَا أُطْلِقَتْ حُمِلَتْ عَلَى طَعَامِ الْعُرْسِ ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْوَلَائِمِ فَإِنَّهَا تُقَيَّدُ . انْتَهَى .
قُلْتُ : قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ بَعْدَ ذِكْرِ كَلَامِ الْحَافِظِ هَذَا - مَا لَفْظُهُ : وَيُجَابُ - أَوَّلًا - بِأَنَّ هَذَا مُصَادَرَةٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ ؛ لِأَنَّ الْوَلِيمَةَ الْمُطْلَقَةَ هِيَ مَحَلُّ النِّزَاعِ . وَثَانِيًا بِأَنَّ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ مَا يُشْعِرُ بِالْإِجَابَةِ إِلَى كُلِّ دَعْوَةٍ ، وَلَا يُمْكِنُ فِيهِ مَا ادَّعَاهُ فِي الدَّعْوَةِ ، وَذَلِكَ نَحْوُ مَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ مَنْ دُعِيَ فَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : مَنْ دُعِيَ إِلَى عُرْسٍ ، أَوْ نَحْوِهِ فَلْيُجِبْ ، ثُمَّ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : لَكِنَّ الْحَقَّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْأَوَّلُونَ ; يَعْنِي بِهِمْ الَّذِينَ قَالُوا بِوُجُوبِ الْإِجَابَةِ إِلَى كُلِّ دَعْوَةٍ . قُلْتُ : الظَّاهِرُ هُوَ مَا قَالَ الشَّوْكَانِيُّ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
فَائِدَةٌ :
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ أَنْ حَكَى وُجُوبَ الْإِجَابَةِ إِلَى الْوَلِيمَةِ : وَشَرْطُ وُجُوبِهَا أَنْ يَكُونَ الدَّاعِي مُكَلَّفًا حُرًّا رَشِيدًا ، أَنْ لَا يَخُصَّ الْأَغْنِيَاءَ دُونَ الْفُقَرَاءِ ، وَأَنْ لَا يُظْهِرَ قَصْدَ التَّوَدُّدِ لِشَخْصٍ بِعَيْنِهِ لِرَغْبَةٍ فِيهِ ، أَوْ رَهْبَةٍ مِنْهُ ، وَأَنْ يَكُونَ الدَّاعِي مُسْلِمًا عَلَى الْأَصَحِّ ، وأَنْ يَخْتَصَّ بِالْيَوْمِ الْأَوَّلِ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَأَنْ لَا يُسْبَقَ ، فَمَنْ سَبَقَ تَعَيَّنَتِ الْإِجَابَةُ لَهُ دُونَ الثَّانِي ، وَإِنْ جَاءَا مَعًا قُدِّمَ الْأَقْرَبُ رَحِمًا عَلَى الْأَقْرَبِ جِوَارًا ، عَلَى الْأَصَحِّ ، فَإِنْ اسْتَوَيَا أُقْرِعَ ، وَأَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ مَنْ يَتَأَذَّى بِحُضُورِهِ .
قَوْلُهُ : ( وفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ ) لِيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ ( وَأَبِي هُرَيْرَةَ ) قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ ؛ يُدْعَى لَهَا الْأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ ، وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ .
( وَالْبَرَاءِ ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ( وَأَنَسٍ ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ : أَنَّ يَهُودِيًّا دَعَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ ، فَأَجَابَهُ ، كَذَا فِي عُمْدَةِ الْقَارِي .
( وَأَبِي أَيُّوبٍ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى حَدِيثِهِ .
قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ .