بَاب مَا جَاءَ لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ
1102 حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ . فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا ، فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْحُفَّاظِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَ هَذَا . وَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى حَدِيثٌ فِيهِ اخْتِلَافٌ ، رَوَاهُ إِسْرَائِيلُ ، وَشَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبُو عَوَانَةَ ، وَزُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، وَقَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَرَوَاه أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَزَيْدُ بْنُ حُبَابٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَرَوَى أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ ، ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا . وَرَوَى شُعْبَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ . وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِ سُفْيَانَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، وَلَا يَصِحُّ . وَرِوَايَةُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ رَوَوْا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ - عِنْدِي أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ سَمَاعَهُمْ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَإِنْ كَانَ شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ أَحْفَظَ وَأَثْبَتَ مِنْ جَمِيعِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ رَوَوْا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ ، فَإِنَّ رِوَايَةَ هَؤُلَاءِ عِنْدِي أَشْبَهُ وأصح ؛ لِأَنَّ شُعْبَةَ وَالثَّوْرِيَّ سَمِعَا هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ نا أَبُو دَاوُدَ ، أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ قَال : سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ يَسْأَلُ أَبَا إِسْحَاقَ : أَسَمِعْتَ أَبَا بُرْدَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ . فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ سَمَاعَ شُعْبَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ . وَإِسْرَائِيلُ هُوَ ثَبْتٌ فِي أَبِي إِسْحَاقَ ، سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ الْمُثَنَّى يَقُولُ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ يَقُولُ : مَا فَاتَنِي الَّذِي فَاتَنِي مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، إِلَّا لَمَّا اتَّكَلْتُ بِهِ عَلَى إِسْرَائِيلَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَأْتِي بِهِ أَتَمَّ .
وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ - حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وروى ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَرَوَى الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ ، وَجَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَروي عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أهل الْحَدِيثِ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : ثُمَّ لَقِيتُ الزُّهْرِيَّ ، فَسَأَلْتُهُ ، فَأَنْكَرَهُ . فَضَعَّفُوا هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَجْلِ هَذَا . وَذُكِرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ : لَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْحَرْفَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ إِلَّا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ . قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : وَسَمَاعُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ لَيْسَ بِذَاكَ ، إِنَّمَا صَحَّحَ كُتُبَهُ عَلَى كُتُبِ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ ، مَا سَمِعَ مِنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَضَعَّفَ يَحْيَى رِوَايَةَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ .
وَالْعَمَلُ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ - عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَغَيْرُهُمْ . وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ أَنَّهُمْ قَالُوا : لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ ، مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَشُرَيْحٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَغَيْرُهُمْ . وَبِهَذَا يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ سُلَيْمَانَ ) هُوَ ابْنُ مُوسَى الْأُمَوِيُّ ، مَوْلَاهُمْ الدِّمَشْقِيُّ الْأَشْدَقُ ، صَدُوقٌ ، فَقِيهٌ ، فِي حَدِيثِهِ بَعْضُ لِينٍ ، خُولِطَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِقَلِيلٍ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ . وقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : وَثَّقَهُ دحَيْمٌ ، وَابْنُ مَعِينٍ ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : تَفَرَّدَ بِأَحَادِيثَ ، وَهُوَ عِنْدِي ثَبْتٌ صَدُوقٌ . وَقَالَ النَّسَائِيُّ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : مَحَلُّهُ الصِّدْقُ ، فِي حَدِيثِهِ بَعْضُ الِاضْطِرَابِ ، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : مَاتَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ . انْتَهَى .
قَوْلُهُ : ( أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ ) أَيْ : نَفْسَهَا ، وَأَيُّمَا مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ فِي سَلْبِ الْوِلَايَةِ عَنْهُنَّ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ ، أَيْ : أَيُّمَا امْرَأَةٍ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا ( فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ) كَرَّرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لِلتَّأْكِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ .
( بِمَا اسْتَحَلَّ ) أَيْ : اسْتَمْتَعَ ( فَإِنْ اشْتَجَرُوا ) أَيْ : الْأَوْلِيَاءُ أَيْ : اخْتَلَفُوا وَتَنَازَعُوا اخْتِلَافًا لِلْعَضْلِ كَانُوا كَالْمَعْدُومِينَ ، قَالَهُ الْقَارِي ، وفِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ : التَّشَاجُرُ : الْخُصُومَةُ ، والْمُرَادُ الْمَنْعُ مِنَ الْعَقْدِ دُونَ الْمُشَاحَّةِ فِي السَّبْقِ إِلَى الْعَقْدِ ، فَأَمَّا إِذَا تَشَاجَرُوا فِي الْعَقْدِ وَمَرَاتِبُهُمْ فِي الْوِلَايَةِ سَوَاءٌ ، فَالْعَقْدُ لِمَنْ سَبَقَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ إِذَا كَانَ ذَلِكَ نَظَرًا مِنْهُ فِي مَصْلَحَتِهَا . انْتَهَى .
( فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ ) ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ إِذَا امْتَنَعَ مِنَ التَّزْوِيجِ فَكَأَنَّهُ لَا وَلِيَّ لَهَا ، فَيَكُونُ السُّلْطَانُ وَلِيَّهَا ، وَإِلَّا فَلَا وِلَايَةَ لِلسُّلْطَانِ مَعَ وُجُودِ الْوَلِيِّ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَةَ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ كَمَا عَرَفْتَ مِنْ كَلَامِ الْحَافِظِ ، وقَالَ الْحَافِظُ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ : أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ ، وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ . انْتَهَى ، وقَالَ فِي التَّلْخِيصِ : وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُهُمْ مِنْ جِهَةِ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ قَالَ : ثُمَّ لَقِيتُ الزُّهْرِيَّ فَسَأَلْتُهُ عَنْهُ ، فَأَنْكَرَهُ ، قَالَ : فَضَعْفُ الْحَدِيثِ مِنْ أَجْلِ هَذَا . لَكِنْ ذُكِرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ : لَمْ يَذْكُرْ هَذَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ غَيْرُ ابْنِ عُلَيَّةَ ، وضَعَّفَ يَحْيَى رِوَايَةَ ابْنِ عُلَيَّةَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ . انْتَهَى ، وحِكَايَةُ ابْنِ جُرَيْجٍ هَذِهِ وَصَلَهَا الطَّحَاوِيُّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي عِمْرَانَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، ورَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ ، سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ ، وَعَدَّ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مَنْدَهْ عِدَّةَ مَنْ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، فَبَلَغُوا عِشْرِينَ رَجُلًا ، وَذَكَرَ أَنَّ مَعْمَرًا ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زَحْرٍ تَابَعَا ابْنَ جُرَيْجٍ عَلَى رِوَايَتِهِ إِيَّاهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى ، وأَنَّ قُرَّةَ وَمُوسَى بْنَ عُقْبَةَ وَمُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ وَأَيُّوبَ بْنَ مُوسَى وَهِشَامَ بْنَ سَعْدٍ وَجَمَاعَةً - تَابَعُوا سُلَيْمَانَ بْنَ مُوسَى ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : وَرَوَاهُ أَبُو مَالِكٍ الْجَنْبِيُّ ، ونُوحُ بْنُ دَرَّاجٍ ، وَمِنْدَلٌ ، وَجَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانٍ وَجَمَاعَةٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : فَلَقِيتُ الزُّهْرِيَّ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَلَمْ يَعْرِفْهُ ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ موسى ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ . قَالَ : وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : سَمَاعُ ابْنِ عُلَيَّةَ مِنَ ابْنِ جُرَيْجٍ لَيْسَ بِذَلكَ ، قَالَ : وَلَيْسَ أَحَدٌ يَقُولُ فِيهِ هَذِهِ الزِّيَادَةَ غَيْرَ ابْنِ عُلَيَّةَ ، وأَعَلَّ ابْنُ حِبَّانَ ، وَابْنُ عَدِيٍّ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالْحَاكِمُ ، وَغَيْرُهُمْ الْحِكَايَةَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وأَجَابُوا عَنْهَا عَلَى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نِسْيَانِ الزُّهْرِيِّ لَهُ أَنْ يَكُونَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى وَهِمَ فِيهِ ، وقَدْ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ أَيْضًا الدَّارَقُطْنِيُّ فِي جُزْءِ مَنْ حَدَّثَ وَنَسِيَ ، وَالْخَطِيبُ بَعْدَهُ ، وَأَطَالَ فِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ ، وفِي الْخِلَافِيَّاتِ ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ ، وأَطَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي فِي ذِكْرِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الْأَحْكَامِ نَصًّا وَاسْتِنْبَاطًا ، فَأَفَادَ . انْتَهَى .
فَإِنْ قُلْتَ : إِنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا كَانَتْ تُجِيزُ النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ كَمَا رَوَى مَالِكٌ أَنَّهَا زَوَّجَتْ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخِيهَا ، وَهُوَ غَائِبٌ ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ : أَمْثَلِي يُفْتَاتُ عَلَيْهِ فِي بِنَايَةٍ ؟ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ ؛ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ .
قُلْتُ : قَالَ الْحَافِظُ : لَمْ يَرِدْ فِي الْخَبَرِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا بَاشَرَتِ الْعَقْدَ ، فَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْبِنْتُ الْمَذْكُورَةُ ثَيِّبًا وَدَعَتْ إِلَى كُفْءٍ ، وَأَبُوهَا غَائِبٌ ، فَانْتَقَلَتِ الْوِلَايَةُ إِلَى الْوَلِيِّ الْأَبْعَدِ أَوِ إِلَى السُّلْطَانِ ، وقَدْ صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَنْكَحَتْ رَجُلًا مِنْ بَنِي أَخِيهَا ، فَضَرَبَتْ بَيْنَهُمْ بِسِتْرٍ ، ثُمَّ تَكَلَّمَتْ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا الْعَقْدُ أَمَرَتْ رَجُلًا فَأَنْكَحَ ، ثُمَّ قَالَتْ : لَيْسَ إِلَى النِّسَاءِ نِكَاحٌ . أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي .
قَوْلُهُ : ( رَوَاهُ
إِسْرَائِيلُ ، وَشَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَخْ ) هَذَا بَيَانُ الِاخْتِلَافِ الَّذِي وَقَعَ فِي إِسْنَادِ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى ، وَقَدْ رَجَّحَ التِّرْمِذِيُّ رِوَايَةَ إِسْرَائِيلَ ، وَشَرِيكٍ ، وَغَيْرِهِمَا الَّذِينَ رَوَوُا الْحَدِيثَ مُسْنَدًا مُتَّصِلًا ، عَلَى رِوَايَةِ شُعْبَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ الْمُرْسَلَةِ - لِأَجْلِ أَنَّ سَمَاعَهُمْ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ فِي مَجَالِسَ وَأَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَسَمَاعُهُما مِنْهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ .
قَوْلُهُ : ( وَإِسْرَائِيلُ هُوَ ثَبْتٌ فِي أَبِي إِسْحَاقَ إِلَخْ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي : وأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ، قَالَ : إِسْرَائِيلُ فِي أَبِي إِسْحَاقَ أَثْبَتُ مِنْ شُعْبَةَ ، وَسُفْيَانَ ، وَأَسْنَدَ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ ، وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ ، وَالذُّهْلِيِّ ، وَغَيْرِهِمْ : أَنَّهُمْ صَحَّحُوا حَدِيثَ إِسْرَائِيلَ .
قَوْلُهُ : ( وَرَوَى الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ ، وَجَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ) فَتَابَعَ الْحَجَّاجُ وَجَعْفَرٌ سُلَيْمَانَ بْنَ مُوسَى فِي رِوَايَتِهِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَلَمْ يَتَفَرَّدْ بِهِ .
( قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : ثُمَّ لَقِيتُ الزُّهْرِيَّ ، فَسَأَلْتُهُ ، فَأَنْكَرَهُ ) أَيْ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ .
( فَضَعَّفُوا هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَجْلِ هَذَا ) وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا ، فَتَذَكَّرْ .
( لَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْحَرْفَ ) أَيْ : ثُمَّ لَقِيتُ الزُّهْرِيَّ فَسَأَلْتُهُ فَأَنْكَرَهُ .
( إِلَّا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ) وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ ، ثِقَةٌ ، حَافِظٌ .
( إِنَّمَا صَحَّحَ كُتُبَهُ عَلَى كُتُبِ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ ، الْأَزْدِيِّ ، أَبِي عَبْدِ الْحَمِيدِ الْمَكِّيِّ .
عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فَأَكْثَرَ ، قَالَ أَحْمَدُ : وَيَحْيَى ثِقَةٌ ، يَغْلُو فِي الْإِرْجَاءِ ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : يُعْتَبَرُ بِهِ ، وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ ، وقَالَ فِي التَّقْرِيبِ : صَدُوقٌ ، يُخْطِئُ . أَفْرَطَ ابْنُ حِبَّانَ فَقَالَ : مَتْرُوكٌ .
( مَا سَمِعَ مِنَ ابْنِ جُرَيْجٍ ) أَيْ : لَمْ يَسْمَعْ إِسْمَاعِيلُ مِنَ ابْنِ جُرَيْجٍ .
قَوْلُهُ : ( وَالْعَمَلُ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ " عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَخْ ) قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ : فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى ذَلِكَ ، وَقَالُوا : لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا أَصْلًا ، واحْتَجُّوا بِأَحَادِيثِ الْبَابِ ، وذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْوَلِيُّ أَصْلًا ، وَيَجُوزُ أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا - وَلَوْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا - إِذَا تَزَوَّجَتْ كُفْئًا . وَاحْتَجَّ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْبَيْعِ ، فَإِنَّهَا تَسْتَقِلُّ بِهِ ، وحَمَلَ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي اشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ - عَلَى الصَّغِيرَةِ ، وخَصَّ بِهَذَا الْقِيَاسِ عُمُومَهَا ، وهُوَ عَمَلٌ سَائِغٌ فِي الْأُصُولِ ، وَهُوَ جَوَازُ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ . لَكِنْ حَدِيثُ مَعْقِلٍ رفع هَذَا الْقِيَاسَ ، وَيَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ دُونَ غَيْرِهِ ، لِيَنْدَفِعَ عَنْ مُوَلِّيَتِهِ الْعَارُ بِاخْتِيَارِ الْكُفْءِ ، وانْفَصَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ هَذَا الْإِيرَادِ ، بِالْتِزَامِهِمْ اشْتِرَاطَ الْوَلِيِّ ، لَكِنْ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ تَزْوِيجَها نَفْسِهَا ، وَيَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى إِجَازَةِ الْوَلِيِّ . كَمَا قَالُوا فِي الْبَيْعِ ، وهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وقَالَ أَبُو ثَوْرٍ نَحْوَهُ . لَكِنْ قَالَ : يُشْتَرَطُ إِذْنُ الْوَلِيِّ لَهَا فِي تَزْوِيجِ نَفْسِهَا ، وتُعُقِّبَ بِأَنَّ إِذْنَ الْوَلِيِّ لَا يَصِحُّ إِلَّا لِمَنْ يَنُوبُ عَنْهُ ، وَالْمَرْأَةُ لَا تَنُوبُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا ، ولَوْ أَذِنَ لَهَا فِي إِنْكَاحِ نَفْسِهَا صَارَتْ كَمَنْ أُذِنَ لَهَا فِي الْبَيْعِ مِنْ نَفْسِهَا ، ولَا يَصِحُّ ، كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي .
قُلْتُ : أَرَادَ بِحَدِيثِ مَعْقِلٍ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ الْحَسَنِ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ قَالَ : حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ . قَالَ : زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ وَطَلَّقَهَا . حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا . فَقُلْتُ لَهُ : زَوَّجْتُكَ وَفَرَشْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ فَطَلَّقْتَهَا ، ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا ؟ لَا ، وَاللَّهِ لَا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا ، وكَانَ رَجُلًا لَا بَأْسَ بِهِ ، وكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ : فَلا تَعْضُلُوهُنَّ فَقُلْتُ : الْآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَهِيَ أَصْرَحُ دَلِيلٍ عَلَى اعْتِبَارِ الْوَلِيِّ ; وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِعَضْلِهِ مَعْنًى ، وَلِأَنَّهَا لَوْ كَانَ لَهَا أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا لَمْ تَحْتَجْ إِلَى أَخِيهَا ، ومَنْ كَانَ أَمْرُهُ إِلَيْهِ لَا يُقَالُ : إِنَّ غَيْرَهُ مَنَعَهُ مِنْهُ ، قَالَ : وَذَكَرَ ابْنُ مَنْدَهْ : أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ خِلَافُ ذَلِكَ . انْتَهَى .
قُلْتُ : الْقَوْلُ الْقَوِيُّ الرَّاجِحُ هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .