حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

بَاب مَا جَاءَ لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ

1150 قَالَتْ عَائِشَةُ : أُنْزِلَ فِي الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ فَنُسِخَ مِنْ ذَلِكَ خَمْسٌ وَصَارَ إِلَى خَمْسِ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ . حَدَّثَنَا بِذَلِكَ إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ نَا مَعْنٌ نَا مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ بِهَذَا ، وَبِهَذَا كَانَتْ عَائِشَةُ تُفْتِي وَبَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَقَالَ أَحْمَدُ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ " وَقَالَ : إِنْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إِلَى قَوْلِ عَائِشَةَ فِي خَمْسِ رَضَعَاتٍ فَهُوَ مَذْهَبٌ قَوِيٌّ ، وَجَبُنَ عَنْهُ أَنْ يَقُولَ فِيهِ شَيْئًا ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِهِمْ : يُحَرِّمُ قَلِيلُ الرَّضَاعِ وَكَثِيرُهُ إِذَا وَصَلَ إِلَى الْجَوْفِ ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ، وَوَكِيعٍ ، وَأَهْلِ الْكُوفَةِ .

قَوْلُهُ : ( وَقَالَتْ عَائِشَةُ أُنْزِلَ فِي الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ ) بِسُكُونِ الشِّينِ وَبِفَتْحِ الضَّادِ قَالَهُ الْقَارِّيُّ . ( فَنَسَخَ مِنْ ذَلِكَ خَمْسًا ) أَيْ : فَنَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ الْمَذْكُورِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ ، وقَدْ ضُبِطَ فِي النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ الْمَطْبُوعَةِ فَنُسِخَ بِضَمِّ النُّونِ ، وَكَسْرِ السِّينِ ، وَيَخْدِشُهُ قَوْلُهُ خَمْسًا بِالنَّصْبِ . نَعَمْ لَوْ كَانَ خَمْسٌ بِالرَّفْعِ لَكَانَ صَحِيحًا ( وَصَارَ إِلَى خَمْسِ رَضَعَاتٍ إِلَخْ ) وفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ قَالَتْ : فِيمَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ ، فَتُوفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَاهُ : أَنَّ النَّسْخَ بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ تَأَخَّرَ إِنْزَالُهُ جِدًّا حَتَّى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تُوفِّيَ وَبَعْضُ النَّاسِ يَقْرَأُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ وَيجْعَلُهَا قُرْآنًا مَتْلُوًّا لِكَوْنِهِ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّسْخُ لِقُرْبِ عَهْدِهِ ، فَلَمَّا بَلَغَهُمْ النَّسْخُ بَعْدَ ذَلِكَ رَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ هَذَا لَا يُتْلَى ، والنَّسْخُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ : " أَحَدُهَا " - مَا نُسِخَ حُكْمُهُ وَتِلَاوَتُهُ ، كَعَشْرِ رَضَعَاتٍ " وَالثَّانِي " - مَا نُسِخَ تِلَاوَتُهُ دُونَ حُكْمِهِ كَخَمْسِ رَضَعَاتٍ ، وَكَالشَّيْخِ وَالشَّيْخَةِ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا . " وَالثَّالِثُ " - مَا نُسِخَ حُكْمُهُ وَبَقِيَتْ تِلَاوَتُهُ ، وَهَذَا هُوَ الْأَكْثَرُ ، وَمنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ الْآيَةَ . انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ . ( وَبِهَذَا كَانَتْ عَائِشَةُ تُفْتِي وَبَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْقَدْرِ الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ حُكْمُ الرَّضَاعِ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ : لَا يَثْبُتُ بِأَقَلَّ مِنْ خَمْسِ رَضَعَاتٍ ، وقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ : يَثْبُتُ بِرَضْعَةٍ وَاحِدَةٍ . حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَابْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنِ ، وَمَكْحُولٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَالْحَكَمِ ، وَحَمَّادٍ ، وَمَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - ، قَالَ : فَأَمَّا الشَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُوهُ فَأَخَذُوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ خَمْسُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ ، وأَخَذَ مَالِكٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَلَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا ، وَهَاهُنَا اعْتِرَاضَاتٌ مِنْ قِبَلِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الْمَالِكِيَّةِ ، وَمِنْ قِبَلِ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ ، مَذْكُورَةٌ فِي شُرُوحِ مُسْلِمٍ ، وَالْبُخَارِيِّ . ( فَهُوَ مَذْهَبٌ قَوِيٌّ ) لِصِحَّةِ دَلِيلِهِ وَقُوَّتِهِ ( وَجُبْنٌ ) الْجُبْنُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ ضِدُّ الشَّجَاعَةِ . فَهُوَ إِمَّا مَصْدَرٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِصِيغَةِ الْمَاضِي بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِضَمِّهَا . ( عَنْهُ ) الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِ ذَاهِبٌ ( أَنْ يَقُولَ فِيهِ ) أَيْ : فِي هَذَا الْمَذْهَبِ الْقَوِيِّ ( شَيْئًا ) وَالْمَعْنَى : جَبُنَ عَنْ ذَلِكَ الذَّاهِبِ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي هَذَا الْمَذْهَبِ الْقَوِيِّ بِشَيْءٍ مِنَ الْكَلَامِ ، أَوْ ذَلِكَ جُبْنٌ عَنْهُ ، والظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مَقُولَةُ أَحْمَدَ ، وقِيلَ : إنَّهُ مَقُولَةُ التِّرْمِذِيِّ ، وضَمِيرُ عَنْهُ يَرْجِعُ إِلَى أَحْمَدَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَغَيْرِهِمْ : يُحَرِّمُ قَلِيلُ الرَّضَاعِ وَكَثِيرُهُ إِذَا وَصَلَ إِلَى الْجَوْفِ ، وهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ، وَوَكِيعٍ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَإِلَيْهِ مَيَلَانُ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإِنَّهُ قَالَ فِي صَحِيحِهِ : بَابُ مَنْ قَالَ لَا رَضَاعَ بَعْدَ حَوْلَيْنِ إِلَى أَنْ قَالَ : وَمَا يُحَرِّمُ مِنْ قَلِيلِ الرَّضَاعِ وَكَثِيرِهِ . انْتَهَى ، قَالَ الْحَافِظُ : وَهَذَا مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى التَّمَسُّكِ بِالْعُمُومِ الْوَارِدِ فِي الْأَخْبَارِ . انْتَهَى . قُلْتُ : اسْتَدَلَّ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ بِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَإِطْلَاقِ حَدِيثِ : " إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا حَرَّمَ مِنَ النَّسَبِ " ، وغَيْرِ ذَلِكَ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَقَوَّى مَذْهَبَ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْأَخْبَارَ اخْتَلَفَتْ فِي الْعَدَدِ ، وعَائِشَةُ الَّتِي رَوَتْ ذَلِكَ قَدْ اخْتُلِفَ عَلَيْهَا فِيمَا يُعْتَبَرُ مِنْ ذَلِكَ . فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَى أَقل مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ ، ويُعَضِّدُهُ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ

[2/200]

أَنَّهُ مَعْنًى طَارِئٌ يَقْتَضِي تَأْيِيدَ التَّحْرِيمِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ كَالصِّهْرِ ، أَوْ يُقَالُ : مَائِعٌ يَلِجُ الْبَاطِنَ فَيُحَرِّمُ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ كَالْمَنِيِّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وأَيْضًا فَقَوْلُ عَائِشَةَ : عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ ، فَمَاتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُنَّ مِمَّا يُقْرَأُ . لَا يَنْتَهِضُ لِلِاحْتِجَاجِ عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ قَوْلَيْ الْأُصُولِيِّينَ ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالتَّوَاتُرِ ، وَالرَّاوِي رَوَى هَذَا عَلَى أَنَّهُ قُرْآنٌ لَا خَبَرٌ ، فَلَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ قُرْآنًا ، وَلَا ذَكَرَ الرَّاوِي أَنَّهُ خَبَرٌ لِيُقْبَلَ قَوْلُهُ فِيهِ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَاكِمِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث