بَاب مَا جَاءَ فِي الْغَيْرَةِ
حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ ، ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ ، عَنْ الْحَجَّاجِ الصَّوَّافِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ ، وَالْمُؤْمِنُ يَغَارُ ، وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ وَفِي الْبَاب عَنْ عَائِشَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ . حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ أَسْمَاءَ ابنة أَبِي بَكْرٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الْحَدِيثُ وَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ ، وحَجَّاجُ الصَّوَّافُ : هُوَ حَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ ، وَأَبُو عُثْمَانَ اسْمُهُ مَيْسَرَةُ ، وحَجَّاجُ يُكْنَى أَبَا الصَّلْتِ ، وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ القطان . حدثنا أبو عيسى نَا أَبُو بَكْرٍ الْعَطَّارُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عبد الله الْمَدِينِيِّ قَالَ : سَأَلْتَ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ ، عَنْ حَجَّاجٍ الصَّوَّافِ فَقَالَ : ثِقَةٌ ، فَطِنٌ ، كَيِّسٌ .
باب ما جاء في الْغَيْرَةِ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا رَاءٌ ، قَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ : هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ تَغَيُّرِ الْقَلْبِ وَهَيَجَانِ الْغَضَبِ بِسَبَبِ الْمُشَارَكَةِ فِيمَا بِهِ الِاخْتِصَاصُ وَأَشَدُّ مَا يَكُونُ ذَلِكَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ . هَذَا فِي حَقِّ الْآدَمِيِّ ، وَأَمَّا فِي حَقِّ اللَّهِ ، فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَحْسَنُ مَا يُفَسَّرُ بِهِ مَا فُسِّرَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَعْنِي : حَدِيثَ الْبَابِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ قَالَ عِيَاضٌ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْغَيْرَةُ فِي حَقِّ اللَّهِ : الْإِشَارَةَ إِلَى تَغْيِيرِ حَالِ فَاعِلِ ذَلِكَ ، وقِيلَ : الْغَيْرَةُ فِي الْأَصْلِ الْحَمِيَّةُ وَالْأَنَفَةُ ، وهُوَ تَفْسِيرٌ بِلَازِمِ التَّغَيُّرِ فَيَرْجِعُ إِلَى الْغَضَبِ ، وقَدْ نَسَبَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِلَى نَفْسِهِ الْغَضَبَ وَالرِّضَا ، وقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : التَّغَيُّرُ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ بِالدَّلَالَةِ الْقَطْعِيَّةِ فَيَجِبُ تَأْوِيلُهُ بِلَازِمِهِ كَالْوَعِيدِ وَإِيقَاعِ الْعُقُوبَةِ بِالْفَاعِلِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ . انْتَهَى .
قَوْلُهُ : ( إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ ) بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ، مِنَ الْغَيْرَةِ ، وَمَعْنَى غَيْرَةِ اللَّهِ مُبَيَّنٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ( وَالْمُؤْمِنُ يَغَارُ ) تَقَدَّمَ مَعْنَى الْغَيْرَةِ فِي الْآدَمِيِّ ( وَغَيْرَةُ اللَّهِ : أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ ) مِنَ الْفَوَاحِشِ وَسَائِرِ الْمَنْهِيَّاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ . قَوْلُهُ : ( وفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْكُسُوفِ وَالنِّكَاحِ ( وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ) لِيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ .
قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ أَسْمَاءَ ابْنَةِ أَبِي بَكْرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الْحَدِيثَ ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ( يُكَنَّى أَبَا الصَّلْتِ ) بِمَفْتُوحَةٍ وَسُكُونِ لَامٍ وَبِمُثَنَّاةٍ فَوْق ، كَذَا فِي الْمُغْنِي . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى نَا أَبُو بَكْرٍ الْعَطَّارُ إِلَخْ ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ فَهُوَ مَقُولَةُ تِلْمِيذِ التِّرْمِذِيِّ ، وَلَيْسَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى ، بَلْ فِيهِ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْعَطَّارُ إِلَخْ . قَوْلُهُ : ( هُوَ فَطِنٌ كَيِّسٌ ) أَيْ : حَاذِقٌ عَاقِلٌ ، وَفَطِنٌ بِفَتْحِ الْفَاءِ ، وَكَسْرِ الطَّاءِ مِنَ الْفِطْنَةِ ، وَكَيِّسٌ كَجَيِّدٌ مِنَ الْكَيْسِ ، وَهُوَ خِلَافُ الْحُمْقِ وَالْعَقْلِ .