بَاب مَا جَاءَ فِي تَرْكِ الشُّبُهَاتِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أبواب الْبُيُوعِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بَاب مَا جَاءَ فِي تَرْكِ الشُّبُهَاتِ
1205 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ ، لَا يَدْرِي كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ أَمِنْ الْحَلَالِ هِيَ أَمْ مِنْ الْحَرَامِ ، فَمَنْ تَرَكَهَا اسْتِبْرَاءً لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ فَقَدْ سَلِمَ ، وَمَنْ وَاقَعَ شَيْئًا مِنْهَا يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَ الْحَرَامَ ، كَمَا أَنَّهُ مَنْ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى ، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ .
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، ، ثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، قَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ . أبواب الْبُيُوعِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
بَاب مَا جَاءَ فِي تَرْكِ الشُّبُهَاتِ .
قَوْلُهُ : ( عَنِ الشَّعْبِيِّ ) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِمُوَحَّدَةٍ هُوَ عَامِرُ بْنُ شَرَاحِيلَ الْفَقِيهُ الْمَشْهُورُ ، قَالَ مَكْحُولٌ : مَا رَأَيْتُ أَفْقَهَ مِنْهُ ، ثِقَةٌ فَاضِلٌ تُوفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَمِائَةٍ . قَوْلُهُ : ( الْحَلَالُ بَيِّنٌ ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَكْسُورَةِ ، أَيْ : وَاضِحٌ لَا يَخْفَى حِلُّهُ بِأَنْ وَرَدَ نَصٌّ عَلَى حِلِّهِ ، أَوْ مُهِّدَ أَصْلٌ يُمْكِنُ اسْتِخْرَاجُ الْجُزْئِيَّاتِ مِنْهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّامَ لِلنَّفْعِ فَعُلِمَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْحِلُّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَضَرَّةٌ ( وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ ) أَيْ : ظَاهِرٌ لَا تَخْفَى حُرْمَتُهُ بِأَنْ وَرَدَ نَصٌّ عَلَى حُرْمَتِهِ كَالْفَوَاحِشِ وَالْمَحَارِمِ وَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَنَحْوِهَا ، أَوْ مُهِّدَ مَا يُسْتَخْرَجُ مِنْهُ نَحْوُ كُلِّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ . ( وَبَيْنَ ذَلِكَ ) الْمَذْكُورِ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ، وفِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ وَبَيْنَهُمَا ( مُشْتَبِهَاتٌ ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ ، أَيْ : أُمُورٌ مُلْتَبِسَةٌ غَيْرُ مُبَيَّنَةٍ لِكَوْنِهَا ذَاتَ جِهَةٍ إِلَى كُلٍّ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ( لَا يَدْرِي كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ) قَالَ الْحَافِظُ : مَفْهُومُ قَوْلِهِ كَثِيرٌ أَنَّ مَعْرِفَةَ حُكْمِهَا مُمْكِنٌ ، لَكِنْ لِلْقَلِيلِ مِنَ النَّاسِ ، وَهُمْ الْمُجْتَهِدُونَ ، فَالشُّبُهَاتُ عَلَى هَذَا فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ ، وقَدْ تَقَعُ لَهُمْ حَيْثُ لَا يَظْهَرُ لَهُمْ تَرْجِيحُ أَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ ( فَمَنْ تَرَكَهَا ) أَيْ : الْمُشْتَبِهَاتِ ( اسْتِبْرَاءً ) اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْبَرَاءَةِ أَيْ : طَلَبًا لِلْبَرَاءَةِ . ( لِدِينِهِ ) مِنَ الذَّمِّ الشَّرْعِيِّ . ( وَعِرْضِهِ ) مِنْ كَلَامِ الطَّاعِنِ . ( فَقَدْ سَلِمَ ) مِنَ الذَّمِّ الشَّرْعِيِّ وَالطَّعْنِ .
( وَمَنْ وَاقَعَ شَيْئًا مِنْهَا ) أَيْ : مَنْ وَقَعَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُشْتَبِهَاتِ . ( يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَ الْحَرَامَ ) أَيْ : أَنْ يَقَعَ فِيهِ ( كَمَا أَنَّهُ مَنْ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ مِيمٍ مُخَفَّفَةٍ ، وَهُوَ الْمَرْعَى الَّذِي يَحْمِيهِ السُّلْطَانُ مِنْ أَنْ يَرْتَعَ مِنْهُ غَيْرُ رُعَاةِ دَوَابِّهِ ، وهَذَا الْمَنْعُ غَيْرُ جَائِزٍ إِلَّا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ . ( يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ ) أَيْ : يَقْرَبُ أَنْ يَقَعَ فِي الْحِمَى . قَالَ الْحَافِظُ : فِي اخْتِصَاصِ التَّمْثِيلِ بِذَلِكَ نُكْتَةٌ ، وَهِيَ أَنَّ مُلُوكَ الْعَرَبِ كَانُوا يَحْمُونَ لِمَرَاعِي مَوَاشِيهِمْ أَمَاكِنَ مُخْتَصَّةً يَتَوَعَّدُونَ مَنْ يَرْعَى فِيهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ بِالْعُقُوبَةِ الشَّدِيدَةِ ، فَمَثَّلَ لَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا هُوَ مَشْهُورٌ عِنْدَهُمْ ، فَالْخَائِفُ مِنَ الْعُقُوبَةِ الْمُرَاقِبُ لِرِضَا الْمَلِكِ يَبْعُدُ عَنْ ذَلِكَ الْحِمَى خَشْيَةَ أَنْ تَقَعَ مَوَاشِيهِ فِي شَيْءٍ مِنْهُ ، فَبُعْدُهُ أَسْلَمُ لَهُ ، وَلَوْ اشْتَدَّ حَذَرُهُ ، وغَيْرُ الْخَائِفِ الْمُرَاقِبُ يَقْرَبُ مِنْهُ وَيَرْعَى مِنْ جَوَانِبِهِ فَلَا يَأْمَنُ أَنْ تَنْفَرِدَ الْفَاذَّةُ فَتَقَعَ فِيهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، أَوْ يَمْحَلُ الْمَكَانُ الَّذِي هُوَ فِيهِ وَيَقَعُ الْخِصْبُ فِي الْحِمَى فَلَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ ، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الْمَلِكُ حَقًّا وَحِمَاهُ مَحَارِمُهُ . ( أَلَا ) مُرَكَّبَةٌ مِنْ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَحَرْفِ النَّفْيِ لِإِعْطَاءِ مَعْنَى التَّنْبِيهِ عَلَى تَحَقُّقِ مَا بَعْدَهَا . ( وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى ) أَيْ : عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ أَوِ إِخْبَارٌ عَمَّا يَكُونُ عَلَيْهِ ظُلْمَةُ الْإِسْلَامِيَّةِ ، قَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ : الْأَظْهَرُ أَنَّ الْوَاوَ هِيَ الِابْتِدَائِيَّةُ الَّتِي تُسَمِّي النُّحَاةُ الِاسْتِئْنَافِيَّةَ الدَّالَّةَ عَلَى انْقِطَاعِ مَا بَعْدَهَا عَمَّا قَبْلَهَا فِي الْجُمَلِ كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي ( أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ ) وَهِيَ أَنْوَاعُ الْمَعَاصِي ، فَمَنْ دَخَلَهُ بِارْتِكَابِ شَيْءٍ مِنْهَا اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ عَلَيْهِ ، زَادَ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ .