بَاب أَدِّاء الْأَمَانَةَ إِلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ
باب
1264 حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، ، ثَنَا طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ ، عَنْ شَرِيكٍ ، وَقَيْسٌ ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ ، ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَالُوا : إِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ عَلَى آخَرَ شَيْءٌ فَذَهَبَ بِهِ فَوَقَعَ لَهُ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ عَنْهُ بِقَدْرِ مَا ذَهَبَ لَهُ عَلَيْهِ وَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ التَّابِعِينَ ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَقَالَ : إِنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ فَوَقَعَ لَهُ عِنْدَهُ دَنَانِيرُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ بِمَكَانِ دَرَاهِمِ إِلَّا أَنْ يَقَعَ عِنْدَهُ لَهُ دَرَاهِمُ ، فَلَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَحْبِسَ مِنْ دَرَاهِمِهِ بِقَدْرِ مَا لَهُ عَلَيْهِ .
باب
قَوْلُهُ : ( ثَنَا طَلْقُ بْنُ الغَنَّامٍ ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَشَدَّةِ النُّونِ النَّخَعِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْكُوفِيُّ ، ثِقَةٌ مِنْ كِبَارِ الْعَاشِرَةِ ( عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ اسْمُهُ عُثْمَانُ بْنُ عَاصِمِ بن حُصَيْنٍ الْأَسَدِيُّ الْكُوفِيُّ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ . قَوْلُهُ : ( أَدِّ الْأَمَانَةَ ) هِيَ كُلُّ حق لَزِمَكَ أَدَاؤُهُ ، والْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ ، قَالَ اللَّهُ
تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ( إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ ) أَيْ : عَلَيْهَا ( وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ ) أَيْ : لَا تُعَامِلْهُ بِمُعَامَلَتِهِ ، وَلَا تُقَابِلْ خِيَانَتَهُ بِخِيَانَتِكَ ، قَالَ فِي سُبُلِ السَّلَامِ : وفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجَازَي بِالْإِسَاءَةِ مَنْ أَسَاءَ ، وحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ، وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ عَلَى الْجَوَازِ وَهَذِهِ هِيَ الْمَعْرُوفَةُ بِمَسْأَلَةِ الظَّفَرِ ، وفِيهَا أَقْوَالٌ لِلْعُلَمَاءِ . هَذَا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ مِنْ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا أُخِذَ عَلَيْهِ ، أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، والثَّانِي : يَجُوزُ إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا أُخِذَ عَلَيْهِ لَا مِنْ غَيْرِهِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ : بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَقَوْلِهِ مِثْلُهَا وَهُوَ رَأْيُ الْحَنَفِيَّةِ ، والثَّالِثُ : لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إِلَّا لِحُكْمِ الْحَاكِمِ ، لِظَاهِرِ النَّهْيِ فِي الْحَدِيثِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَأُجِيبَ أَنَّهُ لَيْسَ أَكْلًا للباطل ، والْحَدِيثُ يُحْمَلُ فِيهِ النَّهْيُ عَلَى النَّدْبِ . الرَّابِعُ : لِابْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ حَقِّهِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ نَوْعِ مَا هُوَ عَلَيْهِ ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَيَبِيعُ وَيَسْتَوفِي حَقَّهُ . فَإِنْ فَضَلَ عَلَى مَا هُوَ لَهُ رَدَّهُ لَهُ ، أَوْ لِوَرَثَتِهِ ، وإِنْ نَقَصَ بَقِيَ فِي ذِمَّةِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ . فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا أَنْ يُحَلِّلَهُ ، أَوْ يُبَرِّئَهُ فَهُوَ مَأْجُورٌ . فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ الَّذِي لَهُ لَا بَيِّنَةَ لَهُ عَلَيْهِ وَظَفَرَ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِ مَنْ عِنْدَهُ لَهُ الْحَقُّ أَخَذَهُ ، فَإِنْ طُولِبَ أَنْكَرَ ، فَإِنِ اسْتُحْلِفَ حَلَفَ وَهُوَ مَأْجُورٌ فِي ذَلِكَ ، قَالَ : وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ وَأَصْحَابِهِمَا : وَكَذَلِكَ عِنْدَنَا كُلُّ مَنْ ظَفَرَ لِظَالِمٍ بِمَالٍ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَخْذُهُ ، وَإِنْصَافُ الْمَظْلُومِ مِنْهُ ، وَاسْتُدِلَّ بِالْآيَتَيْنِ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ﴾وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهِنْدٍ امْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ : خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوُلْدَكِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَبِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ : إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ وَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ وَاسْتَدَلَّ لِكَوْنِهِ إِذَا لَمْ يَفْعَلْ عَاصِيًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى الْآيَةِ ، وبِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ رَأَى مُنْكَرًا الْحَدِيثِ ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَقَالَ : هُوَ مِنْ رِوَايَةِ طَلْقِ بْنِ غَنَّامٍ ، عَنْ شَرِيكٍ ، وَقَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ ، وَكُلُّهُمْ ضَعِيفٌ ، قَالَ : وَلَئِنْ صَحَّ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ انْتِصَافُ الْمَرْءِ مِنْ حَقِّهِ خِيَانَةً ، بَلْ هُوَ حَقٌّ وَاجِبٌ ، وَإِنْكَارُ مُنْكَرٍ . انْتَهَى مُخْتَصَرًا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَسَكَتَ عَنْهُ ، ونَقَلَ الْمُنْذِرِيُّ تَحْسِينَ التِّرْمِذِيِّ وَأَقَرَّهُ ، وقَالَ الزَّيْلَعِيُّ : قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ : وَالْمَانِعُ مِنْ تَصْحِيحِهِ أَنَّ شَرِيكًا ، وَقَيْسَ بْنَ الرَّبِيعِ مُخْتَلَفٌ فِيهِمَا . انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ : وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ . انْتَهَى ، وقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : وفِي الْبَابِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عِنْدَ ابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي الْعِلَلِ الْمُتَنَاهِيَةِ : وفِي إِسْنَادِهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ ، وأَخْرَجَهُ أَيْضًا الدَّارَقُطْنِيُّ ، وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ ، وَالطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ ، وعَنْ أَنَسٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَالطَّبَرَانِيِّ ، وَالْبَيْهَقِيِّ ، وعَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَأَبِي دَاوُدَ ، وَالْبَيْهَقِيِّ ، وفِي إِسْنَادِهِ مَجْهُولٌ آخَرُ غَيْرُ الصَّحَابِيِّ ؛ لِأَنَّ يُوسُفَ بْنَ مَاهِكٍ رَوَاهُ عَنْ فُلَانٍ عَنْ آخَرَ ، وَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ وَعَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِثَابِتٍ ، وقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : لَا يَصِحُّ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ ، وقَالَ أَحْمَدُ : هَذَا حَدِيثٌ بَاطِلٌ لَا أَعْرِفُهُ مِنْ وَجْهٍ يَصِحُّ ، قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : لَا يَخْفَى أَنَّ وُرُودَهُ بِهَذِهِ الطُّرُقِ الْمُتَعَدِّدَةِ مَعَ تَصْحِيحِ إِمَامَيْنِ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُعْتَبَرِينَ لِبَعْضِهَا وَتَحْسِينِ إِمَامٍ ثَالِثٍ مِنْهُمْ مِمَّا يَصِيرُ بِهِ الْحَدِيثُ مُنْتَهِضًا لِلِاحْتِجَاجِ . انْتَهَى .