بَاب مَا جَاءَ فِي الِاحْتِكَارِ
بَاب مَا جَاءَ فِي الِاحْتِكَارِ
1267 حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فضْلَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ ، فَقُلْتُ لِسَعِيدٍ : يَا أَبَا مُحَمَّدٍ ، إِنَّكَ تَحْتَكِرُ ، قَالَ : وَمَعْمَرٌ قَدْ كَانَ يَحْتَكِرُ . وَإِنَّمَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ كَانَ يَحْتَكِرُ الزَّيْتَ وَالْخَبَطَ وَنَحْوَ هَذَا ، وَفِي الْبَاب عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأَبِي أُمَامَةَ وَابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه ، حَدِيثُ مَعْمَرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، كَرِهُوا احْتِكَارَ الطَّعَامِ وَرَخَّصَ بَعْضُهُمْ فِي الِاحْتِكَارِ فِي غَيْرِ الطَّعَامِ . وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : لَا بَأْسَ بِالِاحْتِكَارِ فِي الْقُطْنِ وَالسِّخْتِيَانِ وَنَحْوِه .
بَاب مَا جَاءَ فِي الِاحْتِكَارِ
قَالَ الْحَافِظُ : الِاحْتِكَارُ الشَّرْعِيُّ إِمْسَاكُ الطَّعَامِ عَنِ الْبَيْعِ وَانْتِظَارُ الْغَلَاءِ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ وَحَاجَةُ النَّاسِ إِلَيْهِ ، وبِهَذَا فَسَّرَهُ مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وعَنْ أَحْمَدَ : إِنَّمَا يَحْرُمُ احْتِكَارُ الطَّعَامِ الْمُقْتَاتِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ . انْتَهَى .
قَوْلُهُ : ( لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ ) بِالْهَمْزِ ، أَيْ : عَاصٍ آثِمٌ ، ورَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ : مَنِ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : الِاحْتِكَارُ الْمُحَرَّمُ هُوَ فِي الْأَقْوَاتِ خَاصَّةً بِأَنْ يَشْتَرِيَ الطَّعَامَ فِي وَقْتِ الْغَلَاءِ ، وَلَا يَبِيعَهُ فِي الْحَالِ ، بَلِ ادَّخَرَهُ لِيَغْلُوَ ، فَأَمَّا إِذَا جَاءَ مِنْ قَرْيَةٍ أَوِ اشْتَرَاهُ فِي وَقْتِ الرُّخْصِ وَادَّخَرَهُ وَبَاعَهُ فِي وَقْتِ الْغَلَاءِ فَلَيْسَ بِاحْتِكَارٍ ، وَلَا تَحْرِيمَ فِيهِ ، وَأَمَّا غَيْرُ الْأَقْوَاتِ فَلَا يَحْرُمُ الِاحْتِكَارُ فِيهِ بِكُلِّ حَالٍ . انْتَهَى ، واسْتَدَلَّ مَالِكٌ بِعُمُومِ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الِاحْتِكَارَ حَرَامٌ مِنَ الْمَطْعُومِ ، وَغَيْرِهِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلِكِ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ ، كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . قَوْلُهُ : ( فَقُلْتُ ) قَائِلُهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ( لِسَعِيدٍ ) أَيْ : ابْنِ الْمُسَيِّبِ ( يَا أَبَا مُحَمَّدٍ ) كُنْيَةُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ( إِنَّكَ تَحْتَكِرُ قَالَ : وَمَعْمَرٌ ) أَيْ : ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَضَالَةَ . ( قَدْ كَانَ يَحْتَكِرُ ) أَيْ : فِي غَيْرِ الْأَقْوَاتِ ( وَالْخَبَطَ ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ الْوَرَقُ السَّاقِطُ ، أَيْ : عَلَفُ الدَّوَابِّ ( وَنَحْوَ هَذَا ) أَيْ : مِنْ غَيْرِ الْأَقْوَاتِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَآخَرُونَ إِنَّمَا كَانَا يَحْتَكِرَانِ الزَّيْتَ ، وحَمَلَا الْحَدِيثَ عَلَى احْتِكَارِ الْقُوتِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ ، وكَذَلِكَ حَمَلَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَآخَرُونَ . قَوْلُهُ : ( وفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ ) مَرْفُوعًا : مَنِ احْتَكَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ طَعَامَهُمْ ضَرَبَهُ اللَّهُ بِالْجُذَامَ وَالْإِفْلَاسِ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : إِسْنَادُهُ حَسَنٌ ، وعَنْهُ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ والحاكم وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ . ( وَعَلِيٍّ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى حَدِيثِهِ ( وَأَبِي أُمَامَةَ ) مَرْفُوعًا : مَنِ احْتَكَرَ طَعَامًا أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَفَّارَةً أَخْرَجَهُ رَزِينٌ ( وَابْنِ عُمَرَ ) مَرْفُوعًا : مَنِ احْتَكَرَ طَعَامًا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللَّهِ وَبَرِئَ مِنْهُ . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ ، وفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : مَنِ احْتَكَرَ حُكْرَةً يُرِيدُ أَنْ
يُغَالِيَ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ خَاطِئٌ ، أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ وَسَكَتَ عَنْهُ ، وعَنْ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا : مَنِ احْتَكَرَ طَعَامًا عَلَى أُمَّتِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَتَصَدَّقَ بِهِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ . أَخْرَجَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ . قَوْلُهُ : ( وَرَخَّصَ بَعْضُهُمْ فِي الِاحْتِكَارِ فِي غَيْرِ الطَّعَامِ ) وَاحْتَجُّوا بِالرِّوَايَاتِ الَّتِي فِيهَا التَّصْرِيحُ بِلَفْظِ الطَّعَامِ ، قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : وَظَاهِرُ أَحَادِيثِ الْبَابِ أَنَّ الِاحْتِكَارَ مُحَرَّمٌ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ قُوتِ الْآدَمِيِّ وَالدَّوَابِّ وَبَيْنَ غَيْرِهِ ، والتَّصْرِيحُ بِلَفْظِ الطَّعَامِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ لَا يَصْلُحُ لِتَقْيِيدِ بَاقِي الرِّوَايَاتِ الْمُطْلَقَةِ ، بَلْ هُوَ مِنَ التَّنْصِيصِ عَلَى فَرْدٍ مِنَ الْأَفْرَادِ الَّتِي يُطْلَقُ عَلَيْهَا الْمُطْلَقُ وَذَلِكَ لِأَنَّ نَفْيَ الْحُكْمِ عَنْ غَيْرِ الطَّعَامِ إِنَّمَا هُوَ لِمَفْهُومِ اللَّقَبِ ، وَهُوَ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ لِلتَّقْيِيدِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ لَا بَأْسَ بِالِاحْتِكَارِ بِالْقُطْنِ وَالسِّخْتِيَانِ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : السِّخْتِيَانُ وَيُفْتَحُ جِلْدُ الْمَاعِزِ إِذَا دُبِغَ مُعَرَّبٌ .